يوم عاشوراء ومقتل الحسين

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
عناصر الخطبة
  1. فضائل يوم عاشوراء .
  2. حال المسلم عند المصائب .
  3. موقف أهل السنة من مقتل الحسين بن عليّ .
  4. المسنون في يوم عاشوراء .
  5. التحذير من بدع الروافض. .

اقتباس

وأما حال المسلم مع يوم عاشوراء فهو في صيام له شكرًا لله -عز وجل- على نعمة نجاة موسى ومن معه وهلاك فرعون ومن معه. فلنكن -يا عباد الله- لشرع الله معظمين، وعلى هدي نبيه -صلى الله عليه وسلم- سائرين، وبسنَّته متمسكين، ولنحذر من طرائق أهل الجاهلية وسبل أهل الضلال وإن زعموا أنهم يفعلون ذلك محبةً للحسين ولآل بيت النبي -عليه الصلاة والسلام-.. وإن أهل السنة والجماعة لأعظم الناس حبًّا لآل البيت -رضي الله عنهم وأرضاهم- وإدراكًا لمكانتهم العظيمة وحفظًا لوصية النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم، وأما تلك الأعمال فإنها ليست من محبتهم في شيء.

الخطبة الأولى:


 
إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
أما بعد أيها المؤمنون عباد الله: اتقوا الله تعالى؛ فإن في تقواه خلَفًا من كل شيء، وليس من تقوى الله خلَف، اتقوا الله عز وجل وراقبوه سبحانه مراقبة من يعلمُ أن ربَّه يسمعُه ويراه.
 
عباد الله: يوم عاشوراء يومٌ عظيمٌ مبارك كان لله -عز وجل- فيه آيةٌ ظاهرة وحجةٌ باهرة؛ فهو اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه، فما أعظمها من آية وما أجلَّها من منَّة وعطية؛ ولذا فإن نبينا -عليه الصلاة والسلام- صام هذا اليوم شكرًا لله -عز وجل- كما صامه نبي الله موسى -عليه السلام- شكرًا لله -عز وجل-، وصامه المسلمون تأسيًا بهما شكرًا لله -تبارك وتعالى-.
 
ولقد عظَّم النبي -عليه الصلاة والسلام- من أمر صيام يوم عاشوراء؛ ففي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ"، فهنيئًا لمسلمٍ صام هذا اليوم شاكرًا محتسبًا راجيًا ثواب الله طامعًا في عظيم موعوده -جل في علاه-.
 
عباد الله: إن يوم عاشوراء في شريعة الإسلام يومُ شكرٍ لله -جل وعلا-، ويتمثل هذا الشكر في عبودية الصيام، صيامه شكرا لله -جل وعلا-؛ ولهذا فإنَّ نفوس أهل الإيمان في هذا اليوم العظيم تعيش سكونًا وطمأنينة وأُنسًا وراحة وعافيةً عظيمة بما أكرمهم الله -عز وجل- به من قيامٍ بهذه القربة لله -جل وعلا- شاكرين له على نعمائه ومنه وفضله وعطائه.

عباد الله: وشاء الله -جل وعلا- أن حدث في يوم عاشوراء في عام واحد وستين للهجرة حدثًا عظيمًا ومصابًا كبيرا وخطبًا جلَلا؛ ألا وهو يا عباد الله: أنه في يوم عاشوراء من تلك السنة قُتل الحسين بن علي رضي الله عنهما ظلْمًا وجورًا.
 
ولا يرتاب مسلم ولا يشك مؤمن أن مقتله -رضي الله عنه وأرضاه- كان ظلمًا وحيفًا وجورًا وعدوانا، ولاشك أن قتله مصاب جلل ومصيبة عظيمة؛ ولكن -يا عباد الله- إن المؤمن مأمور في مصابه أن يصبر ويحتسب وأن يسترجع كما أمره الله تبارك وتعالى حيث قال -عز وجل-: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة:155-156] ، ولهذا ثبت في صحيح مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا".
 
فهذا هو المطلوب من المسلم في المصاب، فليس عند المسلمين في مصائبهم أيًا كانت إقامة مآتم أو إقامة نياحة على الميت مهما كان المصاب، ولهذا -عباد الله- قد قُتل من قبل الحسين خلْقٌ من أنبياء الله وأوليائه، بل قُتل قبله والده عليه وهو خير وأفضل منه، وقُتل من قبله عثمان -رضي الله عنه-، وقُتل من قبله عمر -رضي الله عنه-، وجميعهم قُتلوا ظلمًا وجورًا ولم يؤمر الناس في مثل هذه المصائب أن تُتخذ يوم مأتم ونياحة، بل جاءت الأحاديث الصحاح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذم ذلك والتحذير منه؛ فقال -عليه الصلاة والسلام-: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ"، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إني بريء من النائحة والصالقة والشاقة"، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ"؛ فهكذا جاءت الشريعة محذرةً من هذه الأعمال مهما كان مصاب العبد وفاجعته.

ولهذا عباد الله: من يتخذ يوم عاشوراء يوم نياحة ومأتم يكون فيه البكاء وشق الجيوب ولطم الخدود والصدور ونحو ذلك؛ فهذا كله ليس من دين الله في شيء، بل هو من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بالتحذير منها والنهي عنها، بل قد روي في المسند وغيره من حديث فاطمة بنت الحسين بن علي تروي عن أبيها الحسين بن علي -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا -قَالَ عَبَّادٌ قَدُمَ عَهْدُهَا- فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا".
 
فيا أيها المؤمنون عباد الله: إن واجب المسلم في مثل هذا المقام أن يكون على الهدي القويم الذي دل عليه كتاب الله وسنة نبيه -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه-؛ فهذا حال المسلم مع المصاب مهما كان وفي أي وقت كان.
 
 وأما حال المسلم مع يوم عاشوراء فهو في صيام له شكرًا لله -عز وجل- على نعمة نجاة موسى ومن معه وهلاك فرعون ومن معه. فلنكن -يا عباد الله- لشرع الله معظمين، وعلى هدي نبيه -صلى الله عليه وسلم- سائرين، وبسنَّته متمسكين، ولنحذر من طرائق أهل الجاهلية وسبل أهل الضلال وإن زعموا أنهم يفعلون ذلك محبةً للحسين ولآل بيت النبي -عليه الصلاة والسلام-.
 
عباد الله: وإن أهل السنة والجماعة لأعظم الناس حبًّا لآل البيت -رضي الله عنهم وأرضاهم- وإدراكًا لمكانتهم العظيمة وحفظًا لوصية النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم، وأما تلك الأعمال فإنها ليست من محبتهم في شيء.
 
 فنسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يعمر قلوبنا أجمعين بمحبة آل بيت النبي -عليه الصلاة والسلام- ومحبة الصحب الكرام، وأن لا يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، وأن يعيذنا أجمعين من طرائق أهل الضلال وسُبل أهل الباطل إنه -تبارك وتعالى- سميع الدعاء وهو أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الخطبة الثانية:

 
الحمد لله كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد عباد الله: اتقوا الله تعالى؛ فإنَّ من اتقى الله وقاه وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.
 
أيها المؤمنون عباد الله: مما جاء في مناقب الحسن والحسين -رضي الله عنهما- فيما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما رواه أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، وروى الإمام أحمد من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عنهما: "هُمَا رَيْحَانَتِي مِنْ الدُّنْيَا"، وثبت في الترمذي وغيره من حديث أسامة ابن زيد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في شأن الحسن والحسين: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا؛ فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا"؛ فحبهما قربة وديانة يتقرب بها المسلم إلى الله تبارك وتعالى.
 
ويجب -عباد الله- أن يكون حب الحسن والحسين وسائر آل بيت النبي -عليه الصلاة والسلام- حبَّ إسلام لا حبَّ بدعة وضلالة، ومن وفَّقه الله للزوم جادة أهل السنة حقق الأمرين: المحبة الصادقة، والسلامة من البدعة والضلالة؛ وهذا ما منَّ الله -سبحانه وتعالى- به على أهل السنة وميزهم به عن الطوائف الأخرى. فنسأل الله -جل وعلا- أن يحيينا على السنة وأن يميتنا عليها وأن يعيذنا من البدعة والضلالة إنه تبارك وتعالى سميع قريب مجيب.
 
وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنَّة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم كن لهم ناصراً ومعِينا وحافظاً ومؤيدا، اللهم وعليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى، اللهم اغفر لنا ذنبنا كله؛ دقَّه وجلّه، أوله وآخره، علانيته وسره. اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما آخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم إنا نسألك غيثًا مُغيثا، هنيئًا مريئا، سحًا طبقا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان وديارنا بالمطر.
 
 اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا وبأنك أنت الله لا إله إلا أنت يا رحمن يا رحيم أن تسقينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من اليائسين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدمٍ ولا عذابٍ ولا غرق، اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلا إليك، اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقُصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


تم تحميل المحتوى من موقع
الجمهرة معلمة مفردات المحتوى الأسلامي