الانتصار لأمنا عائشة رضي الله عنها

إبراهيم الدويش

عناصر الخطبة

  1. الهجوم على أم المؤمنين عائشة
  2. فضلها وفضل الصحابة
  3. حكم سبها وسب الصحابة
  4. أسباب الهجوم عليها وعلى الصحابة
  5. واجبنا الشرعي تجاه الصحابة وآل البيت

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بهديه، فكانوا أعلام الهدى، المنار المقتدى، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 

أما بعد: اتقوا الله عباد الله، وخافوا الله وراقبوه في كل الأحوال، فإن المتغيرات كثيرة، والشبهات مثارة، ومن المواضيع العقدية التي تثار، وكثرت فيه الأقوال والأفكار، الإساءات المتكررة للمسلمين، ومحاولات يائسة خبيثة للمساس بمقدسات المسلمين وعقائدهم.

ومنها ما تناقلته بعض الفضائيات هذه الأيام مما جرى في منتصف رمضان تقريباً بقيام رافضي خليجي متعصب، في احتفال علني في لندن، يتضمن فعاليات متعددة لسب أم المؤمنين عائشة، حيث قال فيها الخاسر الخبيث: إني أريد أن أثبت أن عائشة بنت أبي بكر اليوم في النار، بل هي في قعر جهنم، كانت عائشة امرأة قليلة أدب!.

ثم وصف أمَّ المؤمنين الطاهرة المطهرة، المبرأة من فوق سبع سموات؛ عائشةَ بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- بأقذع وأبشع الأوصاف التي يعف اللسان والمكان عن ذكرها، فسخر واستهزأ بها وبأبيها، وطعن في انتسابها لأبيها، كما طعن في عفتها. عليه من الله ما يستحق، وأخرس لسانه. وموقفه هذا ليس موقفاً معزولاً عن التراث المعتمد عند مراجع الرافضة, فكتبهم المعتمدة في مذهبهم تقول في عائشة الأقوال الخبيثة نفسها التي تفوَّه بها هذا المأفون علنا.

ويكفي هذا الكلام كفراً أنه يكذب آيات القرآن الكريم، خاصة في سورة النور، والتي نزلت في براءة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، كما ثبت في سبب نزولها في الصحيح في حديث الإفك؛ وعائشة أم المؤمنين كلهم بنص القرآن في الآية السادسة من سورة الأحزاب: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم﴾ [الأحزاب:6].

وفي الصحيحين، عَنْ عَمْرو بْن الْعَاصِ-رضي الله عنه- قُلْتُ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ يارسول الله؟ قَالَ: "عَائِشَةُ"، فَقُلْتُ: مِنْ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: "أَبُوهَا". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ"، فَعَدَّ رِجَالًا. بل فضَّلها-صلى الله عليه وسلم- فقال: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".

سبحان الله! كل هذه النصوص خاصة بها، ثم يجرؤ هذا الأشقى للطعن بها، ويكفي أنها صحابية من الصحابة الذين هم أفضل الأمة وخيرها بعد نبيها، والذين جاء الثناء عليهم بالعدالة والتزكية لهم في نصوص كثيرة، منها قول تعالى في سورة الفتح في الآية التاسعة والعشرين: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ…﴾ [الفتح:29]، وقال في سورة التوبة في الآية المائة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:100]، وقال في سورة الفتح في الآية الثامنة عشرة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:18].

وكذلك النبي-صلى الله عليه وسلم- شهد بأن صحابته هم خير الناس، وأفضل الناس، ففي الصحيحين عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ-صلى الله عليه وسلم-: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"، قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً.

وهكذا نجد أن الآيات والأحاديث والآثار تنص صراحة على خيرية وأفضلية الصحابة رضوان الله عليهم، يقول ابن الصلاح: "للصحابة بأسرهم خصيصة، وهى أنه لا يُسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه، لكونهم على الإطلاق معدَّلين بنصوص الكتاب، والسنة، وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة". ولذلك لا عجب أن يقول الطحاوي في عقيدته: "… وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وَلاَ نُفْرِطُ في حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُم؛ وَلاَ نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُم، وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم، وَبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُم، ولا نُذْكُرُهُم إِلاَّ بِخَيْرٍ, وَحُبُّهُم دِينٌ وإيمَانٌ وإحْسَانٌ، وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ "اهـ،

ولِم لا نحبهم ونجلُّهم ونقدرهم حق التقدير -رضوان الله عليهم- وقد تظافرت كل هذه النصوص في حقهم، بل إننا نقول، وبكل ثقة وفخر: حتى ولو لم ترد النصوص في خيريتهم وعدالتهم وفضلهم، فإن أي منصف باحث عن الحق بكل تجرد ما إن يقرأ ويسمع ما سطرته كتب السير والتراجم عن مناقبهم وأخلاقهم وفضائلهم لا يملك إلا الحب كل الحب لهم؛ فكيف وقد ملكوا قلوبنا بإحسانهم إلينا غاية الإحسان؟ نعم، كل مسلم على وجه الأرض مَدين للصحابة في هذا الإحسان بعد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، خاصة معلمة الرجال والأجيال عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-.

ولو سألتموني: ما هذا الإحسان؟ وما أهميته، وما آثاره؟ فالجواب يحتاج لمطولات وأيام وساعات، ويكفي أن أقول لكم باختصار: لقد بذلوا أرواحهم وأعمارهم، وأموالهم وأولادهم وأزواجهم، وكل ما يملكون، من أجل إيصال هذا الدين العظيم لنا بكل أمانة وصبر ومصابرة، كما نزل على قلب محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ لقد جعلهم الله سبباً لحفظ الدين الذي هو عصمة أمرنا، ديننا الذي به حياتنا ونجاتنا، وسعادتنا في الدارين، الدين الذي به أُخرجنا من الظلمات إلى النور، يا له من إحسان! فهل عرفنا لماذا نحبهم؟!.

فاسمعوها أيها الناس، اسمعوها وأسمعوها للأجيال وللتاريخ، يا معاشر الأبناء، إنه الوفاء لجيل بذل الأرواح والمهج من أجلكم، فالصحابة الكرام هم سند هذا الدين الذي ننعم به، الصحابة الكرام هم حاملو لوائه، هم المبلغون عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هديه وسنته وما نزل عليه من القرآن، وهم الذين قامت على أكتافهم دولة الإسلام، ووصل الإسلام في الشرق والغرب بفضل جهادهم وتضحياتهم.

إذًا، فإحسان الصحابة إلينا من أعظم الإحسان، ولذا يجب أن تكون محبتنا لهم هي أعظم محبة وأسماها وأصفاها. أُولئِكَ أَتْبَاعُ النَّبِيِّ وحِزْبُهُ *** وَلَوْلَاهُمُ مَا كَانَ فِي الأرْضِ مُسْلِمُ ولَوْلَاهمُ كَانَتْ ظَلَامَاً بِأهْلِهَا *** وَلـكنَّهُم فِيهَا بُدُورٌ وَأنجُمُ

إن واجبنا الشرعي تجاه الصحابة وآل البيت عموماً أن نحبّ أصحابَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حبًّا شرعيًّا، ونترضى عنهم جميعا، ولا نفرط في حبّ أحدٍ منهم، ولا نتبرّأ من أحدٍ منهم، بل نتبرأ ممن يتبرأ منهم، ولا نذكرهم إلا بالخير، ونكفُّ عما شجر بينهم من فتن وحروب كانوا مجتهدين فيها، ونذود عن أعراضهم، ونشهد لجميع المهاجرين والأنصار بالجنّة والرضوان، والتّوبة والرحمة من الله، ونعتقد أنهم بشر يخطئون ويصيبون وليسو بمعصومين، إلا أنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم-، وأنهم نقَلة الدين، وحُفاظ سنة سيد المرسلين، وأنهم -وإن تفاوتوا في الدرجات- إلا أن كلّهم مِن أهل الجنّة، كما قال تعالى في سورة الحديد الآية العاشرة: (لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَـاتَلَ أُوْلَـئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـاتَلُواْ وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [الحديد:10].

أبعد هذه النصوص القرآنية والنبوية كلها يتجرأ هذا الخاسر ليؤذي المسلمين ومشاعرهم في أمهم الطاهرة المطهرة رضي الله عنها وأرضاها؟ لقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- تحذيراً عاماً فقال: "لا تسبُّوا أصحابي"؛ لأن سبّهم والقدح فيهم قدح في الشريعة التي نقلوها إلينا، وحملوها من سيد المرسلين، فإذا سقط الناقل سقط المنقول بالتبع.

وقد أجمع أهل العلم من أهل السنة والجماعة قاطبة على أن من طعن في عائشة -رضي الله عنها- بما برأها الله منه، وبما رماها به المنافقون من الإفك، فإنه كافر مكذِّبٌ بما ذكره الله في كتابه من إخباره ببراءتها وطهارتها، وقالوا إنه يجب قتله.

وحكى العلامة ابن القيم اتفاق الأمة على كفر قاذف عائشة -رضي الله عنها-، حيث قال: واتفقت الأمة على كفر قاذفها. "زاد المعاد 1/106". وقال الحافظ ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:23]، قال: أجمع العلماء -رحمهم الله- قاطبة على أن من سبها بعد هذا، ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذُكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن. "تفسير القرآن العظيم 5/76".

إذًا فقول هذا الرافضي الخاسر كفر صراح لا يحتمل التأويل، والواجب إقامة حكم الله فيه، ثم هي فرصة لدعوة عامة الشيعة لمراجعة مذهبهم مما ينسبه إليهم الغلاة المتطرفون من أئمة الرافضة والتي تُخالف صريح القرآن، وصحيح أحاديث المصطفى -عليه الصلاة والسلام-، ومن الأقوال والعقائد التي لا يقبلها منطق ولا عقل سليم، بل تعصب وغلو وتطرف ذميم، ووجاهات ومناصب سياسية ودينية.

ثم أنتم أيها المسلمون: تحصنوا وحصِّنوا أولادكم من مثل هذه المحاولات المتكررة للنيل من الصحب والآل، رضوان الله عليهم جميعاً، والتي يحاول هؤلاء استغلال ذلك لمصالح وأهواء، فأصبحت رواية التكفير والتحريف، والسب والطعن، وروايات الغلو، تعج بها ملتقيات وفضائيات، ومنتديات ومؤلفات للرافضة الغلاة والمتعصبين وأشباههم في سب الصحابة والنيل من القرابة، هدفها التشفي، ونشر الفرقة والتناحر بين المسلمين رغم الحق المشرق الصحيح الثابت، ولكن، وللأسف! كلما تأخر بالأمة الزمن زادت ألسنة التشويش والتحريش، ومظاهر الغلو، والعنف الفكري، والتعصب المذهبي والطائفي، مما يوجب على العقلاء المبادرة بالأخذ بزمام الأمور، وبيان الحق من منابعه الأصلية الثابتة الصحيحة، وإلا فالإساءات المتكررة للمسلمين، والمحاولات اليائسة الخبيثة للمساس بمقدسات المسلمين وعقائدهم، لن تقف ولن تهدأ.

فمن تدنيس المصحف في سجون "أبو غريب" على يد حفنة جنود أمريكيين، إلى الرسوم الدنمركية الساخرة بحبيبنا ومهجة قلوبنا-صلى الله عليه وسلم-، إلى المخرج السينمائي الهولندي وفلمه "فتنة" المسيء للقرآن الكريم، والفيلم الآخر الساخر بزوجات المصطفى -عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهن-، وما تفوه به قس متعصب مأفون بأنه سيحرق القرآن خلال اليوم الثاني من عيد الفطر، إلى كلام هذا الرافضي الخاسر، وهكذا مسلسلٌ من الإساءات المتكررة والمتنوعة التي يُنذر الواقع والأحداث بأنها لن تقف بل ستزيد وتزيد، خاصة خلال المرحلة القادمة، فالمرحلة الآن مرحلة صراع علمي فكري عقدي، حرب علمية فكرية، وسيزيدها اشتعالاً الانفتاح التقني والإعلامي المبهر، وسيكون هرج ومرج وفتن، وسترتفع أصوات ونعرات، وسيتصدر الأحداث ويعتلي المنصة أصحاب مصالح وأهواء؛ لكسب ما يمكن كسبه، وسيظهر أخيار وأغيار، وستغيب أصوات متأرجحة محتارة، وستظهر أصوات غيورة متشنجة منفعلة.

والذي نخافه ونخشاه أن يخفت أو يغيب وسط ذلك كله صوت العقل والحكمة، صوت القيادات العلمية أو السياسية أو التربوية، ثم لا تظهر إلا بعد فوات الأوان، أو بعد خراب البصرة، وبعد وقوع الفأس بالرأس، وهذا يستدعي منا -نحن المسلمين- أن نتجاوز أساليب ظاهرة الصوت فقط من مظاهرات واحتجاجات ومطالبات، إلى مرحلة الإعداد التي حثنا عليها القرآن الكريم: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:60]، والإعداد يشمل جميع مناحي القوة، لكن المؤلم أن كثيراً من المسلمين يستطيل مرحلة الإعداد ويستهجنها، ويعدها مرحلة خضوع وجبن وخور، مع أننا عشنا ظاهرة الصوت والصراخ سنين عجافا، وما جنى المسلمون سوى التنفيس واستمراء الأحداث.

ولست هنا أدعو للصمت أو عدم الاحتجاج، بل هو أحد الأساليب، لكنه ليس الوحيد؛ ومن البشائر النهضة العلمية والتقنية والإعلامية والقانونية التي نراها ونسمعها هنا وهناك في العالم الإسلامي، لكنها تحتاج لوقت، ولتشجيع، ودعم، وإيجابية؛ وكل هذا سهل متى عرف المسلمون الطريق الصحيح، فإن المؤمن الحق يجب أن لا يتوقف عند حد الاستنكار والشجب فقط.

إن ما حدث، رغم قبحه وشناعته، ورغم حجم القهر والألم المعتلج في النفوس، إلا أن في طياته خيراتٍ ومنحا وعطايا، و﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:11]، ومن هذه الخيرات -أولاً- أنه ابتلاء من الله جل وعلا، وامتحان للأمة، وإلا فالله جل وعلا قادر على أن يهلك القوم بلحظة عين كما أهلك فرعون وقارون وهامان، وكما أهلك عاداً وثمود، وأهلك قوم لوط. قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يـس:82]، لكنه الابتلاء والامتحان من الله للأمة، إنها الحقيقة التي يؤكدها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:4].

من الخيرات –ثانياً-: مَن المتضرر حقاً مما حدث؟ المسلمون أم الذين أساؤوا للقرآن أو لعائشة أو للصحابة عامة؟! الحق أن من تدبر وتأمل وفكر، علم كم في هذا الحدث -رغم شناعته- من خيرات للمسلمين، فلو خططوا وبذلوا كل ما بوسعهم ما حصلوا على مثل هذه النتائج التي ارتج لها العالم الإسلامي كله وما يزال؛ إذاً، فالمهم هو استثمار الحدث، وتوظيفه على جميع الأصعدة فيما يُعلي شأن الأمة، ويكشف زيف مذهب الرافضة، وخطط ونوايا أعداء الإسلام، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:118].

وأخيراً، لا بد أن نتنبه أنه في آخر الزمان يكون فتن يرقق بعضها بعضاً، ولا نريد أن يستثيرنا كل ناعق مجنون، فكل ما حصل وما سيحصل من أهم أهدافه استفزاز المسلمين، وخاصة شبابهم، وإفقادهم توازنهم، وإشغالهم في قضية تلو قضية، وتحجير تفكيرهم بثقافة الانتقام والكره فقط حتى لا تصفو عقولهم للبناء والتخطيط، والعمل الجاد المثمر، هكذا أرادوا، وهكذا يخططون؛ لمعرفتهم يقيناً أن العقل المسلم لو اتجه للتفكير والبناء لما كان لهم مكان في السيادة والريادة، فأشغلوا الشباب: إما بالجنس والشهوات، وإما بثقافة الانتقام والكره والشبهات.

لكن هيهات! فأبشِّركم أن تباشير كثيرة تلوح بالأفق، من اتجاه الشباب للعمل والجد والتخطيط، ولعل حديثاً قريباً يأتي عنها، ومثل هذه الصفعات توقظ الأمة، وتشعل الهمة، فإذا تكاثرت فإن للصبر حدًّا، وللنصر موعدًا قريبًا إن شاء الله تعالى، فأبشروا وأمّلوا، عباد الله، وخذوا بالأسباب، وأعدوا لهم ما استطعتم من كل معاني القوة، فالعدو مخذول، والظلم مرتعه وخيم، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدا﴾ [الكهف:59]، نسأل الله أن يلطف بالأمة، وأن يعيذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن؛ كما نسأله -سبحانه- أن يرزقنا حب الصحب والآل، وأن يُصلح لنا الحال والمآل. حُبُّ الصَّحَابَةِ والقَرَابَةِ سُنَّةٌ *** ألقَى بِهَا رَبِّي إِذَا أحْيَانِي

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.

أما بعد: عباد الله: اتقوا الله وانظروا في أمركم، وتوبوا إلى ربكم، وصحِّحوا إليه مسيرتكم، وأكثروا -خاصة بعد رمضان- الاستغفار، والتوبة، والصدقة، والتقرب لله بالأعمال الصالحة، وعليكم بالاعتصام بالكتاب والسنة، ففيهما نجاة، وأي نجاة!.

نسأل الله لنا ولكم ولكل مسلم الثبات على التوحيد حتى الممات، كما نسأله -جل وعلا- أن يُديم أمن بلادنا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، وثبت قلوبنا وأقدامنا، اللهم أعذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم من أرادنا أو أراد ديننا أو مقدساتنا بسوء، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم اكفناهم بما شئت، اللهم أنت خيرٌ حافظاً وأنت أرحم الراحمين، اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك الصالحين.

اللهم وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم ألف بين قلوبهم وقلوب رعيتهم، واجمع كلمتهم على التوحيد يا رب العالمين.

وصَلِّ اللهم وسلم على النبي الأمين، وعلى خلفائه الراشدين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين.

 


تم تحميل المحتوى من موقع