خطبة عيد الأضحى المبارك 1435هـ (مدرسة الحج تصنع التفاؤل

عناصر الخطبة

  1. محن وفتن نزلت بالأمة
  2. التفاؤل في زمن المِحَن
  3. ثمرات حسن الظن بالله تعالى
  4. صُوَر من الفأل في مناسك الحج
  5. الحج وتعميق أواصر الأخوة بين المسلمين
  6. الحج رحلة التوحيد الكبرى
  7. الثقة واليقين بانتصار دين الله رب العالمين
  8. سمات التفاؤل الإيجابي
  9. الأضحية وتعظيمِ شعائرِ الله.
اقتباس

من مشاهدِ التفاؤلِ المستفادةِ من مدرسةِ الحجِّ: دورُهُ العميقُ في غرسِ عقيدةِ التوحيدِ للهِ ربِّ العالمينَ، ولن يكون للأمةِ سَنَاءٌ ولا رِفْعَةٌ إلا بتحقيقِ أعظم حقٍّ للهِ –تعالى-، ولنْ تعتزَّ الأمةُ وتنتصرُ تحتَ دعوةٍ عَمِيَّة، أو رايةٍ بدعية.. وقلبوا النظرَ في مساربِ التاريخِ لتروا أنَّ عزَّ هذه الأمةِ وانتصارَها ودفاعَها عن مقدَّساتِها لم يَقُمْ بيدِ أهلِ الطُرُقِ الصوفية، ولم يكنْ على يدِ أصحابِ الفِرَقِ الباطنية، وإنما قام به رجالاتٌ حققوا التوحيدَ في الضمائر، وانعكس أثرُ هذا في واقعهم بالدعوة إليه، والتحذير من ضدِّه

الخطبة الأولى:

أَحْدَاثٌ وتَقَلُّباتٌ، وغِيَرٌ ومُفاجآت، مِحَنٌ عِظَامٌ، ونَوازل جِسامٌ.

مَصَائبُ في إِثْرِ مَصَائب، وأَحْزَانٌ تَعْقُبُها أَحْزَانٌ، ووضعٌ لأهلِ الإسلامِ لا يَسُرُّ.

قَتْلٌ مُباحٌ، وعِرْضٌ مُسْتَبَاحٌ، وانْتِهاكٌ للحقوقِ كلَّ صَباح.

أعداءٌ مُتصالحونَ، وقَتلةٌ مُتواطِئُونَ، وكَذَبَةٌ لا تُحَرِّكُهم إلا لغةُ الأطماعِ والمصالحِ.

ونِيرانُ الحروبِ يَزدادُ شَرَرُها، ولا تُعلم نِهايتُها، وفِرَقٌ بدعيَّةٌ تَتَنَفَّسُ كُرْهاً، وتُخطِّطُ للتَّنْفِيسِ عن هذا الحِقدِ.

لِنَتَجَاوزْ حديثَ الآلامِ، ولنطوي صفحاتِ الأحزانِ، فلنْ نُعَكِّرَ فرحةَ العِيد بِتَعْدَادِ المآسي، فلكلِّ حالٍ مَقال.

ولكنْ دَعُونا مع فرحةِ يومِ الشَّعَائِرِ نفتحُ صفحةً غائبةً عن المشاعِرِ، أنْ نتعبَّدَ اللهَ بإِحْسَانِ الظِّنِّ به سبحانه، وذلك من خِلالِ التَّفَاؤُلِ الحَسَنِ.

فـ(اليأْسُ يَقْطَعُ أَحْيَاناَ بِصَاحِبِهِ *** لا تَيأسـنَّ فإنَّ الفـارجَ اللهُ

اللهُ يُحْـدِثُ بَعْدَ العُسْـرِ مَيْـسَرَةً *** لا تَجْزَعَنَّ فإنَّ الكـافيَ اللهُ

واللهِ مَـالَكَ غَـيرُ اللهِ مِنْ أَحَـدٍ *** فَحَسْبُك اللهُ، في كلٍ لكَ اللهُ

الحمدُ للهِ شُكْـراً لا شـريك له ***ما أَسْرَعَ الخَيْـرَ جدّاً إنْ يشأ اللهُ

التَّفاؤلُ يا أهلَ الإيمانِ شُعُورٌ وِجْدَانيٌ جَميل، يُعالجُ الفِكْرَ، ويُكَافِحُ هَوَاجِيْسَ التَّكَدُّرِ، وأَشْبَاحَ المَخَاوفِ.

التَّفَاؤُلُ فيه انْتِصَارٌ للنفسِ التَّوَّاقَةِ على النَّفْسِ الخَوَّارَةِ.

التَّفَاؤُلُ يَسْتَجْلِبُ العَمَلَ، ويَطْرُدُ الكَسَل الذي نَمَى وتَرَعْرَعَ مع التَّشَاؤُمِ.

بالتفاؤلِ يُصَبِّرُ المرءُ نفسَهُ على مُرِّ القضاءِ، ويَتَعَبَّدُ للهِ بانتظارِ الفَرَجِ والرَّجاءِ.

وإذا تجذَّرتْ شجرةُ التفاؤلِ في قِيْعَانِ القلوبِ أَوْرَثَتْ طَمأنينةً، وأَشرقتْ نُوراً، لِيُحْرِقَ هذا النورُ كلَّ ظلامٍ دَامسٍ صَاغَهُ الكسلُ، ونَسَجَهُ التَّشَاؤُم.

فلقد كان حبيبُكم وقدوتُكم -صلى الله عليه وسلم- كثيراً ما تَتَحرَّكُ بين جَوانِحِه خلجاتُ الفألِ، فكان يعجبه الفأل، وكان يتفاءل حتى في شدة الأزمات.

اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ وللهِ الحمد.

إخوة الإيمان: ونحن نُعايشُ شعيرةَ الحجِّ لعلَّ مِنَ المناسبِ أنْ نَتَحَسَسَ صُورَ الفأْلِ في هذا المنْسَكِ الرَّبَاني المبارَكِ، ففي مدرسةِ الحجِّ من الخيرِ لهذه الأمةِ ما يَجْعلُ القلبَ يَنْبُضُ فَأْلاً وأَمَلاً. (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21].

– أولى صُورِ الفَأْلِ من مَشْهَدِ الحجِّ: هو بقاءُ هذا الدِّين.

وهل بقاءُ الدِّين إلا بِبَقاءِ شَرائعِه الظاهرةِ، فشعيرةُ الحجِّ فَريضةٌ ضاربةٌ في أَعْماقِ الزَّمانِ، أذَّنَ الخليلُ -عليه السلامُ- بالناسِ بالحج، فأُستجيبَ لندَائِه، فحجَّ الأنبياء مع أمَمِهِم وثجَّوا، ولبَّوا وعجَّوا.

ولا زالتْ تلك الفريضةُ تهفوا القلوبُ لها، وتَسيرُ الرَّواحِلُ إليها، مؤذنةً ببقاءِ هذا الدينِ ولو كره الكافرون.

يقولُ أحدُ المنصرينَ -متحدِّثاً عن تجربتِه مع التنصيرِ في البلدانِ الإسلاميةِ-: "سيَظَلُّ الإسلامُ صخرةً عاتيةً تتحطَّمُ عليها سفنُ التبشيرِ المسيحي ما دامَ للإسلامِ هذه الدعائمُ: القرآنُ، واجتماعُ الجمعةِ الأسبوعي، ومؤتمرُ الحجِّ السنوي".

– ومِنْ صُورِ التَّفاؤلِ في شعيرةِ الحجِ: مَشْهدُ الوحدةِ والتوحدِ بين الحجيج، وكأنَّما الحجُّ هو محفلٌ عالميٌ يَجمع شتات المسلمين، الذين تَباعدتْ دِيارهم، واختَلفتْ لغاتُهم، وتَعددتْ أجناسُهم، ورُغمَ هذا التباين إلا أنَّ الحجَّ جمَعَهُمْ ليوحدَ مشاعِرَهُم وشِعَارَهم، ويُوحدَ مَقْصِدَهم وهِتَافَهُم.

ففي الحج تجسيدٌ عمليٌّ لقول المولى عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].

والله لو عملتْ الأمَّة ما عملتْ، وبذَلت ما بَذَلَتْ على أنْ تجتمع في مكانٍ واحدٍ، وهدف واحد، وكلمة واحدة لما استَطاعَتْ أنْ تجتَمِع بمثْل اجتماعِها في هذا المحفل المشهود.

يقول أحد الغربيين: "إذا اتَّحد المسلمون أمكن أن يُصبحوا لعنة على العالم وخطراً، أو أمكن أن يصبحوا أيضاً نعمة له، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير"ا.هـ.

وأمةُ الإسلامِ يُصيبها من البلاءِ والهوانِ بِقَدْرِ تَفرُّقِها وبُعْدِها عن نهجِ نبيِّها -صلى الله عليه وسلم- فيأتي الحجُّ فيعطي تلك الأجيالَ دروساً عمليةً في الاجتماعِ والتأسي.

– ومن مشاهدِ التفاؤلِ المستفادةِ من مدرسةِ الحجِّ: دورُهُ العميقُ في غرسِ عقيدةِ التوحيدِ للهِ ربِّ العالمينَ، وهلْ جُعِلَ قَصْدُ البيتِ العتيقِ إلا مِنْ أجلِ تحقيقِ التوحيدِ ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: 26].

وتأملْ معي منسكَ الحج تجدُ التوحيدَ مركوزاً في شعائِرِهِ ؛ ففي البدايةِ شُرعِ للحاجِّ أنْ يَسْتَهِلَّ نُسُكَهُ بالتلبيةِ، وهي شعارُ التوحيد.

وشُرع للحاجِ أنْ يقرأَ في ركعتي الطوافِ بعد الفاتحةِ بسورتي الإخلاصِ والكافرون.

وشُرعَ للحاجِ التهليلُ عند صعودِ الصفا والمروة.

ومنْ أجلِ تحقيقِ التوحيدِ كان خيرُ الدعاءِ يومَ عرفةَ أن يقال: "لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، يُحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير".

ولأجلِ التوحيدِ شُرِعَ للحاجِ إفرادُ اللهِ –سبحانه- بالدعاءِ في مواطنَ كثيرةٍ: عند الطواف والسعي، وفي أثناءِ الوقوفِ بعرفة، وعند المشعرِ الحرامِ، وفي مزدلفة، وبعدَ الفراغِ مِنْ رمي الجمرةِ الصُّغْرى والوسطى في أيامِ التشريق.

شُرِعَ الدعاءُ في هذه المواقفِ الستةِ لتعليقِ القلوبِ بالله، وإفرادِه بالدعاء، والالتجاءِ والافتقارِ إليه وحده، والاستغناءِ عمن سواه.

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمه الله-: فالمقصودُ من الحجِّ: عبادةُ اللهِ وحدَه في البقاعِ التي أَمَرَ بعبادتِه فيها؛ ولهذا كان الحجُّ شعارَ الحنيفية، حتى قال طائفةٌ من السلف: ﴿حُنَفاءَ لله﴾ أي: حُجَّاجاً. ا.هـ.

ولن يكون للأمةِ سَنَاءٌ ولا رِفْعَةٌ إلا بتحقيقِ أعظم حقٍّ للهِ تعالى، ولنْ تعتزَّ الأمةُ وتنتصرُ تحتَ دعوةٍ عَمِيَّة، أو رايةٍ بدعية..

وقلبوا النظرَ في مساربِ التاريخِ لتروا أنَّ عزَّ هذه الأمةِ وانتصارَها ودفاعَها عن مقدَّساتِها لم يَقُمْ بيدِ أهلِ الطُرُقِ الصوفية، ولم يكنْ على يدِ أصحابِ الفِرَقِ الباطنية، وإنما قام به رجالاتٌ حققوا التوحيدَ في الضمائر، وانعكس أثرُ هذا في واقعهم بالدعوة إليه، والتحذير من ضدِّه.

وفي زُبُرِ القرآنِ وَعْدٌ للأمةِ بالعزِّ والتمكين، ولكنَّه مشروطٌ بتحقيقِ التوحيدِ أولاً، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]، فيأتي الحج ليبعث الأمل، وليعطي الأمة دروساً في تحقيق هذا التوحيد.

– ومن معالمِ التفاؤلِ في شعيرةِ الحَجِّ : التغيير.

نفوسُ البشرِ لا تَنْفَكُّ عن بشريتها، فالخطأُ والتقصيرُ لازمٌ عليها، والغفلةُ والهوى يتعاقبانِ فيها ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، فتفتحُ مدرسةُ الحجِ أبوابَها فتغيرُ أهلَها من حالٍ إلى حال، من الإعراضِ إلى الإقبالِ، من التثاقلِ عن الطاعاتِ إلى النشاطِ في طلبِ المرضاتِ، من فتورِ اللسانِ إلى العجِّ بالذكرِ والتلبية.

ولذا نرى الحاجَ يعودُ بعد رحلتِه الإيمانيَّةِ بِنَفْسٍ غيرَ التي ذَهَبَ بها؛ لأنه تلقى دروساً عمليَّةً مركَّزةً في التسليمِ للهِ والانقيادِ لشرعه، والاشتغالِ بذكره عما سواه، فانعكس ذلك على إيمانِه ووجدانِه، وأخلاقِه، ومظهرِه، ومخبَرِه.

ولا شك أن عودةَ هذه الملايينَ متغيرةً أحوالُهم، زاكيةً نفوسُهم هي حالٌ تَسُرُّ المؤمنينَ، ومَنْظر يَبعث على الفرحِ والتفاؤل، فلم ولنْ يَتغيرَ حالُ الأمةِ إلا إذا تغيرتْ حالُ أفرادِهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ وللهِ الحمد.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم…

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ الذي اهتدَى بفضلِه من اهتدى، وضلَّ بعدلِه من غَوَى، والصلاة والسلام على من بَعثَه ربُّه هادياً فما نَطَقَ عن الهوى، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اجْتَبى.

أمَّا بعد: في خَيْفِ بَنِي كِنانةَ بالمُحَصَّب، -ويَسمَّى اليوم بالمَعَابدة- اجتمعتْ أفخاذُ قريشٍ وتَعاقدوا وتَعاهدوا على مقاطعةِ بني هاشمٍ وبني المطلبِ، فلا يُبايعوهم ولا يُناكحوهم حتى يُسْلِمُوا إليهم محمداً..

إنها تَآمُرَاتٌ أرضية لإطفاءِ نورِ اللهِ، ولكنْ يَأْبَى اللهُ إلا أنْ يُتِمَّ نورَه ولو كَرِهَ الكافرون.

ثُمَّ لمْ يَكَدِ الزَّمانُ يَغْفُو إغفاءَةً، وما هي إلا سُنيَّاتٍ مَعْدوداتٍ، إلا وهذا المكانُ الذي تَحالف فيه الكفرُ يَشْهَدُ مُنْصَرَفَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- من حجةِ الوداع، ليقفَ في هذا المكانِ والألوفُ ترمقه، والمهجُ تَفْدِيه، فيصلي فيه الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ، لِتَعْلَمَ البشريةُ أنَّ اللهَ غالبٌ على أمرِه ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون.

فأبشروا يا أهلَ الإسلامِ فدينُكم باقٍ ومَنصور، وأمَّتُكم هي الأكرمُ والأعلى، ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].

وسنةُ اللهِ ماضيةٌ أنْ يَبْقى العداءُ لهذا الدينِ وأهلِه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31]، فكم تَأَلَّبَ على الإسلامِ من أَلْفٍ وأُلُوفٍ من أمثالِ أبي لهبٍ، وابنِ سبأٍ، وابنِ سلول، فَنَفَقُوا وذَهَبُوا، وبقي هذا الدِّين وما ذهب.

يا ناطحَ الجبلِ العالي لِيَثْلِمَهُ *** أَشْفِقْ على الرأسِ لا تُشْفِقْ على الجبلِ

نَعَمْ.. قد ذاقتْ أمَّةُ الإسلامِ مَراراتِ الهوانِ مَرَّاتٍ ومَرَّاتٍ، ولكنَّها أمَّةٌ تَمْرضُ ولا تَموتُ، تَعُودُ ولا تُودِّع، لأنَّ اللهَ اختارَها لأنْ تَبقى، ويَبقى دينُها وقرآنُها إلى أنْ يرثَ اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].

وأخيراً -عباد الله- لِنعلمَ أنَّ التفاؤلَ بِغَلَبَةِ أمرِ اللهِ وإعزازِ دينه، ليسَ هو مجرد شُعورٍ في الضميرِ، وأمنياتٍ في الوجدانِ بلا عمل، بل هو مُعْتَقَدٌ رَاسِخٌ، يَزِيْدُ الإيمانَ، ويُورثُ العَمَلَ، كما قال سبحانه : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].

هذا هو التفاؤل الإيجابي الذي ينزل فيه المسلمُ لميدَانِ العملِ للدِّين؛ المتعلمُ بعلمه، والتاجرُ بماله، والكاتبُ بقلمه، لا التفاؤل السلبي الذي يخلد إلى الأمنيات والمنامات.

فإن كنت يا عبدَ اللهِ من المتفائلينَ حقاً فحدِّدْ مَوْقِعَكَ في قافلةِ العاملين بما آتاك الله من فضله، وسخَّر لك من مواهب، ولا تحقرن من العمل والمعروف شيئاً.

اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا الله، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ وللهِ الحمد.

عباد الله: ضَحُّوا تقبل اللهُ ضحاياكم، وكلُوا منها،وتصدَّقُوا، وتهادوا، وأحيوا سنَّة أبيكم إبراهيم، واعلموا أنَّ الاهتمامَ بالأُضْحِيَة، وتَذْكِيتَها على الوجه المشروعِ، والحرصَ على تطبيقِ السُّنَّة فيها لهو من تعظيمِ شعائرِ الله، وهو عمل صالح موصل للتقوى، يحبه الله ويرضاه، ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].

بطاقة المادة

المؤلف إبراهيم بن صالح العجلان
القسم خطب الجمعة
النوع مقروء
اللغة العربية