الشعور بالعزة

عناصر الخطبة

  1. الإسلام دين العزة
  2. منهج النبي الكريم في تربية الصحابة على عزة النفس واستجابتهم المذهلة لتلك التربية
  3. كن عزيزاً
  4. مظاهر لذلة بعض المسلمين
  5. توفر مقومات العزة في الإسلام والذلة في غيره
اقتباس

فبالله عليك ماذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لو رأى قوما من منافقي زماننا يتمسحون ببعض الدول الفاجرة الكافرة، ويزورونهم مجالسين ومعجبين بما عندهم من مناهج، ويرى ذلة إذا سئل عن حجاب المرأة، ويرى تلك المرأة هناك أكمل وأعلى وأعزّ، يرى ذلة إذا سئل عن أحكام في الشريعة كإقامة حَدِّ القتل على القاتل، وقطع يد السارق، وجلد الزاني، ورجم المحصن، وشارب الخمر، فإذا سئل عنها شعر بذلة ..

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جَلَّ عن الشبيه والمثيل والنظير. 

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصَّر به من الجهالة، وكَثَّر به بعد القلة، وأغنى به بعد العَيلة، ولمّ به بعد الشتات، وأمن به بعد الخوف، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغُرّ الميامين، ما اتصلت عينٌ بنظر، ووعت أذن بخبر، وسلَّم تسليما كثيرا.

أما بعد: أيها الإخوة الكرام: إن من الصفات التي جبل الله تعالى عليها أنبياءه ورسله، وأمر الله المؤمنين بأن يتحلو بها، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يزرعها في أصحابه ويربيهم عليها، ويأبى أن يتمثلوا أو يتصفوا بضدها، تلك الصفة التي مدح الله تعالى بها نفسه، وأمر المؤمنين أن يتصفوا بها، فقال الله جل في علاه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:8].

ولما ذكر الله تعالى في كتابه الكريم قصة نبي الله تعالى موسى -عليه السلام-، وكيف أنه لما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:67]، قال الله: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه:68].

أنت الأعلى بإيمانك، أنت الأعلى بيقينك، أنت الأعلى بعبوديتك لله وحده لا شريك له، إنك تأوي إلى ركن شديد ينصرك عند انتصارك، ويغيثك عند إغاثتك، ويشفيك عند مرضك، ويغنيك عند فقرك، ويقويك عند ضعفك: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾!.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يزرع في أصحابه هذه الصفة، يحاول أن يكونوا دائماً أعزة فلا يذلوا أنفسهم لأحد من البشر أبدا.

كان حكيم بن حزام -رضي الله تعالى عنه- قد خرج إلى السوق يوما كما ذكر الحاكم في مستدركه، فأراد أن يشتري حلة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرأى حلة حسنة جميلة وإذا هي حلة لملك اليمن ذي يزن، فاشتراها بغالي المال، وأقبل بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأهداها إليه.

قال: يا رسول الله، هذه اشتريتها بكذا وكذا هدية إليك، هي حلة ملك اليمن، فأخذها النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعجبته فلبسها، وخطب بها على المنبر، فلم يُر وجه أحسن من وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يخطب الناس ويحدثهم، وكانت حلة جميلة حسنة.

فلما نزل النبي -صلى الله عليه وسلم- من المنبر طواها ثم أهداها إلى حِبِّه وابن حبه أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنهما-، فلبسها أسامة، وكان مولى، وكان أبوه مولى، لكنهما أعتقا، وكان جميل الخلقة صغيراً.

فلما خرج بها إلى السوق وهو يلبس حلة ملك اليمين، رآه حكيم بن حزام وقال له: سبحان الله! أسامة بن زيد يلبس حلة ملك اليمن ذي يزن! فالتفت إليه أسامة -رضي الله تعالى عنه- وهو الصغير في سنه، الكبير في عزته، فقال له أسامة: وإن كان كذلك، فوالله! لَأَنا خيرٌ من ذي يزن! ولَأَبي خير من أبي ذي يزن! ولَأُمِّي خيرٌ مِن أم ذي يزن! وصدق في ذلك، فذي يزن ملك ضالٌّ كافر، وهذا مؤمن موحد، وأمه وأبوه كذلك.

هذه العزة التي لا تعتمد ولا تتكئ على مال، ولا تتكئ على نسب ولا حسب ولا منصب هي التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يربي عليها أصحابه.

أقبل حكيم بن حزام -رضي الله تعالى عنه- يوما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسأله من المال مع أصحاب له فأعطاهم، ثم مضى، ثم أقبل إليه بعد زمن فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- مالا فأعطاه ثم مضى، ثم فأقبل عليه بعد زمن فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- مالا فأعطاه.

ثم قال له -صلى الله عليه وسلم- منبِّها على أهمية العزة، قال له -صلى الله عليه وسلم-: "يا حكيم بن حزام، إن هذا المال حلوة خضره"، خاصة إذا أتاك من غير تعب ولا زهد، قال: "إن هذا المال حلوة خضره، فمن أخذه بسخاوة نفس [أخذه ونفسه عزيزة] بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس[ أخذه بذلة وانكسار، قال ومن أخذه بإشراف نفس وربما بتنازل عن شيء من دينه أو عقيدته أو كرامته] لم يبارك له فيه".

وفي الحديث الآخَر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جلس مع قوم من أصحابه يبايعهم، قوم مسلمون جدد، فأراد أن يبايعهم على الإسلام، فبايعهم -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، يقول الصحابي: وألا ننازع الأمر أهله، وأن نعبد الله وحده لا شريك له. قال الصحابي ثم أسَرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كلمة خفية.

يعني بايعهم على السمع والطاعة له -صلى الله عليه وسلم- وقبل ذلك لربنا جل وعلا، فرفع بها صوته كالملزم لهم بها، وبايعهم ألا ينازعوا الأمر أهله، وعلى عبادة الله وحده، ثم لما كانت الوصية الأخيرة أسر بها وخفض بها صوته خشية من أن لا يلتزموا بها.

قيل للصحابي: فماذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ ما تلك الكلمة التي أسَرَّ بها وخفض بها صوته؟ قال: قد لنا "وتبايعوني على أن لا تسألوا الناس شيئاً". لا تذل نفسك للآخَرين، بل اجعل نفسك عزيزة لله وحده لا شريك له، قال وتبايعوني على ألا تسألوا الناس شيئاً.

يقول هذا الصحابي: فوالله لقد رأيت أولئك النفر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إن الرجل ليأتيهم بالعطاء من بيت المال، يعني في عهد أبي بكر وعمر لما كثرت الفتوحات وصار بيت المال يوزع أعطيات على الناس، قال والله إنهم لا يقبلونه! ويقولون: بايعنا النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا نسأل الناس شيئا.

قال: ولقد رأيت بعضهم يكون على دابته على بعيره فيسقط سوطه الذي في يده والناس يمرون بجانبه، فوالله ما يقول لأحد منهم ارفع إلي سوطي! بل إنه ينيخ بعيره مع مشقة ذلك عليه ويأخذ سوطه، ثم يركب بعيره مرة أخرى ويبعث البعير ماشيا، كل هذا التعب وهو يستطيع أن يقول لأحد: ارفع إلي سوطي! مع كل تلك المشقة لا يفعلون ذلك.

هذه التربية على العزة هي التي يريدها الإسلام منا، ألا تذل نفسك لأجل دنيا، لا تذل نفسك لأجل مال، ألا تذل نفسك لأجل منصب، ألا تتمسح ببعض أصحاب المناصب أو الجاه لأجل أن تجد من ورائهم دنيا فتسكت عن منكر، أو ربما تشارك في منكر، أو لا تأمر بمعروف، أو تتغاضى عن إهانة توجه إليك لأجل مال تحصل عليه، أو لأجل منصب، أو لأجل تذكرة طائرة، أو سكن في فندق يحاسب عنك، أو لأجل دعوتك إلى عشاء، أو ما شابه ذلك من الأمور.

كن عزيزاً، وهذا الذي يريده الله تعالى من المؤمنين جميعاً، والله -جل وعلا- قد أعز الإنسان عموماً على سائر المخلوقات، كما قال -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾، كرمناهم وجعلناهم ناطقين خلاف البهائم، كرمناهم فجعلناهم عقلاء خلاف الحيوانات، كرمناهم فجعلناهم يتعبدون الله تعالى ويتقربون إليه ويعمرون الأرض خلاف غيرهم، كرمنا بني أدم، فلماذا تذل نفسك بعد الكرامة؟ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:70].

وقال الله -جل وعلا-: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾ [التين:1-4]، أحسن تقويم في خلقته، وفي عقله وتفكيره، وفي نوعية طعامه ونوعية شرابه ونوعية لباسه، أحسن تقويم، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:5]، رُد أسفل سافلين إن عبد غير الله، إن وحَّد غير الله، إن توجه بعبادته أو أذل نفسه لغير الله.

أيها المسلمون: إن التعود على الذلة، التعود على الانكسار، التعود أن تكون يدك هي دائماً السفلى ويد غيرك هي العليا، التعود على أن تكون محتاجاً إلى فلان في واسطة ومحتاجاً إلى فلان في مال، ومحتاجاً إلى الثالث في شفاعة، ومحتاجاً إلى الرابع في علاج، ومحتاجاً إلى الخامس في كذا…

تعود الإنسان على أن يكون دائماً يتكئ على الآخرين، كالطفل الذي لا يحسن المشي إلا بمعاونة من يمينه وشماله، أو كالمريض الذي لا يستطيع ان يسير بنفسه بل يحتاج إلى معاونة غيره، كلا! بل كن عزيزاً، وارفع رأيك، واعلم أنك كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾.

والمؤمن -أيها الإخوة الكرام- عزيزٌ بمنهجِه، عزيز بإيمانه، عزيز بدينه الذي ليس فيه شرك، وليست فيه عبادةٌ لغير الله تعالى.

لما أقبل عمر رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبيده صحيفة كان -رضي الله تعالى عنه- قد كتبها له رجل من اليهود من التوراة، جلس مع رجل من اليهود فذلك اليهودي قرأ عليه بعض الأحكام من التوراة، والتوراة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة:44]. فالتوراة وإن كانت محرفة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أنها كان لا يزال فيها شيء من الصواب الذي أنزله الله تعالى على موسى عليه صلوات الله وسلامه.

جلس عمر رضي الله عنه مع رجل من اليهود فأعجب عمر كلام من التوراة، فطلب عمر من ذلك اليهودي أن يكتبه له، فكتبه له في صحيفة، حِكم وتوجيهات وكلام حسن، فذهب بها عمر مستبشراً إلى -صلى الله عليه وسلم- لتقرأ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما جاء بالصحيفة نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى عمر، وإذا عمر قد جاء بصحيفة أنزلت على قوم آخرين وقد أبدلنا الله تعالى بالقرآن الذي هو مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، جامع كل ما فيه من الحكم والأمثال والفوائد والعبر والعبادة.

وقال -صلى الله عليه وسلم- لما رآها مع عمر، وقد تغير وجهه، قال -صلى الله عليه وسلم- وقد بان عليه الغضب: " أَمُتَهَوِّكٌ فيها يا ابن الخطاب؟!" يعني عندكم شك في شريعتي؟ عندكم شك في الدين الذي أرسلت به؟ فتذهبون تبحثون عن كتاب آخَر لديانة أخرى، قال: "أمتهوِّكٌ فيها يا ابن الخطاب؟! والله! والذي نفسي بيده! لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني".

نحن الأعزة يا عمر، نحن الأعلون يا عمر، أنت نبيك هو خاتم الأنبياء وسيدهم، وهو سيد ولد آدم يوم القيامة، كيف تذهب يا عمر إلى نبي آخر، وإن كان نبياً مرسلا صالحا تقيا، كيف تذهب يا عمر وعندك القرآن؟!.

فبالله عليك ماذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لو رأى قوما من منافقي زماننا يتمسحون ببعض الدول الفاجرة الكافرة، ويزورونهم مجالسين ومعجبين بما عندهم من مناهج، ويرى ذلة إذا سئل عن حجاب المرأة، ويرى تلك المرأة هناك أكمل وأعلى وأعزّ، يرى ذلة إذا سئل عن أحكام في الشريعة كإقامة حَدِّ القتل على القاتل، وقطع يد السارق، وجلد الزاني، ورجم المحصن، وشارب الخمر، فإذا سئل عنها شعر بذلة، أو ربما سافر إلى هناك ثم شعر بذلة إذا دخل عليه وقت الصلاة وأراد أن يصلي، ويقول لمن حوله: نصلي أمام الناس؟!.

سبحان الله! الشواذ هناك الذين خالفوا الغريزة التي فطر الله عليه الناس من اتباع ما كان يفعله شذاذ قوم لوط -عليه السلام- يفتخرون بما هم عليه من الشذوذ، ويشعرون بالعزة، ولا يرضون أن يذم أحد ما يفعلونه! اليهود يفتخرون بما هو عندهم من ضلالات، ويجرمون من أنكر المحرقة أو غير ذلك! ومع ذلك يأتي قوم من أصحابنا ثم يشعر بذلة إذا أراد أن يتكلم عن دينه، يتكلم عن صلاته! وتجد الأمر كما قال الله -جل وعلا-، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ(139)﴾ [النساء:138-139].

يكوِّن علاقة مع كافر بحثا عن العزة، لماذا تذل نفسك لهم؟ لماذا تقدم تنازلات عن دينك؟ لماذا تُخفي بعض معالم دينك خشية من انتقاده لك؟ والله! كأن الآية تتكلم عن زمننا الذي نعيشه الآن! ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا(139)﴾، فمَن ابتغى العزة بغير الله ذَلَّ، ومن أراد الارتفاع بغير منهج الله تعالى انحطَّ، ومن تعلَّق بحبل غير حبل الله تعالى انقطع به، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾ [الأعراف:176].

﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا(139)﴾، ثم قال الله، ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، لا تقعد مع من يتنقص دينك، لا تقعد مع من يتنقص شريعتك، مع من يراك ذليلا: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:140].

العزة هي شعور ينبغي أن يكون في قلوبنا جميعاً، عندما نتعامل مع صلاتنا تشعر أنها تزيدك عزة، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، عندما تتعبد لله تعالى وتذل رقبتك له تشعر بعزة، عندما ترى كافراً يقول: الله ثالث ثلاثة، أو يقول: عزير ابن الله، أو يعبد بوذا، أو يعبد بقرة، تشعر بالعزة؛ لأنك تعبد الله وحده لا شريك له.

عندما ترى من يتتبعون قوانين فرنسية وأمريكية وبريطانية وغير ذلك، ويحكمون بها بما يتعلق بالجرائم وغيرها، وأنت تحكم بمنهج رباني لم يصنعه بشر، ولم يكتبه بشر، ولم تتقرب به إلى بشر، ولم يحدده لك بشر، وإنما سنه وقضاه وأمرك به ربك جل جلاله، تشعر بعزة، بأنك أنت الأعلى في أحكامك الشرعية، بأنك أنت الأعلى في عبادتك، بأنك أنت الأعلى في حياتك، هذا الذي ينبغي أن نتربى عليه، ونربي عليه غيرنا.

لما أقبل جابر -رضي الله تعالى عنه- من الشام إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سجد بين يديه، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما هذا يا جابر؟!"، استغرب! أنت عزيز لا تسجد إلا لله حتى لو رأيت نبياً أو ملكا، لا تسجد إلا لله؛ عزةً يا جابر وعبادة، "قم يا جابر"، فقام جابر، فقال -صلى الله عليه وسلم- ما حملك على ذلك؟ يعني هذا أمر جديد، تسجد لي! ما هذا؟ ما حملك على هذا؟ قال له: يا رسول الله، رأيتهم في الشام يسجدون لعظمائهم ولملوكهم، وأنت يا رسول الله أعز عندنا وأعلى، فسجدت لك. فقال له -صلى الله عليه وسلم-: "لا". نهاه عن ذلك، وقال له -صلى الله عليه وسلم-: "لو كنتُ آمراً أحداً أن يسجد لأحَدٍ لأمَرْتُ المرأة أن تسجد لزوجها".

عزة يريد أن يربيك عليها الإسلام، انتبه، لا تذل نفسك ولا تتعود على هذا، كن عزيزاً، بنو اسرائيل لما ذلوا وقال لهم موسى -عليه السلام-: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:21]، كانوا أذلة ما عندهم اعتزاز، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ [المائدة:22]، وكانوا أذلة، فعاقبهم الله تعالى في أن تاهوا في الصحراء أربعين سنة، وتاهوا فيها يبيتون على الرمل والحجر، أراد الله تعالي يعزهم فطلبوا الذلة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لا ينبغي لأحدكم أن يذل نفسه.

الإمام الباقلاني أبو بكر -رحمه الله تعالى- أرسله الخليفة برسالة إلى ملك الروم، وكان ملك الروم مَن دخَل عليه أُلزِم أن يركع بين يديه، أن يُقبِل إليه راكعاً؛ يذل قومه، وهم قد رضوا بالذلة كأقوام تعودوا الذل وخفض الرأس حتى صار رفع الرأس شاقا إذ لم يتعودا عليه! فلما قيل للإمام الباقلاني: ادخل عليه، علم ذلك الملك أنه لن يرضى أن يركع بين يديه إذا دخل، وخشي أن يُفسد عليه أصحابه الذين عنده من وزرائه وقساوسته الذين يركعون صباحاً ومساء.

فأمر الملك أن يُغلق الباب الرئيسي وأن يدخل الباقلاني من باب قصير صغير، باب مخصص لأشياء معينة أمر أن يدخل من خلاله حتى يضطر إلى الانحناء عند الدخول فيشفي ما في صدر هذا الملك، ويقول لأصحابه ها هو قد انحنى لي، فلما أقبل الإمام أبو بكر الباقلاني إلى ذلك الباب القصير فهِم مراده، فلف ظهره ودخل بدبره، انحى ودخل بدبره جهة ملك الروم، ثم مشى خطوات ودبره في وجه ذلك الملك ثم اعتدل وقام قائماً بين يديه.

فعلم الملك أن أمثال هؤلاء الذين تربوا على العزة أنهم يرضعونها من أثداء أمهاتهم، ويربون عليها في صِغَرهم، وأن كثرة سجودهم لربهم تزيدهم عزة وظهوراً وعُلُوَّاً، وأن الله تعالى يرفعُهم وينصرهم إذا علم منهم مثل هذا الاعتزاز الذي يرتفعون به على بقية البشر، نعم، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:8]، فلم يطلبوا العزة من مصدرها من ربنا، ولكن طلبوها من قوم آخرين يبتغون عندهم العزة.

أسأل الله تعالى أن يعزنا بدينه، وأن يرفعنا بشريعته، وأن يعلي قدرنا في الدنيا والآخرة، اللهم أغننا عن الناس يا حي يا قيوم، واجعل تعبدنا وتقربنا وذلتنا لك وحدك لا شريك لك، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وإخوانه وخلانه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.

أيها الإخوة الكرام: ومن أعظم صور العزة أن لا يكون عنده تشكك في شعائر دينه أبداً، و أن تكون عنده قناعة تامة بنصرة الله تعالى لهذا الدين، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يمشى بطرقات مكة في أوائل الإسلام، فيرى بلالاً يُعذَّب، ويرى سمية وزوجها وابنها قد رُبطوا على جذوع النخل ويُعذَّبون، ويرى خبابا -رضي الله تعالى عنه- يُصْلَى بالنار، ومع ذلك لم يشعر النبي -صلى الله عليه وسلم- في لحظة من اللحظات أنه ذليل بعد عز، أو منكسر بعد قوام، أو أنه يحتاج لنصرة من هؤلاء الكافرين، بل كان إن استنصر لا يستنصر إلا بالله تعالى، وإن استغاث لا يستغيث إلا بالله، وإن استجار لا يستجير إلا بالله، متمثلا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

نحن إذا فعلنا مثل ذلك، سواء كنا نتعامل مع مسلمين، فنشعر بعزة حتى مع التعامل مع الناس فلا أذل نفسي لهم، أو إذا تعاملنا مع غير المسلمين أشعر أيضا بعزة وقناعة بما أنا عليه، ليس كبرا وغرورا، لا، وإنما تواضعاً وحسنَ خلق، مع شعور في الداخل بالعزة والاكتمال، ما دام أن العبد متعبد لرب المتَعال -جل في علاه-.

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا.