الرفق

عناصر الخطبة

  1. المنهج الرفيق الذي يتعامل به الأنبياء وأتباعهم
  2. حرص النبي الكريم على تربية أصحابه وأهله على الرفق
  3. نصائح مهمة لأولياء الأمور والطلاب بمناسبة مقدم الامتحانات
اقتباس

وقد سمعت -والله- عددا من القصص وكنت قبل أيام في دار الملاحظة التي هي الخاصة بالسجن للصغار وإذا بعضهم فعلا تسمع قصته فتعلم أنه وقع في بعض أنواع المخدرات وعمره لم يتجاوز إحدى عشرة سنة والله! أذكر أنه كان في سادسة ابتدائي أو نحوها، وإذا هو بدأ يوزع حبوب “الكبتاجون” ويقول وقعت في ذلك يا شيخ أيام الاختبارات، أتاني من أتاني وأعطاني شيئا من المال ثم بدأت أوزعه..

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير. 

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصَّر به من الجهالة، وكَثَّر به بعد القلة، وأغنى به بعد العَيلة، ولمّ به بعد الشتات، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، ما اتصلت عين بنظر ووعت أذن بخبر وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون: لقد اصطفى الله تعالى أنبيائه ورسله من الناس، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:75]، وأمر الله تعالى الناس جميعا أن يقتدوا بالمرسلين، كما قال -جل في علاه-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:90]، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]، ووصف الله تعالى هؤلاء الأنبياء بأوصاف يحق للناس أن يتصفوا بها، ويجدر بهم أن يتمثلوا بمُثُلهم، وجعل الله تعالى حياة الأنبياء متنوعة ما بين حزن وفرح، وما بين صحة وسقم، وما بين غنى وفقر، وما بين نصر وهزيمة؛ لأجل أن يتعلم الناس كيف يتعاملوا مع مثل هذه المواقف.

ومن أحسن ما وصف به الله تعالى أنبياءه ورسله قوله -جل في علاه- عن نبينا وحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم- لما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:159]، يعني رحمك الله تعالى، وأحسن إليك، وتفضل عليك بأن أصبحت ليناً رفيقاً في تعاملك مع الناس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ ثم بين الله تعالى ما هو الطريق الآخر لو لم يكن لينا، فقال الله تعالى: ﴿َولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران:159]، لو كنت فظا في تعاملك، لست رفيقاً وإنما عنيفاً في تعاملك مع الناس، ولو كنت فظاً في تعاملك، ليس في قلبك رحمة ولا إحسان ولا شفقة ولا عطف ولا حنان على الآخرين، ﴿َلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾، ما النتيجة؟ ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾!. لانفض من حولك من تدعوهم إلى الإسلام، وانفض من حولك المسلمون، وانفض من حولك زوجتك وأبناؤك وجارك وخادمك، لانفضوا من حولك، ينفضون من حولك ولو كنت نبينا مرسلا، ولو كنت نبيا مقرباً، وإن كنت خاتم الأنبياء وسيد الأولياء وشيخ الأتقياء، ينفضون من حولك إن لم يروا منك ابتسامة ورفقاً في التعامل معهم، وحلماً في التعامل مع أخطائهم، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

ثم بين الله تعالى المنهج الرفيق الذي ينبغي أن يتعامل به الأنبياء وأتباع الأنبياء، فقال -سبحانه وتعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ إن أخطئوا عليك بألفاظهم، أو أخطئوا عليك بتعاملهم، أو أساءوا بك الظن، أو بدرت منهم حركات غير لائقة عليك، قال ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:159], فكان نبينا -صلى الله عليه وسلم- يتمثل في حياته عندما يتعامل مع الناس بهذه الآيات، وبهذه التوجيهات الربانية، فكان رفيقاً لينا سهلا قريباً من الناس، وهكذا كل الأنبياء الذين سبقوا نبينا -صلى الله عليه وسلم-.

ألم تر أن الله تعالى أرسل نبيه موسى -عليه السلام-، وموسى مَن هو؟ إنه كليم الرحمان الذي قربه الله تعالى، ورفع قدره، وابتلاه، حتى ظهر من موسى -عليه السلام- الصبر والحب لما عند الله تعالى، ومع ذلك يقول الله -جل وعلا- لموسى وهو يرسله إلى رجل طاغية قال أنا ربكم الأعلى، وظهر منه من الطغيان والفجور وتقتيل الناس واستحيائهم واستعبادهم ما لم يظهر من أحد قبله ولا بعده، فقال -جل وعلا- لموسى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:43]، طيب، هذا الطاغية يا ربّ كيف نتعامل معه ما دام أنه طغي؟ كيف نتعامل معه؟.

قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾، قولا له كلاماً حسن، قولا له كلاما رقيقا، ائتيا إليه بالرفق واللين والسهولة وحسن المقصد وحسن المدخل والمخرج، لا تكونا عنيفين يا موسى وهارون، ولا تكونا شديدين يا موسى وهارون، ولا تكونا عابثين يا موسى وهارون. فرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى اختارا له أجمل العبارات وألطفها وأحسنها وألينها وأرفقها لتسمعاه إياها، ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾! لماذا يا ربي؟ قال: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:44].

وهكذا كان كل الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى، وإن شئت فانظر إلى أبي الأنبياء والمرسلين، إلى الأمة الذي كان وحده، انظر إلى محطم الأصنام وباني البيت الحرام، انظر إلى إبراهيم -عليه السلام-، إبراهيم -عليه السلام- يرسله ربنا -جل وعلا- إلى قوم يعبدون الكواكب ويصورن لها صورا من أصنام يعبدونها في حياتهم ويتقربون إليها، يرسله ويختاره -جل وعلا- وهو قد خرج من صلب رجل كان يصنع الأصنام ويعبدها، ويأمر الناس بعبادتها، ويبيعها لهم، فهو آزر أبو إبراهيم.

فلما جاء إبراهيم إلى أبيه فإذا هو يتعامل معه بأحسن العبارات وألطفها وأرفقها، كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ(43)﴾ [مريم:41-43]، أحسن العبارات وألطفها وأحنها وأعطفها مع رجل ضال يعبد الأصنام ويدعو الناس إلى عبادتها.

فإذا بأبيه يكون عنيفا معه ويقول: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾؟ لا تريد أن تعبد الأصنام التي أعبدها؟ لئن لم تنتهِ عن عبادتك لله، وعن دعوتك إلى التوحيد، وعن حربك للشرك، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:46]، يعني اخرج من البيت، لا أريد أن أراك، فارقني!.

فإذا بإبراهيم يعود إلى رفقه ولينه الذي أمره الله تعالى به فيقول لأبيه: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا(48)﴾ [مريم:47-48].

نعم -أيها المسلمون- إنه الرفق في التعامل مع الناس، إنه الحلم عندما يتعامل الناس مع المخطئين، إنه التعامل بالعطف والشفقة والرحمة، إنه تعامل كما يتعامل الطبيب الناصح مع المريض الذي لا يريد أن يتلقى العلاج، فتجد أن المصلحة للمريض نفسه ومع ذلك إذا كان الطبيب ناصحاً أخذ يترفق بالمريض ويحاول أن يقنعه جاهداً أن يأخذ العلاج، والمصلحة أصلاً تعود إليه ابتدأً وانتهاءً.

لذلك حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على الرفق، كان يربي عليه أصحابه، كان يربي عليه أهله، كان يتمثله في نفسه -صلى الله عليه وسلم-، فكان -صلى الله عليه وسلم- يقول -كما في الصحيح-: "إذا أراد الله بأهل بيت خيراً" إذا أراد الله ببيتك أنت، بزوجتك وأبنائك، أو بأمك وأبيك وأخواتك وأخوالك، إذا أراد الله بأهل بيت خيراً، ماذا يفعل بهم؟ أكثر أموالهم؟ أم زرع بينهم الخير والصلاح؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق، وإذا أراد بأهل بيت شرا نزع منهم الرفق".

يدخل عليهم الرفق، فيصبح الزوج رفيقا مع زوجته إذا أخطأت، وهي رفيقة معه إذا لاحظت عليه خطأ، يصبح الأب رفيقاً مع أولاده، يصبح الإخوة في رفق ولين مع أخواتهم، وكذلك الأخوات مع إخوانهن، يصبحون رفقاء مع الخادم ومع السائق، ومع من يعمل معهم في البيت؛ قال: أدخل عليهم الرفق إذا أراد الله بهم خيراً وصلاحاً، فانظر لمستوى الرفق الذي في بيتك.

وقال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: "إن الله حرم على النار كل هيِّنٍ ليِّنٍ سهْلٍ قَريبٍ من الناس"، لم يقل حرم على النار كل عابد قوّام لليل، صوام للنهار، مع فضل العبادة وارتفاع شأنها ونفعها العظيم عند رب العالمين؛ لكنه -صلى الله عليه وسلم- بيَّن أثر العبادة في الناس.

ما الفائدة من صلاتك إن لم تأمرك بالخير وتحثك عليه؟ ما الفائدة من صدقتك إذا لم تزرع في قلبك شفقة على الفقراء والمساكين؟ ما الفائدة في حجك إذا لم يزرع في قلبك مبادئ الأخوة مع المسلمين؟ ما الفائدة من صومك إذ لم يربِّكَ على كظم غيظك وعلى الحلم والأناة مع الآخرين، ما الفائدة من العبادة إذا كانت مجرد صور يعملها الإنسان دون أن تأثر في حياته، كلا! العبادة الحقيقية هي التي تربيك على اللين والرفق في تعاملك مع الناس، وبالتالي إذا صلى الإنسان فأثرت الصلاة في حياته، أصبح لينا سهلا رفيقا في تعامله مع الآخرين، فحرمه الله تعالى بعد ذلك على النار.

وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أهمية الرفق حتى في التعامل مع الكافرين، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوماً قد جلس في بيته المبارك وعنده أمنا البريئة الطاهرة المطهرة عائشة -رضي الله تعالى عنها- الصديقة بنت الصديق، فمر نفر من اليهود بخارج البيت، وكانت بيوتهم بالمدينة، كانت بيوتاً صغيرة ربما لو وقف رجل عند الباب سمع ما يقوله أهل البيت، فلم يكن البيت كله مسقوفا، كان السقف على بعض البيت وبعضه ليس عليه سقف، وكان السقف أيضا ليس من الصلب كما نفعله اليوم إنما هو من سعف النخل الذي لا يرد الصوت، فمر نفر من اليهود وهم يعلمون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في البيت، فرفعوا أصواتهم عند الباب وقالوا: السام عليكم يا محمد -يعني الموت عليكم يا محمد-، فيكلمونه بلحن قول يدعون به عليه استهزاء، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- الرفيق اللين قال بكل هدوء: "وعليكم". إن كنتم تقولون السام يأتيكم فهو يأتيكم أنتم أيضا، فلا يسلم من الموت أحد.

فغضبت أُمنا عائشة -رضي الله تعالى عنها- غضبة مؤمنة تدافع عن نبينا -صلى الله عليه وسلم-، غضبت وهم لم يتكلموا في عرضها ولم ينقصوا من مالها، إنما غضبت غيرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لماذا تدعون عليه بمثل بهذا الدعاء؟ فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فقال لها -صلى الله عليه وسلم-: "مَهْ يا عائشة -يعني اصمتي- إن الله يبغض الفحش والتفحش"، قالت: يا رسول الله! ألم تسمع ما قالوا؟ قال: بلى، قال: ألم تسمعي ما قلت، قد قلت وعليكم؛ فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيَّ، ثم سكت -صلى الله عليه وسلم- عن الأمر كله.

فكان يربي زوجته، يربي أهله، تقول عائشة -رضي الله تعالى عنها- ما ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده أحداً قط، لا زوجة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله؛ تريد العنف والشدة اجعلها في الجهاد، أما في بيتك فليس من الخير ولا من الصلاح ولا من التقى ولا من التربية الصالحة أن تستعمل العنف عندما تتعامل معهم، بل إذا أردت أن يكون بيتك خيراً وأن تكون مؤسستك وشركتك وحيّك ومسجدك وكل ما تخالطهم إذا أردت أن يزرع بينهم الخير، فتعامل معهم بالرفق قدر استطاعتك.

ولا يخفى عليكم حديث ذلك الرجل الذي أقبل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مشتاقاً إلى أن يتدارك ساعة أو لحظة يأخذ بها وصيةً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيقول ذلك الرجل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا رسول الله! أوصني! -أعطني وصية يا رسول الله- ولعله قد جرى في قلب الرجل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ربما أوصاه بالجهاد، ربما أوصاه بالصدقة، ربما أوصاه بحفظ القرآن، فإذا به -صلى الله عليه وسلم- يترك ما يتعلق بالعبادات جانباً ويتكلم عن أثر العبادات في حياته، فيقول له -صلى الله عليه وسلم-: "لا تغضب"، فأخذ الرجل الوصية وقال: زدني. ظن أنها مقدمة لما بعدها، قال: "لا تغضب". ثم قال زدني، قال: "لا تغضب"، فإذا به -صلى الله عليه وسلم- ينبهه إلى أهمية ترك الغضب، والتحلي بالرفق والحلم واللين؛ لأجل أن تستقيم حياته، أن تستقيم حياته مع أهله، حتى مع الدابة التي يركبها.

ويقول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الآخر قال: "إنَّ شرَّ الرِّعاع الحُطَمَة"، شر الرعاة الذين يرعون الإبل أو الذين يرعون الغنم، هو الذي ليس فيه رفق، إنما فيه عنف، فيضرب الإبل لتسرع، ويضرب الغنم، ويدفع بعضها على بعض حتى يحطم بعضها بعضا، وتبدأ الغنم مع شدة الصراخ خلفها ومع شدة العنف معها وضربها بالصوت أو العصا تبدأ تضرب مَن أمامها، وكذلك الإبل، حتى ربما وقع بعضها على الأرض، ويقول حتى الذي يربي البهائم ينبغي أن يتحلى بالرفق، فيقول: "إن شر الرعاع الحطمة"، يعني الذي يجعل هذه البهائم يحطم بعضها بعض.

بل حتى عند ذبح البهيمة يقول -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قتلتم -يعني في القتال والجهاد أو إذا قتلتم من يستحق القتل ممن لحقه دم من نفس القتلة أو ما شابه ذلك- إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة"، ثم بين الرفق في الذبح، قال: "وليحدّ أحدكم شفرته، ولْيُرِحْ ذبيحته". أمر بالرفق حتى مع البهائم، فما بالك بتعامل الإنسان مع غيره؟.

أسال الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا جميعا ممن يتحلون بالرفق في تعاملهم، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدنا لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت يا ذا الجلال والإكرام، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخلانه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها الأخوة المسلمون: يترقب الناس خلال الأيام القادمات الامتحانات التي تكون لأبنائهم ولبناتهم، ولما مع مقدم هذه الامتحانات عدد من الوصايا التي أتوقع أنها موجودة في أذهان الآباء والأمهات والمعلمين، لكنها من باب التذكرة لنفسي ولإخوتي وأخواتي.

أول ذلك أن يعتني المرء بتعلم أولاده وتدريسهم، فربما أن الشاب أو الفتاة لا يعقل ما يتعلق برسوبه في امتحانه أو تأخر درجاته، فينبغي على الأب أن يحرص على ذلك، وينبغي على الأبناء أيضا ممن يسمعونني الآن أن يتصوروا الهمَّ الذي يحمله آباؤهم عندما يأمرونهم بالدراسة، فينبغي أن تتجاوب معه، وأن تستمع إليه، فهو لا يريد منك حاجة تسوقها إليه، إنما يريد منك المصلحة تخرج منك ثم تعود لك بعد ذلك.

المسألة الثانية: ينبغي أن يحرص الآباء على مراقبة أبنائهم بعد خروجهم من الامتحان، الإحصاءات التي تتكلم عن قضايا التفحيط وحوادث السيارات وما يتعلق بترويج المخدرات وما شابه ذلك أكثر ما تكون ارتفاعاً خلال هذين الأسبوعين القادمين.

يخرج الأبناء ربما بعضهم يدخل الامتحان الساعة السابعة أو السابعة والنصف فيخرج بعد نصف ساعة يقول عليه مادة واحدة والامتحان سهل أو ربما الأسئلة قصيرة وبالتالي يخرج الساعة الثامنة والأب لا يدري أن ولده خرج وبالتالي يبدأ مَن معه يقترحون عليه: ما رأيك أن نذهب لنفطر في المكان الفلاني؟ ما رأيكم أن نخرج إلى المكان الفلاني في الشارع الفلاني؟ وهنا مثلا شباب يفحطون أو يعبثون أو يفعلون كذا فيبدأ هذا الشاب سواء كان في الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية يبدأ يتعلم أخلاقيات لم يكن يتعلمها خلال أيام الدراسة السابقة؛ وذلك لأنه في السابق كان يخرج في الساعة الواحدة أو الثانية ظهراً وأبوه يعلم بخروجه، وبالتالي لو تأخر سأله أين ذهبت وكنت مع مَن؟.

لكنه يخرج في أيام الامتحانات والأب لا يدري متى خرج ومع مَن وماذا فعل بعد خروجه؟ وربما كتم الولد شيئاً من ذلك عن أبيه خوفاً على نفسه أو رغبة في الاستمتاع مع أصحابه؛ فجرّه ذلك إلى فساد.

وقد سمعت -والله- عددا من القصص وكنت قبل أيام في دار الملاحظة التي هي الخاصة بالسجن للصغار وإذا بعضهم فعلا تسمع قصته فتعلم أنه وقع في بعض أنواع المخدرات وعمره لم يتجاوز إحدى عشرة سنة والله! أذكر أنه كان في سادسة ابتدائي أو نحوها، وإذا هو بدأ يوزع حبوب "الكبتاجون" ويقول وقعت في ذلك يا شيخ أيام الاختبارات، أتاني من أتاني وأعطاني شيئا من المال ثم بدأت أوزعه وأهلي لا يدرون أصلا أني خرجت من المدرسة.

ينبغي مراقبة الأولاد في مثل ذلك، كما ينبغي تحذيرهم أيضا من أن يقعوا في الغش وأنواعه، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من غش فليس منا"، وفي رواية قال: "من غشنا فليس منا"، مع تحريضهم على الارتباط بالله -سبحانه وتعالى-، وكثرة دعائه، والالتجاء إليه، لعل الله تعالى أن يحفظهم، وأن يصلحهم بذلك.

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعيذنا وإياكم وذريتنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.