الغيبة المباحة

علي بن يحيى الحدادي
عناصر الخطبة
  1. تحريم الغيبة وعقوبة أصحابها .
  2. الحالات التي تباح فيها الغيبة: التظلم – الاستفتاء - إزالة المنكر - المجاهر بفسقه - التعريف بالشخص - النصيحة. .

اقتباس

فإذا كان ذكر الغير بالسوء في مقام النصح فلا حرج, كمن استشارك في مشاركة فلان في التجارة وأنت تعرف منه الخيانة والكذب, فلا يجوز لك أن تكتم هذه العيوب بل توضح له وتصارحه ولا تغشه. وكذا من استشارك في تزويج فلان وأنت تعلم من حاله أنه لا يصلح للمصاهرة لفجوره أو فحش أخلاقه أو لغير ذلك من الأسباب, فلا يجوز لك أن تكتم ما تعلم...

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102] (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1] (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70، 71].

أما بعد:

فإن الله تعالى قد صرح في كتابه الكريم بتحريم الغيبة وذمها والتنفير عنها, فقال -سبحانه وتعالى-: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) [الحجرات: 12] والسنة النبوية مليئة بالأحاديث الناهية عن الغيبة ومنها قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لما عرج بي ربي -عز وجل- مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم, فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم"  [رواه أحمد وأبو داود].  وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق". 

فعلى المسلم أن يكف لسانه عن غيبة إخوانه وأن يشتغل بعيوب نفسه فيصلحها, ويُشغلَ لسانه بالكلام النافع الذي يصلح دينه وأُخراه ويصلح أمر معاشه ودنياه.

عباد الله: كما جاءت الشريعة بالنهي عن الغيبة وتحريمها فينبغي أن يعلم أنها جاءت أيضاً بالإذن بها في مواضع؛ لأن المصلحة فيها أعظم من مفسدة ذِكرِ من ذُكر فيها بما يكرهه.

ومن عادة العلماء أنهم إذا قرروا تحريم الغيبة يختمون القول ببيان الحالات التي تجوز فيها الغيبة, وذلك من كمال نصحهم للأمة وشفقتهم بها.

فمن الحالات التي تباح فيها الغيبة:

أولاً: حالة التظلم عند القاضي, فمن ظلم فله أن يشتكي الظالم ويذكر المظلمة, ولا شك أن الظالم يغيظه أن يذكر بالظلم, ولكن أبيحت الغيبة هنا لمصلحة رفع الظلم عن المظلوم ورد الحقوق إلى أصحابها.

ثانيا: حالة الاستفتاء فإن المستفتي قد يحتاج إلى ذكر بعض الناس بسوء ما فعلوا؛ حتى يتبين له الحكم الشرعي, كتلك المرأة التي جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تشتكي من زوجها وتقصيره في الإنفاق عليها وعلى أولادها, وقالت: "إنه رجل شحيح". فلم يعنفها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يزجرها, بل قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". لأن المقام مقام استفتاء.

ثالثاً: حالة الاستعانة بالغير على إزالة المنكر, كأن تستعين بالهيئة أو بالشرطة أو مكافحة المخدرات مثلاً, فتقول: "فلان يسطو على البيوت, أو يبيع المخدرات, أو يتعرض للنساء والفتيات", ونحو ذلك من المنكرات, فذكر صاحب المنكر بقصد الاستعانة على كف شره وحماية المجتمع من خطره ليس من الغيبة المحرمة, بل هي غيبة جائزة إن لم تكن واجبة متعينة.

رابعاً:  من كان مجاهراً بفسوقه وفجوره فيجوز أن يذكر بما يجاهر به من المعاصي أو البدع, ولا يجوز ذكر ما يستتر به إلا لعذر شرعي مما تقدم أو غيره.

فمن كان يجاهر بشرب الخمر أو سماع الغناء, أو يجاهر ببدعته كالتكفير بغير حق أو استحلال دماء المسلمين ونحو ذلك, فهذا لا حرج في ذكره بالشيء الذي جاهر به. فقد أسقط حرمة نفسه وهتك ستر الله عليه.

خامساً: حالة التعريف بالشخص, فمن اشتهر بوصف فيه نقص (كفلان الأصم أو الأعرج أو الأشل) أو نحو ذلك, فلا حرج بندائه به أو الحديثِ عنه بذلك الوصف, لكن بقصد التعريف به, لا بقصد احتقاره وانتقاصه لأنه صار بمنزلة الاسم.

وكتبُ الحديث مليئة بذكر عدد من الرواة والأعلام ببعض أوصفاهم, كالأعمش والأعور والأعرج وغير هؤلاء دون نكير.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له في أسمائه وصفاته وألوهيته وسلطانه, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليما.

أما بعد:

فاتقوا الله -عباد الله- واحفظوا ألسنتكم عن أعراض المسلمين إلا في المواضع التي أذن فيها الشارع الحكيم, وقد سبق ذكر خمس حالات وأختم بالحالة السادسة وهي حالة النصيحة.

فإذا كان ذكر الغير بالسوء في مقام النصح فلا حرج, كمن استشارك في مشاركة فلان في التجارة وأنت تعرف منه الخيانة والكذب, فلا يجوز لك أن تكتم هذه العيوب بل توضح له وتصارحه ولا تغشه.

وكذا من استشارك في تزويج فلان وأنت تعلم من حاله أنه لا يصلح للمصاهرة لفجوره أو فحش أخلاقه أو لغير ذلك من الأسباب, فلا يجوز لك أن تكتم ما تعلم؛ لأن كتمانك غشٌ لأخيك وتغرير به.

وقد جاءت امرأة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تستشيره في رجلين خطباها, واحتارت بينهما لا تدري من تختار؟, فقال لها عن أحدهما: "فلان ضراب للنساء". وقال عن الأخر: "فلان صعلوك لا مال له". يعني فقير ثم نصحها بأسامة بن زيد -رضي الله عن الجميع-.

فهذا أتقى الخلق لله وأعلمهم بالله يذكر اثنين من أصحابه بما سمعنا من الأوصاف؛ لأن المقام مقام نصيحة وليس لمجرد التشهي والتشفي.

وكذا من النصيحة كلام العلماء في رواة الأحاديث وبيان ما فيهم من الضعف وسوء الحفظ أو الكذب أو البدع؛ حتى يحذر المسلمون رواياتهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وكذا من النصيحة للمسلمين تحذير العلماء من الفرق الضالة ودعاتها, كتحذيرهم من الخوارج والمرجئة والرافضة والمعتزلة والصوفية, فالنبي -صلى الله عليه وسلم- حذر من الخوارج, وحذر من القدرية, وحذر أصحابه من كل بدعة ظهرت في زمانهم ومن أهلها, وهكذا أتباعهم بإحسان حذروا من البدع والفرق ودعاتها وكتبها التي في زمانهم؛ نصحاً للمسلمين حتى لا يغتروا بها فتفسد عليهم دينهم وعقيدتهم.

وهكذا حال أئمتنا وعلمائنا اليوم, فإنهم من أعظم الناس نصحاً للعباد بتحذيرهم من الفرق المنحرفة والجماعات الحزبية التي فرقت المسلمين فرقاً وأحزاباً, وجرتهم إلى الخروج عن عقيدة السلف الصالح إلى التكفير وشق عصا الطاعة واستحلال دماء الموحدين, أو جرتهم إلى حب التصوف والصوفية أهل القبور والطرق المخترعة في الذكر والدعوة.

فلهم منا الشكر والثناء والدعاء, فقد عرضوا أنفسهم لمتاعب عظيمة من أجل استنقاذنا من طرق النار والغواية والضلالة.

ولنحذر من تلبيس من يلبس على الناس فيجعل التحذير من أهل البدع والجماعات الحزبية من الغيبة المحرمة, بل هو من الغيبة المشروعة, بل هو من الجهاد في سبيل الله, بل هو من أعظم مراتب الجهاد في سبيل الله؛ لأنه جهاد لا يحسنه إلا أهل الرسوخ في العلم والإيمان.

معاشر المؤمنين: صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين, اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأربعة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي, وعن سائر أصحاب نبيك وأزواجه وأهل بيته يا رب العالمين.

اللهم آمنا في أوطاننا واصلح أئمتنا وولاة أمورنا, اللهم وفق إمامنا وولي عهده لما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى, وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه.

اللهم أصلح حكام المسلمين واجمع كلمتهم على الحق والدين, وأصلح بهم حال البلاد والعباد واقمع بهم أهل الزيغ والفساد.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار.

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي وعن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.


تم تحميل المحتوى من موقع
الجمهرة معلمة مفردات المحتوى الأسلامي