أحسن الظن بالله

عناصر الخطبة

  1. ظاهرة التشاؤم وخطر ذلك
  2. خطر سوء الظن وثمرة حسن الظن
  3. وجوب التفاؤل وترك التشاؤم
  4. علاج التشاؤم ووسائل ذلك
  5. بعض فوائد وثمرات التفاؤل
اقتباس

التفاؤل يشرحُ الصدر، ويؤنسُ العبد، ويذهبُ الضيقَ الذي يوحيه الشيطانُ ويسبِّبُه في قلب العبد، والشيطان يأتي للعبد فيجعله يتوهم أشياءَ تضرُّه وتحزنُه، فإذا فتحَ العبدُ على قلبه بابَ التفاؤلِ أبعدَ عن قلبِه بابَ تأثير الشيطانِ في النفس. قال الحليمي: “إنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤمَ سوءُ ظنٍّ بالله -تعالى- بغير سببٍ محقَّق، والتفاؤلُ حسن ظنٍّ به، والمؤمنُ…

الخطبة الأولى:

إنَّ الحمدَ لله، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً(71)﴾ [الأحزاب: 70 – 71].

أما بعد:

فإن خيرَ الكلامِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمَّدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

ينتشر بين المسلمين الانقباض من غالب الأخبار، والتشاؤم من كثير من الأنباء، والتطيُّرُ مما يمكن أن يكون فيه الخير، وهذا ناشئ من ضعفٍ في الإيمان، وضآلةٍ في التفكير، وضعفٍ في التوكُّل، وبُعْدٍ عن درجةِ الإحسان، ونتيجة لذلك؛ رانَ على القلوب القنوط مكان الأمل والرجاء، وغشيها الضيق مكان السعة والانفراج، وحلَّ الحرجُ في الصدور مكان الانشراح.

لو نظرنا إلى المسلمين اليوم لوجدناهم –إلا من رحم الله- في حالة اكتئاب وانقباض، ويأس وقنوط، كثر فيهم التلفُّظُ بالطلاقِ وتحريمُ الحلال، والسبُّ والشتمُ واللعن، والسرقةُ والغيبةُ والنميمة، وسائرُ الألفاظِ والأفعالِ التي يُحاسبُ عليها المسلم، ويعاقبُ عليها المؤمن.

يتوقعون الشر أكثر من توقعهم للخير، وكلمة: "لا" عندهم مقدمة على كلمة: "نعم" وسوء الظن بالله، منتشر بينهم أكثر من حسن الظن به سبحانه، مخالفين بذلك قول الله في الحديث القدسي: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي" [البخاري: 7505، مسلم: 2675].

وزاد: "وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي".

وعند أحمد: "قَالَ الله: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ" [مسند أحمد: 15/ 36، ح 9076].

وعند أحمد أيضا: "قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ" [مسند أحمد: 25/ 398، ح 16016، الصحيحة: 1663].

وعند ابن حبان: "إِنَّ اللَّهَ -جَلَّ وَعَلَا- يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ إِنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظنَّ شراًّ فله" [التعليقات الحسان على صحيح ابن حبا: 2/ 94، ح 638، الصحيحة: 1663].

وخالفوا قولَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ" [مسلم: 2877].

إن سوء الظن في المسلمين، لا يجني ثمارا نافعة، والتشاؤم من بعض الأفعال نتيجته الفشل ولو كان في مكة المكرمة، فالناس تشاءموا وأساؤوا الظن بالمصالحة التي تمت في مكة المكرمة، ففشلت وفشل ما بعدها من مصالحات؛ لأنه رافقها سوء الظن والتشاؤم.

أما هذه المرة، فتم توقيع المصالحة بين الإخوة في الدين والدم والعروبة والوطن في غزة، وليس في مكة المشرفة، إن رافق هذا التوقيع حسنُ الظن بالمتصالحين، والتفاؤلُ بالخير، فستنجحُ المصالحة.

فعلينا أن نغلِّبَ التفاؤل الذي أَمرَنا به الشرع، على التشاؤم الذي نهانا عنه، ونقدمَ حسنَ الظن في المصالحة، ليس في الأشخاص والجماعات، بل في نحسن الظنّ بالله ربِّ الأرض والسموات، أن يمضي هذه المصالحة على ما يحبه لنا ويرضاه.

فحسن الظن يأتي بالفأل الحسن بالفلاح والنجاح، وسوء الظن يأتي بالتشاؤم والطيرة، والهزيمة والفشل، قال الخطابي: "والفرق بين الفأل والطيرة؛ أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله عزَّ وجل، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه" [غريب الحديث، للخطابي: 1/ 183].

فحسن الظن من العبد المؤمن يجعله يتفاءل ولا يتشاءم، فالفأل عنده في كل ما يسمعه من كلام، أو يراه من أفعال، حتى لو سبق السوءُ إلى سمعه وبصره، قال خيرا، ونطق طيبا صالحا، لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الفَأْلُ" قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: "الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ" [البخاري: 5754، مسلم: 2223].

وفي رواية: "وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ" [البخاري: 5756].

وفي رواية: "قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: "كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ" [البخاري: 5776].

وفي رواية لمسلم: "وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ؛ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ، الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ" [مسلم: 2224].

أخي المؤمن -يا عبد الله-: حافظ على منطقك، فلا تنطق إلا بالخير، فالفأل مُوكل بالْمَنْطق، وَكَذَا الْبلَاء مُوكل بالْمَنْطق والْقَوْل، فإذا سمعت خبرا -ولو كان في أول وهلة ظاهره سيء-، فأول ما تتكلم به أو تنطقه: "خيرا خيرا -إن شاء الله-".

سمعت: هناك مصالحة، فقل: "ستنجح المصالحة -إن شاء الله-".

سمعت: انقطعت الكهرباء: "ستأتي -إن شاء الله-".

سمعت: أُغلقت المعابر، فقل: "ستفتح -إن شاء الله-".

سمعتَ: ارتفع سعر الوقود أو الطعام، فقل: "سيرخص -إن شاء الله-".

سمعت: كثرت الذنوب والمعاصي، فقل: "سيتوب أهلها، وتنتشر الطاعات والصالحات -إن شاء الله-".

قال لك أحدهم: رأيت في منامي كذا وكذا، فقل: "خيرا خيرا -إن شاء الله-".

غيَّر النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم- اسم "عَاصِيَةَ" فقال: "أنت جميلة" [التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: 8/ 284، ح 5790].

فهل هذا التغيير كان من باب التشاؤم والطيرة؟!

الجواب: لا!.

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ابن حبان: "اسْتِعْمَالُ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يَكُنْ تَطَيُّراً بِعَاصِيَةَ, وَلَكِنْ تَفَاؤُلًا بِجَمِيلَةَ, وَكَذَلِكَ مَا يُشبِهُ هَذَا الْجِنْسَ مِنَ الْأَسْمَاءِ؛ لأنه صلى الله عيه وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الطَّيَرَة فِي غَيْرِ خَبَرٍ".

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قَالَ: "... وَأُحِبُّ الفألَ الصالح" [التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: 8/ 286، ح 5796].

فيَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ: لُزُومُ التَّفَاؤُلِ، وَتَرْكِ التَّطَيُّرِ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وتفاءل النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ أَتَى سُهَيْلٌ وفد المشركين المشرك، فقال: "سَهَّلَ اللَّهُ أَمْرَكُمْ" [الأدب المفرد، ص: 340، ح 915].

فغيّر أسماءً تثير التشاؤم بأسماء هي أحسن منها لتبعث على التفاءل، قال أبو داود: "وغيَّرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اسم العاصي وعزيزٍ وعتلةَ وشيطان، والحكمِ وغرابٍ وحبابٍ، وشهابٍ فسماه هشامًا، وسمى: حربا، سلما، وسمى: المضطجع، المنبعث، وأرضا، تسمى: عفرة، سماها: خضرة، وشعبَ: الضلالةِ، سماه: شعب الهدى، وبني الزنية، سماهم بني الرشدة، وسمى بني مغوية، بني رشدة، قال أبو داود: "تركت أسانيدها اختصارا".

قال الخطابي: أما العاصي، فإنما غيَّره كراهيةً لمعنى العصيان، وإنما سمةُ المؤمنِ الطاعةُ والاستسلام، والعزيز إنما غيَّره؛ لأن العزة لله، وشعار العبد الذلة والاستكانة، وعتلةُ معناها الشدة والغلظ، ومنه قولهم: "رجل عتلّ" أي شديد غليظ، ومن صفة المؤمن: اللين والسهولة، وشيطان اشتقاقه من الشطن، وهو البعد من الخير، وهو اسم الماردِ الخبيثِ من الجن والإنس، والحكمُ هو الحاكم الذي لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق إلا بالله -تعالى-، ومن أسمائه: الحكم، وغرابٌ مأخوذ من الغرب وهو البعد، ثم هو حيوان خبيث المطعم، أباح رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- قتله في الحل والحرم، وحُبابٌ، يعني بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة؛ نوع من الحيات، وروي أنه اسم شيطان، والشهاب الشعلةُ من النار، والنار عقوبة الله، وأما عَفِرة يعني بفتح العين وكسر الفاء فهي نعت الأرض التي لا تنبت شيئا، فسماها خضِرة على معنى التفاؤل حتى تخضرَّ" [صحيح الترغيب: 2/ 208، ح 1983].

عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ كان يغير الاسم القبيح" [صحيح الترغيب والترهيب: 2/ 207، ح 1980].

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ، فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنِ اسْمِهَا فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ" [سنن أبي داود: 3920، الصحيحة: 762].

فالكراهية لذكر السوء، وتغير الوجه ليس من التشاؤم، ولا من الطيرة، لكنه لا يؤثر شيئا على الأعمال ولا الأقوال، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ, عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فَأَخْبَرَاهَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الْمَرْأَةِ, وَالدَّارِ, وَالْفَرَسِ" فَغَضِبَتْ، وَطَارَتْ شُقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ، وَشُقَّةٌ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي نَزَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ, مَا قَالَهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَطُّ, إِنَّمَا قَالَ: "أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ" فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ, كَانَ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِكَايَةً عَنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ" [شرح معاني الآثار: 4/ 314، ح 7105، الصحيحة: 993].

وللتفاؤل يجب على المسلم استخدام ما هو حسن في الملبس والمنطق والصورة والاسم، ففي الحديث: "إذا أبردتم إليَّ بَرِيداً؛ فابعثُوه حَسَنَ الوجهِ، حَسَنَ الاسمِ" [قال الألباني في الصحيحة: 4034: "أخرجه البزار في "مسنده"].

فما الذي يذهبُ التطيرَ الناشئ، ويدفعُ التشاؤمَ الطارئ؟ عن عبد الله هو ابن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بالتوكل" [صحيح الأدب المفرد، ص: 337، ح 909].

فإذا وقع في القلب ما وقع من التشاؤم، فاصرفه بالتوكل على الله، والمضي في شأنك وعملك، ولا يردنك فإنه لا يضرُّك.

ولا تشاؤمَ في تركِ ما هو سيِّءٌ والإقبالِ على ما هو حسن، كترك المكانِ الموبوءِ بالأمراض، إلى مكانِ صحيٍّ نظيف، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: "ادْعُ لِي المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ" فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: "قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ، وَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ".

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلاَ نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاءِ" فَقَالَ: "ارْتَفِعُوا عَنِّي" ثُمَّ قَالَ: "ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ" فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِمْ، فَقَالَ: "ارْتَفِعُوا عَنِّي" ثُمَّ قَالَ: "ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ" فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلاَنِ، فَقَالُوا: "نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلاَ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاءِ" فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: "إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ" قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ: "أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟" فَقَالَ عُمَرُ: "لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟! نَعَمْ! نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟!" قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ -أي بالطاعون- بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ" [البخاري: 5729، مسلم: 2219].

ف "التفاؤل حُسْنُ ظَنٍّ بالله، وحافزٌ للهمَمِ على تحقيق المراد، بعكس التطيُّرِ والتشاؤم" [الجديد في شرح كتاب التوحيد، ص: 256].

الخطبة الثانية:

الحمد لله …

"لأن التفاؤلَ يشرحُ الصدر، ويؤنسُ العبد، ويذهبُ الضيقَ الذي يوحيه الشيطانُ ويسبِّبُه في قلب العبد، والشيطان يأتي للعبد فيجعله يتوهم أشياءَ تضرُّه وتحزنُه، فإذا فتحَ العبدُ على قلبه بابَ التفاؤلِ أبعدَ عن قلبِه بابَ تأثير الشيطانِ في النفس" [التمهيد لشرح كتاب التوحيد، ص: 340].

وقال الحليمي: "إنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤمَ سوءُ ظنٍّ بالله -تعالى- بغير سببٍ محقَّق، والتفاؤلُ حسن ظنٍّ به، والمؤمنُ مأمورٌ بحسنِ الظنِّ باللهِ -تعالى- على كل حال" [تيسير العزيز الحميد، ص: 373].

وإنما أَحَبَّ صلى الله عليه وسلم الفألَ؛ لأنَّ الناس إذا أمَّلوا فائدةَ اللهِ، ورجَوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي، فهم على خير، وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله -تعالى- كان ذلك من الشر، وأما الطيرة فإن فيها سوءُ الظنِّ بالله وتوقع البلاء.

والتفاؤل -مثلُ- أن يكونَ رجلٌ مريضٌ، فيسمعُ آخرَ، يقول: "يا سالم" أو يكون طالبَ ضالةٍ فيسمع آخر، يقول: "يا واجد" فيقع في ظنه أنه يبرأَ من مرضه، ويجد ضالَّتَه.

ومنه الحديث: قيل: يا رسول الله ما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة".

فبيّن صلي الله عليه وسلم: أن الفأل يعجبه، فدلَّ على أنه ليس من الطيرة المنهي عنها.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "ليس في الإعجاب بالفأل ومحبتِه شيءٌ من الشرك، بل ذلك إبانةٌ عن مقتضى الطبيعةِ، وموجبُ الفطرةِ الإنسانيةِ التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها" [فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص: 311].

عبادَ الله: مَن لَمْ يتطيَّرْ ولم يتشاءمْ، فله يوم القيامة فضل عظيم، فهو من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب، قال حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ، قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ، فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَوْمُهُ، وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ"، ثُمَّ نَهَضَ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: "مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟" فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: "هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "أَنْتَ مِنْهُمْ؟" ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" [مسلم: 220].

اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ على عبدِك ورسولِك محمَّدٍ الذي علمنا ديننا، فحذَّرنا من كلِّ سوءٍ وشر، وحثَّنا على كلِّ طيبٍ وصالحٍ وخير، اللهم لا طيرَ إلا طيرُك، ولا خيرَ إلا خيرُك، ولا إلهَ غيرُك، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين بك الظنِّ لا المسيئين، واجعلنا من المتفائلين لا المتطيِّرين المتشائمين، واجعلنا عندكَ من المقبولين، في أعلى عليّين، مع النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وأقم الصلاة.