المصور
كلمة (المصور) في اللغة اسم فاعل من الفعل صوَّر ومضارعه يُصَوِّر،...
اللَّبْثُ في المسجد مدةً بِنِيَّةِ عبادة لله تعالى، وبخاصة في العشر الأواخر من شهر رمضان . ومن شواهده قوله تعالى : ﭽﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳﭼالبقرة : ١٢٥ .
اللَّبْثُ في المسجد مدةً بِنِيَّةِ عبادة لله تعالى، وبخاصة في العشر الأواخر من شهر رمضان.
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِعْتِكَافُ لُغَةً: الاِفْتِعَال، مِنْ عَكَفَ عَلَى الشَّيْءِ عُكُوفًا وَعَكْفًا. مِنْ بَابَيْ: قَعَدَ، وَضَرَبَ. إِذَا لاَزَمَهُ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ، وَعَكَفْتُ الشَّيْءَ: حَبَسْتُهُ.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} (1) . وَعَكَفْتُهُ عَنْ حَاجَتِهِ: مَنَعْتُهُ (2) .
وَالاِعْتِكَافُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ الْعَادِيَّةِ.
وَشَرْعًا: اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِنِيَّةٍ (3) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْخَلْوَةُ:
2 - الْخَلْوَةُ مِنْ خَلاَ الْمَكَانُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ، وَلاَ شَيْءَ فِيهِ، وَهُوَ خَالٍ، وَمِنْهُ خَلْوَةُ الرَّجُل بِنَفْسِهِ إِذَا انْفَرَدَ.
وَالاِعْتِكَافُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الآْخَرِينَ بِنَفْسِ الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ، فَالْمُعْتَكِفُ قَدْ يَنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ لاَ يَنْفَرِدُ.
ب - الرِّبَاطُ وَالْمُرَابَطَةُ:
3 - الرِّبَاطُ هُوَ: الْحِرَاسَةُ بِمَحَلٍّ خِيفَ هُجُومُ الْعَدُوِّ مِنْهُ، أَوِ الْمَقَامُ فِي الثُّغُورِ لإِِعْزَازِ الدِّينِ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ (4) .
وَالاِعْتِكَافُ يَكُونُ فِي الثُّغُورِ وَغَيْرِهَا، وَالرِّبَاطُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الثُّغُورِ، وَيَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ.
ج - الْجِوَارُ:
4 - الْجِوَارُ هُوَ: الْمُلاَصَقَةُ فِي السُّكْنَى (5) ، وَيُسَمَّى الاِعْتِكَافُ جِوَارًا، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂ عَنِ اعْتِكَافِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ (6) .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا: كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ - يَعْنِي الأَْوْسَطَ - ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ (7) .
قَال مَالِكٌ (8) : الاِعْتِكَافُ وَالْجِوَارُ سَوَاءٌ إِلاَّ مَنْ نَذَرَ، مِثْل جِوَارِ مَكَّةَ، يُجَاوِرُ النَّهَارَ، وَيَنْقَلِبُ اللَّيْل إِلَى مَنْزِلِهِ، قَال: فَمَنْ جَاوَرَ مِثْل هَذَا الْجِوَارِ الَّذِي يَنْقَلِبُ فِيهِ اللَّيْل إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي جِوَارِهِ صِيَامٌ.
فَالْجِوَارُ عَلَى هَذَا أَعَمُّ مِنَ الاِعْتِكَافِ، لأَِنَّهُ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ، وَيَكُونُ مَعَ الصِّيَامِ وَبِدُونِهِ.
حِكْمَةُ الاِعْتِكَافِ:
5 - الاِعْتِكَافُ فِيهِ تَسْلِيمُ الْمُعْتَكِفِ نَفْسَهُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى طَلَبَ الزُّلْفَى، وَإِبْعَادَ النَّفْسِ مِنْ شُغْل الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ مَانِعَةٌ عَمَّا يَطْلُبُهُ الْعَبْدُ مِنَ الْقُرْبَى، وَفِيهِ اسْتِغْرَاقُ الْمُعْتَكِفِ أَوْقَاتَهُ فِي الصَّلاَةِ إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، لأَِنَّ الْمَقْصِدَ الأَْصْلِيَّ مِنْ شَرْعِيَّةِ الاِعْتِكَافِ انْتِظَارُ الصَّلاَةِ فِي الْجَمَاعَاتِ، وَتَشْبِيهُ الْمُعْتَكِفِ نَفْسَهُ بِالْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَيُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ (9) .
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
6 - الاِعْتِكَافُ سُنَّةٌ، وَلاَ يَلْزَمُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَرْتَبَةِ هَذِهِ السُّنِّيَّةِ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَمُسْتَحَبٌّ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ مَنْدُوبٌ مُؤَكَّدٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ.
وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ سُنَّةٌ فِي رَمَضَانَ وَمَنْدُوبٌ فِي غَيْرِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ، وَفِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ آكَدُ اقْتِدَاءً بِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَطَلَبًا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ سُنَّةٌ فِي كُل وَقْتٍ، وَآكَدُهُ فِي رَمَضَانَ، وَآكَدُهُ فِي الْعَشْرِ الأَْخِيرِ مِنْهُ.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ سُنَّةٌ، لاَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ فَرْضًا، إِلاَّ أَنْ يُوجِبَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ الاِعْتِكَافَ نَذْرًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ.
وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَطَلَبًا لِثَوَابِهِ، وَاعْتِكَافُ أَزْوَاجِهِ مَعَهُ وَبَعْدَهُ.
أَمَّا أَنَّ الاِعْتِكَافَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلأَِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَلْتَزِمُوا الاِعْتِكَافَ كُلُّهُمْ، وَإِنْ صَحَّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلُهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ أَصْحَابَهُ بِالاِعْتِكَافِ إِلاَّ مَنْ أَرَادَهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ (10) - أَيْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ - وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا عَلَّقَهُ بِالإِْرَادَةِ.
وَيَلْزَمُ الاِعْتِكَافُ بِالنَّذْرِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ (11)
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ (12) .
أَقْسَامُ الاِعْتِكَافِ:
7 - يَنْقَسِمُ الاِعْتِكَافُ إِلَى وَاجِبٍ، وَمَنْدُوبٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَسْنُونَ (13) .
أ - الاِعْتِكَافُ الْمَنْدُوبُ:
وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الاِعْتِكَافَ تَطَوُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَأَقَلُّهُ لَحْظَةٌ، أَوْ سَاعَةٌ، أَوْ يَوْمٌ، أَوْ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ حَسَبَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ.
وَهُوَ سُنَّةٌ فِي كُل وَقْتٍ، وَيُسَنُّ أَلاَّ يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
ب - الاِعْتِكَافُ الْوَاجِبُ:
8 - لاَ يَجِبُ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا، وَبِالشُّرُوعِ فِي الاِعْتِكَافِ الْمَسْنُونِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِل الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَسَيَأْتِي فِي (ف: 13)
وَهَل يُشْتَرَطُ التَّلَفُّظُ بِالنَّذْرِ أَمْ يَكْفِي النِّيَّةُ فِي الْقَلْبِ؟
صَرَّحَ الْجَمِيعُ بِوُجُوبِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ، وَلاَ يَكْفِي نِيَّةُ الْقَلْبِ (14) .
ج - الاِعْتِكَافُ الْمَسْنُونُ:
9 - زَادَ الْحَنَفِيَّةُ قِسْمًا ثَالِثًا لِلاِعْتِكَافِ، وَهُوَ مَا أَطْلَقُوا عَلَيْهِ " سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ " أَيْ سُنَّةُ كِفَايَةٍ فِي الْعَشْرِ الأَْخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِذَا قَامَ بِهَا بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ الطَّلَبُ عَنِ الْبَاقِينَ، فَلَمْ يَأْثَمُوا بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى التَّرْكِ بِلاَ عُذْرٍ، وَلَوْ كَانَ سُنَّةَ عَيْنٍ لأََثِمُوا بِتَرْكِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ إِثْمًا دُونَ إِثْمِ تَرْكِ الْوَاجِبِ (15) .
أَرْكَانُ الاِعْتِكَافِ:
10 - أَرْكَانُ الاِعْتِكَافِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَرْبَعَةٌ: وَهِيَ الْمُعْتَكِفُ، وَالنِّيَّةُ، وَالْمُعْتَكَفُ فِيهِ، وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُكْنَ الاِعْتِكَافِ هُوَ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَطْ، وَالْبَاقِي شُرُوطٌ وَأَطْرَافٌ لاَ أَرْكَانٌ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ رُكْنًا آخَرَ وَهُوَ: الصَّوْمُ (16) .
الْمُعْتَكِفُ:
11 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَاشْتَرَطُوا لِصِحَّةِ الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مَا يَلِي:
(14) الإِْسْلاَمُ: فَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنَ الْكَافِرِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ. (18) الْعَقْل.
(19) التَّمْيِيزُ: فَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنَ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، إِذْ لاَ نِيَّةَ لَهُمْ، وَالنِّيَّةُ فِي الاِعْتِكَافِ وَاجِبَةٌ.
أَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِل الْمُمَيِّزُ فَيَصِحُّ مِنْهُ الاِعْتِكَافُ، لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ، كَمَا يَصِحُّ مِنْهُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ.
(20) النَّقَاءُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، لأَِنَّهُمَا مَمْنُوعَتَانِ عَنِ الْمَسْجِدِ، وَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ.
(21) الطَّهَارَةُ مِنَ الْجُنُبِ: فَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنَ الْجُنُبِ، لأَِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ (22) .
اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ:
12 - يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَيُشْتَرَطُ لِلْمُتَزَوِّجَةِ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا زَوْجُهَا، لأَِنَّهَا لاَ يَنْبَغِي لَهَا الاِعْتِكَافُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ - أَيْ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ مَعَ الإِْثْمِ فِي الاِفْتِيَاتِ عَلَيْهِ - فَإِنْ أَذِنَ لَهَا الزَّوْجُ بِالاِعْتِكَافِ وَاجِبًا أَوْ نَفْلاً، فَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطَأَهَا، فَإِنْ مَنَعَهَا زَوْجُهَا بَعْدَ إِذْنِهِ لَهَا لاَ يَصِحُّ مَنْعُهُ. هَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ (18) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِقُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ إِذْنِهِ لَهَا بِالاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، سَوَاءٌ أَدَخَلَتْ فِي الْعِبَادَةِ أَمْ لَمْ تَدْخُل، إِلاَّ إِذَا كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِأَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنَّ لِلزَّوْجِ حِينَئِذٍ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ مِنَ الاِعْتِكَافِ حَتَّى وَلَوْ دَخَلَتْ فِي الْعِبَادَةِ، وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى مَا إِذَا نَذَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
أَمَّا إِذَا أَذِنَ لَهَا فِي الاِعْتِكَافِ بِدُونِ نَذْرٍ، فَلاَ يَقْطَعْهُ عَلَيْهَا إِنْ دَخَلَتْ فِي الاِعْتِكَافِ، فَإِنْ لَمْ تَدْخُل فِيهِ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا (24) .
وَالاِعْتِكَافُ لِلْمَرْأَةِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَجَعَلُوهُ نَظِيرَ حُضُورِهَا الْجَمَاعَاتِ (25) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ إِلاَّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، لأَِنَّ التَّمَتُّعَ بِالزَّوْجَةِ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ. وَحَقُّهُ عَلَى الْفَوْرِ بِخِلاَفِ الاِعْتِكَافِ. نَعَمْ إِنْ لَمْ تُفَوِّتِ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا مَنْفَعَةً، كَأَنْ حَضَرَتِ الْمَسْجِدَ بِإِذْنِهِ، فَنَوَتِ الاِعْتِكَافَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ.
وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمُ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ ذَاتِ الْهَيْئَةِ قِيَاسًا عَلَى خُرُوجِهَا لِصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَلِلزَّوْجِ إِخْرَاجُ زَوْجَتِهِ مِنَ الاِعْتِكَافِ الْمَسْنُونِ سَوَاءٌ أَكَانَ الاِعْتِكَافُ بِإِذْنِهِ أَمْ لاَ، وَاسْتَدَل الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ بِحَدِيثِ: لاَ تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَقَال: وَضَرَرُ الاِعْتِكَافِ أَعْظَمُ (26) .
وَكَذَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ إِخْرَاجُهَا مِنَ الاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ إِلاَّ إِذَا أَذِنَ لَهَا بِالاِعْتِكَافِ وَشَرَعَتْ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ زَمَنُ الاِعْتِكَافِ مُعَيَّنًا أَمْ كَانَ مُتَتَابِعًا أَمْ لاَ. أَوْ إِذَا كَانَ الإِْذْنُ أَوِ الشُّرُوعُ فِي زَمَنِ الاِعْتِكَافِ الْمُعَيَّنِ أَوْ أَذِنَ فِي الشُّرُوعِ فِيهِ فَقَطْ وَكَانَ الاِعْتِكَافُ مُتَتَابِعًا، وَذَلِكَ لإِِذْنِ الزَّوْجِ بِالشُّرُوعِ مُبَاشَرَةً أَوْ بِوَاسِطَةٍ، لأَِنَّ الإِْذْنَ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ إِذْنٌ فِي الشُّرُوعِ فِيهِ، وَالْمُعَيَّنُ لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، وَالْمُتَتَابِعُ لاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَال الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ بِلاَ عُذْرٍ (27) .
وَالْحَنَابِلَةُ كَالشَّافِعِيَّةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، إِلاَّ فِي مَسْأَلَةِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ، فَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ (28) .
وَإِذَا اعْتَكَفَتِ الْمَرْأَةُ اسْتُحِبَّ لَهَا أَنْ تَسْتَتِرَ بِخِبَاءٍ وَنَحْوِهِ، لِفِعْل عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي عَهْدِهِ ﷺ وَتَجْعَل خِبَاءَهَا فِي مَكَانٍ لاَ يُصَلِّي فِيهِ الرِّجَال، لأَِنَّهُ أَبْعَدُ فِي التَّحَفُّظِ لَهَا. نَقَل أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ قَوْلَهُ: يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيُضْرَبُ لَهُنَّ فِيهِ بِالْخِيَمِ (29) .
وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الرِّجَال أَيْضًا، لِفِعْلِهِ ﷺ وَلأَِنَّهُ أَخْفَى لِعَمَلِهِمْ. وَنَقَل إِبْرَاهِيمُ: لاَ. إِلاَّ لِبَرْدٍ شَدِيدٍ (30) .
النِّيَّةُ فِي الاِعْتِكَافِ:
13 - النِّيَّةُ رُكْنٌ لِلاِعْتِكَافِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَشَرْطٌ لَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الاِعْتِكَافَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ، فَالنِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فِيهِ، فَلاَ يَصِحُّ اعْتِكَافٌ بِدُونِ نِيَّةٍ. سَوَاءٌ أَكَانَ الاِعْتِكَافُ مَسْنُونًا أَمْ وَاجِبًا، كَمَا يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ نِيَّةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَل فِي الاِعْتِكَافِ، لِيَتَمَيَّزَ الْفَرْضُ مِنَ السُّنَّةِ (31) .
وَإِذَا نَوَى الاِعْتِكَافَ الْمَسْنُونَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَهَل يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ نِيَّتِهِ إِذَا رَجَعَ؟
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الظَّاهِرِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الاِعْتِكَافِ الْمَسْنُونِ فَقَدِ انْقَطَعَ اعْتِكَافُهُ، وَإِذَا رَجَعَ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ نِيَّةِ اعْتِكَافٍ مَنْدُوبٍ آخَرَ، لأَِنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ لِلاِعْتِكَافِ الْمَنْدُوبِ، لاَ مُبْطِل لَهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِل الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ يَلْزَمُهُ إِذَا نَوَاهُ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا بِدُخُولِهِ مُعْتَكَفَهُ، لأَِنَّ النَّفَل يَلْزَمُ كَمَالُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُل مُعْتَكَفَهُ فَلاَ يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ.
فَإِذَا دَخَل ثُمَّ قَطَعَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَإِنِ اشْتُرِطَ عَدَمُ الْقَضَاءِ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الإِْتْمَامُ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ (32) .
مَكَانُ الاِعْتِكَافِ:
أ - مَكَانُ الاِعْتِكَافِ لِلرَّجُل:
14 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الرَّجُل وَالْخُنْثَى إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (33) وَلِلاِتِّبَاعِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْتَكِفْ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَسَاجِدَ الثَّلاَثَةَ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهَا، وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَفْضَل، ثُمَّ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ يَصِحُّ فِيهِ الاِعْتِكَافُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ، وَيَجِبُ الاِعْتِكَافُ فِيهِ إِذَا نَذَرَ الاِعْتِكَافَ مُدَّةً تُصَادِفُهُ فِيهَا صَلاَةُ الْجُمُعَةِ، لِئَلاَّ يَحْتَاجَ إِلَى الْخُرُوجِ وَقْتَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ إِذَا اشْتُرِطَ الْخُرُوجُ لَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (34) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَاجِدِ الأُْخْرَى الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الاِعْتِكَافُ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، لأَِنَّ الاِعْتِكَافَ عِبَادَةُ انْتِظَارِ الصَّلاَةِ، فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ يُصَلَّى فِيهِ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَصِحُّ فِي كُل مَسْجِدٍ وَصَحَّحَهُ السُّرُوجِيُّ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ، فَاشْتُرِطَ لِلاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا النَّفَل فَيَجُوزُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ.
وَيَعْنِي الْحَنَفِيَّةُ بِمَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ مَا لَهُ إِمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ، أُدِّيَتْ فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ أَوْ لاَ.
وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ الاِعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ تُقَامَ الْجَمَاعَةُ فِي زَمَنِ الاِعْتِكَافِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَلاَ يَضُرُّ عَدَمُ إِقَامَتِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لاَ يَعْتَكِفُ فِيهِ، وَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَالْمَعْذُورُ وَالصَّبِيُّ وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لاَ يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ، لأَِنَّ الْمَمْنُوعَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا (35) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ (36) .
ب - مَكَانُ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ:
15 - اخْتَلَفُوا فِي مَكَانِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَذْهَبِ الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّهَا كَالرَّجُل لاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَى هَذَا فَلاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ سُئِل عَنِ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا (أَيْ نَذَرَتْ) أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، فَقَال: " بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ الْبِدَعُ (37) . فَلاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلاَةُ. وَلأَِنَّ مَسْجِدَ الْبَيْتِ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلاَ حُكْمًا، فَيَجُوزُ تَبْدِيلُهُ، وَنَوْمُ الْجُنُبِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَازَ لَفَعَلَتْهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ - ﵅ - وَلَوْ مَرَّةً تَبْيِينًا لِلْجَوَازِ.
وَفِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، لأَِنَّهُ مَكَانُ صَلاَتِهَا.
قَال النَّوَوِيُّ: قَدْ أَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَمَاعَةٌ هَذَا الْقَدِيمَ. وَقَالُوا: لاَ يَجُوزُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا قَوْلاً وَاحِدًا وَغَلَّطُوا مَنْ قَال: فِيهِ قَوْلاَنِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ اعْتِكَافِ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، لأَِنَّهُ هُوَ الْمَوْضِعُ لِصَلاَتِهَا، فَيَتَحَقَّقُ انْتِظَارُهَا فِيهِ، وَلَوِ اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، وَالْبَيْتُ أَفْضَل مِنْ مَسْجِدِ حَيِّهَا، وَمَسْجِدُ الْحَيِّ أَفْضَل لَهَا مِنَ الْمَسْجِدِ الأَْعْظَمِ.
وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ صَلاَتِهَا مِنْ بَيْتِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الْبَيْتِ مَكَانٌ مُتَّخَذٌ لِلصَّلاَةِ لاَ يَجُوزُ لَهَا الاِعْتِكَافُ فِي بَيْتِهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا الَّذِي اعْتَكَفَتْ فِيهِ اعْتِكَافًا وَاجِبًا عَلَيْهَا (38) .
اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ:
16 - اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ رُكْنُ الاِعْتِكَافِ عِنْدَ الْجَمِيعِ (39) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ اللُّبْثِ الْمُجْزِئِ فِي الاِعْتِكَافِ الْمَسْنُونِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَلَّهُ سَاعَةٌ (40) مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لِبِنَاءِ النَّفْل عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَبِهِ يُفْتَى.
وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. قَال فِي الإِْنْصَافِ: أَقَلُّهُ إِذَا كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا مُطْلَقًا مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا لاَبِثًا. قَال فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَحْظَةً، وَالْمَذْهَبُ مَا تَقَدَّمَ.
وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ أَلاَّ يَنْقُصَ الاِعْتِكَافُ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ يَقُول: أَقَلُّهُ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَقَل الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ.
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لأَِجْلِهِ، مِنَ الْبَوْل وَالْغَائِطِ وَالْوُضُوءِ وَغُسْل الْجَنَابَةِ، وَالْمَقْصُودُ بِلَيْلَةِ الْيَوْمِ: اللَّيْلَةُ الَّتِي قَبْلَهُ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ فَمَا فَوْقَهُ إِذَا كَانَ دُخُولُهُ فِي الاِعْتِكَافِ مَعَ الْفَجْرِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَوَّل الْيَوْمِ الْفَجْرُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يُقَدَّرُ اللُّبْثُ بِزَمَانٍ، بَل اشْتَرَطُوا فِي اللُّبْثِ أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يُسَمَّى عُكُوفًا وَإِقَامَةً، وَلَوْ بِلاَ سُكُونٍ بِحَيْثُ يَكُونُ زَمَنُهُ فَوْقَ زَمَنِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَنَحْوِهِ، فَيَكْفِي التَّرَدُّدُ فِيهِ لاَ الْمُرُورُ بِلاَ لُبْثٍ.
وَيُنْدَبُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ يَوْمًا، لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ أَقَل مِنْ يَوْمٍ (41) ، وَلاَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
الصَّوْمُ فِي الاِعْتِكَافِ:
17 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّوْمِ فِي الاِعْتِكَافِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ وَاجِبًا، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّهُ، إِلاَّ إِنْ نَذَرَهُ مَعَ الاِعْتِكَافِ فَيَجِبُ، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل حُكْمِ الصَّوْمِ فِي الاِعْتِكَافِ غَيْرِ الْمَنْذُورِ فِيهِ الصَّوْمُ:
أ - الْقَوْل الأَْوَّل بِوُجُوبِ الصَّوْمِ مَعَ الاِعْتِكَافِ:
لاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ بِصَوْمٍ، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَمِنْ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ مَنِ اعْتَمَدَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَال ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالزُّهْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ مَحْكِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالُوا: لاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ إِلاَّ بِصَوْمٍ.
قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَالصَّوْمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رُكْنٌ لِلاِعْتِكَافِ كَالنِّيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ بِصِيَامٍ (42) وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ﵃ صِيَامًا فِي رَمَضَانَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ عَنِ اعْتِكَافٍ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَ (43) وَاَلَّذِي ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا مَعَ الاِعْتِكَافِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَحَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الاِعْتِكَافِ الْمَنْدُوبِ، كَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (44) .
ب - الْقَوْل الثَّانِي: أَفْضَلِيَّةُ الصَّوْمِ مَعَ الاِعْتِكَافِ.
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الصَّوْمُ لِلاِعْتِكَافِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ وَاجِبًا أَمْ مَنْدُوبًا، فَالصَّوْمُ لَيْسَ شَرْطًا لِلاِعْتِكَافِ عِنْدَهُمْ وَلاَ رُكْنًا فِيهِ.
وَبِهِ قَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. إِلاَّ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الاِعْتِكَافَ مَعَ الصَّوْمِ أَفْضَل مِنَ الاِعْتِكَافِ بِدُونِهِ، فَلَوِ اعْتَكَفَ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرَ عَامِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ لاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لِصِحَّةِ اعْتِكَافِهِ بِغَيْرِ صَوْمٍ، وَاحْتَجُّوا لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأُْوَل مِنْ شَوَّالٍ (45) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهَذَا يَتَنَاوَل اعْتِكَافَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَيَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ (46) .
نِيَّةُ الصَّوْمِ لِلاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ:
18 - اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ مَعَ الاِعْتِكَافِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ الْوَاجِبَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِصَوْمٍ وَاجِبٍ، وَلاَ يَصِحُّ مَعَ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرِ رَمَضَانَ لَزِمَهُ وَأَجْزَأَهُ صَوْمُ رَمَضَانَ عَنْ صَوْمِ الاِعْتِكَافِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَكِفْهُ قَضَى شَهْرًا مُتَتَابِعًا غَيْرَهُ، لأَِنَّهُ الْتَزَمَ الاِعْتِكَافَ فِي شَهْرٍ بِعَيْنِهِ. وَقَدْ فَاتَهُ، فَيَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَجُزْ فِي رَمَضَانَ آخَرَ، وَلاَ فِي وَاجِبٍ آخَرَ، سِوَى قَضَاءِ رَمَضَانَ الأَْوَّل، لأَِنَّهُ خُلْفٌ عَنْهُ.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ صَامَ تَطَوُّعًا، ثُمَّ نَذَرَ اعْتِكَافَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَصِحَّ الاِعْتِكَافُ، لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ الاِعْتِكَافِ لِلنَّهَارِ.
مِثَالُهُ: لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا، أَوْ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ، ثُمَّ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنِ اعْتَكَفَ هَذَا الْيَوْمَ، لاَ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ تَصِحُّ مِنْهُ نِيَّةُ الصَّوْمِ، لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ النَّهَارِ بِالاِعْتِكَافِ، وَعَدَمِ اسْتِيعَابِهِ بِالصَّوْمِ الْوَاجِبِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَقَلُّهُ أَكْثَرُ النَّهَارِ، فَإِنْ كَانَ قَالَهُ قَبْل نِصْفِ النَّهَارِ لَزِمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَكِفْهُ قَضَاهُ (47) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ بِقِسْمَيْهِ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ يَصِحُّ بِأَيِّ صَوْمٍ كَانَ سَوَاءٌ قُيِّدَ بِزَمَنٍ كَرَمَضَانَ، أَوْ سَبَبٍ كَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ، أَوْ أُطْلِقَ كَتَطَوُّعٍ، فَلاَ يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ مِنْ مُفْطِرٍ، وَلَوْ لِعُذْرٍ، فَمَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ لاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ (48) .
نَذْرُ الاِعْتِكَافِ:
19 - إِذَا نَذَرَ الاِعْتِكَافَ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُنَجَّزًا أَمْ مُعَلَّقًا، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مُتَتَابِعٍ وَغَيْرِ مُتَتَابِعٍ، أَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُعَيَّنَةً.
أ - النَّذْرُ الْمُتَتَابِعُ:
20 - وَذَلِكَ كَأَنْ يَنْذِرَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةً، أَوْ شَهْرًا مُتَتَابِعًا مَثَلاً، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مُتَتَابِعًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا (49) ، فَلَوْ أَفْسَدَهُ وَجَبَ اسْتِثْنَاؤُهُ بِفَوَاتِ التَّتَابُعِ. ب - النَّذْرُ الْمُطْلَقُ وَالْمُدَّةُ الْمُعَيَّنَةُ:
21 - وَهُوَ أَنْ يُنْذِرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ غَيْرِ مُتَتَابِعَةٍ، فَإِنْ نَوَى أَيَّامًا غَيْرَ مُتَتَابِعَةٍ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ مُتَتَابِعَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَّلَهُ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّ إِيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَتَابِعًا إِذَا أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا لَزِمَهُ الاِسْتِقْبَال، كَصَوْمِ الظِّهَارِ وَالْقَتْل. وَالإِْطْلاَقُ فِي الاِعْتِكَافِ كَالتَّصْرِيحِ بِالتَّتَابُعِ، بِخِلاَفِ الإِْطْلاَقِ فِي نَذْرِ الصَّوْمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الاِعْتِكَافَ يَدُومُ بِاللَّيْل وَالنَّهَارِ، فَكَانَ مُتَّصِل الأَْجْزَاءِ، وَمَا كَانَ مُتَّصِل الأَْجْزَاءِ لاَ يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ إِلاَّ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لاَ يُوجَدُ لَيْلاً، فَكَانَ مُتَفَرِّقًا، وَمَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِي نَفْسِهِ لاَ يَجِبُ الْوَصْل فِيهِ إِلاَّ بِالتَّنْصِيصِ. وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ إِذَا نَذَرَهَا مُتَفَرِّقَةً فَتَجِبُ مُتَفَرِّقَةً، وَلاَ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ عِنْدَهُمْ لاَ يَلْزَمُ فِيهِ التَّتَابُعُ، فَيَجُوزُ أَدَاؤُهُ مُفَرَّقًا (50) .
وَعَلَى هَذَا لَوْ خَرَجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ خِلاَل أَيَّامِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ، إِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْعَوْدِ احْتَاجَ إِلَى اسْتِئْنَافِ نِيَّةِ الاِعْتِكَافِ، سَوَاءٌ أَخَرَجَ لِتَبَرُّزٍ أَمْ لِغَيْرِهِ، لأَِنَّ مَا مَضَى عِبَادَةٌ تَامَّةٌ، وَهُوَ يُرِيدُ اعْتِكَافًا جَدِيدًا، فَإِنْ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ كَانَتْ هَذِهِ الْعَزِيمَةُ قَائِمَةً مَقَامَ النِّيَّةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (51) . أَمَّا إِذَا نَوَى مُدَّةً مُعَيَّنَةً فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، لَكِنْ إِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ احْتَاجَ إِلَى اسْتِئْنَافِ النِّيَّةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ تَعْيِينَ مُدَّةٍ لِلاِعْتِكَافِ كَشَهْرٍ بِعَيْنِهِ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا لَزِمَهُ، وَلَهُمْ قَوْلاَنِ فِي التَّتَابُعِ وَعَدَمِهِ. أَحَدُهُمَا كَالْحَنَفِيَّةِ، وَالثَّانِي كَالشَّافِعِيَّةِ اخْتَارَهَا الآْجُرِّيُّ وَصَحَّحَهَا ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ.
وَنَصَّ صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ (52) .
وَالتَّتَابُعُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ أَفْضَل مِنَ التَّفْرِيقِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لَوْ نَذَرَ يَوْمًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّفْرِيقُ.
وَلَوْ نَذَرَ يَوْمًا مِنْ وَسَطِ النَّهَارِ لَزِمَهُ الاِعْتِكَافُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى مِثْلِهِ لِيَتَحَقَّقَ مُضِيُّ يَوْمٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَأَمَّا اللَّيْل فَلاَ يَلْزَمُهُ بِنَذْرِ اعْتِكَافِ النَّهَارِ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْيَوْمِ عِنْدَهُمَا.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَدْخُل اللَّيْل مَعَ الْيَوْمِ بِالنِّيَّةِ (53) .
وَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ وَأَطْلَقَ لَزِمَهُ لَيْلاً وَنَهَارًا، تَامًّا كَانَ الشَّهْرُ أَوْ نَاقِصًا وَيُجْزِئُهُ النَّاقِصُ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (54) .
زَمَنُ دُخُول الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ:
22 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَدْخُل مُعْتَكَفَهُ إِذَا نَوَى يَوْمًا قَبْل الْفَجْرِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذَا نَوَى لَيْلاً قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ، لأَِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ نَذْرُ اللَّيْل وَحْدَهُ، لأَِنَّهُ لاَ صِيَامَ فِيهِ، لَكِنْ لَوْ نَذَرَ لَيْلَةَ أَيَّ لَيْلَةٍ كَانَتْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَزِمَتْهُ مَعَ نَهَارِهَا، لأَِنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (55) .
وَاللَّيْل تَابِعٌ لِلنَّهَارِ إِذَا نَذَرَ أَيَّامًا مُتَتَابِعَةً، كَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ (56) .
نَذْرُ الصَّوْمِ مَعَ الاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ:
23 - سَبَقَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمُ الاِعْتِكَافُ الْوَاجِبُ وَالْمَسْنُونُ إِلاَّ بِصَوْمٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَنْدُوبِ. أَمَّا نَذْرُ الصَّوْمِ مَعَ الاِعْتِكَافِ فَفِيهِ أَوْجُهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ:
أ - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَذَرَ صَوْمًا وَاعْتِكَافًا لاَ يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
ب - اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا لَزِمَاهُ.
ج - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا.
فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُمَا يَلْزَمَانِهِ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَ الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّانِيَةِ بِأَنَّ الصَّوْمَ يَصِحُّ وَصْفًا لِلاِعْتِكَافِ، وَالاِعْتِكَافُ لاَ يَصِحُّ وَصْفًا لِلصَّوْمِ (57) . نَذْرُ الصَّلاَةِ فِي الاِعْتِكَافِ:
24 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا فَالصَّلاَةُ لاَ تَلْزَمُهُ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ (58) . وَالاِسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَتُقَاسُ الصَّلاَةُ عَلَى الصَّوْمِ، وَلأَِنَّ كُلًّا مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الاِعْتِكَافِ فَلَزِمَتْ بِالنَّذْرِ، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ الزَّمَانِ، وَيَكْفِيهِ رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ نَذَرَ الصَّلاَةَ وَأَطْلَقَ (59) .
هَذَا وَلَمْ أَرَ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
نَذْرُ الاِعْتِكَافِ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ:
25 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ - الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى - لَزِمَهُ النَّذْرُ وَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ، وَلاَ يُجْزِئُهُ الاِعْتِكَافُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَسَاجِدِ، لِفَضْل الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا، فَتَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ.
وَأَفْضَلُهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، ثُمَّ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى.
وَإِلْحَاقُ غَيْرِ الثَّلاَثَةِ بِهَا مُمْتَنِعٌ لِثُبُوتِ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا بِالنَّصِّ، قَال ﵊: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَصَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ (60) .
وَوَرَدَ أَنَّ الصَّلاَةَ بِالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى بِخَمْسِمِائَةِ صَلاَةٍ (61) .
فَإِذَا عَيَّنَ الأَْفْضَل فِي نَذْرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ الاِعْتِكَافُ فِيمَا دُونَهُ، لِعَدَمِ مُسَاوَاتِهِ لَهُ.
فَإِنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لاَ يُجْزِئُهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلاَ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى.
وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ لاَ يُجْزِئُهُ الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى، وَالْعَكْسُ صَحِيحٌ، فَإِنْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الأَْقْصَى جَازَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ جَازَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (62) . وَأَمَّا إِذَا نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ فَهَل يَلْزَمُ؟
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ، وَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ (63) .
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ يَحْتَاجُ إِلَى شَدِّ الرِّحَال إِلَيْهِ فَيُخَيَّرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ بَيْنَ الذَّهَابِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمُ الإِْبَاحَةَ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَكَذَلِكَ يُخَيَّرُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِنْ كَانَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى شَدِّ رَحْلٍ بَيْنَ الذَّهَابِ وَغَيْرِهِ. لَكِنْ قَال فِي الْوَاضِحِ: الْوَفَاءُ أَفْضَل، قَال فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا أَظْهَرُ (64) .
الاِشْتِرَاطُ فِي الاِعْتِكَافِ:
26 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ الشَّرْطِ وَصِحَّتِهِ فِي الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى إِلْغَاءِ الشَّرْطِ.
إِلاَّ أَنَّ الْجُمْهُورَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُل تَحْتَ الشَّرْطِ أَوْ لاَ يَدْخُل (65) .
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوِ اشْتَرَطَ وَقْتَ النَّذْرِ أَنْ يَخْرُجَ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَصَلاَةِ جِنَازَةٍ وَحُضُورِ مَجْلِسِ عِلْمٍ جَازَ ذَلِكَ. وَهَذَا عَلَى قَوْل الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَمَّا عَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ فَالأَْمْرُ أَوْسَعُ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا فِي الْمُعْتَمَدِ: لَوِ اشْتَرَطَ الْمُعْتَكِفُ لِنَفْسِهِ سُقُوطَ الْقَضَاءِ عَنْهُ - عَلَى فَرْضِ حُصُول عُذْرٍ أَوْ مُبْطِلٍ - لاَ يَنْفَعُهُ اشْتِرَاطُ سُقُوطِ الْقَضَاءِ، وَشَرْطُهُ لَغْوٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِنْ حَصَل مُوجِبُهُ، وَاعْتِكَافُهُ صَحِيحٌ. وَلَهُمْ قَوْلٌ آخَرُ بِأَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ بِالتَّفْصِيل بَيْنَ الاِشْتِرَاطَاتِ قَبْل الدُّخُول فِي الاِعْتِكَافِ فَلاَ يَنْعَقِدُ الاِعْتِكَافُ، أَوْ بَعْدَ الدُّخُول فَيَلْغُو الشَّرْطُ (66) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الاِعْتِكَافَ لَزِمَ بِالْتِزَامِهِ فَيَجِبُ بِحَسَبِ مَا الْتَزَمَهُ.
فَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُعْتَكِفُ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ مُبَاحٍ مَقْصُودٍ غَيْرِ مُنَافٍ لِلاِعْتِكَافِ صَحَّ الشَّرْطُ.
فَإِنِ اشْتَرَطَهُ لِخَاصٍّ مِنَ الأَْغْرَاضِ، كَعِيَادَةِ الْمَرْضَى خَرَجَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَهَمَّ مِنْهُ. وَإِنِ اشْتَرَطَهُ لأَِمْرٍ عَامٍّ كَشُغْلٍ يَعْرِضُ لَهُ خَرَجَ لِكُل مُهِمٍّ دِينِيٍّ كَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، أَوْ دُنْيَوِيٍّ مُبَاحٍ، كَاقْتِضَاءِ الْغَرِيمِ، فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ لأَِجْل الْحَرَامِ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " مَقْصُودٍ " مَا لَوْ شَرَطَهُ، أَوْ لِغَيْرِ مَقْصُودٍ كَنُزْهَةٍ أَوْ فُرْجَةٍ، كَإِتْيَانِ أَهْلِهِ، فَإِذَا اشْتَرَطَ الْخُرُوجَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوِ اشْتَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَوِ الإِْجَارَةِ، أَوِ التَّكَسُّبِ بِالصِّنَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ بِلاَ خِلاَفٍ.
وَلَوْ قَال: مَتَى مَرِضْتُ أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ خَرَجْتُ فَلَهُ شَرْطُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ. وَمَحَل ذَلِكَ فِي الاِعْتِكَافِ الْمُتَتَابِعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ تَدَارُكُ مَا فَاتَهُ، فَكَأَنَّهُ قَال: نَذَرْتُ هَذَا الشَّهْرَ إِلاَّ كَذَا. فَيَكُونُ الْمَنْذُورُ شَهْرًا، وَالْمَشْرُوطُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَإِنَّ فَائِدَةَ الشَّرْطِ عِنْدَهُمْ سُقُوطُ الْقَضَاءِ فِي الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ.
أَمَّا لَوْ نَذَرَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا، فَلاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ إِلاَّ لِمَرَضٍ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ زَمَنِ الْمَرَضِ، لإِِمْكَانِ حَمْل شَرْطِهِ هُنَا عَلَى نَفْيِ التَّتَابُعِ فَقَطْ، فَنُزِّل عَلَى الأَْقَل، وَيَكُونُ الشَّرْطُ قَدْ أَفَادَ هُنَا الْبِنَاءَ مَعَ سُقُوطِ الْقَضَاءِ (67) .
مَا يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ:
يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ مَا يَلِي:
الأَْوَّل - الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ:
27 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ فِي الاِعْتِكَافِ حَرَامٌ وَمُبْطِلٌ لَهُ، لَيْلاً كَانَ أَوْ نَهَارًا، إِنْ كَانَ عَامِدًا. وَكَذَا إِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا لاِعْتِكَافِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (68) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْجِمَاعِ وَإِفْسَادَهُ. لِلاِعْتِكَافِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنْ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهِ ذَاكِرٍ لِلاِعْتِكَافِ، سَوَاءٌ أَجَامَعَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ خَارِجَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ نَحْوِهَا، لِمُنَافَاتِهِ الْعِبَادَةَ الْبَدَنِيَّةَ. وَالْبُطْلاَنُ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَل، أَمَّا مَا مَضَى فَإِنَّهُ لاَ يَبْطُل فِي الْجُمْلَةِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَأَمَّا دَوَاعِي الْجِمَاعِ كَاللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ، فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ إِذَا أَنْزَل، فَإِنْ لَمْ يُنْزِل لَمْ يَفْسُدِ اعْتِكَافُهُ، وَالْقَوْلاَنِ الآْخَرَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَبْطُل مُطْلَقًا، وَقِيل: لاَ يَبْطُل.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ إِذَا قَبَّل وَقَصَدَ اللَّذَّةَ، أَوْ لَمَسَ، أَوْ بَاشَرَ بِقَصْدِهَا، أَوْ وَجَدَهَا بَطَل اعْتِكَافُهُ، وَاسْتَأْنَفَهُ مِنْ أَوَّلِهِ، فَلَوْ قَبَّل صَغِيرَةً لاَ تُشْتَهَى، أَوْ قَبَّل زَوْجَتَهُ لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ، وَلَمْ يَقْصِدْ لَذَّةً وَلاَ وَجَدَهَا لَمْ يَبْطُل. ثُمَّ إِنَّ اشْتِرَاطَ الشَّهْوَةِ فِي الْقُبْلَةِ إِذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ الْفَمِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ فَلاَ تُشْتَرَطُ الشَّهْوَةُ عَلَى الظَّاهِرِ، لأَِنَّهُ يُبْطِلُهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ مَا يُبْطِل الْوُضُوءَ.
وَقَدْ نَصُّوا عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا لِكَرَامَتِهِ، وَوَطْءُ الْمُعْتَكِفَةِ مُفْسِدٌ لاِعْتِكَافِهَا (69) .
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْجِمَاعَ الْمُفْسِدَ لِلاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ الْمُتَتَابِعِ مِنَ الْمُعْتَكِفِ الذَّاكِرِ لَهُ الْعَالِمِ بِتَحْرِيمِهِ لاَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْل أَهْل الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ.
قَال الْمَاوَرْدِيُّ هُوَ قَوْل جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ إِلاَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، فَقَالاَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْوَاطِئِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ.
وَعَنِ الْحَسَنِ رِوَايَةٌ أُخْرَى هِيَ أَنَّهُ يُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ عَجَزَ أَهْدَى بَدَنَةً، فَإِنْ عَجَزَ تَصَدَّقَ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ (70) . وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: هِيَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، وَقَال أَبُو بَكْرٍ: هِيَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
الثَّانِي - الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ:
28 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ (وَكَذَلِكَ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مِنْ مَسْجِدِ بَيْتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ الْوَاجِبَ، وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ - بِالْوَاجِبِ الاِعْتِكَافَ الْمَنْدُوبَ أَيْضًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْخُرُوجُ يَسِيرًا أَمْ كَثِيرًا.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ فَلاَ يُبْطِل الاِعْتِكَافَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْحَاجَةِ الَّتِي لاَ تَقْطَعُ الاِعْتِكَافَ وَلاَ تُفْسِدُهُ (71) عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أ - الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْل الْوَاجِبِ:
29 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْغُسْل الَّذِي وَجَبَ مِمَّا لاَ يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ. لَكِنْ إِنْ طَال مُكْثُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْل، لأَِنَّ هَذَا مِمَّا لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَلاَ يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَوْ بَطَل الاِعْتِكَافُ بِخُرُوجِهِ لَهُ لَمْ يَصِحَّ لأَِحَدٍ الاِعْتِكَافُ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ.
وَرَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لاَ يَدْخُل الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا (72)
وَلَهُ الْغُسْل وَالْوُضُوءُ وَالاِغْتِسَال فِي الْمَسْجِدِ إِذَا لَمْ يُلَوِّثِ الْمَسْجِدَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ أَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ فِي الأَْصَحِّ، وَالثَّانِي يَجُوزُ (73) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ دُخُول مَنْزِل أَهْلِهِ وَبِهِ أَهْلُهُ - أَيْ زَوْجَتُهُ - إِذَا خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، لِئَلاَّ يَطْرَأَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا مَا يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ (74) .
أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلاَنِ فَيَلْزَمُهُ أَقْرَبُهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ (75) .
وَإِذَا كَانَتْ هُنَاكَ مِيضَأَةٌ يَحْتَشِمُ مِنْهَا لاَ يُكَلَّفُ التَّطَهُّرَ مِنْهَا، وَلاَ يُكَلَّفُ الطَّهَارَةَ فِي بَيْتِ صَدِيقِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ خَرْمِ الْمُرُوءَةِ، وَتَزِيدُ دَارُ الصِّدِّيقِ بِالْمِنَّةِ بِهَا.
أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَحْتَشِمُ مِنَ الْمِيضَأَةِ فَيُكَلَّفُهَا (76) .
وَأَلْحَقُوا بِالْخُرُوجِ لِمَا تَقَدَّمَ الْخُرُوجَ لِلْقَيْءِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَلاَ يَفْسُدُ الاِعْتِكَافُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا (77) .
وَلاَ يُكَلَّفُ الَّذِي خَرَجَ لِحَاجَةٍ الإِْسْرَاعُ، بَل لَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ (78) .
ب - الْخُرُوجُ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ:
30 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إِلَى الْخُرُوجِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فَلَهُ الْخُرُوجُ، لأَِنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لاَ بُدَّ مِنْهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ لِلأَْكْل، لأَِنَّ الأَْكْل فِي الْمَسْجِدِ يُسْتَحْيَا مِنْهُ. وَكَذَا لِلشُّرْبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ مَاءٌ.
وَخَصَّ الشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ الْخُرُوجِ لِلأَْكْل إِذَا كَانَ اعْتِكَافُهُ فِي مَسْجِدٍ مَطْرُوقٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَهْجُورًا فَلاَ يَحِقُّ لَهُ الْخُرُوجُ (79) .
ج - الْخُرُوجُ لِغُسْل الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ:
31 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجَ لِغُسْل الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَلِحَرٍّ أَصَابَهُ فَلاَ يَفْسُدُ الاِعْتِكَافُ خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ (80) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِغُسْل الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، لأَِنَّهُ نَفْلٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ. فَإِنِ اشْتُرِطَ ذَلِكَ جَازَ (81) .
د - الْخُرُوجُ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ:
32 - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَكَانَ اعْتِكَافُهُ مُتَتَابِعًا، وَاعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ لاَ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَهُوَ آثِمٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ، لأَِنَّهَا فَرْضٌ.
فَإِذَا خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ خُرُوجَهُ لِلْجُمُعَةِ لاَ يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ، لأَِنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لاَ بُدَّ مِنْهُ، كَالْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ وَعَلَيْهِ الاِسْتِئْنَافُ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ الاِحْتِرَازُ مِنَ الْخُرُوجِ، بِأَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَل وَخَرَجَ بَطَل اعْتِكَافُهُ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مَا لَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ فِي اعْتِكَافِهِ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ شَرْطَهُ يَصِحُّ، وَلاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ (82) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ يَكُونُ وَقْتَ الزَّوَال، وَمَنْ بَعُدَ مَسْجِدُ اعْتِكَافِهِ خَرَجَ فِي وَقْتٍ يُدْرِكُهَا. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِجَوَازِ التَّبْكِيرِ إِلَيْهَا.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ بَعْدَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ التَّعْجِيل بِالرُّجُوعِ إِلَى مَكَانِ الاِعْتِكَافِ. لَكِنْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْجِيل لأَِنَّهُ مَحَلٌّ لِلاِعْتِكَافِ، وَكُرِهَ تَنْزِيهًا الْمُكْثُ بَعْدَ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ لِمُخَالَفَةِ مَا الْتَزَمَهُ بِلاَ ضَرُورَةٍ (83) .
هـ - الْخُرُوجُ لِعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ:
33 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إِلَى الْخُرُوجِ، إِلاَّ إِذَا اشْتُرِطَ الْخُرُوجُ لَهُمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَمَحَل ذَلِكَ مَا إِذَا خَرَجَ لِقَصْدِ الْعِيَادَةِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ. أَمَّا إِذَا خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ثُمَّ عَرَجَ عَلَى مَرِيضٍ لِعِيَادَتِهِ، أَوْ لِصَلاَةِ الْجِنَازَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطٍ أَلاَّ يَطُول مُكْثُهُ عِنْدَ الْمَرِيضِ، أَوْ بَعْدَ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بِأَنْ لاَ يَقِفَ عِنْدَ الْمَرِيضِ إِلاَّ بِقَدْرِ السَّلاَمِ، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: إِنْ كُنْتُ أَدْخُل الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ، وَالْمَرِيضُ فِيهِ فَمَا أَسْأَل عَنْهُ إِلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ (84) .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مَرْفُوعًا عَنْهَا: أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ وَلاَ يُعَرِّجُ يَسْأَل عَنْهُ (85) . فَإِنْ طَال وُقُوفُهُ عُرْفًا، أَوْ عَدَل عَنْ طَرِيقِهِ وَإِنْ قَل لَمْ يَجُزْ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لاَ يُنْتَقَضُ الاِعْتِكَافُ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ (86) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي فَسَادِ الاِعْتِكَافِ لِخُرُوجِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْخُرُوجَ لِعِيَادَةِ أَحَدِ الأَْبَوَيْنِ الْمَرِيضَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا، وَذَلِكَ لِبِرِّهِمَا فَإِنَّهُ آكَدُ مِنَ الاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، وَيَبْطُل اعْتِكَافُهُ بِهِ وَيَقْضِيهِ (87) .
و الْخُرُوجُ فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ:
34 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا يُبْطِل الاِعْتِكَافَ. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ حَالَةَ الاِعْتِكَافِ مُذَكِّرَةٌ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ نَادِرٌ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعُذْرُ فِيمَا يَغْلِبُ وُقُوعُهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ الْبُطْلاَنِ إِذَا خَرَجَ نَاسِيًا (88) ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: عُفِيَ لأُِمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (89) . ز - الْخُرُوجُ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ:
35 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لأَِجْل الشَّهَادَةِ مُفْسِدٌ لِلاِعْتِكَافِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَهَادَةٌ، بِأَلاَّ يَكُونَ هُنَاكَ غَيْرُهُ، أَوْ لاَ يَتِمُّ النِّصَابُ إِلاَّ بِهِ، لاَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لأَِدَائِهَا، بَل يَجِبُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ إِمَّا بِحُضُورِ الْقَاضِي، أَوْ تُنْقَل عَنْهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ مَتَى تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ وَيَأْثَمُ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ، وَكَذَلِكَ التَّحَمُّل لِلشَّهَادَةِ إِذَا تَعَيَّنَ، فَيَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ وَلاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ بِذَلِكَ الْخُرُوجِ، لأَِنَّهُ خُرُوجٌ وَاجِبٌ (90) عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، فَيَبْطُل اعْتِكَافُهُ بِالْخُرُوجِ. ح - الْخُرُوجُ لِلْمَرَضِ:
الْمَرَضُ عَلَى قِسْمَيْنِ:
36 - الْمَرَضُ الْيَسِيرُ الَّذِي لاَ تَشُقُّ مَعَهُ الإِْقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ كَصُدَاعٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ وَغَيْرِهِمَا لاَ يَجُوزُ مَعَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِذَا كَانَ اعْتِكَافُهُ مَنْذُورًا مُتَتَابِعًا، فَإِنْ خَرَجَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إِلَيْهِ.
37 - أَمَّا الْمَرَضُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْبَقَاءُ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ لاَ يُمْكِنُ الْبَقَاءُ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى خِدْمَةٍ أَوْ فِرَاشٍ أَوْ مُرَاجَعَةِ طَبِيبٍ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ خُرُوجَهُ مُفْسِدٌ لاِعْتِكَافِهِ، فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِذَا خَرَجَ سَاعَةً بِعُذْرِ الْمَرَضِ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ. هَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. عِلْمًا بِأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ اعْتِبَارُ نِصْفِ النَّهَارِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَبْطُل وَلاَ يَنْقَطِعُ بِهِ التَّتَابُعُ، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى إِذَا شُفِيَ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا يَتَلَوَّثُ بِهِ الْمَسْجِدُ كَالْقَيْءِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْقَطِعُ بِهِ التَّتَابُعُ.
أَمَّا الْخُرُوجُ حَالَةَ الإِْغْمَاءِ فَإِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ الاِعْتِكَافَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لأَِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِاخْتِيَارِهِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا، أَوْ أَصَابَهُ لَمَمٌ (جُنُونٌ) فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَعَلَيْهِ إِذَا بَرَأَ أَنْ يَسْتَقْبِل، لأَِنَّهُ لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمَرَضَ وَالإِْغْمَاءَ يُحْسَبَانِ مِنَ الاِعْتِكَافِ (91) وَفِي مَعْنَى الْمَرَضِ هَذَا، الْخَوْفُ مِنْ لِصٍّ أَوْ حَرِيقٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (92) .
ط - الْخُرُوجُ لاِنْهِدَامِ الْمَسْجِدِ:
38 - إِذَا انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ فَخَرَجَ مِنْهُ لِيُقِيمَ اعْتِكَافَهُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِحْسَانًا، وَكَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ (93) .
ي - الْخُرُوجُ حَالَةَ الإِْكْرَاهِ:
39 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ بِسَبَبِ الإِْكْرَاهِ لِحُكُومَةٍ لاَ يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ قَبْل تَمَامِ الاِعْتِكَافِ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَطْلَقُوا الْقَوْل بِأَنَّ الإِْكْرَاهَ لاَ يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ إِذَا دَخَل الْمُعْتَكِفُ مَسْجِدًا آخَرَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَهَذَا اسْتِحْبَابٌ مِنْهُمْ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَدْخُل مَسْجِدًا آخَرَ، فَيَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى أَصْل الْقِيَاسِ وَهُوَ الْبُطْلاَنُ (94) .
ك - خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ بِغَيْرِ عُذْرٍ:
40 - تَقَدَّمَ أَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ إِنْ كَانَ بِعُذْرٍ طَبِيعِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ.
أَمَّا إِذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ بِدُونِ عُذْرٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ - حَسَبَ اعْتِبَارِ الْفُقَهَاءِ لِلْعُذْرِ وَعَدَمِهِ - وَلَوْ كَانَ زَمَنُ الْخُرُوجِ يَسِيرًا، إِلاَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمَا قَيَّدَا زَمَنَ الْمُفْسِدِ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ (95) . ل - حَدُّ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ:
41 - حَدُّ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ، فَإِنْ خَرَجَ بِبَعْضِهِ لَمْ يَضُرَّ، لِقَوْل عَائِشَةَ ﵂: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي، فَأُرَجِّل رَأْسَهُ وَأَنَا حَائِضٌ (96) .
م - مَا يُعْتَبَرُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ:
42 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الاِعْتِكَافُ، مَا كَانَ بِنَاءً مُعَدًّا لِلصَّلاَةِ فِيهِ.
أَمَّا رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ، وَهِيَ سَاحَتُهُ الَّتِي زِيدَتْ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَسْجِدِ لِتَوْسِعَتِهِ، وَكَانَتْ مُحَجَّرًا عَلَيْهَا، فَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَجَمَعَ أَبُو يَعْلَى بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الرَّحْبَةَ الْمَحُوطَةَ وَعَلَيْهَا بَابٌ هِيَ مِنَ الْمَسْجِدِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ رَحْبَةَ الْمَسْجِدِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَوِ اعْتَكَفَ فِيهَا صَحَّ اعْتِكَافُهُ، وَأَمَّا سَطْحُ الْمَسْجِدِ فَقَدْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ صُعُودُ سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَلاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا.
أَمَّا الْمَنَارَةُ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ بَابِهَا فِيهِ فَهِيَ مِنَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَإِنْ كَانَ بَابُهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي رَحْبَتِهِ فَهِيَ مِنْهُ، وَيَصِحُّ فِيهَا الاِعْتِكَافُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ بَابُهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ أَذَانُ الْمُعْتَكِفِ فِيهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ مُؤَذِّنًا أَمْ غَيْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ وَغَيْرِهِ، فَيَجُوزُ لِلرَّاتِبِ الأَْذَانُ فِيهَا وَهُوَ مُعْتَكِفٌ دُونَ غَيْرِهِ، قَال النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الأَْصَحُّ (97) .
الثَّالِثُ مِنَ الْمُفْسِدَاتِ - الْجُنُونُ:
43 - إِذَا طَرَأَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ الْجُنُونُ، وَكَانَ زَمَنُهُ قَلِيلاً فَإِنَّهُ لاَ يُفْسِدُ الاِعْتِكَافَ فِي قَوْل الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا. أَمَّا إِذَا طَال الْجُنُونُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَقْطَعُ الاِعْتِكَافَ، وَمَتَى أَفَاقَ بَنَى. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقِيَاسَ سُقُوطُ الْقَضَاءِ قِيَاسًا عَلَى سُقُوطِ قَضَاءِ الصَّوْمِ إِذَا جُنَّ، إِلاَّ أَنَّ الاِسْتِحْسَانَ أَنَّهُ يَقْضِي إِذَا طَال جُنُونُهُ سَنَةً فَأَكْثَرَ، وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إِنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ، لأَِنَّ الْجُنُونَ إِذَا طَال قَلَّمَا يَزُول، فَيَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ فَيُحْرَجُ فِي قَضَائِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يَتَحَقَّقُ فِي الاِعْتِكَافِ (98) .
وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِيهِ، هَل يَبْنِي أَوْ يَبْتَدِئُ؟ بِنَاءً عَلَى خِلاَفِهِمْ فِي بُطْلاَنِ الصَّوْمِ (99) . الرَّابِعُ - الرِّدَّةُ:
44 - يَبْطُل الاِعْتِكَافُ بِالرِّدَّةِ عَلَى قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لَكِنْ إِذَا تَابَ وَأَسْلَمَ هَل يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الاِعْتِكَافِ؟
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الاِسْتِئْنَافِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ لَمَّا بَطَل بِرِدَّتِهِ، وَلاَ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} (100) وَقَوْلُهُ ﷺ: الإِْسْلاَمُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ (101) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وُجُوبُ الاِسْتِئْنَافِ (102) .
الْخَامِسُ - السُّكْرُ:
45 - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ السُّكْرَ بِالْحَرَامِ مُفْسِدٌ لِلاِعْتِكَافِ، وَعَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِذَا كَانَ بِسَبَبٍ حَرَامٍ. وَلَمْ يَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ مُفْسِدًا إِنْ وَقَعَ لَيْلاً، أَمَّا إِنْ كَانَ فِي النَّهَارِ فَإِنَّهُ يُبْطِل الصَّوْمَ فَيَبْطُل الاِعْتِكَافُ، لأَِنَّهُ كَالإِْغْمَاءِ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ. وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ بِالسُّكْرِ الْحَرَامِ اسْتِعْمَال الْمُخَدِّرِ إِذَا خَدَّرَهُ (103) . السَّادِسُ: الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ:
46 - يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، إِذْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الْمُكْثُ فِيهِ، وَلأَِنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يَقْطَعَانِ الصِّيَامَ.
وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يَبْنِيَانِ وُجُوبًا وَفَوْرًا - فِي نَذْرِ الاِعْتِكَافِ الْمُتَتَابِعِ - بِمُجَرَّدِ زَوَال الْعُذْرِ، فَإِذَا تَأَخَّرَتَا بَطَل الاِعْتِكَافُ. وَلاَ يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسُ مِنَ الاِعْتِكَافِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ، فَإِنَّهَا إِنْ أَمِنَتِ التَّلْوِيثَ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ اعْتِكَافِهَا، فَإِنْ خَرَجَتْ بَطَل اعْتِكَافُهَا (104) .
وَشَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِعَدَمِ انْقِطَاعِ الاِعْتِكَافِ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَلاَّ تَكُونَ مُدَّةُ الاِعْتِكَافِ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنِ الْحَيْضِ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الاِعْتِكَافِ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنِ الْحَيْضِ انْقَطَعَ التَّتَابُعُ فِي الأَْظْهَرِ، لإِِمْكَانِ الْمُوَالاَةِ بِشُرُوعِهَا عَقِبَ الطُّهْرِ، وَالْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَنْقَطِعُ، لأَِنَّ جِنْسَ الْحَيْضِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي الْجُمْلَةِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِي التَّتَابُعِ كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ لِلْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ إِلَى بَيْتِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ، لِلْمَسْجِدِ رَحْبَةٌ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي كُتُبِهِمْ (105) .
مَا يُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ وَمَا يُكْرَهُ لَهُ:
47 - كَرِهَ الْعُلَمَاءُ لِلْمُعْتَكِفِ فُضُول الْقَوْل وَالْعَمَل مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِيمَا يُعْتَبَرُ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
أ - الأَْكْل وَالشُّرْبُ وَالنَّوْمُ:
يُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ الأَْكْل وَالشُّرْبُ وَالنَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ اعْتِكَافَ مَنْ لاَ يَجِدُ مَنْ يَأْتِيهِ بِحَاجَتِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَكْرُوهٌ. أَمَّا النَّوْمُ لِلْمُعْتَكِفِ فَمَحَلُّهُ الْمَسْجِدُ، لأَِنَّ خُرُوجَهُ لِلنَّوْمِ لَيْسَ بِعُذْرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَنَّ الْخُرُوجَ لِلنَّوْمِ جَائِزٌ (106) .
ب - الْعُقُودُ وَالصَّنَائِعُ فِي الْمَسْجِدِ:
48 - يُبَاحُ عَقْدُ الْبَيْعِ وَعَقْدُ النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ، فَلَوْ لِتِجَارَةٍ كُرِهَ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ وُقُوفٍ لِذَلِكَ.
أَمَّا إِذَا خَرَجَ لأَِجْلِهَا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يُنْكِحَ مَنْ فِي وِلاَيَتِهِ فِي مَجْلِسِهِ دَاخِل الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ انْتِقَالٍ وَلاَ طُول مُدَّةٍ، وَإِلاَّ كُرِهَ (107) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ إِحْضَارَ الْمَبِيعِ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مُحَرَّزٌ عَنْ مِثْل ذَلِكَ (108) .
49 - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ الْكِتَابَةِ لِلْمُعْتَكِفِ وَإِنْ كَانَ مُصْحَفًا أَوْ عِلْمًا إِنْ كَثُرَ، وَلاَ بَأْسَ بِالْيَسِيرِ وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى.
وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ كِتَابَةُ الْمُصْحَفِ لِلثَّوَابِ لاَ لِلأُْجْرَةِ، بَل لِيَقْرَأَ فِيهِ وَيَنْتَفِعَ مَنْ كَانَ مُحْتَاجًا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ الصَّنَائِعُ فِي الْمَسْجِدِ كَالْخِيَاطَةِ وَالْكِتَابَةِ مَا لَمْ يَكْثُرْ مِنْهَا، فَإِنْ أَكْثَرَ مِنْهَا كُرِهَتْ لِحُرْمَتِهِ، إِلاَّ كِتَابَةُ الْعِلْمِ، فَلاَ يُكْرَهُ الإِْكْثَارُ مِنْهَا، لأَِنَّهَا طَاعَةٌ لِتَعْلِيمِ الْعِلْمِ.
أَمَّا إِذَا احْتَرَفَ الْخِيَاطَةَ وَالْمُعَاوَضَاتِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ بِلاَ حَاجَةٍ فَتُكْرَهُ وَإِنْ قَلَّتْ (109) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ التَّكَسُّبُ بِالصَّنْعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، كَالْخِيَاطَةِ وَغَيْرِهَا وَالْكَثِيرُ وَالْقَلِيل وَالْمُحْتَاجُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ (110) .
ج - الصَّمْتُ:
50 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّمْتَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا حَالَةَ الاِعْتِكَافِ إِنِ اعْتَقَدَهُ قُرْبَةً، أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ قُرْبَةً فَلاَ، لِحَدِيثِ مَنْ صَمَتَ نَجَا (111) وَيَجِبُ الصَّمْتُ عَنِ الْغَيْبَةِ وَإِنْشَادِ الشِّعْرِ الْقَبِيحِ وَتَرْوِيجِ سِلْعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ التَّقَرُّبَ بِالصَّمْتِ لَيْسَ مِنْ شَرِيعَةِ الإِْسْلاَمِ. قَال ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الصَّمْتُ إِلَى اللَّيْل. وَقَال الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ: ظَاهِرُ الأَْخْبَارِ تَحْرِيمُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، قَال فِي الاِخْتِيَارَاتِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي الصَّمْتِ أَنَّهُ إِنْ طَال حَتَّى تَضَمَّنَ تَرْكَ الْكَلاَمِ الْوَاجِبِ صَارَ حَرَامًا، وَكَذَا إِنْ تَعَمَّدَ بِالصَّمْتِ عَنِ الْكَلاَمِ الْمُسْتَحَبِّ، وَالْكَلاَمُ الْمُحَرَّمُ يَجِبُ الصَّمْتُ عَنْهُ، وَفُضُول الْكَلاَمِ يَنْبَغِي الصَّمْتُ عَنْهَا، وَإِنْ نَذَرَ الصَّمْتَ لَمْ يَفِ بِهِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَال: " حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْل (112) .
د - الْكَلاَمُ:
51 - يَنْبَغِي لِلْمُعْتَكِفِ أَلاَّ يَتَكَلَّمَ إِلاَّ بِخَيْرٍ، وَأَنْ يَشْتَغِل بِالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَالصَّلاَةِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالذِّكْرِ، لأَِنَّهُ طَاعَةٌ فِي طَاعَةٍ، وَكَتَدْرِيسِ سِيرَةِ الرَّسُول ﵊ وَقَصَصِ الأَْنْبِيَاءِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ تَحْرِيمًا التَّكَلُّمُ إِلاَّ بِخَيْرٍ، وَهُوَ مَا لاَ إِثْمَ فِيهِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الاِشْتِغَال بِغَيْرِ الذِّكْرِ وَالتِّلاَوَةِ وَالصَّلاَةِ مَكْرُوهٌ، أَمَّا هَذِهِ الثَّلاَثَةُ فَفِعْلُهَا مُسْتَحَبٌّ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ اجْتِنَابُ مَا لاَ يَعْنِيهِ مِنْ جِدَالٍ وَمِرَاءٍ وَكَثْرَةِ كَلاَمٍ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ ﵊ مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ (113) ، لأَِنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الاِعْتِكَافِ فَفِيهِ أَوْلَى.
رَوَى الْخَلاَّل عَنْ عَطَاءٍ قَال: " كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُول الْكَلاَمِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُول الْكَلاَمِ: مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ أَنْ تَقْرَأَهُ، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ تَنْطِقُ فِي مَعِيشَتِكَ بِمَا لاَ بُدَّ لَكَ مِنْهُ " (114) .
وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَال بِتَدْرِيسِ الْعِلْمِ وَمُنَاظَرَةِ الْفُقَهَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَخْتَصُّ نَفْعُهَا بِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ، فَلَمْ يُنْقَل عَنْهُ الاِشْتِغَال بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ.
وَعِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ إِذَا قَصَدَ الطَّاعَةَ لاَ الْمُبَاهَاةَ (115) . هـ - الطِّيبُ وَاللِّبَاسُ
52 - يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَتَطَيَّبَ بِأَنْوَاعِ الطِّيبِ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلاً أَمِ امْرَأَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِهِمْ.
وَكَذَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَخْذُ الظُّفْرِ وَالشَّارِبِ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الْجَوَازَ بِكَوْنِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ لِعُذْرٍ.
أَمَّا حَلْقُ الرَّأْسِ، فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا إِلاَّ أَنْ يَتَضَرَّرَ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ التَّصْرِيحَ بِجَوَازِ لُبْسِ الثِّيَابِ الْحَسَنَةِ، لأَِصْل الإِْبَاحَةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ تَرْكُ لُبْسِ رَفِيعِ الثِّيَابِ، وَالتَّلَذُّذُ بِمَا يُبَاحُ لَهُ قَبْل الاِعْتِكَافِ، وَيُكْرَهُ لَهُ الطِّيبُ. قَال أَحْمَدُ: لاَ يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَطَيَّبَ (1) .
__________
(1) سورة الفتح / 25.
(2) المصباح المنير مادة: (عكف) .
(3) البجيرمي على المنهج 2 / 591 ط المكتبة الإسلامية، وفتح القدير 2 / 305 ط دار إحياء التراث، وانظر الفتاوى الهندية 1 / 211، والمغني 2 / 183، والشرح الصغير 1 / 725 ط دار المعارف، والإفصاح 1 / 170.
(4) جواهر الإكليل 1 / 158، 245 ط دار المعرفة، وابن عابدين 3 / 217 ط بولاق.
(5) المصباح المنير.
(6) كشاف القناع 2 / 347 ط الرياض. وحديث عائشة ﵂. أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 273 ط السلفية) .
(7) حديث: " كنت أجاور هذه العشر. . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا (فتح الباري 4 / 59 ط السلفية، وصحيح مسلم 2 / 824 ط عيسى الحلبي) .
(8) المدونة 1 / 232 ط دار صادر.
(9) الفتاوى الهندية 1 / 212، الطحطاوي على مراقي الفلاح 387 ط الأميرية. والآية من سورة الأنبياء / 20.
(10) حديث: " من كان اعتكف معي. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 271 ط السلفية) .
(11) حديث: " من نذر أن يطيع الله فليطعه. . . ". أخرجه البخاري من حديث عائشة ﵂ مرفوعا (فتح الباري 11 / 581 ط السلفية) .
(12) المغني 3 / 1840 ط الرياض، والروضة 2 / 389، والجمل على شرح المنهج 2 / 355، وكشاف القناع 2 / 348، والفتاوى الهندية 1 / 211، والدسوقي 1 / 541. وحديث " أوف بنذرك. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 274 ط السلفية) .
(13) ابن عابدين 2 / 442 ط الحلبي.
(14) ابن عابدين 2 / 441، وكشاف القناع 2 / 360، والروضة 2 / 395، والشرح الكبير 1 / 541، والفروع 3 / 162، والزرقاني 2 / 222، ومغني المحتاج 1 / 455.
(15) حاشية ابن عابدين 2 / 442 ط الحلبي.
(16) ابن عابدين 2 / 128 - 129 ط بولاق، والروضة 2 / 391، وكشاف القناع 2 / 347، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن 1 / 409.
(17) ابن عابدين 2 / 441، وكشاف القناع 2 / 360، والروضة 2 / 395، والشرح الكبير 1 / 541، والفروع 3 / 162، والزرقاني 2 / 222، ومغني المحتاج 1 / 455.
(18) ابن عابدين 2 / 441.
(19)
(20)
(21)
(22) نيل المآرب 1 / 283 ط الفلاح، والشرح الصغير 1 / 725 ط دار المعارف، وبدائع الصنائع 2 / 108، وكشاف القناع 2 / 347 ط النصر الحديثة، ونهاية المحتاج 2 / 354.
(23) ابن عابدين 2 / 441.
(24) الدسوقي 1 / 545.
(25) الطحطاوي على مراقي الفلاح 382.
(26) كشاف القناع 2 / 349، 350 ط الرياض. وحديث: " لا تصوم المرأة وزوجها شاهد. . . ". أخرجه الترمذي بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وأصله في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: " لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه " تحفة الأحوذي 3 / 495 نشر السلفية، وصحيح مسلم 2 / 711 ط عيسى الحلبي.
(27) مغني المحتاج 1 / 454، وأسنى المطالب 1 / 436.
(28) كشاف القناع 2 / 349 - 350.
(29) مسائل الإمام أحمد 1 / 96 ط دار المعرفة.
(30) كشاف القناع 2 / 351.
(31) ابن عابدين 2 / 441 ط مصطفى الحلبي، وبلغة السالك 1 / 539 ط عيسى الحلبي، والروضة 2 / 395، والجمل 2 / 357، وكشاف القناع 2 / 351.
(32) ابن عابدين 2 / 441، 445 ط الحلبي، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 546، 552، والروضة 2 / 395، وكشاف القناع 2 / 350، وكفاية الطالب مع حاشية العدوي 1 / 358، وبلغة السالك 1 / 542 ط عيسى الحلبي.
(33) سورة البقرة / 187.
(34) ابن عابدين 2 / 441 ط الحلبي، وحاشية العدوي مع شرح أبي الحسن 1 / 410، والمجموع 6 / 483، ومغني المحتاج 1 / 450، وكشاف القناع 2 / 351 - 352، والروضة 2 / 398.
(35) ابن عابدين 2 / 129 ط بولاق، وكشاف القناع 2 / 351.
(36) حاشية العدوي مع شرح أبي الحسن 1 / 410، والمجموع 6 / 486، ومغني المحتاج 1 / 450.
(37) الأثر عن ابن عباس ﵄ أخرجه البيهقي بلفظ: " إن أبغض الأمور إلى الله البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور " (السنن الكبرى للبيهقي 4 / 316 ط الهند) .
(38) تبيين الحقائق 1 / 350، وابن عابدين 2 / 129 ط بولاق، وحاشية العدوي 1 / 410، والمجموع 6 / 484، ومغني المحتاج 1 / 451 والروضة 2 / 398، وكشاف القناع 2 / 352.
(39) ابن عابدين 2 / 441، والروضة 2 / 391، وبلغة السالك 1 / 538، وكشاف القناع 2 / 347.
(40) الساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمن لا جزء من أربع وعشرين. ابن عابدين مع الدر المختار 2 / 444
(41) ابن عابدين 2 / 441 ط الحلبي، وبلغة السالك مع الحاشية 1 / 538 - 539، والدسوقي مع الشرح الكبير 2 / 541، وكفاية الطالب 1 / 354 - 355، والروضة 2 / 391، وحاشية الجمل 2 / 361 - 362، وكشاف القناع 2 / 347.
(42) حديث: " لا اعتكاف إلا بصيام. . . " أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث عائشة ﵂، وفيه سويد بن عبد العزيز. قال عنه البيهقي: سويد ضعيف لا يقبل ما تفرد به. وروي عن عطاء عن عائشة ﵂ موقوفا بلفظ: " من اعتكف فعليه الصيام ". ور (سنن الدارقطني 2 / 199 - 200 ط شركة الطباعة الفنية المتحدة، والسنن الكبرى للبيهقي 4 / 317 ط الهند، والمستدرك 1 / 440، وعون المعبود 2 / 310 - 311 ط الهند، ونيل الأوطار 4 / 267 ط المطبعة العثمانية) .
(43) حديث عمر ﵁: " أنه سأل النبي ﷺ عن اعتكاف عليه. . . " أخرجه أبو داود والدارقطني واللفظ له. وقال الدارقطني: تفرد به ابن بديل عن عمرو. وهو ضعيف الحديث، كما ضعفه ابن حجر في الفتح. (عون المعبود 2 / 311 ط الهند، وسنن الدارقطني 2 / 200 ط شركة الطباعة الفنية المتحدة، وفتح الباري 4 / 274 ط السلفية) .
(44) ابن عابدين 2 / 442 - 443، وبدائع الصنائع 3 / 1057، الفتاوى الهندية 1 / 211، والمجموع 6 / 485، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 542.
(45) حديث: " أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 2 / 831 ط عيسى الحلبي) .
(46) حديث " أوف بنذرك ". سبق تخريجه (ف / 6) .
(47) حاشية ابن عابدين 2 / 120، 121 ط بولاق، والفتاوى الهندية 1 / 211.
(48) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 542.
(49) كشاف القناع 2 / 348، وبلغة السالك 1 / 542.
(50) كشاف القناع 2 / 349، وبلغة السالك 1 / 542، ومغني المحتاج 1 / 453، وابن عابدين 2 / 131، والفتاوى الهندية 1 / 214، ومغني المحتاج 1 / 454، وحاشية العدوي مع شرح أبي الحسن 1 / 409، وابن عابدين 2 / 133، ط بولاق، والبحر الرائق 2 / 329 ط العلمية.
(51) مغني المحتاج 1 / 453 - 454، والمقنع 1 / 282، وكشاف القناع 2 / 355.
(52) مغني المحتاج 1 / 453، وكشاف القناع 2 / 355.
(53) حاشية الجمل 2 / 365 - 366، وكشاف القناع 2 / 354.
(54) المجموع 6 / 493، وكشاف القناع 2 / 354.
(55) كشاف القناع 2 / 354، 355، وابن عابدين 2 / 443، وبدائع الصنائع 3 / 1060، والمجموع 6 / 494، وبلغة السالك 1 / 541 - 542.
(56) ابن عابدين 2 / 452، وبلغة السالك 1 / 539، وكشاف القناع 2 / 355، والمجموع 6 / 492.
(57) كشاف القناع 2 / 348 - 349، ومغني المحتاج 1 / 453، والفروع 3 / 162.
(58) حديث: " ليس على المعتكف صيام. . . " أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس ﵁ مرفوعا وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط مسلم وعارض هذا ما لم يصح. وأخرجه الدارقطني والبيهقي بنفس الإسناد ورجحا وقفه. (المستدرك 1 / 439 نشر د وسنن الدارقطني 2 / 199 ط شركة الطباعة الفنية المتحدة، والسنن الكبرى للبيهقي 4 / 319 ط الهند، ونيل الأوطار 4 / 268 ط المطبعة العثمانية المصرية) .
(59) كشاف القناع 2 / 349، ومغني المحتاج 1 / 453.
(60) حديث: " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة. . . " أخرجه ابن ماجه من حديث جابر ﵁ مرفوعا. وقال الحافظ البوصيري في الزوائد: إسناد حديث جابر صحيح ورجاله ثقات (سنن ابن ماجه 1 / 450 ط عيسى الحلبي) وأخرج البخاري الشطر الأول منه بلفظ " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا (فتح الباري 3 / 63 ط السلفية) .
(61) حديث: " أن الصلاة بالمسجد الأقصى. . . " أورده المنذري في الترغيب والترهيب وعزاه إلى الطبراني وابن خزيمة والبزار من حديث أبي الدرداء ﵁. ولفظ البزار " فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المق
(62) كشاف القناع 2 / 353، ومغني المحتاج 1 / 451.
(63) جواهر الإكليل 1 / 158، والإنصاف 3 / 366 - 367.
(64) الإنصاف 3 / 368، والدسوقي 1 / 547 ط دار الفكر.
(65) حاشية الطحطاوي على الدر 1 / 476، ومغني المحتاج 1 / 457، والمغني 3 / 194 - 195 ط الفجالة، والقوانين الفقهية 85 ط دار القلم، وكشاف القناع 2 / 359.
(66) الدسوقي 1 / 552، وبلغة السالك 1 / 549.
(67) الإنصاف 3 / 376، ومغني المحتاج 1 / 457.
(68) سورة البقرة / 187.
(69) الدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 544، ومغني المحتاج 1 / 452، وبدائع الصنائع 3 / 1071 - 1072، وكشاف القناع 2 / 361.
(70) المجموع 6 / 527، والإنصاف 3 / 380 - 381، وتبيين الحقائق 1 / 52، وابن عابدين 2 / 135 ط بولاق، والدسوقي 1 / 545، والمغني 3 / 298 ط الرياض.
(71) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 543، وتبيين الحقائق 1 / 350، وابن عابدين 2 / 445، وكشاف القناع 2 / 356، والروضة 2 / 404، وبدائع الصنائع 3 / 1071
(72) حديث عائشة ﵂: " أن النبي ﷺ كان لا يدخل البيت. . . ". أخرجه البخاري ومسلم (فتح الباري 4 / 273 ط السلفية وصحيح مسلم 1 / 244 ط عيسى الحلبي) .
(73) ابن عابدين 2 / 445، 446، وكشاف القناع 2 / 356، ومغني المحتاج 1 / 457، والمجموع 6 / 501، 503، وبلغة السالك 1 / 544.
(74) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 544.
(75) المجموع 6 / 501، وكشاف القناع 2 / 356.
(76) مغني المحتاج 1 / 457، وكشاف القناع 2 / 356، وابن عابدين 2 / 445.
(77) مغني المحتاج 1 / 457، وكشاف القناع 2 / 356، وبلغة السالك 1 / 546، وحاشية ابن عابدين 2 / 445.
(78) المجموع 6 / 502.
(79) مغني المحتاج 1 / 457، وابن عابدين 2 / 448 - 449، والمغني 3 / 193 ط الرياض، وبلغة السالك 1 / 540.
(80) بلغة السالك 1 / 546.
(81) الفتاوى الهندية 1 / 16، وابن عابدين 2 / 133، وبلغة السالك 1 / 138، والمقنع 1 / 62، ومغني المحتاج 1 / 257 - 258. أما الخروج لغسل التنظف إذا احتاج إليه فاللجنة ترى أنه لا ينبغي أن يعتبر مما ينافي الاعتكاف.
(82) ابن عابدين 2 / 445، وبلغة السالك 1 / 540، وكشاف القناع 2 / 357، والمجموع 6 / 514، ومغني المحتاج 1 / 457، والدسوقي 1 / 543.
(83) ابن عابدين 2 / 445 - 446، وكشاف القناع 2 / 357.
(84) الأثر عن عائشة ﵂ " إن كنت أدخل البيت للحاجة. . . " أخرجه مسلم (صحيح مسلم 1 / 244 ط عيسى الحلبي) .
(85) حديث عائشة " أنه ﵊ كان يمر بالمريض. . . " أخرجه أبو داود وضعفه ابن حجر في التلخيص (سنن أبي داود 2 / 836 ط استانبول، والتلخيص الحبير 2 / 219) .
(86) مغني المحتاج 1 / 458، ونهاية المحتاج 3 / 223، والبحر الرائق 2 / 325 - 326، والمغني 3 / 195 - 196، والمجموع 6 / 510.
(87) الدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 543، 548.
(88) الفتاوى الهندية 1 / 212، والحطاب 2 / 457، والدسوقي 1 / 545، وابن عابدين 2 / 447، والمجموع 6 / 520 - 521، وكشاف القناع 2 / 358، والطحطاوي على الدر 1 / 475، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص 384.
(89) حديث: " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. . . ". أخرجه ابن ماجه من حديث أبي ذر الغفاري مرفوعا بلفظ " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " قال الحافظ البوصيري: إسناده ضعيف، كما أخرجه ابن ماجه عن طريق الأوزاعي عن عطاء ع والمستدرك 2 / 198 نشر دار الكتاب العربي، ونصب الراية 2 / 65 - 66 ط دار المأمون) .
(90) المجموع 6 / 514 - 515، وابن عابدين 2 / 547، وكشاف القناع 2 / 357، والدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 543.
(91) المجموع 6 / 516 - 517، وكشاف القناع 2 / 351، 357 - 358، والفتاوى الهندية 1 / 212، والدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 551 - 552.
(92) مغني المحتاج 1 / 458.
(93) الإنصاف 3 / 377، والمجموع 6 / 522 - 523، والفتاوى الهندية 1 / 212، والقوانين الفقهية 85.
(94) الفتاوى الهندية 1 / 212، ومغني المحتاج 1 / 458، والدسوقي 1 / 549، وكشاف القناع 2 / 357.
(95) تبيين الحقائق 1 / 351، وابن عابدين 2 / 133 ط بولاق.
(96) حديث عائشة ﵂: " كان رسول الله ﷺ يدني إلي رأسه. . . " أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له (فتح الباري 4 / 272 ط السلفية، وصحيح مسلم 1 / 244 ط عيسى الحلبي) . وانظر كشاف القناع 2 / 360، ومغني المحتاج 1 / 457، وبلغة السالك 1 / 540، وابن عابدين 2 / 133 ط بولاق.
(97) ابن عابدين 2 / 445، والمجموع 6 / 506 - 507، والإنصاف 3 / 364 - 365، والدسوقي 1 / 547، والزرقاني 2 / 224، وكشاف القناع 2 / 352، والمغني 3 / 197 ط الرياض.
(98) ابن عابدين 2 / 136.
(99) الفروع 3 / 148، والمجموع 6 / 518، والدسوقي 1 / 551، وبدائع الصنائع 3 / 1076.
(100) سورة الأنفال / 38.
(101) حديث " الإسلام يجب ما كان قبله. . . " أخرجه ابن سعد في الطبقات من حديث الزبير بن العوام وجبير بن مطعم، وعزاه المناوي إلى الطبراني وحكم عليه الألباني بالصحة. (فيض القدير 3 / 179 - 180 ط المكتبة التجارية، وصحيح الجامع الصغير بتحقيق الألباني 2 / 411 نشر المكتب الإسلامي) .
(102) مغني المحتاج 1 / 455، وكشاف القناع 2 / 362، وبدائع الصنائع 3 / 1076، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 543.
(103) بدائع الصنائع 3 / 1074، والدسوقي مع الشرح الكبير 1 / 544، ومغني المحتاج 1 / 454 - 455، وكشاف القناع 2 / 362.
(104) بلغة السالك مع الشرح الصغير 1 / 548، ومغني المحتاج 1 / 455، 458، وابن عابدين 2 / 133 ط بولاق، والإنصاف 3 / 374، وكشاف القناع 2 / 358، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار 1 / 473.
(105) مغني المحتاج 1 / 455، 458، والإنصاف 3 / 374.
(106) حاشية ابن عابدين 2 / 448، والدسوقي 1 / 547 - 548، وكشاف القناع 2 / 356، ومغني المحتاج 1 / 457 - 458.
(107) ابن عابدين 2 / 448 - 449، والدسوقي 1 / 548، ومغني المحتاج 1 / 452، وكشاف القناع 2 / 362، والمغني 3 / 209 ط الرياض.
(108) ابن عابدين 2 / 449.
(109) الدسوقي 1 / 548، ومغني المحتاج 1 / 452.
(110) الإنصاف 3 / 386.
(111) حديث: " من صمت نجا. . . " أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة، وأبو عبد الرحمن الحبلي هو عبد الله بن يزيد. وأورده المنذري في الترغيب والترهيب وقال: رواه الترمذي وقال: حديث غريب. والطبران (سنن الترمذي 4 / 660 ط استانبول، والترغيب والترهيب 5 / 170 ط مطبعة السعادة) .
(112) ابن عابدين 2 / 449، وكشاف القناع 2 / 362 - 363، وحديث: " لا صمات يوم إلى الليل. . . " أخرجه أبو داود من حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال المنذري: في إسناده محمد بن المدني الجاري، قال البخاري: يتكلمون فيه، وقال ابن حبان: يجب التنكب على ما أخذه من الروايات. وذكر العقيلي هذا الحديث وذكر أن وفيض القدير 6 / 444 ط المكتبة التجارية) .
(113) حديث: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. . . " أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه. وأخرجه مالك والترمذي عن طريقه من حديث علي ب (تحفة الأحوذي 6 / 606 - 609 نشر المكتبة السلفية، والموطأ للإمام مالك 2 / 903 ط عيسى الحلبي) .
(114) ابن عابدين 2 / 449 - 450، والدسوقي 1 / 548، والجمل 2 / 364، وكشاف القناع 2 / 362.
(115) الدسوقي 1 / 548، وكشاف القناع 2 / 363 - 364.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 206/ 5