البصير

عناصر الخطبة

  1. منهج أهل السنة في أسماء الله وصفاته
  2. إثبات الأسماء من معاني اسم الله البصير
  3. من آثار الإيمان باسم الله البصير
اقتباس

بصير يراك ويسمعك وأنت تدعوه أو تسبحه أو تصلي له، بصير يراك وأنت توقف سيارتك لتنحي صندوقا من طريق المسلمين أو كفرا أو حديدة، بصير يراك وأنت تخفض أنوار سيارتك العالية عن إخوانك، بصير رأى جهدك وإخلاصك في عملك ولو لم…

الخطبة الأولى:

الحمد لله البصيرِ الشهيد، الحسيبِ الحميد، الجميلِ المجيد وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله عابد مستغفر تواب، زاهد رقع الثياب، صلى الله وسلم عليه وعلى الآل والأصحاب.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ومجاهدة النفس، فحسن العبادة ودوام المراقبة، وشرف القرب من الله تبارك وتعالى لا يحرم شيئا من لذة الدنيا المباحة أو متاعها الطيب، ولكنه يحمي المؤمن من المرتع الوبيء والمستنقع الآسن مما فيه شر للإنسان في العاجل أو الآجل. ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:233].

عباد الرحمن: في مجالس الذكر تعظيم الديّان، وزيادة الإيمان، وتكفير للآثام والعصيان، وتوهين لكيد الشيطان، وبالذات عندما يكون الذكر متعلقا بالله تبارك وتقدس، وحديثنا اليوم عن اسم من أسماء الله تعالى فتعالوا نرطّب نفوسنا بحديث عن اسم كلما استشعرناه ازداد إيمان القلب وظهرت ثمرته في فعل الخيرات وترك المنكرات.. حديثنا مع اسم الله البصير.

اسم تكرر وروده في القرآن في مواضع تزيد على الأربعين، قال سبحانه ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:58]، وقال جل وعز ﴿وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:96].

وأهل السنة يثبتون لله -سبحانه- ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم- على ما يليق به سبحانه من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل ؛كما قال عن ذاته العلية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:11].

قال السعدي: “البصير الذي أحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسموات حتى أخفى ما يكون فيها فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها…” إلى آخر كلامه رحمه الله (الحق الواضح المبين ص 35).

عباد الرحمن: ولاسم البصير معنى آخر ذكره أهل العلم، وهو أنه ذو البصيرة بالأشياء الخبير بها المطلع على بواطنها؛ فأفعاله من إحياء وإماتة وغنى وفقر وصحة ومرض وغيرها وفْق حكمة ورحمة وبصر وعلم تام، كما قال -عز شأنه-: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:27]، وكما قال -سبحانه-: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء:30]؛ فأحسن الظن بربك وارض بأقداره.

عباد الله: والإيمان باسم الله البصير واستشعاره يقود المؤمن لفعل الطاعات، تأمل قول الحق سبحانه ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:110].

بصير يراك ويسمعك وأنت تدعوه أو تسبحه أو تصلي له، بصير يراك وأنت توقف سيارتك لتنحي صندوقا من طريق المسلمين أو كفرا أو حديدة، بصير يراك وأنت تخفض أنوار سيارتك العالية عن إخوانك، بصير رأى جهدك وإخلاصك في عملك ولو لم يشكر الرئيس ولو لم يُذكر اسمك مع المكرمين في الحفل، بصير يراك وأنت ترفع لحافك وتتجه إلى بيته لتصلي تلبية لنداء حي على الصلاة!

إن استشعار إبصار الله لعباده يحدو المسلم إلى فعل الطاعات احتسابا وبتلذذ، وفي استشعار هذا أيضا رقي بالعبادة وحرص على إتقانها؛ ففي حديث جبريل الشهير في الصحيحين عندما سأله عن الإحسان، قال: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك“.

عباد الرحمن: واستحضار علم الله بخلقه وإبصاره أفعالهم يحجز المسلم عن الذنوب قال الحق -سبحانه-: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾ [الإسراء:17]؛ يعلم ويرى المذنب والمحاد لله ورسوله ولكنه -سبحانه- عليم حكيم حليم لا يعاجل بالعقوبة، نسأل الله أن يغفر ذنوبنا ويوفقنا لتوبة نصوح وأن يمنّ علينا بعفوه وستره في الدنيا والآخرة.

اللهم يا ذا الجلال والإكرام وفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين واستغفروا الله إنه كان غفارا.

الخطبة الثانية:

الحمد لله السميع البصير، الشهيد الخبير وأشد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الكريم الشكور، العفو الغفور وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل مخبرا عن الدجال الأكبر في المتفق عليه: “إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور” صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فإن للإيمان باسم الله البصير آثار كثيرة كبيرة منها:

– مراقبة الله وتعظيمه والقيام بأمره في السر والعلن! ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:4].

– ومنها: التلذذ بالعبودية لله -تبارك وتعالى- والأنس بالخلوة مع الله سبحانه (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الشعراء:217-220].

– ومن آثار الإيمان باسمه البصير: الإكثار من الطاعات ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:110].

– ومن الآثار: إتقان العبادات والسعي لدرجة الإحسان! والله المستعان.

– ومن الآثار باسم الله البصير: الخوف من الله الذي لا تخفى عليه خافية في ليل أو نهار، وترك الذنوب احتسابا وتعظيما وإجلاله لله سبحانه ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.

– ومن الآثار: الحياء من الله أن يراه يعصيه فقد قال -سبحانه في معرض ذم قوم-: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ [النساء:108].

– ومن آثار الإيمان باسم الله البصير: تجديد التوبة دائما وحرارة الندم عند العصيان ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾ [الإسراء:17].

– ومن الآثار: التسليم والرضا بالأقدار المؤلمة ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء:30].

ثم صلوا وسلموا…

————-

مستفادة من كتاب: فقه الأسماء الحسنى د. البدر، وكتاب: مع الله د. العودة، وكتاب: ولله الأسماء الحسنى للجليّل