ابتلاء الله لعباده المؤمنين

عبدالله بن حسن القعود
عناصر الخطبة
  1. الابتلاء على قدر الإيمان .
  2. الحكمة من الابتلاء .
  3. عبء الإيمان كبير وتكاليفه شاقة إلاّ على النفوس المؤمنة بالله .
  4. الابتلاء بالخير والشر .
  5. نماذج من ابتلاءات الأنبياء وعاقبة ذلك لهم .
  6. أهمية الصبر على الابتلاءات .

اقتباس

والله -جلّت قدرته وتعالت أسماؤه- يعلم عباده أن الإيمان ليس مجرد دعوى أو أمنية فحسب، ولكنه حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد، وصبر وتحمل لا يحملها إلا من في قلوبهم تجرّد لها وإخلاص؛ فلا يكفي أن يقول الناس آمنا ويتركوا لهذه الدعوى

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله وليّ المتّقين وناصر المؤمنين، أحمده تعالى وأشكره، على ما أولانا من النِّعم وصرف عنا من النقم، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أنّ سيِّدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليماً كثيراً.

روى البخاري ومسلم -رحمهما الله- عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدمع عن وجهه وهو يقول: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ".

أمَّا بعد:

فيا عباد الله: لقد جرت سنة الله في عبادِهِ المؤمنين أن يبْتَلِيَهم ابتِلاءً يقوى بقوّةِ الإيمان ويضْعُفُ بِضعفهِ، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجلُ على حَسْبِ دينِهِ، فإن كان في دينهِ صلباً زيد له في البلاء " ويقول: " من يرد الله به خيراً يُصب منه " رواه البخاري.

يبتليهم تعالى ابتلاءً ليس ابتلاء إهانة وتعذيب، فحاشا حكمة الله وعدله، ولكنه ابتلاء تمحيص وتهذيب (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [آل عمران:141] وذلكم الابتلاء لأسرار وحِكَم بالغة، منها ما في قوله سبحانه: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [الملك:2]، (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء:35]؛ والفتنة هنا بمعنى الامتحان والاختبار اللذين يُظهران حقيقة من يَدّعي الإيمان على وجه الحق والصدق، ومن يدعيه تقية ونفاقاً ليحصل على ما لأهلِهِ في صف المُسلمين من حُرمةٍ وتقدير.

يقول الله تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت:1-3] ويقول: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد:31].

والله -جلّت قدرته وتعالت أسماؤه- يعلم عباده أن الإيمان ليس مجرد دعوى أو أمنية فحسب، ولكنه حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد، وصبر وتحمل لا يحملها إلا من في قلوبهم تجرّد لها وإخلاص؛ فلا يكفي أن يقول الناس آمنا ويتركوا لهذه الدعوى... حتى لا يتعرضوا للفتنة فيثبتوا لها ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خالصة قلوبهم كما تفتن الناس الذهب فتفصل بينه وبين العناصر العالقة به.

أيها المسلمون: مما تقدم يُعلم أن عبء الإيمان لكبير، وإن تكاليفه لشاقة إلاّ على النفوس المؤمنة بالله إيماناً راسخاً، والمتقبلة لتكاليفه بطواعية ورغب فيما عند الله وما وعد به المؤمنين من نصر وعزّ في الدنيا وثواب مضاعف في الآخرة. يقول تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنّها لكبيرة إلا على الخاشعين)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حُفّت النارُ بالشّهوات، وحُفّت الجنّةُ بالمكاره " رواه الشيخان.

نعم؛ عبء الإيمان شاق وكبير ولكنّه سهل ويسير على من يسّره الله عليه، على النفوس التي تعرف أنّ العبء عندما يكون كبيراً يكون جزاؤه ومثوبته أكبر وأجلّ عند الله الذي يجزي عن الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف فوق ذلكم، والذي يقول: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) [فصلت:30-32] على أن قال تعالى: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت:35] ولا غرابة، فَكُلّما عَظُمَ الثمن المقدم عظم الثمن المستوفى بدله، فالشهيد الذي قدم نفسه، باع حياته لله عوض عنها بحياة أفضل ونعيم أكمل.

فيا أَيُّها الأخُ المؤمن: إنَّكَ وأَمْثَالُك من المؤمنين في هذه الحياة مُعرّضون لألوان من الابتلاء والاختبار، بخيرٍ أو بشر؛ بخيرٍ كالمال والصحة والولاية ليُرى هل تؤدي حق الله فيما أعطيت من ماء بأداء ما أوجب الله عليك فيه وتجنيبه الإنفاق منه والتعامل به المحرّمين، وهل قصرت النفس حال الصحة؟ والابتلاء على المأمورات وكبحت جماحها عن ارتكاب المنكرات، وهل أديت حق الله فيما استخلفت عليه من مصالح المسلمين؟ (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف:129]، (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) [الحج:41].

وكما يَبتلي تعالى عباده بالخير يبتليهم بالشر؛ كالمرض وتسليط الأعداء، وليس ذلكم -كما أسلفت- لإهانة أو تعذيب، ولكنه لتقوية الإيمان الحق والحصول على مثوبة الصبر على البلاء؛ كما حصل لنبي الله أيوب عليه السلام من الابتلاء بالمرض الذي بلغ به أن تخلى عنه جميع أهله؛ وأبينا إبراهيم عليه السلام من تسلط قومه وإلقائهم إياه في النار، ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الأذى، والمضايقة والتآمر ضده.

المؤامرة التي فضحها القرآن (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:30] وماذا كان؟

فأيوب كشف الله ضُرّه وآتاه أهله ومثلهم معهم رحمة من الله وذكرى لأولي الألباب، وإبراهيم، يقول الله للنّار التي أُجِّجت لإحراقه: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء:69]، ويجعله أمة يُقتدى به (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) [النحل:120] ويجعل له لسان صدق في الآخرين. ومحمد الذي أُفلت من تلكم المؤامرة الدنيئة وخرج من مكة متخفياً مطارداً يعود يطل عليها من أعلى طريق فيها فاتحاً، بل يطل على الدنيا، على الأمة جميعها موجهها إلى رب واحد، وقبلة واحدة، وقيادة واحدة، ويصبح هو إمامها بما بلّغها عن الله إلى يوم القيامة، بل وفرطها على الحوض وشفيعها عند الله وفاتح باب الجنة لها.

فاتَّقوا الله -أيُّها المسلمون- اتقوه تقوى المؤمن الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: " عجباً للمؤمن، إنّ أمره كُلّه خير، إن أصابَتهُ سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ".

اتّقوا الله واثبتوا على إيمانكم الذي جاء من عند الله، واصبروا على ما قد تبتلون به وما كُلِّفتم به من الله، وأدّوا حق الله فيما أعطاكم وولاكم، ولا يطغينكم عز ورخاء أو صحة وثراء، ولا تضعفنكم الأحداث والشدائد والمضايقات، فما هي إلا أيام قليلة ثم يأتي فرج الله ونصره ومثوبته لمن قام بأمره، كما جاء لأيوب وإبراهيم ومحمد عليه السلام، وأتباعهم ممن ابتلوا وأُوذوا في الله، وستكون العُقبى لأتباعهم كما كانت لهم من قبل -إن شاء الله- (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) [الشرح:5-6] (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) [الطلاق:7].

أقول قولي هذا، وأسأل الله تعالى أن يثبت أقدامنا، وينصرنا على القوم الكافرين.

 

  


تم تحميل المحتوى من موقع
الجمهرة معلمة مفردات المحتوى الأسلامي