الإخلاص 2 فوائده

عناصر الخطبة

  1. كيف يعتق العبد من الرق إلى الحرية ؟
  2. التبر الأحمر الذي عزَّ وجوده بين الخلق
  3. كل خارج من الدنيا إما متخلص من الحبس وإما ذاهب إلى الحبس
  4. من فوائد الإخلاص
  5. ثمرة العبودية والمتابعة والصدق مع الله
  6. ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟
  7. من طرق الجنة العظيمة
  8. مفتاح اللذة التي يجدها العبد عند أدائه للعبادة
  9. من أمن الرياء وقع فيه
  10. أهمية إخفاء العمل لله تعالى

إن الحمد لله..

أما بعد:

فيأيها الناس: اتقوا الله عز وجل، وأخلصوا أعمالكم لوجهه، فالإخلاص هو القاعدة التي يعتمد عليها صحة العمل وقبوله وفساده وردّه.

أيها المؤمنون: لا يزال الحديث موصولاً عن التبر الأحمر، الذي عزَّ وجوده بين الخلق، ألا وهو الإخلاص، الإخلاص الذي يعتق العبد من الرق إلى الحرية بعد أن كان عبدًا لغير الله، إذا به يخلع ربقة العبودية كلها، ويرمي بها خلف ظهره متجهًا إلى ربه، لا يرى أثناء العمل سواه جل في علاه، قال بشر بن الحارث المعروف بالحافي: من أراد أن يذوق طعم الحرية، ويستريحَ من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين الله. وقال إبراهيم بن شيبان: من أراد أن يكون معدودًا في الأحرار مذكورًا في الأبرار، فليخلص عبادة ربه، فإن المتحقق في العبودية مسلّم من الأغيار.

وقال معروف الكرخي: يا نفس أخلصي تتخلصي.

وقال ذو النون: من صحح استراح، ومن صَفَّى صُفِّيَ له.

ولقد أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم لذلك في حديثه العظيم الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله أشعثَ رأسُه مغبرةٍ قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع".

‌ قال ابن القيم رحمه الله: طالبُ اللهَ والدارَ الآخرة لا يستقيم له سيره وطلبه إلا بحبسين: حبس قلبه فى طلبه ومطلوبه، وحبسه عن الالتفات إلى غيره، وحبس لسانه عما لا يفيد وحبسه على ذكر الله، وما يزيد فى إيمانه ومعرفته، وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات وحبسها على الواجبات والمندوبات فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه، فيخلصه من السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه، ومتى لم يصبر على هذين الحبسين، وفرَّ منهما إلى فضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا، فكل خارج من الدنيا إما متخلص من الحبس وإما ذاهب إلى الحبس.

معاشر المسلمين: ومن فوائد الإخلاص التي يجنيها المخلصون: أن الله جل وعلا يورثهم الفهم والحكمة والعلم اللدني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29].

قال ابن القيم: وأما الأبدان الزكية فهي التي زكت بطاعة الله ونبتت على أكل الحلال، فمتى خلصت الأبدان من الحرام وأدناس البشرية التي ينهى عنها العقل والدين والمروءة وطهرت الأنفس من علائق الدنيا زكت أرض القلب، فقبلت بذر العلوم والمعارف.

وقال رحمه الله: والعلم اللدني ثمرة العبودية والمتابعة والصدق مع الله والإخلاص له، وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله، وكمال الانقياد له فيفتح له من فهم الكتاب والسنة بأمر يخصه به.

وانظر إلى فقه البخاري حيث قال تحت قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] قال: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إلا المؤمن.

وقال ابن القيم على هذه الآية: لا يجد حلاوته ويذوق طعمه، ويباشر حقائقه إلا القلب المطهر من الأنجاس والأدناس.

وهذه الكلمات من هؤلاء الأئمة من الفهم الموهوب للعبد بإخلاصه، وإن لم يكن هو المعنى الحقيقي للآية، ولكن الآية تشير إليه ومثله كلام شيخ الإسلام على حديث "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة" قال رحمه الله: إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصورة عن دخول البيت، فكيف تلج معرفة الله عز وجل ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلىء بكلاب الشهوات وصورها.

قال سفيان الثوري رحمه الله: ما أخلص عبد لله أربعين يومًا إلا أنبت الله الحكمة في قلبه نباتًا، وأنطق بها لسانه، وبصّره بعيوب الدنيا دائها ودوائها.

أيها المؤمنون: ومن فوائد الإخلاص: أن كلام المخلص يدخل القلوب، وكلام غيره يشنف الآذان، قال مالك بن دينار رحمه الله عن كلام المخلصين: كان كلامهم دواءً للخطائين، كالحسن وسعيد بن جبير وأشباههم والرجل منهم يحيي الله بكلامه الفئام من الناس.

قيل ليونس بن عبيد: هل رأيت أحدًا يعمل بعمل الحسن؟ فقال: والله ما رأيت من يقول بقوله، فكيف أرى من يعمل بعمله؟ كان وعظه يبكي القلوب، ووعظ غيره لا يبكي العيون.

حدث عن القوم فالألفاظ ساجدة *** خلف المحاريب والأوزان تبتهل

قيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن، ونحن تكلمنا لعز أنفسنا وطلب الدنيا ورضا الخلق.

ومن فوائد الإخلاص أيها المؤمنون: أن صاحبه يحفظ من الوقوع في الشهوات والشبهات، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿المخلِصين﴾ بكسر اللام.

فنجى الله نبيه يوسف عليه السلام بإخلاصه وإحسانه ومراقبته لربه مع قوة الإغراءات التي وردت من جانب امرأة العزيز، وذلك لإخلاصه القوي، واعتماده على ربه في كل شئونه، ألم تر أنه في كل نازلة تنزل به يرفع يديه لربه سائلاً الخلاص، فكانت النتيجة أن أخلصه الله لنفسه، فكتب له الخلاص من الشهوات والشبهات ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24].

والإخلاص عباد الله من طرق الجنة العظيمة، قال سبحانه: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) [الإنسان: 8- 11]، قال مجاهد وابن جبير: ولله ما تكلموا بهذا، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ في ذلك راغب.

اللهم نوّر قلوبنا بقصدك في كل حين يارب العالمين.

أقول قولي هذا……..

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن…

أما بعد: فيا أيها الناس: إن الإخلاص هو مفتاح اللذة التي يجدها العبد عند أدائه للعبادة، ألم تسمع قول بعضهم: "إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي عيش طيب".

وقول الآخر: "نحن في لذة لو يعلم بها أبناء الملوك لجالدون عليها بالسيوف".

معاشر المسلمين: إن لم نتذوق هذه اللذة فلنراجع نياتنا ومقاصدنا.

فإن القارئ لسير السلف يجزم بأن أعماله كلها رياء، ولكن على المرء أن يسدد ويقارب حتى تستقيم نيته.

عباد الله: إن قومًا عبث بهم الشيطان فأوقعهم في أشد منه، فترى المرء منهم يترك العمل خشية الرياء، ولا يزال به الشيطان حتى يوقعه في الوساوس، فيرى أن أعماله كلها رياء فيتحسر ويترك العمل.

وعلى العبد أن يجتهد في إخلاص عمله لله، ويكثر من الدعاء ويراقب نيته باستمرار حتى يوفق لذلك.

قال الفضيل بن عياض: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله عنهما.

أيها المؤمنون: إن الشيطان يحرص على أن لا تعمل، فإن عملت حرص على أن ترائي.

فاحذر أن تترك العمل خشية أن ترائي، ولا بأس أن تترك العمل أمام الناس، وتعمل به في السر، أما أن تترك العمل بالكلية، فهذا الذي حذّر منه الفضيل رحمه الله، ولنعلم أن العبد يجب عليه أن يخاف من الرياء باستمرار، حتى لا يقع فيه فإن من أمن الرياء وقع فيه، فالرياء أخفى من النملة السوداء على الصفاة السوداء في ظلمة الليل.

وختاما لخطبتي الإخلاص نمر سريعًا على أمر مهم، من عمل به نجا بإذن الله من الرياء، وهو دأب السلف الصالح، إنه إخفاء العمل لله تعالى، وعدم إظهار شيء من العمل؛ حتى يسهل الإخلاص على العبد، وسيكون الكلام سردًا لحال السلف في إخفاء أعمالهم، فهذا زين العابدين علي بن الحسين رحمه الله يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول: إن صدقة السر تطفىء غضب الرب عز وجل.

وعن شيبة بن نعامة قال: كان علي بن الحسين يُبَخّل، فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة. قال جرير في الحديث أو من قبله: إنه حين مات وجدوا بظهره آثارًا مما كان يحمل بالليل الجرب الى المساكين.

وعن عمرو بن ثابت قال: لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون الى آثار سواد بظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جُرُب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة.

وعن محمد بن إسحاق قال: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات عليّ بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل.

وعن يزيد بن عبد الله بن الشخير أن رجلاً جاء إلى تميم الداري فقال له: كيف صلاتك بالليل فغضب غضبًا شديدًا، وقال: والله لركعة أصليها في جوف الليل في السر أحب إليَّ من أن أصلي الليل كله ثم أقصه على الناس.

وهذا الربيع بن خثيم ما رؤي متطوعًا في مسجد قومه قط إلا مرة واحدة.

قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17)﴾ [السجدة: 16 – 17].

قال محمد بن كعب القرضي: أخفوا لله عملاً، وأخفى لهم ثوابًا، فلما قدموا قرت الأعين.

روي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خرج في سواد الليل فرآه طلحة، فذهب عمر فدخل بيتًا ثم دخل بيتًا آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا؛ يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى.. فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة! أعثرات عمر تتبع!!

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية كان إذا أصبح يخرج إلى الصحراء ويقول: وأخرج من بين البيوت لعلني *** أحدّث عنك القلب بالسر خاليا

قال أبو حازم: اكتم حسناتك أشد مما تكتم سيئاتك.

عبد الله: متى أردت أن تكون من المخلصين فلا بد أن تخفي عملك الصالح ما استطعت، فالبصير المخلص الصادق لا يود أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله الصالح.

اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، اللهم اغفر لنا ما قدمنا… اللهم استر على نساء المسلمين، اللهم فرّج همّ المهمومين، سبحان ربك رب العزة..  


تم تحميل المحتوى من موقع