التحذير من الإسراف

عبد الله بن ناصر الزاحم

عناصر الخطبة

  1. خطر الترف
  2. المقصود بالإسراف
  3. مفاسد وعقوبات الإسراف
  4. مظاهر الإسراف وصوره
  5. هدي السلف في المال والنفقة
  6. الإسراف ظاهرة عالمية
  7. فضل الاستغناء عن الناس

الخطبة الأولى:

أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

عباد الله: مِن الأمراض الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة، التي تُهدِّد الأمم والشعوب، حياة الترف القائمة على التبذير والإسراف، وتكمن خطورتها، أن حياة التَّرف والبذَخ سبيل للفسوق والفساد، ولذلك قيل: أن الترف هو بداية النِّهاية، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

 ومن طبيعة البشر أنهم إذا شعروا بالثراء واليسار توسَّعوا في النفقاتِ، وبالغواُ في الاستهلاك، وأهَدرُوا الأموال، بل لا يعرفون أيَّ معنًى لوفرةِ المالِ إذا لم يصاحبها استهلاكٌ أكثر، ورفاهيةٌ أشمل، وتمتُّعٌ بالكماليَّات أوسع، وقد صرَّح الله -جل وعلا- بذلك، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى(7)﴾[العلق: 6-7].

وقال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾[الشورى: 27].

ولتهذيب النفوس وتربيتها أمَرَ الله -عز وجل- بالاقتصاد في الأمور كلِّها، ونهى عن الإسراف، فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "والقصْدَ القصْدَ تَبْلُغوا".

والإسراف يُطلقُ على الإكثار من كل شيء؛ فمَن أسْرَفَ على نفسه بالمعاصي حتى وَقَعَ في الكفر فهو مُسْرِفٌ على نفسه؛  كما قال تعالى عن فرعون: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: 83].

وعاقبةُ هذا الصنف من الناس الخلود في النارُ إنْ لم يتوبوا ويؤمنوا: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طـه: 127].

وفي آية أخرى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: 43].

فمن أسرَفَ على نفسه بالعصيان وجبت عليه المبادرة إلى التوبة، فالله -عز وجل- يقبلُ توبة العبد مَهْمَا عَظُمَ جُرْمُه، وكَثُرَ إسرافُه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

ومن دعاء الصالحين الوارد في كتاب الله: ﴿ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾[آل عمران: 147].

ومن الإسراف: تجاوز الحد في شراء الأطعمة، وأشدُّ منه أن تُرمى في الأماكن التي لا تليق بها: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141].

وكذلك الإسرافُ في الملابس والمراكب والأثاث وغيرها؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كلوا وتصدَّقوا والْبسوا في غير إسرافٍ ولا مخيلة".

وقد حذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من التنعُّم حتى بالمباحات؛ لأنه مظنةٌ للسرف وتضييع للمال؛ فقال: "إيَّاكم والتنعُّم؛ فإنَّ عبادَ الله ليسوا بالمتنعمين".

وذلك من أجل الحِفاظ على الأموال والموارد التي سيُسألُ عنها العبدُ يوم القيامة.

بل إنَّ حِفْظَ المال فيه حِفْظُ الدين والعِرْض والشرف، وقد قال الحكماء: "مَن حَفظَ مالَه، فقد حَفظَ الأكْرَمَيْنِ: الدين، والعِرْض".

إنَّ الشريعة لم تحرِّم اكتسابَ الأموالِ ونماءَها والتزود منها، بل حثَّتْ عليه، ولكنَّها بيَّنت الطرقَ المحرمة في كَسْبِه وإنفاقِه، ومن الطرق المحرَّمة في إنفاقه الإسراف، وإهداره بغير حقٍّ؛ إما في سفر محرَّم، أو في حفلات باهظة التكاليف يُلقى فائضُ أطعمتها في النفايات، فليس هذا من حفظِ المال، ولا مِنْ شُكْر الله -تعالى- على نعمته، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ".

عباد الله: هل من معاني الأخوة في الدين أن نستمتعَ بما أعطانا الله -تعالى- فيما حرَّم الله علينا، ونحن نرى مآسي إخواننا المسلمين في كل مكان؟

إنَّه لو لَم يوجد مسلمٌ على وجه الأرض يحتاج إلى ما يسدُّ رَمَقَه، ويحفظُ حياته، مَا جاز لنا أن نُهدرَ الأموال في غير الحقِّ، فكيف والمسلمون يموت منهم في كلِّ يوم عشرات، بل مئات من جرَّاء التجويع والحصار والحِرْمان والحروب والتشريد؟!

إنَّ عدمَ الاهتمام والمبالاة بذلك قد يكون سببًا للعقوبة، وزوال النعم، وحلول الفقر؛ فكم من أغنياء أسرفوا وبذّروا، فنزلت بهم العقوبة حتى تمنَّى واحدُهم أن يلْقى ما كان يُلقيه بالأمس في النفايات -عياذًا بالله مِن الحور بعد الكور-.

فاتقوا الله -عباد الله-: واحذروا سخطَ الله، وارعوا نعمته، فلذة الحرام ساعة، ولذة الطاعة باقية إلى قيام الساعة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ(17)﴾[التغابن: 14-17].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية:

أما بعد:

فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.

معاشر المؤمنين: إنه لم يكنْ مِن هَدْي السلف الصالح الإسرافُ وتضييعُ الأموال، بل كانوا ينفقون أموالَهم في الحقِّ، ويحفظونها عن ما لا فائدة فيه.

لقد كانوا مع زُهْدهم ووَرَعِهم يعتنون بقليل المال، ولا يحتقرون منه شيئًا، مع اقتصادٍ في المعيشة والنفقة؛ ولذا كانَ القليلُ من المال يكفيهم.

قال عمر -رضي الله عنه-: "الخرقُ في المعيشة أخوفُ عندي عليكم من العوزِ، لا يقلّ شيءٌ مع الإصلاح، ولا يبقى شيءٌ مع الفساد".

والْتَقَطَ أبو الدرداء -رضي الله عنه- حبًّا مَنْثُورًا في غرْفةٍ له، وقال: "إن مِن فِقْه الرجلِ رِفْقَه في معيشته".

وقال أحمد بن محمد البراثي: "قال لي بشرُ بن الحارث، لَمَّا بلغه ما أُنفق من تَرِكَة أبينا: قد غمَّني ما أُنفِق عليكم من هذا المال؛ ألا فعليكم بالرِّفْق والاقتصاد في النفقة؛ فلأن تبيتوا جياعًا ولكم مالٌ، أعجبُ إليّ من أنْ تبيتوا شباعًا وليس لكم مالٌ، ثم قالَ له: أقْرِئ على والدتك السلامَ، وقُلْ لها: عليكِ بالرِّفْق والاقتصاد في النفقة".

عباد الله: لقد تحوَّل الإسرافُ في عصرنا هذا مِن سلوكٍ فردي لدى بعض التجَّار والواجدين إلى ظاهرةٍ عامة تجتاحُ الأمة كلَّها؛ فالواجدُ يُسرف، والذي لا يجدُ يقترضُ من أجل أنْ يُسْرفَ، بحجةِ تلبية متطلبات أُسْرته من الكماليَّات، وهذا مما أفرزته الرأسماليَّة العالميَّة التي أقنعتِ الناس بذلك؛ عبر الدعاية والإعلان في وسائل الإعلام المختلفة.

فالرأسماليَّة ترى أنَّ المحرِّك الأساس للإنتاج هو الطلب، وأنَّ الإعلاناتِ التجارية تتولَّى فَتْحَ شهيَّة المستهلك للاستهلاك، وتُلْقِي في رَوْعِه أن السعادة في استهلاك السلع المعْلَن عنها، وهذا ما جَعَلَ الناسَ يلهثون خَلْف سِلعٍ كماليَّة، ويبكون عليها كما يبكي المولود في طلبِ الرضاعة.

وأنتج ذلك في المجتمع أربابَ أُسرٍ يستدينُون من البنوك لتلبية رغبة أُسرهم؛ إمَّا من أجل السفر، أو لإقامة حفل زواجٍ تُرضي الناس، وملابس باهظة الأثمان، قد لا تُلبس إلا مرةً واحدة، أو لشراء سيارة فارهة يتحمل تسديد ديونها سنوات، أو لبناء مسكنٍ مُبالَغٍ في تأنيقه، أو أثاثٍ يضاهي أثاث قصور الأثرياء.

إنَّ منهج الإسلام، تربيةُ الناس على الاستغناء عن الأشياء بدل الاستغناء بها؛ حتى لا تستعبدهم المادة، كما هو حال كثير من الناس اليوم؛ حيثُ أصبحوا منساقين بلا إرادة ولا تبصُّر إلى الإسراف وهَدر الأموالِ فيما لا ينفعُ؛ تقليدًا للآخرين.

فاتقوا الله -معاشر المؤمنين-: واحفظوا أموالكم، اكتسبوها بحقٍّ، وأنفقوها في الحقِّ؛ فإنكم مسئولون عنها يوم القيامة.

ثم صلوا وسلموا على نبيّ الرحمة والهدى كما أمركم بذلك ربُّكم في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].


تم تحميل المحتوى من موقع