حقيقة الموت

عناصر الخطبة

  1. أوفى ما يوصف به الإسلام
  2. مقومات الحياة الطيبة الهانئة
  3. النظر الصحيح للموت
  4. أسرار الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود
  5. للعقل أن يعمل في حدوده؛ فلا جدوى من الخبط في التيه
  6. من الحقائق التي قررّها القرآن في أمر الموت
  7. كراهية الموت أمر فطري
  8. طول العمر أو قِصرَه ليس خيرًا كلُّه أو شرًّا كله
  9. ذكر الموت يزهد في ملذات الدنيا
اقتباس

الموت قدرٌ مقدورٌ وقضاءٌ محتوم، وأن لكل أجلٍ كتابًا، وأن أحدًا مهما بلغ في العلم والقوة والغنى فلن يستقدم عن أجله ساعةً ولن يستأخِر، والإيمان بهذه الحقيقة يمنحُنا طُمأنينةً بأن الخوف والحرص لا يطيل أجلاً، وأن الشجاعة والإقدام لا يقصِّر عمرًا. إن الموت قضاء محتوم، وسُنةٌ ماضية في الخلق جميعًا، وليس داءً يُبحثُ له عن دواءٍ يُستطاب به، فـ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، و﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ..

أيها المسلمون: من أوفى ما يوصف به الإسلام أنه دينُ هدايةٍ… غير أن هدايته لا تقتصر على الدلالة إلى العبودية الحقة لله، أو الهداية إلى أحسن الأخلاق، فهدايته أوسع من ذلك وأوفى، فقد هدانا – كذلك – إلى مقومات الحياة الطيبة الهانئة، وإلى التصور الصحيح للنفس والكون والحياة، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(16)﴾ [المائدة: 15 – 16].

والموت سنةٌ ماضية، هدانا الإسلام إلى الموقف الصحيح منه نظرًا وشعورًا، وإلى التصور الصحيح لحقيقته اعتقادًا وفِكرًا، ولفت عقولنا وقلوبنا إلى حيث يجب أن تلتفتَ إليه من حقائقه، وأوقفها حيث يجب عليها أن تقف.

وما أعظمها من هداية حين نرى غيرَنا قد ضلوا عن النظر الصحيح للموت، ما بين طالبٍ له تخلصًا من شقاء الحياة، وهاربٍ منه قد أحاط به القلق والوساوس، وقافٍ لما لم يحط بعلمه من أسرار الموت وخفاياه، يستكشفها فلا ينكشف له إلا عجزه وضعفه، فيتيه في تخرصاتٍ وفلسفات رجمًا بالغيب.

قد علمنا أن الموت هو مفارقة الروح للجسد، ولكن هذه الروح التي تسكن أجسادنا والتي تقوم بها حياتنا، ما هي؟ وأين مكانها من الجسد؟ وكيف يكون خروجها؟

أسئلة قد ترد على خواطرنا، فتحار عقولنا في الجواب عنها، وربما تشاغل أناس بالبحث عن أجوبة هذه الأسئلة، يستغرقون وقتًا طويلاً بحثًا عن الحقيقة، فإذا بهذه الإجابات لا تُجاوِزُ حدود الظنون والتخرصات، وإذا بالأذهان قد كُدَّتْ، والأوقاتِ قد ضيِّعتْ، والجهود قد بُدِّدتْ…ولكن في غير طائل، وإذا البصر ينقلب إليه بعد عناء التتبع خائبًا وهو حسير… ويا له من تيه وضلال وضياع!!!

أما المؤمن الذي ينظر بنور الله، ويهتدي بهديه، فقد أراحه القرآن من هذا العناء اللاغب، ووفّر عليه هذا الجهد فيما هو أجدى، وصرفه إلى ما هو أولى، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].

فالروح غيب من غيب الله، وسِرٌّ من أسراره القدسية، أودعها سبحانه هذا المخلوقَ الضعيف. والقرآن يعلمنا أن أسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود، وما جهله أعظم مما علمه من هذا الوجود الواسع ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].

إن العلم بهذه الأسرار لا ينفع في دنيا ولا دين، وإن الجهل بها لا يضر، ولو كان العلم بهذه الأسرار المخبّأةِ ينفع؛ إذًا لكشف الله لنا علمَها. والمنهج الذي سار عليه القرآن – وهو المنهج الأقوم – أن يجيبَ الناس عما هم في حاجة إليه.

وفي هذا تربية وتوجيه للعقل أن يعمل في حدوده. فلا جدوى من الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه.

ومن الحقائق التي قررّها القرآن في أمر الموت: أن الموت قدرٌ مقدورٌ وقضاءٌ محتوم، وأن لكل أجلٍ كتابًا، وأن أحدًا مهما بلغ في العلم والقوة والغنى فلن يستقدم عن أجله ساعةً ولن يستأخِر، والإيمان بهذه الحقيقة يمنحُنا طُمأنينةً بأن الخوف والحرص لا يطيل أجلاً، وأن الشجاعة والإقدام لا يقصِّر عمرًا.

إن الموت قضاء محتوم، وسُنةٌ ماضية في الخلق جميعًا، وليس داءً يُبحثُ له عن دواءٍ يُستطاب به، فـ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، و﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88].

والقرآن بتقرير هذه الحقيقة البسيطة يطلق النفس من عقال الشح والحرص، ويحرّرُها من مشاعر الفزع والقلق، وينقلها من التشاغل بالخوف من الموت، أو الانشغالِ بالبحث عن (إكسير الحياة)، ينقلها من ذلك إلى الانشغال بما هو أنفع لها في أمور دينها ودنياها.

إن كراهية الموت أمر فطري، فالنفس بطبيعتها تحب الحياة وتكره الموت، لكن ثمةَ فرقٌ بين كراهية طبيعية فطرية، وبين كراهيةٍ مُفرطةٍ تبعث على القلق من الموت والفزع من ذكره، وتُنبت في القلب مرضَ الجُبنِ والذل.

جاء في الحديث الصحيح: "من أحب لقاء الله أحبّ اللهُ لقاءه، ومن كرِه لقاء الله كره الله لقاءه". فقالت عائشة: إنا لنكره الموت. فقال: "ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله، وأحب اللهُ لقاءه. وإن الكافر إذا حُضِر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيءٌ أكرهَ إليه مما أمامه، كرِهَ لقاءَ اللهِ فكره اللهُ لقاءه" متفق عليه.

وإذا كان الموت سنة ماضية في الخلق كلهم، فأيُّ معنى في التخويف والإنذار به؟! إن التخويف بالموت والإنذار به خطأ يقع فيه من يتجاهل سنن الله ويجهل طريقة الشرع في الإنذار والتخويف.

ولم يأتِ في نصوص الشرع دليلٌ واحد يُنذِرُ الناس الموت، أو يخوِّفُهم به، إنما جاء فيها التذكيرُ به، وأنه حتم لا مردّ له؛ ليجلِّي للنفوس حقيقةَ الدنيا، وأنها ظل زائل، ومُقامٌ مُرتحلٌ عنه؛ ليرفع بهمة النفوسِ عن الإخلاد إلى الأرض والرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(8)﴾ [يونس: 7 – 8].

فالتخويفُ لا يكون بحقيقة الموت، إنما التخويف والموعظة في سوء الخاتمةِ، بأن يجيءَ الموتُ في صورة عذابٍ وانتقام، وفي مباغتته للمرء على حين غِرة فيقطع عليه طريق التوبة، يطلب الإقالة ويتمنّى الرجعة فلا يجاب إليها، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾ [المؤمنون: 99- 100]، ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(11)﴾ [المنافقون: 10- 11].

قال ابن القيم: "النوح على الحياة، والتخويف بالموت أمر لا يحصِّل في القلب إيمانًا بالله، ولا توحيدًا له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه؛ فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدةً غير أنهم يموتون، وتُقسم أموالهم، ويُبلي الترابُ أجسامَهم، فيا ليت شعري أي إيمانٍ حصل بهذا؟ وأي توحيدٍ ومعرفةٍ وعلمٍ نافعٍ حصل به؟!"

اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها، وخيرَ أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير عضبان.

الخطبة الثانية:

أما بعد: فإن من الحقائق التي قررها الشرع في شأن الموت والحياة: أن طول العمر أو قِصرَه ليس خيرًا كلُّه، إنما ذلك بحسب حال العبدِ في الأمرين، فطول العمر خيرٌ وبركةٌ لمن عمر حياته بالطاعة فلم تزده الأيام إلا تقرّبًا إلى الله، وطول العمر شرٌ لمن لم تزده الأيام إلا إثمًا وتفريطًا في جنب الله، سئل صلى الله عليه وسلم أيّ الناس خير؟ فقال: "من طال عمره وحسن عمله، فقيل: فأي الناس شر، فقال: من طال عمره وساء عمله". ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: 178].

وقد يكون في تعجيل الموت خيرٌ للعبد أو رحمةٌ لأهله، فقد يقبض الله روح عبده المؤمن وهو بعدُ في زهرة الشباب؛ لعلمه سبحانه أن أمامه فِتنًا لو أدركها لسقط فيها وتردّى في أوحالها، فكانت شرًّا له في دينه، فتأتيه رحمة الله سبحانه؛ لتصرفها عنه وتصرفَه عنها.

أو هو رحمةٌ لوالديه وإن جزعا عليه وهو في عمر الشباب؛ إذ لو كُشف لنا سِترُ الغيب لرأينا بقاء هذا الولد فتنةً لوالديه في دينهما، بأن يحملَهما حبه على أن يطيعاه ويتبعاه في طريق الضلال، أو على أن يُقصرا في منعه عنه، ولكن الناس لا يرون إلا ما ظهر لهم، ويشهد لهذا ما جاء في قصة الخَضِرِ مع موسى عليهما السلام حين قتل الخَضِرُ الغلام، فنبأهُ بتأويل ذلك فقال: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا(81)﴾ [الكهف: 80- 81].

لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت؛ لأن المرءَ لا يدري أين تكون الخِيرة: أفي طول العمر أم في قصره: "لا يتمنى أحدكم الموتَ لضُرٍّ نزل به، فإن كان ولا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي"، وفي الدعاء المأثور: "وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضني إليك غيرَ مفتون".

وخير من الدعاء بطول العمر الدعاءُ ببركته وعمارته بالطاعة، فإن طول العمر إن لم يزده طاعة وقربى إلى الله، فإنه لن يزيده من الله إلا بعدًا. سمع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رجلاً يشهد عليه زورًا وظلمًا بأنه لا يسير في السرية ولا يقسم بالسوية ولا يعدل بين الرعية، فيرى من الدعاء عليه أن يدعو عليه بأن يطيل الله عمره ليستعرض مزيدًا من الفتن والبلاء، فيقول – وهو المجاب في دعائه -: "اللهم إن كان عبدك هذا قام مقام رياء وسمعة فأطل عمره وأدم فقره وأعم بصره وعرّضه للفتن"، فعمر الرجل طويلاً قد سقط حاجباه على عينيه حتى كان يقف في الطريق فيغمز الجواري، ويقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد.

وحسبنا أن يكون ذكر الموت مزهدًا لنا في ملذات الدنيا… يردها إلى حجمها الطبيعي الذي يجب ألا تتجاوزه في أنظارنا، وأن يكون ذكر الموت حاضًّا على الطاعة صارفًا عن الإصرار على المعصية، حاضًّا على الاستعداد للموت في كل لحظة بالتوبة النصوح والعمل الصالح، وعلى الإلحاح في الدعاء بحسن الخاتمة، اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك.

اللهم صل..