أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

خالد بن عبدالله الشايع

عناصر الخطبة

  1. عظم شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومكانتها
  2. فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
  3. العقوبات المترتبة على ترك هذه الشريعة
  4. خطوات الإنكار
  5. غفلة عن هذه الشعيرة والاستهزاء بأهلها

الخطبة الأولى:

أما بعد:

فيا أيها الناس: فإن من أهم المهمات وأفضل القربات التناصح والتوجيه إلى الخير والتواصي بالحق والصبر عليه، والتحذير مما يخالفه ويغضب الله -عز وجل- ويباعد من رحمته.

وإن الله -سبحانه- انفرد بالتشريع للأمة فلم يجعل لأحد كائنا من كان أن يشرع للأمة شيئا؛ لأنه لا يعلم ما يصلح الخلق إلا الخالق -سبحانه- ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:14].

وإن مما شرع الله لعباده مايحفظ الله به دينهم ودنياهم، ومن ذلك شعيرة عظيمة اختفت من قلوب الناس إلا من رحم الله، ألا وهي شعيرة  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد جعل الله هذه الشعيرة فرضا على الأمة فقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:110] هذه أمة يكون لها سلطة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بقوة، وتردع الظالم عن ظلمه، وبقية الأمة تأمر وتنهى على حسب مكانها، بالتدرج باليد لمن له سلطة، وباللسان لمن ليس له سلطة باليد، وبالقلب لمن ضعف عن ذلك، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدّس الله روحه-: "ومن لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرّمه من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه، فإن لم يكن مبغضاً لشيء من المحرمات أصلاً لم يكن معه إيمان أصلاً".

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منزلته عظيمة، وقد عدّه العلماء الركن السادس من أركان الإسلام، وقدّمه الله -عز وجل- على الإيمان كما في قوله تعالى: ﴿كُنتُم خَير أُمةٍ أخرجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنَهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران:110].

وقدّمه الله -عز وجل- في سورة التوبة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال تعالى: ﴿وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمنَاتُ بَعضُهم أولياءُ بَعضٍ يَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنَهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ وَيُؤتُونَ الزكاةَ وَيُطيعُونَ اللهَ وَرَسُولهُ أُولَئِكَ سَيرحمُهُمُ اللهُ إنَّ اللهَ عَزِيزُ حَكِيمُ﴾ [التوبة:71].

وفي هذا التقديم إيضاح لعِظم شأن هذا الواجب وبيان لأهميته في حياة الأفراد والمجتمعات والشعوب. وبتحقيقه والقيام به تصلح الأمة ويكثر فيها الخير ويضمحل الشر ويقل المنكر. وبإضاعته تكون العواقب الوخيمة والكوارث العظيمة والشرور الكثيرة، وتتفرّق الأمة وتقسو القلوب أو تموت، وتظهر الرذائل وتنتشر، ويظهر صوت الباطل، ويفشو المنكر.

ومن فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يلي:

أولاً: أنه من مهام وأعمال الرسل عليهم السلام، قال تعالى: ﴿وَلَقَد بَعَثنَا فيِ كُلِ أُمةٍ رَسُولاً أن اعبدُوا اللهَ وَاجتَنِبُوا الَّطاغُوتَ﴾ [النحل:36].

ثانياً: أنه من صفات المؤمنين كما قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بالمعروف وَالنَّاهُونَ عنِ المُنكَرِ وَالحَافِظُونَ لحُدُودِ اللهِ وَبَشِرِ المُؤمِنِينَ﴾ [التوبة:112].

على عكس أهل الشر والفساد ﴿المُنَافِقُونَ وَالمُنافِقاتُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ يَأمُرُونَ بِالمُنكَرِ وَيَنَهَونَ عَن المَعرُوفِ وَيَقبِضُونَ أيدِيَهُم نَسُوا اللهَ فَنَسِيهُم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:67].

ثالثاً: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الصالحين، قال تعالى: ﴿لَيسُوا سَواءً من أهلِ الكتَابِ أُمةُ قَائِمةُ يَتلُونَ آياتِ اللهِ آناء الليلِ وَهُم يَسجُدُونَ (113) يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوم الآخِرِ وَيَأمرونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَن المُنكَر وَيُسَارِعُونَ في الخَيراتِ وَأولئِكَ منَ الصَّالِحُينَ(114)﴾ [آل عمران:113-114].

رابعاً: من خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (كُنتُم خَيرَ أُمةٍ أُخَرِجَت للِنَّاسِ تَأمرونَ بِالمَعرُف وتَنهُونَ عنِ المُنكرِ وَتُؤمِنُونَ بِالله) [آل عمران:110].

خامساً: أنه من أسباب النصر، قال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنِ يِنَصُرُهُ إنَّ اللهَ لَقَوىُّ عَزيزُ) [الحج:40].

سادساً: التمكين في الأرض، قال تعالى: ﴿الَّذيِنَ إن مَّكَّناهُم في الأرضِ أقَامُوا الصَّلاةَ وأتُوا الزَّكاةَ وأمرُوا بِالمعُروفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَر وَلله عَاقِبَةُ الأُمورِ﴾ [الحج:41].

سابعاً: عظم فضل القيام به كما قال تعالى: ﴿لاّ خَيرَ في كَثِيِرٍ مِنّ نَّجوَاهُم إلاّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعروفٍ أو إصلاحِ بَينَ النَّاس وَمَن يَفعَل ذَلكَ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللهِ فَسَوفَ نُؤتِيهِ أَجراً عَظِيماً﴾ [النساء:114].

وما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وسلم-: "من دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً".

ثامناً: أنه من أسباب تكفير الذنوب؛ كما أخرج الشيخان من حديث حذيفة قال -عليه الصلاة والسلام-: "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة، والأمر  والنهي". يعني بالمعروف والنهي عن المنكر كما صرح به في رواية أحمد.

تاسعاً: في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفظ للضرورات الخمس في الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفضائل غير ما ذكرنا. وإذ تُرِك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعُطّلت رايته ظهر الفساد في البر والبحر وترتب على تركه أمور عظيمة، نأتي عليها في الخطبة الثانية بإذن الله.

اللهم ارفع راية الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر وسددهم يا رب العالمين.

أقول قولي هذا…

الخطبة الثانية

أما بعد:

فيا أيها الناس: لا يخفى  على الجميع كيف سيكون حال المجتمع إذا تخلى الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فسيغرق بأكمله في وحل المعاصي ويظهر الفساد في البر والبحر، كما قال -سبحانه-: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النِّاسِ﴾ [الروم:41] ومن جملة العقوبات التي تصيب المجتمع:

وقوع الهلاك والعذاب، قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا فَتنَةً لا تُصِيبَنَ الذين ظَلَمُوا مِنكُم خاصةً﴾ [الأنفال:25].

وفي الصحيحين من حديث حذيفة -رضي الله عنه- مرفوعاً: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".

وفي صحيح البخاري لما قالت أم المؤمنين زينب -رضي الله عنها-: أنهلك وفينا الصالحون؟! قال لها الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "نعم إذا كُثر الخبث".

ومنها: عدم إجابة الدعاء، وقد وردت أحاديث في ذلك منها ما رواه أحمد من حديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعاً: "مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم

ومنها: تسلط الفساق والفجار والكفار، وتزيين المعاصي، وشيوع المنكر واستمراؤه.

ومنها: ظهور الجهل، واندثار العلم، وتخبط الأمة في ظلام حالك لا نور له. ويكفي عذاب الله عز وجل لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تسلط الأعداء والمنافقين عليه، وضعف شوكته وقلة هيبته.

أيها المؤمنون: قال العلامة الشيخ حمد بن عتيق -رحمه الله-: "فلو قدر أن رجلا يصوم النهار ويقوم في الليل ويزهد في الدنيا كلها، وهو مع هذا لا يغضب لله، ولا يتمعَّر وجهه له، ولا يحمر، فلا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، فهذا الرجل من أبغض الناس عند الله، وأقلهم ديناً، وأصحاب الكبائر أحسن عند الله منه.

عباد الله: لا بد للمنكر من خطوات في إنكاره:

أولاً: التعريف؛ فإن الجاهل يقوم على الشيء لا يظنه منكراً، فيجب إيضاحه له، ويؤمر بالمعروف ويبين له عظم أجره وجزيل ثواب من قام به، ويكون ذلك بحسن أدب ولين ورفق.

ثانياً: الوعظ؛ وذلك بالتخويف من عذاب الله -عز وجل- وعقابه، وذكر آثار الذنوب والمعاصي، ويكون بذلك شفقة ورحمة له.

ثالثاً: الرفع إلى أهل الحسبة إذا ظهر عناده وإصراره.

رابعاً: التكرار وعدم اليأس؛ فإن الأنبياء والمرسلين أمروا بالمعروف وأعظمه التوحيد، وحذروا من المنكر وأعظمه الشرك، سنوات طويلة دون كلل أو ملل.

خامساً: إهداء الكتاب والشريط النافع.

سادساً: لمن كان له ولاية؛ كزوجة وأبناء فله الهجر والزجر والضرب.

سابعاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستوجب من الشخص الرفق والحلم، وسعة الصدر والصبر، وعدم الانتصار للنفس، ورحمة الناس والإشفاق عليهم، وكل ذلك مدعاة إلى الحرص وبذل النفس.

معاشر المؤمنين: شاع في بعض أوساط الناس الغفلة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبروا ذلك تدخلاً في شئون الغير؛ وهذا من قلة الفهم ونقص الإيمان، فهذا تعطيل للحدود والشرع.

ومع الأسف الشديد ظهرت في بعض المجتمعات ظاهرة خطيرة وهي الاستهزاء بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ولمزهم وغمزهم، والله -عز وجل- قد توعّد الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بعذاب أليم.

فالواجب محبة كل آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر، والدعاء له ومساندته، ودعمهم بكل ما نستطيع فهم صمام الأمان للأمة.

اللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، المقيمين لحدودك. ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:8]. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


تم تحميل المحتوى من موقع