خطبة عيد الأضحى

أحمد فريد

عناصر الخطبة

  1. بيان فرضية الحج
  2. الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك
  3. لا سعادة إلا بإقامة الشرع
  4. عزة الطاعة ومذلة المعصية
  5. حال الأمة بالأمس وحالها اليوم
  6. عزة عبدالله بن حذافة

الخطبة الأولى:

قد أظلكم -عباد الله- يوم هو من أشرف أيام الدنيا، إنه يوم النحر، ويوم العج والثج، ويوم الأضحية، ويوم الحج الأكبر.

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

إخوانكم بالأراضي المقدسة يرحلون الآن من المشعر الحرام إلى منى، لرمى جمرة العقبة الكبرى، ملبين بهذا النداء الحبيب إلى قلوبنا: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

 تلبية لنداء إبراهيم عليه السلام ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27], واستجابة لأمر الله -عز وجل-: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97], ولقول الله -عز وجل-: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196]. ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" (أخرجه مسلم)

لله در ركائـب سـارت بهــم *** تطوى القفار الشاسعات على الدجى

رحلوا إلى البيت الحرام وقد شجا *** قلـب المـتيم مـنهم ما قـد شجا

نزلوا بـباب لا يخـيب نزيلــه *** وقـلوبهـم بـين المـخافة والرجا

اعلموا -عباد الله- أن أصل الأصول هو التوحيد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25], وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45].

فما أمرت الرسل بشيء قبل توحيد الله -عز وجل- ، ولا نهت عن شيء قبل الشرك بالله -عز وجل- ، فكان كل رسول يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ [الأعراف: 59] وأول أمر في كتاب الله -عز وجل- أمر بالتوحيد, ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21], فأول واجب على المكلف هو التوحيد. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [محمد: 19].

ولما أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذا إلى اليمن قال: "إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا هم عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" ( رواه البخاري). 

فطهروا -عباد الله- قلوبكم وجوارحكم من الشرك بالله -عز وجل- ، فالشرك هو القبيحة التي لا يغفرها الله -عز وجل- قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48], وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72], وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116], فالشرك نجاسة لا تزيلها الحسنات الماحية والمصائب المكفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾[التوبة:28].

لا تزول هذه النجاسة عباد الله إلا بالتوبة من الشرك، وتطييب القلب والجوارح بالتوحيد. قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ(7)﴾ [فصلت: 6، 7] قال ابن عباس: الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وأرسل الله -عز وجل- موسى إلى فرعون ليقول له: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: 18], أي تتزكى بالتوحيد، ونبذ الشرك.

واعلموا -عباد الله- أنه لا سعادة لكم، ولا عزة ولا رفعة، ولا شرف، إلا في العمل بدين الله -عز وجل- ، والخضوع لشرعه. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10] فشرفكم وعرتكم في العمل بآيات الله، والخضوع لشرعه، فشرع الله -عز وجل- هو الروح، فلا حياة بدونه، وهو النور فلا هداية في غير سبيله. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24], وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ [الأنعام: 122].

ومهما اكتمل إيمان العبد بالله -عز وجل-، وتمّ انقياده لشرع الله -عز وجل-، تكتمل سعادته، ومهما نقص إيمانه نقصت سعادته. قال بعضهم: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من نعمة؛ لجالدونا عليها بالسيوف". وقال بعضهم: "إنه لتمر بي أوقات, أقول: إن كان أهل الجنة كما نحن فيه إنهم لفي عيش طيب". وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة".

كثير من الناس -عباد الله- يظنون أنهم لا يمكن أن يسعدوا حتى ينسلخوا من شرع الله -عز وجل-، وهذا الظن ظن فاسد، فالله -عز وجل- ما شرع لنا الشرع المتين ليستفيد شيئا من طاعات العباد. قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37], وقال تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني" (رواه مسلم).

فالله -عز وجل- لا يستفيد شيئا من طاعات العباد، ولا يتضرر بشيء من معاصيهم، بل العباد أنفسهم ينتفعون بطاعاتهم، وهم أنفسهم يتضررون بمعاصيهم، فالعبد إذا أطاع الله -عز وجل- وجد حلاوة الطاعة والعبادة، وانشرح صدره. كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125].

فحاجة العباد إلى الإسلام أكثر من حاجتهم إلى الهواء الذي به حياتهم، وانشراح الصدر بالإسلام أكثر من انشراحه بالهواء، والذي لم ينشرح صدره بالإسلام كأنه يختنق فالذي يصعد في السماء يختنق لقلة الهواء في طبقات الجو العليا وكذا من حرم من نعمة الهداية للإسلام.

فلا يمكن أن يسعد العبد حتى يطيع أمر الله -عز وجل-، ومهما تمرد العبد على شرع الله فالتعاسة والشقاء، وفي أنفسنا شاهد على ذلك فكلنا جرّب الطاعة والمعصية، فكم أطعنا الله -عز وجل- فوجدنا حلاوة في قلوبنا، وانشراحا في صدورنا ، وأنسا بالله -عز وجل- وجمعية على الله -عز وجل-، وكم عصينا الله -عز وجل- فوجدنا الضنك والشقاء والهم والغم والحزن، إذا نظر العبد نظرة محرمة وجد غبّها فكيف بمن يقارف الزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا(124)﴾ [طه: 123، 124] لا يضل في الدنيا ولا في الآخرة ولا يشقى في الدنيا ولا في الآخرة.

فلا سعادة للعباد ولا عز ولا رفعة في الدنيا والآخرة إلا في تعظيم شرع الله -عز وجل- واتباع أمره.

انظروا -عباد الله- إلى أمة الإسلام عندما كانت مطيعة لربها، محكومة بشرع نبيها -صلى الله عليه وسلم-، كيف عاشت حميدة سعيدة مجيدة في الدنيا مع ما ينتظرها من شرف الآخرة وسعادتها، وكيف كان الصحابة -رضي الله عنهم- هم ملوك الدنيا كما أنهم ملوك الآخرة، وقد قال الله -عز وجل-: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ)[الحج:40]، كان خالد بن الوليد يقول للروم: "أيها الروم: انزلوا إلينا ، فوالله لو كنتم معلقين بالسحاب لرفعنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا".

وانظروا -عباد الله- إلى أمة الإسلام اليوم كيف خذلوا دين الله فخذلهم الله، واستهانوا بدين الله فأهانهم الله، ولو أن حكام المسلمين عظّموا دين الله وتحاكموا إلى شرعه، لصاروا حكام الدنيا وسادات العالم، الإسلام اليوم يحارب بأيدي من ينتسب إليه، وحكام المسلمين صاروا اليوم أيدي وأرجل الغرب الكافر في محاربة دين الله -عز وجل- والتضييق على الدعاة، وصار حال المسلمين.

كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها" قالوا: من قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: "بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن" قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" ( رواه أحمد وصححه الألباني).

الصحابة -رضي الله عنهم- ما كانوا يعرفون الوهن، كانوا يعرفون العزة والكرامة، كانوا يعرفون طريق الجنة والشهادة في سبيل الله -عز وجل- فسألوا: و ما الوهن؟ من أجل أن نستفيد نحن، هل تعرفون عباد الله عبد الله بن حذافة السهمي؟.

وجه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جيشا إلى الروم، وفيهم رجل يقال له عبد الله بن حذافة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأسره الروم، فذهبوا به إلى ملكهم فقالوا له: إن هذا من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فقال له الطاغية: هل لك أن تنصر وأشركك في ملكي وسلطاني؟. فقال له عبد الله: لو أعطيتني ما تملك، وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد -صلى الله عليه وسلم- طرفة عين ما فعلت، قال: إذا أقتلك قال: أنت وذاك، فأمر به فصلب وقال للرماة: ارموه قريبا من يديه، قريبا من رجليه، وهو يعرض عليه وهو يأبى، ثم أمر به فأنزل.

ثم دعا بقدر فصبّ فيه ماء حتى احترقت، ثم دعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، ثم أمر به أن يلقى فيها، فلما ذهب به بكى، فقيل له: إنه قد بكى فظن أنه جزع، فقال: ردوه فعرض عليه النصرانية فأبى.

فقال: ما أبكاك إذا ؟ قال: أبكاني أني قلت في نفسي تلقى في هذه القدر فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تلقى في الله، قال له الطاغية: هل لك أن تقبّل رأسي وأخلي عنك؟ قال له عبد الله: وعن جميع أسرى المسلمين، قال: وعن جميع أسرى المسلمين، قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله أقبل رأسه يخلي عني وعن أسارى المسلمين، لا أبالي، فدنا منه فقبل رأسه، فدفع له الأسارى: فقدم بهم على عمر -رضي الله عنه- فأخبره بخبره فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ فقام فقبل رأسه.

إنهم تلامذة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين رباهم على البذل والتضحية والفداء حتى صاروا قمما شامخة في سماء المجد والرفعة، فتحوا البلاد وقلوب العباد بالإسلام، ولا يمكن أن تعود الأمة إلى سالف عزها ومجدها إلا بالبذل والتضحية، وقد قال إمام دار الهجرة رحمه الله: لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أمر أولِها. وصلح أمر أولها بالعقيدة الصحيحة، والفهم الصحيح للكتاب والسنة، وصلح أمر أولها بقيام الليل وصيام النهار، وصلح أمر أولها بالدعوة إلى الله -عز وجل- ، وصلح أمر أولها بالبذل والجهاد والتضحية.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين.

اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين، ورد كيده إلى نحره، واجعل تدبيره تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه.

اللهم أعزنا بالإسلام قائمين، وأعزنا بالإسلام قاعدين ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين.

اللهم تقبل من إخواننا حجاج البيت الحرام، وشفعهم فينا وارزقنا في عامنا المقبل حجا مبرورا.

وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.


تم تحميل المحتوى من موقع