ما بعد الحج الافتراضي ودروس العشر

خالد القرعاوي
عناصر الخطبة
  1. تأملات في حج هذا العام .
  2. دروس وعبر من الحج محدود الأعداد هذا العام .
  3. حُسْن الظن بالله تعالى .
  4. دروس ومستفادة من عشر ذي الحجة. .

اقتباس

وإنَّ تأمُّلاتٍ مع هذا الرَّكبِ المَحْدُودِ تَجْعَلُنا نَأْخُذُ دُروساً وَحِكَمَاً، وَمَوَاعِظَ وَعِبَراً، فَأَوَّلُ دَرْسٍ: أَنْ تُؤمِنَ أنَّ اللهَ يَصْطَفِي مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. ثَانِي

الخطبة الأولى:

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمٍ أَتَمَّهَا، وَبَلَايَا رَدَّهَا، أَشهَدُ ألَّا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له في أُلوهيَّتِهِ وربُوبِيَّتِه، وَأَشهَدُ أنَّ مُحمَّدَا عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ قَائدُ أُمَّتِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحَابَتِهِ وَمَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِهِ إلى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ يا مُؤمِنُونَ وَأَطِيعُوهُ.

عبادَ اللهِ: مِنَ الأَمْسِ وَحُجَّاجُ بِيتِ اللهِ يُودِّعُونَ رِحْلَتَهُمْ، وَسُبْحَانَ اللهِ حَجُّ هذا العَامِ كَمَا العَامِ المَاضِي، فَظُرُوفُ الوَبَاءِ أَحَاطَتْ بِهِ مِن كُلِّ جَانِبٍ، وَتَطَلُّعاتُ الدُّولِ الإسلامِيَّةِ وَشُعُوبِهَا أَخَذَتْ مِن حُكُومَتِنَا مَأْخَذَها، وَحُجَّاجُ الدَّاخِلِ يَرونَ أنَّها أعْظَمُ فُرْصَةٍ لإدَاءِ فَرْضِهِمْ.

وَلكِنَّ نَظْرَةَ المَسْؤولينَ أعْمَقُ وَأدَقُّ. فالحفَاظُ على أرْواحِ النَّاسِ مُقَدَّمٌ على كُلِّ عَاطِفَةٍ، فَحُكُومَتُنا عِنْدَها حِرْصٌ أَكيدٌ على سَلامَةِ النَاسِ وَأَمْنِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ مُنْطَلِقينَ مِنْ قَولِ اللهِ -تَعَالى-: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[البقرة: 195]. وَقَولِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا ضرر وَلَا ضِرَارَ"، وَقَولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ".

فَالمَلايينُ كَانُوا يَتَشَوَّفُونَ لأَدَاءِ فَريضَةِ الحَجِّ، وَلَكِنْ قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَل، فَقَدْ جَاءَ هَذا الوَبَاءُ وَحَالَ بَينَهُمْ وَبينَ مَا يَشْتَهُونَ، فَليَبْشِرْ كُلُّ مَنْ هَمَّ على فِعْلِ طَاعَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْها؛ فَقَدْ كُتِبَتْ لَهُ عِنْدَ اللهِ كَامِلَةً.

أيُّهَا المُؤمِنُونَ: وإنَّ تأمُّلاتٍ مع هذا الرَّكبِ المَحْدُودِ تَجْعَلُنا نَأْخُذُ دُروساً وَحِكَمَاً، وَمَوَاعِظَ وَعِبَراً، فَأَوَّلُ دَرْسٍ: أَنْ تُؤمِنَ أنَّ اللهَ يَصْطَفِي مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. ثَانِي الدُّرُوسِ: أنْ يَحْذَرَ حَاجُّ هذا العَامِ مِن العُجْبِ والغُرُورِ، فَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى.

عِبَادَ اللهِ: وَنَحْنُ نُشاهدُ هذا الموكِبَ المَحْدُودَ على اخْتِلافِ أجْنَاسِهِمْ، وَلُغَاتِهِمْ، نُدرِكُ أنَّ الأُمَّةَ لا يمكنُ أنْ يَجْمَعَهَا إلَّا دِينُ اللهِ -تَعَالى-، فالحُجَّاجُ كَجَسَدٍ وَاحِدٍ، بِزِيٍّ مُوحَّدٍ، يَلهَجُونَ بِتَلبِيَةٍ مُوحَّدةٍ فَأَسقَطُوا كُلَّ هُتافٍ وطنيٍّ، فلا تَفَاخُرَ بالأَنسَابِ ولا الأَحْسَابِ، إنِّما مِيزَانٌ وَاحِدٌ: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[الحجرات:13].

كَمَا قَالَ رَسُولُنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّ ربَّكم وَاحِدٌ، وإنَّ أَبَاكُم وَاحِدٌ، وَدِينَكُمْ وَاحِدٌ، وَنَبِيَّكُم وَاحِدٌ، ولا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على عَجَمِيٍّ ولا عَجَمِيٍّ على عَرَبِيٍّ، ولا أَحْمَرَ على أَسْوَدَ وَلا أَسْوَدَ على أَحْمَرَ إلَّا بالتَّقوى".

أيُّها المُؤمِنُونَ: بِحَمْدِ اللهِ وَفَضْلِهِ أُقِيمَتْ شَعِيرَةُ الِحَجِّ رَغْمَ صُعُوبَةِ الظُّرُوفِ، وهَذا بِفَضْلِ اللهِ -تَعَالى- ثُمَّ بِجُهُودٍ بُذِلَتْ مِنْ رِجَالٍ مُخْلِصينَ مُحِبِّينَ لِلخَيْرِ، فَقَدْ قَامُوا بتَنْظِيمٍ دَقِيقٍ وَجَودَةٍ عَالِيَةٍ، يَسْتَحِقُّونَ عَليهِ أصْدَقَ الدَّعَوَاتِ.

أَمَّا رِجَالُ الأَمْنِ فَهُمْ عَلامَةٌ فَارِقَةٌ، حُضُورٌ كَثِيفٌ، وَاسْتِعْدَادٌ كَبِيرٌ، وَوِزَارَةُ الصِّحَةِ وَفَّرَتْ خَدَمَاتٍ وَقَامَتْ بِالفُحُوصَاتِ وَأَخَذَتِ بِعَونِ اللهِ بِكُلِّ الاحْتِيَاطَاتِ، واللهُ خَيرٌ حَافِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ. فَجَزى خَيْرَاً كُلَّ مَنْ خَطَّطَ وَأمَرَ وَسَهَّلَ وَرَعَى.

سُبحانَكَ رَبَّنا ما أَعظَمَكَ وما أحْلَمَكَ وَأكْرَمَكَ، أقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وأستغفرُ اللهَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ جعلَ ذِكْرَهُ غَرساً للجِنَانِ، أَشهدُ ألَّا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ له الرَّحيمُ الرَّحمانُ، وَأَشْهَدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ وَرَسُولُه أفضلُ الأَنَامِ، الَّلهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ.

أمَّا بعدُ: فاتَّقوا الله يا أولي الألبابِ لَعَلَّكم تُفلحونَ.

أَيُّهَا المُسلِمونَ: لقد تَقرَّبْنا إلى اللهِ بِصِيامِ يِومِ عَرَفَةَ وبِذبْحِ الأَضاحي، ووَقَفَ الْحُجَّاجُ فِي عَرَفَاتٍ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِاللَّهِ الْكَرِيمِ؟ ظَنُّنَا بِاللهِ حَسَنٌ بِأَنَّ اللهَ لَا يَرُدُّنَا وَلَا يُخَيِّبُ أمَلَنَا. فَاللَّهُ يَقُولُ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي".

فيا من تقرَّبتم إلى اللهِ بِالصَّالحاتِ في العشرِ المُباركاتِ، تقبَّل اللهُ منَّا وَمنكُم. فَلَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيكُمْ بِطَهارَةِ أَنْفُسِكِم وَبَيَاضِ صَحَائِفكُم، فابقَوا على عهدِ ربِّكم وتَابِعوا الحَسَنَاتِ وأكثروا من الصَّالحاتِ، فَلَقد لازَمْتُمُ الذِّكرَ أيَّاماً فكُونُوا من الذَّاكِرينَ اللهَ كثيراً: "فَمَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ ربَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ". وَقَدْ وَصَفَ رَبُّنا المُؤمِنِينَ بِأنَّهُمُ: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[آل عمران:191].

عِبَادَ اللهِ: أَيَّامُ العَشْرِ مَدرَسَةٌ عَلَّمتْنا كَيفِيَّةَ الالتِزَامِ بِأَوامِرِ اللهِ حَقِيقَةً، فَلمْ نأخُذْ من شَعْرِنا شيئاً، فَوَاجِبٌ أنْ تَكونَ دَرساً لنا في مُحاسَبَةِ أَنْفُسِنا فِي كلِّ أوامِرِ رَبِّنا ونَوَاهِيهِ حتى نَحصُلَ على تَقوى اللهِ حَقًّا، فَلَقَدْ أَمَرَنا رَسُولُنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ، فَقَالَ: "جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ".

عَلَّمَتْنَا الأضَاحِي مَعْنى التَّضْحِيَةِ والاسْتِسْلامِ للهِ، فَكَانَ حَقّاً علينَا بَذْلُ الوُسْعِ لِخِدْمَةِ دِينِ اللهِ والذَّبِّ عَنْهُ، عَلَّمَتْنَا الأضَاحِي أَهَمِّيَةَ الإنْفَاقِ مِمَّا نُحِبُّ فَاللهُ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبَاً، وَلَنْ نَنَالَ البِرَّ حَتَّى نُنْفِقَ مِمَّا نُحِبُّ، عَلَّمَتْنَا الأضَاحِي أنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لا تُصْرَفُ إلَّا للهِ: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ)[الكوثر:2].

عِبَادَ اللهِ: عَلَّمَتْنَا عَشْرُ الأضْحَى أنْ نَبقَى على عهدِ ربِّنا وأنْ نُتَابِعَ الحَسَنَاتِ بالحسناتِ، فقد لازَمْنَا الذِّكرَ أيَّاماً، وَرَأيَنا في مَسَاجِدِنَا التَّالِينَ والدَّاعِينَ طِيلَةَ أيَّامِ العَشْرِ، فلنَكُنْ من الذَّاكِرينَ اللهَ كثيراً. قَالَ الشَّيخُ السَّعدِيُ -رحمهُ اللهُ-: "وهكَذا يَنبَغِي لِلعبدِ، كُلَّمَا فَرَغَ من عِبادَةٍ، أنْ يَستَغفِرَ اللهَ عن التَّقصِيرِ، وَيشْكُرَهُ على التَّوفِيقِ، لا كَمنْ يَرى أنَّه قد أَكمَل العِبَادَةَ، وَمَنَّ بِها على رَبِّهِ، وَجعَلت لَه مَحَلاًّ ومَنزِلَةً رَفِيعَةً، فهذا حَقِيقٌ بِالمَقتِ، وَرَدِ الفِعلِ". انتهى.

عِبَادَ اللهِ: الذِّكرُ بِحَمْدِ اللهِ دَائِرَةٌ واسعةٌ، فالمسلمُ يَصْحو وَيَنَامُ، وَيَغْدُو وَيَرُوحُ، وهو يَلهَجُ بِذكرِ اللهِ تعالى، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ؟ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ تَعَاطِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ غَدًا فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟" قَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "ذِكْرُ اللهِ".

فاللهمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، اللهم تقبَّل من الْحُجَّاجِ حَجَّهم.

اللهمَّ أعنَّا على ذِكركَ وشُكركَ وحسنِ عبادتِكَ، اللهمَّ اجعلنا من الذَّاكِرينَ الشَّاكِرينَ.

اللهمَّ اجزِ خيراً كلَّ من ساهمَ وأعانَ على تيسيرِ الحجِّ وإتمامهِ. اللهمَّ وفِّق ولاةَ أمورنا لما تحبُّ وترضى وأعنهُم على البِرِّ والتقوى.

اللهمَّ انصر جُنُودَنَا واحْفَظْ حُدُودَنا والْمُسْلِمِينَ أَجْمَعينَ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

واذكروا اللهَ يذكركُم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبرُ، والله يعلم ما تصنعون.         

           


تم تحميل المحتوى من موقع
الجمهرة معلمة مفردات المحتوى الأسلامي