الإسراف والتبذير

عبد الله بن محمد البصري

عناصر الخطبة

  1. تفشي ظاهرة الإسراف والتبذير في المناسبات
  2. الأفراح بين الأمس واليوم
  3. الدوافع الباعثة على الإسراف
  4. خطورة الإسراف
  5. من حكم تحريم الإسراف
  6. الإسلام دين العدل والوسطية
  7. خطأ إسرار النكاح

أما بعد: فاتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون، و﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(26)﴾ [الأنفال: 24-26].

أيها المسلمون: استكمالاً لحديث سبق حول منكرات الأفراح ومخالفات الأعراس، فإننا سنتحدث اليوم عن مخالفة عظمى ومصيبة كبرى، أمرها خطير وشرها مستطير، نهى الله تعالى ورسوله عنها، وحذر المصلحون الناصحون من مَغَبّتها، وكثر حديث الخطباء والوعاظ حولها، علم الناس حرمتها وخطرها على دينهم ودنياهم، ولكنهم ما زالوا مع كل ذلك يقعون فيها، بل لا يزدادون مع الأيام إلا تعلقًا بها وإصرارًا عليها، تلكم هي قضية الإسراف والتبذير في الحفلات ومجاوزة الحد في البذل والإنفاق في المناسبات، فبدلاً من أن تكون الأعراس والولائم فرصة لإظهار الفرح والسرور بنعمة الله، أصبحت ميدانًا للتفاخر والتكاثر، وغدت مجالاً للرياء والسمعة، تباهٍ بالأموال المصروفة، وتفاخرٌ بالموائد الممدودة، وتغالٍ في الصالات المستأجرة، لهو وطرب وغناء، ورقص وخلاعة ومجون، استعمال غير مشروع للذهب والفضة، وتنافس في الملابس وأنواع الحلل والحلي، قصور في الفهم وانحطاط في التصور، وضعف في الدين ونقص في الإيمان، نسيان للماضي وتجاهل للغابر، وغفلة عن الغد وإغراق في الحاضر، وكأن الهدف من الحفلات والمناسبات قد أصبح حب مدح الناس وثنائهم، وخوف ذمهم وكلام ألسنتهم.

أيها المسلمون: لنعد قليلاً إلى أيامنا الماضية، ولنرجع هُنَيهة إلى عصورنا الخالية، ولا أقول: ارجعوا إلى قرون طويلة أو أجيال غابرة، أو انتقلوا إلى أماكن بعيدة ومسافات سحيقة، ولكن ارجعوا إلى أربعين سنة مضت، وعودوا إلى أربعة عقود خلت، وانظروا كيف عاش آباؤنا وأجدادنا في هذه البلاد، وتفكروا كيف كانت زيجاتهم وحفلاتهم في هذه الديار، ماذا ذبحوا، وماذا أكلوا، وبأي طعام أكرموا ضيوفهم وتبلّغوا. إنه اليسر وعدم التكلف، تقديم لما يسّر الله وهيّأه، في تواضع جمّ وراحة بال، وطيب قلوب وسعة صدور، شاة واحدة أو شاتان، مع ما يسّر الله من بُرّ أو أرز وما أقله وأعزه، لا فاكهة ولا مشروبات، ولا إضاءة ولا إنارة، ولا فرش وثيرة ولا تعقيد، ومع ذلك كله كانت المحبة والألفة في أبهى صورها وأعلى معانيها، الجميع راضٍ بما قسم الله وأعطى، يبدؤون باسم الله، ويختمون بحمده، ويدعون للعروسين بالبركة والولد، لا شيء من النعمة يمتَهن أو يستهان به، بل كثير يؤكل.

وتعمى الأبصار، فإذا بالذي يستر حاله بالأمس ويتعفّف أصبح اليوم يبذّر ويسرف، أناس كانوا وما زالوا فقراء مُعدَمين عالة مُمْلِقين، يتكفّفون الناس ويستدينونهم، ويُلْحِفُون في سؤال الأغنياء والأمراء، ويلجؤون إلى مصارف التسليف والجمعيات الخيرية، يتحملون من الديون ما لا يستطيعون، ويتكلفون ما لا يطيقون، ويتنافسون على ما لا يقدرون، كل ذلك طمعًا في المظاهر الكذابة الخداعة، وتلبّسًا وتشبّعًا بما لم يعطهم الله، وتقليدًا للمسرفين الآخرين، وخوفًا من النقص عما يفعلون، حتى لقد غدا الزواج عند الشاب مطلبًا عزيزًا، بل أصبح شبحًا مخيفًا، يهابه ولا يجرؤ على القرب منه، يتمناه ولا يكاد يحصله، حتى إذا طال عليه الأمد وعبثت به الشهوة ورأى الأقران يستسلمون لهذا الواقع المرّ واحدًا واحدًا عقد العزم على اللحاق بهم والاستمتاع بما أحلّه الله، فلا يجد مناصًا من الوقوع في الديون الباهظة، ولا محيدًا عن مسالك الإسراف المفتعلة، يتجرّع مرارة الإسراف ولا يكاد يسيغها، ويتحمل مؤونة التبذير دَينًا على عاتقه، يستمر به سنوات وسنوات، ينغّص عليه عيشه وحياته، ويكره معه الزوجة وأهل الزوجة والمجتمع من حوله؛ حيث كانوا سببًا في إذلاله وإهانته وضياع حاضره ومستقبله.

من الذي اضطره إلى ذلك -أيها المسلمون- وأجبره عليه؟! من الذي أرغمه على الإسراف ودعاه إليه؟! إنه أنا وأنت والمجتمع بأسره، حين جعلنا الزواج مجالاً للمفاخرة وميدانًا للمكاثرة، فإذا ذبح فلان في زواجه خمسًا أو ستًا من الغنم لم يرض علان إلا بذبح عشر أو عشرين، وإذا نحر ابن فلان قعودين أو ثلاثة نحر ابن علان أربعة أو خمسة، ثم لا نبالي بعد ذلك بمصير هذه النعم ولا أين يُذهب بها، أفي البطون أم إلى القمامات؟! أأكلها الناس أم أكلتها السباع والأفاعي؟! أوزعت على المحتاجين أم على صناديق النفايات؟!

والمصيبة كل المصيبة -أيها المسلمون- حين لا يكون الإسراف إلا ممن جرّب الفاقة وعايش الحاجة وأصابته الخلة وباء بالمسكنة، قد مسته البأساء والضراء، وقرصه الجوع وعضته المَسْغَبَة، ثم لما كثر ماله وحسنت حاله واخضرّ عوده وأورق غصنه تكبّر وتجبّر، وتطاول وتعاظم، وغدا شديد الصَّلَف كثير السَّرَف، لا يقنع بقليل ولا يملأ عينه كثير.

ولقد عايشنا وعايشتم في حفلات كثيرة، ورأينا ورأيتم شيوخًا وكهولاً، لا يُتّهمون إلا برجاحة العقول ورزانة الأحلام، قد عاشوا أيام الفقر والجوع، ومرت بهم سنون عجاف، إن وجد أحدهم غداءه لم يلق عشاءه، وإن شبع في وجبة تجاوز وجبات، فلما أنعم الله عليهم وأغناهم -وكان الأحرى بهم أن يقيدوا النعمة بشكر المنعم سبحانه- إذا هم قد جحدوا النعمة ولم يرعوها حق رعايتها، بل تفننوا في تبديدها وإهدارها في الذبائح والولائم، وفي شراء الملابس والفساتين، وفي جلب المغنيات والكوافيرات، وفي شراء الحلويات والمشروبات، وفي طلب الكماليات والثانويات، حتى لقد صارت قيمة فستان الزفاف في بعض الأحيان تبلغ أكثر من عشرين ألف ريال، وإيجار الصالات قد ينوف على ثلاثين ألفًا، ودُفِعت للمغنيات آلاف الريالات، هذا عدا ما يصرف على الإنارة والفرش والعمال والطباخين والفواكه والمرطبات، وما يعطاه الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، ويقولون ما لا يفعلون.

أيها الإخوة: إن الإسراف والتبذير مسلك خطأ من مسالك الإنسان في المال، تولى القرآن الكريم الحديث عنه وعن أهله، فبيّنه وفضح الغارقين فيه، ودلّ على آثاره وجزاء المنغمسين فيه، وجاء في السنة المطهرة التحذير منه والنهي عنه؛ قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(27)﴾ [الإسراء: 26، 27]، وقال سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:31]، وقال –صلى الله عليه وسلم-: "كلوا واشربوا، والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة"، وقال -عليه السلام-: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".

والإسراف داء مهلك ومرض قتّال، ينبت أخلاقًا سيئة مرذولة، ويهدم بيوتًا عامرة مصونة، ويورث الجبن وينبت الذل، والمسرف ضعيف العزيمة واهن القوة، منهمك في فنون المتاع الرخيص، لا يصمد أمام الشدائد ولا يحتمل المكاره؛ لأنه متعلق بمشتهيات نفسه، مغرق في لذيذ عيشها، ما يقوي حرصه على الحياة وكراهيته للموت. الإسراف يمسك بيد صاحبه عن فعل الخير وبذل المعروف، وأهل الإسراف تأبى أيديهم أن تبسط في إسعاد ذوي الحاجات والنكبات، لا يسارعون إلى مروءة ولا يسعفون في أخوة، ولا يهمهم أن يكون لهم في الناس ذكر جميل أو صيت حسن، ومن ثم تنقطع صلة التعاطف والتراحم بين كثير من أفراد الأمة، بل لقد نبه المجربون -أيها الإخوة- إلى أن للإسراف أثرًا كبيرًا في إهمال النصيحة وحب الناصحين، ولقد قال الله في فرعون: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: 31].

أيها المسلمون: إن النهي عن الإسراف والتبذير قُصِد به حماية الأمة من الليونة المفرطة، ووقايتها من الاسترسال في المتع الرخيصة، ما يؤدي إلى الانحدار في الرذائل والمحرمات، ويصرف عن حياة الجد والجهاد والبذل والتضحية، كما قُصِد به حفظ الأموال التي بها قيام الناس واستقامة معاشهم؛ ومن أجل ذلك، فكما أن الفرد مسؤول ومحاسب عن إسرافه وترفه، فإن الأمة مسؤولة عن هذه الظاهرة ومحاسبة عليها، فيجب عليها مقاومتها ومنعها والتبصر بمخاطرها وسيئ آثارها، وإذا هي لم تفعل حقّت عليها كلمة الله، وأحاط بها وعيد القرآن، جزاءً وفاقًا: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 58].

وليزداد الأمر في ذلك وضوحًا وجلاءً فلتعلموا -أيها الإخوة- أن المسرفين المترفين في العادة هم أشد الناس استغراقًا في الاستمتاع وذهولاً عن المصير، مترفون مسرفون، يجدون المال ويجدون الخدم، ويجدون الراحة وينعمون بالدّعَة؛ حتى تترهّل نفوسهم وتضعف أبدانهم، وترتع في الفسق حياتهم، وتستهتر بالقيم سلوكياتهم، فإذا لم يوجد من يأخذ على أيديهم ويمنعهم مما هم فيه عاثوا في الأرض فسادًا، ونشروا فيها الفواحش والموبقات، وأرخصوا القيم العليا والمبادئ السامية التي لا تعيش الأمم ولا تقوم إلا بها، ومن ثم تتحلّل الأمم وتسترخي، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها، فتهلك وتطوى صفحتها، وهذا من سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير، مصداق ذلك في كتاب الله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

إذا كان ذلك كذلك -أيها الإخوة- فإنه يتعين على ولاة الأمور وأهل العلم والصلاح، ويجب على الوجهاء والأعيان وشيوخ العشائر، ويلزم ذوي الأثر والقدوة في الناس أن تتضافر جهودهم وتتعاضد توجهاتهم على المجاهدة في هذا السبيل، حتى يبتعد الواقعون في الإسراف عن إسرافهم، ويسلكوا طريق القصد ونهج العدل؛ حفاظًا على الدين والمروءة، وإبقاءً على ثروات الأمة ومقدراتها.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود:116، 117].

الخطبة الثانية:

أما بعد:

أيها المسلمون: فإن الوسط والعدل هو قاعدة الإسلام الكبرى، والإفراط أخو التفريط، والإسلام لا يدعو إلى ارتداء الخِرَق البالية مع إمكانية تحصيل أفضل منها، ولا إلى تجويع النفس مع تحصيل الطعام الطيب، ولكنه العدل والوسط، يأخذ فيه المرء ما يجد ولا يتكلف ما فقد، هذا هو نهج عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]، يأكلون ليعيشوا، ويعيشون ليعطوا الحياة قدرها ويحفظوا لها وظيفتها، عبادة لله وإحسانًا إلى عباده، رجاءً لواسع فضله وطمعًا في عظيم ثوابه، يأخذون من الطيبات، ويستمتعون بالزينة، ويقفون عند حدود الله ولا يتجاوزونها: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32].

إن الكريم ذا المروءة من يعرف للمال قدره ومكانته، فيضعه في موضعه، وينزله منزلته، عنده في الحياة مطالب يبذل فيها المال بسخاء وسماحة نفس، يؤدي الحقوق ولوازم النفقة على النفس والوالدين والوِلْدان والزوج والأقربين، مصارف البر عنده واسعة، من المساجد والمدارس والجمعيات الخيرية، في نظرة واسعة للمصالح العامة والخاصة، وحينما قال أهل العلم: لا خير في الإسراف، فقد قالوا: لا إسراف في الخير، وحينما قالوا: لا تنفق قليلاً في باطل قالوا: لا تمنع كثيرًا في حق. وإنه لا يضر أولي الفضل والسعة أن يقتصدوا في أطعمتهم وملابسهم ويختصروا في حفلاتهم وزيجاتهم ما داموا يبذلون أموالهم فيما تكمل به مروءتهم، وتدعو إليه حقوق مجتمعهم وأمتهم، بل إن ذلك ليزيدهم مكارم إلى مكارمهم، ذلكم هو مسلك العدل والاقتصاد، وسبيل الكرم والسماحة، وطريق الفضل والمروءة، وسط بين البخل والإسراف، وعدل بين الشح والتبذير، إنه مسلك يملك العبد به الدنيا ليسخرها للدين، ويأخذ من متاع الأولى ما يبلغه الأخرى.

أيها المسلمون: وهنا أمر لا بد من ذكره مقترنًا بالتحذير من الإسراف، ذلكم هو ما يفعله بعض العقلاء ومريدي الخير من إسرار الزواج وإخفائه، وتصغيره وتحقير شأنه، إلى الحد الذي قد لا يعلم جيرانه وأقاربه أنه قد حصل عنده زواج، يفعل ذلك تيسيرًا لأمور الزواج وتخفيفًا على الزوج، وابتعادًا عن الإسراف وهربًا من التبذير، وكسبًا للراحة وطردًا للتعب والعناء، وهو مأجور على نيته الخيرة تلك، مثاب على ذلك إن شاء الله، ولكن ينبغي أن يعلم أن إسرار الزواج ليس من السنة في شيء، بل السنة إعلانه وإظهاره، وعمل وليمة لذلك، من غير مبالغة ولا تبذير ولا إسراف، قال -عليه الصلاة والسلام-: "فصل ما بين الحلال والحرام ضرب الدف والصوت في النكاح". وقال: "أعلنوا النكاح"، وقال لعبد الرحمن بن عوف لما تزوج بامرأة من الأنصار: "أولِم ولو بشاة".

ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرًا لأنفسكم، واعلموا أن السعيد هو من كان مباركًا على مجتمعه وأمته، مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، والحر هو من تحرر من كل ما يستطيع الاستغناء عنه، وأجمل عادة وأحسنها أن لا يكون العبد أسيرًا للعادة. طوبى لمن وجد غداءً ولم يجد عشاءً، ووجد عشاءً ولم يجد غداءً، وهو عن الله راضٍ والله عنه راضٍ. وويل ثم ويل للمسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.  


تم تحميل المحتوى من موقع