الاستعاذة في الكتاب والسنة

عبدالمحسن بن محمد القاسم

عناصر الخطبة

  1. ضعف الإنسان وحاجته إلى معين وناصر
  2. الاستعاذة من المخاوِف عبادةٌ من أجلِّ العبادات
  3. أهمية الاستعاذة بالله في الكُروب ودفع المكارِه والشُّرور
  4. الشيطان أساسُ كل شرّ وبليَّة
  5. أماكن وحالات يحضرها الشيطان
  6. فضائل الاستِعاذة بالله تعالى.

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتَّقوا الله – عباد الله – حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقَى.

أيها المسلمون:

نعَتَ الله نفسَه بصفات الجلال والجمال والكمال، فأسماؤُه حُسنى وصفاتُه عُلى، خلقَ فأبدعَ وأتقنَ ما صنع.

ومن كمال حكمته وقُدرته أن خلقَ من كل شيءٍ زوجين اثنين؛ فخلقَ الشيءَ وضدَّه من ليلٍ ونهار، وذكرٍ وأنثى، وخيرٍ وشرٍّ.

والعبدُ ضعيفٌ ولا غِنى له عن الله في كل حال، يسألُه الخيرَ ويستعيذُ به من الشر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].

وهو – سبحانه – المدعُوُّ عند الشدائد، المرجُوُّ عند النوازِل، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

وهو الذي يمسُّ بالضُّرِّ وهو الذي يكشِفُه، قال – سبحانه -: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 17].

وأمرَ عبادَه بدعائِه وحدَه ووعدَهم الإجابة، وذلك من حقِّه الذي لا يشرَكُه فيه غيرُه.

ومن دُعائِه: الاستعاذةُ به من المخاوِف، فهي عبادةٌ من أجلِّ العبادات، يظهرُ فيها تعظيمُ الله وتعلُّق القلب به وإفرادُه بالطلب والافتِقار، وعلى قدرِ صِدق العبد ولجُوئِه إلى الله يتحقَّقُ مُبتغاه، قال الله في الحديث القُدسي إذا أحبَّ عبدَه: «وإن سألَني لأُعطينَّه، ولئن استعاذَني لأُعيذنَّه» (رواه البخاري).

ومن كان لله أعظمَ عبوديةً كان أشدَّ استِعاذةً به ولجُوءًا إليه.

والرسلُ – عليهم السلام – كانوا يعوذون بالله في الكُروب ودفع المكارِه والشُّرور، لما نهَى الله نوحًا – عليه السلام – عن الدعاء لابنِه لكفره بالله، قال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: 47].

ويوسف – عليه السلام – اعتصمَ بالله من الفتنة: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: 23].

وموسى – عليه السلام – لما توهَّم قومُه أنه يسخرُ بهم بأمره ونهيِه، قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: 67].

وتكبَّر فرعونُ وقومُه على دعوته فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 27].

واستعاذَ – عليه السلام – من أذيَّة فرعون وجُنده له، فقال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: 20].

وأولياءُ الله لجأوا إليه؛ امرأةُ عمران وضعَت حملَها وقالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36].

قال – عليه الصلاة والسلام -: «ما من مولودٍ يُولَد إلا نخسَه الشيطان، فيستهلُّ صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابنَ مريم وأمَّه» (متفق عليه).

ومريم – عليه السلام – جاءَها الملَكُ لنفخ الروح فيها، فظنَّت أنه بشرٌ يُريدُ بها سُوءًا، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18].

ونبيُّنا محمدٌ – صلى الله عليه وسلم- كان دائِمَ اللُّجوء إلى ربِّه مُقبِلاً عليه في كل أحواله؛ فيستعيذُ بالله إذا أصبحَ وإذا أمسَى، وإذا سافرَ وأقام، وفي السِّلم والحرب، وإذا أخذَ مضجعَه للنوم أو استيقظَ، وعند دخول الخلاء.

وفي صلاتِه يُكثِرُ من التعوُّذات؛ ففي قيامِه في الصلاة إذا مرَّ بآية عذابٍ تعوَّذ، ويتعوَّذُ في سجوده وجُلوسه، وإذا رأى ما يكرَه لجأَ إلى الله واستعاذَ به، لا يدَعُ شرًّا إلا استعاذَ بالله منه، يستعيذُ بالله مما يُناقِضُ الإيمانَ وما يُنقِصُه، كان يقول: «وأعوذُ بك من الفقر، والكفر، والشرك، والنفاق، والسُّمعة، والرياء» (رواه ابن حبان).

ويُعلِّم أصحابَه ذلك ويحثُّهم عليه ويُعوِّذُ الصغار؛ فكان يُعوِّذُ الحسنَ والحسينَ -رضي الله عنهما- ويقول: «إن أباكما كان يُعوِذُ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذُ بكلمات الله التامة، من كل شيطانٍ وهامَّة، ومن كل عينٍ لامَّة» (رواه البخاري).

وكان يغرِسُ في النفوس عِظمَ شأن الاستِعاذة بالله؛ فيقول: «من استعاذَ بالله فأعيذُوه» (رواه أبو داود).

وقضَت حكمةُ الله أن لكل مسلمًا عدوًّا من شياطين الإنس والجن، قال – سبحانه -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ [الأنعام: 112] أي: وكذلك أتباعُهم ﴿عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112].

والشيطانُ هو العدوُّ المُبين، وأساسُ كل شرٍّ وبليَّة، يسعَى بكل سبيلٍ للضررِ بالعبدِ وشقائِه، ولا نجاةَ منه إلا بالله، وقد أنزلَ الله سورةً كاملةً في الاستِعاذة من شرِّه وشرِّ جنوده من الجنِّ والإنس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1].

ومن اعتصمَ بالله وأخلصَ له وتوكَّل عليه لا يقدِرُ على إغوائِه وإضلالِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99].

وأُمر المُسلم أن يستعيذَ من همَزَات الشياطين؛ أي: من نزغَاته ووساوسِه، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: 97].

وأعظمُ مقاصِد الشيطان: إغواءُ بني آدم وإضلالُهم: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82].

يُوسوِسُ للناس في أصول الإيمان، ولا نجاةَ منه إلا بالله، قال – عليه الصلاة والسلام -: «يأتي الشيطانُ أحدَكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلقَ كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟! فإذا بلغَه فليستعِذ بالله ولينتهِ» (رواه البخاري).

والله أمرَ بأوامر في محاسِن الدين وكسبِ قلوب الناس للإسلام؛ من الصفح، وأمر الناس بالمعروف، والإعراض عن الجاهل. والشيطانُ يصدُّ عن ذلك، ولا مخرجَ إلا بالاستِعاذة بالله منه، قال – سبحانه -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200)﴾ [الأعراف: 199، 200].

وكلما كان العملُ أنفعَ للعبد وأحبَّ إلى الله كان اعتراضُ الشيطان له أشدُّ؛ ففي الصلاة يُوسوِسُ للمُصلِّي، قال – عليه الصلاة والسلام -: «ذاك شيطان يُقال له: خَنزَب، فإذا أحسستَه فتعوَّذ بالله منه واتفُل على يسارِك ثلاثًا» (رواه مسلم).

وعند قراءة القرآن تُشرعُ الاستِعاذة منه، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98].

وأماكنُ الخلاء تكثُرُ فيها الشياطين، والعصمةُ منهم في الاستِعاذة بالله، يقول: «اللهم إني أعوذُ بك من الخُبث والخبائِث» – أي: من ذكور الشياطين وإناثهم–. (متفق عليه).

وفي الصباح والمساء نتعوَّذُ بالله من شرِّ الشيطان، قال أبو بكرٍ – رضي الله عنه -: يا رسولَ الله! مُرني بكلماتٍ أقولهنَّ إذا أصبحتُ وإذا أمسيتُ، قال: «قُل: اللهم فاطِر السماوات والأرض، عالِمَ الغيب والشهادة، ربَّ كل شيءٍ ومليكَه، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أعوذُ بك من شرِّ نفسي وشرِّ الشيطان وشِركِه»، قال: «قُلها إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ وإذا أخذتَ مضجعك» (رواه أبو داود).

والشيطانُ لا يدَعُ أذيَّةَ الإنسان حتى في منامِه، ومن رأى في نومِه ما يكرَهُ فليستعِذ بالله منه، قال – عليه الصلاة والسلام -: «إذا رأى أحدُكم الرؤيا يكرَهُها فليبصُق عن يساره ثلاثًا، وليستعِذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحوَّل عن جنبِه الذي كان عليه» (رواه مسلم).

والغضبُ مركبُ الشيطان وهو جمرةٌ في القلب تحمِلُ على المعاصِي والآثام، وذهابُ ذلك بالاستِعاذة.

قال سُليمان بن صُردٍ: كنتُ جالِسًا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – ورجُلان يستبَّان، فأحدُهما احمرَّ وجهُه وانتفخَت أوداجُه، فقال – عليه الصلاة والسلام -: «إني لأعلمُ كلمةً لو قالَها ذهبَ عنه ما يجِد، لو قال: أعوذُ بالله من الشيطان ذهبَ عنه ما يجِد» (رواه البخاري).

ويسعَى الشيطانُ للإضرار بابن آدم من أول ساعةٍ يلتقِي فيها الرجلُ بامرأته، وبالاستِعاذة يندفعُ ضررُه، قال – عليه الصلاة والسلام -: «لو أنَّ أحدَكم إذا أتَى أهلَه قال: بسمِ الله، اللهم جنِّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتَنا، فقُضِيَ بينهما ولدٌ لم يضُرّه شيطانٌ أبدًا» (متفق عليه).

وإذا سمِع الإنسانُ نهيقَ حمارٍ أُمِر بالاستِعاذة؛ لأنه رأى شيطانًا، قال – عليه الصلاة والسلام -: «إذا سمعتُم نهيقَ الحِمار فتعوَّذُوا بالله من الشيطان؛ فإنه رأى شيطانًا» (متفق عليه).

وقلوبُ العباد بين أُصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبُها كيف يشاء، فيهدي بعد ضلالٍ، ويُضلُّ بعد هُدى، وكان – عليه الصلاة والسلام – يقول: «اللهم إني أعوذُ بعزَّتك، لا إله إلا أنت أن تُضلَّني» (رواه مسلم).

واستعاذَ – عليه الصلاة والسلام – من الحَور بعد الكَور؛ أي: التحوُّل من الطاعة إلى المعصية.

ومُنتهى الضلال: الشركُ بالله، وأئمةُ المُوحِّدين يخافُونَه على أنفسهم؛ قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لأبي بكرٍ – رضي الله عنه -: «قُل: اللهم أني أعوذُ بك أن أُشرِك بك وأنا أعلم، وأستغفرُك لما لا أعلَم» (رواه البخاري في "الأدب").

والنفسُ أمَّارةٌ بالسوء، وفيها طِباعٌ من الشرِّ، والمُوفَّقُ من يحمِلُها على الطاعة، ويستعيذُ بالله من شرِّها، كان – عليه الصلاة والسلام – يقول: «اللهم أستهديكَ لأرشَد أمري، وأعوذُ بك من شرِّ نفسي» (رواه أحمد).

ومن السنة: الاستِعاذةُ بالله من النفس في مطلَع الخُطب: «ونعوذُ بالله من شُرور أنفُسنا، وسيئات أعمالنا» (رواه الترمذي).

وجوارِحُ الإنسان تكتنِفُها الشهوات، وصلاحُها باستِعمالها في الطاعات والنأْيِ بها عن الشُّرور والسيئات، مع دوام الاستِعاذة بالله مما يكون منها من الآفات؛ علَّم النبي – صلى الله عليه وسلم – أحدَ أصحابِه أن يقول: «اللهم إني أعوذُ بك من شرِّ سمعي، ومن شرِّ بصري، ومن شرِّ لساني، ومن شرِّ قلبي، ومن شرِّ منيِّي» – يعني: فرْجَه – (رواه الترمذي).

واستعاذَ – عليه الصلاة والسلام – من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشَع، ومن نفسٍ لا تشبَع، ومن دعوةٍ لا يُستجابُ لها.

والأعمالُ الصالحةُ كلُّها خيرٌ، والذنوبُ كلُّها شرٌّ. فافعَل الطاعةَ، وسَلِ اللهَ القبولَ والثباتَ عليها، وابتعِد عن المعصيةِ، واستعِذ بالله من شرِّها، قال – عليه الصلاة والسلام -: «أعوذُ بك من شرِّ ما صنَعتُ» (متفق عليه).

والظلمُ سببُ الهلاك، ودعوةُ المظلُوم لا تُردُّ، وقد استعاذَ النبي – صلى الله عليه وسلم – من شرِها، فكان إذا سافرَ يتعوَّذُ من دعوة المظلُوم (رواه مسلم).

والله يُحبُّ من الأخلاق أطيبَها، ويكرَهُ سيِّئَها، والمُسلمُ يمتثِلُ أعالِيَ الأخلاق والأعمال، وينهَى ويستعيذُ بالله من شرِّها، كان – عليه الصلاة والسلام – يقول: «اللهم إني أعوذُ بك من مُنكرات الأخلاق والأعمال والأهواء» (رواه الترمذي).

وحياةُ الإنسان محفوفةٌ بالشُّرور، والسبيلُ الأمثلُ للوقاية منها هو الاستِعاذةُ بالله، فهو الذي خلقَ الخلقَ، وهو القادرُ على دفع شُرورهم، كان – عليه الصلاة والسلام – إذا أوَى إلى فراشِه قال: «أعوذُ بك من شرِّ كل شيءٍ أنت آخِذٌ بناصيتِه» (رواه مسلم).

والحياةُ لا تبقَى على حالٍ، ومن رأى فيها تغيُّرًا بزوال نعمةٍ فليستعِذ بالله من ذلك، وكان من دُعاء النبي – صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أعوذُ بك من زوال نعمتِك» (رواه مسلم).

والله هو المُعيذُ من جهد البلاء، ودرَك الشقاء، وسُوء القضاء.

والفقرُ والغِنى مطايا إلى الخير أو الشرِّ، والسعادةُ في لُزوم التقوَى وإن اختلفَت المطايا، ومن استعاذَ بالله من شرِهما كفَاه الله ووقاه، والنبي – صلى الله عليه وسلم – كان يدعُو: «اللهم إني أعوذُ بك من فتنةِ النار وعذابِ النار، ومن شرِّ الغِنى والفقر» (رواه أبو داود).

والإسلامُ دينُ فرحٍ وسُرورٍ بما أنزل الله، وينهَى عن الأحزان والهُموم؛ لأنها تُضعِفُ العبدَ عن صلاح دينِه وبناءِ حياتِه، ومن دُعاء النبي – صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أعوذُ بك من الهمِّ والحَزَن» (متفق عليه).

وإذا حلَّ داءٌ في الجسد فعند الله الشفاء. فاستعِذ بالله من شرِ ما تجِدُ، فمنه الخيرُ والعافية.

شكا عُثمانُ بن أبي العاص – رضي الله عنه – إلى رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – وجعًا يجِدُه في جسده، فقال له – عليه الصلاة والسلام -: «ضَع يدَك على الذي تألَم من جسَدك وقُل: بسمِ الله ثلاثًا، وقُل سبعَ مراتٍ: أعوذُ بالله وقُدرته من شرِّ ما أجِد وأُحاذِر» (رواه مسلم).

والسحرُ والعينُ حقٌّ، ولا تُتَّقى آفاتُهما بمثلِ الاستِعاذة، فالمُعوِّذاتُ من أجمل الاستِعاذات وأنفَعها، وهي – بإذن الله – تدفعُ الشُّرورَ قبل وقوعها وترفعُها بعد حُدوثها، قال – عليه الصلاة والسلام – لعُقبة بن عامرٍ – رضي الله عنه -: «ألا أُخبرُك بأفضل ما تعوَّذَ به المُتعوِّذون؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1]» (رواه أحمد).

والأمانُ من شرِّ الأعداء وشماتتهم بالاستِعاذة بالله منهم. وجِدالُ الكفار المُستكبِرين عن آيات الله تُورِثُ مكرَهم وكيدَهم، والنجاةُ في الاستِعاذة بالله، قال – سبحانه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 56].

والجارُ مظنَّةُ الإحسان إلى جاره ويطَّلعُ على أسراره، وخيرُ الجيران من سترَها، وجارُ السوء مُؤذٍ لجاره، فاضِحٌ له، كاشِفٌ لستره، قال – عليه الصلاة والسلام -: «تعوَّذوا بالله من جار السوء في دار المُقام» (رواه النسائي).

والفتنةُ تُعرضُ على القلوب كعرضِ الحصير عُودًا عُودًا، ولا سلامةَ منها إلا بالاستِعاذة بالله، قال – عليه الصلاة والسلام – للصحابة: «تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطَن» (رواه مسلم).

قال ابن حجرٍ – رحمه الله -: "فيه دليلٌ على استِحباب الاستِعاذة من الفتن ولو علِم المرء أنه مُتمسِّكٌ فيها بالحق؛ لأنها قد تُفضِي إلى وقوع ما لا يرَى وقوعَه".

والفتنُ مُتعدِّدةٌ وتتلوَّنُ بصورٍ مُختلفة، وتجمعُها فتنةُ المحيا والممات، وفتنةُ المسيح الدجال فتنةٌ عظيمة، وقد كان – عليه الصلاة والسلام – يستعيذُ منها في صلاتِه قبل السلام.

والدنيا فتنةٌ ولا عاصِمَ منها إلا الله؛ كان – عليه الصلاة والسلام – يقول: «وأعوذُ بك من فتنةِ الدنيا» (رواه البخاري).

وكان يستعيذُ من فتنةِ الغِنى وفتنةِ الفقر.

والمشاقُّ تُدفعُ بتعلُّق القلب بالله، والسفرُ قطعةٌ من العذاب، ويُشرعُ للمُسافر أن يستعيذَ بالله من وعثاءِ السفر، وكآبة المنظر، وسُوء المُنقلَب في المال والأهل والولَد.

و«من نزل منزلاً فقال: أعوذُ بكلمات الله التامَّات من شرِّ ما خلَق، لم يضُرّه شيءٌ حتى يرتحِل من منزلِه ذلك» (رواه مسلم).

والمؤمنُ يستعيذُ بالله إن تغيَّر حالٌ في الكون؛ فالرِّيحُ منها الرحمةُ ومنها عُذِبَت أُمم، وكان – عليه الصلاة والسلام – إذا عصفَت الرِّيحُ قال: «اللهم إني أسألُك خيرَها، وخيرَ ما فيها، وخيرَ ما أُرسِلَت به، وأعوذُ بك من شرِّها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أُرسِلَت به» (رواه مسلم).

وكان – عليه الصلاة والسلام – إذا رأى سحابًا مُقبلاً قال: «اللهم إنا نعوذُ بك من شرِّ ما أُرسِل به» (رواه مسلم).

ومن عرفَ اللهَ أحبَّه وخافَ غضبَه وعقابَه؛ كان – عليه الصلاة والسلام – يدعُو في سجوده يقول: «اللهم أعوذُ برِضاك من سخَطك، وبمُعافاتِك من عقوبتِك، وأعوذُ بك منك لا أُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسِك» (رواه مسلم).

وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يأمرُ أصحابَه بالتعوُّذ من عذاب النار، يقول لهم: «تعوَّذُوا بالله من عذاب النار» (رواه مسلم).

وبعد .. أيها المسلمون:

فالمُستعاذُ به هو الله وحدَه، لا ربَّ لنا غيره، ولا معبودَ لنا سِواه، ولا ملجَأ ولا منجَا منَّا إلا إليه، ومن تعلَّق بالله وأنزلَ حوائِجَه به كفَاه ووقاه، وفرَّج كُروبَه ويسَّر عليه كلَ عسير.

فعلى المُسلم أن يُعلِّق قلبَه بالله، ويلُوذَ به في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، ولا يملَّ من كثرة الاستِعاذة؛ فبها يعبُدُ ربَّه، ويعصِمُ نفسَه من السوء، وبذلك سعادتُه وعزُّه.

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(51)﴾ [الذاريات: 50، 51].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقولُ ما تسمَعون، وأستغفرُ الله لي ولكم ولجميع المُسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانِه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنِه، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه، وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

أيها المسلمون:

من تعلَّق بغير الله واستعاذَ به ولجَأَ إليه؛ وكلَه الله إلى ما تعلَّق به، وخُذل من جهة ما يتعلَّقُ به، وفاتَه تحصيلُ مقصوده من الله، بتعلُّقه بغيره، والتِفاته إلى ما سِواه. فلا على نصيبِه من الله حصَّل، ولا إلى ما أمَّله ممن تعلَّق به وصَل، قال – سبحانه -: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ(75)﴾ [يس: 74، 75].

ويوم القيامة يتبرَّأُ بعضُهم من بعضٍ، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا(82)﴾ [مريم: 81، 82].

ومن لاذَ بغير الله من الجنِّ، أو استعانَ بالسَّحرة فلن يُحقِّق مقصودَه منهم، ولن يَزيدُوه إلا شرًّا وخوفًا وإرهابًا وذُعرًا وحيرةً، قال – سبحانه -: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6].

والسعيدُ من أنزلَ حاجاته بالربِّ العظيم مُفرِّج الكروب، ومُزيل الغُموم، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا.

ثم اعلَموا أن الله أمرَكم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمد، وارضَ اللهم عن خُلفائِه الراشِدين، الذين قضَوا بالحقِّ وبه كانُوا يعدِلُون: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمُسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشرِكين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعَل اللهم هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا رخاءً، وسائرَ بلادِ المُسلمين.

اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءَهم، واجعَل ديارَهم ديارَ أمنٍ ورخاءٍ يا ذا الجلال والإكرام، ورُدَّهم إليك ردًّا جميلاً.  اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار.

اللهم وفِّق إمامَنا لهُداك، واجعَل عملَه في رِضاك، ووفِّق جميعَ وُلاة أمور المُسلمين للعمل بكتابِك وتحكيم شرعِك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم انصُر جُندَنا، وثبِّت أقدامهم، سدِّد رميَهم، وارزُقهم الإخلاصَ والتقوَى والهُدى يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا.

عباد الله:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، فاذكروا الله العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكرُوه على آلائِه ونعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.


تم تحميل المحتوى من موقع