عذاب القبر الأسباب والمنجيات

عناصر الخطبة

  1. حقيقة الحياة في القبر
  2. أسباب عذاب القبر
  3. من أحوال المعذبين في قبورهم
  4. الأعمال المنجية من عذاب القبر
  5. الاستعاذة بالله من عذاب القبر
  6. فتنة القبر حقيقة ثابتة لا نجاة منها.
اقتباس

خلق الله تعالى الدور ثلاثًا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، إما جنة وإما نار -أعاذنا الله وإياكم منها-, وأحكام الله في دار الدنيا تسري على الأبدان والروح تبع لها، والأحكام في دار البرزخ تسري على الروح والأبدان تبع لها، والأحكام في دار القرار تسري على الأرواح والأبدان معًا. فكل ما في البرزخ من نور ونار، وسعة وضيق، ليس من جنس هذه الأشياء في الدنيا بل هي مختلفة تمامًا…

الخطبة الأولى:

الحمد لله المرتفع عن إدراك الأبصار الناظرة، المنزه عن التخيلات، والأوهام الخاطرة، العالم بما تحت أمواج البحار الزاهرة، كعلمه بحركات خلقه الظاهرة، الذي جعل الموت أول منازل الآخرة، فأقام به القوي والضعيف تحت قدرته القاهرة. أحمده على نعمه وآلائه المتواترة، وآياته الباهرة المتظاهرة، حمدًا أدفع به حلول كل فاقرة.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة صادرة عن طوية غير مرتابة ولا فاترة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالآيات الباهرة، والمفضل بالمقامات الفاخرة، الذي ألّف بين القلوب المتنافرة. اللهم فصلّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: تفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها، ورحيل أهلها، واسألوا أنفسكم: ماذا بعد الصحة إلا السقم؟! وماذا بعد البقاء إلا الفناء؟! وماذا بعد الشباب إلا الهرم؟! وماذا بعد الحياة إلا الممات؟! وماذا بعد الموت إلا السكرات والزفرات، وبعد الموت قبور، وظلام، وحفرة أو روضة.

أيها الإخوة: حياة القبر وما حياة القبر! القبر: هو البرزخ، وحياة القبر لا يعلم حقيقتها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فقد اختص الله نفسه بمعرفة هذه الحياة التي قيل عنها: إنها أول منازل الآخرة، فقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100]، وقد خلق الله تعالى الدور ثلاثًا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، إما جنة وإما نار -أعاذنا الله وإياكم منها-, وأحكام الله في دار الدنيا تسري على الأبدان والروح تبع لها، والأحكام في دار البرزخ تسري على الروح والأبدان تبع لها، والأحكام في دار القرار تسري على الأرواح والأبدان معًا.

فكل ما في البرزخ من نور ونار، وسعة وضيق، ليس من جنس هذه الأشياء في الدنيا بل هي مختلفة تمامًا، فما يحدث فيه أعجب بكثير، وقد أوضح الله عذاب القبر في آية واضحة من القرآن وهي قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]، فلا يكون هذا إلا في القبر.

وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- تعالى عن عذاب القبر فقال: “فإنهم يُعذّبون على جهلهم بالله، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه، فلا يعذب الله روحاً عرفته وأحبته وامتثلت أمره واجتنبت نهيه، ولا بدناً كانت فيه أبداً، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر، ومصدق ومكذب“.

عباد الله: ومن رحمة الله بعباده أن بيّن لهم ما يؤدي بهم إلى العذاب في القبر، وأرشدهم إلى المنجيات التي تنجيهم منه، فأسباب عذاب القبر كثيرة، منها: عدم الاستبراء من البول، والوقوع في الغيبة، والنميمة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: “مَرَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: “إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ” -وفي رواية: “لا يستنـزه أي لا يتطهر من بوله“-، “وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً” قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ “لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا” [البخاري (219) ومسلم (292)].

قال بعض العلماء: والأظهر أنهما كانا مؤمنين، وهو ظاهر الأحاديث والله أعلم، وهذه الأحاديث تدل على أن الاستبراء من البول والتنزه عنه واجب، إذ لا يعذب الإنسان إلا على ترك الواجب، وكذلك إزالة جميع النجاسات قياساً على البول، وهذا قول أكثر العلماء، فمن صلى ولم يستنثر فقد صلى بغير طهور.

وقد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول والنميمة والغيبة بعذاب القبر؛ وهو أن القبر أول منازل الآخرة، وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب، والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان: حق الله وحق لعباده، وأول ما يقضي فيه يوم القيامة من حقوق الله: الصلاة، ومن حقوق العباد: الدماء، وأما البرزخ فقضي فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلها، فمقدمة الصلاة: الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء: النميمة- وهي الوقيعة في الأعراض- وهما أيسر أنواع الأذى، فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما.

وعن أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: “أكثر عذاب القبر من البول” [صحيح الجامع (1202)] أي من عدم التطهر منه وبسبب عدم الاحتراز من رشاش البول، والاستهانة بأثره في الملابس وعدم تطهيره، وروي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم عن ذلك فعذب في قبره” [ابن ماجه (346) وصححه الألباني في صحيح الجامع (1315)] وفي هذا تحذير شديد من إهمال التطهر من البول.

أيها الإخوة: ومن أسباب عذاب القبر: الصلاة بغير طهور، وعدم نصرة المظلوم، فعن ابن مسعود-رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:” أُمِرَ بعبدٍ من عباد الله أن يُضرَب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه نارًا، فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قالوا: إنك صليت صلاة واحدة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره“[أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (4/231)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2774)]. فعذاب القبر حصل هاهنا بشيئين: أحدهما: ترك طهارة الحدث والخبث. والثاني: ترك نصرة المظلوم مع القدرة عليه.

عباد الله: ومن أسباب عذاب القبر: ما يقع فيه العبد من أنواع من المعاصي كالكذب، والزنا، وأكل الربا، والنوم عن القرآن، والمتثاقلة رؤوسهم عن الصلاة، والمانعون للزكاة، ومن لا يؤدي الأمانة، وخطباء الفتنة، والكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً، وقطع الطريق، وأكل الحرام، وأكل أموال اليتامى.

والدليل على ذلك ما ثبت في حديث سمرة بن جندب-رضي الله عنه- عند البخاري قال: “كان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا صلى صلاة، أقبل علينا بوجهه، فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا، قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول: ما شاء الله، فسألنا يوما فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا، قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس، ورجل قائم، بيده كلوب من حديد، قال بعض أصحابنا عن موسى: إنه يدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق.

فانطلقنا، حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر، أو صخرة، فيشدخ بها رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا، حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: من هذا؟ قالا :انطلق، فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته نارا، فإذا اقترب ارتفعوا، حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق.

فانطلقنا، حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر- قال يزيد ووهب ابن جرير، عن جرير بن حازم – وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر، فيرجع كما كان، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق.

فانطلقنا، حتى انتهيا إلى روضة خضراء، فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة، بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة، وأدخلاني دارا، لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ، وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني دارا، هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، قلت: طوفتماني الليلة، فأخبراني عما رأيت, قالا: نعم، أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يحدث بالكذبة، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه، فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة، والذي رأيته في الثقب فهم الزناة، والذي رأيته في النهر آكلو الربا، والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم- عليه السلام-، والصبيان حوله فأولاد الناس، والذي يوقد النار مالك خازن النار.

والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا مكيائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك. [البخاري(1386)].

قال علماؤنا- رحمة الله عليهم-: “لا أبين في أحوال المعذبين في قبورهم من حديث البخاري، وإن كان مناماً، فمنامات الأنبياء- عليهم السلام- وحيٌ بدليل قول إبراهيم- عليه السلام-: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ فأجابه ابنه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]. فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أحوال قوم ماتوا، ومن المعلوم أن القيامة لم تقم بعدُ، ومع ذلك أخبر بعذابهم وأحوالهم، فدل ذلك على ثبوت عذاب القبر، والعذاب بعد الموت قبل أن تقوم القيامة الكبرى، نسأل الله أن ينجينا من عذاب في النار وعذاب في القبر، وأن يحسن لنا الختام أجمعين. اللهم آمين.

أيها الإخوة: وهناك أعمال تنجّي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه، من هذه الأعمال:

الرباط في سبيل الله:  فعن سلمان قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: “رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأمِن الفتان” [مسلم(1913)]، فالرباط من أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت.

وإذا كان الميت إذا مات انقطع عمله، كما صح عن أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” [مسلم (1631)] وما ذكر في هذا الحديث وغيره مما يلحق الميت بعد موته، فإنه ينقطع بنفاده وذهابه، كالصدقة بنفادها، والعلم بذهابه، والولد الصالح بموته، إلا أن الرباط يضاعف أجره لصاحبه إلى يوم القيامة؛ وقد جاء ذلك مفسراً مبيناً في حديث فضالة بن عبيد عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: “كل ميت يُختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمَّى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر” [الترمذي (1621) وصححه الألباني]، ولا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير موقوفة على سببٍ فتنقطع بانقطاعه كما في الولد أو الصدقة أو العلم، بل هي فضل دائم من الله تعالى؛ لأن أعمال البر لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو، والتحرز منهم بحراسته بيضة الدين، وإقامة شعائر الإسلام، وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة.

وعن العرباض بن سارية- رضي الله عنه-: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: “كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات؛ إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله، ويجرى عليه رزقه إلى يوم القيامة“[الطبراني في الكبير (15044) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1220)] وفي هذا الحديث وحديث فضالة بن عبيد قيد ثان وهو: الموت حالة الرباط، والله أعلم.

والرباط: هو الملازمة في سبيل الله مأخوذ من ربط الخيل، ثم سمي الملازم لثغر من ثغور المسلمين: مرابطاً فارساً كان أو راجلاً، واللفظة مأخوذة من الرباط، وقول النبي-صلى الله عليه وسلم- في منتظري الصلاة: “فذلكم الرباط“[مسلم(251)] إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، والرباط اللغوي: هو الأول وهو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، فأما سكان الثغور دائماً بأهلهم الذي يعمرون ويكتسبون هناك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين.

أيها الإخوة: ومما ينجي من عذاب القبر: القتل في سبيل الله، روى راشد بن سعد عن رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن رجلاً قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: “كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة“[النسائي (2052) وصححه الألباني]، وقوله- عليه السلام- في الشهيد “كفي ببارقة السيوف على رأسه فتنة” معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الزحفان، وبرقت السيوف: فروا لأنه من شأن المنافق الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن: البذل والتسليم لله نفساً، وهيجان حمية الله والتعصب له لإعلاء كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟ قاله الترمذي الحكيم.

قال القرطبي: وإذا كان الشهيد لا يفتن، فالصديق أجل خطراً وأعظم أجراً، فهو أحرى أن لا يفتن لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، وقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهيد أنه لا يفتن، فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه ومن الشهيد؟ والله أعلم.

وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عظمة منزلة الشهيد، وذكر من فضائله النجاة من عذاب القبر، فعن عبادة بن الصامت-رضي الله عنه- عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: “إن للشهيد عند الله سبع خصال: أن يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه“[ابن ماجه (2799) وصححه الألباني] فما أعظم الشهادة وما أجمل أجور الشهداء.

نسأل الله حسن الخاتمة وأن يجعل أسعد أيامنا يوم نلقاه، ونسأله أن يرزقنا منازل الشهداء، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله: فأوصيكم بتقوى الله وطاعته وأحذركم من معصيته ومخالفته.

عباد الله: ومما ينجي من عذاب القبر: أن يعتاد العبد على أذكار وأقوال تنجي من ذلك العذاب، ومن ذلك أن يتعاهد قراءة سورة الملك، كما صح عن عبد الله بن مسعود قال: “يؤتى الرجل في قبره، فتؤتى رجلاه، فتقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل؛ كان يقرأ علي سورة الملك، ثم يؤتى من قبل صدره، أو قال بطنه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل، كان أوعى في سورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه، فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل، كان يقرأ بي سورة الملك، فهي المانعة: تمنع عذاب القبر، وهي في التوراة. سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب” [رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (1475)].

وعن ابن عباس-رضي الله عنه- قال: “ضرب بعض أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة ﴿تبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]، حتى ختمها فأتى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إني ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: “هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر” [الترمذي(2890) وقال: حسن غريب، وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي(6/36): صحيح، وصحح الألباني جملة (هي المانعة) دون بقية الحديث].

عباد الله: ومما ينجي العبد من العذاب في القبر: من مات بمرض البطن حتى يقتله بطنه، فقد روى جامع بن شداد قال: سمعت عبد الله بن يسار يقول: كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلا توفي، مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهداء جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: “من يقتله بطنه، فلن يُعذّب في قبره“، فقال الآخر: “بلى” [النسائي (2051) وصححه الألباني].

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن من يموت بأي مرض يكون شهيدًا، واستدلوا بأحاديث عامة لجميع الأمراض وهي ضعيفة، وعلى فرض صحتها فقد قيدتها قوله في الحديث الآخر: “من يقتله بطنه“، وفيه قولان: أحدهما: أنه الذي يصيبه الذرب وهو الإسهال، تقول العرب: “أخذه البطن إذا أصابه الداء، وذرب الجرح إذا لم يقبل الدواء، وذربت معدته فسدت“.

الثاني: أنه الاستسقاء وهو أظهر القولين فيه، لأن العرب تنسب موته إلى بطنه تقول: قتله بطنه يعنون: الداء الذي أصابه في جوفه، وصاحب الاستسقاء قل أن يموت إلا بالذرب، فكأنه قد جمع الوصفين، والوجود شاهد للميت بالبطن أن عقله لا يزال حاضراً، وذهنه باقياً إلى حين موته، ومثل ذلك صاحب السل إذ موت الآخر إنما يكون بالذرب، -وليست حالة هؤلاء كحال من يموت فجأة-، فتغيب عقولهم لشدة الآلام، ولزوم أدمغتهم، ولفساد أمزجتها، فإذا كان الحال هكذا فالميت يموت وذهنه حاضر وهو عارف، والله أعلم.

عباد الله: ومما ينجي من عذاب القبر: الموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: “ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله تعالى فتنة القبر” [الترمذي (1074) وحسنه الألباني، وصححه في صحيح الجامع(5773)].

عباد الله: ومما ينجي المرء من عذاب القبر -بإذن الله- أن يكون العبد مستعدًّا للموت مشمرًا له، حتى إذا فاجأه الموت لم يعض أصبع الندم، ومن الاستعداد للموت الإسراع في التوبة، وقضاء الحقوق، والإكثار من الأعمال الصالحة، فبالإيمان والصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد وبر الوالدين وصلة الأرحام، وذكر الله -عز وجل- وغيرها من الأعمال يحفظ الله عبده المؤمن، وبها يجعل الله له من كل ضيق فرجًا، ومن كل هم مخرجا وقد أخبر الرسول -عليه الصلاة والسلام- أن الأعمال الصالحة تحرس الإنسان في قبره.

يقول ابن تيمية في الحديث المشهور عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: “إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدق والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل، فيقال له: اجلس، قد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب.

فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم، ما تقول فيه؟ فيقول: دعوني، حتى أصلي، فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه، فقال: عم تسألون ؟ فيقولون: ما تقول في هذا لرجل الذي كان فيكم، ما تشهد به؟ فيقول: أشهد أنه رسول الله وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله تعالى، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: ذلك مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورا، ثم يفتح له باب من أبواب النار، فيقال: ذلك مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها لو عصيت الله، فيزداد غبطة وسرورًا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له فيه، ويعاد جسده كما بدئ، وتجعل نسمته في نسم الطيب، وهي طير تعلق في شجر الجنة” [وقال في مجموع الفتاوى (5/448) : مشهور].

أيها الإخوة: والاستعاذة بالله من عذاب القبر مما ينجي العبد من عذابه؛ فإنه لما كانت فتنة عذاب القبر من الأهوال الكبار، والشدائد العظيمة، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يستعيذ من ذلك في صلاته وفي غير الصلاة، وكان يأمر أصحابه بذلك. فعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو فيقول: “اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات” [البخاري (2823) ومسلم(2706)].

وعن عائشة -رضي الله عنه- أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: “اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر، وعذاب القبر” [البخاري (6368)]، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول لأصحابه: “تعوذوا من عذاب القبر“، فيقولون: “نعوذ بالله من عذاب القبر” [مسلم (2867)] وكان يقول لهم: “استجيروا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق” [الطبراني في الكبير (243) وصححه الألباني في صحيح الجامع (932)]، وكان يأمرهم أن يستعيذوا من أربع فيقول: “استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من جهنم، استعيذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، استعيذوا بالله من فتنة المحيا والممات“[ البخاري في الأدب المفرد (648) وصححه الألباني].و

كان يأمرهم بالاستعاذة في الصلاة بعد التشهد من عذاب القبر، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :”إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع. يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال“[مسلم(588)].

واعلم- رحمك الله- أن هذه المنجيات لا تعارض فتنة القبر، بل تخصصها وتبين من لا يُسأل في قبره ولا يفتن فيه، ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد- صلى الله عليه وسلم-، وقد روى ابن ماجه في سننه عن جابر عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال:”إذا دخل الميت القبر، مثلت الشمس عند غروبها، فيجلس يمسح عينيه ويقول: دعوني أصلي” [ ابن ماجه (4272) وحسنه الألباني] ولعل هذا ممن وُقِي فتنة القبر فلا تعارض، والحمد لله.

فتذكروا -رحمكم الله- حلول ساعة الاحتضار بكم، وحاسبوا أنفسكم: ماذا عملتم فيما مضى؟! وماذا عساكم أن تعملوا فيما بقي؟! وتذكروا: كم ودعتم من إخوة وأحبة وأقربين؟! وكم واريتم في الثرى من أصدقاء وأعزة ومجاورين؟! واعلموا أن الموت الذي تخطاكم إليهم سيتخطى غيركم إليكم، فإلى متى الغفلة يا عباد الله؟! فأكثروا من تذكر الموت، وأحسنوا الاستعداد له.

أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، وأن يحسن لنا الختام، وألا يتوفانا إلا وهو راضٍ عنا، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيمًا.  اللهم اغفر لنا جميع ما سلف منا من الذنوب، واعصمنا فيما بقي من أعمارنا ووفقنا لعمل صالح ترضى به عنا. اللهم يا سامع كل صوت، ويا بارئ النفوس بعد الموت، يا من لا تشتبه عليه الأصوات، يا عظيم الشأن، يا واضح البرهان، يا من هو كل يوم في شأن، اغفر لنا ذنوبنا إنك أنت الغفور الرحيم.

اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينا ما علمت الحياة خيرًا لنا وتوفنا إذا كانت الوفاة خيرًا لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك نعيمًا لا ينفد ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ونسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.