العمل الخفيف الثقيل – التسبيح

عناصر الخطبة

  1. تعريف التسبيح
  2. أهمية التسبيح ومكانته
  3. فوائد التسبيح
اقتباس

والتسبيح والرضا النفسي مقترنان قال الله -تعالى-: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾[طه:130] هذا أمر من الله -تعالى- بالتسبيح سائر اليوم ووعد منه -تعالى- بإنزال الرضا في النفس.. لاحظ -أيها المبارك- كيف استوعب التسبيح سائر اليوم؛ فهو قبل الشروق وقبل الغروب…

الخطبة الأولى:

الْحَمْدُ للهِ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ وَأَمَرَهُمْ بذكره ذكراً كثيراً، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَاهِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ رسله وَخَاتَمُ أنبيائه، سيد الذكرين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيراً.

أما بعد:

أيها الإخوة: التسبيح هو قول “سبحان الله” وأصله في اللغة: الإبعاد عن السوء، والمراد به تنزيه الله عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وهو أحدُ أنواع ذكر الله -تعالى- التي أمر بالإكثار منها في كتابه الكريم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(42)﴾[الأحزاب:41-42].

قال السعدي -رحمه الله-: “يأمر تعالى المؤمنين، بذكره ذكرًا كثيرًا؛ من تهليلٍ وتحميدٍ وتسبيحٍ وتكبيرٍ وغير ذلك، من كلِ قولٍ فيه قُربةٌ إلى الله، وأقل ذلك أن يلازمَ الإنسانُ أورادَ الصباحِ والمساءِ، وأدبارَ الصلوات الخمسِ، وعند العوارض والأسباب“.

أحبتي: والمتتبع لذكر التسبيح في القرآن يجد عجباً؛ فمرة يجده يرد القدر وينجي من الغم؛ كما في قصة يونس -عليه السلام- قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ(143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(144)﴾[الصافات:143-144]، وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ(87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾[الأنبياء:87-88].

ومرة يجد التسبيح ذكرٌ لمن في السماوات وَالْأَرْضِ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنَاسِيِّ، وَالْجَانِّ وَالْحَيَوَانِ، حَتَّى الْجَمَادِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾[الْإِسْرَاءِ:44].

﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾؛ أَيْ: فِي حَالِ طَيَرَانِهَا تُسَبِّحُ رَبَّهَا وَتَعْبُدُهُ بِتَسْبِيحٍ أَلْهَمَهَا وَأَرْشَدَهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا هِيَ فَاعِلَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾[النور:41]؛ أَيْ: كُلٌّ قَدْ أَرْشَدَهُ إِلَى طَرِيقَتِهِ وَمَسْلَكِهِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ.

والتسبيح هو الذكر الذي كانت تردده الجبال والطير مع داود -عليه السلام- قال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾[الأنبياء:79]، وذلك أنه كان من أعبد الناس وأكثرهم لله ذكراً وتسبيحاً وتمجيداً، وكان قد أعطاه اللهُ من حسن الصوت ورقته ورخامته ما لم يؤته أحداً من الخلق؛ فكان إذا سبح وأثنى على الله جاوبته الجبال الصم والطيور البهم، وهذا من فضل الله عليه وإحسانه.

والتسبيح -أيها الأحبة- ذكر أهل الجنة -جعلنا الله ووالدينا من أهلها-، قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[يونس:10]؛ أي عبادتهم فيها لله، أولها تسبيحٌ لله وتنزيهٌ له عن النقائصِ، وآخرها تحميدٌ لله؛ فالتكاليف سقطت عنهم في دار الجزاء، وإنما بقي لهم أكملُ اللذات، الذي هو ألذُ عليهم من المآكل اللذيذة، ألا وهو ذكر الله الذي تطمئن به القلوب، وتفرح به الأرواح، وهو لهم بمنزلة النَّفَس من دون كلفة ومشقة.

والتسبيح هو ذكر الملائكة الأبرار -عليهم السلام-، قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾[الشورى:5].

أيها الإخوة: ينبغي للعبد المداومة عليه في جميع الأوقات، وعلى جميع الأحوال؛ ففوائده عظيمة جداً منها: أنه عبادة يسبق بها العامل وهو مستريح؛ فأسهل عمل وحركة على الإنسان عمل اللسان وحركته، ولو تحرك عضو من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشق عليه غاية المشقة؛ بل لا يمكنه ذلك.

وهو أحب الكلام إلى الله -تبارك وتعالى-؛ لأنه يدل على التنزيه الكامل والتعظيم البالغ لله -جل وعلا-، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ؟” قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ، فَقَالَ: “إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ“(رواه مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-). وَقَالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-: “قَدْ عَرَفْنَا مَا أَرَادَ اللَّهُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَرَأَيْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَرَادَ.؟” فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “كَلِمَةٌ رَضِيَهَا اللَّهُ -تعالى- فَأَحَبَّ أَنْ تُقَالَ” قَالَ: “صَدَقْتَ“(رواه الطبراني في الدعاء).

والتسبيح والرضا النفسي مقترنان قال الله -تعالى-: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾[طه:130] هذا أمر من الله -تعالى- بالتسبيح سائر اليوم ووعد منه -تعالى- بإنزال الرضا في النفس.. لاحظ -أيها المبارك- كيف استوعب التسبيح سائر اليوم؛ فهو قبل الشروق وقبل الغروب، وآناء الليل وأول النهار وآخره! إنه اليوم كله! ومتى ما استوعبت وقتك بالتسبيح نزل الرضا بقلبك ذلك أن التسبيح اتصال بالله، والنفس التي تتصل بالله تطمئن وترضى؛ فالرضى ثمرة التسبيح والعبادة ينبت من داخل النفس ويترعرع في حنايا القلب، ومتى ما نزل الرضا بالقلب طابت الحياة وزانت.. والرضا في هذه الآية عام في الدنيا والآخرة..

اللهم اجعلنا ممن يسبحك كثيرا ويذكرك كثيرا. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين الملك الحق المبين، وأشهد ألا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[البقرة:281].

أيها الإخوة: ومن فوائد التسبيح: أنه يحط الخطايا وإن كثرت، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ“(رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-).

ومن فوائد التسبيح: أن المسبح تغرس له بكل تسبيحة نخلة في الجنة. قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ“(رواه الترمذي عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وصححه الألباني)، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- “لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ“(رواه الترمذي وحسنه الألباني عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْه-).

ومن فوائد التسبيح: أنه وسيلة لكسب الحسنات؛ فَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: “أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ، كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟” فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: “يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ“، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ قَالَ: حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ“(رواهما مسلم).

والتسبيح خفيف على اللسان ثقيل في الميزان يوم القيامة حبيب إلى الرحمن، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ“(رواه البخاري ومسلم).

وبعد:

أيها الإخوة: بالتسبيح والذكر عموماً تطمئنُّ القلوب وتهدأ، وتتنزل السكينة والرحمة والسعادة، وتنشرح الصدور، وتذهبُ الهموم والغموم، ويزيل عنها الكروب ويجليها، ويعلو وجه الذاكر والمسبِّح النور والوقار.. يندحر عنه الشيطان وتبطل وساوسه، وهما يجلبان محبة العبد لله ومحبة الله له، ويذكر الله -تعالى- عبده الذاكر في ملأه في السماء، وهو اتصالٌ دائمٌ للعبد بربه؛ فلا ينساه ولا يغفُل عنه، ويزيد إيمان العبد ويقوّيه.. وبالتسبيح والذكر تزيدُ الحسنات وتُمحى السيئات، وتُذاب به قسوة القلوب وجفاؤها، وتتيسر به الأمور وتسهل، ويتعلق قلب العبد بربّه، وينشغل بأمور آخرته، وينسى الدنيا وملذّاتها.

اللهم اجعل ألسنتنا عامرة بذكرك وتسبيحك، واجعلنا ممن يسبحك كثيرا ويذكرك كثيرا.

وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة محمد بن عبدالله؛ فمن صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً..