خُطبةُ عِيدِ الفِطْرِ 1442 (يحبهم ويحبونه)

عبدالله محمد الطوالة
عناصر الخطبة
  1. تعظيم الله وتمجيده .
  2. ارتباط المؤمن بربه -سبحانه- .
  3. عظم محبة الله لعبده المؤمن .
  4. وجوب تغطية المرأة لوجهها .

اقتباس

وكونهم يُحِبُّونَهُ -سُبحانَهُ- فلا غَرابَةَ؛ فالـمُحسِنُ يُحَبَّ بداهةً وطَبعًا، كيفَ لا؟؛ وهو الذي خَلقَ ورَزقَ، وهو الذي هَدى ووفَّقَ، وهو الذي أَعانَ ويسَّر، وهو الذي يتفَضلُ ويَتقبلُ، وهو الذي يُثيبُ ويَشكُرْ، ثمَّ مسكُ الخِتَامِ وتَاجُ العَطاءِ يتكرم فـيُحِبُّهُمْ...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

الحمد لله العظيم حمدًا حمدًا، الحمد لله الجليلِ أبدًا سرمدًا، وتبارك اللهُ العزيزُ فردًا صمدًا، إلاهًا سيدًا واحدًا أحدًا؛ (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)[مريم: 93 – 95], وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ربَّ لنا سواه؛ (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا)[الكهف: 27]، (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا)[الجن: 3].

وأشهدُ أن محمدًا عبدُ اللهِ ورسولهُ، ومصطفاهُ وخليلهُ، بلغَ العُلا بكمالِه، كشفَ الـدُجى بجمالِه، بهرَ الأُولى بمقالِه، أَسَرَ العِداءَ بـفـعالهِ، حسُنتْ جميعُ خِصالهِ، يا ربِّ صلِّ عليهِ وآلهِ, اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليهِ، وعلى آله وصحبهِ والتابعينَ، ومن تبعهُم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

اللهُ أكبر الله أكبرُ, لا إله إلا الله, الله أكبرُ اللهُ أكبرُ, وللهِ الحمد.

أما بعد: فاتقوا الله -أيها المسلمون- وأطيعوه، وعظموا ربكم في هذا اليوم المبارك وكبروه، واحمدوه على ما هداكم واذكروه، واشكروه على ما أعانكم عليه من الطاعات وسبحوه.

 واعلموا أن من بادرَ الأعمالَ استدركَها، ومن جاهَدَ نفسَهُ مَلكَها، ومن سارَ على الطريق سَلكها، ومن طلب التّقوى بصدقٍ أدركها, وفي محكم التنزيل: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)[غافر: 40].

اللهُ أكبر الله أكبرُ, لا إله إلا الله, الله أكبرُ اللهُ أكبرُ, وللهِ الحمد.

معاشر المؤمنين الكرام: أدَّيتم فرضَكم، وأطعتُم ربَّكم، وصمتم شهركم، ثم ها أنتم هؤلاء تحضرون عيدكم، وتصلون لربكم، وتكبرونه وتحمدونه وتشكرونه على ما هداكم ويسَّرَ لكم، فأسعدَ الله أيامكم، وباركَ الله أعيادكم، وأدامَ الله أفراحكم، وتقبلَ اللهُ منَّا ومنكم, وبُشراكم -بإذن الله- فوزَكم بالأجر العظيم؛ فربُكم مُحسنٌ كريم، لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملا؛ أليس جاءَ في الحديث الصحيح: "للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فِطره، وفرحةٌ بلقاء ربه", فافرحوا بِعِيدِكم واسعدوا، وأَدْخِلُوا البهجةَ عَلَى ذويكم وأنَسوا.

اللهُ أكبر الله أكبرُ, لا إله إلا الله, الله أكبرُ اللهُ أكبرُ, وللهِ الحمد.

الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا.

أيها المؤمنون المباركون: يُجمعُ العارفون أن تعلُقَ القلبِ بالله -جلَّ وعلا-، هو سِرُّ سعادةِ العبدِ في الدنيا والآخرة, وأنَّ الارتباطَ الوثيقَ بالخالق العظيمِ -تبارك وتعالى- يَغمرُ القلبَ أُنسًا وطمأنينةً، ويسكُبُ في النفسِ راحةً وسكينةً, وأن وقفةً في محرابِ العظمةِ تزيدُ الإيمان واليقينَ، وتقوي المحبةَ والخشيةَ، وتزيد الرجاءَ والمراقبةَ.

إليكَ وإلَّا لا تُشدُّ الركَائِبُ *** ومِنكَ وإلَّا فالمؤَمِلُ خَائِبُ

وفيكَ وإلَّا فالغرامُ مُضَيَعٌ *** وعنكَ وإلَّا فالمحدِثُ كاذِبٌ

لديكَ وإلَّا لا قرارَ لساكنٍ *** عليكَ وإلَّا لا اعتمادَ لطالب

فليتكَ تحلو والحياةُ مَريرةٌ *** وليتكَ ترضى والأنامُ غِضابُ

وليتَ الذي بيني وبينكَ عامرٌ *** وبيني وبين العالمينَ خرابُ

إذا صحَ منكَ الودُّ فالكلُ هينٌ *** وكُل الذي فوقَ الترابِ تُرابُ

لأنَّكَ اللهُ لا خوفٌ ولا قَلقُ *** ولا اضطرابٌ ولا همٌّ ولا أرقُ

لأنَّكَ الله قلبي كُلُّهُ أملٌ *** لأنَّكَ الله روحي مِلؤها الألقُ

اللهُ يا أعذبَ الألفاظِ في لغتي *** ويا أَجَلَّ حرُوفٍ فِي مَعَانيها

اللهُ يا أروعَ الأسماءِ كم سعُدَت *** نفسي وفاضَ سروريِ حينَ أرويها

اللهُ يا عِطرَ هذا الكون يا مددًا *** يَفِيضُ لُطفًا وإحسَانًا وتنزِيهًا

اسمٌ تسمّى به الباري فكان كمَا *** أرادَ يَعْبِقُ إجلالًا وتألِيها

اللهُ أكبر الله أكبرُ, لا إله إلا الله, الله أكبرُ اللهُ أكبرُ, وللهِ الحمد.

تبارك -ربنا وتعالى-!، أحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلمًا، ووسعِ كلَّ شيءٍ رحمةً وحِلمَا، وقهرَ كلَّ مخلوقٍ عِزةً وحُكما؛ (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)[طه: 110].

سبحانهُ وبحمدهِ!, ذلَّ لجبروتهِ العظماءُ، ووجِلَّ من خشيته الأقويَاءُ، وقامت بقدرته الأشياء، (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)[هود: 7].

جلَّ في عُلاه!, لا تُدركهُ الأبصارُ، ولا تُغيرهُ الأعْصَارُ، ولا تتوهمُه الأفكارُ، وكلَّ شيءٍ عندهُ بمقدار.

سبحانهُ وبحمدهِ!, تواضعَ كلُّ شيءٍ لعظمته، وذلَّ كُلُّ شيءٍ لعزتِه، وخضعَ كلُّ شيءٍ لهيبتهِ، واستسلَمَ كُلُّ شيءٍ لمشيئته؛ (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ)[الأنبياء: 19].

تباركَ وتعالى!, تنزَّه عن الشركاء والأنداد، وتقدَّسَ عن الأشباهِ والأضدادِ، وتعالى عن الزوجةِ والأولاد، وجلَّ عن الشركاء والأنداد؛ (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)[آل عمران: 28].

جلَّ جلاله!, مَن تكلمَ سمعهُ، ومن سكَتَ علِمَهُ، ومن تابَ قبِلهُ ورحمهُ؛ (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)[الرعد: 41].

عزّ وجلَّ!, خزائنهُ ملأى, ويمينهُ سحّاءَ, ولا يتعَاظَمُهُ عطاَءُ, يُنفقُ كيفَ يشاء، ولا يُعجِزهُ شيءٌ في الأرض ولا في السماء.

تباركَ وتقدس!, تسبحُ لهُ السماواتُ وأملاكُهُا، والنجُومُ وأفلاكُهَا، والأرضُ وفِجَاجُها، والبِحارُ وأمواجُها، والجبالُ وأحجارها، والأشجارُ وثِمارُها؛ (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)[الإسراء: 44].

اللهُ أكبر الله أكبرُ, لا إله إلا الله, الله أكبرُ اللهُ أكبرُ, وللهِ الحمد.

الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا.

معاشر المؤمنين الكرام: حين يتأمَّلُ المؤمنُ آياتِ المحبةِ في كتاب اللهِ -جلَّ وعلا-، يجدُ -واللهِ- أمرًا عجبًا؛ فاللهُ -جلَّ جلالهُ- يُحِبُّ المؤمنين، ويُحِبُّ المحسنين، ويُحِبُّ الصابرين، ويُحِبُّ المتوكلين، ويُحِبُّ المقسِطين، ويُحِبُّ المتقين، ويُحِبُّ التوابين ويُحِبُّ المتطهرين، ويُحِبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيانٌ مرصوص!.

إذن فعلاقَةُ اللهِ -تبارك وتعالى- بعبادةِ المؤمِنينَ عَلاقةٌ مُميزةٌ، تَفِيضُ رحمةً ووُدًا، ورأفةً ولُطفًا, محبَّةُ اللهِ -تبارك وتعالى- لعبده المؤمن رُوحٌ، من حُرِمَها فهو من جُملةِ الأمواتِ، ونُورٌ, من فَاتهُ تاهَ في بِحارِ الظُلمَاتِ، وشِفَاءٌ, من فَقدَهُ حَلَّتْ به الآفَاتُ، وأُنسٌ، من لم يَظفرْ بهِ تَقطعتْ نفْسُهُ حَسراتٌ, وواللهِ وبالله وتالله إنَّ إكْرامَ اللهِ -تعالى- لعبدِهِ المؤمِن بأنْ يجعلَ قلبهُ عامِرًا بحُبِّ اللهِ -تعالى-، والله إنَّ ذلكَ لأمرٌ هائلٌ عظيمٌ، وفضلٌ غامِرٌ جزيلٌ, فكيفَ إذا تَفضلَ الكريمُ الأكْرَمُ على عبدهِ فأحبَّهُ؟!.

تنبَّه -يا رعاك الله-: فاللهُ العليُ الكبير، المهيمنُ العزيزُ، العليمُ القدير، خالقُ كُلِّ شيءٍ وهاديه، ورازقُ كُلِّ حيٍّ وكافيه، الله مَالِكُ الأمْلاك، وفاطرُ الأفْلاك، بَدِيعُ هذا الكَونِ الهائِلِ، ربَّ كُلِّ شيءٍ ومَلِيكهُ، هذا الإلهُ العظِيمُ الجلِيلُ، يَتفضَلُ على عَبيدهِ فيُحِبَّهُم، واللهِ إنَّهُ لأمرٌ جَلَلٌ كُبَّارٌ، لا يُحِيطُ بوصفِهِ بَيانٌ، ولا يُعَبِّرُ عنهُ أبلَغُ لِسَانٍ.

تأمَّل فهناك المزيد: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)[مريم: 96]، فهو برحمتهِ وفضلِهِ -سبحانه- ليس يُحِبُّهُمْ فقط، بل إنه -سبحانهُ- يُحبِّبَهُم إلى أوليائِهِ، فيجعلهم محبُوبينَ لأوليائهِ وأكرمِ مخلوقاته، وهم إنما يُحِبُّونَهُ هِدايةً منهُ وفضْلًا, فالفضلُ في الحالين لهُ -سُبحانَهُ- وبحمدِه؛ (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)[البقرة: 105].

وكونهم يُحِبُّونَهُ -سُبحانَهُ- فلا غَرابَةَ؛ فالـمُحسِنُ يُحَبَّ بداهةً وطَبعًا، كيفَ لا؟؛ وهو الذي خَلقَ ورَزقَ، وهو الذي هَدى ووفَّقَ، وهو الذي أَعانَ ويسَّر، وهو الذي يتفَضلُ ويَتقبلُ، وهو الذي يُثيبُ ويَشكُرْ، ثمَّ مسكُ الخِتَامِ وتَاجُ العَطاءِ يتكرم فـيُحِبُّهُمْ، جاء في حديثٍ قُدسيٍ صحيحٍ: "وما يزالُ عبدِي يتقربُ إليَّ بالنوافلِ حتى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يَبْطِش بِهَا، ورِجلَهُ الَّتِي يمْشِي بِهَا، ولَئِن سأَلنِي لأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَّنه"، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-, أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ اللهَ -تعالى- إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أُحِبُّ فلانًا فأحبِبهُ؛ فيُحِبهُ جبريلُ، ثم يُنادِي جبريلُ في السماء، فيقول: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوهُ؛ فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، قالَ: ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ".

اللهم فإنا نسألك حُبكَ وحُبَّ من يُحبُّك, وحُبَّ العملِ الذي يقربنا إلى حُبِّك، اللهم اجعل حُبَّك أحبَّ إلينا من كُلِّ شيء, واملأ به قلوبنا وصدورنا وكل ذرةٍ من كياننا, بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا لاَ مُنْتَهَى لِحَدِّهِ، وَلا حِسَابَ لِعَدَدِهِ، وَلا انْقِطَاعَ لأمَدِهِ، سبحانه وبحمده ملكوتُ كلِّ شيءٍ بيده؛ (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ)[فاطر: 41], وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, ولا ربَّ لنا سواه, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته ومن والاه, وسلم تسليمًا كثيرًا.

 اللهُ أكبر الله أكبرُ, لا إله إلا الله, الله أكبرُ اللهُ أكبرُ, وللهِ الحمد.

الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا.

أيتها الأخت المباركة: اعلمي أن المرأة المسلمةَ المستمسِكة بدينها وحجابها، تقفُ على ثغرٍ عظيمٍ من ثغورِ الإسلامِ، وتجاهدُ أعداءَ الإسلامِ جهادًا حقيقيًّا, إي والله أيتها المؤمنة!؛ والله إنك بحجابك وصلاحك لتقهرين أعداءَ الإسلام قهْرًا, يفوق قهرَ السلاحِ ونكايته, ثم اعلمي أن الله أراد لك أن تكوني دُرةً مكنونة، وجوهرةً مصونة، فهل رأيت من قبلُ جوهرةً نفيسةً تُهملُ ولا تحفظ؟! هل رأيت لؤلؤةً غاليةً لا تُحمى ولا تُصان؟!.

أيتها الأخت العاقلة: تأملي بإنصاف, فاللهُ -تباركَ وتعالى- يأمرُ المرأةَ المسلمةَ بأن تُطِيلَ لباسها شبرًا أو ذراعًا؛ حتى تُغطي كُلَّ بدنها وإلى أخمُصِ قدميها، بل وينهاها -جلَّ وعلا- عن مُجردِ الضربِ بقدمِها؛ لكي لا يُسمعَ صوتُ مِشيتِها، وينهاها -تبارك وتعالى- عن التَّعطُرِ؛ لكي لا يشمَّ الرجالُ مجردَ رائِحتها، ويأمُرها -سبحانهُ- بعدم الخضوعِ في القول؛ لكي لا يطمعَ بها من في قلبهِ مرض، وينهاها -عزَّ وجلَّ- عن إبداءِ زينتِها قدرَ استطاعتها، ويأمرَها -جلَّ وعلا- أن تضربَ بخمارِها فتنزلهُ من فوقِ رأسِها؛ حتى يُغطي صدرها مُبالغةً في الحشمة والستر, فمن أين جازَ لها بعد كُلِّ هذا أن تكشفَ وجهها؟! وأيُّ زينةٍ ستستُرها إن لم تسترُ وجهها؟! وما فائدة إخفاء الرائحةِ وصوت المشية إن لم تُخفِ مجمعُ الحسنِ، وأكثرَ ما يجذبُ النظرَ إليها؟!.

نُصوصٌ صحيحةٌ صريحةُ، دِلالاتها واضحةٌ مُحْكَمَةٌ، فهل يَلِيقُ بالمؤمن والمؤمنةِ أن ينساقوا وراء دعواتٍ مُضللة؛ فيتساهلوا في الستر والحشمةِ والحجاب؟! كيف وربنا -جلَّ وعلا- يقول: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[النساء: 65]، ويقول -تبارك وتعالى-: (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا)[النساء: 26 – 28].

اللهُ أكبر الله أكبرُ, لا إله إلا الله, الله أكبرُ اللهُ أكبرُ, وللهِ الحمد.

أيها الموفقون المباركون رجالًا ونساءً: إذا عدتم بفضل الله لبيوتكم، فعودوا بقلوبٍ صافية، ونفوسٍ طيبة، صِلوا من قطعكم، وأعطوا من حرمكم، وأحسنوا إلى من أساء إليكم؛ فالعيد -أعادكم الله- مناسبةٌ عظيمةٌ للتسامُح والتَّصافي، والتآلفِ والتآخي.

فليكن شعارنا من الآنَ تصافينا, ويكفَي ما جَرى مِنّا, فلا كانَ وَلا صارَ, وَلا قُلتُم وَلا قُلنا, فَقد قيلَ لَنا عَنكُم, كَمَا قيلَ لَكُم عَنّا, نسامحُكم من الأعماق, وأنتم فاصفَحوا عنَّا, وهيَّا -إخوتي- هيَّا, نعودُ كَما كُنّا.

ألا فاتقوا الله ربكم، وأصلِحوا ذاتَ بينكم، واهنؤوا بعيدكم، وأحسِنوا أحسَنَ الله إليكم، وأدوا إلى النَّاسِ ما تحبونَ أن يؤديهِ النَّاسُ إليكم؛ ففي الحديث الصحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبهُ لنفسهِ", تقبَّل الله منا ومنكم، وكل عامٍ وأنتم إلى الله أقرب، وبطاعته أسعد.

اللهم أصلح أحوال المسلمين، وأجمعهم جميعًا حكامًا ومحكومين على الحق والتقى والدين، وأجعلنا وإياهم هداة مهتدين, اللهم آمين.

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصافات: 180 – 182].


تم تحميل المحتوى من موقع
الجمهرة معلمة مفردات المحتوى الأسلامي