حكم الغناء وخطره

منديل بن محمد آل قناعي الفقيه
عناصر الخطبة
  1. آفات الغناء ومفاسده .
  2. الأدلة من الكتاب والسنة وكلام الأئمة على تحريم الغناء .
  3. التوبة من سماع الغناء .
  4. حكم كسب المغني والمغنية .
  5. رسالة لبائعي الغناء ومروجيه .
  6. الواجب أمة الإسلام .
  7. هل في الغناء ما هو جائز؟ .

اقتباس

فيا من أحضر مغنية: تب إلى ربك، وأصلح جانبك مع الله، ويا من تفكر في إحضارها إلى منزلك: اتق الله أن يغضب عليك، ولا تدخل هذه الأصوات الملعونة إلى بيتك، فينزل بك عقاب الله العاجل، خاصة أنَّه صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّه سيخسف بأهل الغناء، ويمسخون قردة وخنازير، وهذا علم من أعلام نبوته، ومن أشراط الساعة وعلاماتها. فيا من تستمع الغناء وتبيعه أو تشتريه: احذر أن يكون...

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما، وهدانا صراطا مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم: 34].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله، خير البرية، وأزكى البشرية، دعا إلى الهدى، وحذر من الضلال بعد الهدى، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى أصحابه أولي النهى، ومن تبعهم على الحق واقتفى.

أما بعد:

قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا)[الطلاق: 10-11].

أيها المسلمون: هذا خطاب رباني كريم؛ لتحقيق التقوى في النفوس؛ لتحيا شريفة، خيرة يوجهه الله إلى أصحاب العقول الذين آمنوا؛ لأنَّهم هم الذين يفهمون الخطاب، ويعقلون الأمر والنهي، فيعملون بالأمر، ويتركون النهي، ويستعملون عقولهم فيما خلقت له، ليفوزوا عند الله بالرضا والجنة، ويسلموا من السخط والنار.

أقول هذا -أيها المسلمون- مما أجد في نفسي من الأسف والأسى على أقوام أعرضوا عن القرآن والسنة؛ اللذَّين فيهما السعادة، وأقبلوا على الأغاني والمعازف، وآلات اللهو والطرب، ومزامير الشيطان، تلك الأغاني التي فتن بها كثير من الرجال والنساء؛ ممن ضعف إيمانهم، وخفت عقولهم، فشغلوا بها أوقاتهم، وملئوا أرجاء بيوتهم بأصوات المغنين والمغنيات التي تبثها وسائل الإعلام، أو تسجل على أشرطة وتباع في الأسواق؛ حتى أصبح كثير من أبنائنا وبناتنا يعرفون عن المغنين والمفنيات وأغنياتهم كل دقيق وجليل، ولو سألت أحدهم عن مواقيت الصلاة وشروطها لقال: لا أدري، ومن أين له أن يدري وهمته متجهة بضد ذلك من الأغاني والمعازف الفاسدة المفسدة.

ومما زاد من الأسى أن ينبري رجل من أهل القرآن، وممن أمُّوا المسلمين في البيت الحرام، فيفتي بأن الغناء كله حلال غير ممنوع، ويبيح المعازف والمزامير، ويعرض عن النصوص الشرعية، واتفاق الأئمة الأربعة، وجماهير العلماء القائلين بحرمة الغناء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أيها المسلمون: وقبل الحديث عن حكم الغناء، والأدلة على تحريمه؛ أذكر شيئا من آفاته ومفاسده التي لا تحصى؛ فمنها ما قاله ابن القيم -رحمه الله-: ومن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها مكرا منه وغرورا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه، فقبلت وحيه، واتخذت لأجله القرآن مهجورا. [إغاثة اللهفان ج1ص224].

ومنها: أنَّه يفسد القلب، وينبت النفاق فيه؛ كما قاله غير واحد من السلف.

ومنها: أنَّه يمحو من القلب محبة القرآن، إذ لا يجتمع في القلب محبة القرآن ومحبة الأغاني والألحان، فهما ضدان لا يجتمعان في مكان إلَّا أخرج أحدهما الآخر، وصدق من قال:

حب القران وحب ألحان الغنا *** في قلب عبد ليس يجتمعان

ومنها: أنَّه من أعظم ما يصد عن ذكر الله، ويشغل العباد عن طاعة الله.

ومنها: أنَّ الأغاني سبب للعقوبات في الدنيا والآخرة، قال ابن القيم: "والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب أنَّه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم، وفشت فيهم، واشتغلوا بها إلَّا سلط الله عليهم العدو، وبلوا بالقحط والجدب، وولاة السوء" [مدارج السالكين ج1ص500].

ومنها: أنَّ الغناء مجلبة للشياطين، فهم قرناء المغنين والمستمعين، وما جلب الشياطين فهو مطردة للملائكة؛ لأنَّهما ضدان لا يجتمعان، فالبيت الذي ترتفع فيه أصوات الأغاني تجتمع فيه الشياطين، وتطرد عنه الملائكة، وماذا سيكون حال أهل بيت خالطوا الشياطين في بيوتهم؟

وا أسفاه على بيوت خلت من ذكر الله، وخلت من ملائكة الرحمن، وعمرت بالأغاني، وامتلأت بالشياطين.

ومنها: أنَّ الأغاني ترغب في الزنا، وتدعو إليه، فهو بريد الزنا كما قال الحكماء قال الفضيل بن عياض والبغوي: "الغناء رقية الزنا".

ولهذا يحرص المغنون على إسماع الناس الأغاني التي فيها وصف لمحاسن النساء، وقصص العشق والغرام والمجون وأشعار الغزل، ووصف الخدود والقدود، والثغور والنحور، وكل ما يثير الشهوة، ويحرك الغريزة الجنسية، لا سيما وقد قرنت بأصوات المعازف، وأرسلت عبر أمواج الأثير، تغزو كل بيت، وتدخل كل غرفة؛ ليسمعها كل ذكر وأنثى، وكل صغير وكبير.

أيها المسلمون: إنَّ استباحة الغناء وآلاته، والاستماع له إنذار سريع بظهور الفاحشة، وانتشارها وعندها ينعدم الطهر، وينتهي الحياء، ويعم الخبث، وتعلو الوقاحة، وتسوء الأخلاق، ويموت الأدب ويصبح لا فرق بين بيت المسلم وبيت الكافر، وإلى الله المشتكى.

أيها المسلمون: من كان في شك من تحريم الغناء والموسيقى والمعازف ومفاسدها، فليزل الشك باليقين من كلام رب العالمين، ومن كلام الصادق الأمين في تحريمها، وبيان ضررها ومفاسدها، فالنصوص التي تدل على تحريمها والوعيد الشديد لمن استحل ذلك، أو أصر عليه؛ كثيرة مع أنَّ المؤمن الصادق يكفيه دليل واحد من كتاب الله، أو صحيح سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكيف إذا تكاثرت الأدلة على ذلك: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) [الأحزاب: 36].

واسمعوا قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [لقمان: 6-7].

قال المفسرون: لهو الحديث في الآية هو الغناء، وحلف ابن مسعود -رضي الله عنه- على ذلك ثلاثا، فقال: والله الذي لا إله إلَّا هو إنَّه الغناء.

وقال تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا) [الإسراء: 64].

وأهل التفسير عامة يقولون: صوت الشيطان الذي يحرك به الغرائز والشهوات هو الغناء الحرام، فهل يليق بنا -يا مسلمون- أن ندع كلام أئمة التفسير ونقبل بقول هذا القارئ؟

واسمعوا إلى قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يدع مجالا للشك في تحريم هذا الصوت النشاز الخبيث؛ فعن أبي عَامِرٍ أو أبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ: أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لَيَكُونَنَّ من أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إلى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عليهم بِسَارِحَةٍ لهم يَأْتِيهِمْ، يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ، فيقولوا: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ الله وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [البخاري ج5ص2123 عن هشام بن عمار معلقا ووصله الطبراني والبيهقي وابن عساكر من طرق عن هشام، وصحح الحديث ابن حجر في الفتح وابن القيم في تهذيب السنن وإغاثة اللهفان والألباني في السلسلة الصحيحة برقم91 وقال في تحريم آلات الطرب، ص42 " وهذا إسناد صحيح متصل" وردوا ما قاله ابن حزم حين ضعف الحديث بحجة الانقطاع بين البخاري وهشام].

والمعازف هي آلات اللهو بجميع أنواعها، من عود وطنبور، وقيثار وقانون، وأورق وبيانو ومزمار، وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "يستحلون " دليل صريح على أنَّها حرام وهم يستحلونها.

ثم تأملوا -يا مسلمون- كيف جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين المعازف وبين ما هو محرم بالإجماع، فقال: "الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِف" وما ذاك إلا دليل واضح على أنَّ الغناء والمعازف حرام، وأنَّها إن لم تكن أسوأ منها، فهي مثلها في المفسدة والحرمة.

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة" [رواه البزار ورجاله ثقات وحسنه المقدسي في المختارة ج6ص189وصححه الألباني في الصحيحة برقم427].

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "هذا الحديث من أجود ما يحتج به على تحريم الغناء".

وقال الألباني: "وفي الحديث تحريم آلات الطرب؛ لأنَّ المزمار هو الآلة التي يزمر بها وهو من الأحاديث الكثيرة التي ترد على ابن حزم إباحته لآلات الطرب".

فأصوات المغنين أصوات ملعونة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث نهى عن الصوت الذي يفعل عند النعمة، أي الفرح والعرس، وهو صوت الأغاني والمزامير؛ كما نهى عن الصوت الذي يكون عند المصيبة، وهو صوت النائحة.

فإلى الذين يحضرون المغنين والمغنيات، والمطربين والمطربات، في الأفراح والأعراس -ونحن مقبلون على الإجازة المملوءة بالأعراس- احذروا لعنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخافوا عقاب الله، فلا تحضروا المغنيات إلى بيوتكم، فيأكلوا أموالكم سحتا وحراما، وفوق ذلك تدرككم لعنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولكن -يا أسفاه- لما استرجلت النساء، وتخلى الرجال عن واجب القوامة، وقل الخوف من نزول عقاب الله العاجل، أصبحت هذه الأصوات الملعونة تنعق في بيوتنا بمكبرات الأصوات، بلا حياء ولا خجل، وصدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَة" [البخاري عن أبي بكرة برقم 6686].

فيا من أحضر مغنية: تب إلى ربك، وأصلح جانبك مع الله، ويا من تفكر في إحضارها إلى منزلك: اتق الله أن يغضب عليك، ولا تدخل هذه الأصوات الملعونة إلى بيتك، فينزل بك عقاب الله العاجل، خاصة أنَّه صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّه سيخسف بأهل الغناء، ويمسخون قردة وخنازير، وهذا علم من أعلام نبوته، ومن أشراط الساعة وعلاماتها.

فيا من تستمع الغناء وتبيعه أو تشتريه: احذر أن يكون الخسف والمسخ بك فتكون العبرة بك لا بغيرك؛ فعن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: "في هذه الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ، فقال رَجُلٌ من الْمُسْلِمِينَ": يا رَسُولَ اللَّهِ وَمَتَى ذَاكَ؟ قال: "إذا ظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتْ الْخُمُور" [الترمذي برقم2212 وصححه الألباني].

فلنتق الله، ولنتب إلى الله مما سلف من بعضنا من سماع أصوات المغنين والمغنيات، سواء كان ذلك في البيت أو السيارة، فإن الله غفور رحيم.

ومن لم يقتنع بهذه الأدلة، فإليه ما قاله العلماء من سلف هذه الأمة، فكلامهم صريح واضح في حرمة الأغاني والمعازف، فابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: "الغناء ينبت النفاق في القلب".

وابن عباس -رضي الله عنهما- سأله رجل عن حكم الغناء، فقال:" إذا كان يوم القيامة فأين يكون الغناء أفي الجنة أم في النار؟ فقال الرجل: في النار، فقال ابن عباس: فاذهب لقد أفتيت نفسك فهو حرام".

وقال القاسم بن محمد -رحمه الله-: "الغناء باطل والباطل في النار".

وقال عمر بن عبدالعزيز: "الغناء مبدؤه من الشيطان وعاقبته سخط الرحمن".

وقال ابن حجر الهيتمي: "ومن حكى خلافا في الغناء، فإنَّه قد وهم وغلط، وغلب عليه هواه، حتى أصمه وأعماه".

وقال ابن رجب -رحمه الله-: "وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم، فمحرم مجمع على تحريمه، ولا يعلم عن أحد الرخصة في شيء من ذلك، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به فقد كذب وافترى".

وذكر ابن الجوزي قول الإمام الطبري إجماع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه؛ إلَّا من فارق الجماعة.

وقال الألباني: "إنَّ العلماء والفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة، متفقون على تحريم آلات الطرب للأحاديث النبوية والآثار السلفية".

أيها المسلمون: هذه أقوال العلماء كلُّها مجمعة على حرمة الغناء، فأين يذهب بعقول من يبيحون الغناء ويستمعونه في بيوتهم عبر وسائل الإعلام؟

وهل يصح أن نترك أقوال الصحابة وعلماء الأمة ونقبل بقول هذا القارئ؟

أم أنَّه ومن يستمع للغناء مقلدة لا يقبلون إلَّا قول إمام مذهبهم، فإليهم أقوال الأئمة الأربعة، فأبو حنيفة يقول: "سماع الأغاني فسق، والتلذذ به كفر".

ومالك بن أنس يقول: "الغناء إنَّما يفعله الفساق عندنا".

والشافعي يقول: "الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال".

وأحمد بن حنبل -رحمه الله- يقول: "الغناء ينبت النفاق في القلب، فلا يعجبني".

فهل بعد كلامهم يصدق عاقل أنَّ الغناء الذي يحرك الغريزة، ويثير الشهوة، ويدفع للجري ورائها من أجل الحصول عليها حلال؟

أيها المسلمون: لو كان في الغناء نفع وخير وصلاح في الدين والدنيا والآخرة لشرعه الله، وأمر به وندبنا إليه، وبما أنَّ الله لم يشرعه، ولم يأذن فيه، فليس فيه نفع ولا خير أبدا، وحسبنا قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90].

ومما ينبغي أن يعلم أنَّ كسب الغني والمغنية كسب خبيث باتفاق الأئمة الأربعة، والمغني بالعود أو المزمار والمطرب والمطربة خارج عن العدالة، والأدهى من ذلك: أنَّ المغني لو تاب من الغناء قبل موته، فإنَّ آثاره السيئة، وأغنياته السيئة المسجلة، تبقى تضل الناس، وتغويهم في مشارق الأرض ومغاربها، وتكتب عليه آثام من عمل بها إلى يوم القيامة، وفي ذلك الخسارة والبوار؛ عن جَرِيرِ بن عبد اللَّهِ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "... وَمَنْ سَنَّ في الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بها بَعْدَهُ كُتِبَ عليه مِثْلُ وِزْرِ من عَمِلَ بها ولا يَنْقُصُ من أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ" [مسلم برقم 1017].

وأمَّا المغنية فوزرها أعظم، وإثمها أكبر، وكسبها أخبث، وعذابها أشد وأشنع؛ لأنَّها ترتكب في مزاولتها للغناء عدد من المنكرات والمحرمات؛ منها الصوت والمفاتن والمزامير والخلاعة والمجون، وغير ذلك من المنكرات.

وختاما: أقول لمن يبيع الغناء: إنَّك تبيع حراما، وتنشر فسادا، وتكسب سحتا؛ عن كَعْب بن عُجْرَةَ -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "... إنه لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ إلا كانت النَّارُ أَوْلَى بِهِ" [الترمذي برقم614 وصححه الألباني].

فتب إلى ربك، وبع الأشرطة التي سجل فيها الكلم الطيب من كلام الله، وكلام العلماء الصادقين الناصحين، والمواعظ النافعة، والمحاضرات المفيدة، وسوف يبارك الله لك في كسبك، فهو القائل: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب) [الطلاق: 2-3].

ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.

بارك الله لي...

الخطبة الثانية:

الحمد لله كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إيماناً به وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الشافع المشفع في المحشر، صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وأصحابه السادة الغرر، ومن تبعهم بإحسان ما أشرقت شمس، وأضاء قمر.

أمَّا بعد:

فاتقوا الله -عباد الله- ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ، واتقوا الله إنَّ الله خبير بما تعملون.

أيها المسلمون: إنَّ أمةً اجتباها الله واصطفاها لتحمل رسالة الهداية للبشرية، وتقود لشاطئ النجاة، والسلامة الإنسانية.

إنَّ أمةً مفروض عليها أن تعيش ذاكرة شاكرة لله، حيث قال لها ربها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) [الأحزاب: 41].

وقال لها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[الحـج: 77].

وقال لها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [التوبة: 123].

وقال لها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200].

إنَّ أمةً هذه حالها، وهذه واجباتها، هل يليق بها أن يستمع رجالها ونساؤها الغناء، ويسمعوا الفحش والنطق بالبذاء من القول وخبيث الكلام؟

إنَّ أمةً تناجي ربها، وتقف بين يديه خمس مرات في اليوم والليلة، لا يليق بها أن يستمع رجالها ونساؤها لمزامير اللهو، وأصوات عواهر النساء، وفجار الرجال.

أما يستحي مسلم من الله عندما يجلس وأفراد أسرته أمام دش، أو فيديو، أو تلفاز، وعاهر تغني وترقص، أو فاجر يغني بأقبح الكلمات.

أنَّنا لا نلحق اللوم، ونحمل المسؤولية وسائل الأعلام التي تبث من دول كافرة؛ لأنَّه ليس بعد الكفر ذنب، ولا نرتجي من الكفار أن يبثوا في إذاعاتهم خيراً ولا صلاحاً، ولكنَّنا نحمل المسؤولية في ذلك المسلمين الذين يغارون على دينهم وأخلاقهم ونسائهم وذرياتهم، كيف يليق بهم أن يرتكبوا ما حرم الله، فيستمعوا للغناء، ويسمعون الناس في منازلهم؟

كيف يليق بالمسلمين الذين اعتدي على دينهم وبلادهم، وشرِّد إخوانهم في شتى أقطار الأرض على أيدي الكفار، والذين تشتعل الحروب في أطرافهم، كيف يليق بهم مع ذلك كلِّه أن يلهوا ويغنوا ويطربوا، وهم جرحى مهددون بالأخطار؟

إنَّ اللائق بهم، والواجب عليهم، أن يجدوا ويجتهدوا في حماية دينهم وبلادهم، وصيانة أخلاقهم وأعراضهم، وأن يحفظوا أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم وأخراهم؛ بعبادة الله، وذكره، وتعلم العلوم النافعة، والجهاد في سبيل الله، ونشر دعوة الإسلام في أنحاء الأرض، فإذا فعلوا ذلك لم يبق لديهم وقت للهوا واللعب، وسماع ما حرم الله.

أيها المسلمون: قد يسأل سأل فيقول: أليس في الغناء ما هو جائز كالذي يروى في السيرة النبوية؟

فأقول: ليس في الغناء ما هو جائز، بل الغناء كله محرم؛  كما تقدم بالأدلة، وأمَّا ما يروا في السيرة من نشيد الأعراب؛ كحداء أنجشة، وسلمة بن الأكوع، ونحو ذلك من الأناشيد والأشعار التي لا بأس بها، فإنَّه مجرد إنشاد وليس بالغناء المحرم، وغير مصحوب بآلات اللهو والطرب، وهو يدعوا إلى الشيم، ومكارم الأخلاق، وإظهار الفرح والسرور والبهجة؛ كفعل الأنصار يوم قدوم النبي -صلى الله عليه وسلم- للمدينة: "طلع البدر علينا.....".

وكذلك الإنشاد عند التنشيط على الأعمال الشاقة بين الرجال؛ كفعل الصحابة بيوم بناء المسجد، وحفر الخندق، وإظهار الفرح والسرور في العيدين، وإنشاد الأشعار التي لا تخرج عن الحكمة والاعتدال والمرؤة، والتي ليس فيها كذب ولا ذم لأحد، فذلك مباح غير ممنوع، فما عدى ذلك فحرام بالإجماع، فيجوز ضرب الدف فقط لإعلان النكاح، مع الغناء المباح المعتاد الذي ليس فيه دعوة لمحرم، ولا مدح لمحرم، في وقتٍ قصير من الليل بين النساء فقط، دون الرجال، وأن لَّا يكون بمقربة من الرجال، ولا يجوز رفع ذلك بمكبرات الصوت، وأمَّا الرجال فلا يجوز لهم ضرب الدف والزير والزلفة في العرضة، ولا غيرها؛ كما بينت ذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في فتواها رقم 4118 بتاريخ 10 /11/ 1401هـ، خلاصتها ما يلي: "إنَّ العرضة حرام لما اشتملت عليها من المنكرات، بل بعض هذه المنكرات كافٍ في الحكم عليها بالتحريم، فليس فيها شيء من الرجولة والشجاعة، بل فيها الرقص والتمايل والخيلاء والمجون والكذب والسفه والتبذير بإنفاق الأموال في غير وجهها، وضياع الوقت، ونشر الفساد، والتزام عادات جاهلية، تقليداً للآباء والأجداد، على غير بصيرة، واتباعٍ للهوى والشهوات، وإيثار ذلك على ما جاء في شريعة الإسلام من مكارم الأخلاق، والسير الحميدة".

فاتقوا لله -أيها المسلمون- وأعرضوا عن الغناء الضار، والمزامير الشيطانية المحدثة التي نهى الله ورسوله، وطهروا بيوتكم وسيارتكم منها، ولا تغتروا بأقوال زائفة في الغناء، ليس لها مستند صحيح روجها قوم، فتنوا باتباع الشهوات، واستماع الأغنيات، وتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فأحلوا حلالهما، وحرموا حرامها، وعليكم بتلاوة القرآن وتدبره، والاستماع إلى تلاوته، فذلك هو العمل النافع والسماع الذي أمر الله به ورسوله، لا سيما وقد حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك؛ عن الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ قال: قال رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ" [سنن أبي داود1467 وابن ماجه 1342 والنسائي في السنن الكبرى 8050 وصححه الحاكم 2124 وابن خزيمة 1556 والألباني في الصحيحة771].

وعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "ما أَذِنَ الله لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ"[البخاري7044 ومسلم 792].

وعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "ليس مِنَّا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ"[البخاري 7089].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النــور: 21].


تم تحميل المحتوى من موقع
الجمهرة معلمة مفردات المحتوى الأسلامي