الرفق في العبادات

عناصر الخطبة

  1. نماذج من الرفق في العبادات
اقتباس

الرِّفق في العبادات هو أوَّل مظهرٍ من مظاهر الرِّفق في الإسلام، وهو المجال الأوَّل من مجالات تطبيق هذا الخلق الإسلامي الأصيل، وهو مرتبط برفق الإنسان بنفسه، وقد حثَّ الإسلام عليه ودعا إليه، والأمثلةُ على ذلك كثيرة، ومنها…

الخطبة الأولى:

الحمد لله…

الرِّفق في العبادات هو أوَّل مظهرٍ من مظاهر الرِّفق في الإسلام، وهو المجال الأوَّل من مجالات تطبيق هذا الخلق الإسلامي الأصيل، وهو مرتبط برفق الإنسان بنفسه، وقد حثَّ الإسلام عليه ودعا إليه، والأمثلةُ على ذلك كثيرة، ومنها(1):

1- النهي عن التشديد في العبادة؛ رفقاً بالنفس:

أ- عن عائشةَ – رضي الله عنها؛ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (يا أَيُّهَا النَّاسُ! خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ، وَإِنْ قَلَّ)(2). قال النووي -رحمه الله-: “وحاصل الحديث: بيانُ رِفق رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بأُمَّته، وشفقتِه عليهم، وإرشادِهم إلى مصالحهم، وحثِّهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيِهم عن التَّعمُّقِ والإكثار من العبادات التي يُخاف عليهم المللُ بسببها، أو تركُها، أو تركُ بعضِها“(3).

ب- عن أَنَسِ بن مَالِكٍ – رضي الله عنه – قال: دَخَلَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فإذا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بين السَّارِيَتَيْنِ فقال: “مَا هذا الْحَبْلُ؟”، قالوا: هذا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فإذا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لاَ، حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فإذا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ“(4).

قال ابن بطال -رحمه الله-: “إنما يُكره التشديد في العبادة؛ خشيةَ الفتور، وخوفَ المَلَل“(5). ومن فوائد الحديثين: “الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليها بنشاط“(6).

وهذا التوجيه النبوي الشريف لأمته إنما هو توجيهُ خبيرٍ بالنفس البشرية وطبائعها، فالنفس البشرية يعتريها النشاط والفتور، كما تتعرض للملل والسأم، وليس هذا الأمر خاصًّا بالأمور الدنيوية، بل وفي العبادات أيضاً، فالنفس قد تمل وتفتر، والنبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- يوجِّه أُمَّته إلى الكفِّ عن العبادة مع أول شعور للملل والسأم؛ إذْ أنه لو استمرَّ لربما كَرِه العبادة بالكلية وتوقَّف عن أدائها، فأين خبراءُ النفسِ من هذا التوجيه النبوي، وأين أدعياءُ العلمِ من هذه التربية النبوية؟!

2- تخفيف الصلاة؛ رِفقاً بالناس:

أ- عن أبي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: “إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ مِنْهُمْ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ“(7).

ب- عن أبي قَتَادَةَ -رضي الله عنه-؛ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إِنِّي لأَقُومُ في الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فيها، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ في صَلاَتِي؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ“(8).

ج- عن أبي مَسْعُودٍ الأنصاريِّ -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقال: “إنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلاَةِ في الْفَجْرِ؛ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلاَنٌ فِيْهَا. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ(9)، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ؛ فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ“(10).

وجه الدلالة: في الأحاديث دليل على الرِّفق بالمأمومين وسائر الأتباع من الكبار والصغار، والمرضى والضعفاء، ومراعاة مصلحتهم، وألاَّ يدخل عليهم ما يشق عليهم، وإن كان يسيراً من غير ضرورة(11).

قال النووي -رحمه الله-: “قال العلماء: كانت صلاةُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال؛ فإذا كان المأمومون يُؤثِرون التَّطويل، ولا شُغْلَ هناك له ولا لهم، طَوَّل، وإذا لم يكن كذلك خَفَّفَ، وقد يريد الإطالة ثم يعرض ما يقتضي التَّخفيف؛ كبكاء الصَّبي ونحوِه… وقيل: إنما طَوَّل في بعض الأوقات – وهو الأقل، وخَفَّفَ في مُعْظَمِها، فالإطالة؛ لبيان جوازها، والتَّخفيف؛ لأنه الأفضل، وقد أمر -صلى الله عليه وسلم- بالتخفيف“(12).

3- النهي عن الوِصال في الصيام:

عن أبي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه؛ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: “إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ(13)” مَرَّتَيْنِ، قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قال: “إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي، فَاكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ“(14).

قال البخاري -رحمه الله-: “نَهَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عنه؛ رَحْمَةً لهم، وَإِبْقَاءً عليهم، وما يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ“(15).

4- تأخير السحور وتعجيل الفطر:

أ- عن أَنَسِ بن مَالِكٍ – رضي الله عنه – قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: “تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً“(16).

قال النووي -رحمه الله-: “فيه الحث على السحور، وأجمعَ العلماءُ على استحبابه، وأنه ليس بواجب، وأما البركة التي فيه فظاهرةٌ؛ لأنه يقوى على الصيام وينشط له وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام؛ لِخِفَّة المشقَّة فيه على المُتَسَحِّر“(17).

ب- عن زَيْدِ بن ثَابِتٍ – رضي الله عنه – قال: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ قام إِلَى الصَّلاَةِ، قلتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قال: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً(18).

قال ابنُ أبي جمرة -رحمه الله-: “كان -صلى الله عليه وسلم- ينظر ما هو الأرفَق بأُمَّتِه فيفعله؛ لأنَّه لو لم يتسحَّر لاتَّبعوه فيَشِقُّ على بعضِهم، ولو تسحَّر في جوف الليل؛ لَشَقَّ أيضاً على بعضهم ممَّنْ يغلب عليه النوم، فقد يُفْضي إلى ترك الصُّبح، أو يحتاج إلى المُجاهدة بالسَّهر، وفيه أيضاً تقويةٌ على الصيام؛ لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك لَشَقَّ على بعضهم“(19).

ج- عن سَهْلِ بن سَعْدٍ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: “لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الْفِطْرَ“(20).

قال المُهَلَّب -رحمه الله-: “إنَّما حضَّ – عليه السلام – على تعجيل الفطر؛ لئلاَّ يزاد في النهار ساعة من الليل، فيكون ذلك زيادة في فروض الله، ولأنَّ ذلك أرفق بالصائم، وأقوى له على الصيام“(21)؛ و”لأنَّ إلزام النَّفس ما لا يلزم شرعاً ابتداعٌ يُخاف منه الزَّيغ، كما ابتدع أهلُ الكتاب في دِينهم فزاغوا، وشدَّدوا فشدَّد اللهُ عليهم“(22).

الخطبة الثانية:

الحمد لله…

ومن نماذج الرِّفق في العبادات:

5- لا يُشرع صيام يوم عرفة رِفقاً بالحاج:

عن أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ -رضي الله عنها- أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فقال بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وقال بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وهو وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ(23).

قال النووي -رحمه الله-: “واحتجَّ الجمهورُ بِفِطْرِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فيه؛ ولأنَّه أرفَقُ بالحاجِّ في آداب الوقوف، ومهمات المناسك“(24).

وقال البيهقي -رحمه الله-: “وأما الحاجُّ: فقد قال الشافعي -رحمه الله- – ترْكُ صومِ عرفةَ للحاجِّ أحبُّ إليَّ من صوم يوم عرفة؛ لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- تَرَكَ صومَ يوم عرفة، والخيرُ في كلِّ ما صَنَعَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، ولأنَّ المُفْطِر أقوى في الدعاء من الصائم، وأفضلُ الدعاء يوم عرفة“(25).

وإذا كان النبيُّ الكريم -صلى الله عليه وسلم- قد راعى النفسَ البشرية وما يعتريها من همَّةٍ وفتور أو نشاطٍ وكسل؛ فكذلك قد راعى الطبيعةَ البشرية وما تتعرَّض له من قوةٍ وضعف؛ فالإنسان في حياته لا يسير على وتيرة واحدة، فهو عُرضةٌ للمرض الذي يُضعِفُ بدنَه، وعُرضةٌ لكِبَرِ السِّن وما يصحبه من ضعف، وفي حال الصوم والسفر والحج عُرضةٌ -أيضاً- للضَّعف والتعرُّض للمشقَّة؛ كما أنَّ هناك النساء والأطفال الذين يجب مراعاتهم ومراعاة ضعفِهم ووهَنِهم، من ثَمَّ كانت توجيهات النبي الكريم بالتخفيف والبعد عن كلِّ ما قد يُؤدِّي إلى زيادة الأعباء والمتاعب، ويُعرِّض أتباعه إلى المشقة.

وهكذا يُوازن الإسلام ونبيُّ الإسلام -صلى الله عليه وسلم- دائماً ويُراعي الجانب النفسي والجسدي لأتباعه، فيحترم التغيُّرات التي تطرأ على النفس والجسد، ويتعامل معها بمنتهى الرِّفق في أوجب واجبات العبد؛ وهي العبادة، فإنَّ الله سبحانه يُحِبُّ من عبده إذا أقبلَ على عبادته أن يُقبِل عليها في همَّةٍ ونشاط وقوَّة بدنٍ، وهذا ما حثَّ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وندب إليه، وشجَّع عليه، من خلال خُلُقِ الرِّفق في العبادة.

———–

(1) انظر: الرفق في السنة النبوية، د. حسن محمد (ص89).

(2) رواه البخاري، واللفظ له، (5/2201)، (ح5523)؛ ومسلم، (1/540)، (ح782).

(3) شرح النووي على صحيح مسلم، (8/39).

(4) رواه البخاري، (1/386)، (ح1099)؛ ومسلم، (1/541)، (ح784).

(5) شرح صحيح البخاري، (3/144).

(6) شرح النووي على صحيح مسلم، (6/73).

(7) رواه البخاري، واللفظ له، (1/248)، (ح671)؛ ومسلم، (1/341)، (ح467).

(8) رواه البخاري، (1/250)، (ح675).

(9) (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ): كان المُتوقَّع أن يُخاطِب النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المُطَوِّلَ في الإمامة، لكنه خاطَبَ الكُلَّ، ولم يُعيِّن المُطَوِّل؛ كَرَماً ولطفاً عليه. وكانت هذه عادته -صلى الله عليه وسلم- حيث ما كان يُخصِّص العِتاب والتأديبَ بمَنْ يستحقه؛ حتى لا يحصل له الخَجَل، ونحوَه على رؤوس الأشهاد. انظر: عمدة القاري، (2/106).

(10) رواه البخاري، واللفظ له، (1/249)، (ح672)؛ ومسلم، (1/340)، (ح466).

(11) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، (4/187).

(12) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، (4/174).

(13) إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ): أي: اجتنبوا تتابُعَ الصوم من غيرِ فطرٍ ليلاً، فيحرم علينا؛ لأنه يورث  الضَّعف والمَلَل، والتقصير فيما هو أهم من العبادات والقيام بحقِّها. انظر: التيسير بشرح    الجامع الصغير، (1/404).

(14) رواه البخاري، واللفظ له، (2/694)، (ح1865)؛ ومسلم، (2/774)، (ح1103).

(15) صحيح البخاري، (2/693).

(16) رواه البخاري، (2/678)، (ح1823)؛ ومسلم، (2/770)، (ح1095).

(17) شرح النووي على صحيح مسلم، (7/206).

(18) رواه البخاري، (2/678)، (ح1821)؛ ومسلم، (2/771)، (ح1097).

(19) فتح الباري، (4/138).

(20) رواه البخاري، (2/692)، (ح1856)؛ ومسلم، (2/771)، (ح1098).

(21) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (4/104).

(22) كشف المشكل، (2/271).

(23) رواه البخاري، (2/701)، (ح1887)؛ ومسلم، (2/791)، (ح1123).

(24) شرح النووي على صحيح مسلم، (8/2).

(25) فضائل الأوقات، (ص364). وانظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، للهروي (ص167).