وقفات مع آية الكرسي (2)

عناصر الخطبة

  1. بعض المعاني والمقاصد التي دلت عليها آية الكرسي
  2. المقصود بقوله: ﴿اللّهُ﴾ ومعانيه وكيفية معرفته
  3. آثار ومقتضيات معرفة اسم الله: \"الله\"
اقتباس

هذه الآية الكريمة صُدِّرت بكلمة التوحيد الخالدة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. ﴿اللَّهُ﴾ التي هي أعظم الكلمات وأجلُّها على الإطلاق. لقد بدأت هذه الآية العظيمة بهذا الاسم العظيم: ﴿اللَّهُ﴾ الذي تفرد به سبحانه، فلا يمكن لأحد أن…

الخطبة الأولى:

الحمد لله، الحمد لله أبدعَ ما أوجدَ، وأتقنَ ما صنَعَ، وكلُّ شيءٍ لجبروته ذلَّ ولعظمته خضَعَ، سبحانه وبحمده في رحمته الرجاء، وفي عفوِه الطمعُ، وأُثنِي عليه وأشكُره؛ فكم من خيرٍ أفاضَ ومكروهٍ دفَع.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعالى في مجده وتقدَّس وفي خلقِه تفرَّد وأبدَع.

وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أفضلُ مُقتدًى به وأكملُ مُتَّبَع، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه أهل الفضلِ والتّقَى والورَع، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ولنهجِ الحق لزِم واتَّبَع، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

قال الله -تعالى-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].

هذه الآية العظيمة المباركة دلّت على أعظم المعاني وأجلِّها، وعلى أشرف المقاصد وأعظمها؛ دلت على توحيد الله، ووجوبِ إخلاصِ الدينِ له، وإفرادِه وحده -جل وعلا- بالعبادة.

هذه الآية الكريمة صُدِّرت بكلمة التوحيد الخالدة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.

﴿اللَّهُ﴾ التي هي أعظم الكلمات وأجلُّها على الإطلاق.

لقد بدأت هذه الآية العظيمة بهذا الاسم العظيم: ﴿اللَّهُ﴾ الذي تفرد به سبحانه، فلا يمكن لأحد أن يتسمى بهذا الاسم إلا الله -تعالى- عز من قائل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65].

﴿اللَّهُ﴾ هو الاسم الذي ما استعان به أحد إلا ونجاه، وما عبده أحد إلا وأرضاه، وما لجأ إليه أحد إلا آواه وحماه، وما توكل عليه أحد إلا وكفاه.

﴿اللَّهُ﴾ -جل جلاله وعز شأنه- أحق من عُبد، وأحق من ذُكر، وأجود من سُئل، وأوسع من أَعطى، هو المعبود بحقٍّ الذي تقصِده كل الكائنات، وتخضع لجلال هيبته كل المخلوقات، فإذا خاف الإنسان التجأ إلى الله مولاه، وإذا افتقر اتجه إلى الله -جل في علاه-، تسكن الآلام والهموم لما يقول العبد: ﴿اللَّهُ﴾.

إذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت -أيها العبد- إذا أتتك المصائب والهموم والأحزان، ما عليك إلا أن تنطق: ﴿اللَّهُ﴾ فيطمئن القلب، وتسكن النفس، ويرتاح البال، وتهدأ الأعصاب.

فالقلوب مفطورة على التوجه إليه، لكنَّها في حالات الرخاء يعلوها الران، فإذا أصابتها المصائب ونزلت بها الشدائد اتجهت إلى الله وتركت كل ما سواه.

وقد سئل أحد السلف: يا إمام من هو الله؟ فقال: ألم تركب البحر؟ قال: بلى، قال: هل حدث مرة أن هاجت الريح عاصفة؟ قال: نعم، قال: وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم، قال: فهل خطر في بالك أن هناك من يستطيع أن ينجيك إن شاء؟ قال: نعم، قال: ذلك هو الله المؤمن -سبحانه-.

﴿اللَّهُ﴾ العظيم الجليل الذي تطمئن إليه القلوب، وترتاح إليه النفوس، قال ربنا: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: 22].

﴿اللَّهُ﴾ -سبحانه- لا يٌخيِّب رجاء من دعاه، ولا يضيع سعي من التجأ إليه، ولا يرد من وقف على بابه، هو قوةُ كل ضعيف، وملجأ كل ملهوف، من تكلم سمع نطقه، ومن سكت علم سره، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فإليه منقلبه، لا إلـه إلا هو الله -جل جلاله-.

الإيمان به سبب السعادة والنعيم، قال جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]، فالروح لا تأنس ولا تفرح ولا يُذهِب همها وقلقها إلا الإيمان بالله، وبقدر تحصيل هذا الإيمان تكون السعادة، الإيمـان بالله -عز وجل- هو باب السعـادة الأعظم، ومفتاح هذا الباب أن تتعرف على الله -جل جلاله وتقدست أسماؤه-.

فكيف نعرف الله؟

نعرفه من آثاره، فالكون كله أثر من آثار الله -عز وجل-، الكون كله ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، الكون كله يشف عن رحمته، عن قوته، عن علمه، عن غناه، عن عدله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ذاق طعم الايمان، من رضي بالله ربا والاسلام دينا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيا"، هذا الذوق المنبعث عن هذا الرضا هو المعرفة بالله -تعالى-، والمعرفة نور أسكنه الله -تعالى- قلب من أحبه من عباده، وحقيقة المعرفة حياة القلب بالمحيي، فمن ماتت نفسه، بعدت عنه دنياه ومن مات قلبه بعٌد عنه مولاه.

لذلك لا تجد إنساناً ضعيف الطاعة مقصراً بطيئا إلا بسبب ضعف في معرفة الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)﴾ [الإخلاص: 3 – 4].

﴿الله﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى(5)﴾ [الأعلى: 2 – 5].

السماء بناها، والجبال أرساها، والأرض دحاها: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: 31].

﴿الله﴾ رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.

﴿الله﴾ إنه الملاذ في الشدة، والأنيس في الوحشة، والنصير في القلة، يتجه إليه المريض الذي استعصى مرضه على الأطباء ويدعوه آملاً في الشفاء، ويتجه إليه المكروب يسأله الصبر والرضا.

﴿الله﴾ ملاذ الهاربين، وملجأ الخائفين، من علق نفسه بمعروف غير معروف الله فرجاؤه خائب، ومن حدث نفسه بكفاية غير كفاية الله فحديثه كاذب، لا يغيب عن علمه غائب، ولا يعزب عن نظره عازب: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: 61].

﴿الله﴾ الذي أضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وأسعد وأشقى، وأوجد وأبلى، ورفع وخفض، وأعز وأذل، وأعطى ومنع، ورفع ووضع، من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة، فالباب مفتوح هل من داخل؟ والمجال مفسوح هل من مقبل؟ والحبل ممدود هل من متشبث؟ والخير مبذول هل من متعرض؟

من أقبل إليه تلقاه من بعيد، ومن أعرض عنه ناداه من قريب، ومن ترك من أجله أعطاه فوق المزيد، أهل ذكره هم أهل مجالسته، وأهل شكره هم أهل زيادته، وأهل طاعته هم أهل كرامته، وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته، إن تابوا إليه فهو حبيبهم، وإن لم يتوبوا فهو رحيم بهم، يبتليهم بالمصائب ليطهرهم من المعايب، الحسنة عنده بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

والسيئة عنده بواحدة، فإن ندم عليها واستغفر غفرها له، يشكر اليسير من العمل، ويغفر الكثير من الزلل.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: 62].

﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: 102].

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

إذا أجذبت الأرض، ومات الزرع، وجف الضرع، وغار الماء، وقل الغذاء، واشتد البلاء، بمن نستغيث؟

نستغيث باللهُ، فيَنـزل المطر، وينهمر الغيث، ويذهب الظمأ، وترتوي الأرض: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحـج: 5].

إذا اشتد المرض بالمريض، وضعُف جسمه، وشحَب لونه، وقلت حيلته، وضعُفت وسيلته، وعجز الطبيب، وحار المداوي، وجزعت النفس، ورجفت اليد، ووجف القلب؛ إلى من يتجه العليل؟

إلى العليّ الجليل.

ينادي المضطر: يا اللهُ! يا الله! فيزول الداء، ويدب الشفاء: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

فسبحانه من خالق عظيم، جواد كريم، الكرم صفة من صفاته، والجود من أعظم سماته، والعطاء من أجل هباته، فمن أعظمُ منه جوداً؟ فهو ذو الفضل ومنه الفضل، وهو الجواد ومنه الجود، وهو الكريم -سبحانه- ومنه الكرم.

إن معرفة المؤمن لمعنى هذا الاسم العظيم، وما يستلزم من الأسماء الحسنى والصفات العلا لله جل وعلا، تطبع في القلب معاني عظيمة، وآثارًا جليلة، من أهمها: محبة الله -عز وجل- محبة عظيمة، تتقدم على محبة النفس، والأهل، والولد، والدنيا جميعًا؛ لأنه هو الإله المعبود وحده، المنعم المتفضل وحده، له الأسماء الحسنى، له الخلق والأمر وله الحمد كله.

تعظيمه سبحانه وإجلاله، وإخلاص العبودية له وحده، من توكل وخوف ورجاء ورغبة ورهبة وصلاة وصيام وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادات التي لا يجوز صرفها إلا له سبحانه.

الشعور بالعزة به سبحانه، والتعلق به وحده، فهو الله -سبحانه- خالق كل شيء، ورازق كل حي، وهو المدبر لكل شيء، والقاهر لكل شيء، فلا يعتز إلا به، ولا يتوكل إلا عليه.

فعلى المؤمن إذا عرف ربه بهذا الاسم واستشعر هذه المعاني ألاَّ يلتفت إلى غيره، وأن لا يرجو سواه سبحانه وتعالى، وأن لا يخاف إلاَّ منه سبحانه وتعالى.

وذلك أن الإيمان بالله -تعالى- يعمر القلب بالثقة به سبحانه وتعالى، ويملأه رغبة فيما عنده، ويجعل الإنسان يهتف باسمه في صباحه ومسائه، وفي السراء وعند الضراء، وفي اليسر وعند العسر، وفي الرخاء وعند الشدة: أن يتولى أمره، وأن يسدد خطاه، وأن ييسر له سبيل الخلاص.