الزواج الإسلامي السعيد

محمد أكجيم

عناصر الخطبة

  1. الأسرة أساس المجتمع
  2. ثمرات الزواج وفوائده
  3. نظّم الشرع الغرائز ووضع أطرًا وقواعد للزواج
  4. ترغيب الإسلام في الزواج والحث عليه
  5. أهمية اختيار الزوجة الصالحة
  6. التحذير من مخالفات ليلة البناء بالزوجة
  7. واجب المجتمع نحو تيسير الزواج

الخطبة الأولى:

الحمد لله، خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا، وكان ربك قديرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يزل بعباده خبيرًا بصيرًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله، بعثه الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فإن الأسرة أساس المجتمع، منها تتفرق الأمم وتنتشر الشعوب، نواة بنائها الزوجان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (13)﴾ [الحجرات: 13].

بقيام الزواج تنتظم الحياة، ويُحفظ الحياء، وينعم البال، ويستقيم الحال. وبالزواج المشروع يتحقق العفاف والحصان.

 والنسل الصالح والجيل الخير، لا ينبت ولا يتربى إلا في أحضان زوجية شرعية؛ بين أبوة كادحة وأمومة حانية.

في الذرية الصالحة والاستكثار منها العز والفخار للدين والأسرة والمجتمع، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: 86]، وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6].

ولم يشأ الله –تعالى- أن يجعل الإنسان كغيره من العوالم، ويترك اتصال الذكر بالأنثى فوضى لا ضابط له، وإنما جعل اتصالهما اتصالاً كريمًا، مبنيًّا على رضاهما، وإيجاب وقبول وإشهاد على أن كلاً منهما قد صار للآخر، وسمى ذلك ميثاقًا غليظًا، قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21].

وبهذا وضع للغريزة سبيلها المأمونة، وحمى النسل من الضياع، وصان المرأة من أن تكون كلأً مباحًا لكل راتع.

رغّب الإسلام في الزواج بأساليب متعددة متنوعة، تارة بذكر أنه من سنن الأنبياء والمرسلين، خيرة خلق الله أجمعين؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38].

ووصفه بأنه من نِعَم الله العظيمة على عباده؛ حيث قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: 72].

وأخرى بأنه آية من آيات الله حيث قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، وحسبك بأمر عظمة وأهمية في حياة الناس أن جعله الله آية من آياته.

وحين يتردد المرء في الزواج فيُعرِض عنه خوفًا من تكاليفه وأعبائه، يلفت الإسلام نظره إلى أن الله –تعالى- سيجعله سبيلاً إلى الغنى، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32]، والأيامى: هم الذين لم يتزوجوا من الرجال والنساء.

وأكد النبي –صلى الله عليه وسلم– ذلك؛ حيث قال: "ثلاثة حق الله عونهم.. -وذكر منهم- الناكح يريد العفاف".

 بل إن الإسلام ليرقى بمشاعر المسلم ويسمو بروحه ويثبت في أحاسيسه أن الزواج عبادة يتقرب بها إلى الله –تعالى-، حتى في قضاء شهوته، يرجو خيرها وفضلها وثوابها، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم – "وفي بُضْع أحدكم صدقة…".

الزواج سكن لكلا الزوجين، يقول تعالى مخاطبًا آدم -عليه السلام-: ﴿يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35].

يقول العلماء: فإذا كان آدم –عليه السلام- وهو في الجنة بحاجة إلى زوجة ليسكن إليها، فلحاجة ذريته من بعده في الدنيا إلى ذلكم السكن من باب أولى.

الزواج لباس لكلا الزوجين، يتقي به كل منهما حرارة الغريزة وبرودة الوحدة والعزوبة، يقول تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187].

حثّ الإسلام على اختيار الزوجة الصالحة ذات الخُلق الراقي والتعامل العالي، والسؤال عن حال الخاطب والمخطوبة أمر لازم لمعرفة ما قد يخفى في أحدهما من مساوئ أو محاسن، وعلى المسؤول الصدق في الجواب، والبيان بكل وضوح وأمانة، فكتمان عيوب أحدهما عند السؤال نوع من الغش للمسلمين.

وإذا عزم الخاطب على الخطبة، أُبيح له النظر إلى مخطوبته بحضور محرمها، دون خلوة بها، من غير تدليس عليه في تجمل أو زينة، ففي الحديث: "إذا خطب الرجل امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما"، أي: يؤلف بين قلبيهما.

وليحذر الخاطب –قبل العقد– الخلوة بمخطوبته، أو إلباسها خاتمًا أو مسّ جسدها، أو الخروج بها من دارها، فإن ذلك من المعاصي وغواية من الشيطان يغوي بها الخاطبين، وكثيرًا ما تتبدد أحلامهما بالفراق بتلك السيئات.

ومنع الأولياء الخاطب ذا الدين والخُلق مخالف لهدي الإسلام، ونذير شر كبير وفساد في المجتمع، ففي الحديث: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخُلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".

وحرام على الرجل الخطبة على خطبة أخيه؛ نهى  النبي – صلى الله عليه وسلم – عن ذلك حيث قال: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك".

والإسلام دين العدل والرحمة، أمر الشباب بالزواج وحث على تيسير مهره. وإذا قلّ المهر علت المرأة وشرفت عند الزوج مكانتها وزادت بركتها، ففي الحديث: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة"، أي: أيسرهن نفقة.

والمرأة ليست سلعة يغالى في مهرها، وإنما ثمنها بدينها وعفافها، والرجل لا يوزن بالمال، وإنما ميزانه المعاملة وحسن الخلق.

والمهر حق للمرأة لا يجوز للأولياء التعدي عليه، يقول تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4].

جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.. وأستغفر الله لي ولكم، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله…

أما بعد: فليلة زفاف الزوجة إلى زوجها من نعم الله العظيمة، والنعمة لا تشكر بالخطيئة، فالابتهاج بها لا يكون بترك الصلاة ونزع الحياء، والفرح المشروع يُظهر التعبير عنه من غير سهر فاحش، وساعات في النهار أو في أول الليل تُغني عن جميعه، والله تعالى جعل الليل لباسًا والنوم سباتًا، ونبينا –صلى الله عليه وسلم– كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها، فمخالف لهدي الإسلام ومجانب لقيمه وأخلاقه، أن يصير سهرًا صاخبًا، أذية للجيران والمرضى، والصبية الرضع والشيوخ الركع.

والزوجان الراشدان الموفَّقان يمنعان وقوع المعاصي في زواجهما؛ لعلمهما أن المعصية لها أثر على زواجهما، فالذنوب تعسر الأمور، وتوحش القلب بين الزوجين، وكلما كان الزواج أقرب إلى الصواب كان أحرى بالتوفيق.

الزواج عقد موثق غليظ لا يُشاب بخطيئة ولا يعرض للانهيار بمعصية.. فواجب المجتمع المسلم التكافل بما يجعل أبناء المسلمين يرغبون في الزواج ويقبلون عليه؛ تيسيرًا لمهوره، وتخفيفًا لنفقاته، وإعانة عليها، وتعاونًا على اتباع هدي الإسلام في إقامة الولائم والحفلات.

يقول تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].


تم تحميل المحتوى من موقع