فضائل عشر ذي الحجة‎

عناصر الخطبة

  1. بعض فضائل عشر ذي الحجة
  2. أيهما أفضل العشر الأول من ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان؟
  3. الأعمال المتأكدة في العشر الأول من ذي الحجة
  4. حكم حلق الشعر أو الأخذ منه في التسع الأولى من ذي الحجة لمن أراد أن يضحي
اقتباس

لقد كان الموفقون يرون في أيام رمضان والعشر الأخيرة منه فرصة من فرص العمر، فأيام عشر ذي الحجة فضَّلها كثير من أهل العلم على أيام العشر من رمضان، فأين المشمرون؟ أين من يرجون الباقيات الصالحات؟ حقاً -أيها الإخوة-: إننا نضيع أعمارنا بغفلتنا، وتفوتنا مواسم الخير بتكاسلنا. ألا فلنعظم ما…

الخطبة الأولى:

إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

فدارت الشهور، وتفلتت الأيام، وانسلخ من الليل النهار فها أنت في نهاية العام، ومن لطف الله وكرمه أن بارك في الختام، وجعل من أيامه أفضل أيام العام، فبين أيديكم عشر ذي الحجة أيام معلومات ضاعف الله العمل فيها، وكتب من الأجر ما لم يكتبه في غيرها، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه، وماله فلم يرجع من ذلك بشيء"[رواه البخاري].

وفي رواية: "ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه من العمل فيهن".

إنها أيام عشر ذي الحجة.

لقد كان الموفقون يرون في أيام رمضان والعشر الأخيرة منه فرصة من فرص العمر، فأيام عشر ذي الحجة فضَّلها كثير من أهل العلم على أيام العشر من رمضان، فأين المشمرون؟ أين من يرجون الباقيات الصالحات؟

حقاً -أيها الإخوة-: إننا نضيع أعمارنا بغفلتنا، وتفوتنا مواسم الخير بتكاسلنا.

ألا فلنعظم ما عظم الله: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾[الحـج: 32].

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان، وليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة"[زاد المعاد (1/57)].

وما قاله رحمه الله في فضيلة هذه الأيام العشر هو ظاهر كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكيف لا تكون كذلك، وفيها يوم عرفة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في صيامه: "يكفر السنة الماضية والباقية"[رواه مسلم].

وفيها يوم النحر، وهو خير الأيام عند الله، وهو يوم الحج الأكبر.

فاعرفوا -رحمكم الله- لمواسم الفضيلة فضلها، وتزودوا فيها، واغتنموا عظيم أجرها.

وإنَّ من أعمالكم ما يشرع في كلِّ السنة، ولكن يتأكد فضله في مواسم الخير والمضاعفة.

فهذه الصَّلوَاتُ الخمسُ جعلَها اللهُ صِلةَ بين العَبْد وربِّه، يفضي فيها المخلوقُ إلى خالقِه، قارئاً لكلامه مسبِّحاً معظماً له يناجي فيها ربَّه يسأله حاجته، يشكو إليه ضعفه.

فاحرِصوا -رحمكم الله- عليها فهي نجاتكم، اشهدوها مع جماعة المسلمين، لا يشغلنكم عنها شغلٌ، فلا خيرَ في عملٍ منعكم فريضة ربِّكم.

تقَّدموا زمناً إلى الصلاة جمعة وجماعة، فلا يزال أحدكم في صلاةٍ ما انتظر الصلاة، وتقدَّموا مكاناً، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو يعْلمُ الناس ما في النِّداء، والصفِّ الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا"[متفق عليه].

وقطع لذيذ النوم في صلاة الفجر، وكلفة الخروج لجماعة المسجد من تمام الابتلاء يتبين فيه قوي الإيمان ممن فيه شبه من المنافقين، وخور في استقامته على هذا الدين.

ثمَّ اجتهدوا بعد ذلك في تكميلها بالنوافل.

ف"ما من عبدٍ مسلم يصلي لله -تعالى- كلَّ يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنَّة".

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في راتبة الفجر: "ركعتا الفجر خير من الدنيا، وما فيها"[رواه مسلم].

ومن الأعمال المتأكدة في هذه العشر: الصوم، وهو مما اختصَّه الله لنفسه، فقال تعالى: "الصوم لي وأنا أجزي به".

فاغتنموا هذه الأيام القصيرة الباردة، بصيام التسع من ذي الحجة، أو ما تيسر منها، لا سيما يوم عرفة.

ومن كان عليه قضاء من رمضان فلا حرج عليه أن يصوم هذه الأيام لإدراك فضلها، أو يصوم يوم عرفة ثم يكون القضاء فيما بعد لأن القضاء موسع وهذه الأيام تفوت.

ولو صام هذه الأيام بنية القضاء فهو أحسن وأسرع في إبراء الذمة، ونرجو أن يحصل فضلها.

فيجعل النية للقضاء، ولموافقتها للأيام الفاضلة فنرجو له أن يحصل أجر تلك الأيام.

ثم باب الذكر وقراءة القرآن، فلا تخل يوماً منها إلا وقد أخذت حظاَ وافراً من كلام ربك، تتلو آياته وتحرك بها قلبك.

ثم صلة الأرحام، والصدقات، وغيرها رياض للعاملين، وسياحية ربَّانية للراغبين، والذكر في هذه الأيام له مزيد خاصية، ومتأكد بأفضلية؛ لقوله تعال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾[الحـج: 27].

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هي عشر ذي الحجة".

فأكثروا من ذكر الله بالتكبير والتحميد والتهليل، والتكبير آكد الذكر في هذا المقام.

فيكبر الإنسان في بيته، وسوقه، ومكتبه، ومسجده، وفي دخوله وخروجه، يرفع الرجل بذلك صوته، إظهاراً لهذه الشعيرة، لا حياء، ولا مراءاتٍ لأحدٍ، هكذا هدي السلف من الصحابة ومن بعدهم؛ فقد كان ابن عمر وأبو هريرة -رضي الله عنهما- يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما [البخاري: كتاب العيدين: باب فضل العمل في أيام التشريق (2/457)].

وقال مجاهد لرجل يكبر: "أفلا رفعت صوتك، فلقد أدركتهم وإن الرجل ليكبر بالمسجد، فيرتج بها أهل المسجد، ثم يخرج الصوت إلى أهل الوادي، حتى يبلغ الأبطح، فيرتج بها أهل الأبطح".

فما أجمل هذه الشعيرة، وما أوقعها على نفس المكبر والسامع، يتعبد بها الكبير ويسمعها وينشأ عليها الصغير، فقولوا في تكبيركم: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".

وإن جعل التكبير ثلاثاً، فلا بأس.

ثم أفضل أعمالكم الذي اختصت به هذه الأيام: حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، فالحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"[متفق عليه].

فبادروا -رحمكم الله- إلى الحج مستعينين بالله، محتسبين فراق أوطانكم، وأهليكم، وأولادكم راجين من الله خلفاً في نفقاتكم، موطنين أنفسكم للتعب وجهد يلاقيكم، فإن الحج جهاد لا قتال فيه، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة: "إن أجرك على قدر نصبك، ونفقتك".

واختاروا لحجكم رفقة تعينكم على أنفسكم فيهم من طلبة العلم، والناصحين ما يكون سبباً في صحة حجكم، وتكميل نقصكم، وإجابة لما قد يشكل عليكم، وتعرفوا على صفة حج النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقراءة فيها، والسؤال عنها، ليكون حجكم على أتم وجه، وأكمل حالٍ.

وفقني الله وإياكم لعمل الصالحات، وترك المنكرات وأعاننا فيما نستقبل من أيامنا على أنفسنا، ورزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً.

أقول قولي هذا …

الخطبة الثانية:

الحمد لله أعظم أجور العاملين، وفتح بابه للراغبين …

أما بعد:

فعن أم سلمة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسَّ من شعره وبشره شيئاً".

وفي رواية: "ولا يقلمَنَّ ظُفُراً"[مسلم مع النووي (13/134)].

فهذا نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن أراد أن يُضَحّي من رجلٍ أو امرأة من دخول شهر ذي الحجة حتى يضحي، وأمَّا من يُضحَّى عنه فلا يمتنع عن شيء من ذلك.

ومن كان قائما على ضحايا غيره وكيلاً، أو وصياً فإن لم تكن عنده أضحية خاصة به فلا يلزمه أن يمسك عن شعره لأجل الوصايا أو الوكالات.

وما يسقط عند غسل الرأس أو تمشيطه لا يضر.

ولمَّا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أخذ شيء من الشعر، لعلَّ إخواننا الذين اعتادوا حلق لحاهم لعلهم يعيدون النظر في إبقاء لحاهم مَوَفَّرَة امتثالاً لأمر نبيهم -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "أعفوا اللحى". " خالفوا المشركين وفروا اللحى ". " أوفوا اللحى". " أرخوا اللحى".

هذه ألفاظ النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأمر بوجوب توفير اللحى، وتحريم حلقها، وقصها.

فأين أنتم يا حالقي اللحى عن هذه الأحاديث؟

ألا فليتق الله امرؤٌ قدَّم هواه على أمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النــور: 63].

وإياك أن تتحسس خدَّيك هل نبتت لحيتك حتَّى تبادر حلقها قبل أن يحول بينك وبينها دخول العشر.

فلئن كنت تمتنع من أجل العشر فالذين منعك من الأخذ خلال العشر هو الذي منعك من الأخذ منها في غيرها من الأيام.

استعينوا بالله على تركها تعظيماً لأمر نبيكم، وتشبهاً بالمرسلين، وموافقة لعمل المؤمنين.

فاللحية إن كانت مسودة، فهي جمال في الوجه، وإن ابيضت فهي جمال ونور ووقار.

وإياكم من التأخير، أو الخجل من الناس، أو الخوف أن يقالٌ: فلانٌ ربى لحيته، فلئن يقولوا: فلانٌ ربى لحيته خيرٌ من أن يقولوا: ما زال فلانٌ يحلق لحيته.

وإذا أراد أحدٌ أنْ يُعَرِّف به تجده يقول فلانٌ الحليق، أو فلانٌ الذي يحلق لحيته، فما أقبح وصفه، وما أعظمه من جرم شهد به الناس عليك.

وربما كان فعلك هذا سبباً في تساهل أبنائك وأقرانك ومنهم تحت يدك فحلقوا لحاهم فصرت داعية سوءٍ من حيث لا تشعر.

ألا فلنتق الله -أيها الإخوة- وإنما هي عزمة من النفس وقرار أنت الذي تتخذه.

ومن يستعن بالله يعنه الله.

إن الأيام التي تستقبلونها هي من مواسم الخير، ومحطات التزود من الصالحات، يصلح الإنسان بها قلبه، ويزيل شيئاً من الران الذي قد علق به فلا تفرطوا فيها، فإنها من جواهر أعمارهم.

فأوصي نفسي وإياكم بالاشتغال بإصلاح قلوبنا وحفظ جوارحنا.

واحذروا الدعايات المغررة التي تجعل من مواسم الخير مواسمَ للأشر والبَطَرَ، فتعرض تسهيلات لسفرياتٍ هنا أو هناك، فتضيَّعُ أوقاتٌ، ويعرَّض الإنسان نفسه وعائلته للفتن بحجة الفرجة، وقضاء الإجازة.

فالدعايات لأماكن الفساد قربت أو بعدت، أو على أحْسَنِ أحْوَالها هي أماكنُ اختلاط، ونظر محرم، الدعاية لمثلِ هذه الأماكنِ قربت أو بعدت، رَخَصَت أو زادت هي دعوة إلى فتنة.

أعاذنا الله جميعاً من الفتن…

اللهم أغثنا…

.