موقف الإسلام من سفك الدماء

عمر القزابري
عناصر الخطبة
  1. مآسي المسلمين متعددة .
  2. خطر التعدي على النفس بغير حق .
  3. النار وغضب الجبار في انتظار القتلة .
  4. هل للقاتل توبة؟ .
  5. الاعتداء على نفس واحدة اعتداء على حق الحياة .
  6. خطر مساندة القاتل على القتل .
  7. مجازر وحشية ترتكب في حق المسلمين .
  8. الأمة اليوم في بلاء عظيم .
  9. ما أصاب المسلمين إنما هو بسبب ذنوبهم .
  10. المؤمن الصادق يرفض القتل ولا يرضى به .
  11. مفاسد قتل النفس المعصومة بغير حق .

اقتباس

فالظالم الذي يعطي الأمر، والمنفذ والمجيز لذلك المفتي به من علماء السوء، والذي يبرر ويؤيد من الإعلام الذي أصبح في الغالب أشبه بالإعدام، كل هؤلاء داخلون لا محالة في الوعيد الشديد، بل لو أن أحدا في أقصى الدنيا سمع بقتل مؤمن وفرح بذلك واغتبط بذلك، فهو داخل في...

الخطبة الأولى:

الحمد لله المتفرد باسمه الأسمى، والمختص بالملك الأعز الأحمى، الذي ليس من دونه منتهى ولا ورائه مرمى، الظاهر لا تخيلاً ووهمًا، الباطن تقدسًا لا عدمًا..وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وأسبغ على أوليائه نعما عُما، وبعث فيهم رسولاً من أن أنفسهم عربًا وعجمًا، وأذكاهم محتدًا ومنما، وأشدهم بهم رأفة ورحمة حاشاه ربه عيبًا ووصمًا وذكاه روحًا وجسمًا وآتاه حكمة وحكمًا، فآمن به وصدقه من جعل الله له في مغنم السعادة قسمًا، وكذّب به وصدف عنه من كتب الله عليه الشقاء حتمًا، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى، صلى الله عليه صلاة تنمو وتنمى وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

معاشر الصالحين: مناظر الأشلاء، وشلالات الدماء، وصياح البنات والأبناء، مناظر تطاردنا في نومنا وصحونا، مناظر تقض المضاجع تقرحات الأجفان، واعتلت الأبدان من مناظر الطغيان، قنص وقتل وحرق، وغازات وذبح، كل ذلك بدم بارد من الفاعل، وبدم أبرد من المشاهد والمتابع.

وما علم هؤلاء العتات الشرس أن هذه الروح هي ملك لله، قال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)[الحجر: 29].

فهذه الروح إذاً هي ملك لله، هو الذي خلقها، وهو الذي يعلم أمرها، وهو الذي له الحق أن يأخذها متى شاء، وكيف شاء، فكيف يأتي مجرم ظالم عفن ليعطي الحق لنفسه، فيمسك على الزناد، فيقتل من شاء، ويحرق من شاء، ويمزق أجساد من شاء، بأي حق يتم هذا؟!

ألا قاتل الله الفاعل، والذي أذن له، والذي أشار عليه، والذي رضي بهذا، واغتبط به، كلهم قتلة، وكلهم داخلون لا محالة في منظومة القتل، وكلهم متوعدون بقول الله العلي الأعلى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)[النساء: 93].

فإذا كانت الخمر لعن الله فيها عاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه؛ فإن قتل النفس من باب أولى.

أيها الأحباب: إنه لأمر مهول خطير ما نرى ونشاهد من قتل وسفك للدماء في بقاع شتى من عالمنا الإسلامي، أهانت الدماء إلى هذا الحد؟ أهانت الحرمات إلى هذا الحد؟ ومن أجل ماذا؟

من أجل دنيا لا تدوم، ومن أجل مناصب حتما ستزول، ومن أجل الانتصار لرأى وفرض هيمنة.

لقد وعد الله كل ظالم سفاك متعطش للدماء بنار تلظى، نار لا تبقي ولا تذر، نار تتطلع على الأفئدة، تلك الأفئدة القاسية المتجبرة التي لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة، قال تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ).

تأملوا في هذا الوعيد: (خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)[النساء: 93].

يا له من وعيد تنفطر منه القلوب، وتنخلع من شدته الأفئدة، ولكنه حكم الله العادل، حكم الله الذي لا يحابي، فالقاتل إذا وجد الدعم هنا في الدنيا ووجد من يسوغ له القتل ويجيزه له من أئمة الضلال، ووجد من يدفع له من أرباب المال، فإن الكبير المتعال له بالمرصاد.

وإن النار المستعرة هي مقره والهاوية أمه، فتعسا لمن يبيع آخرته بدنياه، والأتعس منه من يبيع آخرته بدنيا غيره.

إن الاعتداء على نفس واحدة هو اعتداء على حق الحياة التي يصون للناس جميعا حياتهم، فالاستهتار بهذا الحق اعتداء على كل من يدلي به ويتحصن به، فليست نفسا مفردا التي تقتل إنما هو حقها في الحياة التي يشاركها فيها الناس، قال ربنا: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: 32].

وقد كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يرى: "أنه ليس للقاتل من توبة" عن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعدما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ قال: "فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" قال: أرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: "ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى، والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمد جاء يوم القيامة آخذه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن –عز وجل- يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه، يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني، وأيم الذي نفس عبدالله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم -صلى الله عليه وسلم- وما نزل بعدها من برهان".

وعن معاوية -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا أو قتل مؤمنا متعمدا" [رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني].

ويقول سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله" [رواه أحمد وابن ماجة].

قال سفيان بن عيينة في "شطر كلمة" "هو أن يقول: اقت" يعني لا يتم كلمة اقتل، فيا له من ذنب عظيم ما أثقله، ويا لها من جريمة ما أصبر مرتكبها على النار: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)[غافر: 52].

عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق" [رواه ابن ماجة بإسناد حسن، ورواه البيهقي والأصبهاني وزاد فيه: "ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار"].

يا له من وعيد، وما أعظم حرمة النفس عند الله.

فالظالم الذي يعطي الأمر، والمنفذ والمجيز لذلك المفتي به من علماء السوء، والذي يبرر ويؤيد من الإعلام الذي أصبح في الغالب أشبه بالإعدام، كل هؤلاء داخلون لا محالة في الوعيد الشديد، بل لو أن أحدا في أقصى الدنيا سمع بقتل مؤمن وفرح بذلك واغتبط بذلك، فهو داخل في هذا الوعيد، قال صلى الله عليه وسلم: "من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" [والحديث صححه الألباني].

قال صلى الله عليه وسلم: "لا يزال المؤمن مُعنِقا صالحا ما لم يصب دما حراما فإذا أصاب دما حراما بلَّح" معنقا: أي خفيف الظهر سريع السير، بلَّح: يقال بلح الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرك، يريد به وقعه في الهلاك بإصابته الدم الحرام.

إن ملء الكف من دم حرام يحول بين العبد وبين الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: "من استطاع أن لا يُـحال بينه وبين الجنة بملء كفه من دم اِهراقه فليفعل" [رواه البخاري].

إننا نرى -أيها الأحباب- ونسمع ما يحل بالمسلمين من مجازر وحشية لا يمكن أن تصدر إلا ممن قست قلوبهم، وتحجرت، ولم تعد فيها نقطة رحمة واحدة، يقتل الناس ويذبحون وتذبح أطفالهم، رأينا الجثث كيف تحرق وتمزق، رأينا المساجد تحرق وتهدم في صور من صور البغي والظلم والفرعونية التي ظن الناس أنها لن تعود، وإذا بها تعود أشرس مما كان.

والأنكى من ذلك والأمر أن يأتي من الناس، بل ممن ينسب إلى العلم فيسوغ ذلك ويجيزه، ويثني على فاعليه.

والله إن اللسان ليعجز عن الكلام، فكثرة الكِلام تذهب الكلام، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا هابت أمتي أن تقول للظالم: يا ظالم، أو إنك ظالم، فقد تودع منهم" يعني انتهوا ولا خير فيهم.

هنا تحدث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحد الأدنى، وهو توصيف الأشياء على حقيقتها: الأبيض أبيض، والأسود أسود، والظالم ظالم، فما بالكم عندما يأتي من يقول للظالم القاتل إنك عادل، أو محرر، أو منقذ.

إنه التحوير والتزوير، وقلب الحقائق، إنه الضعف والنفاق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

جعلني الله وإياكم ممن ذكر فنفعته الذكرى، وأخلص لله عمله سرا وجهرا، آمين، آمين، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الملك الجبار، القوي القهار، وسع كل شيء رحمة وعلما، وتوعد الظالمين بالخيبة، فقال: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا)[طه: 111].

والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الهادي إلى الحق بالحق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

معاشر الصالحين: إن الأمة اليوم في بلاء عظيم، وأمر مدلهم خطير، من هذه الفتن المتلاطمة، وهذه الصراعات المتفاقمة، أمة بلغت من الضعف والانهزام جعلها لا تستطيع أن توقف ظلما، ولا ترفع ضيما، ترى الآلاف من أبناءها يقتلون ويبادون، وهي في غفلة سادرة، وإلى كل لهو مبادرة، وأكثر ما يمكن أن تقدمه تنديد، لا يسمن ولا يغني من جوع.

وبلغت من الضعف أن أصبحت تكيل أمرها، وتطلب نصرتها من الذين، قال الله فيهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)[المائدة: 51].

والذين قال الله فيهم: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)[البقرة: 120].

وكل ذلك بسوء فعالها واستمرار غفلتها واعراضها وشرودها عن مصدر عزها ومنعتها كتاب وسنة: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[آل عمران: 117].

(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)[الشورى: 30].

بل الأدهى من ذلك أن تتوالى هذه النذر وتترادف هذه المثلات، فلا تغير من أحوالها شيء، ولا يحملها ذلك على أن تراجع نفسها، وتتصالح مع ربها، إقامة للعدل في نيل أهل الفضل، ونصرة للقرآن، وانتصارا لسنة النبي العدنان.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال صلى الله عليه وسلم مخاطبا أبا هريرة: "إن طالت بك المدة أوشكت أن ترى قوم يغدون في سخط الله ويريحون في لعنته بأيديهم مثل أذناب البقر".

فسر جمع من أهل العلم هذا الحديث: أن فيه إشارة إلى الشرط الذين يضربون الناس ظلما وعدوانا، فإذا كان مجرد الضرب موجب لهم للعنة الله، فما بالكم بالقتل؟!

وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس" ثم ذكر بقية الحديث.

فالمؤمن الصادق لا يمكن أبداً أن يرضى بالظلم والقتل، ولا يمكن أن يسوغه، ولا أن يبرره، بل ولا أن يتعاطف مع أصحابه؛ لأن ذلك من موجبات دخول النار -عياذا بالله-، قال تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ..) أي لا تتعاطفون، لا تميلوا إليهم: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)[هود: 113].

ومن المفارقات العجيبة في أمتنا اليوم: أن الأمور التي أحل فيها الإسلام دم المرء المسلم، لا تقع ولا تحصل وغيرها مما يحل هو الذي يقع، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني -أي المتزوج الزاني- والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".

وطبعا هذه الأمور الثلاثة لا ينفذها أحد، بل هي من اختصاص من ولاهم الله الأمور، حتى لا يفتح الباب للفتنة.

فليتذكر أولئك الظلمة القتلة أن الدنيا قصيرة، وأن الموت آت لا محالة، وأن إسرافيل قد التقم القرن، ينتظر الأمر من ربه لينفخ في الصور، وأن الوقوف بين يدي الله حاصل لا محالة: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ)[الصافات: 24].

يا ظلمة العالم، يا قتلة النساء والأطفال: ماذا أنتم لربكم قائلون؟ يا من تبيحون القتل وتجيزونه ماذا أنتم لربكم قائلون؟

عن عبد الله بن عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" [رواه البخاري ومسلم].

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما" [رواه أحمد والبخاري].

وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "إن من ورطات الأمور التي لا مخرج من وقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله" [رواه البخاري والحاكم].

فالقاتل -عياذا بالله- يضيق على نفسه الخناق، وتكاد تنعدم فرص نجاته، بل لا يوفق في الغالب للتوبة، فقد أخرج الطبراني في الكبير والضياء المقدسي في المختارة: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة".

والقاتل متوعد هنا في الدنيا بالهم، وإن أظهر الفرح والقوة، قال ابن القيم -رحمه الله-: "ما من قاتل إلا ويبتلى بالغم".

ثم ذكر قول الله -تعالى- عن موسى: (وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ)[طـه: 40].

إن الكعبة -يا عباد الله- التي يقصدها الناس من كل فج عميق، والتي هي شعار التوحيد، ورمز التجريد، هذه الكعبة على حرمتها وعظمتها حرمة المؤمن أعظم منها وأكبر، روى ابن ماجة عن عبد الله بن عمر قال: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطوف بالكعبة، ويقول: "ما أطيب ريحك، ما أعظمك، وما أعظم حرمتك، والذي نفس محمدا بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله أعظم من حرمتك ماله ودمه".

والقاتل -أيها الأحباب الكرام- لما بلغ غاية الإفساد كان بغيضا من رب العباد، عن ابن عباس -رضي الله عنهم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- معلقا على الحديث: "أخبر صلى الله عليه وسلم أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثالثة؛ لأن الفساد إما الدين أو الدولة، وأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير حق، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد في الدنيا وهو الكفر".

وقال صلى الله عليه وسلم: "يخرج عنق من النار - أي يوم القيامة- يتكلم ويقول وكلت اليوم بثلاثة بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إله آخر، ومن قتل نفسا بغير حق، فينطوي عليهم فيقذفهم في حمراء جهنم" [رواه أحمد والبزار].

فإياك قتل النفس ظلماً لمؤمن *** فذلك بعد الشرك كبرى التفسد

كفى زاجراً عنه توعدُ قادرا *** بنار ولعن وتخليد معتد

فيا من ولاهم الله أمور العباد: اتقوا الله فيمن ولاكم أمرهم، أعفوا واصفحوا وارحموا ترحموا، وتذكروا الموقف العظيم بين يدي الملك الحق يوم يقول الظالم: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ) [الحاقة: 28-29].

ثم يقال له: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ)[الحاقة: 30-32].

ويا علماء الأمة: لا تؤيدوا الظالم على ظلمه، ولا تلوو أعناق النصوص حتى توافق هواهم.

ويا من جعلهم الله في الإعلام: اتقوا الله فأنتم تتحملون إثما عظيما إن نشرتم الأكاذيب، وزيفتم الحقائق، وخونتم الأمين، وأمنتم الخائن.

وما من كاتب إلا سيبلى *** ويبقى الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بيمينك غير شيء *** يسرك غدا في القيامة أن تراه

ويا أيها الظالمون القتلة: لكم يوم تدفعون فيه ثمن ظلموكم مضاعفا، لكم يوم سينزل فيه انتقام الله بكم بذلك جرت سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.

وإياك والظلـم مهما استطعت *** فظلـم العباد شديد الوخـم

وسـافر بقلـبك بين الـورى *** لـتبصـر آثار من قد ظلـم

فتـلك مساكنـهم بعدهـم *** شهـود عـليهم، ولا تتهـم

وما كـان شـيء أضـر من *** الظلـم وهو الذي قد قصـم

فكـم تركوا من جنان ومن *** قصـور، وأخرى عليهم أطـم

صلوا بالجحيم وفات النعيـم *** وكان الذي نالهم كالعدم

اللهم أصلح أحوالنا...


تم تحميل المحتوى من موقع
الجمهرة معلمة مفردات المحتوى الأسلامي