شهر شعبان وغفلة الناس

عناصر الخطبة

  1. شهر شعبان من مواسم الطاعات وفضائل الأوقات
  2. الصوم من أفضل القُرُبات وأَجَلّ الطاعات
  3. خطورة الغفلة على قلب المسلم
  4. الحكمة من تفضيل بعض الأوقات
اقتباس

إن شعبان ميدان للاستعداد والتهيؤ لاستقبال رمضان، فالنفس تحتاج إلى رياضة وتدرُّج ومقدِّمات، والسموُّ والارتفاعُ يحتاج إلى سُلَّم وممهِّدات، فقد تجنح النفس وَيَكِلُّ البدنُ، وَيَفْتُرُ الإنسانُ عن العبادة بسبب عدم التدرج فَيُحْرَمُ لذتَها، ويعاني من وطأتها…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله الذي جعَل الليل والنهار خِلْفَةً لمن أراد أن يذَّكَّر أو أراد شكورا، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعَل الشمسَ ضياءً والقمرَ نورًا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -جل وعلا-، فهي وصية الله للأولين والآخرين، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾[النِّسَاءِ: 131].

معاشر المسلمين: إن لله نفحات رحمة فتعرضوا لها، ومواسم خير فاطلبوها، وأوقات فضل فاحرصوا عليها، وقد أقبلت عليكم فاستقبِلُوها، وحلَّت بكم فاغتنِمُوها، فإنها لحظات تمضي كلمح البصر، فوا ضيعةَ العمرِ لمن ضيعها، ويا سعادةَ مَنْ ظَفِرَ بها واغتنمها، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾[الْفُرْقَانِ: 62].

مَضَى رَجَبٌ وَمَا قَدَّمْتَ فِيهِ *** وَهَذَا شَهْرُ شَعْبَانَ الْمُبَارَكْ

فَيَا مَنْ ضَيَّعَ الْأَوْقَاتَ جَهْلًا *** بِحُرْمَتِهَا أَفِقْ وَاحْذَرْ بَوَارَكْ

فَسَوْفَ تُفَارِقُ اللَّذَّاتِ قَهْرًا *** وَيُخْلِي الْمَوْتُ كُرْهًا مِنْكَ دَارَكْ

تَدَارَكْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْخَطَايَا *** بِتَوْبَةِ مُخْلِصٍ وَاجْعَلْ مَدَارَكْ

عَلَى طَلَبِ السَّلَامَةِ مِنْ جَحِيمٍ *** فَخَيْرُ ذَوِي الْجَرَائِمِ مَنْ تَدَارَكْ

عباد الله: قد حل بكم شهر شعبان، وهو من مواسم الطاعات وفضائل الأوقات، تُلتمس فيه النفحاتُ، وتُرفع فيه الأعمال والقربات، فعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنَ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: “ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ“، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَكْمَلَ شَهْرًا قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ“.

عباد الله: إن شعبان ميدان للاستعداد والتهيؤ لاستقبال رمضان، فالنفس تحتاج إلى رياضة وتدرُّج ومقدمات، والسمو والارتفاع يحتاج إلى سُلَّم وممهِّدات، فقد تجنح النفس وَيَكِلُّ البدنُ، وَيَفْتُرُ الإنسانُ عن العبادة بسبب عدم التدرج فَيُحْرَمُ لذتَها، ويعاني من وطأتها، وربما لا يستطيع المواظبة والمداومة فيفوته بذلك خير كثير.

ولَمَّا كان شعبان تقدمة لرمضان فَحَرِيٌّ بالمسلم أن يجتهد فيه بشيء مما يكون في رمضان، ومنزلة صيام شعبان من رمضان كمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض، فصيامه من الاستعداد والحرص على رمضان أحد أركان الإسلام.

والصوم من أفضل القُرُبات وأَجَلّ الطاعات، وأعظم العبادات، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: “قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُ بِهِمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ“.

معاشر المسلمين: أبواب الخير مفتوحة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأعمال البر المطلقة غير مقيدة بزمان ومكان، وأنواع الطاعات كثيرة وتتفاوت بحسب الأوان، وليس من العبادات طاعة تختص بشعبان، لكنه شهرٌ تُرفع فيه الأعمال، ولهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب صيامه.

معاشر المسلمين: إن الغفلة داء عضال، ومقت ووبال، تقطع الصلةَ بين العبد وربه، فلا يشعر بإثمه، ولا يقلع عن نزره، ولا يتوب من ذنبه، فلا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، تمر به مواسم الخير وفضائل الأوقات وهو في سبات الغفلة لم ينتبه، يبصر فلا يعتبر، ويوعظ فلا ينزجر، ويذكر فلا يدكر، وقد رغب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صيام شعبان لغفلة كثير من الناس عنه فقال: “ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ“.

فيا ناصحا لنفسه أقصر الأمل، وأفق من غفلتك واستعد للحساب قبل حلول الأجل.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾[الْكَهْفِ: 28].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدا يليق بجلاله، والصلاة والسلام على صفوته من رسله وأنبيائه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأوليائه.

عباد الله: إن الله ما خلق الإنسان وَأَنْسَأَ له في العُمُر إلا ليجتهد في طاعته، ويجتنب معصيته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذَّارِيَاتِ: 56]، وقد فضَّل بعض الأوقات، وأفاض فيها من اليمن والبركات والخير والنفحات، وشرع فيها بعض الأحكام والوظائف والطاعات، وَأَذِنَ لعباده أن يلتمَّسُوا من الخير فيها، فاطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله -عز وجل- نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده.

أمة التوحيد: إن الشيطان عدو لكم فاتخذوه عدوا، وإنه لَيبذلُ وسعَه في مواسم الخير وفضائل الأوقات ليضل الناس عن الهدى، ويحُول بينَهم وبينَ نفحات الرحمة والمغفرة، ويصدهم عن طاعة ربهم، ويفوِّت عليهم الخيرَ الكثيرَ فيُضِلّ بعضَ الناس بالشبهات كما أضل بعضَهم بالشهوات، فيفتتن بعضُهم بالمحدَثَات، ويضيِّع فرصةَ مواسم الخير بالبدع والشبهات.

فيا معشر المسلمين: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخِر، وكلُّ عمل ليس عليه أمر نبينا -صلى الله عليه وسلم- فهو رَدٌّ، فتمسكوا بالسُّنَّة، تمسكوا بالسُّنَّة، فكلُّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلُّ ضلالةٍ في النار.

عباد الله: من كان عليه قضاء من رمضان الماضي فليبادر بصيامه قبل حلول رمضان، فإن الوقت قد ضاق، والواجبُ على المسلم المبادرةُ بالقضاء؛ فاستبِقوا الخيرات، وبادِرُوا بالطاعات، وسارِعُوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها الأرض والسماوات.

معاشر المسلمين: إن الله قد أنزل إليكم أفضل الكتب، وأرسل إليكم أفضل الرسل، وأكمل الدين ورضيه لكم، وأظهره على الدين كله، وأتم النعمة فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[الْمَائِدَةِ: 3]، وقد رضينا بالله رَبًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيا ورسولا، ونسأل الله أن يثبِّتنا على ذلك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجنبنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقنا التمسُّك بالسُّنَّة، وأن يصرف عنا الغفلة والخذلان وأن يوفقنا في شعبان ويبلغنا رمضان.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر  بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه وولي عهده لما تحب وترضى، وخذ بناصيتهما للبر والتقوى، اللهم وفقهما لما فيه صلاح البلاد والعباد يا رب العالمين.

اللهم من أراد هذه البلاد بسوء فأشغله في نفسه، ورد كيده في نحره واجعل تدبيره تدميره يا قوي يا عزيز، اللهم اجعلها آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

اللهم احفظ جنودنا، اللهم اشف مصابهم وتقبل شهداءهم يا رب العالمين، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، وأعنا فيه على الصيام والقيام، وتقبله منا يا رب العالمين.

عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[الْأَحْزَابِ: 56]، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله: اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه وآلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.