الإخلاص لله

عناصر الخطبة

  1. معايشة الصحابة للأحاديث النبوية وفهمها
  2. أول من تسعر بهم النار
  3. الإخلاص شرط لقبول العمل
  4. تفاضل منازل الناس
  5. كم من أعمال لا نرجو بها وجه الله!!
  6. قصص ومواقف رائعة من حياة سلف الأمة وإخلاصهم لله
  7. الحث على الإخلاص والتحذير من الشرك
اقتباس

عملهم باطل، صلاتهم باطلة لا تُقبل، لأنه لم يقصد وجه الله بها، صدقته باطلة وإن أنفق المال ونقص من ماله، لكنه لا تُقبل صدقته؛ لأنه ما كان يريد بها وجه الله، كفالته لهذا اليتيم باطلة، دفعه لإيجار هذا الإنسان الضعيف ومساعدته لفلان وشرائه الشيء الفلاني للمسجد كل هذا باطل؛ لأنه لم يكن يقصد ويريد وجه الله والدار الآخرة ..

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جَلَّ عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصَّر به من الجهالة، وجمع به بعد الشتات، وأمَّن به بعد الخوف، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، ما اتصلت عين بنظر، ووعت أذن بخبر، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أيها الإخوة الكرام: روى الإمام البخاري في صحيحه والإمام مسلم والترمذي عن شفي الأصبحي رحمه الله تعالى قال: دخلت المدينة يومًا فرأيت رجل قد ظلل الناس حوله يسألونه، قال فنظرت فإذا هو أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، قال فتحينت حتى إذا تفرق الناس عنه أقبلت عليه، وقد جلس في ناحية من المسجد، قال: "فقلت له: يا أبا هريرة قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذهبت معه وجئت، يا أبا هريرة فحدثني بحديث سمعته أنت وعقلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معكما أحد غيرك وغيره..

قال: فقال أبو هريرة: لقد صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت منهم وسوف أحدثك بحديث سمعته من النبي عليه الصلاة والسلام ليس معي ولا معه أحد غيرنا، قال سمعت النبي يقول: «إن الله تعالى إذا جمع الأولين والآخرين يوم القيامة، أو قال: يا أبا هريرة أتدرى من أول من تسعر به النار يوم القيامة؟ فلما قال ذلك أبو هريرة نشغ نشغة [أي شهق شهقة] ثم مال فأغمي عليه..

قال شفي: فانتظرته حتى أفاق، قال: فالتفت إليَّ وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أبا هريرة إن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة…» قال: ثم نشغ نشغة أعظم من الأولى، ثم مال فأغمي عليه ثم أفاق..

قال: لأحدثنك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معنا أحد سمعته يقول: «يا أبا هريرة! إن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة…»، قال: ثم نشغ نشغة [يعني شهق شهقة] فمال ليقع فأسندته..

قال: ثم قال: «إن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: قارئ للقرآن، ومجاهد، ومنفق، قال فإن الله تعالى يوم القيامة ينادي بقارئ القرآن فيقول الله تعالى له: ألم أعلمك القرآن، ألم أحفظك القرآن، فماذا عملت فيما علمت؟ فيقول: يا ربي قد حفظت القرآن وقرأته فيك وأقرأته، فيقول الله تعالى له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، وإنما قرأت ليقال قارئ».

أنت ما كنت مخلصًا لله، صحيح أنت أمام الناس كنت تقرأ القرآن، وكنت تبكي من خشية الله وكنت تعلّم القرآن وكنت تتقن مخارج الحروف، وتتقن التجويد، لكن قلبك لم يكن معلقًا بالله، وإنما كان القلب معلقًا بثناء الناس وشكرهم وإحسانهم وتبجليهم وتقديمهم، فإنما قصدت وجه الناس ولم تقصد وجه الله..

قال: فإذا قال: «يا رب قرأت فيك القرآن وأقرأته، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت وإنما قرأت ليقال فلان قارئ فقد قيل، قال: ثم يأمر به فيسحب على وجهه في النار».

قال: «ثم يجاء بالمجاهد فيعرفه الله تعالى نعمه فيعرفها»، يعرفه الله ما أنعم عليه من نعم من إصحاح لبدنه، ومن إتمام لسمعه وبصره، ومن قدرة على القتال وحمل السلاح، «فيعرفه الله نعمه فيعرفها، فيقول الله تعالى له: فماذا عملت»؟ هذه النعم ماذا عملت فيها؟

فيقول: «يا رب ما تركت سبيلاً يجاهد فيه في سبيلك إلا قاتلت في سبيلك، قال: كذبت»، والله أعلم بقلبه وأدرى بمقصده وأعلم بنيته، يقول الله له: «كذبت، وتقول الملائكة: كذبت وإنما قاتلت ليقال جريء».

أنت إنما حملت السلاح وخرجت مقاتلاً، وتقدمت الصفوف لأجل أن يثني عليك الناس، لأجل أن تتلذذ أذنك بسماع فلان شجاع، فلان مقدام، فلان جريء، «وإنما قاتلت ليقال جريء» يعني إنما قصدت وجوه الناس، وكان قصدك أن تسمع ثنائهم، وترى تبجيلهم وتعظيمهم لم يكن قصدك وجه الله تعالى..

قال: «وإنما قاتلت ليقال فلان جريء فقد قيل، قال: ثم يأمر به فيسحب على وجهه في النار».

عجبًا أين جهاده؟ أين قتاله؟ أين ما سفك من قتال العدو؟ أين فراقه لولده ولزوجه ولأهله ولبلده؟ ألم ينفعه عند الله لما نزع الإخلاص من عمله استحق أن يُسحب على وجهه إلى النار..

قال: «ثم يؤتى بالمنفق، فيعرفه الله تعالى نعمه»، يعرفه الله بما أنعم عليه من نعم، وسّع عليه في ماله وأغناه عن غيره، وأعطاه عقل يستطيع به أن يحكم تجارته وأعطاه يدًا وقدمًا وسمعًا وبصرًا يستطيع به أن يجمع المال يعرفه الله نعمه..

«ثم يقول الله تعالى له: فماذا عملت»؟ هذه النعم وهذه الأموال ماذا عملت؟ «فيقول يا ربي: وعزتك وجلالك ما تركت سبيلاً يُنفق فيها في سبيلك إلا أنفقت»، ما أمر على مسجد يبنى إلا وأقول هذه أموال لأجل إكمال بنائه، ولا أمر على مدرسة لتحفيظ القرآن ماذا تحتاجون هذه أموال لأجل أن تعينكم على تحفيظ أولادنا وبناتنا القرآن، ما أمر على مركز للدعوة أو على مركز للإرشاد أو على سبيل من سبل الخير..

يا رب ما تركت سبيلاً، أنا طبعت كتبًا، وطبعت أشرطة وكفلت أيتامًا وبنيت مساجد ودعمت قنوات فضائية وفعلت وفعلت… ما تركت يا ربي سبيلاً ينفق فيه المال في سبيلك إلا أنفقت..

«فيقول الله تعالى له: كذبت»، أنت كذاب ليس في سبيلي، وإنما في سبيل عزك وشرفك، ليس ابتغاء وجهي، وإنما ابتغاء ثناء الناس وشكرهم وتبجيلهم وتعظيمهم، ليس المقصد أن تتقرب إليَّ، لا، إنما قصدت إنك تتقرب إلى الناس، تريد أن تُذكر وتُشكر..

يقول الله له: «كذبت، وتقول الملائكة: كذبت وإنما أنفقت ليُقال فلان جواد»، لأجل أن تذكر وتشكر ويقال: والله فلان جزاه الله خيرًا هو الذي فرش المسجد، وهو الذي صلح المكيفات وهو الذي كفل الأيتام، وفلان هو الذي فعل وفعل..

قال: وإنما أنفقت ليقال فلان جواد وقد قيل، الشيء الذي كنت تجري خلفه، وترجو أن يقع في حياتك أعطيناك إياه.. كنت تريد الثناء حصل، كنت تريد الشكر حصل، كنت تريد المدح حصل، تريد الشهرة حصل..

قال: «وإنما أنفقت ليقال فلان جواد فقد قيل، قال: ثم يسحب به بوجهه إلى النار».

ثم قال عليه الصلاة والسلام: «يا أبا هريرة هؤلاء الثلاثة»، قارئ القرآن غير المخلص والمجاهد غير المخلص، والمنفق غير المخلص، هؤلاء الثلاثة «أول من تُسعر بهم النار»، أول من يطرح في النار ليصيبهم من لهيبها، فهؤلاء أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة..

وصدق الله تعالى إذ قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: 15] ألقى كلمة يريد الحياة الدنيا، ألف كتابًا يريد الحياة الدنيا، تصدق يريد الحياة الدنيا، شفع لفلان في وظيفة يريد الحياة الدنيا، بنى مسجدًا يريد الحياة الدنيا، فرش مسجدًا يريد الحياة الدنيا، كفل يتيمًا، أحسن إلى إنسان، فك إنسانًا من مظلمة، ساعد فلانًا في زواجه أو تربية أبنائه أو إيجار بيته يريد الحياة الدنيا..

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: 15] أنت تريد من الدنيا الثناء وفّاه إليك الله، أثنى عليك الناس، تريد من الدنيا الشهرة أُوتيت إياها، تريد من الدنيا شكر الناس أوتيت إياها..

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ لا يُنْقَصون ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا ﴾ [هود: 16] ما صنعوا في الدنيا حابط وذاهب هباءً منثورًا؛ لأنه لم يتوفر فيه شرط الإخلاص، لم يتوفر فيه شرط ابتغاء وجه الله والدار الآخرة ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 16].

عملهم باطل، صلاتهم باطلة لا تُقبل، لأنه لم يقصد وجه الله بها، صدقته باطلة وإن أنفق المال ونقص من ماله، لكنه لا تُقبل صدقته؛ لأنه ما كان يريد بها وجه الله، كفالته لهذا اليتيم باطلة، دفعه لإيجار هذا الإنسان الضعيف ومساعدته لفلان وشرائه الشيء الفلاني للمسجد كل هذا باطل؛ لأنه لم يكن يقصد ويريد وجه الله والدار الآخرة..

والله جل وعلا يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110] يعمل أعمال صالحة موافقة للسنة، يصلي كما صلى رسول الله عليه وسلم يتصدق كما تصدق، يصوم كما صام.. ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110] ألا يريد وجه أحد ولا مقصدًا ولا طريقًا ولا سبيلاً ولا جزاءً إلا ممن يعلم سره وعلانيته.

صلى أبو أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه صلى يومًا في المسجد، والمسجد مليء فقام رجل يصلي ركعتين فسجد واشتد بكاؤه، بكاء هذا الرجل فلما انتهى من صلاته وجعل يمسح دمعه بطرف عمامته قال له أبو أمامة رضي الله عنه: "ما أحسن بكاؤك لو كان في بيتك".

البكاء والخشوع جيد لكن لماذا تبكي أمامنا، هي سُنة صلى السنة في بيتك، كان لا بد تصلي السنة أمامنا وتبكي!! ما أحسن بكاءك لو كان هذا في بيتك..

وعبدالله بن المبارك خرج مرة في القتال فلما تواجهوا مع الروم وهو من أبرز وأقوى المجاهدين في سبيل الله حتى إن الفضيل بن عياض كان يتعبد في المسجد الحرام وابن المبارك في الثغور يقاتل في سبيل الله فأرسل الفضيل بن عياض إلى ابن المبارك يقول: أنت عالم تعال ابك في الحرم وتعبد معي، ودع الجهاد لمن كان ليس عندهم علم شرعي إنما قوة بدنية فقط..

فأرسل إليه ابن المبارك يقول: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا، لو رأيت ما نحن فيه من جهاد وقتال..

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا *** لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه *** فـنـحـورنـا بـدمائنا تـتخضب أو كان يتعب خيله في باطل *** فخـيـولـنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا *** رهج السنابك والغـبار الأطيب ولـقـد أتانا من مـقـال نـبـيـنا *** قـول صحيح صـادقٌ… لا يكذب لا يجتمع غبار خيل الله في *** أنف امرئ ودخان نار تـلهب

ابن المبارك التقي مرة بالعدو وخرج رجل من أقوى العدو بأسًا، وجعل يجول بين الصفين ويصيح بالمسلمين من يبارز؟ من يقاتل؟ فلم يخرج إليه أحد..

فوضع ابن المبارك طرف العمامة على وجهه ولبس الخوذة على رأسه، ثم استل سيفه وخرج وقاتله حتى قتله، قتل ابن المبارك ذلك الرومي، فخرج رجل من الروم إلى ابن المبارك فقتله ابن المبارك، ثم خرج ثالث فقتله ابن المبارك..

ثم أقبل إليه الناس إلى هذا الملثم -ابن المبارك- لا يدرون من هو؟ من هو هذا الرجل الذي رفع راية الله وأعلى كلمة الإسلام وأعز الدين وأذل المشركين من هو؟

فجعلوا يحاولون أن يعرفوه وهو يصد بوجهه عنهم ليدخل في غمار الناس فيختفي فأقبل إليه أبو عمر أحد أصحابه، وقد شك أنه صاحبه، أقبل إليه ووضع طرف أصبعه على عمامته ثم كشف اللثام فغطاه ابن المبارك مباشرة، وقال: "حتى أنت يا أبا عمر ممن يشنّع علينا" ممن يريد فضحنا، ممن يريد أن يظهر عملنا.. يعني لا يُظن بك، حتى أنت يا أبا عمر ممن يشنع علينا، فَعَدَّ كشف عمله فضيحة..

يقول أنا أريد العمل الذي عملته ألا يقصد قلبي أن يشكرني أحد أو يثني عليّ أحد أبدًا، أنا أريده لله، أريد الجهاد لله، ألا يعلم به أحد..

وخرج مسلمة بن عبد الملك في قتال الروم يومًا، وحاصروا حصن من حصون الروم، وطال الحصار حتى تعب المسلمون وأرهقتهم سهام العدو التي تطلق عليه حتى ودوا لو أنهم ينتهون من هذا الحصار، فأقبل رجل من المسلمين إلى زاوية يغفل عنها العدو، وجعل يحفر نقبًا ينقب نفقًا، وجعل يشتغل والمسلمون يحاولون أن يدفعوا الأبواب ليدخلوا فلا يستطيعون وهذا المسلم بكل هدوء يحفر حتى استطاع أن يتجاوز الحصن وأن يدخل عليهم، ثم استل سيفه وتوجه إلى الباب، وقاتل من يستطيع حتى فتح الباب للمسلمين..

ثم دخل المسلمون وفتحوا الحصن، فتعجب مسلمة القائد، من هذا؟ من هو صاحب النقب؟ من هو الذي حفر هذا النقب فتح الباب؟ فلم يظهر له أحد، فجعل ينادي فلم يظهر له أحد أبدًا..

فجمع الناس بعدما انتصروا وقال: إني أقسم بالله على صاحب النقب أن يخبرني بنفسه فلم يخرج أحد من الناس، أقسم بالله على صاحب النقب أن يخبرني بنفسه فلم يتحرك أحد..

فلما كان من الليل أقبل رجل إلى خيمة مسلمة، واستأذن أن يدخل عليه، فقال الحارس له من أنت؟ هل أنت صاحب النقب؟ قال: لا، أنا أخبركم عنه فأذن له، فلما وقف بين يدي مسلمة قال له: أنا أعرف صاحب النقب، وإن له ثلاثة شروط ليخبرك به، قال ما هي؟

قال: ألا تعطيه جائزة، ولا تسأله عن اسمه، وألا تسود اسمه في صحيفة إلى أمير المؤمنين.. يعني لا ترسل لأمير المؤمنين أن فلانًا بن فلان فعل كذا وكذا…

قال: فله ذلك، قال: أنا صاحب النقب، لا أقبل جائزة ولا أسمح لك تسألني من أنت أصلاً حتى لا تعرف من أسرتي وقبيلتي فيلحقهم ثناء بسببي، ولا تسألني من أنا، ولا ترسل إلى أمير المؤمنين تخبره بي..

قال: ثم خرج من عنده فكان مسلمة إذا اشتد عليه البأس قال اللهم اجعلني واحشرني مع صاحب النقب.

أقوام يعملون العمل يريدون الشكر والثواب والأجر من رب العالمين وحده لا شريك له (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110].

قال أبو إسماعيل الصائغ: كان أبي ومشيخة الحي إذا كان يوم صوم أحدهم، إذا أحدهم صاحب يوم الخميس والاثنين ادهن – دهن شفته حتى لا يظهر عليه أثر الصوم – ادهن وتطيب ثم خرج إلى الناس حتى لا يعلم الناس عليه أي أمارة تدل أنه صائم..

وداود بن أبي هند لبث سنين يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولم يعلم به أحد حتى أهله لم يعلموا به، كان يخرج إلى دكانه في الصباح فيأخذ من أهله طعامًا ليكون له فطورًا، فإذا كان يوم فطره أفطر عليه، وإذا كان يوم صومه تصدق به، ثم رجع بعد المغرب إلى بيته من دكانه فأكل معه فهم يظنونه يتغدى إذا رجع أو يتعشى وهو في الحقيقة إنما يفطر لأنه كان صائمًا.

﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110] وقد كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من أن يعلم المرء عملاً لا يريد به وجه الله تعالى، وكان صلوات ربي وسلامه عليه يؤكد ذلك على أصحابه في مواطن كثيرة من ذلك ما عند البخاري من حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات».

أجر العمل وقبول العمل بحسب نيتك التي في قلبك: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

أنت ماذا تنوي من صلاتك؟ تنوي ثناء الناس لك الثناء، لكن ليس لك الأجر.. أنت ماذا تنوي من صدقتك؟ شكر الناس والشهرة بينهم، لك ذلك لكن ليس لك أجر..

قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

وقف عبد الله بن عمر مع أبيه عمر على جبل الصفا، فلما رأوا كثرة الناس والحجاج رأوا كثرة الملبين والمكبرين استبشر عمر بكثرتهم وفرح في عهده رضي الله عنه وقد كثر المسلمين وامتلأ الحرم بالحجاج..فرح.. فقال عبدالله بن عمر لأبيه: يا أبتِ ما أكثر الحاج! فقال له عمر: يا بني: الركب كثير لكن الحاج قليل..

الركب الذين ركبوا وقدموا كثير لكن لا تدري عن نياتهم، هذا ربما ليس له نية أن يحج، له نية أن يذكر ويشكر ويقال له: يا حاج فلان، أو أن يحضر تجارة أو بضاعة ولم ينوِ الحج، ولم يدفعه إلى السفر حج..

قال: "يا بني الركب كثير " لكن الله أعلم بالقلوب والنيات "لكن الحاج قليل " .

أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل في حركاتنا وسكناتنا، أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وإخوانه وخلانه ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الإخوة الكرام: كما أن المرء مأمور أن يحسن النية عندما يعمل عملاً، كذلك إذا نوى المسلم نية صالحة لعملٍ أُجر عليه وإن لم يعمله.. كما روى الترمذي عن أبي كبشة عمرو رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلمًا [عنده مال وعنده علم ودين وإيمان] فهو يسلطه على هلكته في الحق»، ينفق في مسجد، ينفق في جمعية خيرية، ينفق على أيتام..

قال: «فهو في أعلى المنازل، ورجل أتاه الله علمًا ولم يؤته مالاً..» عنده إيمان وعلم ومواقع الحاجة إلى النفقة لكن ليس عنده مال يتشوق أن يبني هذا المسجد لكن ليس عنده مال، يتشوق أن يكفل هذا اليتيم لكن ليس عنده مال..

الثاني «ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو أن عند مثل مال فلان لعملت به مثل عمله»، والله لو عندي مثل فلان التاجر الكبير لبنيت مثل هذا المسجد، نية صادقة يعلمها الله تعالى من داخل قلبه، لو عندي مثل مال فلان لطبعت هذا الكتاب أو لنشرت هذا المصحف..

قال: «فهما في الأجر سواء»؛ لأنه نوى نية صالحة صادقة، ولم يمنعه منها الكسل، وإنما منعه عدم المقدرة عليه، كما أن إنسانًا يقوم الليل ثم مرض إحدى الليالي يؤجر كأنما قام الليل؛ لأن الذي منعه من صلاة الليل ليس الكسل إنما منعه العجز عنه..

الثالث قال: «ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علمًا» عنده مال لكن ما عنده إيمان وخوف وتقوى ورجل لما عند الله، «آتاه الله مالاً ولم يؤته علما فهو يعبث به» يعني يعمل به المعاصي يوم تراه يرعى مهرجانًا غنائيًّا، يوم تراه يقيم علاقة مع مغنية مع ممثلة، يوم تراه يُنشئ أحيانًا مكان يُعصى الله فيه.. يعبث بالمال.. قال «فهو أخس المنازل».

الرابع: «ورجل لم يؤته الله مالا ولا علمًا» لا مال يعبث به في حرام ولا علم ما عنده دين ولا خشية «فهو يقول لو أن عندي مثل مال فلان [يعني الفاجر ] ففعلت كما يفعل»، يرى صورة فلان ذاك مع مغنية مشهورة في ليلة ماجنة ويقول في نفسه: يا ليت عندي مثل ماله لأقع بها كما وقع بها، انظر إلى النية الفاسدة.

أو ربما رأى فلانًا يرعى حفلاً غنائيًّا أو يشرب خمرًا أو غيره، فيقول: يا ليت عندي مثل فلان لأفعل مثله..

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهما في الوزر سواء»؛ لأنه ما منعه من الفجور الخشية والخوف من الله.. لا، إنما منعه من الفجور عدم القدرة عليه، كما لو أن إنسانًا قدم إليه كأس خمر فلما رفعه إلى فيه ذكر الله وخاف من الله وألقاه هذا يؤجر.. لكن لو أنه لما رفعه إلى فيه انزلق من يده وانكسر فطلب غيره فلم يجد فيأثم كأنما لو شربه؛ لأن الذي منعه عن المعصية ليس الخوف من الله، وإنما العجز عنها.. قال: «فهما في الوزر سواء».

ألا أيها المسلمون: فلينوِ كل عبد نية صالحة يرجو بها وجه الله تعالى والدار الآخرة، لينوِ النية التي ترفعه وتنفعه عند رب العالمين، لعلك إذا لقيت الله تعالى تكون ممن عمل عملاً صالحًا ولم يشرك بعبادة ربه أحدًا.

أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا جميعًا من المخلصين في أعمالنا وأقوالنا وحركاتنا وسكناتنا، أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص..