خطر البدع والتحذير منها ومن أهلها

عبدالله بن صالح القصير
عناصر الخطبة
  1. خطر البدع .
  2. الحذر من البدع والمبتدعين .
  3. أوصاف المبتدعين .

اقتباس

ما من بدعة تحدث إلا ويميت الناس من السنن مثلها، ولا يحدث رجل بدعة إلا وقد ترك من السنة ما هو خير منها، وما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً، وعملٌ قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة؛ فإن الله تعالى إنما يتقبَّل من المتقين، والمبتدع ليس من أهل التقى، بل هو من أهل العمى، لا يقبل الله من صاحب بدعة صياماً ولا صلاةً ولا حجًّا ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلاً ..

 

 

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق المبين، أحمده سبحانه أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام ديناً إلى يوم الدين، ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين وإله الأولين والآخرين، أتقن ما صنع، فما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، فتبارك الله أحسن الخالقين، وأحكم ما شرع فأغنى عن البدع، وحفظ الذكر فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين، والرسول المبين، وإمام المتقين، وخيرة الله من خلقه أجمعين، الذي بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء:115]. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه (فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف:157].

أما بعد:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [آل عمران:102-107].

اللهم ثبتنا على دينك، وزدنا من هداك، وارزقنا الاستقامة على طاعتك والتمسك بسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم حتى نلقاك مسلمين مؤمنين محسنين غير مبتدعين ولا مبدلين ولا مرتدين.

اللهم بيِّض وجوهنا، وثقِّل موازيننا، وزحزحنا عن النار، وأدخلنا الجنة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم جنبنا البدع في دينك؛ فإنها تغير القلوب، وتبدل الدين، وتفرق الكلمة، وتشتت شمل المسلمين، ويتسلط بسببها الظلمة على المسلمين، وتزيل النعماء، وتجلب الشقاء، وتسود الوجوه، وتخفف الموازين، وتخرج المرء من ولاية الرحمن حتى تجعله وليًّا للشيطان، والشيطان إنما (يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:6].

أيها الناس: ارضوا ما رضيه الله لكم من الدين؛ فكونوا لربكم سبحانه طائعين، ولنعمه شاكرين، ولنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور متبعين صادقين؛ حتى يحفظ الله عليكم نعمه، ويصرف عنكم نقمه، ويزيدكم من فضله، ويعاملكم بإحسانه (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) [النساء:69-70].

اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم، واسلكوا طريق الحق الذي له هديتم، وعليكم بالسنة التي بها فضلتم، تمسكوا بها ولا تستوحشوا من قلة السالكين، واهجروا الضلالات، ولا تغتروا بكثرة الهالكين (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [الأنعام:116-117]. ألا لا يتطاولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، ولا يلهينكم الأمل فإن كل ما هو آت قريب.

أيها الناس: إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس: احذروا البدع، فإنها تشوِّه الدين، وتطمس معالم السنن، وتحدث الفتنة، وتضل الناس عن طريق الجنة، وتجعلهم يسيرون في طريق منتهاه الجحيم، وتفرق الناس، وتجعل أهلها يصيرون على الحنث العظيم، يتفرقون شيعاً ويتآمرون أحزاباً، وذلك شأن المشركين، كما جاء ذلك في القرآن المبين، وتجعلهم يفرقون دينهم كل حزب بما لديهم فرحون، وقد نهاكم ربكم عن ذلك بقوله: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم:31-32].

أيها المسلمون: ما من بدعة تحدث إلا ويميت الناس من السنن مثلها، ولا يحدث رجل بدعة إلا وقد ترك من السنة ما هو خير منها، وما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً، وعملٌ قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة؛ فإن الله تعالى إنما يتقبَّل من المتقين، والمبتدع ليس من أهل التقى، بل هو من أهل العمى، لا يقبل الله من صاحب بدعة صياماً ولا صلاةً ولا حجًّا ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلاً؛ قال صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ".

أيها الناس: الحذر الحذر، والفرار الفرار؛ فإنكم اليوم في زمن نفقت فيه سوق البدع، وراجت تجارتها، وكثر الذين يحترفونها ويدعون إليها ويزينونها، ويفتنون الناس بما يُضِلُّونَهُم بها عن دينهم، فيصدونهم عن سبيل ربهم، ويأكلون أموالهم بالباطل، ويستعبدونهم، اشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، وصدوا الناس عن الهدى، وما ربك بغافل عما يعملون، فهم كما أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: "دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها قيل: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: "هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا".

فإذا عرفتم ذلك -معاشر المسلمين- فاحذروا أن تجالسوهم، أو تصغوا إليهم، أو تعظموهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد لعنهم ولعن من أعانهم؛ يقول في الحديث الصحيح: "لعن الله من آوى مُحْدِثًا".

فاحذروا أن تقع عليكم اللعنة، واعلموا أنه قد جاء في الأثر أن من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة ليوقره فقد مشى في هدم الإسلام.

أيها المسلمون: إن أهل البدع يعبدون الله بغير ما شرع، فيفترون على الله الكذب، ويجلبون على أنفسهم التعب، ويقطعون السبيل، ويشغلون الناس بالأضاليل، لسان حالهم أن الله تعالى لم يكمل دينه فيكملوه، ولم يتم نعمته فيكفروه، أو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلِّغ الناس كل ما أوحاه الله إليه، أو بلَّغه ولكن الصحابة لم يفهموه، أو لم يهدوا الناس إليه؛ فما أظلمهم لربهم، وما أقلّ توقيرهم لنبيهم، وما أعظم جنايتهم على الصحابة، وما أضرهم على أنفسهم، وما أشأمهم على مجتمعهم، وما أجرأهم على دين ربهم، فيا ويلهم ما أعظم ما جنوه، وما أسوأ ما افتروه، فما حجتهم عند الله يوم يلاقوه، وصدق الله العظيم إذ يقول: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف:103-104].

فاتقوا الله -أيها المؤمنون- واهجروا أهل البدع فلا تأتوا إليهم، واحذروهم فلا تصغوا إليهم، ونفِّروا الناس منهم، وأبعدوهم عنهم؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) [البقرة:120].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وجعلنا من أوليائه وأحبابه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

 

 

 

 


تم تحميل المحتوى من موقع
الجمهرة معلمة مفردات المحتوى الأسلامي