البحث

عبارات مقترحة:

المجيد

كلمة (المجيد) في اللغة صيغة مبالغة من المجد، ومعناه لغةً: كرم...

اللطيف

كلمة (اللطيف) في اللغة صفة مشبهة مشتقة من اللُّطف، وهو الرفق،...

الغفار

كلمة (غفّار) في اللغة صيغة مبالغة من الفعل (غَفَرَ يغْفِرُ)،...

الْوَصِيَّة


من معجم المصطلحات الشرعية

أن يوصي الشيخ -عند سفره، أو موته - بإعطاء كتبه لشخص معين . وهي طريقة ضعيفة من طرق تحمل الحديث . وشاهدها قول الإمام ابن الصلاح : "من أقسام الأخذ، والتحمل : الوصية بالكتب ." ومثالها قول الإمام السَّخْتِياني : "أوصى إلي أبو قلابة في كتبه، فَبَعَثْت، فجيء بها إلي، وأنفقت بضعة عشر درهماً ."


انظر : المحدث الفاصل للرامهرمزي، ص :459، المقدمة لابن الصلاح، ص :177، فتح المغيث للسخاوي، 3/19-20، تدريب الراوي للسيوطي، 1/486

من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف اللغوي

ما أَوْصَيْتَ بِه، يُقال: أَوْصَى، يُوصِي، إِيصاءً، ووَصَّى، يُوصِي، تَوْصِيَةً: إذا عَهِدَ إلَيْه، وأَوْصَيْتُ إليه بِمالٍ: جَعَلْتُهُ لَهُ، والوِصايةُ: فعِلُ الوَصِيِّ. وأَصْلُ الكَلِمَةِ يَدُلُّ على وَصْلِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، ومنه سُمِّيَت وَصِيَّةً؛ لأنَّها وَصْلٌ لِما كان في الحَياةِ بعد المَوْتِ. والجَمْعُ: وَصايا.

إطلاقات المصطلح

يَرِد مُصطَلَح (وَصِيَّة) في الفقه في عِدَّة مواطِن، منها: كتاب الزَّكاة، والحجِّ، والنِّكاح، والوَقف، والقَضاء والشَّهادات، وغير ذلك. ويُطلَق ويُراد به: طَلَبُ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ المُوصى إِلَيْهِ بعد غَيْبَةِ المُوصِي أو بَعد مَوْتِهِ فِيما يَرْجِع إلى مَصالِحِه، كقَضاءِ دُيونِهِ، والقِيامِ بِحَوائِجِهِ، ومَصالِحِ وَرَثَتِهِ مِن بَعْدِهِ، وتَنفِيذِ وَصاياه، وغيرِ ذلك. ويُطلَق أيضاً ويُراد به: المُوصَى بِه. ويُطلق عند أهل الحديث على نَوْعٍ مِن أنواعِ تَحَمُّلِ الحَدِيثِ، وهي: أن يُوصِي الرّاوِي عند مَوْتِهِ أو سَفَرِهِ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِكِتابٍ يَروِيهِ.

جذر الكلمة

وصى

التعريف

تمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بعد الْمَوْت.

المراجع

* العين : (7/177)
* تهذيب اللغة : (12/187)
* مقاييس اللغة : (6/116)
* المحكم والمحيط الأعظم : (8/394)
* تاج العروس : (40/207)
* المطلع على ألفاظ المقنع : (ص 356)
* التعريفات للجرجاني : (ص 252)
* شرح حدود ابن عرفة : (ص 528)
* معجم مقاليد العلوم في التعريفات والرسوم : (ص 56)
* المصباح المنير في غريب الشرح الكبير : (2/662)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 504)
* التوقيف على مهمات التعاريف : (ص 338)
* أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء : (ص 111)
* كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم : (2/1794) -

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الْوَصِيَّةُ فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ أُصِيهِ - مِنْ بَابِ وَعَدَ - وَصَلْتُهُ وَأَوْصَيْتُ إِلَيْهِ بِمَالٍ جَعَلْتُهُ لَهُ.
وَالْوَصِيَّةُ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمُوصَى بِهِ. (1)
وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَال فِي الاِصْطِلاَحِ: تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الأَْعْيَانِ أَوْ فِي الْمَنَافِعِ. (2)
وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: الإِْيصَاءُ يَعُمُّ الْوَصِيَّةَ وَالْوِصَايَةَ لُغَةً، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا مِنَ اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ تَخْصِيصُ الْوَصِيَّةِ بِالتَّبَرُّعِ الْمُضَافِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْوِصَايَةِ بِالْعَهْدِ إِلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ (3) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْيصَاءُ:
2 - الإِْيصَاءُ مَصْدَرُ أَوْصَى، يُقَال: أَوْصَى إِلَيْهِ: جَعَلَهُ وَصِيَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِهِ وَمَالِهِ وَعِيَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى فُلاَنًا بِالشَّيْءِ، أَمَرَهُ بِهِ وَفَرَضَهُ عَلَيْهِ. (4)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالإِْيصَاءِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمْرٌ بِالتَّصَرُّفِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ وَالإِْيصَاءُ الْعَهْدُ إِلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ. (5)
ب - الْهِبَةُ:
3 - الْهِبَةُ لُغَةً: إِعْطَاءُ شَيْءٍ غَيْرَهُ بِلاَ عِوَضٍ. يُقَال: وَهَبَ لَهُ الشَّيْءَ يَهَبُهُ وَهْبًا وَوَهَبًا، وَهِبَةً: أَعْطَاهُ إِيَّاهُ بِلاَ عِوَضٍ. (6)
وَالْهِبَةُ شَرْعًا: تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلاَ عِوَضٍ فِي حَال الْحَيَاةِ تَطَوُّعًا (7) . وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ تَمْلِيكٌ لَكِنَّ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهِبَةَ حَال الْحَيَاةِ.

ج - الصَّدَقَةُ:
4 - الصَّدَقَةُ فِي اللُّغَةِ: بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّال - مَا أَعْطَيْتَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَمْلِيكُ شَيْءٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي الْحَيَاةِ لِمُحْتَاجٍ لأَِجْل ثَوَابِ الآْخِرَةِ (8) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ إِلاَّ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ وَالْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.

مَشْرُوعِيَّةُ الْوَصِيَّةِ:
5 - الْوَصِيَّةُ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول. (9)
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي تَوْزِيعِ الْمِيرَاثِ وَالتَّرِكَةِ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} . وَقَوْلُهُ ﷿: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ (10) } ، فَهَذَانَ النَّصَّانِ جَعَلاَ الْمِيرَاثَ حَقًّا مُؤَخَّرًا عَنْ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ وَأَدَاءِ الدَّيْنِ، لَكِنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: " إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآْيَةَ:
{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وَأَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْل الْوَصِيَّةِ (11) .
وَحِكْمَةُ تَقْدِيمِهَا فِي الآْيَةِ: أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتِ الْمِيرَاثَ فِي كَوْنِهَا بِلاَ عِوَضٍ، فَكَانَ فِي إِخْرَاجِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْوَارِثِ، فَقُدِّمَتْ حَثًّا عَلَى إِخْرَاجِهَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَال: لاَ، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَال: لاَ، الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (12) . وَحَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ، زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ (13) .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ (14) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَهُوَ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى الْوَصِيَّةِ زِيَادَةً فِي الْقُرُبَاتِ وَالْحَسَنَاتِ وَتَدَارُكًا لِمَا فَرَّطَ بِهِ الإِْنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ أَعْمَال الْخَيْرِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْوَصِيَّةِ، لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى حَال زَوَال مَالِكِيَّتِهِ، وَلَوْ أُضِيفَ إِلَى حَال قِيَامِهَا بِأَنْ قِيل: مَلَّكْتُكَ غَدًا، كَانَ بَاطِلاً، فَهَذَا أَوْلَى، إِلاَّ أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا.
فَإِنَّ الإِْنْسَانَ مَغْرُورٌ بِأَمَلِهِ، مُقَصِّرٌ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُ الْمَرَضُ، وَخَافَ الْبَيَانَ، يَحْتَاجُ إِلَى تَلاَفِي بَعْضِ مَا فُرِّطَ مِنْهُ، مِنَ التَّفْرِيطِ بِمَالِهِ، عَلَى وَجْهٍ لَوْ مَضَى فِيهِ يَتَحَقَّقُ مَقْصِدُهُ الْمُآلِي، وَلَوْ أَنْهَضَهُ الْبُرْءُ يَصْرِفُهُ إِلَى مَطْلَبِهِ الْحَالِيِّ، وَفِي شَرْعِ الْوَصِيَّةِ ذَلِكَ، فَشُرِعَتْ (15) ..

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْوَصِيَّةِ: 6 - حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْوَصِيَّةِ: تَحْصِيل ذِكْرِ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا، وَنَوَال الثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ فِي الآْخِرَةِ (16) ، لِذَا شَرَعَهَا الشَّارِعُ تَمْكِينًا مِنَ الْعَمَل الصَّالِحِ، وَمُكَافَأَةِ مَنْ أَسْدَى لِلْمَرْءِ مَعْرُوفًا، وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالأَْقَارِبِ غَيْرِ الْوَارِثِينَ، وَسَدِّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ، وَتَخْفِيفِ الْكَرْبِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْبُؤَسَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذَلِكَ بِشَرْطِ الْتِزَامِ الْمَعْرُوفِ أَوِ الْعَدْل، وَتَجَنُّبِ الإِْضْرَارِ فِي الْوَصِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ (17) } .
وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: الإِْضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ (18) . وَالْعَدْل الْمَطْلُوبُ: قَصْرُهَا عَلَى مِقْدَارِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ الْمُحَدَّدِ شَرْعًا. أَمَّا عَدَمُ نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ الآْخَرِينَ، فَهُوَ لِمَنْعِ التَّبَاغُضِ وَالتَّحَاسُدِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
7 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَال.
أ - فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِجُزْءٍ مِنَ الْمَال لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ، وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنْقَل عَنْهُمْ وَصِيَّةٌ، وَلَمْ يُنْقَل لِذَلِكَ نَكِيرٌ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُخِلُّوا بِذَلِكَ وَلَنُقِل عَنْهُمْ نَقْلاً ظَاهِرًا، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ لاَ تَجِبُ فِي الْحَيَاةِ فَلاَ تَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَعَطِيَّةِ الأَْجَانِبِ.
ثُمَّ قَال هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءُ: تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنَ الْمَال لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ (19) } ، فَنُسِخَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الاِسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ مَنْ لاَ يَرْثُ لِحَدِيثِ: لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ (20) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا ابْنَ آدَمَ اثْنَتَانِ لَمْ تَكُنْ لَكَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا: جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكَ حِينَ أَخَذْتُ بِكَظَمِكَ لأُِطَهِّرَكَ بِهِ وَأُزَكِّيَكَ وَصَلاَةُ عِبَادِي عَلَيْكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِكَ (21) .
وَعَنْ مُعَاذٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ (22) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَسْتَوْعِبَ الْمُوصِي الثُّلُثَ بِالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ (23) .
وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالأَْفْضَل لِلْغَنِيِّ الْوَصِيَّةُ بِالْخُمُسِ.
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَهُوَ - كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ - ظَاهِرُ قَوْل السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ أَهْل الْبَصْرَةِ، وَأُثِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - أَنَّهُ قَال: " الْخُمُسُ فِي الْوَصِيَّةِ أَحَبُّ إِلَيَّ، لأَِنَّ اللَّهَ رَضِيَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ سَهْمًا ". وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ يَسْتَحِبُّونَ الرُّبُعَ فِي الْوَصِيَّةِ.
قَال إِسْحَاقُ: السُّنَّةُ الرُّبُعُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلاً يَعْرِفُ فِي مَالِهِ حُرْمَةَ شُبُهَاتٍ أَوْ غَيْرَهَا فَلَهُ اسْتِيعَابُ الثُّلُثِ.
وَقَال الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ الْمُوصِي غَنِيًّا اسْتُحِبَّ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ. (24) وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إِذَا كَانَ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ وَالْمَال كَثِيرًا، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَال قَلِيلاً وَالْوَرَثَةُ مُحْتَاجُونَ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَهُ وَرَثَةٌ مُحْتَاجُونَ لاَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ.
وَقَال عَلِيٌّ - ﵁ - لِرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ: إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ طَائِلاً إِنَّمَا تَرَكْتَ شَيْئًا يَسِيرًا فَدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ.
وَقَال الشَّعْبِيُّ: مَا مِنْ مَالٍ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ مَالٍ يَتْرُكُهُ الرَّجُل لِوَلَدِهِ يُغْنِيهِمْ عَنِ النَّاسِ. وَقَال الْكَاسَانِيُّ: إِنْ كَانَ مَالُهُ قَلِيلاً وَلَهُ وَرَثَةٌ فُقَرَاءُ فَالأَْفْضَل أَنْ لاَ يُوصِيَ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ ﵁: إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (25) وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ صِلَةً بِالأَْجَانِبِ وَالتَّرْكَ يَكُونُ صِلَةً بِالأَْقَارِبِ فَكَانَ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَتْ وَرَثَتُهُ فُقَرَاءَ فَالأَْفْضَل أَنْ يُوصِيَ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ وَيَتْرُكَ الْمَال لِوَرَثَتِهِ لأَِنَّ غُنْيَةَ الْوَرَثَةِ تَحْصُل بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِذَا كَانَ الْمَال كَثِيرًا وَلاَ تَحْصُل عِنْدَ قِلَّتِهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تُكْرَهُ الْوَصِيَّةُ فِي مَالٍ قَلِيلٍ. (26)
وَقَال النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ الثُّلُثِ. (27)
وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَاجِبَةٌ.
رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَال: جَعَل اللَّهُ الْوَصِيَّةَ حَقًّا عَمَّا قَل أَوْ كَثُرَ. وَقِيل لأَِبِي مِجْلَزٍ: عَلَى كُل مَيِّتٍ وَصِيَّةٌ؟ قَال: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا.
ب - وَقَال أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةٌ لِلأَْقْرَبِينَ الَّذِينَ لاَ يَرِثُونَ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَطَاوُسٍ وَإِيَاسٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ جَرِيرٍ:
وَاحْتَجُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ( {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} ) (28) ، وَبِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: " مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ قَال ابْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال ذَلِكَ إِلاَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي " (29) .
وَرُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَ يُشَدِّدَانِ فِي الْوَصِيَّةِ.
وَكَانَ مِمَّنْ قَال بِوُجُوبِ الْوَصِيَّةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَطَاوُسٌ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ. وَقَالُوا: نُسِخَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ وَبَقِيَتْ فِيمَنْ لاَ يَرِثُ مِنَ الأَْقْرَبِينَ. (30)

أَرْكَانُ الْوَصِيَّةِ وَكَيْفِيَّةُ انْعِقَادِهَا:
8 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيَّةِ أَرْكَانًا أَرْبَعَةً: صِيغَةٌ، وَمُوصٍ، وَمُوصًى لَهُ، وَمُوصًى بِهِ. (31) وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي رُكْنِ الْوَصِيَّةِ:
فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: الرُّكْنُ هُوَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول، الإِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي وَالْقَبُول مِنَ الْمُوصَى لَهُ، فَمَا لَمْ يُوجَدَا جَمِيعًا لاَ يَتِمُّ الرُّكْنُ، وَقَالُوا: إِنْ شِئْتَ قُلْتَ رُكْنُ الْوَصِيَّةِ الإِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي وَعَدَمُ الرَّدِّ مِنَ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ رَدِّهِ.
وَقَال زُفَرُ: رُكْنُ الْوَصِيَّةِ هُوَ الإِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي فَقَطْ، وَاسْتَدَل بِأَنَّ مِلْكَ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْزِلَةِ مِلْكِ الْوَارِثِ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمِلْكَيْنِ يَنْتَقِل بِالْمَوْتِ ثُمَّ مِلْكُ الْوَارِثِ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولِهِ، فَكَذَا مِلْكُ الْمُوصَى لَهُ.
وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ وَالصَّاحِبَانِ عَلَى أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول مَعًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} ) (32) فَظَاهِرُهُ أَنْ لاَ يَكُونَ لِلإِْنْسَانِ شَيْءٌ بِدُونِ سَعْيِهِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ لَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ سَعْيِهِ وَهَذَا مَنْفِيٌّ إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَلأَِنَّ الْقَوْل بِثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولِهِ يُؤَدِّي إِلَى الإِْضْرَارِ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْحَقُهُ ضَرَرُ الْمِنَّةِ، وَلِهَذَا تَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى قَبُولِهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمِنَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَصِيَّ بِهِ قَدْ يَكُونُ شَيْئًا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُوصَى لَهُ فَلَوْ لَزِمَهُ الْمِلْكُ مِنْ غَيْرِ قَبُولِهِ لَلَحِقَهُ الضَّرَرُ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ وَإِلْزَامِ مَنْ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةُ الإِْلْزَامِ إِذْ لَيْسَ لِلْمُوصِي وِلاَيَةُ إِلْزَامِ الضَّرَرِ فَلاَ يَلْزَمُهُ. (33)
الرُّكْنُ الأَْوَّل: الصِّيغَةُ:
9 - الصِّيغَةُ تَتَكَوَّنُ مِنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَيَتِمُّ الإِْيجَابُ بِكُل لَفْظٍ يَدُل عَلَى التَّمْلِيكِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَقَوْل الْمُوصِي: وَصَّيْتُ لَكَ بِكَذَا، أَوْ وَصَّيْتُ لِزَيْدٍ بِكَذَا، أَوْ أَعْطُوهُ مِنْ مَالِي بَعْدَ مَوْتِي كَذَا، أَوِ ادْفَعُوهُ إِلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ جَعَلْتُهُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ هُوَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي بَعْدَ مَوْتِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ. (34)
وَتَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ بِالْكِتَابَةِ كَاللَّفْظِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ (35) وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْكِتَابَةِ، فَدَل عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِهَا، وَلأَِنَّهُ ﷺ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ وَغَيْرِهِمْ مُلْزِمًا لِلْعَمَل بِتِلْكَ الْكِتَابَةِ وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلأَِنَّ الْكِتَابَةَ تُنْبِئُ عَنِ الْمَقْصُودِ فَهِيَ كَاللَّفْظِ.
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ اعْتَبَرُوا الْكِتَابَةَ كِنَايَةً فَلاَ تَنْعَقِدُ بِهَا إِلاَّ مَعَ النِّيَّةِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الاِعْتِرَافِ بِهَا نُطْقًا مِنَ الْوَصِيِّ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ
وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِالْكِتَابَةِ وَالْعَمَل بِهَا أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ الْمَكْتُوبَةُ بِخَطِّ الْمُوصِي الثَّابِتِ بِإِقْرَارِ وَرَثَتِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تُعَرِّفُ خَطَّهُ. (36)
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ الْوَصِيَّةِ بِالإِْشَارَةِ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ انْعِقَادِ الْوَصِيَّةِ بِالإِْشَارَةِ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى انْعِقَادِ الْوَصِيَّةِ بِالإِْشَارَةِ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى الْكَلاَمِ. (37)
كَمَا اخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ الْوَصِيَّةِ بِالإِْشَارَةِ مِنْ مُعْتَقَل اللِّسَانِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إِنْ كَانَ الْمُوصِي مُعْتَقَلاً لِسَانُهُ بِإِشَارَةٍ وَلَوْ فُهِمَ، إِلاَّ إِنْ أَيِسَ مِنْ نُطْقِهِ بِأَنْ دَامَتِ الْعُقْلَةُ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنِ اعْتُقِل لِسَانُهُ لَوَصِيَّتُهُ تَصِحُّ بِالإِْشَارَةِ. (38)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (إِشَارَة ف11، صِيغَة ف12) .
أَمَّا الْقَبُول فَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَحْدِيدِ الْمُرَادِ بِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ الْقَبُول الْمَطْلُوبَ: هُوَ عَدَمُ الرَّدِّ، فَيَكْفِي إِمَّا الْقَبُول الصَّرِيحُ، مِثْل: قَبِلْتُ الْوَصِيَّةَ أَوْ رَضِيتُ بِهَا، أَوِ الْقَبُول دَلاَلَةً، بِأَنْ يَتَصَرَّفَ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمُوصَى بِهِ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالإِْجَارَةِ.
وَيَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصَى بِهِ بِالْقَبُول إِلاَّ فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَمُوتَ الْمُوصِي، ثُمَّ يَمُوتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْل الْقَبُول، فَيَدْخُل الْمُوصَى بِهِ فِي مِلْكِ وَرَثَتِهِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ تَمَّتْ مِنْ جَانِبِ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ تَمَامًا لاَ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا تُوقَفُ لِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ، فَإِذَا مَاتَ دَخَل الْمُوصَى بِهِ فِي مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فِي أَثْنَاءِ الْخِيَارِ الْمَمْنُوحِ لَهُ قَبْل إِجَازَةِ الْبَيْعِ. (39)
الْقَوْل الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الْقَبُول بِالْقَوْل أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الرِّضَا عِنْدَ الْوَصِيَّةِ لِمُعَيَّنٍ، وَلاَ يُكْتَفَى بِعَدَمِ الرَّدِّ، لأَِنَّهُ غَيْرُ الْقَبُول الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّهَا عَطِيَّةٌ صَادَفَتِ الْمُعْطَى مَيِّتًا، فَلَمْ تَصِحَّ. كَمَا لَوْ وَهَبْتَ مَيِّتًا (40) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَبُول الْقَبُول اللَّفْظِيُّ فَلاَ يُكْتَفَى بِالْفِعْل وَهُوَ الأَْخْذُ. (41)
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُل إِذَا رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، لأَِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي حَالٍ يَمْلِكُ قَبُولَهُ وَأَخْذَهُ، كَتَنَازُل الشَّفِيعِ عَنِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ (42) .

الْفَوْرِيَّةُ فِي الْقَبُول وَالرَّدِّ بَعْدَ الْمَوْتِ:
10 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنْ لاَ عِبْرَةَ بِقَبُول الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي، كَمَا لاَ عِبْرَةَ بِرَدِّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُوصَى لَهُ حَقٌّ. وَلأَِنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي لِتَعَلُّقِهَا بِهِ فَلاَ يُعْتَبَرُ الْقَبُول قَبْل الْمَوْتِ. (43)
وَقَال زُفَرُ: إِذَا رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ فِي وَجْهِ الْمُوصِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَل بَعْدَ ذَلِكَ لأَِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ قَبْل وُجُوبِهِ كَالشَّفِيعِ قَبْل الْبَيْعِ (44) . كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَبُول أَوِ الرَّدِّ فَوْرًا بَعْدَ الْمَوْتِ بَل هُمَا عَلَى التَّرَاخِي، فَيَجُوزُ كُلٌّ مِنْهُمَا بَعْدَ الْوَفَاةِ، وَلَوْ إِلَى مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، لأَِنَّ الْفَوْرَ عُرْفًا إِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْعُقُودِ الْمُنْجَزَةِ الَّتِي يَرْتَبِطُ الْقَبُول فِيهَا بِالإِْيجَابِ كَالْبَيْعِ، وَلَيْسَتِ الْوَصِيَّةُ مِنْهَا.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْبَل الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَلاَ رَدَّ الْوَصِيَّةَ فَلِلْوَارِثِ مُطَالَبَةُ الْمُوصَى لَهُ بِالْقَبُول أَوِ الرَّدِّ فَإِنِ امْتَنَعَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَبَطَل حَقُّهُ مِنَ الْوَصِيَّةِ لأَِنَّهَا إِنَّمَا تَنْتَقِل إِلَى مِلْكِهِ بَعْدَ الْقَبُول وَلَمْ يُوجَدْ. (45)

الرُّجُوعُ عَنِ الْقَبُول:
11 - لِلْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَنِ الْقَبُول ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ لَوْ قَبِل الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ رَدُّ الْقَبُول قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لَزِمَتْ وَصَحَّتْ. وَلَوْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا فَهُوَ رَدٌّ وَلاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْبَل بَعْدَ هَذَا لأَِنَّ الإِْيجَابَ بَطَل بِالرَّدِّ كَإِيجَابِ الْبَيْعِ (46) .
الرَّأْيُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَصِحُّ الرَّدُّ بَعْدَ الْقَبُول وَقَبْل الْقَبْضِ.
وَقَدْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْقَوْل وَقَال الأَْذْرُعِيُّ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الأُْمِّ وَجَرَى عَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَاخْتَارَهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ لأَِنَّ مِلْكَ الْمُوصَى لَهُ لِلْمُوصَى بِهِ قَبْل الْقَبْضِ لَمْ يَتِمَّ (47) .
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: يَصِحُّ رَدُّ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ بَعْدَ قَبُولِهِ وَقَبْل الْقَبْضِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (48)

تَجَزُّؤُ الْقَبُول:
12 - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَبِل الْمُوصَى لَهُ بَعْضَ الْمُوصَى بِهِ فِيهِ احْتِمَالاَنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَصِحُّ وَرَجَّحَهُ بَعْضُ الْيَمَانِيِّينَ. وَقَالُوا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ فِيمَا إِذَا قَبِل بَعْضَهُ حَيْثُ لَمْ يَصِحَّ أَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ الْمُعَاوَضَةُ فَلَمْ يُغْتَفَرْ فِيهِ مَا اغْتُفِرَ فِي الْوَصِيَّةِ.
وَقَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: أَرْجَحُ الاِحْتِمَالَيْنِ: الْبُطْلاَنُ. (49)

مَنْ يَمْلِكُ الْقَبُول وَالرَّدَّ:
13 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنَ يَمْلِكُ بِنَفْسِهِ الْقَبُول أَوِ الرَّدَّ إِذَا كَانَ كَامِل الأَْهْلِيَّةِ رَشِيدًا، لأَِنَّهُ صَاحِبُ الْوِلاَيَةِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ أَوِ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ الْمَحْصُورِينَ كَالْفُقَهَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَوُجُوهِ الْقُرْبِ كَالْمَسَاجِدِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ وَلاَ رَدٍّ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ الْوَصِيَّةُ بِمُجَرَّدِ إِيجَابِ الْمُوصِي، لأَِنَّ اعْتِبَارَ الْقَبُول مِنْهُمْ مُتَعَذِّرٌ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ كَالْوَقْفِ عَلَيْهِمْ.
أَمَّا إِنْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ وَاحِدًا كَزَيْدٍ، أَوْ جَمْعًا مَحْصُورًا كَأَوْلاَدِ عَمْرٍو، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْقَبُول أَوْ عَدَمِ الرَّدِّ بَعْدَ الْمَوْتِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكُ مَالٍ فَاعْتُبِرَ قَبُولُهُ كَالْهِبَةِ (50) .
وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فَيَقُومُ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُول أَوِ الرَّدِّ فَيَفْعَل مَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَإِنْ فَعَل الْوَلِيُّ غَيْرَ مَا فِيهِ الْحَظُّ لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا كَانَ الْحَظُّ فِي قَبُول الْوَصِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ وَكَانَ لَهُ قَبُولُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: إِنِ امْتَنَعَ وَلِيُّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ قَبُول الْوَصِيَّةِ وَكَانَ الْحَظُّ لَهُ فِيهِ فَالْمُتَّجِهُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَقْبَل وَلاَ يَحْكُمُ بِالرَّدِّ. (51)
(ر: إِيصَاء ف14، صِغَر ف 41) .

مَوْتُ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ:
14 - لِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ أَحْوَالٌ:
إِمَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ مَعَ مَوْتِهِ، فَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَإِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي بِلاَ قَبُولٍ وَلاَ رَدٍّ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ غَيْرَ زُفَرَ: أَنَّ مَوْتَ الْمُوصَى لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَبُولٌ وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ اسْتِحْسَانًا.
وَفِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْل زُفَرَ وَأَبِي حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ قَال عَنْهُ الْقَاضِي هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: يَكُونُ الْمُوصَى بِهِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي وَلاَ يَمْلِكُهُ الْمُوصَى لَهُ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، لأَِنَّ تَمَامَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى الْقَبُول وَقَدْ فَاتَ الْقَبُول. (52)
وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّ وَرَثَةَ الْمُوصَى لَهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي رَدِّ الْوَصِيَّةِ وَقَبُولِهَا، لأَِنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمُوَرَّثِ فَيُنْقَل إِلَى وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ (53) ، وَكَخِيَارِ الْعَيْبِ. وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ هُنَا عَقْدٌ لاَزِمٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَلَمْ تَبْطُل بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ. (54) تَعْلِيقُ الْوَصِيَّةِ عَلَى شَرْطٍ وَإِضَافَتُهَا لِلْمُسْتَقْبَل:
15 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ عَلَى شَرْطٍ وَإِضَافَتِهَا لِلْمُسْتَقْبَل.
فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ تَعْلِيقَ الْوَصِيَّةِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ لأَِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ إِثْبَاتُ الْخِلاَفَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ (55) ، فَإِذَا قَال الْعَبْدُ أَوِ الْمَكَاتَبُ إِذَا أُعْتِقْتُ فَثُلُثُ مَالِي وَصِيَّةٌ يَصِحُّ. (56)
وَإِنْ قَال الدَّائِنُ لِمَدْيُونِهِ إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ دَيْنِيَ الَّذِي عَلَيْكَ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ وَلَوْ قَال: إِنْ مِتُّ لاَ يَبْرَأُ لِلْمُخَاطَرَةِ. (57)
وَقَالُوا: الإِْيصَاءُ وَالْوَصِيَّةُ لاَ يَكُونَانِ إِلاَّ مُضَافَيْنِ. (58)
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ قَال الْمُوصِي فِي صِيغَةِ وَصِيَّتِهِ إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ إِنْ مِتُّ مِنْ سَفَرِي هَذَا فَلِفُلاَنٍ كَذَا وَلَمْ يَمُتْ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ فَتَبْطُل، لأَِنَّهُ عَلَّقَ الْوَصِيَّةَ عَلَى الْمَوْتِ فِيهِمَا وَلَمْ يَحْصُل.
وَمَحَل بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ إِنْ لَمْ يَكْتُبْهَا فِي كِتَابٍ وَأَخْرَجَهُ وَلَمْ يَسْتَرِدَّهُ، فَإِنْ كَتَبَهَا وَأَخْرَجَهُ وَلَمْ يَسْتَرِدَّهُ وَلَمْ يَمُتْ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَبْطُل. (59)
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْوَصِيَّةِ عَلَى شَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ، لأَِنَّهَا تَجُوزُ فِي الْمَجْهُول فَجَازَ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ كَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، لأَِنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْوَصِيَّةِ كَحَال الْحَيَاةِ. فَإِذَا جَازَ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ جَازَ بَعْدَ الْمَوْتِ. (60)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَلَّقَ الْوَصِيَّةَ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ مَوْتِهِ يَرْتَقِبُ وُقُوعَهَا كَقَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا إِذَا مَرَّ شَهْرٌ بَعْدَ مَوْتِي صَحَّ، أَوْ قَال: وَصَّيْتُ لِفُلاَنَةَ بِكَذَا إِذَا وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِي صَحَّ التَّعْلِيقُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ (61) وَثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ تَعْلِيقُهَا، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَتَأَثَّرُ بِالْفَوْرِ فَأَوْلَى أَنْ لاَ تَتَأَثَّرَ بِالتَّعْلِيقِ لِوُضُوحِ الأَْمْرِ وَقِلَّةِ الْغَرَرِ.
فَإِنْ كَانَتِ الصِّفَةُ لاَ يُرْتَقَبُ وُقُوعُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَدْ قَال الْبُهُوتِيُّ: فِي التَّعْلِيقِ عَلَيْهَا نَظَرٌ، وَالأَْوْلَى عَدَمُ جَوَازِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِضْرَارِ الْوَرَثَةِ بِطُول الاِنْتِظَارِ لاَ إِلَى أَمَدٍ يُعْلَمُ. (62)

صِفَةُ الْوَصِيَّةِ مِنْ حَيْثُ اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ وَالرُّجُوعِ عَنْهَا:
16 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُوصِي فِي حَال حَيَاتِهِ الرُّجُوعُ عَنْهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، سَوَاءٌ وَقَعَتْ مِنْهُ الْوَصِيَّةُ فِي حَال صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ، " لِقَوْل عُمَرَ ﵁: يُغَيِّرُ الرَّجُل مَا شَاءَ فِي وَصِيَّتِهِ " (63) ، وَلأَِنَّهَا عَطِيَّةٌ أَوْ تَبَرُّعٌ لَمْ يَتِمَّ، يُنْجَزُ بِالْمَوْتِ، فَجَازَ الرُّجُوعُ عَنْهَا قَبْل تَنْجِيزِهَا كَالْهِبَةِ، وَلأَِنَّ الْقَبُول يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَوْتِ، وَالإِْيجَابُ يَصِحُّ إِبْطَالُهُ قَبْل الْقَبُول، كَمَا فِي الْبَيْعِ.
وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الْوَصِيَّةِ يَكُونُ إِمَّا بِالْقَوْل أَوْ بِالدَّلاَلَةِ.
وَالرُّجُوعُ بِالْقَوْل مِثْل أَنْ يَقُول الْمُوصِي: نَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ أَوْ أَبْطَلْتُهَا أَوْ رَجَعْتُ فِيهَا، أَوْ فَسَخْتُهَا أَوْ أَزَلْتُهَا، أَوْ هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُوصَى لَهُ، أَوْ هَذَا لِوَارِثِي وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَا إِذَا قَال الْمُوصِي فِي وَصِيَّتِهِ أَنْ لاَ رُجُوعَ لَهُ فِيهَا فَإِنَّهَا لاَ تَبْطُل بِالرُّجُوعِ حَتَّى يَنُصَّ عَلَيْهَا.
وَالرُّجُوعُ بِالدَّلاَلَةِ يَكُونُ بِالْفِعْل كَأَنْ يَقُومَ الْمُوصِي بِتَصَرُّفٍ فِي الْمُوصَى بِهِ يَدُل عَلَى رُجُوعِهِ كَالْبَيْعِ، وَالإِْصْدَاقِ، وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ مَعَ قَبْضٍ أَمْ لاَ، وَاسْتِهْلاَكِ الشَّيْءِ كَذَبْحِ الشَّاةِ الْمُوصَى بِهَا، وَخَلْطِ الْمُوصَى بِهِ بِغَيْرِهِ خَلْطًا يَعْسُرُ تَمْيِيزُهُ، وَطَحْنِ حِنْطَةٍ وَعَجْنِ دَقِيقٍ وَغَزْل قُطْنٍ وَنَسْجِ غَزْلٍ، وَقَطْعِ ثَوْبٍ قَمِيصًا، وَصَوْغِ مَعْدِنٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَبِنَاءٍ وَغِرَاسٍ فِي سَاحَةٍ. (64)
فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ بِهِ يُفْتَى - وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ - وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ جُحُودَ الْوَصِيَّةِ لَيْسَ بِرُجُوعٍ لأَِنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي سَبْقَ وُجُودِهِ وَجُحُودَ الشَّيْءِ يَقْتَضِي سَبْقَ عَدَمِهِ إِذِ الْجُحُودُ نَفْيٌ لأَِصْل الْعَقْدِ فَلَوْ كَانَ الْجُحُودُ رُجُوعًا انْتَفَى وُجُودُ الْوَصِيَّةِ وَعَدَمُهَا فِيمَا سَبَقَ وَهُوَ مُحَالٌ. (65)
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ قَال عَنْهُ فِي الْعُيُونِ إِنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ قَدَّمَهُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ صَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ أَنَّ جُحُودَ الْوَصِيَّةِ رُجُوعٌ.
وَقَال الرَّافِعِيُّ: يُقَاسُ جُحُودُ الْوَصِيَّةِ عَلَى جَحْدِ الْوَكَالَةِ فَيُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ لِغَرَضٍ وَبَيْنَ مَا لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ، فَإِنْ كَانَ الْجُحُودُ لِغَرَضٍ لاَ يَكُونُ رُجُوعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ فَيَكُونُ رُجُوعًا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. (66)

الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُوصِي: 17 - الْمُوصِي مَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الْوَصِيَّةُ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُوصِي مَا يَأْتِي:
أَوَّلاً: أَنْ يَكُونَ أَهْلاً لِلتَّبَرُّعِ: وَيَكُونُ أَهْلاً لِلتَّبَرُّعِ عِنْدَ تَوَافُرِ مَا يَلِي: أ - الْعَقْل وَالْبُلُوغُ:
18 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَقْل، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ عِبَارَتَهُمْ مُلْغَاةٌ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ.
وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ ضَرَرًا مَحْضًا، إِذْ هِيَ تَبَرُّعٌ، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَعْمَال التِّجَارَةِ.
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَصِيَّةَ الْمُمَيِّزِ، لأَِنَّ " عُمَرَ ﵁ أَجَازَ وَصِيَّةَ صَبِيٍّ مِنْ غَسَّانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ أَوْصَى لأَِخْوَالِهِ " (67) ، وَلأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الصَّبِيِّ فِي جَوَازِ وَصِيَّتِهِ، لأَِنَّ الْمَال سَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ، كَكُل مُوصٍ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُمَيِّزَ الَّذِي تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ هُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَأَقَل مِمَّا يُقَارِبُهَا إِذَا أَصَابَ وَجْهَ الْوَصِيَّةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ اخْتِلاَطٌ (68) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ مُمَيِّزٍ عَاقِلٍ لِلْوَصِيَّةِ.
وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ: إِذَا جَاوَزَ الصَّبِيُّ الْعَشْرَ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَلاَ تَصِحُّ مِمَّنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ، وَفِيمَا بَيْنَ السَّبْعِ وَالْعَشْرِ رِوَايَتَانِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَصِحُّ. (69)
وَأَمَّا وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ إِلَى أَنَّهُ تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ.
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ إِذَا كَانَتْ بِالْقُرْبِ وَأَبْوَابِ الْخَيْرِ، مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَاعْتَبَرُوا جَوَازَ الْوَصِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ بَابِ الاِسْتِحْسَانِ قَالُوا: وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِمَعْنَى النَّظَرِ لَهُ كَيْلاَ يُتْلِفَ مَالَهُ وَيَبْقَى كَلًّا عَلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ لاَ فِيمَا يَنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ وَفَاتِهِ حَال اسْتِغْنَائِهِ وَذَلِكَ إِذَا وَافَقَتْ وَصِيَّتُهُ وَصَايَا أَهْل الْخَيْرِ وَالصَّلاَحِ كَالْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ لِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ.
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَتَبَرُّعَاتِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالْقَوْل الْمُقَابِل الْمَذْهَبِ عِنْدِ الشَّافِعِيَّةِ. (70)
أَمَّا السَّكْرَانُ: فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ السَّكْرَانَ مِنْ مُبَاحٍ لاَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ وَصِيَّةِ السَّكْرَانِ إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا بِسُكْرِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وُوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ صِحَّةَ وَصِيَّةِ السَّكْرَانِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ لأَِنَّ سُكْرَهُ بِمُحَرَّمٍ لاَ يُبْطِل تَكْلِيفَهُ فَتَلْزَمُهُ الأَْحْكَامُ.
الثَّانِي: يَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ السَّكْرَانِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ عَاقِلٍ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ.
الثَّالِثُ: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ وَصِيَّةَ السَّكْرَانِ الْمُمَيِّزِ صَحِيحَةٌ أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ حَال الإِْيصَاءِ فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ. (71)

ب - الْحُرِّيَّةُ:
19 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْعَبْدِ، لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا حَتَّى يُمَلِّكَهُ لِغَيْرِهِ (72) .

ج - الرِّضَا وَالاِخْتِيَارُ ج - أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي رَاضِيًا مُخْتَارًا لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ إِيجَابُ مِلْكٍ، فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الرِّضَا، كَإِيجَابِ الْمِلْكِ بِسَائِرِ الأَْشْيَاءِ وَالتَّصَرُّفَاتِ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُكْرَهِ وَالْهَازِل وَالْمُخْطِئِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ تُفَوِّتُ الرِّضَا. (73)

وَصَايَا غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ 21 - لاَ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الْمُوصِي لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، فَتَصِحُّ وَصِيَّةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ بِمَا تَصِحُّ بِهِ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى صِحَّةِ وَصِيَّةِ الْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا وَلَوْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ صِحَّةَ وَصِيَّةِ الْمُرْتَدِّ بِأَنْ لاَ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَل كَافِرًا لأَِنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ وَصِيَّةَ الْمُرْتَدِّ فِي حَال رِدَّتِهِ بَاطِلَةٌ. (74)
وَيَتَوَقَّفُ مِنْ وَصَايَا الْمُرْتَدِّ مَا يَصِحُّ مِنَ الْمُسْلِمِ وَيَبْطُل مَا لاَ يَصِحُّ مِنَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ تَصَرُّفَاتُ الْمُرْتَدِّ نَافِذَةٌ لِلْحَال فَيَصِحُّ مِنْهُ مَا يَصِحُّ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ انْتَقَل إِلَيْهِمْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ، مَعْصِيَةٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمَا.
وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ وَصَايَاهَا مَا يَصِحُّ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهِمْ. (75) وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَأَمَّا إِسْلاَمُ الْمُوصِي فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ وَصِيَّتِهِ فَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ بِالْمَال لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْجُمْلَةِ لأَِنَّ الْكُفْرَ لاَ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ التَّمْلِيكِ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الْكَافِرِ وَهِبَتُهُ فَكَذَا وَصِيَّتُهُ وَكَذَا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ إِذَا أَوْصَى لِلْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ يَصِحُّ فِي الْجُمْلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ دَخَل وَارِثُهُ مَعَهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَأَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وُقِفَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى إِجَازَةِ وَارِثِهِ لأَِنَّهُ بِالدُّخُول مُسْتَأْمَنًا الْتَزَمَ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ أَوْ أَلْزَمَهُ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ لإِِمْكَانِ إِجْرَاءِ الأَْحْكَامِ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَمِنْ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِمَّنْ لَهُ وَارِثٌ تَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ وَارِثِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَصْلاً تَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ الْمَال كَمَا فِي الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ لَكِنَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لأَِنَّ امْتِنَاعَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَحَقُّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومٍ لأَِنَّهُ لاَ عِصْمَةَ لأَِنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلأَِنْ لاَ يَكُونَ لِحَقِّهِمُ الَّذِي فِي مَال مُورِّثِهِمْ عِصْمَةٌ أَوْلَى.
وَذَكَرَ فِي الأَْصْل: لَوْ أَوْصَى الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِوَصِيَّةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْل الدَّارِ أَوْ صَارُوا ذِمَّةً ثُمَّ اخْتَصَمَا إِلَيْنَا فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا أَجَزْتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدِ اسْتُهْلِكَتْ مِنْقَبْل الإِْسْلاَمِ أَبْطَلْتُهَا لأَِنَّ الْحَرْبِيَّ مِنْ أَهْل التَّمْلِيكِ، أَلاَ يَرَى أَنَّهُ مِنْ أَهْل سَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ جَائِزَةً فِي نَفْسِهَا إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا وِلاَيَةُ إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ وَتَنْفِيذِهَا فِي دَارِهِمْ فَإِذَا أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً قَدَرْنَا عَلَى التَّنْفِيذِ فَنُنَفِّذُهَا مَا دَامَ الْمُوصَى بِهِ قَائِمًا، فَأَمَّا إِذَا صَارَ مُسْتَهْلَكًا أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ وَأَلْحَقْنَاهَا بِالْعَدَمِ لأَِنَّ أَهْل الْحَرْبِ إِذَا أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً لاَ يُؤْخَذُونَ بِمَا اسْتَهْلَكَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا اغْتَصَبَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ بَل يَبْطُل ذَلِكَ، كَذَا هَذَا. (76)
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُوصَى لَهُ 22 - الْمُوصَى لَهُ مَنْ تَبَرَّعَ لَهُ الْمُوصِي بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى لَهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلاً: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا:
23 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا (حِينَ الْوَصِيَّةِ) عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَعَلَى هَذَا إِذَا قَال: أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي لِمَا فِي بَطْنِ فُلاَنَةَ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حَال الْوَصِيَّةِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ وَإِلاَّ فَلاَ.
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ وَبَكْرٍ، وَبَكْرٌ مَيِّتٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لاَ يَعْلَمُ، أَوْ لِزَيْدٍ وَبَكْرٍ إِنْ كَانَ حَيًّا وَهُوَ مَيِّتٌ، أَوْ لَهُ وَلِمَنْ كَانَ فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، أَوْ لَهُ وَلِعَقِبِهِ، أَوْ لَهُ وَلِوَلَدِ بَكْرٍ فَمَاتَ وَلَدُهُ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي، أَوْ لَهُ وَلِفُقَرَاءِ وَلَدِهِ، أَوْ لِمَنِ افْتَقَرَ مِنْ وَلَدِهِ وَفَاتَ شَرْطُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَلِزَيْدٍ كُلُّهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، لأَِنَّ الْمَعْدُومَ أَوِ الْمَيِّتَ لاَ يَصْلُحُ مُسْتَحِقًّا فَلَمْ تَثْبُتِ الْمُزَاحَمَةُ لِزَيْدٍ، وَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْصَى لَزِيدٍ وَجِدَارٍ، وَكَذَا الْعَقِبُ لأَِنَّ الْعَقِبَ مَنْ يَعْقُبُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ مَعْدُومًا فِي الْحَال. (77)
الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ كَوْنُ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا حَال الْوَصِيَّةِ وَعَلَى ذَلِكَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِمَنْ سَيَكُونُ مِنْ حَمْلٍ مَوْجُودٍ أَوْ سَيُوجَدُ فَيَسْتَحِقُّهُ إِنِ اسْتَهَل صَارِخًا. وَجَزَمَ ابْنُ رَزِينٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْمَعْدُومِ. (78)
ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ أَهْلاً لِلتَّمَلُّكِ:
24 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنُ حَال الْوَصِيَّةِ أَهْلاً لِلتَّمَلُّكِ.
وَقَدْ فَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَسَائِل مِنْهَا:

أ - الْوَصِيَّةُ لِلْمَيِّتِ 25 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى لِمَيِّتٍ وَلاَ يَعْلَمُ الْمُوصِي حِينَ الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ مَيِّتٌ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّمَلُّكِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمُوصِي حَال الْوَصِيَّةِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَيِّتٌ فَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْوَصِيَّةَ وَيُصْرَفُ الشَّيْءُ الْمُوصَى بِهِ عِنْدَهُمْ لِلْمَيِّتِ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِلاَّ فَلِوَارِثِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلاَ وَارِثَ لَهُ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ وَلاَ يَأْخُذُهَا بَيْتُ الْمَال. (79) ب - الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْل:
26 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَمْل إِنْ كَانَ مَوْجُودًا حَال الْوَصِيَّةِ لأَِنَّ الْحَمْل يَرِثُ وَالْوَصِيَّةُ كَالْمِيرَاثِ وَيُعْلَمُ كَوْنُ الْحَمْل مَوْجُودًا بِأَنْ يُولَدَ حَيًّا لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَصِيَّةِ إِنْ كَانَتِ الأُْمُّ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، لأَِنَّ أَقَل مُدَّةِ الْحَمْل سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَإِذَا وَضَعَتْهُ حَيًّا لأَِقَل مِنْهَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حِينَهَا. أَوْ تَضَعُهُ لأَِقَل مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ تَكُنِ الأُْمُّ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَلِسَنَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ الْمُوصِي بِأَنَّهَا حَامِلٌ فَتَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ لَهُ إِنْ وَضَعَتْهُ مَا بَيْنَ سَنَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ أَوْصَى، لأَِنَّ وُجُودَهُ فِي الْبَطْنِ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمُوصِي فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ لأَِنَّهُ مُوجِبٌ لَهُ مَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الإِْقْرَارِ وَهُوَ الثُّلُثُ فَيَلْحَقُ بِمَا لَوْ صَارَ مَعْلُومًا يَقِينًا بِأَنْ وَضَعَتْهُ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِنِ انْفَصَل الْحَمْل مَيِّتًا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ لاِنْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ (80) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ لِلْمُوصَى لَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْوَصِيَّةِ، أَمْ مُنْتَظَرَ الْوُجُودِ كَالْحَمْل، وَتَصِحُّ لِمَنْ سَيَكُونُ مِنْ حَمْلٍ مَوْجُودٍ أَوْ سَيُوجَدُ إِنِ اسْتَهَل صَارِخًا وَنَحْوَهُ، مِمَّا يَدُل عَلَى تَحَقُّقِ حَيَاتِهِ، لَكِنْ فِي قَوْلٍ: لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ غَلَّةِ الْمُوصَى بِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ إِلاَّ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيًّا، فَتَكُونُ الْغَلَّةُ لِوَارِثِ الْمُوصِي.
وَفِي الْقَوْل الآْخَرِ: تُوقَفُ وَتُدْفَعُ لِلْمُوصَى لَهُ إِذَا اسْتَهَل كَالْمُوصَى بِهِ، وَيُوَزَّعُ الشَّيْءُ الْمُوصَى بِهِ لِمَنْ سَيَكُونُ إِنْ وَلَدَتْ لأَِكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، بِحَسَبِ الْعَدَدِ، أَيْ إِنَّ الذَّكَرَ كَالأُْنْثَى عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، فَإِنْ نَصَّ الْمُوصِي عَلَى تَفْضِيلٍ عُمِل بِهِ. (81)
ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا غَيْرَ مَجْهُولٍ:
27 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا غَيْرَ مَجْهُولٍ أَيْ مُعَيَّنًا بِشَخْصِهِ كَزَيْدٍ أَوْ بِنَوْعِهِ كَالْمَسَاكِينِ.
وَفَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَسَائِل مِنْهَا:

أ - الْوَصِيَّةُ لِمُبْهَمٍ:
28 - لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لأَِحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِجَهَالَةِ الْمُوصَى لَهُ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنِ اصْطَلَحَا فَالْوَصِيَّةُ لَهُمَا.
وَقَال مُحَمَّدٌ: الْخِيَارُ إِلَى الْوَرَثَةِ يُعْطُونَ أَيَّهُمَا شَاءُوا. (82)

ب - الْوَصِيَّةُ لِجَمَاعَةٍ:
29 - لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِجَمَاعَةٍ لاَ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ كَالْقَبِيلَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي لُزُومِ التَّعْمِيمِ مِنْ عَدَمِهِ:
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ وَلاَ التَّسْوِيَةُ، وَيُعْطَوْنَ بِالاِجْتِهَادِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِي الأَْظْهَرِ يُجْزِئُ دَفْعُ الْوَصِيَّةِ إِلَى ثَلاَثَةٍ مِنْهُمْ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُجْزِئُ الدَّفْعُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ مَنْ أَوْصَى لِقَبِيلَةٍ لاَ تُحْصَى كَتَمِيمٍ وَعَقِيلٍ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ إِذْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا أَمَّا إِذَا كَانُوا يُحْصَوْنَ صَحَّتِ التَّوْصِيَةُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالُوا: لَوْ أَوْصَى بِإِخْرَاجِ ثُلُثِهِ إِلَى مُجَاوِرِي مَكَّةَ إِنْ لاَ يُحْصَوْنَ يُصْرَفُ إِلَى مُحْتَاجِهِمْ وَإِنْ يُحْصَوْنَ يُقَسَّمُ عَلَى رُءُوسِهِمْ. (83)
قَال الْكَاسَانِيُّ: اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الإِْحْصَاءِ.
فَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانُوا لاَ يُحْصَوْنَ إِلاَّ بِكِتَابٍ أَوْ حِسَابٍ فَهُمْ لاَ يُحْصَوْنَ.
وَقَال مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ فَهُمْ لاَ يُحْصَوْنَ.
وَقِيل: إِنْ كَانُوا بِحَيْثُ لاَ يُحْصِيهِمْ مُحْصٍ حَتَّى يُولَدَ مِنْهُمْ مَوْلُودٌ وَيَمُوتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ فَهُمْ لاَ يُحْصَوْنَ.
وَقِيل: يُفَوَّضُ إِلَى رَأْيِ الْقَاضِي. (84) ج - الْوَصِيَّةُ لِدَابَّةٍ: 30 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِذَاتِ الدَّابَّةِ بَاطِلَةٌ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْل الْمِلْكِ، سَوَاءٌ قَصَدَ تَمْلِيكَهَا أَوْ أَطْلَقَ.
أَمَّا إِذَا أَوْصَى بِمَالٍ لِعَلَفِ دَابَّةِ فُلاَنٍ جَازَ وَتَكُونُ وَصِيَّةً لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ وَيَصْرِفُهَا فِي عَلَفِهَا.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِدَابَّةٍ وَقَال: يُصْرَفُ فِي عَلَفِهَا فَالْمَنْقُول صِحَّتُهَا وَيُشْتَرَطُ قَبُول مَالِكِ الدَّابَّةِ.
وَإِذَا أَوْصَى بِمَالٍ لِفَرَسِ فُلاَنٍ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْهَا صَاحِبُ الْفَرَسِ وَيُصْرَفُ فِي عَلَفِهِ رِعَايَةً لِقَصْدِ الْمُوصِي، فَإِنْ مَاتَ الْفَرَسُ قَبْل إِنْفَاقِ الْكُل عَلَيْهِ فَالْبَاقِي لِوَرَثَةِ الْمُوصِي لاَ لِمَالِكِ الْفَرَسِ لأَِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ وَهِيَ الصَّرْفُ فِي مَصْلَحَةِ دَابَّتِهِ رِعَايَةً لِقَصْدِ الْمُوصِي.
وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَبُول صَاحِبِ الدَّابَّةِ لِلْوَصِيَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ مِمَّنْ تَصِحُّ لَهُ وَصِيَّةُ الْمُوصِي.وَقَالُوا: تُرَدُّ الْوَصِيَّةُ بِرَدِّ الْمُوصَى لَهُ وَبِمَوْتِهِ قَبْل الْمُوصِي (85) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِفَرَسٍ حَبِيسٍ مَا لَمْ يُرِدِ الْمُوصِي تَمْلِيكَهُ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ تَمْلِيكَهُ فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ حِينَئِذٍ لاِسْتِحَالَةِ تَمْلِيكِهِ.
وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ: يُنْفَقُ الْمُوصَى بِهِ لِلْفَرَسِ الْحَبِيسِ لأَِنَّهُ مَصْلَحَةٌ، فَإِنْ مَاتَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ رُدَّ الْمُوصَى بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أُنْفِقَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ رُدَّ بَاقِيهِ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي لأَِنَّهُ لاَ مَصْرِفَ لَهُ.
وَإِنْ شَرَدَ الْفَرَسُ الْمُوصَى لَهُ أَوْ سُرِقَ أَوْ غُصِبَ انْتُظِرَ عَوْدُهُ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْعَوْدِ رُدَّ الْمُوصَى بِهِ إِلَى الْوَرَثَةِ إِذْ لاَ مَصْرِفَ لَهُ (86) .

د - الْوَصِيَّةُ لِلْعَبْدِ:
31 - وَصِيَّةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِعِتْقِهِ أَوْ بِمَالٍ لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَال لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمُشَاعٍ أَوْ بِمُعَيَّنٍ كَمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ تَكُونُ لِعَبْدِهِ الْمَمْلُوكِ وَقَدْ تَكُونُ لِعَبْدِ غَيْرِهِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (رِقّ ف 106) .

هـ - الْوَصِيَّةُ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ:
32 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ مِنْ مُسْلِمٍ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ كَعِمَارَةِ مَسْجِدٍ إِنْشَاءً وَتَرْمِيمًا لأَِنَّهَا قُرْبَةٌ.
وَفِي مَعْنَى الْمَسْجِدِ الْمَدْرَسَةُ وَالرِّبَاطُ الْمُسْبَل وَالْخَانِقَاهُ وَالْقَنْطَرَةُ وَالسِّقَايَةُ (87) .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ الْقُرْبَةُ، فَيَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ مُبَاحَةٍ كَالْوَصِيَّةِ لِلأَْغْنِيَاءِ مَثَلاً (88) .
كَمَا ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّ وَصِيَّةَ الْمُسْلِمِ لِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ أَوْ بِيعَةٍ لاَ تَجُوزُ لأَِنَّهَا مَعْصِيَةٌ. وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فِي وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْكَنِيسَةِ أَوْ لِلْبِيعَةِ وَقَالُوا:
لَوْ أَوْصَى الذِّمِّيُّ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْبِيعَةِ أَوْ لِلْكَنِيسَةِ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا فِي إِصْلاَحِهَا أَوْ أَوْصَى لِبَيْتِ النَّارِ أَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُذْبَحَ لِعِيدِهِمْ أَوْ لِلْبِيعَةِ أَوْ لِبَيْتِ النَّارِ ذَبِيحَةٌ جَازَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ لاَ يَجُوزُ.
وَجُمْلَةُ الْكَلاَمِ فِي وَصَايَا أَهْل الذِّمَّةِ أَنَّهَا لاَ تَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ أَمْرًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ أَوْ يَكُونَ أَمْرًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا لاَ عِنْدَهُمْ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ لاَ عِنْدَنَا.
فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ شَيْئًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ بِأَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْل الذِّمَّةِ أَوْ بِعِتْقِ الرِّقَابِ أَوْ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَنَحْوِ ذَلِكَ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لأَِنَّ هَذَا مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْل الذِّمَّةِ.وَإِنْ كَانَ شَيْئًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ عِنْدَهُمْ بِأَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ أَوْ أَوْصَى أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لاَ يَجُوزُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَكَانَ مُسْتَهْزِئًا فِي وَصِيَّتِهِ وَالْوَصِيَّةُ يُبْطِلُهَا الْهَزْل.
وَإِنْ كَانَ شَيْئًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ لاَ عِنْدَنَا بِأَنْ أَوْصَى بِأَرْضٍ لَهُ تُبْنَى بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ أَوْ بِعِمَارَةِ الْبِيعَةِ أَوِ الْكَنِيسَةِ أَوْ بَيْتِ النَّارِ أَوْ بِالذَّبْحِ لِعِيدِهِمْ أَوْ لِلْبِيعَةِ أَوْ لِبَيْتِ النَّارِ ذَبِيحَةً فَهُوَ عَلَى الاِخْتِلاَفِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجُوزُ، وَعِنْدَهُمَا لاَ يَجُوزُ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَعَاصِي لاَ تَصِحُّ، وَوَجْهُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وَصِيَّتِهِمْ مَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ لاَ مَا هُوَ قُرْبَةٌ حَقِيقَةً لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْقُرْبَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ عِنْدَهُمْ لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ كَالْحَجِّ وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَدَل أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ وَقَدْ وُجِدَ، وَلَكِنَّا أُمِرْنَا أَنْ لاَ نَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِيمَا يَدِينُونَ كَمَا لاَ نَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِي عِبَادَةِ الصَّلِيبِ وَبَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ (89) .

و الْوَصِيَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى 32 م - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ وَتُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَبِقَوْل مُحَمَّدٍ يُفْتَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَيُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ عِنْدَهُمْ. ز - الْوَصِيَّةُ فِي سَبِيل اللَّهِ: 22 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى. يُصْرَفُ فِي الْغَزْوِ؛ لأَِنَّهُ الْمَفْهُومُ شَرْعًا وَالْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهَا تُصْرَفُ فِي الْحَجِّ أَيْضًا قَال مُحَمَّدٌ: لَوْ أَعْطَى حَاجًّا مُنْقَطِعًا جَازَ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْغَزْوِ.

ح - الْوَصِيَّةُ لأَِعْمَال الْبِرِّ وَوُجُوهِ الْخَيْرِ. 33 م - لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لأَِعْمَال الْبِرِّ قَال الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ -: يُصْرَفُ فِي الْقُرَبِ كُلِّهَا وَيُبْدَأُ بِالْغَزْوِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ أَنَّ كُل مَا لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكٌ فَهُوَ مِنْ أَعْمَال الْبِرِّ، حَتَّى يَجُوزَ صَرْفُهُ إِلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَسِرَاجِهِ، دُونَ تَزْيِينِهِ، وَلاَ يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى بِنَاءِ السُّجُونِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى أَقَارِبِ الْمُوصِي، فَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا فَإِلَى أَهْل الزَّكَاةِ، وَقَال فِي التَّهْذِيبِ: يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مَافِيهِ صَلاَحُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ، وَإِصْلاَحِ الْقَنَاطِرِ وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَدَفْنِ الْمَوْتَى وَغَيْرِهَا.
وَلَوْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَصِحُّ وَيُصْرَفُ إِلَى الْقَنْطَرَةِ، أَوْ بِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ.
وَنُقِل عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى إِلَى جِهَةِ الْخَيْرِ، تُصْرَفُ عَلَى مَصَارِفِ الزَّكَاةِ وَلاَ يُبْنَى بِهَا مَسْجِدٌ وَلاَ رِبَاطٌ، وَإِنْ أَوْصَى إِلَى جِهَةِ الثَّوَابِ صُرِفَ إِلَى أَقَارِبِهِ.
وَلَوْ قَال: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَال الْحَنَابِلَةُ يَصِحُّ وَيُصْرَفُ فِي أَيِّ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْقُرَبِ، وَالأَْفْضَل صَرْفُهُ إِلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِهِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ رَأَيْتَ أَوْ فِيمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَالأَْوْلَى صَرْفُهُ إِلَى أَقَارِبِ الْمُوصِي الَّذِينَ لاَ يَرِثُونَهُ ثُمَّ إِلَى مَحَارِمِهِ مِنَ الرِّضَاعِ ثُمَّ إِلَى جِيرَانِهِ وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُهُ فِي نَفْسِهِ (90) .

رَابِعًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ قَاتِلاً لِلْمُوصِي. 34 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُوصَى لَهُ غَيْرَ قَاتِلٍ لِلْمُوصِي: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى لَهُ أَنْ لاَ يَكُونَ قَاتِلاً لِلْمُوصِي، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَيْسَ لِقَاتِلٍ وَصِيَّةٌ " (91) .
وَلأَِنَّ الْقَتْل يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنَ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَمُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، لِقَاعِدَةِ مَنِ اسْتَعْجَل شَيْئًا قَبْل أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ.
وَالْقَتْل الْمَانِعُ مِنَ الْوَصِيَّةِ هُوَ الْقَتْل الْمَضْمُونُ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ وَلَوْ كَانَ خَطَأً، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَتْل مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّبًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَشْتَرِطُونَ فِي الْقَتْل الْمَانِعِ مِنَ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيل الْمُبَاشَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُبَاشَرَةِ فَلاَ يَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ وَالإِْرْثَ وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُوصِي وَارِثٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي وَارِثٌ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ.
كَمَا يَشْتَرِطُونَ فِي الْقَاتِل أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ كَمَا لَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا.
وَلاَ يُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ قَبْل الْجُرْحِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّ الْقَاتِل لاَ يَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ وَلَوْ أَوْصَى لَهُ الْمُوصِي بَعْدَ الْجُرْحِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوِ اشْتَرَكَ عَشَرَةٌ فِي قَتْل رَجُلٍ فَأَوْصَى لِبَعْضِهِمْ بَعْدَ الْجِنَايَةِ لَمْ تَصِحَّ؛ لأََنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ عَلَى الْكَمَال حِينَ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَكَانَتْ وَصِيَّةً لِقَاتِلِهِ فَلَمْ تَصِحَّ (92) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ فَمَاتَ مِنَ الْجُرْحِ لَمْ تَبْطُل وَصِيَّتُهُ، لأَِنَّهَا صَدَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا فِي مَحَلِّهَا وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهَا مَا يُبْطِلُهَا، بِخِلاَفِ مَا إِذَا تَقَدَّمَتْ فَإِنَّ الْقَتْل طَرَأَ عَلَيْهَا فَأَبْطَلَهَا (93) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - اخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ غَيْرَ قَاتِلٍ لِلْمُوصِي سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْل عَمْدًا أَوْ خَطَأً لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ بِعَقْدٍ فَأَشْبَهَتِ الْهِبَةَ وَخَالَفَتِ الإِْرْثَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: صَحَّ الإِْيصَاءُ مِنْ مَقْتُولٍ إِلَى قَاتِلِهِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً إِذَا عَلِمَ الْمُوصِي بِسَبَبِ الْقَتْل، بِأَنْ عَلِمَ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُوصِي بِالسَّبَبِ بِحَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ ضَارِبَهُ فَأَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ فَتَأْوِيلاَنِ: أَحَدُهُمَا: صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الضَّرْبِ فَلاَ يُتَّهَمُ الْمُوصَى لَهُ بِالاِسْتِعْجَال.
وَالآْخَرُ: عَدَمُ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَوْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْقَاتِل لَهُ لَمْ يُوصِ لَهُ؛ لأََنَّ الشَّأْنَ أَنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُحْسِنُ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ.
قَال الدُّسُوقِيُّ: الظَّاهِرُ مِنَ التَّأْوِيلَيْنِ الثَّانِي وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ.
وَلاَ يَدْخُل فِي التَّأْوِيلَيْنِ: أَعْطُوا مَنْ قَتَلَنِي لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ اتِّفَاقًا.
وَقَالُوا: تَكُونُ الْوَصِيَّةُ فِي الْخَطَأِ فِي الْمَال وَالدِّيَةِ وَفِي الْعَمْدِ تَكُونُ فِي الْمَال فَقَطْ إِلاَّ أَنْ يَنْفُذَ مَقْتَلُهُ وَيَقْبَل وَارِثُهُ الدِّيَةَ وَيَعْلَمَ الْمَقْتُول فِيهَا فَتَكُونُ فِي الدِّيَةِ أَيْضًا (94) . خَامِسًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ وَارِثًا عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي:
35 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ وَارِثًا لِلْمُوصِي عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، إِذَا كَانَ هُنَاكَ وَارِثٌ آخَرُ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " (95) .
وَقَوْلِه ﷺ أَيْضًا: لاَ تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ " (96) وَلأَِنَّ فِي إِيثَارِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الآْخَرِينَ ضَرَرًا يُؤَدِّي إِلَى الشِّقَاقِ وَالنِّزَاعِ، وَقَطْعِ الرَّحِمِ وَإِثَارَةِ الْبَغْضَاءِ وَالْحَسَدِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ.
وَمَعْنَى الأَْحَادِيثِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لاَ تَنْفُذُ مَهْمَا كَانَ مِقْدَارُ الْمُوصَى بِهِ، إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
36 - فَإِنْ أَجَازَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ لِحَدِيثِ: لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ " (97) .
وَلأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَصَحَّ كَمَا لَوْ أَوْصَى لأَِجْنَبِيٍّ. .
وَإِنْ أَجَازَهَا بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، جَازَتْ فِي حِصَّةِ الْمُجِيزِ، وَبَطَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُجِزْ؛ لِوِلاَيَةِ الْمُجِيزِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ (98) .
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ لِحَدِيثِ: لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " (99) فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ مَا أَوْصَى بِهِ لِلْوَارِثِ، فَعَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْهُمْ، لاَ تَنْفِيذٌ لِوَصِيَّةِ الْمُوصِي فَلاَ بُدَّ مِنْ قَبُول الْمُوصَى لَهُ ثَانِيًا بَعْدَ الإِْجَازَةِ، وَأَمَّا الْقَبُول الأَْوَّل فَهُوَ كَالْعَدَمِ (100) . وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْجَازَةِ شَرْطَانِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ: بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلاً، غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ عَتَهٍ أَوْ مَرَضِ مَوْتٍ فَلاَ تَصِحُّ الإِْجَازَةُ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ وَلاَ مِنْ وَلِيِّهِمْ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ عَالِمًا بِالْمُوصَى بِهِ، فَلاَ تَصِحُّ عِنْدَهُمْ إِجَازَةُ وَارِثٍ لَمْ يَعْلَمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي (101) .
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الإِْجَازَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: فَلاَ عِبْرَةَ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ حَال حَيَاةِ الْمُوصِي، فَلَوْ أَجَازُوهَا حَال حَيَاتِهِ، ثُمَّ رَدُّوهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، صَحَّ الرَّدُّ وَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَوْصَى شَخْصٌ لِوَارِثٍ، أَوْ بِزَائِدٍ عَنِ الثُّلُثِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ، فَلِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ أَوِ الْوَارِثِ الإِْجَازَةُ وَالرَّدُّ. فَإِنْ أَجَازَ حَال مَرَضِ الْمُوصِي لَزِمَتْهُ الإِْجَازَةُ، فَلاَ رَدَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَلْزَمُهُ الإِْجَازَةُ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: أَوَّلُهَا: كَوْنُ الإِْجَازَةِ بِمَرَضِ الْمُوصِي الْمَخُوفِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ فِيهِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ.
ثَانِيهَا: أَنْ لاَ يَصِحَّ الْمُوصِي بَعْدَ ذَلِكَ.
ثَالِثُهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ مَعْذُورًا بِكَوْنِهِ فِي نَفَقَةِ الْمُوصَى أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَهُ أَوْ خَائِفٌ مِنْ سَطْوَتِهِ.
رَابِعُهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُجِيزُ مِمَّنْ يَجْهَل أَنَّ لَهُ الرَّدَّ وَالإِْجَازَةَ.
خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ رَشِيدًا، قَال الصَّاوِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَارِثَ أَنْ يُجِيزَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا أَجَازَ وَصِيَّةَ مُوَرِّثِهِ قَبْل مَوْتِهِ فِيمَا لَهُ فِيهِ الرَّدُّ بَعْدَهُ لَزِمَتْهُ تِلْكَ الإِْجَازَةُ بِتِلْكَ الشُّرُوطِ سَوَاءٌ تَبَرَّعَ بِالإِْجَازَةِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ طَلَبَهَا مِنْهُ الْمُوصِي كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ الرَّدُّ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّهُ مِنْ إِسْقَاطِ الشَّيْءِ قَبْل وُجُوبِهِ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمَرَضُ (102) . وَالْعِبْرَةُ بِكَوْنِهِ وَارِثًا بِالاِتِّفَاقِ هُوَ وَقْتُ مَوْتِ الْمُوصِي، لاَ وَقْتُ إِنْشَاءِ الْوَصِيَّةِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَحُكْمُهُ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ، كَأَخٍ مَعَ وُجُودِ ابْنٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا بِأَمْرٍ حَادِثٍ عِنْدَ الْمَوْتِ كَأَنْ مَاتَ الاِبْنُ، صَارَتِ الْوَصِيَّةُ مَوْقُوفَةً، وَلَوْ كَانَ وَارِثًا عِنْدَ إِنْشَاءِ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ أَصْبَحَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ، بِسَبَبِ حَجْبِهِ مَثَلاً، كَأَنْ أَوْصَى لأَِخٍ وَلاَ وَلَدَ لَهُ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ؛ لأَِنَّ الْعِبْرَةَ فِي الإِْرْثِ وَعَدِمِهِ هُوَ وَقْتُ وَفَاةِ الْمُوصِي، وَلأَِنَّ هَذَا الْوَقْتَ هُوَ أَوَانُ ثُبُوتِ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ الَّذِي هُوَ ثُبُوتُ مِلْكِ الْمُوصَى بِهِ (103) .

الْوَصِيَّةُ لِبَعْضِ الأَْشْخَاصِ وَالأَْشْيَاءِ:
تَرِدُ فِي بَعْضِ الْوَصَايَا عِبَارَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى لَهُ وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمَقْصُودُ بِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَبَيَانُ الْمُرَادِ بِهَا عِنْدَهُمْ فِيمَا يَلِي: أ - الْوَصِيَّةُ لِلْجِيرَانِ:
37 - مَنْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ، فَهُمُ الْمُلاَصِقُونَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّ الْجِوَارَ هُوَ الْقُرْبُ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ فِي الْمُلاَصِقِ، وَمَا بَعْدَهُ بَعِيدٌ. وَقَال الصَّاحِبَانِ اسْتِحْسَانًا. هُمُ الْمُلاَصِقُونَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَسْكُنُ مَحَلَّةَ الْمُوصِي، وَيَجْمَعُهُمْ مَسْجِدُ الْمَحَلَّةِ لأَِنَّ هَؤُلاَءِ كُلَّهُمْ يُسَمَّوْنَ جِيرَانًا عُرْفًا وَقَدْ تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ " (104) وَفُسِّرَ بِكُل مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ وَلأَِنَّ الْمَقْصِدَ بِرُّ الْجِيرَانِ وَاسْتِحْبَابُهُ يَنْتَظِمُ الْمُلاَصِقَ وَغَيْرَهُ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ الاِخْتِلاَطِ وَذَلِكَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَسْجِدِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَشْمَل الْوَصِيَّةُ جِيرَانَهُ الْمُلاَصِقِينَ لَهُ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ (الأَْرْبَعِ، وَالْعُلُوِّ وَالسُّفْل) وَالْجِيرَانَ الْمُقَابِلِينَ لَهُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا زُقَاقٌ أَوْ شَارِعٌ صَغِيرٌ لاَ سُوقٌ أَوْ نَهَرٌ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ: هُمْ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُل جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الدَّارِ الأَْرْبَعَةِ، لِحَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: السَّاكِنُ مِنْ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ. قَال يُونُسُ: فَقُلْتُ لاِبْنِ شِهَابٍ: وَكَيْفَ أَرْبَعُونَ دَارًا؟ قَال: أَرْبَعُونَ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ وَخَلْفَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ " (105) .
وَجِيرَانُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ كَجِيرَانِ الدَّارِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ (106) ، لِحَدِيثِ لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ ".

ب - الْوَصِيَّةُ لِلأَْقَارِبِ:
38 - مَنْ أَوْصَى لأَِقْرِبَائِهِ، فَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ مِنْ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، سَوَاءٌ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَلاَ يَدْخُل فِيهِمُ الْوَالِدَانِ وَالْوَلَدُ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يُسَمَّوْنَ أَقَارِبَ وَيَكُونُ ذَلِكَ لاِثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ أَخَفُّ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَفِي الْمِيرَاثِ يُعْتَبَرُ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ، وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ تَلاَفِي مَا فُرِّطَ فِي إِقَامَةِ وَاجِبِ الصِّلَةِ وَهُوَ يَخْتَصُّ بِذِي رَحِمٍ مَحْرِمٍ.
وَقَال الصَّاحِبَانِ: أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الْوَصِيَّةُ لِكُل مَنْ يُنْسَبُ إِلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الإِْسْلاَمِ وَهُوَ أَوَّل أَبٍ أَسْلَمَ أَوْ أَوَّل أَبٍ أَدْرَكَ الإِْسْلاَمَ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ، لأَِنَّ الْقَرِيبَ مُنْشَقٌّ مِنَ الْقَرَابَةِ، فَيَكُونُ اسْمًا لِمَنْ قَامَتْ بِهِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِذَوِي قَرَابَتِهِ أَوْ قِرَابَاتِهِ أَوْ لأَِنْسِبَائِهِ أَوْ لأَِرْحَامِهِ أَوْ لِذَوِي أَرْحَامِهِ فَلَهَا نَفْسُ الْحُكْمِ (107) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَقَارِبِ أَبِيهِ غَيْرِ الْوَرَثَةِ، إِنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَل فِي الْوَصِيَّةِ أَقَارِبُ أُمِّهِ (108) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَدْخُل فِي ذَلِكَ كُل قُرَابَةٍ لَهُ، وَإِنْ بَعُدَتْ، عَمَلاً بِعُمُومِ اللَّفْظِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، إِلاَّ الأَْصْل (الأَْبَ وَالأُْمَّ فَقَطْ) وَالْفَرْعَ (أَوْلاَدَ الصُّلْبِ فَقَطْ) فَلاَ يَدْخُلاَنِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَلاَ يُسَمَّوْنَ أَقَارِبَ عُرْفًا (109) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَدْخُل فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَرَابَةِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى مِنْ أَوْلاَدِهِ وَأَوْلاَدِ أَبِيهِ وَأَوْلاَدِ جَدِّهِ وَأَوْلاَدِ جَدِّ أَبِيهِ، أَرْبَعَةُ آبَاءٍ فَقَطْ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِهِمْ ذَوِي الْقُرْبَى فَلَمْ يُعْطِ مِنْهُ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ كَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا (110) وَيَسْتَوِي فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَرَابَةِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، لِعُمُومِ الْقَرَابَةِ لَهُمْ وَلاَ يَدْخُل فِي الْقَرَابَةِ كَافِرُهُمْ أَوْ مَنْ يُخَالِفُ دِينُهُ دِينَهُمْ وَلاَ تَدْخُل فِي الْقَرَابَةِ أُمُّهُ وَلاَ قَرَابَتُهُ مِنْ قِبَلِهَا، لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يُعْطِ مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى قَرَابَتَهُ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُل عَلَى إِرَادَةِ ذَلِكَ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ أَهْل بَيْتِهِ وَقَوْمَهُ وَنُسَبَاءَهُ وَأَهْلَهُ، وَآلَهُ كَقَرَابَتِهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ: قَرَابَتُهُ مِنْ جِهَةِ أَبَوَيْهِ وَلَوْ جَاوَزُوا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ، فَيُصْرَفُ إِلَى كُل مَنْ يَرِثُ بِفَرْضٍ أَوْ عُصْبَةٍ أَوْ بِالرَّحِمِ (111) .

ج - الْوَصِيَّةُ لأَِقْرَبِ الأَْقَارِبِ:
39 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَوْصَى لأَِقْرَبِ أَقَارِبِهِ يَدْخُل فِيهِ الأَْصْل وَالْفَرْعُ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَقْدِيمُ ابْنٍ وَإِنْ سَفَل عَلَى أَبٍ لأَِنَّهُ أَقْوَى إِرْثًا وَتَعْصِيبًا، وَتَقْدِيمُ أَخٍ سَوَاءٌ كَانَ لأَِبَوَيْنِ أَوْ لأَِبٍ أَوْ لأُِمٍّ عَلَى جَدٍّ لأَِبٍ وَأُمٍّ لِقُوَّةِ جِهَةِ الْبُنُوَّةِ عَلَى جِهَةِ الأُْبُوَّةِ وَلاَ يُرَجَّحُ بِذُكُورَةٍ وَوِرَاثَةٍ بَل يَسْتَوِي الأَْبُ وَالأُْمُّ وَالاِبْنُ وَالْبِنْتُ وَالأَْخُ وَالأُْخْتُ كَمَا يَسْتَوِي الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ (112) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَصَّى لأَِقْرَبِ قَرَابَتِهِ فَالأَْبُ وَالاِبْنُ سَوَاءٌ، وَأَخٌ لأَِبَوَيْنِ أَوْ لأَِبٍ وَجَدٌّ سَوَاءٌ، وَالأَْخُ مِنَ الأَْبِ وَالأَْخُ مِنَ الأُْمِّ سَوَاءٌ، وَأَخٌ مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْلَى مِنْ أَخٍ لأَِبٍ وَأَخٍ لأُِمٍّ - وَكُل مَنْ قُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ قُدِّمَ وَلَدُهُ فَيُقَدَّمُ ابْنُ أَخِ الأَْبَوَيْنِ عَلَى ابْنِ أَخٍ لأَِبٍ إِلاَّ الْجَدَّ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى بَنِي أُخْوَتِهِ وَإِلاَّ أَخَاهُ لأَِبِيهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ لأَِبَوَيْهِ: وَيُقَدَّمُ الاِبْنُ عَلَى الْجَدِّ، وَالأَْبُ عَلَى ابْنِ الاِبْنِ (113) .

د - الْوَصِيَّةُ لِلأَْصْهَارِ وَالأَْخْتَانِ وَالآْل:
40 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَوْصَى لأَِصْهَارِهِ، فَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ لِكُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ امْرَأَتِهِ (الْعَصَبَاتُ وَالأَْرْحَامُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " لَمَّا تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ﵂ أَعْتَقَ كُل مَنْ مَلَكَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا إِكْرَامًا لَهَا، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ أَصْهَارَ النَّبِيِّ ﷺ (114) .
وَكَذَا يَدْخُل فِيهِ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَزَوْجَةِ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، لأَِنَّ الْكُل أَصْهَارٌ بِشَرْطِ مَوْتِهِ وَهِيَ مَنْكُوحَتُهُ، أَوْ مُعْتَدَّتُهُ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ، وَلَوْ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ لاَ يَسْتَحِقُّهَا.
وَمَنْ أَوْصَى لأَِخْتَانِهِ فَالْوَصِيَّةُ لِزَوْجِ كُل ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، كَزَوْجِ الْبِنْتِ وَالأُْخْتِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ لأَِنَّ الْكُل يُسَمَّى خَتَنًا وَكَذَا مَحَارِمُ الأَْزْوَاجِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قِيل هَذَا فِي عُرْفِهِمْ، وَفِي عُرْفِنَا الصِّهْرُ أَبُو الْمَرْأَةِ وَأُمُّهَا وَالْخَتَنُ زَوْجُ الْمَحْرَمِ فَقَطْ (115) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِكَذَا لآِلِهِ فَهِيَ لآِل بَنِيهِ وَقَبِيلَتِهِ الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنْ قِبَل آبَائِهِ إِلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الإِْسْلاَمِ، الأَْقْرَبُ وَالأَْبْعَدُ وَالذَّكَرُ وَالأُْنْثَى وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَيَدْخُل فِيهِ أَبُوهُ وَجَدُّهُ وَابْنُهُ وَزَوْجَتُهُ إِذَا كَانَتْ مِنْ قَوْمِ أَبِيهِ إِذَا كَانُوا لاَ يَرِثُونَهُ.
وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِجِنْسِهِ أَوْ أَهْل بَيْتِهِ أَوْ أَهْل نَسَبِهِ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ مَا لَوْ أَوْصَى لآِلِهِ (116) .
(ر: آل ف3) .

هـ - الْوَصِيَّةُ لِلْعُلَمَاءِ:
41 - لَوْ أَوْصَى لِلْعُلَمَاءِ أَوْ لأَِهْل الْعِلْمِ فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهَا لأَِصْحَابِ عُلُومِ الشَّرْعِ وَهُمْ أَهْل الْفِقْهِ وَأَهْل الْحَدِيثِ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَهْل التَّفْسِيرِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْوَصِيَّةَ بِذَلِكَ تَشْمَل مَنِ اتَّصَفَ بِالْعِلْمِ (117) .

الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ 42 - لاَ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الْمُوصَى لَهُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ فَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ فِي الْجُمْلَةِ، وَغَيْرُ الْمُسْلِمِ يَشْمَل الذِّمِّيَّ، وَالْمُسْتَأْمَنَ، وَالْحَرْبِيَّ، وَالْمُرْتَدَّ، وَنُفَصِّل أَحْكَامَ كُلٍّ فِيمَا يَلِي: أ - الْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ:
43 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُوصِي مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا (118) } قَال مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: إِنَّ ذَلِكَ هُوَ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ.
وَرُوِيَ أَنَّ صَفِيَّةَ ﵂ أَوْصَتْ لاِبْنِ أَخِيهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ وَكَانَ يَهُودِيًّا (119) .
وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلذِّمِّيِّ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَنَحْوِهِمْ فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ (120) .
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ هَذَا الشَّرْطَ، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِعَامَّةِ النَّصَارَى أَوْ لِعَامَّةِ أَهْل الذِّمَّةِ أَوْ نَحْوِهِمْ (121) . وَقَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ جَوَازَ الْوَصِيَّةِ بِكَوْنِهَا ذَاتَ سَبَبٍ مِنْ جِوَارٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ يَدٍ سَبَقَتْ لَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ سَبَبٍ فَالْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ مَحْظُورَةٌ (122) .

ب - الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ:
44 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَرْبِيِّ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ الْمُعَيَّنِ، وَلَوْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِقِيَاسِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْهِبَةِ، وَبِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى عُمَرَ حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ فَقَال عُمَرُ: يَا رَسُول اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ فَقَال: إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ (123) ، وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: " أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً - تَعْنِي الإِْسْلاَمَ - فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ آصِلُهَا؟ قَال: نَعَمْ (124) ، وَهَذَانِ فِيهِمَا صِلَةُ أَهْل الْحَرْبِ وَبِرُّهُمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَالإِْمَامُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ إِلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَرْبِيِّ مُطْلَقًا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ) . (125) فَيَدُل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَاتَلَنَا لاَ يَحِل بِرُّهُ (126) .

ج - الْوَصِيَّةُ لِلْمُسْتَأْمَنِ: 45 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ) إِلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُسْتَأْمَنِ.
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ جَوَازَ الْوَصِيَّةِ لِلْكَافِرِ بِمَا إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا (127) .

د - الْوَصِيَّةُ لِلْمُرْتَدِّ:
46 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُرْتَدِّ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْمُرْتَدِّ.
وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُرْتَدِّ لِلأَْمْرِ بِقَتْلِهِ فَلاَ مَعْنَى لِلْوَصِيَّةِ لَهُ.
وَعَلَّل الْحَنَابِلَةُ هَذَا الْحُكْمَ بِأَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ زَائِلٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْمُرْتَدِّ الْمُعَيَّنِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْمُرْتَدِّ مَا إِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَامْتَنَعَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ قَالُوا: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ قَطْعًا (128) .

الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمُوصَى بِهِ:
الْمُوصَى بِهِ وَهُوَ مَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي مِنْ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَيُشْتَرَطُ لِلْمُوصَى بِهِ شُرُوطٌ هِيَ:

أَوَّلاً: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَالاً.
47 - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَالاً لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ، وَلاَ يُمَلَّكُ غَيْرُ الْمَال. وَالْمَال الْمُوصَى بِهِ: يَشْمَل الأَْمْوَال النَّقْدِيَّةَ وَالْعَيْنِيَّةَ وَالدُّيُونَ الَّتِي فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ وَالْحُقُوقَ الْمُقَدَّرَةَ بِمَالٍ وَهِيَ حُقُوقُ الاِرْتِفَاقِ مِنْ مَالٍ وَشُرْبٍ وَمَسِيلٍ، وَالْمَنَافِعَ كَسُكْنَى الدَّارِ وَزِرَاعَةِ الأَْرْضِ وَغَلَّةِ الْبُسْتَانِ الَّتِي سَتَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَل وَنَحْوِهَا مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَإِجَارَتُهُ (129) .
لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمَّا مَلَكَ تَمْلِيكَهَا حَال حَيَاتِهِ بِعَقْدِ الإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ فَلأََنْ يَمْلِكَ بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ أَوْلَى لأَِنَّهُ أَوْسَعُ الْعُقُودِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهَا تَحْتَمِل مَا لاَ يَحْتَمِلُهُ سَائِرُ الْعُقُودِ مِنْ عَدَمِ الْمَحَل وَالْخَطَرِ وَالْجَهَالَةِ، ثُمَّ لَمَّا جَازَ تَمْلِيكُهَا بِبَعْضِ الْعُقُودِ فَلأََنْ يَجُوزَ بِهَذَا الْعَقْدِ أَوْلَى (130) .
وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ: لاَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ وَصِيَّةٌ بِمَال الْوَارِثِ، لأَِنَّ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ تَحْصُل الْمَنَافِعُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ لأَِنَّ الرَّقَبَةَ مِلْكُهُمْ، وَمِلْكُ الْمَنَافِعِ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَكَانَتِ الْمَنَافِعُ مِلْكَهُمْ لأَِنَّ الرَّقَبَةَ مِلْكُهُمْ فَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ وَصِيَّةً مِنْ مَال الْوَارِثِ فَلاَ تَصِحُّ، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ فِي مَعْنَى الإِْعَارَةِ إِذِ الإِْعَارَةُ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ كَذَلِكَ وَالْعَارِيَةُ تَبْطُل بِمَوْتِ الْمُعِيرِ، فَالْمَوْتُ لَمَّا أَثَّرَ فِي بُطْلاَنِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ بَعْدَ صِحَّتِهِ فَلأََنْ يَمْنَعَ مِنَ الصِّحَّةِ أَوْلَى ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ أَسْهَل مِنَ الرَّفْعِ (131) .
وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُوصَى بِهِ مَالاً كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَجِلْدِهَا قَبْل الدِّبَاغِ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْمِلْكِ.
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الْوَصِيَّةَ بِجِلْدِ مَيْتَةٍ قَابِلٍ لِلدِّبَاغِ، وَمَيْتَةٍ تَصْلُحُ طُعْمًا لِلْجَوَارِحِ (132) .
(ر: ف58)

ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مُتَقَوِّمًا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ:
48 - لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ مُسْلِمٍ وَلاَ لِمُسْلِمٍ بِمَالٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ، أَيْ لاَ يَجُوزُ شَرْعًا الاِنْتِفَاعُ بِهِ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالسِّبَاعِ الَّتِي لاَ تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، لِعَدَمِ نَفْعِهَا وَتَقَوُّمِهَا، وَلأَِنَّهَا لاَ تُمْلَكُ أَصْلاً بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ لِمِثْلِهِ لِتَقَوُّمِهَا فِي اعْتِقَادِهِ. وَلاَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِمَا لاَ يَقْبَل النَّقْل كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَحَقِّ الشُّفْعَةِ.
وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالسِّبَاعِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، لِتَقَوُّمِهَا وَلأَِنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالإِْتْلاَفِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَبِهَذَا عَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ. وَلأَِنَّ فِيهَا نَفْعًا مُبَاحًا، وَتُقَرُّ الْيَدُ عَلَيْهَا، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ، فَصَحَّتْ فِي غَيْرِ الْمَال كَالْمَال.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ لِغَيْرِ مَسْجِدٍ، لأَِنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا، وَهُوَ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِمَسْجِدٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ فِيهِ.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِنَحْوِ زِبْلٍ يُنْتَفَعُ بِهِ كَسَمَادٍ.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِإِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ؛ لأَِنَّهُ مَالٌ يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي غَيْرِ حَال الاِسْتِعْمَال، بِجَعْلِهِ حُلِيًّا لِلنِّسَاءِ أَوْ بَيْعِهِ وَنَحْوِهِمَا (133) .

ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ قَابِلاً لِلتَّمْلِيكِ:
49 - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل بِالأَْصَحِّ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ قَابِلاً لِلتَّمْلِيكِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصَى بِعَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ مَالاً أَوْ نَفْعًا مَوْجُودًا لِلْحَال أَوْ مَعْدُومًا، فَالْوَصِيَّةُ بِمَا تُثْمِرُ نَخِيلُهُ الْعَامَ أَوْ أَبَدًا تَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ مَعْدُومًا؛ لأَِنَّهُ يَقْبَل التَّمْلِيكَ حَال حَيَاةِ الْمُوصِي بِعَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِمَا تَلِدُهُ أَغْنَامُهُ فَإِنَّهَا لاَ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِحْسَانًا لأَِنَّهُ لاَ يَقْبَل التَّمْلِيكَ فِي حَال حَيَاةِ الْمُوصِي بِعَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمُوصَى بِهِ فِي الْحَال، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمُ الْوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ أَجِيرِهِ وَسُكْنَى دَارِهِ (134) .
وَقَال الْجُمْهُورُ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَعْدُومِ مُطْلَقًا، كَالْوَصِيَّةِ بِثَمَرَةٍ أَوْ حَمْلٍ سَيَحْدُثَانِ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ احْتُمِل فِيهَا وُجُوهٌ مِنَ الْغَرَرِ رِفْقًا بِالنَّاسِ وَتَوْسِعَةً فَتَصِحُّ بِالْمَعْدُومِ كَمَا تَصِحُّ بِالْمَجْهُول، وَلأَِنَّ الْمَعْدُومَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِعَقْدِ السَّلَمِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالإِْجَارَةِ فَكَذَا بِالْوَصِيَّةِ (135) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُول كَشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ وَثَوْبٍ مِنْ أَثْوَابِهِ؛ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ شَبِيهٌ بِالْوَارِثِ مِنْ جِهَةِ انْتِقَال شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ إِلَيْهِ مَجَّانًا، وَالْجَهَالَةُ لاَ تَمْنَعُ الإِْرْثَ فَلاَ تَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِمَا لاَ يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَطَيْرِهِ الطَّائِرِ أَوْ بَعِيرِهِ الشَّارِدِ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَخْلُفُ الْمَيِّتَ فِي ثُلُثِهِ، كَمَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِي ثُلُثِهِ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَخْلُفَ الْوَارِثُ الْمَيِّتَ فِي هَذِهِ الأَْشْيَاءِ، جَازَ أَنْ يَخْلُفَهُ الْمُوصَى لَهُ.
وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ إِذَا صَحَّتْ بِالْمَعْدُومِ فَمَا لاَ يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَوْلَى.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمُشَاعِ وَالْمَقْسُومِ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّ الإِْيصَاءَ تَمْلِيكُ جُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَجَازَ فِي الْمُشَاعِ وَالْمَقْسُومِ كَالْبَيْعِ (136) .
وَالَّذِي أَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِمَا يَقْبَل التَّمْلِيكَ، يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي الْمُسْتَقْبَل لَكِنَّ وَقْتَ وُجُودِهِ يَخْتَلِفُ عِنْدَهُمْ بِحَسَبِ نَوْعِ الْمَال:
فَإِنْ كَانَ الْمَال مُعَيَّنًا بِالذَّاتِ، كَدَارٍ مُعَيَّنَةٍ وَمَزْرَعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَيُشْتَرَطُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِي كُل الْمَال، كَالْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ رُبُعِهِ، فَالشَّرْطُ وُجُودُهُ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، لأَِنَّهُ وَقْتُ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِي بَعْضِ الْمَال، كَالْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ غَنَمِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، اشْتُرِطَ وُجُودُهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، كَالنَّوْعِ الأَْوَّل، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ أَصْلاً وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، فَهُوَ كَالشَّائِعِ فِي كُل الْمَال، يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا مُعَيَّنًا حَتَّى تَتَقَيَّدَ بِهِ الْوَصِيَّةُ (137) .

رَابِعًا: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَمْلُوكًا لِلْمُوصِي:
50 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ - قَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ الْمُعَيَّنُ مِلْكًا لِلْمُوصِي حِين الْوَصِيَّةِ، فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَال الْغَيْرِ وَلَوْ مَلَكَهُ الْمُوصِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ لِفَسَادِ الصِّيغَةِ بِإِضَافَةِ الْحَال إِلَى غَيْرِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الآْخَرِ - وَقَال عَنْهُ النَّوَوِيُّ: هُوَ أَفْقَهُ وَأَجْرَى عَلَى قَوَاعِدِ الْبَابِ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مِلْكًا لِلْمُوصِي حِينَ الْوَصِيَّةِ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فُضُولِيًّا، وَوَصِيَّةُ الْفُضُولِيِّ مُنْعَقِدَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ؛ فَإِنْ أَجَازَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ سَلَّمَهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ كَالْهِبَةِ (138) .
وَصَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْكَافِرِ بِمَا لاَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ لَهُ كَالْمُصْحَفِ وَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَسَائِرِ السِّلاَحِ (139) .

خَامِسًا: أَلاَّ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَعْصِيَةً أَوْ مُحَرَّمًا شَرْعًا:
51 - الْقَصْدُ مِنَ الْوَصِيَّةِ تَدَارُكُ مَا فَاتَ فِي حَال الْحَيَاةِ مِنَ الإِْحْسَانِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَعْصِيَةً (140) .

مَا يُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْوَصِيَّةِ فِي الْمُوصَى بِهِ:
52 - يُشْتَرَطُ لِنَفَاذِ الْوَصِيَّةِ فِي الْمُوصَى بِهِ شَرْطَانِ:
أَوَّلاً: أَلاَّ يَكُونَ مُسْتَغْرَقًا بِالدَّيْنِ: لأَِنَّ الدُّيُونَ مُقَدَّمَةٌ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَا عَلَى الْوَصِيَّةِ، بَعْدَ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ. إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا أَبْرَأَهُ الْغُرَمَاءُ مِنَ الدَّيْنِ فَيَنْفُذُ، بِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (141) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مُسْتَغْرَقُ الذِّمَّةِ لاَ تَنْعَقِدُ وَصِيَّتُهُ، لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي مَالِكًا (142) .
ثَانِيًا: أَلاَّ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ زَائِدًا عَلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ إِذَا كَانَ لِلْمُوصِي وَارِثٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ " (143) .
وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَنِ الثُّلُثِ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ) ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ الزَّائِدَ عَنِ الثُّلُثِ لأَِجْنَبِيٍّ، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ رَدُّوا الزِّيَادَةَ بَطَلَتْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ (144) .
وَإِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ فِي حِصَّةِ الْمُجِيزِ فَقَطْ، وَبَطَلَتْ فِي حِصَّةِ غَيْرِهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي وَارِثٌ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، تَكُونُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ صَحِيحَةً نَافِذَةً، وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ جَمِيعَ الْمَال؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنْ نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ فِي الزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَلاَ تَنْفُذُ إِلاَّ بِرِضَاهُمْ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَرَثَةٌ، لَمْ يَبْقَ حَقٌّ لأَِحَدٍ (145) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ فِيمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ؛ لأَِنَّ مَالَهُ مِيرَاثٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ مُجِيزَ لَهُ مِنْهُمْ فَبَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَتِهِ وَرَدِّهِ، فَإِنْ رَدَّهَا رَجَعَتِ الْوَصِيَّةُ إِلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ أَجَازَهَا صَحَّتْ، وَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ بِالزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ بَاطِلَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (146) .
وَيُعْتَبَرُ الزَّائِدُ عَنِ الثُّلُثِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَوْمَ التَّنْفِيذِ لاَ يَوْمَ الْمَوْتِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ يُعْتَبَرُ يَوْمَ النَّذْرِ (147) .

تَكْيِيفُ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ:
53 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَكْيِيفِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا تَنْفِيذًا لِوَصِيَّةِ الْمُوصِي، أَوْ هِبَةً مُبْتَدَأَةً مِنْ قِبَل الْمُجِيزِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ كُل مَا جَازَ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ يَتَمَلَّكُهُ الْمُجَازُ لَهُ مِنْ قِبَل الْمُوصِي، لأَِنَّ السَّبَبَ صَدَرَ مِنَ الْمُوصِي وَالإِْجَازَةُ رَفْعُ الْمَانِعِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَبْضِ فَصَارَ كَالْمُرْتَهِنِ إِذَا أَجَازَ بَيْعَ الرَّهْنِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ أَنَّهَا عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ قِبَل الْوَارِثِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الْهِبَةِ (148) .

أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى بِهِ:
هُنَاكَ أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى بِهِ:

أ - الْوَصِيَّةُ بِسَهْمٍ مِنَ الْمَال:
54 - مَنْ أَوْصَى بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسُ إِنْ كَانَتِ الْفَرِيضَةُ أَقَل مِنْ سِتَّةِ أَسْهُمٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ.
الْقَوْل الثَّانِي: لِلْمُوصَى لَهُ كَأَقَل سِهَامِ الْوَرَثَةِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَ أُعْطِيَ الثُّلُثَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ.
الْقَوْل الثَّالِثُ: لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ مِمَّا تَصِحُّ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدُسِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ الثَّلاَثِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
الْقَوْل الرَّابِعُ: لِلْمُوصَى لَهُ مِثْل نَصِيبِ أَقَل الْوَرَثَةِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدُسِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اخْتَارَهَا الْخَلاَّل وَصَاحِبُهُ (149) .
الْقَوْل الْخَامِسُ: وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ:
قَال الدَّرْدِيرُ: إِنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، كَقَوْلِهِ: أَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِي أَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لَهُ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِي فَبِسَهْمٍ يُحَاسَبُ بِهِ وَيَأْخُذُهُ مِنْ فَرِيضَتِهِ إِنْ لَمْ تَكُنِ الْمَسْأَلَةُ عَائِلَةً، كَقَوْل امْرَأَةٍ: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِي، وَمَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ وَأُمٍّ، فَيَأْخُذُ وَاحِدًا مِنْ سِتَّةٍ ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي عَلَى الْوَرَثَةِ. أَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ عَائِلَةً فَيَأْخُذُ سَهْمًا مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَيْثُ عَالَتِ الأَْرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ؛ لأَِنَّ الْعَوْل مِنْ جُمْلَةِ التَّأْصِيل. فَالْوَصِيَّةُ تُقَدَّمُ عَلَى الإِْرْثِ ثُمَّ يُقَسَّمُ عَلَى الْوَرَثَةِ الْبَاقِي، فَالضَّرَرُ يَدْخُل عَنِ الْجَمِيعِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فَرِيضَةٌ - بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِرَاثٌ - فَهَل لَهُ سَهْمٌ مِنْ سِتَّةٍ وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ، أَوْ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَهُوَ قَوْل أَشْهَبَ (150) ؟
الْقَوْل السَّادِسُ: لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالسَّهْمِ وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِجُزْءِ مَا شَابَهَهُ مِنْ أَلْفَاظٍ (151) .

ب - الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ أَوْ حَظٍّ مِنَ الْمَال:
55 - إِذَا أَوْصَى الْمُوصِي رَجُلاً بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِنَصِيبٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِبَعْضٍ أَوْ بِشِقْصٍ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ بَيَّنَ فِي حَيَاتِهِ شَيْئًا وَإِلاَّ أَعْطَاهُ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ مَا شَاءُوا، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ تَحْتَمِل الْقَلِيل وَالْكَثِيرَ فَيَصِحُّ الْبَيَانُ فِيهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَمِنْ وَرَثَتِهِ إِذَا مَاتَ لأَِنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُ.
وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (152) وَأَمَّا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِسَهْمٍ مِنَ الْمَال (153) .

ج - الْوَصِيَّةُ بِشَاةٍ أَوْ بِدَابَّةٍ أَوْ بِكَلْبٍ وَنَحْوِهِ:
56 - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَوْصَى لَهُ بِشَاةٍ وَأَطْلَقَ جَازَ أَنْ يُدْفَعَ لِلْمُوصَى لَهُ الصَّغِيرَةُ الْجِسْمِ وَكَبِيرَتُهَا وَالضَّأْنُ وَالْمَعْزُ، لأَِنَّ اسْمَ الشَّاةِ يَقَعُ عَلَيْهَا وَكَذَا الذَّكَرُ فِي الأَْصَحِّ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الشَّاةِ إِنْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى الْمُرَادِ، لأَِنَّ الشَّاةَ اسْمُ جِنْسٍ كَإِنْسَانٍ وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ بَل لِلْوَحْدَةِ كَحَمَامٍ وَحَمَامَةٍ وَلِهَذَا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، أَمَّا إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى الْمُرَادِ كَأَنْ يَقُول: أَوْصَيْتُ لَهُ بِشَاةٍ تَنْزُو عَلَى غَنَمِهِ أَوْ تَيْسًا أَوْ كَبْشًا فَتَعَيَّنَ الذَّكَرُ، أَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لَهُ شَاةً يَحْلِبُهَا أَوْ يَنْتَفِعُ بَدَرِّهَا وَنَسْلِهَا أَوْ نَعْجَةً تَعَيَّنَ الأُْنْثَى، أَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لَهُ بِشَاةٍ يَنْتَفِعُ بِصُوفِهَا تَعَيَّنَ الضَّأْنُ أَوْ بِشَعَرِهَا تَعَيَّنَ الْمَعْزُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الأَْرْجَحِ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَجْهُولٍ وَيُعْطَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِسْمُ لأَِنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الاِسْمُ بِالْحَقِيقَةِ الْوَضْعِيَّةِ وَالْعُرْفِ كَالشَّاةِ الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ وَالأُْنْثَى مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالتَّاءُ فِيهَا لِلْوَحْدَةِ وَفِي الْعُرْفِ هِيَ لِلأُْنْثَى الْكَبِيرَةِ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ غُلِّبَ الْعُرْفُ كَالأَْيْمَانِ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ إِرَادَتُهُ، وَلأَِنَّهُ لَوْ خُوطِبَ قَوْمٌ بِشَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ عُرْفٌ وَحَمَلُوهُ عَلَى عُرْفِهِمْ لَمْ يُعَدُّوا مُخَالِفِينَ.
وَإِنْ أَوْصَى بِدَابَّةٍ أُعْطِيَ الْمُوصَى لَهُ فَرَسًا أَوْ بَغْلاً أَوْ حِمَارًا، عَمَلاً بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ. وَإِنْ أَوْصَى بِكَلْبٍ وَنَحْوِهِ وَلاَ كَلْبَ لَهُ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، كَمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ كَلْبٌ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُشْتَرَى، فَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ عِنْدَهُمْ.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ، مِنْ كَلْبِصَيْدٍ وَحَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ، وَلاَ تَجُوزُ بِمَا لاَ يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهِ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ (154) . (انْظُرْ مُصْطَلَحَ كَلْب ف 6)

د ـ الْوَصِيَّةُ بِطَبْلٍ:
57 - إِنْ وَصَّى لِشَخْصٍ بِطَبْلٍ مِنْ طُبُولِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ طُبُول الْحَرْبِ، أُعْطِيَ وَاحِدًا مِنْهَا.
أَمَّا طُبُول اللَّهْوِ فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِطَبْلٍ مِنْهَا إِنْ صَلَحَ لِمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي مُبَاحٍ، فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لَهَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً؛ لأَِنَّهَا وَصِيَّةٌ بِمُحَرَّمٍ (155) .

هـ - الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ:
58 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ لأَِنَّهَا كَالأَْعْيَانِ فِي تَمَلُّكِهَا بِعِقْدِ الْمُعَاوَضَةُ وَالإِْرْثِ، فَصَحَّتِ الْوَصِيَّةُ بِهَا كَالأَْعْيَانِ.
وَتُخْرَجُ قِيمَةُ الْمَنَافِعِ مِنْ ثُلُثِ الْمَال فَإِنْ لَمْ تُخْرَجْ مِنَ الثُّلُثِ، أُجِيزَ مِنْهَا بِقَدْرِ الثُّلُثِ.
وَالْمَنْفَعَةُ الْمُوصَى بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُطْلَقَةً أَمْ مُقَيَّدَةً فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا خُرُوجُ الْعَيْنِ الَّتِي أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهَا مِنْ ثُلُثِ الْمَال، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ الثُّلُثِ جَازَتِ الْوَصِيَّةُ فِي جَمِيعِ الْمَنَافِعِ، فَلِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا مَا عَاشَ وَإِذَا لَمْ يُوفِ الثُّلُثُ إِلاَّ بِنِصْفِ الْمَنْفَعَةِ مَثَلاً صَارَ نِصْفُ الْمَنْفَعَةِ لِلْوَارِثِ إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً عَنِ الْوَقْتِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ انْتَقَلَتْ إِلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْعَيْنِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنْفَعَةِ قَدْ بَطَلَتْ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ، لأَِنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالإِْعَارَةِ فَتَبْطُل بِمَوْتِ الْمَالِكِ إِيَّاهُ، كَمَا تَبْطُل الإِْعَارَةُ بِمَوْتِ الْمُسْتَعِيرِ، عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ بِانْفِرَادِهَا لاَ تَحْتَمِل الإِْرْثَ وَإِنْ كَانَ تَمَلَّكَهَا بِعِوَضٍ كَإِجَارَةٍ، فَلأََنْ لاَ يُحْتَمَل فِيمَا هُوَ تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْلَى.
وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُؤَقَّتَةً فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ تُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَنْتَفِعُ بِهَا إِلَى الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ كَانَ الْمَذْكُورُ سَنَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْمُوصَى لَهُ سَنَةً كَامِلَةً ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْوَرَثَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَبِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ أَثْلاَثًا، يَخْدِمُ الْعَبْدُ - إِذَا كَانَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ عَبْدًا - يَوْمًالِلْمُوصَى لَهُ وَيَوْمَيْنِ لِلْوَرَثَةِ فَيَسْتَوْفِي الْمُوصَى لَهُ خِدْمَةَ السَّنَةِ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ.
وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا دَارًا يَسْكُنُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهَا وَالْوَرَثَةُ ثُلْثَيْهَا يَتَهَايَآنِ مَكَانًا، لأَِنَّ التَّهَايُؤَ بِالْمَكَانِ فِي الدَّارِ مُمْكِنٌ وَفِي الْعَبْدِ لاَ يُمْكِنُ، لاِسْتِحَالَةِ خِدْمَةِ الْعَبْدِ بِثُلُثِهِ لأَِحَدِهِمَا وَبِثُلُثَيْهِ لِلآْخَرِ فَمَسَّتِ الضَّرُورَةُ إِلَى الْمُهَايِئَاتِ زَمَانًا.
وَإِنْ كَانَ الْمَذْكُورُ مِنَ الْوَقْتِ سَنَةً بِعَيْنِهَا بِأَنْ قَال: سَنَةَ كَذَا أَوْ شَهْرَ كَذَا فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ خِدْمَةَ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ يَنْتَفِعُ بِهَا تِلْكَ السَّنَةَ أَوِ الشَّهْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ فَفِي الْعَبْدِ يَنْتَفِعُ بِهِ الْوَرَثَةُ يَوْمَيْنِ، وَالْمُوصَى لَهُ يَوْمًا وَفِي الدَّارِ يَسْكُنُ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهَا وَالْوَرَثَةُ ثُلُثَيْهَا عَلَى طَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ، فَإِذَا مَضَتْ تِلْكَ السَّنَةُ أَوْ ذَلِكَ الشَّهْرُ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ يَحْصُل لِلْمُوصَى لَهُ مَنْفَعَةُ السَّنَةِ أَوِ الشَّهْرِ.
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُكْمِل ذَلِكَ مِنْ سَنَةٍ أُخْرَى أَوْ مِنْ شَهْرٍ آخَرَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ أُضِيفَتْ إِلَى تِلْكَ السَّنَةِ أَوْ ذَلِكَ الشَّهْرِ لاَ إِلَى غَيْرِهِمَا.
وَلَوْ عَيَّنَ الشَّهْرَ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوِ السَّنَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، بِأَنْ قَال: هَذَا الشَّهْرَ أَوْ هَذِهِ السَّنَةَ،يُنْظَرُ: إِنْ مَاتَ بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَوْ تِلْكَ السَّنَةِ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ نَفَاذُهَا عِنْدَ مَوْتِهِ وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ الشَّهْرُ أَوْ تِلْكَ السَّنَةُ قَبْل مَوْتِهِ فَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْل أَنْ يَمْضِيَ ذَلِكَ الشَّهْرُ أَوِ السَّنَةُ، فَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ يَنْتَفِعُ بِهَا فِيمَا بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ أَوِ السَّنَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَخْرُجُ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ آخَرُ فَفِي الْعَبْدِ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُوصَى لَهُ يَوْمًا وَالْوَرَثَةُ يَوْمَيْنِ إِلَى أَنْ يَمْضِيَ ذَلِكَ الشَّهْرُ أَوِ السَّنَةُ، وَفِي الدَّارِ يَسْكُنَاهَا أَثْلاَثًا عَلَى طَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَلَوْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ لإِِنْسَانٍ وَبِرَقَبَتِهِ لآِخَرَ، أَوْ بِسُكْنَى دَارِهِ لإِِنْسَانٍ وَبِرَقَبَتِهَا لآِخَرَ، وَالرَّقَبَةُ تَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ فَالرَّقَبَةُ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، وَالْخِدْمَةُ كُلُّهَا لِصَاحِبِ الْخِدْمَةِ، لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمَّا احْتَمَلَتِ الإِْفْرَادَ مِنَ الرَّقَبَةِ بِالْوَصِيَّةِ حَتَّى لاَ تَمْلِكَ الْوَرَثَةُ الرَّقَبَةَ وَالْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ، فَيَسْتَوِي فِيهَا الإِْفْرَادُ بِاسْتِيفَاءِ الرَّقَبَةِ لِنَفْسِهِ وَتَمْلِيكِهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مُوصًى لَهُ بِالرَّقَبَةِ، وَالآْخَرُ بِالْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُوصِي مَلَكَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ الرَّقَبَةَ وَصَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ الْمَنْفَعَةَ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَوْصَى بِرَقَبَةِ شَجَرَةٍ أَوْ بُسْتَانٍ لإِِنْسَانٍ وَبِثَمَرَتِهِ لآِخَرَ، أَوْ بِرَقَبَةِ أَرْضٍ لِرَجُل وَبِغَلَّتِهَا لآِخَرَ، لأَِنَّ الثَّمَرَوَالْغَلَّةَ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْتَمِل الإِْفْرَادَ بِالْوَصِيَّةِ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَبْقِيَ الأَْصْل لِنَفْسِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَمْلِكَهُ مِنْ غَيْرِهِ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَنْفَعَةِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُوصَى بِهِ مَوْجُودًا وَقْتَ كَلاَمِ الْوَصِيَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَهُ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي كَلاَمِ الْمُوصِي مَا يَقْتَضِي الْوُجُودَ لِلْحَال فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلاَ مَال لَهُ عِنْدَ كَلاَمِ الْوَصِيَّةِ (156) .
وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَنْفَعَةٍ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَسَنَةٍ مَثَلاً فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ حُسِبَ مِنَ الثُّلُثِ مَا نَقَصَ مِنْهَا فِي تَقْوِيمِهِ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، فَمَنْ أَوْصَى مَثَلاً بِمَنْفَعَةِ حَيَوَانٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً قُوِّمَ الْحَيَوَانُ بِمَنْفَعَتِهِ ثُمَّ قُوِّمَ مَسْلُوبُ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ وَيُحْسَبُ النَّاقِصُ مِنَ الثُّلُثِ (157) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ خُرُوجُهَا مِنْ ثُلُثِ الْمَال، فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ أُجِيزَ مِنْهَا بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَقَالُوا: إِذَا أُرِيدَ تَقْوِيمُهَا فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِمُدَّةِ قُوِّمَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ ثُمَّ تُقَوَّمُ الْمَنْفَعَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيُنْظَرُ كَمْ قِيمَتُهَا؟ وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ فَقَدْ قِيل: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ بِمَنْفَعَتِهَا جَمِيعًا وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُهَا مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّ شَجَرًا لاَ ثَمَرَ لَهُ لاَ قِيمَةَ لَهُ غَالِبًا.
وَقِيل: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَالْمَنْفَعَةُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ، وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَقُومَ الْحَيَوَانُ مَثَلاً بِمَنْفَعَتِهِ فَإِذَا قِيل: قِيمَتُهُ مِائَةٌ، قِيل: كَمْ قِيمَتُهُ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ؟ فَإِذَا قِيل: عَشَرَةٌ عَلِمْنَا أَنَّ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ تِسْعُونَ (158) .
قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَةِ مُعَيَّنٍ وَالْمُوصَى لَهُ مُعَيَّنٌ كَأَنْ يُوصِيَ لَهُ بِمَنْفَعَةِ دَارِهِ سِنِينَ أَوْ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سِنِينَ وَالْحَال أَنَّ ثُلُثَ التَّرِكَةِ لاَ يَحْمِل ذَلِكَ كُلَّهُ أَيْ لاَ يَحْمِل قِيمَةَ رَقَبَةِ الدَّارِ مَثَلاً وَلاَ قِيمَةَ رَقَبَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ حِينَئِذٍ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُجِيزُوا وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ أَوْ يَدْفَعُوا لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ جَمِيعِ التَّرِكَةِ مِنَ الْمَال الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ عَيْنًا كَانَ أَوْ عَرَضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَالْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ الْوَارِثَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الإِْجَازَةِ وَبَيْنَ الْقَطْعِ لَهُمْ بِالثُّلُثِ قَطْعًا لَكِنْ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ لاَ فِي كُل مَتْرُوكِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ أَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ لاَ يُرْجَى رُجُوعُهُ بِخِلاَفِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّهُ إِذَا هَلَكَ فَيُرْجَى رُجُوعُ الْمُوصَى بِهِ لِلْوَارِثِ (159) (ر: ف 47) .

طَرِيقُ الاِنْتِفَاعِ بِالْمَنْفَعَةِ:
59 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا بِنَفْسِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِكْسَابِهَا لِغَيْرِهِ بِالإِْجَارَةِ أَوِ الإِْعَارَةِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ إِجَارَتَهَا وَإِعَارَتَهَا، لأَِنَّهُ إِذَا مَلَكَ النَّفْعَ جَازَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ، وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ.
وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ لاَ يَمْلِكُ إِجَارَتَهَا، وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَيَنْبَغِي أَنَّ لَهُ الإِْعَارَةَ (160) . كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ:
60 - إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَبَيْنَ وَرَثَةِ الْمُوصِي، كَالْوَصِيَّةِ بِنِصْفِ مَنْفَعَةِ دَارِهِ، أَوْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ عَدَدٍ مِنَ الْمُوصَى لَهُمْ، كَالْوَصِيَّةِ بِمَنْفَعَةِ دَارٍ لِثَلاَثَةِ أَشْخَاصٍ، فَتُسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةُ عَنْ طَرِيقِ الْقِسْمَةِ بِإِحْدَى وَسَائِل ثَلاَثٍ:
الأُْولَى: أَنْ تُقَسَّمَ غَلَّةُ الْمَنْفَعَةِ بَيْنَ الْمُشْتَرِكِينَ: فَتُؤَجَّرَ الدَّارُ أَوْ تُزْرَعَ الأَْرْضُ مَثَلاً، وَتُقَسَّمُ الْغَلَّةُ بِنِسْبَةِ حِصَّةِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تُقَسَّمَ الْعَيْنُ نَفْسُهَا بَيْنَهُمْ، فَيَأْخُذَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمَهُ فِي الْمَنْفَعَةِ، بِشَرْطِ كَوْنِ تِلْكَ الْعَيْنِ قَابِلَةً لِلْقِسْمَةِ، وَأَنْ لاَ يَتَرَتَّبَ عَلَى قِسْمَتِهَا ضَرَرٌ لِلْوَرَثَةِ، وَلَوْ مَعَ بَقَاءِ الْمَنْفَعَةِ الأَْصْلِيَّةِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ تُقَسَّمَ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِهَا قِسْمَةً مُهَايَأَةً زَمَانِيَّةً أَوْ مَكَانِيَّةً. فَالزَّمَانِيَّةُ: أَنْ تُعْطَى لأَِحَدِ الشُّرَكَاءِ كُل الْعَيْنِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، يَنْتَفِعُ بِهَا، ثُمَّ يَأْخُذُهَا الشَّرِيكُ الآْخَرُ بِقَدْرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَيَنْتَفِعُ بِهَا.
وَالْمَكَانِيَّةُ: أَنْ يَأْخُذَ كُل شَرِيكٍ جُزْءًا مِنَ الْعَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَنْتَفِعُ بِهَا، ثُمَّ يَتَبَادَلالشَّرِيكَانِ كُل جُزْءٍ مَرَّةً أُخْرَى، فَيَحِل كُل وَاحِدٍ مَحَل الآْخَرِ فِيمَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ.
وَإِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِحَقٍّ لاَ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ وَلاَ الْمُهَايَأَةُ فِيهِ، أَوْ حَدَثَ اخْتِلاَفٌ اجْتَهَدَ الْقَاضِي فِي كَيْفِيَّةِ تَوْزِيعِ الْمَنْفَعَةِ بِحَسَبِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ (161) .
(ر: قِسْمَة ف 60 وَمَا بَعْدَهَا)

انْتِهَاءُ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنْفَعَةِ:
61 - تَنْتَهِي الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ فِي الْحَالاَتِ التَّالِيَةِ:
أـ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لِلاِنْتِفَاعِ قَبْل وَفَاةِ الْمُوصِي.
كَمَا تَنْتَهِي الْوَصِيَّةُ بِمُضِيِّ مُدَّةِ الاِنْتِفَاعِ الْمُحَدَّدَةِ بَعْدَ الْوَفَاةِ دُونَ أَنْ يَنْتَفِعَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ كَمَنْ وَصَّى لِلْمُوصَى لَهُ بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ سَنَةً بِعَيْنِهَا فَلَمْ تَحْمِل تِلْكَ السَّنَةَ فَلاَ شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ (162) .
ب ـ بِإِسْقَاطِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ حَقَّهُ فِي الْمَنْفَعَةِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي أَوْ تَنَازُلِهِ عَنْ حَقِّهِ فِيهَا.
ج ـ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِلْمُوصِي.
د ـ بِتَمَلُّكِ الْمُوصَى لَهُ الْعَيْنَ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا.
هـ - بِوَفَاةِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُوصَى بِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْوَصِيَّةِ لاَ تُورَثُ وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَرَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ قَوْل الْمُوصِي أَنَّهُ أَرَادَ حَيَاةَ الْمُوصَى لَهُ فَلاَ تُورَثُ (163) .

زَمَنُ اسْتِحْقَاقِ الْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ الْمُوصَى بِهَا:
62 - إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَنْفَعَةٍ مُقَدَّرَةً بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَسَنَةٍ دُونَ تَحْدِيدِ بَدْءِ الاِنْتِفَاعِ، اسْتَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ مُنْذُ وَفَاةِ الْمُوصِي (164) . مَنْعُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الاِنْتِفَاعِ:
63 - هُنَاكَ حَالاَتٌ قَدْ يَحْدُثُ فِيهَا مَنْعُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الاِنْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ، ضَمِنَ لِلْمُوصَى لَهُ بَدَل الْمَنْفَعَةِ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَيَضْمَنُ نَتِيجَةَ تَعَدِّيهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، ضَمِنُوا لَهُ بَدَل الْمَنْفَعَةِ أَيْضًا، لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُمْ جَمِيعًا. وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ أَنْ يُطَالِبَ بِمُدَّةٍ أُخْرَى لِلاِنْتِفَاعِ بَعْدَ فَوَاتِ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ (165) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ فَوَّتَ الْمَنْفَعَةَ يَضْمَنُهَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِل وَلَمْ يَسْتَغِل (166) .
وَالأَْصْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ كُل حَقٍّ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ تَعَلَّقَ بِبَدَلِهَا إِذَا لَمْ يَبْطُل سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا، فَإِنْ قُتِل الْحَيَوَانُ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ يَشْتَرِي بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمُوصَى بِهِ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُحْتَمَل أَنْ تَجِبَ الْقِيمَةُ لِلْوَارِثِ أَوْ مَالِكِ الرَّقَبَةِ وَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّ الْقِيمَةَ بَدَل الرَّقَبَةِ فَتَكُونُ لِصَاحِبِهَا وَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ كَمَا تَبْطُل الإِْجَارَةُ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الأَْمَةَ الْمُوصَى بِنَفْعِهَا إِمَّا أَنْ يَقْتُلَهَا أَجْنَبِيٌّ فَقِيمَتُهَا غَيْرُ مَسْلُوبَةِ الْمَنَافِعِ لِلْوَرَثَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَهَا الْوَارِثُ فَقِيمَةُ مَنْفَعَتِهَا لِلْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَهَا الْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الأَْجْنَبِيِّ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا غَيْرَ مَسْلُوبَةِ الْمَنْفَعَةِ (167) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِمَنْفَعَةِ دَارٍ سَنَةً مَثَلاً ثُمَّ أَجَّرَهُ سَنَةً وَمَاتَ عَقِبَ الإِْجَارَةِ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِهَا لِلْمُوصَى لَهُ السَّنَةُ الأُْولَى الَّتِي تَلِي الْمَوْتَ وَقَدْ صَرَفَ الْمُوصِي مَنْفَعَةَ تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، فَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ فِي النِّصْفِ الأَْوَّل وَاسْتَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ الْمَنْفَعَةَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي.
وَلَوْ حَبَسَ الْوَارِثُ أَوْ غَيْرُهُ الْمَنْفَعَةَ السَّنَةَ بِلاَ عُذْرٍ غَرِمَ لِلْمُوصَى لَهُ أُجْرَةَ مِثْل الدَّارِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَيَشْمَل ذَلِكَ مَا لَوْ غُصِبَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ فَإِنَّ لِلْمُوصَى لَهُ أُجْرَةَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لأَِنَّهَا بَدَلٌ عَنِ الْمَنْفَعَةِ (168) .

نَفَقَةُ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا:
64 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا مِنْ نَفَقَاتٍ، تَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ لأَِنَّهُ صَاحِبُ الْفَائِدَةِ مِنْهَا، وَالْغُرْمُ بِالْغُنْمِ أَوِ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، فَلَهُ نَفْعُهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضُرُّهُ وَغُرْمُهُ.
وَإِذَا أَهْمَل صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ الْقِيَامَ بِمَا يَلْزَمُ لِبَقَاءِ الْعَيْنِ صَالِحَةً لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا، فَأَدَّاهَا صَاحِبُ الرَّقَبَةِ، كَانَ مَا دَفَعَهُ حَقًّا لَهُ فِي غَلَّةِ الْعَيْنِ، يَسْتَوْفِيهِ مِنْهَا قَبْل الْمُوصَى لَهُ.
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا كَأَرْضٍ بُورٍ، فَإِنَّ نَفَقَةَ إِصْلاَحِهَا وَنَوَائِبِهَا عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ (169) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا لِمُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ تَكُونُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ كَالْمَأْجُورِ تَكُونُ نَفَقَاتُهُ عَلَى الْمَالِكِ، وَكَذَا الْعَيْنُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا مُؤَبَّدًا تَكُونُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ فِي الأَْصَحِّ (170) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ: نَفَقَةُ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ مَذْهَبًا لأَِحْمَدَ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُؤُوسِ الْمَسَائِل (171) .

و الْوَصِيَّةُ بِالْحُقُوقِ:
65 - تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِحُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ الَّتِي تَنْتَقِل بِالإِْرْثِ، كَحَقِّ الشُّرْبِ وَالْمَسِيل وَالْمَجْرَى، وَالتَّعَلِّي، وَحَقِّ الْخُلُوِّ وَنَحْوِهَا (172) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (ارْتِفَاق ف 7 وَمَا بَعْدَهَا) .

ز - الْوَصِيَّةُ بِمَا يَتَضَمَّنُ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ:
66 - إِذَا أَوْصَى شَخْصٌ بِوَصِيَّةٍ تَتَضَمَّنُ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِكُل وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ شَائِعًا مِنْ نِصْفٍ أَوْ غَيْرِهِ كَأَنْ أَوْصَى لِكُلٍّ مِنْ بَنِيهِ الثَّلاَثَةِ بِثُلُثِ مَالِهِ فَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ لَغْوًا، لأَِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِغَيْرِ الْوَصِيَّةِ.
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِكُل وَارِثٍ بِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ كَأَنْ أَوْصَى لأَِحَدِ ابْنَيْهِ بِدَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ وَلِلآْخَرِ بِبُسْتَانٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ وَهُمَا كُل مَا يَمْلِكُهُ فَصَحِيحَةٌ وَلَكِنْ تَفْتَقِرُ إِلَى الإِْجَازَةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاِخْتِلاَفِ الأَْغْرَاضِ بِالأَْعْيَانِ وَمَنَافِعِهَا، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْحَنَابِلَةِ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، لأَِنَّ حُقُوقَهُمْ فِي قِيمَةِ التَّرِكَةِ لاَ فِي عَيْنِهَا (173) .

ثُبُوتُ مِلْكِيَّةِ الْمُوصَى بِهِ وَوَقْتُ الثُّبُوتِ:
67 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:
ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنَ لاَ يَمْلِكُ الْمُوصَى بِهِ إِلاَّ بِالْقَبُول بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَإِذَا قَبِل بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ مِنْ حِينِ الْقَبُول. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِل بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصَى وَقَبْل الْقَبُول كَالثَّمَرَةِ وَالنِّتَاجِ وَالْكَسْبِ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ إِذَا قَبِل الْوَصِيَّةَ يَمْلِكُ الْمُوصَى بِهِ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِل الْحَاصِل بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْمُوصَى بِهِ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى قَبُول الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ أَوْ رَدِّهَا.
فَإِنْ قَبِل الْمُوصَى لَهُ بَانَ أَنَّهُ مَلَكَ الْوَصِيَّةَ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَانَ أَنَّهَا لِلْوَارِثِ.
وَلَوْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَعَلَى الْقَوْل الأَْظْهَرِ لَهُ الثَّمَرَةُ وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الآْخَرَيْنِ لاَ ثَمَرَةَ لَهُ وَلاَ نَفَقَةَ عَلَيْهِ (174) . مَا يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ:
68 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ التَّبَرُّعَاتِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا الشَّخْصُ قَبْل مَوْتِهِ، وَمِنْهَا الْوَصَايَا، تَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِ الْمَال الْبَاقِي بَعْدَ أَدَاءِ نَفَقَاتِ التَّكْفِينِ وَالتَّجْهِيزِ، وَوَفَاءِ دُيُونِ الْعِبَادِ كَالدِّيَةِ وَالْقَرْضِ، لاَ مِنْ ثُلُثِ أَصْل الْمَال.
أَمَّا دُيُونُ اللَّهِ تَعَالَى كَنَفَقَةِ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ وَزَكَاةٍ وَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ، فَتُخْرَجُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ ثُلُثِ الْمَال فَقَطْ، وَتُؤَدَّى عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ رَأْسِ مَال التَّرِكَةِ، لاَ مِنَ الثُّلُثِ فَقَطْ (175) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِرْث ف 7 وَمَا بَعْدَهَا)

مُبْطِلاَتُ الْوَصِيَّةِ:
تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِمَا يَأْتِي:

أـ زَوَال أَهْلِيَّةِ الْمُوصِي بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ وَنَحْوِهِ:
69 - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ وَنَحْوِهِ كَالْعَتَهِ الطَّارِئِ عَلَى الْمُوصِي، سَوَاءٌ اتَّصَل بِالْمَوْتِ أَوْ لَمْ يَتَّصِل بِأَنْ أَفَاقَ قَبْل الْمَوْتِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ كَالْوَكَالَةِ، فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ الإِْنْشَاءِ كَالْوَكَالَةِ فَتُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْعَقْدِ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، كَمَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الآْمِرِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْمَجْنُونُ غَيْرَ أَهْلٍ لإِِنْشَاءِ الْوَصِيَّةِ فِي الاِبْتِدَاءِ؛ لأَِنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُلْزِمٍ، كَانَ طُرُوءُ الْجُنُونِ الْمُطْبِقِ مُبْطِلاً لَهُ.
وَالْجُنُونُ الْمُطْبِقُ: مَا دَامَ شَهْرًا فَأَكْثَرَ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: هُوَ مَا امْتَدَّ سَنَةً.
فَإِنْ لَمْ يُطْبِقِ الْجُنُونُ لاَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ؛ لأَِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُشْبِهُ الإِْغْمَاءَ، وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لاَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ، لأَِنَّ الإِْغْمَاءَ لاَ يُزِيل الْعَقْل.
وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ طُرُوءَ الْجُنُونِ الطَّارِئِ غَيْرِ الْمُمْتَدِّ عَلَى الْمُوصِي لاَ يُبْطِل الْوَصِيَّةَ.
قَال ابْنُ جُزَيٍّ: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنَ الْمَجْنُونِ إِلاَّ حَال إِفَاقَتِهِ.
وَقَال الْبُهُوتِيُّ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ فِي إِفَاقَةِ مَنْ يُخْنَقُ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ، لأَِنَّهُ فِي إِفَاقَتِهِ عَاقِلٌ (176) . وَقَال ابْنُ النَّجَّارِ بَعْدَ أَنْ أَوْضَحَ أَنَّ الْمُبَرْسَمَ لاَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانًا فَأَوْصَى حَال إِفَاقَتِهِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ فِي حُكْمِ الْعُقَلاَءِ فِي شَهَادَتِهِ وَوُجُوبِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ (177) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ طُرُوءَ الْجُنُونِ عَلَى الْمُوصِي لاَ يُبْطِل الْوَصِيَّةَ، لأَِنَّهَا إِذَا لَمْ تَبْطُل بِالْمَوْتِ فَأَوْلَى أَنْ لاَ تَبْطُل بِمَا دُونَهُ (178) .

ب ـ رِدَّةُ الْمُوصِي:
70 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْمُوصِي.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا رَجَعَ لِلإِْسْلاَمِ بَعْدَ رِدَّتِهِ إِنْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً جَازَتْ وَإِلاَّ فَلاَ (179) .

ج ـ رِدَّةُ الْمُوصَى لَهُ:
71 - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْمُوصَى لَهُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْمُوصَى لَهُ (180) .

د ـ الرُّجُوعُ عَنِ الْوَصِيَّةِ:
72 - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِالرُّجُوعِ عَنْهَا، لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، فَيَجُوزُ لِلْمُوصِي الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ؛ لأَِنَّ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ الإِْيجَابُ فَقَطْ، وَلأَِنَّهَا عَقْدٌ لاَ يَثْبُتُ حُكْمُهُ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْيجَابِ أَيُّ حَقٍّ لِلْمُوصَى لَهُ قَبْل ذَلِكَ، فَيَكُونُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الإِْمْضَاءِ وَالرُّجُوعِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " يُغَيِّرُ الرَّجُل مَا شَاءَ مِنْ وَصِيَّتِهِ ". وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَقَال الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالنَّخَعِيُّ: يُغَيِّرُ مِنْهَا مَا شَاءَ إِلاَّ الْعِتْقَ لأَِنَّهُ إِعْتَاقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ كَالتَّدْبِيرِ (181) . وَالرُّجُوعُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً.
فَالرُّجُوعُ الصَّرِيحُ: مَا كَانَ بِلَفْظٍ هُوَ نَصٌّ فِي الرُّجُوعِ، مِثْل قَوْل الْمُوصِي: رَجَعْتُ عَنْ وَصِيَّتِي لِفُلاَنٍ، أَوْ تَرَكْتُهَا، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ نَقَضْتُهَا، أَوْ مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلاَنٍ هُوَ لِوَرَثَتِي وَنَحْوُهُ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عُدُول الْمُوصِي عَنْ وَصِيَّتِهِ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْعُدُول مَتَى شَاءَ (182) .
وَالرُّجُوعُ دَلاَلَةً: كُل تَصَرُّفٍ أَوْ فِعْلٍ فِي الْمُوصَى بِهِ يُفِيدُ رُجُوعَهُ عَنِ الْوَصِيَّةِ، وَهُوَ يَشْمَل مَا يَأْتِي:
أَوَّلاً: كُل تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ يُخْرِجُ الْعَيْنَ عَنْ مِلْكِ الْمُوصِي يُعَدُّ رُجُوعًا، كَأَنْ يَبِيعَ الشَّيْءَ الْمُوصَى بِهِ أَوْ يَهَبَهُ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ يَجْعَلَهُ مَهْرًا أَوْ وَقْفًا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ثَانِيًا: كُل فِعْلٍ فِي الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا يَدُل عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ، كَذَبْحِ الشَّاةِ الْمُوصَى بِهَا، وَغَزْل الْقُطْنِ الْمُوصَى بِهِ، وَنَسْجِ الْغَزْل (183) .
أَمَّا لَوْ تَصَرَّفَ الْمُوصِي فِي الْمُوصَى بِهِ تَصَرُّفًا يُزِيل اسْمَهُ فَيُعَدُّ رُجُوعًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
كَمَا لَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ بِهَذِهِ الْغِرَارَةِ الْحِنْطَةِ فَطَحَنَهَا فَصَارَ اسْمُهَا دَقِيقًا، أَوْ وَصَّى لإِِنْسَانٍ بِشَيْءٍ مِنْ غَزْلٍ فَنَسَجَ الْغَزَل فَصَارَ يُسَمَّى ثَوْبًا، أَوْ بَنَى الْحَجَرَ أَوِ الآْجُرَّ الْمُوصَى بِهِ فَصَارَ حَائِطًا أَوْ دَارًا، أَوْ غَرَسَ نَوًى مُوصًى بِهِ فَصَارَ شَجَرًا، أَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ الْمُوصَى بِهَا فَصَارَتْ بَابًا، أَوْ أَعَادَ دَارًا انْهَدَمَتْ، أَوْ جَعَلَهَا حَمَّامًا، أَوْ كَانَ سَفِينَةً فَتَكَسَّرَتْ وَصَارَ اسْمُهَا خَشَبًا فَرُجُوعٌ فِي الْجَمِيعِ (184) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي مَعْرِضِ الْكَلاَمِ عَنِ الرُّجُوعِ دَلاَلَةً: كُل فِعْلٍ لَوْ فَعَلَهُ الإِْنْسَانُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ، فَإِذَا فَعَلَهُ الْمُوصِي كَانَ رُجُوعًا، وَكَذَا كُل فِعْلٍ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي الْمُوصَى بِهِ لاَ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إِلاَّ بِهَا فَهُوَ رُجُوعٌ إِذَا فَعَلَهُ، وَكَذَا كُل تَصَرُّفٍ أَوْجَبَ زَوَال مِلْكِ الْمُوصِي فَهُوَ رُجُوعٌ (185) .

هـ - رَدُّ الْوَصِيَّةِ:
73 - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ إِذَا رَدَّهَا الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ صِيغَةِ الْوَصِيَّةِ (ر: ف 9 ـ 11) .

وـ مَوْتُ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي:
74 - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَلْزَمُ إِلاَّ بِوَفَاةِ الْمُوصِي وَقَبُول الْمُوصَى لَهُ.
وَكَذَلِكَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي قَبْل الْقَبُول. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ تَبْطُل؛ لأَِنَّ الْقَبُول مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الرَّدِّ.
(ر: ف 9)

ز ـ قَتْل الْمُوصَى لَهُ الْمُوصِيَ:
75 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ بِقَتْل الْمُوصَى لَهُ الْمُوصِيَ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى بُطْلاَنِهَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى عَدَمِ الْبُطْلاَنِ وَذَلِكَ عَلَى تَفْصِيلٍ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي شُرُوطِ الْمُوصَى لَهُ.
(ر: ف 37)

ح ـ هَلاَكُ الْمُوصَى بِهِ الْمُعَيَّنِ أَوِ اسْتِحْقَاقُهُ:
76 - تَبْطُل الْوَصِيَّةُ إِذَا كَانَ الْمُوصَى بِهِ مُعَيَّنًا بِالذَّاتِ، وَهَلَكَ قَبْل قَبُول الْمُوصَى لَهُ؛ لِفَوَاتِ مَحَل حُكْمِ الْوَصِيَّةِ، وَيَسْتَحِيل ثُبُوتُ حُكْمِ التَّصَرُّفِ أَوْ بَقَاؤُهُ بِدُونِ وُجُودِ مَحَلِّهِ أَوْ بَقَائِهِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِهَذِهِ الشَّاةِ، فَهَلَكَتْ، تَبْطُل الْوَصِيَّةُ؛ لأََنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ قَائِمَةٍ وَقْتَ الإِْيصَاءِ، وَقَدْ فَاتَتْ بَعْدَئِذٍ، فَفَاتَ مَحَل الْوَصِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ إِذَا كَانَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ فِي شَيْءٍ بِذَاتِهِ أَوْ مِنْ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ أَمْوَالِهِ، كَأَنْ يُوصِيَ بِنِصْفِ هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ يُوصِيَ بِفَرَسٍ مِنْ أَفْرَاسِهِ الْعَشَرَةِ الْمَعْلُومَةِ، فَهَلَكَتْ، أَوْ بِنِصْفِ دُورِهِ فَهُدِمَتْ، فَلاَ شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ، لِفَوَاتِ مَحَل الْوَصِيَّةِ.
وَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ أَيْضًا بِاسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الاِسْتِحْقَاقُ قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي أَمْ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ بِالاِسْتِحْقَاقِ تَبَيَّنَ أَنَّالْوَصِيَّةَ كَانَتْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، فَتَبْطُل (186) .
(ر: اسْتِحْقَاق ف 32)

ط ـ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ:
77 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ عَلَى تَفْصِيلٍ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوصَى لَهُ.
(ر: ف 35 - 36)

الْمُحَاصَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ:
78 - الأَْصْل فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ بِأَزْيَدَ مِنْ ثُلُثِ الْمَال إِنْ كَانَ هُنَاكَ وَارِثٌ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِأَزْيَدَ مِنْ ثُلُثِ الْمَال فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ تَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوا جَازَتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا بَطَلَتْ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ (187) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا تَزِيدُ عَلَى ثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ وَكَانَ الثُّلُثُ يَضِيقُ بِالْوَصَايَا فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُمْ يَتَحَاصُّونَ فِي مِقْدَارِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ بِنِسْبَةِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ فَيَدْخُل النَّقْصُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، فَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِالسُّدُسِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا أَثْلاَثًا فَيَقْتَسِمَانِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا كَمَا فِي أَصْحَابِ الدُّيُونِ الَّذِينَ يَتَحَاصُّونَ مَال الْمُفْلِسِ، وَهَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ (188) .
إِلاَّ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ تَفْصِيلاً بَيَانُهُ كَمَا يَلِي:
79 - قَال الْحَنَفِيَّةُ إِذَا اجْتَمَعَ الْوَصَايَا فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْعِبَادِ أَوْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ اعْتِبَارَ التَّقْدِيمِ مُخْتَصٌّ بِحُقُوقِهِ تَعَالَى لِكَوْنِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَاحِدًا، وَأَمَّا إِذَا تَعَدَّدَ فَلاَ يُعْتَبَرُ.
فَمَا لِلْعِبَادِ خَاصَّةً لاَ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّقْدِيمُ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لإِِنْسَانٍ ثُمَّ بِهِ لآِخَرَ إِلاَّ أَنْ يَنُصَّ عَلَى التَّقْدِيمِ، أَوْ يَكُونَ الْبَعْضُ عِتْقًا أَوْ مُحَابَاةً. وَمَا لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ كُلُّهُ فَرَائِضَ كَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ أَوْ وَاجِبَاتٍ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ أَوْ تَطَوُّعَاتٍ كَالْحَجِّ التَّطَوُّعِ وَالصَّدَقَةِ لِلْفُقَرَاءِ يَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ.
وَإِنِ اخْتَلَطَتْ يَبْدَأْ بِالْفَرَائِضِ قَدَّمَهَا الْمُوصِي أَوْ أَخَّرَهَا، ثُمَّ بِالْوَاجِبَاتِ وَمَا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ حَقِّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْعِبَادِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ الثُّلُثَ عَلَى جَمِيعِهَا وَيَجْعَل كُل جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْقُرَبِ مُفْرَدَةً بِالضَّرْبِ وَلاَ يَجْعَل كُلَّهَا جِهَةً وَاحِدَةً، لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِجَمِيعِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُل وَاحِدَةٍ مِنْهَا فِي نَفْسِهَا مَقْصُودَةٌ فَتَنْفَرِدُ كَوَصَايَا الآْدَمِيِّينَ ثُمَّ تُجْمَعُ فَيُقَدَّمُ فِيهَا الأَْهَمُّ فَالأَْهَمُّ. فَلَوْ قَال: ثُلُثُ مَالِي فِي الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَلِزَيْدٍ وَالْكَفَّارَاتِ قُسِّمَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ وَلاَ يُقَدَّمُ الْفَرْضُ عَلَى حَقِّ الآْدَمِيِّ لِحَاجَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الآْدَمِيُّ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِأَنْ أَوْصَى بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَلاَ يُقَسَّمُ بَل يُقَدَّمُ الأَْقْوَى فَالأَْقْوَى لأَِنَّ الْكُل يَبْقَى حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَصِيَّةِ عِتْقٌ مُنْفَذٌ فِي الْمَرَضِ، أَوْ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ كَالتَّدْبِيرِ وَلاَ مُحَابَاةٌ مُنْجَزَةٌ فِي الْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ بُدِئَ بِهِمَا ثُمَّ يُصْرَفُ الْبَاقِي إِلَى سَائِرِ الْوَصَايَا، وَإِنْ تَسَاوَتْقُوَّةً قُدِّمَ مَا قَدَّمَ إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا (189) .
وَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْوَصَايَا أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُمْ يَتَحَاصُّونَ فِي ثُلُثِ التَّرِكَةِ فَيَأْخُذُ كُل وَاحِدٍ بِنِسْبَةِ وَصِيَّتِهِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُوصَى لَهُمْ لاَ تَزِيدُ عَلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا لَمْ تَزِدْ كُل وَاحِدَةٍ مِنَ الْوَصَايَا عَلَى الثُّلُثِ كَثُلُثٍ لِوَاحِدٍ وَسُدُسٍ لآِخَرَ وَرُبُعٍ لآِخَرَ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ فِي الثُّلُثِ وَلاَ يُقَسَّمُ الثُّلُثُ سَوِيَّةً بَيْنَهُمُ اتِّفَاقًا مَا لَمْ يَسْتَوِيَا فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ كَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِزَيْدٍ وَلآِخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ اتِّفَاقًا (190) .
قَال فِي الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا: لأَِنَّهُ يَضِيقُ الثُّلُثُ عَنْ حَقِّهِمَا إِذْ لاَ يُزَادُ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ وَقَدْ تَسَاوَيَا فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الاِسْتِحْقَاقِ، وَالْمَحَل يَقْبَل الشَّرِكَةَ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا (191) .
وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لأَِحَدِ الْمُوصَى لَهُمْ أَزْيَدَ مِنَ الثُّلُثِ كَمَنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلِلآْخَرِ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الْمُوصَى لَهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لاَ يَضْرِبُ فِي الثُّلُثِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ إِلاَّ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل الْمُسْتَثْنَاةِ، فَفِي هَذَا الْمِثَال ـ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الْمَال لِرَجُلٍ وَبِثُلُثِهِ لِرَجُلٍ آخَرَ مَعَ عَدَمِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ـ يَكُونُ ثُلُثُ التَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لأَِنَّ الْمُوصِيَ قَصَدَ شَيْئَيْنِ: الاِسْتِحْقَاقَ عَلَى الْوَرَثَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَتَفْضِيل بَعْضِ أَهْل الْوَصَايَا عَلَى بَعْضٍ، وَالثَّانِي ـ وَهُوَ التَّفْضِيل ـ ثَبَتَ فِي ضِمْنِ الأَْوَّل، وَلَمَّا بَطَل الأَْوَّل وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَعَدَمِ إِجَازَتِهِمْ بَطَل مَا فِي ضِمْنِهِ وَهُوَ التَّفْضِيل، فَصَارَ كَأَنَّهُ أَوْصَى لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالثُّلُثِ فَيُنَصَّفُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَتَحَاصُّ الْمُوصَى لَهُمْ فِي الثُّلُثِ بِنِسْبَةِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ فَيَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالْكُل ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ سَهْمٌ، لأَِنَّ الْبَاطِل هُوَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَهُوَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ قَصَدَهُمَا الْمُوصِي وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ، وَهَذَا قَدْ بَطَل لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، وَأَمَّا الشَّيْءُ الآْخَرُ وَهُوَ قَصْدُ الْمُوصِي تَفْضِيلأَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ فَلاَ مَانِعَ مِنْهُ فَقَدْ جُعِل الْمُوصَى لِصَاحِبِ الْكُل ـ وَهُوَ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ ـ ثَلاَثَةَ أَمْثَال مَا جَعَلَهُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ فَيَأْخُذُ مِنْ ثُلُثِ الْمَال بِحِصَّةِ ذَلِكَ الزَّائِدِ بِأَنْ يُقَسَّمَ أَرْبَاعًا، ثَلاَثَةٌ مِنْهَا لِصَاحِبِ الْكُل وَوَاحِدٌ لِلآْخَرِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالصَّحِيحُ قَوْل الإِْمَامِ كَمَا فِي تَصْحِيحِ الْعَلاَّمَةِ قَاسِمٍ وَالدُّرِّ الْمُنْتَقَى عَنِ الْمُضْمَرَاتِ وَغَيْرِهِ (192) .
80 - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مِنَ الْوَصَايَا مَا يُقَدَّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا كَفَكِّ الأَْسِيرِ، ثُمَّ الْمُدَبَّرِ فِي الصِّحَّةِ، ثُمَّ زَكَاةِ مَالٍ أَوْصَى بِهَا، ثُمَّ زَكَاةِ فِطْرٍ، ثُمَّ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ، ثُمَّ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ثُمَّ النَّذْرِ الَّذِي لَزِمَهُ. . ثُمَّ ذَكَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُعْتَبَرُ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ثُمَّ أَوْصَى بِالْحَجِّ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْحَجُّ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِي الثُّلُثِ وَلاَ يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ (193) . جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ وَأَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ رَقَبَةٌ قَال: قَال لِي مَالِكٌ: الرَّقَبَةُ مُبْدَأَةٌ عَلَى الْحَجِّ لأَِنَّ الْحَجَّ لَيْسَ عِنْدَنَا أَمْرًا مَعْمُولاً بِهِ، وَقَدْ قَال أَيْضًا: أَنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ، وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالٍ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ رَقَبَةٍ تَحَاصَّا، وَإِذَا أَوْصَى بِمَالٍ وَأَوْصَى بِالْحَجِّ تَحَاصَّا (194) .
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْوَصَايَا الَّتِي لاَ تَبْدِئَةَ فِيهَا وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا فَإِنَّ أَهْل الْوَصَايَا يَتَحَاصُّونَ فِيهَا، جَاءَ فِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ أَيْ لَمْ يَسَعْ جَمِيعَ مَا أَوْصَى بِهِ تَحَاصَّ أَهْل الْوَصَايَا الَّتِي لاَ تَبْدِئَةَ فِيهَا كَمَا يَتَحَاصُّ غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ فِي الْمَال الَّذِي يَتَحَصَّل مِنْ أَثْمَانِ مَا بِيعَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِنِسْبَةِ دُيُونِهِمْ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ، وَالْوَصَايَا الَّتِي لاَ تَبْدِئَةَ فِيهَا هِيَ الَّتِي لَمْ يُرَتِّبْهَا الْمُوصِي وَلاَ الشَّارِعُ كَأَنْ يُوصِيَ لِشَخْصٍ بِنِصْفِ مَالِهِ مَثَلاً، وَلآِخَرَ بِثُلُثِهِ فَإِنْ لَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ الزَّائِدَ عَلَى الثُّلُثِ اقْتَسَمَا الثُّلُثَ عَلَى النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، وَمَقَامُهُمَا مِنْ سِتَّةٍ: لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلاَثَةٌ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ، وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَهِيَ الْمُحَاصَّةُ فَاجْعَلْهَا ثُلُثَ الْمَال يَكُونُ الْمَال خَمْسَةَ عَشَرَ: خَمْسَةٌ لِلْمُوصَى لَهُمْ، الْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ لَهُ ثَلاَثَةٌ، وَالْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ اثْنَانِ، وَتَبْقَى عَشَرَةٌ لأَِهْل الْفَرِيضَةِ.
وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِرُبُعِهِ فَإِنَّكَ تَأْخُذُ مَقَامَ النِّصْفِ وَمَقَامَ الرُّبُعِ وَتَنْظُرُ بَيْنَهُمَا فَتَجِدُهُمَا مُتَدَاخِلَيْنِ فَتَكْتَفِي بِالأَْرْبَعَةِ فَتَأْخُذُ نِصْفَهَا وَرُبُعَهَا، يَكُونُ الْمَجْمُوعُ ثَلاَثَةً تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَسْهُمٍ، لِصَاحِبِ الرُّبُعِ: سَهْمٌ، وَلِلآْخَرِ سَهْمَانِ.
وَإِنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِرُبُعِهِ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةٌ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ، وَحِسَابُ هَذَا عَلَى حِسَابِ عَوْل الْفَرَائِضِ سَوَاءٌ (195) .
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ التَّحَاصُصُ الْوَصِيَّةَ لِمَجْهُولٍ وَاحِدٍ أَوْ مُتَعَدِّدٍ مَعَ وَصِيَّةٍ لِمَعْلُومٍ كَمَنْ أَوْصَى بِوَقِيدِ مِصْبَاحٍ عَلَى الدَّوَامِ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ مَثَلاً بِدِرْهَمٍ كُل لَيْلَةٍ وَشِرَاءِ خُبْزٍ يُفَرَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ كُل يَوْمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَتَسْبِيل مَاءٍ عَلَى الدَّوَامِ بِدِرْهَمَيْنِ مَعَ الْوَصِيَّةِ لِمَعْلُومٍ كَالْوَصِيَّةِ لِزَيْدٍ بِكَذَا وَلِعَمْرٍو بِكَذَا فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُضْرَبُ لِلْمَجْهُول بِالثُّلُثِ أَيْ ثُلُثِ الْمَال أَيْ يُجْعَل الثُّلُثُ فَرِيضَةً ثُمَّ يُضَمُّ إِلَيْهَا مَا أَوْصَى بِهِ لِلْمَعْلُومِ وَهُوَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَيُجْعَل بِمَنْزِلَةِ فَرِيضَةٍ عَالَتْ، فَإِذَا كَانَ ثُلُثُ الْمَال ثَلاَثَمِائَةٍ جُعِل كُلُّهُ لِلْمَجْهُول ثُمَّ يُضَافُ إِلَيْهِ الْمَعْلُومُ، فَإِذَا كَانَ الْمَعْلُومُ مَثَلاً ثَلاَثَمِائَةٍ فَكَأَنَّهَا عَالَتْ بِمِثْلِهَا فَيُعْطَى الْمَعْلُومُ فَأَكْثَرُ نِصْفَ الثَّلاَثِمِائَةِ وَيَبْقَى نِصْفُهَا لِلْمَجْهُول، وَلَوْ كَانَ الْمَعْلُومُ مِائَةً زِيدَتْ عَلَى الثَّلاَثِمِائَةِ فَكَأَنَّمَا عَالَتْ بِمِثْل رُبُعِهَا فَيُعْطَى الْمَعْلُومُ رُبُعَ الثَّلاَثِمِائَةِ وَيَبْقَى الْبَاقِي لِلْمَجْهُول.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَقْسِيمِ مَا حَصَل لِلْمَجْهُول هَل يُقَسَّمُ بِالْحِصَصِ أَوْ بِالتَّسَاوِي؟ قَوْلاَنِ (196) .
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَال مَالِكٌ: إِذَا أَوْصَى رَجُلٌ فَقَال: أَوْقِدُوا فِي هَذَا الْمَسْجِدِ مِصْبَاحًا أَقِيمُوهُ لَهُ، وَأَوْصَى مَعَ ذَلِكَ بِوَصَايَا فَإِنَّهُ يُنْظَرُ كَمْ قِيمَةُ ثُلُثِ الْمَيِّتِ وَإِلَى مَا أَوْصَى بِهِ مِنَ الْوَصَايَا ثُمَّ يَتَحَاصُّونَ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ، يُحَاصُّ لِلْمَسْجِدِ بِقِيمَةِ الثُّلُثِ، وَلِلْوَصَايَا بِمَا سَمَّى لَهُمْ فِي الثُّلُثِ، فَمَا صَارَ لِلْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُحَاصَّةِ أُوقِفَ لَهُ فَيُسْتَصْبَحُ بِهِ فِيهِ حَتَّى يُنْجَزَ.
وَقَال سَحْنُونٌ: إِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِشَيْءٍ لَهُ غَايَةٌ وَلاَ أَمَدَ مِثْل أَنْ يَقُول: أَعْطُوا الْمَسَاكِينَ كُل يَوْمٍ خُبْزَةً، أَوْ قَال: اسْقُوا كُل يَوْمٍ رَاوِيَةَ مَاءٍ فِي السَّبِيل، فَهَذَا كَأَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَإِنَّمَا يُحَاصُّ لِهَذَا بِالثُّلُثِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى مَعَ هَذَا بِوَصَايَا، قَال سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ كُل مَا كَانَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَجَلٍ مِثْل أَنْ يَقُول: أَعْطُوا الْمَسَاكِينَ دِرْهَمًا كُل يَوْمٍ أَوْ كُل شَهْرٍ وَلَمْ يُؤَجِّل فَإِنَّهُمْ يُضْرَبُ لَهُمْ بِالثُّلُثِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى مَعَهُمْ بِوَصَايَا (197) .
وَمِمَّا يَقَعُ فِيهِ التَّحَاصُصُ أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ النَّذْرُ وَمُبْتَل الْمَرِيضِ إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ حَمْلِهَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْل. فَإِنَّهُمَا لاَ تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا وَلَكِنْ لاَ يَتَحَاصَّانِ وَإِنَّمَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ لاَ تَتَبَعَّضُ (198) .
81 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْوَصِيَّةِ تَبَرُّعَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ، وَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِتَبَرُّعَاتٍ غَيْرِ الْعِتْقِ فَإِنَّ الثُّلُثَ يُقَسَّطُ عَلَى جَمِيعِ التَّبَرُّعَاتِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ أَوِ الْمِقْدَارِ كَمَا تُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَيْنَ أَرْبَابِ الدُّيُونِ، فَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ وَلِبَكْرٍ بِخَمْسِينَ، وَلِعَمْرٍو بِخَمْسِينَ، وَثُلُثُ مَالِهِ مِائَةٌ، أَعْطَى الأَْوَّل خَمْسِينَ، وَكُلًّا مِنَ الآْخَرَيْنِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَلاَ يُقَدَّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالسَّبْقِ لأَِنَّ الْوَصَايَا إِنَّمَا تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ فَاسْتَوَى فِيهِ حُكْمُ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ.
وَقَاسَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْعَوْل فِي الْفَرَائِضِ، وَهَذَا عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، فَلَوْ رَتَّبَ كَأَنْ قَال: أَعْطُوا زَيْدًا مِائَةً ثُمَّ عَمْرًا مِائَةً جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ تَرْتِيبِهِ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ عِتْقٌ مَعَ تَبَرُّعَاتٍ أُخْرَى فِي الْوَصِيَّةِ، كَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ فَإِنَّ الثُّلُثَ يُقَسَّطُ عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ لِلْعَتِيقِ لاِتِّحَادِ وَقْتِ الاِسْتِحْقَاقِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً وَالثُّلُثُ مِائَةً عُتِقَ نِصْفُهُ، وَأُعْطِيَ لِزَيْدٍ خَمْسُونَ، وَفِي قَوْلٍ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ لِقُوَّتِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الآْدَمِيِّ (199) .
وَإِنْ وَكَّل الْمُوصِي وَكِيلاً فِي هِبَةٍ وَوَكَّل آخَرَ فِي بَيْعٍ بِمُحَابَاةٍ وَوَكَّل آخَرَ فِي صَدَقَةٍ، وَتَصَرَّفَ الْوُكَلاَءُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، قُسِّطَ الثُّلُثُ عَلَى الْكُل بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا يُفْعَل فِي الدُّيُونِ.
وَإِنْ كَانَ فِي تَصَرُّفِ الْوُكَلاَءِ عِتْقٌ قُسِّطَ الثُّلُثُ عَلَيْهَا أَيْضًا، وَفِي قَوْلٍ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ (200) .
وَقَالُوا: إِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ فِي الْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ التَّبَرُّعَاتُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ نُظِرَتْ: فَإِنْ كَانَتْ فِي هِبَاتٍ أَوْ مُحَابَاةٍ قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي اللُّزُومِ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاضِلَةَ الْمِقْدَارِ قُسِّمَ الثُّلُثُ عَلَيْهَا عَلَى التَّفَاضُل، وَإِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً قُسِّمَ بَيْنَهَا عَلَى التَّسَاوِي كَمَا يُفْعَل فِي الدُّيُونِ، وَإِنْ كَانَ عِتْقًا فِي عَبِيدٍ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.
وَإِنْ وَقَعَتِ التَّبَرُّعَاتُ مُتَفَرِّقَةً قُدِّمَ الأَْوَّل فَالأَْوَّل، عِتْقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لأَِنَّ الأَْوَّل سَبَقَ فَاسْتُحِقَّ بِهِ الثُّلُثُ فَلَمْ يَجُزْ إِسْقَاطُهُ بِمَا بَعْدَهُ.
وَإِنْ كَانَتِ التَّبَرُّعَاتُ وَصَايَا وَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا لَمْ يُقَدَّمْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالسَّبْقِ لأَِنَّ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ يَلْزَمُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَهُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ (201) .
82 - وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ: مَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا وَتَجَاوَزَتِ الْوَصَايَا الثُّلُثَ وَرَدَّ الْوَرَثَةُ الزِّيَادَةَ فَإِنَّ الثُّلُثَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ، وَيَدْخُل النَّقْصُ عَلَى كُل وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنَ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةُ بَعْضِهِمْ عِتْقًا، لأَِنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الأَْصْل وَتَفَاوَتُوا فِي الْمِقْدَارِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، فَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِمِائَةٍ وَلآِخَرَ بِمُعَيَّنٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ وَوَصَّى بِفِدَاءِ أَسِيرٍ بِثَلاَثِينَ وَلِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ بِعِشْرِينَ وَثُلُثُ مَالِهِ مِائَةٌ، جَمَعْتَ الْوَصَايَا كُلَّهَا فَوَجَدْتَهَا ثَلاَثَمِائَةٍ وَنَسَبْتَ مِنْهَا الثُّلُثَ فَتَجِدُهُ ثُلُثَهَا فَتُعْطِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَ وَصِيَّتِهِ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ الْمِائَةُ وَكَذَلِكَ لِصَاحِبِ الْمِائَةِ وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْخَمْسِينَ إِلَى ثُلُثِهَا، وَلِفِدَاءِ الأَْسِيرِ عَشَرَةٌ وَلِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ (202) .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إِذَا اشْتَمَلَتِ الْوَصَايَا عَلَى عِتْقٍ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ، يُبْدَأُ بِهِ وَلَوِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَبِهِ يَقُول شُرَيْحٌ وَمَسْرُوقٌ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ، لأَِنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَقًّا لآِدَمِيٍّ فَكَانَ آكَدَ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَلْحَقُهُ فَسْخٌ وَيَلْحَقُ غَيْرَهُ ذَلِكَ (203) .

كِتَابَةُ الْوَصِيَّةِ وَالإِْشْهَادُ عَلَيْهَا:
83 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ إِذَا أَوْصَى أَنْ يَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ " (204) وَفِي لَفْظٍ: " يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ". (205) وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُوصِي أَنْ يَبْدَأَهَا بِالْبَسْمَلَةِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَمْدِ وَنَحْوِهِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ الشَّهَادَتَيْنِ كِتَابَةً أَوْ نُطْقًا، ثُمَّ الإِْشْهَادِ عَلَى الْوَصِيَّةِ، لأَِجْل صِحَّتِهَا وَنَفَاذِهَا، وَمَنْعًا مِنَ احْتِمَال جُحُودِهَا وَإِنْكَارِهَا (206) .
رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلاَنٌ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، أَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ (207) : ( {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ) (208) . طُرُقُ إِثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ:
86 - تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ بِطُرُقِ الإِْثْبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالشَّهَادَةِ وَالْكِتَابَةِ:
أَمَّا الْكِتَابَةُ: فَمُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا كَانَتْ مُسْتَبِينَةً مَرْسُومَةً، أَيْ مُسْطَرَةً عَلَى وَرَقٍ وَنَحْوِهِ، وَمُعَنْوَنَةً أَيْ مُصَدَّرَةً بِالْعُنْوَانِ: وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ: مِنْ فُلاَنٍ إِلَى فُلاَنٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَبِينَةً، كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ وَالرَّقْمِ عَلَى الْمَاءِ فَلاَ تُعْتَبَرُ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَبِينَةً غَيْرَ مَرْسُومَةٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ وَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ، فَهِيَ كِنَايَةٌ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ، وَلَكِنْ لاَ يُقْضَى بِالْخَطِّ الْمُجَرَّدِ عِنْدَهُمْ إِلاَّ فِي مَسَائِل: كِتَابِ أَهْل الْحَرْبِ بِطَلَبِ الأَْمَانِ إِلَى الإِْمَامِ، وَدَفْتَرِ السِّمْسَارِ وَالصَّرَّافِ وَالْبَيَّاعِ (209) .
وَتَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالْكِتَابَةِ، بِأَنْ نَوَى بِالْمَكْتُوبِ الْوَصِيَّةَ، وَأَعْرَبَ بِالنِّيَّةِ نُطْقًا، أَوْ أَقَرَّ بِهَا وَرَثَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَلاَ تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ بِالْخَطِّ الْمُجَرَّدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلاَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لإِِمْكَانِ التَّزْوِيرِ وَتَشَابُهِ الْخُطُوطِ.
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى كِتَابِ الْوَصِيَّةِ: فَتَكُونُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ عَلَى الشُّهُودِ، فَيَسْمَعُ الشُّهُودُ مِنَ الْمُوصِي مَضْمُونَهُ، أَوْ تُقْرَأُ عَلَيْهِ فَيُقِرُّ بِمَا فِيهَا؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لاَ يَجُوزُ بِرُؤْيَةِ خَطِّ الشَّاهِدِ بِالشَّهَادَةِ بِالإِْجْمَاعِ (210) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ إِنْ كَانَتْ بِخَطِّ الْمُوصِي مَعَ الإِْشْهَادِ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا عَلَى الشُّهُودِ وَلَمْ يَفْتَحْ كِتَابَ الْوَصِيَّةِ، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ حَيْثُ أَشْهَدَ بِقَوْلِهِ لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا بِمَا فِي هَذِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا مَحْوٌ، حَتَّى وَلَوْ بَقِيَ كِتَابُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمُوصِي، وَلَمْ يُخْرِجْهُ حَتَّى مَاتَ.
فَإِنْ ثَبَتَ لَدَى الْقَاضِي أَنَّ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْوَرَقَةُ بِخَطِّ الْمُوصِي، أَوْ قَرَأَهَا عَلَى الشُّهُودِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُشْهَدِ الْمُوصِي عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي الصُّورَتَيْنِ، بِأَنْ لَمْ يَقُل: اشْهَدُوا عَلَى وَصِيَّتِي، أَوْ لَمْ يَقِل: نَفِّذُوهَا، لَمْ تُنَفَّذْ بَعْدَ مَوْتِهِ، لاِحْتِمَال رُجُوعِهِ عَنْهَا، فَإِنْ قَال الْمُوصِي لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا، أَوْ قَال: أَنْفِذُوهَا، نُفِّذَتْ. وَقَال عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ التَّسَوُّلِيُّ الْمَالِكِيُّ: إِنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْوَصِيَّةِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، وَالإِْشْهَادُ إِمَّا كِتَابِيٌّ أَوْ شَفَوِيٌّ (211) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الرَّاجِحِ: مَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا، حُكِمَ بِهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا، فَتَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ، وَيُقْبَل مَا فِيهَا بِالْخَطِّ الثَّابِتِ أَنَّهُ خَطُّ الْمُوصِي بِإِقْرَارِ وَرَثَتِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ تُعَرِّفُ خَطَّهُ تَشْهَدُ أَنَّهُ خَطُّهُ وَإِنْ طَال الزَّمَنُ، أَوْ تَغَيَّرَ حَال الْمُوصِي، أَوْ بِأَنْ عُرِفَ خَطُّهُ وَكَانَ مَشْهُورَ الْخَطِّ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلاَثَ لَيَالٍ، إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ " (212) ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْكِتَابَةِ، فَدَل عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِهَا، وَ " لأَِنَّهُ ﷺ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ وَغَيْرِهِمْ " مُلْزِمًا الْعَمَل بِتِلْكَ الْكِتَابَةِ، وَكَذَلِكَ فَعَل الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلأَِنَّ الْكِتَابَةَ تُنْبِئُ عَنِ الْمَقْصُودِ، فَهِيَ كَاللَّفْظِ.
وَإِنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ، وَقَال: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ، أَوْ قَال: هَذِهِ وَصِيَّتِي فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَا، لاَ تَثْبُتُ حَتَّى يَسْمَعُوا مِنْهُ مَا فِيهِ، أَوْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ فَيُقِرَّ بِمَا فِيهِ. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (213) .
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَإِذَا أَرَدْتَ كِتَابَةَ الْوَصِيَّةِ فَالْوَجْهُ فِيهِ كِتَابَةُ كِتَابٍ كَتَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ تَعَالَى حِينَ اسْتُكْتِبَ فَأَمْلاَهُ عَلَى السَّائِل عَلَى الْبَدِيهَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنَ الذُّل وَهُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَال، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ ﷺ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ فِي الْقُبُورِ مُبْتَهِلاً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ مُتَضَرِّعًا أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ نِعْمَتَهُ وَأَنْ لاَ يَسْلُبَهُ مَا وَهَبَ لَهُ فِيهِ وَمَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ لَهُ الْمُلْكَ وَبِيَدِهِ الْخَيْرَ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَوْصَى فُلاَنٌ وَلَدَهُ وَأَهْلَهُ وَقَرَابَتَهُ وَإِخْوَتَهُ وَمَنْ أَطَاعَ أَمْرَهُ بِمَا أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَأَوْصَاهُمْ جَمِيعًا أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَأَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ فِي سِرِّهِمْ وَعَلاَنِيَتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ وَأَنْ يَلْزَمُوا طَاعَتَهُ وَيَنْتَهُوا عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَأَنْ يُقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ يَتَفَرَّقُوا فِيهِ وَجَمِيعُ مَا أَوْصَاهُمْ لاَ غِنَى بِهِمْ عَنْهُ وَلاَ غِنَى بِأَحَدٍ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَعَنِ التَّمَسُّكِ بِأَمْرِهِ، وَأَقَرَّ فُلاَنٌ أَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ لِفُلاَنٍ كَذَا وَلِفُلاَنٍ كَذَا فَتَنْسُبُهُ وَتُسَمِّيهِ إِلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَأَوْصَى إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ أَنْ يُقْضَى جَمِيعُ دُيُونِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ تَجْهِيزِهِ وَتَكْفِينِهِ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِمَّا يَخْلُفُ، وَيُنْفَذُ مِنْ ثُلُثِهِ فِي كَذَا وَفِي كَذَا ثُمَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ دَيْنِي وَإِنْفَاذِ وَصَايَايَ فَهُوَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِي وَهُمْ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي جَعَلَهَا لَهُمْ، وَلِي أَنْ أُغَيِّرَ وَصِيَّتِي الَّتِي أَوْصَيْتُ بِهَا فِي ثُلُثِي وَأَرْجِعَ عَمَّا شِئْتُ وَأَنْقُصَ مَا رَأَيْتُ وَأُبَدِّل مِنَ الْمُوصَى لَهُمْ مَنْ شِئْتُ، فَإِنْ مِتُّ فَوَصِيَّتِي مُنَفَّذَةٌ عَلَى مَا أَمُوتُ عَلَيْهِ مِنْهَا.
وَقَدْ جَعَل فُلاَنٌ فُلاَنًا وَصِيَّهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَقَبِل فُلاَنٌ الْوَصِيَّةَ مِنْهُ مُوَاجَهَةً، شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (214) .

تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ:
85 - إِذَا كَانَتْ مَوْجُودَاتُ التَّرِكَةِ كُلُّهَا مَالاً حَاضِرًا، لاَ غَائِبَ مِنْهَا، وَلاَ دَيْنَ لِلْمُوصِي عَلَى أَحَدٍ، تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَال، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُوصَى بِهِ نُقُودًا مُرْسَلَةً أَيْ مَبْلَغًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، كَأَلْفِ دِينَارٍ مَثَلاً، أَمْ شَيْئًا مُعَيَّنًا كَدَارٍ مُعَيَّنَةٍ، أَمْ سَهْمًا شَائِعًا كَرُبُعِ التَّرِكَةِ أَوْ ثُلُثِهَا، فَتُقَدَّرُ التَّرِكَةُ جَمِيعُهَا، وَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ سَهْمَهُ مِنْ كُل الْمَال.
أَمَّا إِنْ كَانَ بَعْضُ مَال التَّرِكَةِ حَاضِرًا، وَبَعْضُهَا دُيُونًا أَوْ مَالاً غَائِبًا، فَإِنَّ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأَْحْوَال.
الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مَالاً مُرْسَلاً، كَأَلْفِ دِينَارٍ مَثَلاً، فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ الْمَال الْحَاضِرِ مِنَ التَّرِكَةِ أَخَذَهُ الْمُوصَى لَهُ، إِذْ لاَ ضَرَرَ فِي أَخْذِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ، حَيْثُ يَبْقَى لَهُمْ ثُلُثَا الْمَال الْحَاضِرِ.
وَإِنْ كَانَ لاَ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ اسْتَوْفَى الْمُوصَى لَهُ مِنْهُ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْمَوْجُودِ، وَكَانَ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، وَكُلَّمَا حَضَرَ شَيْءٌ، اسْتَوْفَى الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَهُ، حَتَّى يَكْمُل حَقُّهُ. وَهَذَا رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ (215) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ عَيْنًا مُعَيَّنَةً، كَدَارٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ نُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ كَهَذِهِ النُّقُودِ، أَوِ النُّقُودِ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ فُلاَنٍ. فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ حَيْثُ يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِنَّ الْمُوصَى لَهُ يَأْخُذُ مِنَ الْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ بِمِقْدَارِ ثُلُثِ الْمَال الْحَاضِرِ، وَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ مَوْقُوفًا، فَإِذَا حَضَرَ شَيْءٌ مِنَ الْمَال الْغَائِبِ كَانَ بَاقِي الْعَيْنِ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الْعَيْنِ، فَتَنْفُذُ فِيهَا الْوَصِيَّةُ مَا دَامَ التَّنْفِيذُ مُمْكِنًا، تَنْفِيذًا لإِِرَادَةِ الْمُوصِي، وَيَظَل بَاقِي الْعَيْنِ مَوْقُوفًا إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ أَمْرُ الْمَال الْغَائِبِ، فَإِذَا حَضَرَ نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ فِي الْعَيْنِ كُلِّهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ كَانَ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ (216) .
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ لَوْ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ غَيْرُهُ بِعَيْنٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ فَأَكْثَرُ وَهِيَ حَاضِرَةٌ وَبَاقِي الْمَال غَائِبٌ مُلِّكَ الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْمَال الْحَاضِرِ فَقَطْ لِجَوَازِ تَلَفِ الْغَائِبِ وَعَدَمِ إِجَازَةِ الْوَارِثِ، وَمُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي ثُلُثِهِ وَكَذَا فِي بَاقِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى يَحْضُرَ مِنَ الْغَائِبِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْحَاضِرُ مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّ تَسَلُّطَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَسَلُّطِ الْوَرَثَةِ عَلَى مِثْل مَا تَسَلَّطَ هُوَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَتْلَفُ الْغَائِبُ فَلاَ يَصِل إِلَى حَقِّهِ وَلاَ يَتَسَلَّطُ الْوَرَثَةُ عَلَى ثُلُثَيِ الْحَاضِرِ (217) .

الْوَصَايَا وَطُرُقُ حِسَابِهَا:
الْوَصِيَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالأَْنْصِبَاءِ أَوْ بِالأَْجْزَاءِ أَوْ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الأَْجْزَاءِ وَالأَْنْصِبَاءِ.

الْحَالَةُ الأُْولَى: الْوَصِيَّةُ بِالأَْنْصِبَاءِ:
الْوَصِيَّةُ بِالأَْنْصِبَاءِ لَهَا صُوَرٌ:

أ - الْوَصِيَّةُ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ الْمُعَيَّنِ:
86 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لأَِحَدٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ " أَنَّهُ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ " (218) وَلأَِنَّ الْمُرَادَ تَقْدِيرُ الْوَصِيَّةِ فَلاَ أَثَرَ لِذِكْرِ الْوَارِثِ. إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ - وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ - إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَ ذَلِكَ الْوَارِثِ الْمُعَيَّنِ مَضْمُومًا إِلَى الْمَسْأَلَةِ. فَإِذَا قَال مَثَلاً: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِي وَلاَ وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ اسْتَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ نِصْفَ التَّرِكَةِ إِذَا أَجَازَ الاِبْنُ الْوَصِيَّةَ، فَإِنْ لَمْ يُجِزْ فَلَهُ الثُّلُثُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ ابْنَانِ أَوْ بَنُونَ فَأَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِهِمَا أَوْ بِمِثْل نَصِيبِهِمْ فَالْمُوصَى لَهُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ (219) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ بِأَنْ قَال: أَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِي أَوْ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ ابْنٌ فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ جَمِيعَ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ إِنْ أَجَازَ الاِبْنُ الْوَصِيَّةَ، وَإِلاَّ فَلَهُ ثُلُثُ التَّرِكَةِ فَقَطْ، فَإِنْ قَال ذَلِكَ وَمَعَهُ ابْنَانِ فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ نِصْفَ التَّرِكَةِ إِنْ أَجَازَا الْوَصِيَّةَ وَإِلاَّ فَالثُّلُثُ وَلاَ كَلاَمَ لَهُمَا، وَإِنْ زَادُوا فَلَهُ قَدْرُ نَصِيبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلاَ كَلاَمَ لَهُمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الاِبْنِ ذُو فَرْضٍ فَلِلْمُوصَى لَهُ جَمِيعُ التَّرِكَةِ بَعْدَ ذَوِي الْفَرْضِ إِنْ أَجَازُوا الْوَصِيَّةَ (220) .
وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ نَقْلاً عَنِ الْفَائِقِ: إِذَا وَصَّى بِمِثْل نَصِيبِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ فَالْمُخْتَارُ لَهُ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ غَيْرَ مُزَادٍ وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي.
فَإِذَا وَصَّى بِمِثْل نَصِيبِهِ وَلَهُ ابْنَانِ فَلَهُ الثُّلُثُ عَلَى الْمَذْهَبِ - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - وَلَهُ النِّصْفُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ وَيُقَسَّمُ النِّصْفُ الْبَاقِي بَيْنَ الاِبْنَيْنِ (221) .

ب - الْوَصِيَّةُ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ:
87 - إِذَا أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ يَتَسَاوَوْنَ فِي الْمِيرَاثِ كَالْبَنِينَ مَثَلاً فَلَهُ مِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ مُزَادًا عَلَى الْفَرِيضَةِ وَيُجْعَل كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ زَادَ فِيهِمْ، وَإِنْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ فِي الْمِيرَاثِ فَلَهُ مِثْل نَصِيبِ أَقَلِّهِمْ مِيرَاثًا يُزَادُ عَلَى فَرِيضَتِهِمْ، وَإِنَّمَا جُعِل لَهُ هَذَا لأَِنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَمَا زَادَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ فَلاَ يَثْبُتُ.
فَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ وَلَدِهِ وَلَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ فَلَهُ مِثْل نَصِيبِ الْبِنْتِ، لأَِنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ (222) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ وَتَرَكَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، أَوْ تَرَكَ ذُكُورًا فَقَطْ، أَوْ إِنَاثًا فَقَطْ. أَيْ سَوَاءٌ كَانُوا مُتَسَاوِينَ فِي الْمِيرَاثِ أَوْ مُتَفَاضِلِينَ فِيهِ فَيُحَاسِبُهُمُ الْمُوصَى لَهُ بِجُزْءٍ مِنْ عَدَدِ رُؤُوسِهِمْ أَيْ يُقَسَّمُ الْمَال عَلَى الْوَرَثَةِ وَعَلَى الْمُوصَى لَهُ الذَّكَرِ كَالأُْنْثَى، فَإِنْ كَانَ عَدَدُ رُؤُوسِ وَرَثَتِهِ ثَلاَثَةً فَلَهُ الثُّلُثُ، أَوْ أَرْبَعَةً فَلَهُ الرُّبُعُ، أَوْ خَمْسَةً فَلَهُ الْخُمُسُ، وَهَكَذَا، وَلاَ نَظَرَ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ كُل وَارِثٍ، بَل يُجْعَل الذَّكَرُ رَأْسًا وَالأُْنْثَى رَأْسًا كَذَلِكَ، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ (223) .

ج - الْوَصِيَّةُ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ:
88 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ كَانَ لَهُ ابْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. فَمَنْ وَصَّى بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ ثُمَّ مَاتَ وَلاَ وَارِثَ لَهُ غَيْرُ الاِبْنِ يَكُونُ ذَلِكَ وَصِيَّةً بِنِصْفِ الْمَال، لأَِنَّ الْمِثْل يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فَإِنْ أَجَازَ الاِبْنُ أَخَذَ الْمُوصَى لَهُ النِّصْفَ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الاِبْنُ أَخَذَ الثُّلُثَ (224) .
وَيُفَرِّقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لِلْمُوصِي ابْنٌ وَارِثٌ وَبَيْنَ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ الاِبْنُ مِمَّنْ يَرِثُ، لِكَوْنِهِ رَقِيقًا أَوْ مُخَالِفًا لِدِينِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ أَصْلاً. فَإِنْ كَانَ لِلْمُوصِي ابْنٌ وَارِثٌ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ.
أَمَّا إِذَا أَوْصَى لَهُ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ وَابْنُهُ مِمَّنْ لاَ نَصِيبَ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ فَلاَ شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ، لأَِنَّ الاِبْنَ لاَ نَصِيبَ لَهُ فَمِثْلُهُ لاَ شَيْءَ لَهُ.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَا إِذَا قَال الْمُوصِي: " لَوْ كَانَ يَرِثُ " فَيُعْطَى نَصِيبَهُ حِينَئِذٍ.
وَأَمَّا إِذَا أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ وَلاَ ابْنَ لَهُ فَتَبْطُل الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلاَّ أَنْ يَقُول الْمُوصِي: لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، أَوْ يَحْدُثُ لَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيُعْطَى نَصِيبَهُ حِينَئِذٍ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لاَ تَصِحُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (225) .

د - الْوَصِيَّةُ بِنَصِيبِ ابْنِهِ وَلَهُ ابْنٌ:
89 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا أَوْصَى لِشَخْصٍ بِنَصِيبِ ابْنِهِ وَلَهُ ابْنٌ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ - وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالرُّويَانِيِّ إِلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ صَوْنًا لِلَّفْظِ عَنِ الإِْلْغَاءِ، فَإِنَّهُ مُمْكِنُ الْحَمْل عَلَى الْمَجَازِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، وَمِثْلُهُ فِي الاِسْتِعْمَال كَثِيرٌ، وَالْوَصِيَّةُ وَارِدَةٌ عَلَى مَال الْمُوصِي إِذْ لَيْسَ لِلاِبْنِ نَصِيبٌ قَبْل مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا الْفَرْضُ التَّقْدِيرُ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدُ.
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ وَرَأْيٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجْعَلُونَهَا وَصِيَّةً بِنِصْفِ الْمَال، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ.
وَفِي الرَّأْيِ الآْخَرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُجْعَل الْوَصِيَّةُ وَصِيَّةً بِجَمِيعِ الْمَال.
وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي - وَهُوَ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالإِْمَامِ الْبَغَوِيِّ - - وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إِلَى بُطْلاَنِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ، لأَِنَّهَا وَصِيَّةٌ بِمَا لاَ يَمْلِكُ، لأَِنَّ نَصِيبَ الاِبْنِ مِلْكُهُ لاَ مِلْكُ أَبِيهِ، حَيْثُ إِنَّ نَصِيبَ الاِبْنِ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ آخَرَ فَقَدْ أَرَادَ تَغْيِيرَ مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى فَلاَ يَصِحُّ وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَقَعْ فِي مِلْكِهِ وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَصَارَ كَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِلْكِ زَيْدٍ ثُمَّ مَاتَ، فَأَجَازَهُ زَيْدٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ.وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِنْ لَمْ يَكُنِ ابْنٌ (226) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الْوَصِيَّةُ بِالأَْجْزَاءِ:
91 - الْوَصِيَّةُ بِالْجُزْءِ لاَ تَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِجُزْءٍ مُبْهَمٍ، أَوْ تَكُونَ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ.
أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مُبْهَمٍ كَأَنْ يُوصِيَ لِشَخْصٍ بِجُزْءٍ أَوْ حَظٍّ أَوْ شَيْءٍ أَوْ نَصِيبٍ أَوْ قِسْطٍ، فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُمَا (227) .
(ر: ف54، 55) .

وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ فَلَهَا احْتِمَالاَنِ: فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ (228) . الاِحْتِمَال الأَْوَّل: الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ:
الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ لاَ تَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ، أَوْ تَكُونَ بِجُزْأَيْنِ فَصَاعِدًا.

أ - الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ:
91 - إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ: كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ. وَإِنْ كَانَ لِلْمُوصِي وَرَثَةٌ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي بَيَانِ طُرُقِ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ.
فَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ، فَتُصَحَّحُ مَسْأَلَةُ الْمِيرَاثِ عَائِلَةً أَوْ غَيْرَ عَائِلَةٍ، وَيُنْظَرُ فِي مَخْرَجِ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ، وَيُخْرَجُ مِنْهُ جُزْءُ الْوَصِيَّةِ. ثُمَّ إِنِ انْقَسَمَ الْبَاقِي عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ صَحَّتِ الْمَسْأَلَتَانِ، وَذَلِكَ كَمَنْ أَوْصَى بِرُبُعِ مَالِهِ وَتَرَكَ ثَلاَثَةَ بَنِينَ، فَمَخْرَجُ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ أَرْبَعَةٌ، وَالْبَاقِي بَعْدَ إِخْرَاجِ الرُّبُعِ يَنْقَسِمُ عَلَى الْبَنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمْ فَلَكَ طَرِيقَانِ:

الطَّرِيقُ الأَْوَّل: أَنْ تَنْظُرَ فِي الْبَاقِي وَفِي مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ تَبَايَنَا ضَرَبْتَ مَسْأَلَةَ الْوَرَثَةِ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ تَوَافَقَا ضَرَبْتَ وَفْقَ مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ، فَمَا بَلَغَ صَحَّتْ مِنْهُ الْقِسْمَةُ. ثُمَّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ أَخَذَهُ مَضْرُوبًا فِيمَا ضَرَبْتَهُ فِي مَخْرَجِالْوَصِيَّةِ، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ، أَخَذَهُ مَضْرُوبًا فِيمَا بَقِيَ مِنْ مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ إِخْرَاجِ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ إِنْ كَانَ الْبَاقِي مَعَ مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ مُتَبَايِنَيْنِ. وَإِنْ كَانَا مُتَوَافِقَيْنِ فَفِي وَفْقِ الْبَاقِي. وَبِهَذَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ.
مِثَالُهُ: ثَلاَثَةُ بَنِينَ، أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ مِنْ ثَلاَثَةٍ، وَمَخْرَجُ الْوَصِيَّةِ أَيْضًا ثَلاَثَةٌ، وَالْبَاقِي بَعْدَ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ لاَ يَنْقَسِمَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ.
فَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: يُضْرَبُ ثَلاَثَةٌ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ تَبْلُغْ تِسْعَةٌ مِنْهَا الْقِسْمَةَ، كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ يَأْخُذُهُ مَضْرُوبًا فِي الثَّلاَثَةِ الْمَضْرُوبَةِ فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ، وَلِكُل ابْنٍ سَهْمٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ مَضْرُوبٌ فِي الْبَاقِي مِنْ مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ إِخْرَاجِ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ اثْنَانِ (229) .

الطَّرِيقُ الثَّانِي: وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ: تَأْخُذُ مَخْرَجَ جُزْءِ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ تَزِيدُ عَلَى سِهَامِ الْفَرِيضَةِ سِهَامًا قَبْل مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ أَبَدًا، فَإِذَا كَانَ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ زِدْتَ نِصْفَهَا، أَوْ بِالرُّبُعِ زِدْتَ ثُلُثَهَا أَوْ بِالْخُمُسِ زِدْتَ رُبُعَهَا، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى الْعُشْرِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ، يُطَّرَدُ ذَلِكَ فِي الْمَفْتُوحِ وَالأَْصَمِّ. فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ زِدْتَ الْعُشْرَ أَوْ بِجُزْءٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ زِدْتَ جُزْءًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ ثُمَّ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ بِالنِّصْفِ زِدْتَ مِثْلَهَا؛ لأَِنَّ الَّذِي قَبْل مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ وَاحِدٌ، فَالْقِسْمَةُ عَلَى كُل وَاحِدٍ، وَلأَِنَّ النِّصْفَ هُوَ أَكْثَرُ الأَْجْزَاءِ وَأَوَّلُهَا، وَمَا قَبْلَهُ هُوَ الْوَاحِدُ، فَجَعَلْنَا سِهَامَ الْفَرِيضَةِ كَالْوَاحِدِ وَزِدْنَا عَلَيْهَا مِثْلَهَا.
وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنَّا إِذَا صَحَّحْنَا الْفَرِيضَةَ وَالْوَصِيَّةَ وَأَخْرَجْنَا جُزْءَ الْوَصِيَّةِ مِنْهَا، وَوَجَدْنَا الْبَقِيَّةَ غَيْرَ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى الْفَرِيضَةِ نَظَرْنَا نِسْبَةَ الْجُزْءِ الَّذِي أَخْرَجْنَاهُ مِنَ الْفَرِيضَةِ إِلَى بَقِيَّتِهَا، فَمَا كَانَ رَدَدْنَا عَلَى الْفَرِيضَةِ مَا نُسِبَتْ إِلَيْهَا تِلْكَ النِّسْبَةُ، وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ.
مِثَالُهُ: أَرْبَعَةُ بَنِينَ وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ، فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ عَلَى الْعِبَارَةِ الأُْولَى تَحْمِل عَلَى فَرِيضَةِ الْوَرَثَةِ جُزْءًا مَا قَبْل مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ، وَهُوَ هَاهُنَا النِّصْفُ فَتَصِيرُ سِتَّةً، يَخْرُجُ جُزْءُ الْوَصِيَّةِ اثْنَيْنِ، تَبْقَى أَرْبَعَةٌ عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ إِذَا اعْتَبَرْنَا الْجُزْءَ الَّذِي أَخْرَجْنَاهُ مِنْ فَرِيضَةِ الْوَصِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقِيَّتِهَا وَجَدْنَاهُ نِصْفَ الْبَاقِي فَزِدْنَاعَلَى الْفَرِيضَةِ نِصْفَهَا.
وَقَدْ يَقَعُ فِي الْفَرِيضَةِ كَسْرٌ؛ بِسَبَبِ حَمْل الْجُزْءِ عَلَى الْفَرِيضَةِ، فَتُضْرَبُ الْمَسْأَلَةُ وَالْكَسْرُ فِي مَخْرَجِ ذَلِكَ الْكَسْرِ وَمِنْهَا تَصِحُّ.
مِثَال ذَلِكَ: أَوْصَى بِالسُّدُسِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَإِذَا أَخْرَجْنَا جُزْءَ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ مَخْرَجِهَا وَهُوَ سِتَّةٌ تَبْقَى خَمْسَةٌ، فَلاَ تَنْقَسِمُ عَلَى الْفَرِيضَةِ وَلاَ تُوَافِقُ، فَعَلَى الطَّرِيقِ الأَْوَّل: نَضْرِبُ أَرْبَعَةً فِي السِّتَّةِ تَبْلُغُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَكَذَا فِي الطَّرِيقِ الثَّانِي أَيْضًا يَخْرُجُ مِنَ الأَْرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَلَكِنْ بَعْدَ وُجُودِ الْكَسْرِ فِيهَا وَضَرْبِهَا وَضَرْبِهِ فِي مَخْرَجِهِ.
فَنَقُول عَلَى الْعِبَارَةِ الأُْولَى: إِذَا أَوْصَى بِالسُّدُسِ حَمَلْنَا عَلَى الْفَرِيضَةِ مِثْل خُمُسِهَا - وَخُمُسُ الأَْرْبَعَةِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ - فَتَنْكَسِرُ السِّهَامُ، فَنَضْرِبُ الأَْرْبَعَةَ وَالأَْرْبَعَةَ الأَْخْمَاسِ فِي خَمْسَةٍ تَبْلُغُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ. وَكَذَلِكَ إِذَا نَسَبْنَا جُزْءَ الْوَصِيَّةِ إِلَى مَا بَقِيَ مِنْ مَخْرَجِهَا وَجَدْنَاهُ خُمُسَ الْبَقِيَّةِ فَحَمَلْنَا عَلَى الْفَرِيضَةِ خُمُسَهَا، انْكَسَرَتِ السِّهَامُ، فَتَضْرِبُهَا فِي الْخَمْسَةِ (230) . ب - الْوَصِيَّةُ بِجُزْأَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي حُدُودِ الثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ:
92 - مَنْ أَوْصَى بِجُزْأَيْنِ ضَرَبْتَ مَخْرَجَ أَحَدِهِمَا فِي مَخْرَجِ الآْخَرِ أَوْ فِي وَفْقِهِ إِنْ كَانَ، وَمَا اجْتَمَعَ فَهُوَ مَخْرَجُ الْفَرِيضَتَيْنِ جَمِيعًا، فَإِذَا أَخْرَجْتَ جُزْءَ الْوَصِيَّةِ مِنْهُ ثُمَّ قَسَمْتَ الْبَاقِيَ عَلَى الْفَرِيضَةِ فَإِنِ انْقَسَمَ وَإِلاَّ ضَرَبْتَ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ الضَّرْبُ فِي عَدَدِ سِهَامِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ فِي وَفْقٍ إِنْ كَانَ، وَمِنْهُ يَصِحُّ حِسَابُ الْوَصِيَّتَيْنِ (231) .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِجُزْأَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: ثَلاَثَةُ بَنِينَ وَأَوْصَى بِالسُّدُسِ وَلآِخَرَ بِالسُّبُعِ، فَمَخْرَجُ السُّدُسِ مِنْ سِتَّةٍ، وَالسُّبُعِ مِنْ سَبْعَةٍ، وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، تَضْرِبُ أَحَدَهُمَا فِي الآْخَرِ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، يَخْرُجُ جُزْءُ الْوَصِيَّةِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، تَبْقَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ لاَ تَنْقَسِمُ عَلَى سِهَامِ الْفَرِيضَةِ وَلاَ تُوَافِقُهَا، تَضْرِبُ الثَّلاَثَةَ سِهَامِ الْفَرِيضَةِ فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ تَبْلُغْ مِائَةً وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ، جُزْءُ الْوَصِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ تِسْعَةٌ وَثَلاَثُونَ، يَبْقَى سَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ، لِكُل سَهْمٍ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ (232) . وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِجُزْأَيْنِ فَصَاعِدًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَبَوَانِ وَأَوْصَى بِثُمُنِ مَالِهِ لِزَيْدٍ، وَبِخُمُسِهِ لِعَمْرٍو، مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ مِنْ ثَلاَثَةٍ، وَمَخْرَجُ الْجُزْأَيْنِ أَرْبَعُونَ، لِزَيْدٍ خَمْسَةٌ وَلِعَمْرٍو ثَمَانِيَةٌ، وَيَبْقَى سَبْعٌ وَعِشْرُونَ تَصِحُّ عَلَى ثَلاَثَةِ بَنِينَ.
وَأَوْصَى بِرُبُعِ مَالِهِ لِزَيْدٍ، وَبِنِصْفِ سُدُسِهِ لِعَمْرٍو، مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ ثَلاَثَةٌ، وَمَخْرَجُ الْوَصِيَّتَيْنِ اثْنَا عَشَرَ وَمَجْمُوعُ الْجُزْأَيْنِ أَرْبَعَةٌ، إِذَا أَخْرَجْنَاهَا يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ لاَ تَصِحُّ عَلَى ثَلاَثَةٍ:
فَعَلَى الطَّرِيقِ الأَْوَّل - الْمَذْكُورِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ -: لاَ مُوَافَقَةَ، فَتَضْرِبُ ثَلاَثَةً فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَتَبْلُغُ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ مِنْهَا تَصِحُّ.
وَعَلَى الطَّرِيقِ الثَّانِي: الْخَارِجُ بِالْوَصِيَّتَيْنِ نِصْفُ الْبَاقِي مِنْ مَخْرَجِهِمَا، فَتَزِيدُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ نِصْفَهَا تَبْلُغْ أَرْبَعَةً وَنِصْفًا، تَبْسُطُهَا أَنْصَافًا تَكُونُ تِسْعَةً، لَكِنَّ نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُمَا مِنْ مَخْرَجِ الْوَصِيَّتَيْنِ أَرْبَعَةٌ، وَحِصَّتَهُمَا مِنَ التِّسْعَةِ ثَلاَثَةٌ، لاَ تَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ، فَتَضْرِبُ أَرْبَعَةً فِي تِسْعَةٍ تَبْلُغْ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ.
وَلَوْ كَانَ الْبَنُونَ سِتَّةً وَالْوَصِيَّتَانِ بِحَالِهِمَا: فَعَلَى الطَّرِيقِ الأَْوَّل: تَبْقَى ثَمَانِيَةٌ لاَ تَصِحُّعَلَى سِتَّةٍ، لَكِنْ تَوَافِقُ بِالنِّصْفِ فَتَضْرِبُ نِصْفَ نِصْفِ السِّتَّةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ تَبْلُغْ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي كَمَا سَبَقَ (233) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ وَصَّى بِجُزْأَيْنِ كَثُمُنٍ وَتُسُعٍ أَخَذْتَهُمَا مِنْ مَخْرَجِهِمَا سَبْعَةَ عَشَرَ، وَهِيَ لاَ تَنْقَسِمُ فَاضْرِبْ ثَمَانِيَةً فِي تِسْعَةٍ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِنْهَا تَصِحُّ، فَأَعْطَى لِصَاحِبِ الثُّمُنِ تِسْعَةً، وَلِصَاحِبِ التُّسْعِ ثَمَانِيَةً، يَبْقَى خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ تُدْفَعُ لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ وَصَّى بِأَكْثَرَ مِنْ جُزْأَيْنِ كَثُمُنٍ وَتُسُعٍ وَعُشُرٍ تَأْخُذُ الْكُسُورَ مِنْ مَخْرَجِهَا الْجَامِعِ لَهَا، وَذَلِكَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَهِيَ لاَ تَنْقَسِمُ فَاضْرِبِ الثَّمَانِيَةَ فِي التِّسْعَةِ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ. ثُمَّ اضْرِبْ ذَلِكَ فِي عَشْرٍ تَبْلُغْ سَبْعَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَمِنْهَا تَصِحُّ، فَأَعْطِ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّمُنِ تِسْعِينَ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالسُّبْعِ ثَمَانِينَ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْعُشْرِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَتَقْسِمُ الْبَاقِي - وَهُوَ أَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ - عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ.
هَذَا إِذَا انْقَسَمَ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمِ الْبَاقِي بَعْدَ الثُّلُثِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ ضَرَبْتَ مَسْأَلَةَ الْوَرَثَةِ إِنْ بَايَنَهَا الْبَاقِي، أَوْ ضَرَبْتَ وَفْقَهَا إِنْ وَافَقَهَا الْبَاقِي فِي مَخْرَجِ الْوَصِيَّةِ فَمَا بَلَغَ فَمِنْهُ تَصِحُّ (234) .

الاِحْتِمَال الثَّانِي - الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ:
الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِمَّا أَنْ تَسْتَغْرِقَ الْمَال وَإِمَّا أَلاَّ تَسْتَغْرِقَهُ.

أَوَّلاً: الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِذَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْمَال:
93 - إِذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِشَخْصٍ أَوْ جَمَاعَةٍ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ إِمَّا بِجُزْءٍ كَالنِّصْفِ، وَإِمَّا بِجُزْأَيْنِ كَالنِّصْفِ وَالرُّبُعِ، فَمَدَارُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَرَدِّهِمْ:
فَمَنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِنِصْفِ مَالِهِ، وَلآِخَرَ بِثُلُثِهِ، وَلآِخَرَ بِرُبُعِهِ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ قُسِّمَ الْمَال بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ، وَأَصْلُهَا مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ فِي هَذَا الْمِثَال لاِجْتِمَاعِ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَتَعُول بِسَهْمٍ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ، وَكَانَ النَّقْصُ بِسَهْمِ الْعَوْل دَاخِلاً عَلَى جَمِيعِهِمْ كَالْمَوَارِيثِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (235) . وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا الزَّائِدَةَ عَلَى الثُّلُثِ فَقْدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الثُّلُثِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ بِتَقْدِيرِ الإِْجَازَةِ، وَيُقْسَمُ الثُّلُثَانِ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُمْ مِنْ تَجَاوُزِ وَصِيَّتِهِ الثُّلُثَ أَوْ لاَ. وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمَّا قَصَدَ التَّفْضِيل بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ فِي كُل الْمَال قَصَدَ التَّفْضِيل بَيْنَهُمْ فِي كُل جُزْءٍ مِنْهُ فَلَمْ تَجُزِ التَّسْوِيَةُ، وَلأَِنَّ كُل شَخْصَيْنِ جُعِل الْمَال بَيْنَهُمَا عَلَى التَّفَاضُل، لَزِمَ عِنْدَ ضِيقِ الْمَال أَنْ يَتَقَاسَمَاهُ عَلَى التَّفَاضُل كَالْعَوْل فِي الْفَرَائِضِ (236) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ لاَ يَضْرِبُ إِلاَّ بِالثُّلُثِ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ مُلْغَاةٌ (237) .
قَال الزَّيْلَعِيُّ فِي مَعْرِضِ الاِسْتِدْلاَل لأَِبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَقَعَتْ بِغَيْرِ مَشْرُوعٍ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ مِنَ الْوَرَثَةِ إِذْ لاَ يُتَصَوَّرُ نَفَاذُهَا بِحَالٍ فَتَبْطُل أَصْلاً؛ وَلاَ يُعْتَبَرُ الْبَاطِل، وَالتَّفْضِيل ثَبَتَ فِي ضِمْنِ الاِسْتِحْقَاقِ فَيَبْطُل بِبُطْلاَنِ الاِسْتِحْقَاقِ، كَالْمُحَابَاةِ الثَّابِتَةِ فِي ضِمْنِ الْبَيْعِ تَبْطُل بِبُطْلاَنِ الْبَيْعِ (238) .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ الْخِلاَفُ فِي مَسَائِل عِدَّةٍ مِنْهَا:
أ - إِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرُبُعِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى ثَلاَثَةٍ: لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ سَهْمَانِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرُّبُعِ سَهْمٌ؛ لأَِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ يَضْرِبُ بِجَمِيعِ وَصِيَّتِهِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالرُّبُعِ يَضْرِبُ بِالرُّبُعِ، وَالرُّبُعُ مِثْل نِصْفِ النِّصْفِ، فَيُجْعَل كُل رُبُعٍ بَيْنَهُمَا، فَالنِّصْفُ يَكُونُ سَهْمَيْنِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَجُوزُ مِنَ الثُّلُثِ، فَيَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ أَرْبَعَةٌ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرُّبُعِ ثَلاَثَةٌ (239) .
ب - لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلآِخَرَ بِنِصْفِهِ وَلآِخَرَ بِرُبُعِهِ وَرَدَّ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا، فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَصَايَا تَرْجِعُ إِلَى الثُّلُثِ، وَكَانَ الثُّلُثُ مَقْسُومًا بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ بِالْحِصَصِ عَلَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ سَهْمًا، فَيَكُونُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ إِلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ يُرَدُّ مِنْ وَصِيَّةِ صَاحِبِ النِّصْفِ لِيَسْتَوِيَ فِي الْوَصِيَّةِ صَاحِبُ الثُّلُثِ وَصَاحِبُ النِّصْفِ، وَيَكُونُ الثُّلُثُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا: لِصَاحِبِ النِّصْفِ أَرْبَعَةٌ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلاَثَةٌ (240) .

ثَانِيًا: الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وَقَدْ جَاوَزَتِ الْمَال:
94 - إِنِ اسْتَغْرَقَتِ الْوَصَايَا الْمَال وَأُجِيزَتْ، قُسِمَ الْمَال بَيْنَ أَصْحَابِ الْوَصَايَا عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ، مِثْل الْعَوْل، وَتُجْعَل وَصَايَاهُمْ كَالْفُرُوضِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى نِسْبَةِ أَنْصِبَائِهِمْ بِتَقْدِيرِ الإِْجَازَةِ، هَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (241) .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لاَ يَضْرِبُ الْمُوصَى لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ وَقَعَتْ بِغَيْرِ الْمَشْرُوعِ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجَازَةِ مِنَ الْوَرَثَةِ، إِذْ لاَ نَفَاذَ لَهَا فَيَبْطُل أَصْلاً (242) .
فَمَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَلِعَمْرٍو بِثُلُثِهِ فَإِنْ أَجَازُوا فَقَدْ عَالَتْ إِلَى أَرْبَعَةٍ: لِزَيْدٍ ثَلاَثَةٌ، وَلِعَمْرٍو سَهْمٌ.
وَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا، قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ وَتَكُونُ قِسْمَةُ الْوَصِيَّةِ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ. هَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ: الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا نِصْفَانِ (243) .

الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالأَْجْزَاءِ وَالأَْنْصِبَاءِ:
لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالأَْجْزَاءِ وَالأَْنْصِبَاءِ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا:

أ - الْوَصِيَّةُ بِمِثْل نَصِيبِ وَارِثٍ وَبِجُزْءٍ مُضَافٍ إِلَى جَمِيعِ الْمَال:
95 - مِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَأَوْصَى لآِخَرَ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَوْ نَصِيبِ ابْنٍ ثَالِثٍ - لَوْ كَانَ - فَأَجَازَا الْوَصِيَّتَيْنِ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ الْمَال، وَالْبَاقِي بَيْنَ الاِبْنَيْنِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ أَثْلاَثًا، وَالْحِسَابُ مِنْ تِسْعَةٍ: فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثَلاَثَةٌ، وَيَبْقَى سِتَّةٌ بَيْنَ الاِبْنَيْنِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ أَثْلاَثًا، لِكُل ابْنٍ سَهْمَانِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ أَيْضًا سَهْمَانِ مِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُجِيزَا يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا نِصْفَانِ.
وَلَوْ أَجَازَ الاِبْنَانِ الْوَصِيَّةَ لِصَاحِبِ الْمِثْل دُونَ صَاحِبِ الثُّلُثِ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ نِصْفُ الثُّلُثِ - وَهُوَ السُّدُسُ - كَمَا لَوْ لَمْ تُوجَدِ الإِْجَازَةُ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ لِصِحَّةِ الإِْجَازَةِ فِي حَقِّهِ، وَاحْتَجْنَا إِلَى حِسَابٍ إِذَا رَفَعْنَا السُّدُسَ يَنْقَسِمُ الْبَاقِي مِنْهُ أَثْلاَثًا، وَأَقَل ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، يُعْطَى لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ السُّدُسُ ثَلاَثَةً، وَيَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ تُقْسَمُ بَيْنَ الاِبْنَيْنِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ أَثْلاَثًا لِكُل وَاحِدٍ خَمْسَةٌ.
وَإِنْ أَجَازَ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ الْوَصِيَّةَ لِصَاحِبِ الْمِثْل دُونَ صَاحِبِ الثُّلُثِ، وَلَمْ يُجِزِ الاِبْنُ الآْخَرُ الْوَصِيَّتَيْنِ أَصْلاً، فَنَقُول: لَوْ لَمْ يُجِيزَا كَانَ لِصَاحِبِ الْمِثْل ثَلاَثَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَلَوْ أَجَازَا كَانَ لِصَاحِبِ الْمِثْل خَمْسَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَتَفَاوُتُ مَا بَيْنَهُمَا سَهْمَانِ، مِنْ نَصِيبِ كَل وَاحِدٍ مِنَ الاِبْنَيْنِ سَهْمٌ، فَإِذَا أَجَازَ أَحَدُهُمَا صَحَّتِ الإِْجَازَةُ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً، فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ الْمِثْل أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلاَثَةٌ، وَلِلْمُجِيزِ خَمْسَةٌ، وَلِلَّذِي لَمْ يُجِزْ سِتَّةٌ (244) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ تَزِدْ جُمْلَةُ الْمَال الْمُوصَى بِهِ عَلَى الثُّلُثِ اجْعَل الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ كَأَحَدِ الْوَرَثَةِ، فَتُصَحَّحُ مَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ ثُمَّ يُؤْخَذُ مَخْرَجُ الْوَصِيَّةِ وَيُخْرَجُ مِنْهُ جُزْءُ الْوَصِيَّةِ، وَيُنْظَرُ هَل يَنْقَسِمُ الْبَاقِي عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ: إِنِ انْقَسَمَ فَذَاكَ وَإِلاَّ فَلِلتَّصْحِيحِ طَرِيقَانِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ وَأَجَازَ الْوَرَثَةُ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ وَالْحِسَابُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا قُسِمَ الثُّلُثُ عَلَى نِسْبَةِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ الإِْجَازَةِ.
مِثَالُهُ: ثَلاَثَةُ بَنِينَ، وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، وَلِعَمْرٍو بِعُشْرِ الْمَال، فَمَسْأَلَةُ الْوَرَثَةِ وَزَيْدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَمَخْرَجُ الْجُزْءِ عَشَرَةٌ، يَبْقَى مِنْهَا بَعْدَ إِخْرَاجِ الْجُزْءِ تِسْعَةٌ لاَ تَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَلاَ تُوَافِقُ، فَتَضْرِبُ أَرْبَعَةً فِي عَشَرَةٍ تَبْلُغْ أَرْبَعِينَ، لِعَمْرٍو أَرْبَعَةٌ، وَلِزَيْدٍ وَكُل ابْنٍ تِسْعَةٌ، وَجُمْلَةُ الْوَصِيَّتَيْنِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ (245) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنٍ فَفِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - لِصَاحِبِ النَّصِيبِ ثُلُثُ الْمَال عِنْدَ الإِْجَازَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَصِيٌّ آخَرُ، وَلِلآْخَرِ الثُّلُثُ.
وَعِنْدَ الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ نِصْفَيْنِ؛ لأَِنَّهُ مُوصَى لَهُمَا بِثُلُثَيْ مَالِهِ وَقَدْ رَجَعَتْ وَصِيَّتُهُمَا بِالرَّدِّ إِلَى نِصْفِهَا وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ.
وَالثَّانِي: لِصَاحِبِ النَّصِيبِ مِثْل مَا يَحْصُل لاِبْنٍ؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لأََخَذَ أَكْثَرَ مِنَ الاِبْنِ؛ وَالْمُوصِي قَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا: وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي، وَذَلِكَ التُّسُعَانِ عِنْدَ الإِْجَازَةِ؛ لأَِنَّ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثَ الْمَال، يَبْقَى سَهْمَانِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ وَبَيْنَ الاِبْنَيْنِ عَلَى ثَلاَثَةٍ، فَتَضْرِبُهَا فِي ثَلاَثَةٍ تَكُنْ تِسْعَةً، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلاَثَةٌ، وَلِكُل ابْنٍ سَهْمَانِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ سَهْمَانِ وَهِيَ تُسُعَانِ.
وَعِنْدَ الرَّدِّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ الَّتِي كَانَتْ فِي حَال الإِْجَازَةِ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلاَثَةٌ، وَلِصَاحِبِ النَّصِيبِ سَهْمَانِ، وَلِكُل ابْنٍ خَمْسَةٌ.
وَإِنْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُوصَى بِهِ النِّصْفَ صَحَّتْ عَلَى الأَْوَّل مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ فِي حَال الإِْجَازَةِ، وَفِي الرَّدِّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ.
وَعَلَى الثَّانِي تَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ فِي حَال الإِْجَازَةِ، وَفِي الرَّدِّ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ (246) . ب - الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ جُزْءٍ مِنَ الْمَال يَبْقَى بَعْدَ النَّصِيبِ:
96 - مِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ:
إِذَا كَانَ لِلرَّجُل خَمْسَةُ بَنِينَ فَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ وَثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ لآِخَرَ فَالْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدٍ وَخَمْسِينَ سَهْمًا، لِصَاحِبِ النِّسَبِ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ ثُلُثِ مَا بَقِيَ ثَلاَثَةٌ، وَلِكُل ابْنٍ ثَمَانِيَةٌ. فَتَخْرِيجُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ عَدَدِ الْبَنِينَ خَمْسَةً فَتَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ سَهْمًا؛ لأَِنَّهُ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ؛ وَمِثْل الشَّيْءِ غَيْرُهُ، ثُمَّ تَضْرِبَ ذَلِكَ فِي ثَلاَثَةٍ لأَِجْل وَصِيَّتِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ فَيَكُونَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، ثُمَّ تَطْرَحَ السَّهْمَ الَّذِي زِدْتَهُ بَقِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ فَهُوَ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ ضِعْفُ ذَلِكَ فَيَكُونُ جَمِيعُ الْمَال أَحَدًا وَخَمْسِينَ. وَإِنَّمَا طَرَحْنَا هَذَا السَّهْمَ الزَّائِدَ لِتَبَيُّنِ مِقْدَارِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَلاَ وَصِيَّةَ فِي الثُّلُثَيْنِ فَلاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ السَّهْمِ الزَّائِدِ فِيهِ، وَبِهَذَا طَرَحْنَاهُ فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ ثُلُثَ الْمَال سَبْعَةَ عَشَرَ فَوَجْهُ مَعْرِفَةِ النَّصِيبِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَأْخُذَ النَّصِيبَ - وَهُوَ وَاحِدٌ - وَتَضْرِبَهُ فِي ثَلاَثَةٍ ثُمَّ فِي ثَلاَثَةٍ، فَيَكُونَ تِسْعَةً، ثُمَّ تَطْرَحَ مِنْ ذَلِكَ سَهْمًا كَمَا طَرَحْتَ فِي الاِبْتِدَاءِ يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ فَهُوَ النَّصِيبُ، فَإِذَا رَفَعْتَذَلِكَ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ تَبْقَى تِسْعَةٌ، فَلِلْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ ثُلُثُ ذَلِكَ ثَلاَثَةٌ، تَبْقَى سِتَّةٌ تُضِيفُهَا إِلَى ثُلُثَيِ الْمَال وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَثَلاَثُونَ فَيَكُونُ أَرْبَعِينَ بَيْنَ خَمْسَةِ بَنِينَ لِكُل ابْنٍ ثَمَانِيَةٌ مِثْل النَّصِيبِ فَاسْتَقَامَ (247) .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:
تَرَكَ ثَلاَثَةَ بَنِينَ وَأَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ وَلآِخَرَ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ، اجْعَل ثُلُثَ الْمَال نَصِيبًا مَجْهُولاً وَثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ، اعْزِل نَصِيبَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ، يَبْقَى مِنَ الثُّلُثِ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ، يَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْهَا دِرْهَمًا، يَبْقَى دِرْهَمَانِ تُضِيفُهُمَا لِثُلُثَيِ الْمَال وَذَلِكَ نَصِيبَانِ وَسِتَّةُ دَرَاهِمَ فَيَصِيرُ نَصِيبَيْنِ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَنِينَ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ ثَلاَثَةُ أَنْصِبَاءَ، فَيَصِيرُ النَّصِيبَانِ لاِبْنَيْنِ وَثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ لِنَصِيبِ الثَّالِثِ، فَقَدْ بَانَ النَّصِيبُ الْمَجْهُول ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَقَدْ جَعَلْتَ ثُلُثَ الْمَال نَصِيبًا وَثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ، فَيَكُونُ الثُّلُثُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَجَمِيعُهُ ثَلاَثَةٌ وَثَلاَثُونَ، يَخْرُجُ الثُّلُثُ أَحَدَ عَشَرَ وَيَخْرُجُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ ثَمَانِيَةٌ، وَبِثُلُثِ مَا يَبْقَى وَاحِدٌ، وَيَبْقَى اثْنَانِ لِثُلُثَيِ الْمَال وَهُوَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ، وَتَكُونُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ بَيْنَ الْبَنِينَ، لِكُل ابْنٍ ثَمَانِيَةٌ كَمَا أَخَذَ الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ.
فَإِنْ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ إِحْدَى الأُْخْتَيْنِ وَلآِخَرَ بِثُلُثِ مَا يَبْقَى مِنَ الثُّلُثِ، وَتَرَكَ بِنْتًا وَأُخْتَيْنِ اجْعَل الثُّلُثَ نَصِيبًا وَثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ، فَالنَّصِيبُ لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ، وَثُلُثُ الْبَاقِي دِرْهَمٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ الْبَاقِي، وَيَبْقَى دِرْهَمَانِ تُضِيفُهُمَا لِثُلُثَيِ الْمَال فَيَكُونُ نَصِيبَيْنِ وَثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ وَهُوَ يَعْدِل أَرْبَعَةَ أَنْصِبَاءَ؛ لأَِنَّ الأُْخْتَ الْمُوصَى بِمِثْل نَصِيبِهَا لَهَا رُبُعُ التَّرِكَةِ بَعْدَ الْوَصَايَا وَذَلِكَ نَصِيبَانِ فَثَمَانِيَةٌ لِنَصِيبَيْنِ؛ لِكُل نَصِيبٍ أَرْبَعَةٌ وَثَلاَثَةٌ فَذَلِكَ سَبْعَةٌ، وَهَذَا ثُلُثُ الْمَال فَجَمِيعُهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ، لِلْمُوصَى لَهُ بِمِثْل النَّصِيبِ مِنَ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ، وَبِثُلُثِ مَا يَبْقَى وَاحِدٌ، وَيَبْقَى اثْنَانِ يُضَافَانِ لِثُلُثَيِ الْمَال وَهُوَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْنَ الْبِنْتِ وَالأُْخْتَيْنِ، لِلْبِنْتِ ثَمَانِيَةٌ، وَلِكُل أُخْتٍ أَرْبَعَةٌ مِثْل الْمُوصَى لَهُ بِمِثْل نَصِيبِهَا (248) .
وَمِثَال هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: ثَلاَثَةُ بَنِينَ وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، وَلِعَمْرٍو بِمِثْل مَا تَبَقَّى مِنْ ثُلُثِ الْمَال بَعْدَ النَّصِيبِ، تُقَدِّرُ ثُلُثَ الْمَال عَدَدًا لَهُ ثُلُثٌ لِقَوْلِهِ: بِثُلُثِ الْبَاقِي مِنَ الثُّلُثِ. وَلْيَكُنْ ثَلاَثَةً، تَزِيدُ عَلَيْهِ وَاحِدًا لِلنَّصِيبِ فَيَكُونُ أَرْبَعَةً، وَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ أَرْبَعَةً، فَالثُّلُثَانِ ثَمَانِيَةٌ وَالْجُمْلَةُ اثْنَا عَشَرَ، تُعْطِي زَيْدًا سَهْمًا، وَعَمْرًا سَهْمًا، وَهُوَ ثُلُثُ الثَّلاَثَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ ثُلُثِ الْمَال الْبَاقِي، يَبْقَى سَهْمَانِ، تَضُمُّهُمَا إِلَى ثُلُثَيِ الْمَال تَكُونُ عَشْرَةً، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَلاَثَةً، فَيَكُونُ لِكُل ابْنٍ مِثْل النَّصِيبِ الْمَفْرُوضِ، فَقَدْ زَادَ عَلَى مَا يَنْبَغِي سَبْعَةٌ، وَهُوَ الْخَطَأُ الأَْوَّل، ثُمَّ تُقَدِّرُ الثُّلُثَ خَمْسَةً، وَتَجْعَل النَّصِيبَ اثْنَيْنِ، وَتُعْطِي عَمْرًا وَاحِدًا، يَبْقَى سَهْمَانِ، تَزِيدُهُمَا عَلَى ثُلُثَيِ الْمَال، وَهُوَ عَشَرَةٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، تَبْلُغُ اثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سِتَّةً لِيَكُونَ لِكُل ابْنٍ سَهْمَانِ، فَزَادَ عَلَى مَا يَنْبَغِي سِتَّةً، وَهُوَ الْخَطَأُ الثَّانِي، ثُمَّ نَقُول: لَمَّا أَخَذْنَا أَرْبَعَةً زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ سَبْعَةً، وَلَمَّا زِدْنَا سَهْمًا نَقَصَ عَنِ الْخَطَأِ سَهْمٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّ كُل سَهْمٍ يَزِيدُ يَنْقُصُ بِهِ مِنَ الْخَطَأِ سَهْمٌ.
وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْخَطَأِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، فَتَزِيدُ لَهَا سِتَّةَ أَسْهُمٍ يَكُونُ أَحَدَ عَشَرَ، فَهُوَ ثُلُثُ الْمَال، النَّصِيبُ مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ، وَجَمِيعُ الْمَال ثَلاَثَةٌ وَثَلاَثُونَ (249) .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا خَلَّفَ ثَلاَثَةَ بَنِينَ، وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، وَلآِخَرَ بِنِصْفِ بَاقِي الْمَال، فَفِيهِ أَوْجُهٌ.
الأَْوَّل: يُعْطَى صَاحِبُ النَّصِيبِ مِثْل نَصِيبِ ابْنٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَصِيَّةٌ أُخْرَى.
وَالثَّانِي: يُعْطَى نَصِيبَهُ مِنْ ثُلُثَيِ الْمَال.
وَالثَّالِثُ: يُعْطَى مِثْل نَصِيبِ ابْنٍ بَعْدَ أَخْذِ صَاحِبِ النِّصْفِ وَصِيَّتَهُ فَيَدْخُلُهَا الدَّوْرُ وَلَهَا طُرُقٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ تَأْخُذَ مَخْرَجَ النِّصْفِ، فَتُسْقِطَ مِنْهُ سَهْمًا يَبْقَى سَهْمٌ، فَهُوَ النَّصِيبُ، فَزِدْ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ وَاحِدًا، تَكُنْ أَرْبَعَةً، فَتَضْرِبَهَا فِي الْمَخْرَجِ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً تُنْقِصُهَا سَهْمًا يَبْقَى سَبْعَةٌ، فَهِيَ الْمَال، لِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ سَهْمٌ، وَلِلآْخَرِ نِصْفُ الْبَاقِي ثَلاَثَةٌ وَلِكُل ابْنٍ سَهْمٌ.
الثَّانِي: أَنْ تُزِيدَ سِهَامَ الْبَنِينَ نِصْفَ سَهْمٍ، وَتَضْرِبَهَا فِي الْمَخْرَجِ تَكُنْ سَبْعَةً.
الثَّالِثُ: طَرِيقُ الْمَنْكُوسِ، وَهُوَ أَنْ تَأْخُذَ سِهَامَ الْبَنِينَ وَهِيَ ثَلاَثَةٌ، فَتَقُول: هَذَا بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ نِصْفُهُ، فَإِذَا أَرَدْتَ تَكْمِيلَهُ، زِدْتَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ، ثُمَّ زِدْ عَلَيْهِ مِثْل نَصِيبِ ابْنٍ تَكُنْ سَبْعَةً.
الرَّابِعُ: أَنْ تَجْعَل الْمَال سَهْمَيْنِ وَنَصِيبًا، تَدْفَعُ النَّصِيبَ إِلَى الْمُوصَى لَهُ بِهِ يَبْقَى سَهْمٌلِلْبَنِينَ يَعْدِل ثَلاَثَةَ أَنْصِبَاءَ، فَالْمَال كُلُّهُ سَبْعَةٌ، وَبِالْجَبْرِ تَأْخُذُ مَالاً، وَتَلْقَى مِنْهُ نَصِيبًا يَبْقَى مَال الأَْنْصِبَاءِ، تَدْفَعُ نَصِيبَ الْبَاقِي إِلَى الْوَصِيِّ الآْخَرِ يَبْقَى نِصْفُ مَالٍ إِلاَّ نِصْفَ نَصِيبٍ يَعْدِل ثَلاَثَةَ أَنْصِبَاءَ، اجْبُرْهُ بِنِصْفِ نَصِيبٍ، وَزِدْهُ عَلَيْهِ يَبْقَى نَصِيبًا كَامِلاً يَعْدِل ثَلاَثَةً وَنِصْفًا، فَالْمَال سَبْعَةٌ (250) .

ج - الْوَصِيَّةُ بِالنَّصِيبِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ مِنَ الْمَال عَنْهُ:
97 - مِثَال هَذِهِ الصُّورَةِ: أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ ابْنِهِ إِلاَّ نِصْفَ مَالِهِ وَتَرَكَ ابْنًا وَاحِدًا صَحَّا وَلِلْمُوصَى لَهُ رُبُعُ الْمَال؛ لأَِنَّ الْمَال سَهْمٌ إِذِ الاِبْنُ وَاحِدٌ فَزِدْ عَلَيْهِ سَهْمًا لأَِجْل الْوَصِيَّةِ بِالْمِثْل؛ وَاجْعَل كُل سَهْمٍ سَهْمَيْنِ لِحَاجَتِنَا إِلَى مَعْرِفَةِ نِصْفِ الْمَال فَصَارَ كُل الْمَال أَرْبَعَةً، فَأَعْطِ لِلْمُوصَى لَهُ ثَلاَثَةً؛ لأَِنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى مِنَ النَّصِيبِ نِصْفَ الْمَال كَانَ النَّصِيبُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْمَال وَاسْتَرْجِعْ مِنْهُ نِصْفَ الْمَال وَهُوَ اثْنَانِ فَيَصِيرَ فِي يَدِ الاِبْنِ ثَلاَثَةٌ، وَيَبْقَى لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ وَهُوَ رُبُعُ الْمَال (251) . وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا:
أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ جُزْءًا مُعَيَّنًا، نَحْوَ ثَلاَثَةِ بَنِينَ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إِلاَّ سُبْعَ مَالِهِ، فَيُدْفَعُ لَهُ مَا كَانَ يُصِيبُ أَحَدُ الْبَنِينَ قَبْل الْوَصِيَّةِ وَهُوَ الثُّلُثُ، يَبْقَى ثُلُثُ الْمَال سَهْمَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ مُبَايِنًا، فَتَضْرِبُ ثَلاَثَةً فِي ثَلاَثَةٍ تَبْلُغْ تِسْعَةً، فِي سَبْعَةٍ - مَخْرَجُ الْجُزْءِ الْمُسْتَثْنَى - تَبْلُغْ ثَلاَثَةً وَسِتِّينَ، لِصَاحِبِ الْوَصِيَّةِ ثُلُثُ ذَلِكَ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ، وَالنَّصِيبُ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثٍ، فَأَمَّا لَوْ كَانَ الْبَنُونَ أَرْبَعَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ مَا يَبْقَى مِنَ النِّصْفِ لَصَحَّتْ. ثُمَّ الْعَمَل أَنْ تَأْخُذَ مَخْرَجَ الرُّبُعِ إِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً تَضْرِبُهُ فِي مَخْرَجِ ثُلُثِ الثُّلُثِ تِسْعَةٌ، يَكُونُ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ، النَّصِيبُ مِنْهَا تِسْعَةٌ، وَالثُّلُثُ اثْنَا عَشَرَ يَبْقَى مِنْهُ ثَلاَثَةٌ، ثُلُثُهَا وَاحِدٌ فَيُضَافُ عَلَى النَّصِيبِ فَيَصِيرُ عَشَرَةً، وَتَرُدُّ مِنْهُ سُبُعَ الْمَال وَهُوَ تِسْعَةٌ تَبْقَى بِيَدِهِ اثْنَا عَشَرَ وَذَلِكَ جُمْلَةُ مَا يَصِحُّ لَهُ وَيَبْقَى أَحَدٌ وَخَمْسُونَ لِكُل ابْنٍ سَبْعَةَ عَشَرَ (252) .

د - الاِسْتِثْنَاءُ مَعَ ذِكْرِ الأَْنْصِبَاءِ وَالْكُسُورِ:
الاِسْتِثْنَاءُ مَعَ ذِكْرِ الأَْنْصِبَاءِ وَالْكُسُورِ فِي مَسَائِل الْوَصَايَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ (253) . الضَّرْبُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِمَّا بَقِيَ مِنَ الْمَال بَعْدَ النَّصِيبِ:
98 - مِثَالُهُ: إِذَا كَانَ لِلرَّجُل خَمْسَةُ بَنِينَ فَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إِلاَّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدِ النَّصِيبِ فَالْفَرِيضَةُ مِنْ سَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ، النَّصِيبُ عَشَرَةٌ، وَالاِسْتِثْنَاءُ ثَلاَثَةٌ وَلِكُل ابْنٍ عَشَرَةٌ. وَتَخْرِيجُهُ أَنْ تَأْخُذَ عَدَدَ الْبَنِينَ خَمْسَةً فَتَزِيدَ عَلَيْهَا سَهْمًا بِالْوَصِيَّةِ بِالنَّصِيبِ ثُمَّ تَضْرِبَ ذَلِكَ فِي ثَلاَثَةٍ فَيَكُونَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، ثُمَّ تَزِيدَ عَلَيْهَا سَهْمًا فَيَكُونَ تِسْعَةَ عَشَرَ فَهُوَ ثُلُثُ الْمَال، وَالثُّلُثَانِ ثَمَانِيَةٌ وَثَلاَثُونَ فَالْجُمْلَةُ سَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ، وَمَعْرِفَةُ النَّصِيبِ أَنْ تَأْخُذَ النَّصِيبَ وَهُوَ وَاحِدٌ وَتَضْرِبَهُ فِي ثَلاَثَةٍ ثُمَّ فِي ثَلاَثَةٍ، فَيَكُونَ تِسْعَةً ثُمَّ تَزِيدَ عَلَيْهِ سَهْمًا فِي أَصْل الْمَال فَيَكُونَ عَشَرَةً، وَهُوَ النَّصِيبُ الْكَامِل إِذَا رَفَعْتَهُ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ بَقِيَ تِسْعَةٌ فَاسْتَرْجِعْ بِالاِسْتِثْنَاءِ مِنَ النَّصِيبِ مِثْل ثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَهُوَ ثَلاَثَةٌ وَضُمَّ ذَلِكَ إِلَى تِسْعَةٍ فَيَكُونَ اثْنَيْ عَشَرَ ثُمَّ تَضُمَّ ذَلِكَ إِلَى ثُلُثَيِ الْمَال ثَمَانِيَةٍ وَثَلاَثِينَ فَيَكُونَ خَمْسِينَ بَيْنَ خَمْسَةِ بَنِينَ، لِكُل ابْنٍ عَشَرَةٌ مِثْل نَصِيبٍ كَامِلٍ (254) . الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِمَّا بَقِيَ مِنَ الْمَال بَعْدَ الْوَصِيَّةِ:
99 - مِثَالُهُ: أَنْ يَقُول الْمُوصِي: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ بِمِثْل نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيَّ الثَّلاَثَةِ إِلاَّ رُبُعَ الْبَاقِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَلَكَ فِيهَا طُرُقٌ مِنْهَا: اجْعَل الْمَخْرَجَ ثَلاَثَةً وَزِدْ عَلَى الْمَخْرَجِ وَاحِدًا يَبْلُغْ أَرْبَعَةً، فَهُوَ النَّصِيبُ، وَرُدَّ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ الثَّلاَثَةِ سَهْمًا لِيَكُونَ النَّصِيبُ أَرْبَعَةً، وَزِدْ أَيْضًا ثُلُثًا لأَِجْل الْوَصِيَّةِ وَاضْرِبِ الَّذِي صَارَ أَرْبَعَةً وَثُلُثًا فِي ثَلاَثَةٍ الَّتِي هِيَ الْمَخْرَجُ يَكُنْ بِالضَّرْبِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ سَهْمًا، لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ سَهْمٌ وَلِكُل ابْنٍ أَرْبَعَةٌ (255) .

الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِمَّا بَقِيَ مِنْ جُزْءٍ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ:
100 - مِثَالُهُ: خَلَّفَ ثَلاَثَةَ بَنِينَ وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِنَصِيبِ ابْنٍ إِلاَّ نِصْفَ الْبَاقِي مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، فَقُل: ثُلُثُ الْمَال وَصِيَّةٌ وَقِسْمَانِ، وَنَصِيبُ كُل ابْنٍ وَصِيَّةٌ وَقِسْمٌ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ نَصِيبٌ إِلاَّ وَاحِدًا - أَيْ نِصْفُ الْبَاقِي - يَكُونُ النَّصِيبُ وَصِيَّةً وَوَاحِدًا؛ وَجَمِيعُ الأَْنْصِبَاءِ ثَلاَثُ وَصَايَا وَثَلاَثَةٌ أَقْسَامٍ وَهِيَ تَعْدِل مَا يَبْقَى مِنَ الْمَال بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ وَصِيَّتَانِ وَسِتَّةُ أَقْسَامٍ؛ لأَِنَّ ثُلُثَ الْمَال وَصِيَّةٌ وَقِسْمَانِ فَجَمِيعُهُ ثَلاَثُ وَصَايَا وَسِتَّةُ أَقْسَامٍ فَإِذَا أَخْرَجْتَ الْوَصِيَّةَ يَبْقَى مَا ذُكِرَ ثُمَّ بَعْدَ إِلْقَاءِ الْمُشْتَرَكِ يَبْقَى وَصِيَّةٌ تَعْدِل ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ثُلُثُ الْمَال خَمْسَةً وَالْكُل خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْوَصِيَّةُ ثَلاَثَةً وَكُل نَصِيبٍ أَرْبَعَةً (256) .

الضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِمَّا يَبْقَى مِنْ جُزْءِ الْمَال بَعْدَ النَّصِيبِ:
101 - مِثَالُهُ: خَلَّفَ ثَلاَثَةَ بَنِينَ وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِنَصِيبِ ابْنٍ إِلاَّ ثُلُثَ مَا يَبْقَى مِنْ ثُلُثِ الْمَال بَعْدَ النَّصِيبِ، فَنَقُول: يَفْرِضُ ثُلُثَ التَّرِكَةِ نَصِيبًا وَثَلاَثَةً لِيَكُونَ لَهَا ثُلُثٌ صَحِيحٌ فَيَكُونُ كُل التَّرِكَةِ ثَلاَثَةَ أَنْصِبَاءَ وَتِسْعَةً فَالْوَصِيَّةُ مِنْهَا نَصِيبٌ إِلاَّ ثُلُثَ الثَّلاَثَةِ إِذِ الثُّلُثُ نَصِيبٌ وَثَلاَثَةٌ، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ نَصِيبُ ابْنٍ إِلاَّ ثُلُثَ مَا يَبْقَى مِنْ ثُلُثِ الْمَال بَعْدَ النَّصِيبِ، ثُمَّ الْبَاقِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ نَصِيبَانِ وَعَشَرَةٌ، وَذَلِكَ يَعْدِل ثَلاَثَةَ أَنْصِبَاءَ، فَالنَّصِيبُ عَشَرَةٌ، وَالثُّلُثُ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، وَالْجَمِيعُ تِسْعَةٌ وَثَلاَثُونَ، وَالْوَصِيَّةُ تِسْعَةٌ وَلِكُل ابْنٍ عَشَرَةٌ (257) .

هـ - إِطْلاَقُ الاِسْتِثْنَاءِ:
102 - مَتَى أَطْلَقَ الْمُوصِي الاِسْتِثْنَاءَ كَأَنْ يَقُول: أَوْصَيْتُ لَهُ بِمِثْل نَصِيبِ فُلاَنٍ إِلاَّ رُبُعَ مَا تَبَقَّى مِنَ الْمَال، وَلَمْ يَقُل: بَعْدَ النَّصِيبِ وَلاَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَفِيهِ رَأْيَانِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: يُحْمَل عَلَى مَا بَعْدَ النَّصِيبِ؛ لأَِنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ النَّصِيبُ فَانْصَرَفَ الاِسْتِثْنَاءُ إِلَيْهِ.
وَعَزَا ابْنُ قُدَامَةَ هَذَا الرَّأْيَ إِلَى جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
الرَّأْيُ الثَّانِي: يُحْمَل عَلَى الْبَاقِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ أَكْثَرُ مِنَ الْبَاقِي بَعْدَ النَّصِيبِ؛ فَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى أَكْثَرَ، وَيَقِل نَصِيبُ الْمُوصَى لَهُ وَقَدْ تَقَرَّرَ تَنْزِيل الْوَصَايَا عَلَى الأَْقَل الْمُتَيَقَّنِ.
وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَزَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ وَالْبَصْرِيِّينَ (258) .
__________
(1) الْقَامُوس الْمُحِيط وَالْمِصْبَاح الْمُنِير وَالْمُعْجَم الْوَسِيط.
(2) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 8 / 416 طَبْعَة بُولاَق، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ 5 / 457، وَحَاشِيَة الصَّاوِي عَلَى الشَّرْحِ الصَّغِيرِ 4 / 579، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 38ـ39، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336.
(3) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39.
(4) الْمِصْبَاح الْمُنِير وَالْمُعْجَم الْوَسِيط.
(5) الْفَتَاوَى الْخَانِيَة 3 / 513، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39.
(6) الْمُعْجَم الْوَسِيط.
(7) فَتْح الْقَدِير 7 / 113، وَالدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 530 ط الْحَلَبِيّ، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 139، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 396، وَالْمُغْنِي 5 / 591، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 329، وَغَايَة الْمُنْتَهَى 2 / 328.
(8) مُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 397.
(9) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 414، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 371.
(10) سُورَة النِّسَاء: 12.
(11) حَدِيث عَلَيَّ: " إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآْيَةَ. . . . ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (4 / 416 - ط الْحَلَبِيّ) ، وَضَعْف إِسْنَادِهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (5 / 377) .
(12) حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص: قُلْت: " يَا رَسُول اللَّهِ أَنَا ذُو مَال. " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح 3 / 164) وَمُسْلِم (3 / 1250 - 1251 ط الْحَلَبِيّ) وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.
(13) حَدِيث مُعَاذ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصْدُقُ عَلَيْكُمْ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (3 / 150 ط دَارَ الْمَحَاسِن) ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بُلُوغ الْمَرَام (ص 322 ط دَار ابْن كَثِير) وَذَكَرَ أَنَّ طُرُقَهُ كُلّهَا ضَعِيفَة وَلَكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضهَا بعضا.
(14) حَدِيث ابْن عُمَر: " مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح 5 / 355 ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (3 / 1249) وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.
(15) الْهِدَايَة مَعَ شُرُوحِهَا 10 / 413.
(16) الْهِدَايَة مَعَ شُرُوحِهَا 10 / 411.
(17) سُورَة النِّسَاء: 12.
(18) حَدِيث ابْن عَبَّاسٍ: " الإِْضْرَار فِي الْوَصِيَّةِ فِي الْكَبَائِرِ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (3 / 151 ط دَارَ الْمَحَاسِن) ، وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (6 / 271 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَقَفَهُ عَلَى ابْن عَبَّاسٍ.
(19) سُورَة الْبَقَرَة: 180.
(20) حَدِيث: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِث ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (4 / 433 ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن أمامة الْبَاهِلِيّ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّخْلِيصِ (3 / 92 ط شَرِكَة الطِّبَاعَةِ الْفَنِّيَّةِ)
(21) حَدِيث ابْن عُمَر: يَا ابْن آدَمَ، اثْنَتَانِ لَمْ تَكُنْ لَك وَاحِدَة مِنْهُمَا أَخْرِجْهُ ابْن مَاجَهْ (2 / 904 ط الْحَلَبِيّ) ، وَقَال الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (2 / 98 ط دَار الْجِنَان) : هَذَا إِسْنَاد فِيهِ مَقَال. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى جَهَالَة أَحَد رُوَاته وَإِلَى ضَعْفٍ آخَرَ. وَالْكَظْمُ هُوَ مُخْرِجُ النَّفْسِ.
(22) حَدِيث مُعَاذ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَصْدُقُ عَلَيْكُمْ. . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه (5) .
(23) حَدِيث: " الثُّلْث وَالثُّلْث كَثِير " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح 5 / 363) وَمُسْلِم (3 / 1253) .
(24) الاِخْتِيَار 5 / 64، وَالْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ 2 / 1023، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 47، وَحَاشِيَة الْجَمَل 4 / 49، وَالْمُغْنِي 6 / 4.
(25) حَدِيث: " إِنَّك إِنْ تَرَكْت وَرَثَتَك أَغْنِيَاء خَيْر لَك. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ الْفَتْح (12 / 14) وَمُسْلِم (3 / 1253) وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(26) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 331، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 579، وَالْخَرَشِيّ 8 / 168، وَالْمُغْنِي 6 / 3.
(27) شَرْح مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ 11 / 86 ط دَار الْقَلَم، وَانْظُرِ الأُْمّ لِلشَّافِعِيِّ 4 / 30.
(28) سُورَة الْبَقَرَة: 180.
(29) حَدِيث ابْن عُمَر: " مَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (3 / 1250) .
(30) الْمُغْنِي 6 / 1ـ3، حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 415، وَالْقُرْطُبِيّ 2 / 359، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 579، وَغَايَة الْمُنْتَهَى 2 / 328، وَالْمُحَلَّى 9 / 312.
(31) كِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 56 وَمَا بَعْدَهَا، وَالْمُهَذَّب 1 / 586 وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، 52 وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 4، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 345 وَمَا بَعْدَهَا، وَنِيل الْمَآرِب 2 / 46، وَالشَّرْح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي عَلَيْهِ 4 / 585 وَمَا بَعْدَهَا.
(32) سُورَة النَّجْمِ: 39.
(33) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 416 ط بُولاَق، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 331ـ332، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 184.
(34) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 90، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 52.
(35) حَدِيث: (مَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. .) تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف 5.
(36) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 339، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 601، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 36، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 337.
(37) الأَْشْبَاه لاِبْنِ نَجِيم ص 343، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 584، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 444، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 52 - 53.
(38) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 344، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 36، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 584 وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336.
(39) الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا 8 / 432 طَبْعَة بُولاَق.
(40) شَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 176ـ177، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 583، وَحَاشِيَة الْجُمَل 4 / 48، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344.
(41) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَحَاشِيَة الْجُمَل 4 / 48.
(42) شَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 176ـ177، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 583، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344، وَرَوْضَة الْقُضَاة 4 / 682.
(43) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 421، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 427، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 367، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 583، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 142ـ143.
(44) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 681.
(45) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344ـ345، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 5 / 90، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 427.
(46) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 681ـ682، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 583، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 424، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344ـ345، وَالإِْنْصَاف 7 / 205، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 66، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 142.
(47) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 66، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 43، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 142، وَالإِْنْصَاف 7 / 105.
(48) الإِْنْصَاف 7 / 105.
(49) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 43.
(50) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 68، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 416، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 585، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 1 / 53، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344.
(51) رَوْضَة الْقُضَاة 1 / 180، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 459ـ460، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53ـ54، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ 6 / 66.
(52) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 682، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 421، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 23 - 24.
(53) حَدِيث: " مَنْ تَرَكَ مَالاَ فَلِوَرَثَتِهِ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي 9 / 7) وَمُسْلِم (3 / 1237) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(54) الدُّسُوقِيّ 4 / 424، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 583، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 54، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 6 / 23ـ24، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 344، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 459.
(55) الْفَتَاوَى البزازية بِهَامِش الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 437.
(56) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 432.
(57) الدَّرّ الْمُخْتَار 5 / 427.
(58) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 5 / 148.
(59) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 587ـ588.
(60) الْمُهَذَّب مَعَ تَكْمِلَةِ الْمَجْمُوعِ 14 / 339.
(61) حَدِيث: " الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (3 / 626 ط الْحَلَبِيّ) فِي حَدِيثِ عَمْرو بْن عَوْف الْمُزَنِيّ وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(62) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 351.
(63) أَثَر عُمَر: يُغَيِّرُ الرَّجُل مَا شَاءَ فِي وَصِيَّتِهِ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي الْمُصَنَّفِ (9 / 71 ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ) .
(64) تَبْيِين الْحَقَائِقِ مَعَ حَاشِيَة الشلبي 6 / 186 وَمَا بَعْدَهَا، وَتَكْمِلَة فَتْحِ الْقَدِير 8 / 438ـ441، وَالدَّرِّ الْمُخْتَارِ 5 / 465 وَمَا بَعْدَهَا، وَاللُّبَاب مَعَ الْكِتَابِ 4 / 178 وَمَا بَعْدَهَا، وَرَوْضَة الْقُضَاة 2 / 708 - 710، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 9 / 369، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 587، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 71ـ72، وَالْمُهَذَّب 1 / 468 وَمَا بَعْدَهَا، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 348 وَمَا بَعْدَهَا، وَالْمُغْنِي 6 / 67 وَمَا بَعْدَهَا، وَالإِْنْصَاف 6 / 211 وَمَا بَعْدَهَا، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 460 وَمَا بَعْدَهَا.
(65) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 436 ط الْبَابِيّ الْحَلَبِيّ، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 71، وَالْمُغْنِي 6 / 68، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 64، وَالإِْنْصَاف 6 / 213، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 463.
(66) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
(67) أَثَر عُمَر " أَنَّهُ أَجَازَ وَصِيَّة صَبِيّ فِي غَسَّان " أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (2 / 762 ط الْحَلَبِيّ) وَالْبَيْهَقِيّ (6 / 282 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) ، وَأَعُلْهُ بِالاِنْقِطَاعِ بَيْنَ عُمَر وَالرَّاوِي عَنْهُ.
(68) الشَّرْح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي عَلَيْهِ 4 / 580.
(69) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336، وَالإِْنْصَاف 7 / 185، وَالْمُغْنِي 6 / 101.
(70) اللُّبَاب 2 / 71، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 94، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 580، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 443، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 4، وَالإِْنْصَاف 6 / 185.
(71) الْحَموِي مَعَ الأَْشْبَاهِ 2 / 151، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 580، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، 279، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 444، وَالإِْنْصَاف 7 / 187، وَالْمُغْنِي 6 / 302، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 336.
(72) الاِخْتِيَار 5 / 64، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 580، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 4 / 443 - 444.
(73) الْبَدَائِع 7 / 335، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 7، 3 / 39، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 548ـ550.
(74) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 131، وَالْخَرَشِيّ 8 / 168 وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 39، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 352 - 353، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 6 / 185.
(75) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 131 - 132.
(76) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 335.
(77) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 335، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 105، الإِْنْصَاف 7 / 231، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 30، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 100.
(78) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 581 - 582، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 100، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40، وَالإِْنْصَاف 7 / 231.
(79) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 105، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 116، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 365، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 581 - 582.
(80) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 418، وَالشَّرْح الْكَبِير مَعَ الدُّسُوقِيّ 4 / 423، مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 99 - 100، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 30 - 31، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 356.
(81) الشَّرْح الْكَبِير 4 / 423، وَالشَّرْح الصَّغِير 4 / 581 - 582.
(82) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 416، وَرَوْضَة الْقُضَاة 2 / 698 - 699، وَعَقْد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 416، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 357، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40.
(83) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 699، وَالْفَتَاوِي البزازية بِهَامِش الْهِنْدِيَّة 6 / 438، وَعَقْد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 416، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 434. وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40، 62 - 63، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 43، وَالْمُغْنِي 6 / 56.
(84) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 342.
(85) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 425، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 426، وجواهر الإِْكْلِيل 2 / 317، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 42، وكشاف الْقِنَاع 4 / 365، والإنصاف 6 / 246
(86) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 42، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 32، وكشاف الْقِنَاع 4 / 365
(87) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 40 - 42، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 30، وكشاف الْقِنَاع 4 / 359، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 422 والبدائع 7 / 341، وروضة الْقُضَاة 2 / 680
(88) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 30، والدسوقي 4 / 422، والإنصاف 7 / 237، وكشاف الْقِنَاع 4 / 360، ومواهب الْجَلِيل 6 / 365
(89) الْبَدَائِع 7 / 341
(90) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 97، وروضة الْقُضَاة 2 / 680، والمبسوط 27 / 189، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 61 - 62، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 172، 5 / 320 - 321، وكشاف الْقِنَاع 4 / 359، والإنصاف 7 / 236
(91) حَدِيث: " لَيْسَ لِقَاتِل وَصِيَّةٍ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (4 / 237 ط دَارَ الْمَحَاسِن) مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب، ثُمَّ قَال الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَحَدِ رُوَاته: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، يَضَعُ الْحَدِيث
(92) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 339، وروضة الْقُضَاة 2 / 685، حاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 416، والإنصاف 7 / 232 - 233، وكشاف الْقِنَاع 4 / 358، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43
(93) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 358
(94) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 4 / 426، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 32، والإنصاف 7 / 232 ـ 233
(95) حَدِيث: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُل ذِي حَقِّ حَقِّهِ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (4 / 433 ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وحسنه ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (3 / 92 ط شَرِكَة الطِّبَاعَةِ الْفَنِّيَّةِ)
(96) حَدِيث: " لاَ تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِث. . . . " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (4 / 98 ط دَارَ الْمَحَاسِن) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ، ورجح ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (3 / 92 ط شَرِكَة الطِّبَاعَةِ الْفَنِّيَّةِ) إِرْسَاله
(97) حَدِيث: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (4 / 98 ط الْمَحَاسِن) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو، وقال ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (3 / 92) : إِسْنَادُهُ وَاهٍ
(98) الْبَدَائِع 7 / 337، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 182 - 183، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 427 والقوانين الْفِقْهِيَّة ص411، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 6 / 6
(99) حَدِيث: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف (7)
(100) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 427 والقوانين الْفِقْهِيَّة ص411، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 6 / 6
(101) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير: 10 / 422 وَمَا بَعْدَهَا، فتح الْعَلِيّ الْمَالِك 1 / 322 وَمَا بَعْدَهَا، القوانين الْفِقْهِيَّة ص406، كفاية الأَْخْيَار 2 / 60، المهذب 1 / 589، ط ثَالِثَة، ونيل الْمَآرِب 3 / 246 وَمَا بَعْدَهَا، كشاف الْقِنَاع 4 / 376، مطالب أُولِي النُّهَى 4 / 448 - 449، 451، المغني 6 / 6، مغني الْمُحْتَاج 3 / 43، الشرح الصَّغِير 4 / 585 - 586
(102) الشَّرْح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي 4 / 595 - 596
(103) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 422، فتح الْعَلِيّ الْمَالِك 1 / 322، القوانين الْفِقْهِيَّة 406، كفاية الأَْخْيَار 2 / 60، المهذب 1 / 589، نيل الْمَآرِب 3 / 246، كشاف الْقِنَاع 4 / 344، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 452، والمغني 6 / 14، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، والشرح الصَّغِير 4 / 585
(104) حَدِيث: " لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ ". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (3 / 57 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَضِعْفه
(105) حَدِيث: " السَّاكِن مِنْ أَرْبَعِينَ دَار جَار. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل (ص 257 ط الرِّسَالَة) مِنْ حَدِيثِ ابْن شِهَاب الزُّهْرِيّ مُرْسَلاً
(106) الْهِدَايَة مَعَ شُرُوحِهَا 10 / 474 وَمَا بَعْدَهَا، والكتاب مَعَ اللُّبَابِ 4 / 179 - 180، والشرح الصَّغِير 4 / 591 - 592، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 58 - 63، والمهذب 1 / 455 وَمَا بَعْدَهَا، وكشاف الْقِنَاع 4 / 363، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 433
(107) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 477، والبدائع 7 / 348، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 201
(108) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 591 592
(109) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 63
(110) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِم. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح 6 / 244) مِنْ حَدِيثِ جُبَيْر بْن مُطْعِمٍ
(111) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 364، 287
(112) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 64
(113) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 363، والإنصاف 7 / 244
(114) حَدِيث: " تَزَوَّجَ النَّبِيّ ﷺ جُوَيْرِيَّة. . . " أَخْرَجَهُ ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَةِ كَمَا فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لاِبْن هِشَام (3 / 240 241 ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ)
(115) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 437، وتكملة فَتْح الْقَدِير 10 / 476، وتبيين الحقائق6 / 200
(116) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 438، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 200
(117) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 121، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 59 ـ 60، والفروع 4 / 617، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 481
(118) سُورَة الأَْحْزَابِ: 6
(119) حَدِيث: " أَنَّ صَفِيَّة أَوْصَتْ لاِبْنِ أَخِيهَا. . " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (6 / 281 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)
(120) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 132، وروضة الْقُضَاة 2 / 684، وبدائع الصَّنَائِع 7 / 341، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 185 ـ 186، والإنصاف 7 / 2212، وكشاف الْقِنَاع 4 / 352 ـ 353، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 42 ـ 43، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 426، والتاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش مَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 368
(121) الْمَرَاجِع السَّابِقَة
(122) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 426
(123) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى عُمَر حُلَّة مِنْ حَرِير. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (3 / 1638) مِنْ حَدِيثِ ابْن عُمَر
(124) حَدِيث أَسْمَاءٍ: أَتَتْنِي أُمَّيْ رَاغِبَة. . أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح 10 / 413) ومسلم (2 / 696)
(125) سُورَة الْمُمْتَحِنَةِ 8 9
(126) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 684، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 138، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 426، والتاج وَالإِْكْلِيل عَلَى هَامِشِ مَوَاهِبَ الْجَلِيل 6 / 368، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 400، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، وتحفة الْمُحْتَاج 7 / 13، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 185ـ186، وكشاف الْقِنَاع 4 / 352، 353، والإنصاف 7 / 221، والمغني 6 / 4
(127) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 419، 420، والتاج وَالإِْكْلِيل 6 / 368، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 400، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، وكشاف الْقِنَاع 4 / 353، والإنصاف 7 / 221، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 185 ـ 186
(128) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 186، والإنصاف 7 / 221، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 43، وتحفة الْمُحْتَاج 7 / 13، وشرح الْخَرَشِيّ 8 / 171، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 92
(129) الْبَدَائِع: 7 / 352 ـ 356، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 183، وتكملة فَتْح الْقَدِير 10 / 485 وَمَا بَعْدَهَا، والدر الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ 5 / 459، / 402 255 / 402 والشرح الْكَبِير للدردير 4 / 423، والشرح الصَّغِير 4 / 580 وَمَا بَعْدَهَا، وبداية الْمُجْتَهِد 2 / 329 وَمَا بَعْدَهَا، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص 405، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 44 ـ 46، والمهذب 1 / 452، وكفاية الأَْخْيَار 2 / 56 وَمَا بَعْدَهَا، وكشاف الْقِنَاع 4 / 407، 418، وغاية الْمُنْتَهَى 2 / 313، ونيل الْمَآرِب 3 / 252 وَمَا بَعْدَهَا، والمغني 6 / 151 وَمَا بَعْدَهَا
(130) الْبَدَائِع 7 / 352
(131) الْبَدَائِع 7 / 352، وبداية الْمُجْتَهِد 2 / 362
(132) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 44 ـ 46
(133) البدائع7 / 352، وكشاف الْقِنَاع 4 / 368، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45، وحاشية الْجُمَل 3 / 481، والشرح الصَّغِير 4 / 581
(134) الدَّرّ الْمُخْتَار مَعَ رَدِّ الْمُحْتَارِ 5 / 416، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45
(135) مَطَالِب أُولِي النهى4 / 490 ـ 491، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 403
(136) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 416، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 403، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 44، وكشاف الْقِنَاع 4 / 369، والمغني 6 / 64
(137) فَتْح الْقَدِير 8 / 435، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 416
(138) الْخَرَشِيّ 8 / 160، وشرح الزُّرْقَانِيّ 8 / 175، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 119، وكشاف الْقِنَاع 4 / 367، والفروع4 / 36، ومطالب أُولِي النهى4 / 489، والبحر الرَّائِق 6 / 164، وابن عَابِدِينَ 4 / 154
(139) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 34، وتحفة الْمُحْتَاج 7 / 73، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 187
(140) الْبَدَائِع 7 / 341، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 445، حاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 427، مغني الْمُحْتَاج 3 / 40، أسنى الْمَطَالِب 3 / 43، مطالب أُولِي النُّهَى 4 / 496، وكشاف الْقِنَاع 4 / 371
(141) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 315، والبدائع 7 / 335، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 47
(142) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 422، الزرقاني 8 / 175، والخرشي 8 / 168
(143) حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص: " الثُّلْث وَالثُّلْث كَثِير ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه (ف5)
(144) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 415 - 420، مواهب الْجَلِيل 6 / 369، والزرقاني 8 / 169، والكافي لاِبْن عَبْد الْبَرّ 2 / 1024، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 47، والإنصاف 7 / 193 - 196
(145) الشَّرْح الصَّغِير مَعَ الصَّاوِي 4 / 585 - 586، والإنصاف 7 / 192، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 448، تكملة فَتْح الْقَدِير 10 / 454
(146) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 586، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 47، والمهذب 1 / 450، والمغني 6 / 4 - 7، 12 - 15، والإنصاف 7 / 113 - 114
(147) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 10 / 415 - 419، والزرقاني 8 / 169، ومواهب الْجَلِيل 6 / 369، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 47، وكشاف الْقِنَاع 4 / 377
(148) الاِخْتِيَار 5 / 63 - 64، والإنصاف 7 / 195 - 196، والزرقاني 8 / 169 ومغني الْمُحْتَاج 3 / 47
(149) رَوْضَة الْقُضَاة 2 / 686، والإنصاف 7 / 278 - 279
(150) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 599
(151) الْمُهَذَّب 1 / 464، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45
(152) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 356، والمهذب 1 / 464، وحاشية الْجُمَل 4 / 63، والمغني لاِبْنٍ قُدَّامِهِ 6 / 31 ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 498 - 499
(153) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 599
(154) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 55، 56 ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 492 - 493، 495، وكشاف الْقِنَاع 4 / 369
(155) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 46 ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 495
(156) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 353 ـ 354
(157) حَاشِيَة الْجُمَل 4 / 63 ـ 64، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45 ـ 66
(158) وَالْمُغْنِي 6 / 59 ـ 60، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 498 ـ 499
(159) شَرْح الزُّرْقَانِيّ 8 / 195، والخرشي مَعَ حَاشِيَةِ الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ 8 / 186
(160) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 352ـ353، ومطالب أُولِي النُّهَى 41، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 6 / 60، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45 و 65 وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 416، والمدونة 6 / 31
(161) حَاشِيَة الْجُمَل 4 / 63، وبدائع الصَّنَائِع 7 / 353 ـ 354، وكشاف الْقِنَاع 6 / 371، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 426، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 498
(162) الْمُغْنِي 8 / 460 ط هَجَرَ، وبدائع الصَّنَائِع 7 / 353 ـ 354، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 58
(163) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص 352، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 417، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 64 ـ 65، والإنصاف 7 / 268، وكشاف الْقِنَاع 4 / 499
(164) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 121 ـ 122، وحاشية لِدُسُوقِيّ 4 / 424، والمدونة 6 / 32، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 45، 64 ـ 66، وكشاف الْقِنَاع 4 / 373 ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 498، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 65
(165) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 353 ـ 354
(166) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 3 / 455
(167) الْمُغْنِي 8 / 463 ـ 464 ط هَجَرَ، ومطالب أُولِي النُّهَى 40 ـ 501، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 58، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 66
(168) تُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 79، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 73، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 309، وأسنى الْمَطَالِب مَعَ حَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَيْهِ 3 / 56، 66
(169) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 444، ومطالب أُولِي النُّهَى 42، والتاج وَالإِْكْلِيل 6 / 386، وشرح الْمِنْهَاج مَعَ حَاشِيَةِ الْقَلْيُوبِيّ 3 / 172، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 66، والفروع 4 / 695، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 57
(170) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 57، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 66، والقليوبي 3 / 172
(171) الْفُرُوع لاِبْن مُفْلِح وَتَصْحِيح الْفُرُوع لِلْمَرْدَاوَيَّ 4 / 695
(172) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 189 ـ 190، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 41 ـ 43، والقواعد لاِبْن رَجَب ص 183، 188
(173) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 44، والمغني 6 / 7، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 449
(174) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 332، وحاشية الشلبي عَلَى الزيلعي 6 / 184، وحاشية الدُّسُوقِيّ وَالشَّرْح الْكَبِير 4 / 424، والمغني 6 / 25، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 564، والإنصاف 7 / 202 ـ 206، والشرح الصَّغِير 4 / 586، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 54
(175) شَرْح السراجية 3 / 7، والشرح الصَّغِير 4 / 589، 617، 618، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 3 ـ 4، وكشاف الْقِنَاع 4 / 351 وَمَا بَعْدَهَا، ونيل الْمَآرِب 3 / 253، وابن عَابِدِينَ 5 / 423 ـ 424، واللباب 4 / 177
(176) الْبَدَائِع 7 / 394، والدر الْمُخْتَار 5 / 469 ـ 471، وكشاف الْقِنَاع 4 / 336 ـ 337، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص 401 ومواهب الْجَلِيل 6 / 460 والشرح الصَّغِير 4 / 580
(177) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 130
(178) قَوَاعِد الأَْحْكَامِ فِي مَصَالِحَ الأَْنَام 2 / 353 ط دَار الْقَلَم
(179) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 3 / 300، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 426، والشرح الصَّغِير 4 / 584، والخرشي 8 / 170
(180) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 43، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 427، ومواهب الْجَلِيل 2 / 368
(181) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 171، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 39، ومواهب الْجَلِيل 6 / 369، الفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 92
(182) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 171، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 460، والخرشي 8 / 172، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 92، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 71، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 63 وَمَا بَعْدَهَا
(183) غَايَة الْمُنْتَهَى 2 / 353 ـ 354، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 92 ـ 93، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 428، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 71ـ 72
(184) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 92ـ93، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 72، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 307، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 63، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 173 ـ 174، وغاية الْمُنْتَهَى 2 / 254
(185) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 92
(186) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 394، وابن عَابِدِينَ 5 / 431، وتكملة فَتْح الْقَدِير 10 / 456 وَمَا بَعْدَهَا، ومطالب أُولِي النُّهَى 46، والمغني 6 / 154 ـ 155، وغاية الْمُنْتَهَى 2 / 368، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 440، والخرشي 8 / 182، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 72
(187) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 369، والفواكه الدَّوَانِي 2 / 189، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 46 ـ 47، والمغني 6 / 13
(188) الْبَدَائِع 7 / 374 وتكملة فَتْح الْقَدِير 9 / 368 نَشْر دَار إِحْيَاء التُّرَاثِ العربي والدر الْمُخْتَار مَعَ حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 427، والفواكه الدَّوَانِي 2 / 191، والمدونة 6 / 51، 54، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 48، وكشاف الْقِنَاع 4 / 340، والمغني 6 / 159
(189) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 423 ـ 424
(190) الدُّرّ المختار وحاشية ابْن عَابِدِينَ عَلَيْهِ 5 / 427
(191) الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا 9 / 368 نَشْر دَار إِحْيَاء التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ
(192) الدَّرّ الْمُخْتَار وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ عَلَيْهِ 5 / 427، 428، والهداية وَشُرُوحهَا 9 / 368، 369، والبدائع 7 / 374
(193) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 444، والخرشي 8 / 851، والفواكه الدَّوَانِي 2 / 191
(194) الْمُدَوَّنَة 6 / 42
(195) الْفَوَاكِه الدَّوَانِي 2 / 191، والمدونة 6 / 54، 55
(196) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 435، والخرشي 8 / 178
(197) الْمُدَوَّنَة 6 / 51
(198) الْفَوَاكِه الدَّوَانِي 2 / 191
(199) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 48، والمهذب 1 / 461، وتحفة الْمُحْتَاج 7 / 25
(200) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 49
(201) الْمُهَذَّب 1 / 461
(202) الْمُغْنِي 6 / 159، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 450
(203) الْمُغْنِي 6 / 159، والإنصاف 7 / 195
(204) حَدِيث: " مَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . . ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (7)
(205) رِوَايَة حَدِيث: " يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (3 / 1249)
(206) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 347، والشرح الصَّغِير 4 / 601، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 39، وكفاية الأَْخْيَار 1 / 55، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 6 / 70
(207) أَثَر أَنَس: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ. . أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي الْمُصَنَّفِ (9 / 53 ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ)
(208) سُورَة الْبَقَرَة: 132
(209) تَكْمِلَة فَتْحِ الْقَدِير وَالْعِنَايَةِ 8 / 511 وَمَا بَعْدَهَا، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 2 / 347، ورد الْمُحْتَار 3 / 443
(210) مُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 53، 4 / 399، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 416، ط بُولاَق
(211) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 601
(212) حَدِيث: " مَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ فِقْرَة (7)
(213) الْمُغْنِي 6 / 69 وَمَا بَعْدَهَا، وكشاف الْقِنَاع 4 / 373، وغاية الْمُنْتَهَى 2 / 348
(214) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 347 ـ 348
(215) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 5 / 430 ـ 432، والإنصاف 7 / 270، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 244 ـ 258
(216) الاِخْتِيَار 5 / 75، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 430 ـ 432، والإنصاف 7 / 270، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 42، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 49
(217) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 42
(218) أَثَر أَنَس أَنَّهُ أَوْصَى بِمِثْل نَصِيبٍ أَحَدَّ وَلَده أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة (10 / 170 ط السَّلَفِيَّة)
(219) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 5 / 429، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 188، والحاوي للماوردي 10 / 19، وَمَا بَعْدَهَا، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 208، وكشاف الْقِنَاع 4 / 381، والإنصاف 7 / 275
(220) الشَّرْح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي عَلَيْهِ 4 / 597، وَمَا بَعْدَهَا، والحاوي 10 / 19 20، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 446
(221) الإِْنْصَاف لِلْمَرْدَاوَيَّ 7 / 275
(222) الْحَاوِي للماوردي 10 / 22، وَمَا بَعْدَهَا، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 6 / 32، وكشاف الْقِنَاع 4 / 381 382، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 63
(223) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 598، وحاشية الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 4 / 447
(224) الدَّرّ الْمُخْتَار 5 / 429، وروضة الْقُضَاة 2 / 686، وحاشية الشلبي بِهَامِش تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 188، وتكملة الْبَحْر الرَّائِق 8 / 470
(225) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 446، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 62، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 513، والمغني 6 / 35
(226) الشَّرْح الصَّغِير 4 / 597، والدسوقي 4 / 446، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 62، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 208، والحاوي الْكَبِير 10 / 20، والمغني 6 / 33، وكشاف الْقِنَاع 4 / 381، والإنصاف 7 / 275، وتبيين الْحَقَائِق 6 / 188، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 5 / 429، وتكملة فَتْح الْقَدِير 8 / 443
(227) الْمُبْدِع 6 / 78، وغاية الْمُنْتَهَى 2 / 372، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 315، وأسنى الْمَطَالِب 3 / 63، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 98، وتكملة فَتْح الْقَدِير 8 / 446، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص 399، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 3 / 421
(228) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 214، والمبدع شَرْح الْمُقْنِع 6 / 81، والممتع فِي شَرْح الْمُقْنِع 4 / 266
(229) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 214 - 216، والوسيط لِلْغَزَالِيِّ 4 / 474 475 ط دَار السَّلاَمِ، والذخيرة للقرافي 13 / 110 - 112، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 483، والمبدع شَرْح الْمُقْنِع 6 / 81، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 518
(230) الذَّخِيرَة 13 / 110 - 112، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 483، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 214 - 216 والمبدع 6 / 81، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 518
(231) الذَّخِيرَة 13 / 112، وانظر رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 216، ومطالب أُولِي النُّهَى 4 / 518 - 519، والممتع 4 / 267، والمبدع 6 / 81
(232) الذَّخِيرَة 13 / 112
(233) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 216، والذخيرة 13 / 110 - 112
(234) مَطَالِب أُولِي النُّهَى 4 / 518 - 519
(235) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 216 - 217، والحاوي للماوردي 10 / 31 - 32، والذخيرة 13 / 112، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 97، والممتع 4 / 267
(236) الْمُغْنِي 6 / 47، والبناية 10 / 439، والحاوي للماوردي 10 / 32، والذخيرة 13 / 112 - 113، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص 400
(237) الْجَوْهَرَة النَّيِّرَة 2 / 395، والبناية 10 / 439
(238) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 6 / 187 188
(239) الْجَوْهَرَة النَّيِّرَة 2 / 395، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 97
(240) الْحَاوِي للماوردي 10 / 31 32
(241) الْمُغْنِي 6 / 49، روضة الطَّالِبِينَ 6 / 218
(242) الْبِنَايَة 10 / 439 440، وتكملة فَتْح الْقَدِير 8 / 442
(243) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 218، والحاوي 10 / 33 34، والمغني لاِبْنِ قُدَامَة 6 / 49، وتكملة فَتْح الْقَدِير 8 / 441 - 442
(244) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 100
(245) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 221
(246) الْمُبْدِع 6 / 87 - 88، والممتع 4 / 276 - 277، والإنصاف 7 / 281 - 282
(247) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 100 101
(248) الذَّخِيرَة للقرافي 13 / 119
(249) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 224 - 225
(250) الْمُبْدِع 6 / 91 - 92
(251) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 103 - 104، وانظر رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 228، والمبدع 6 / 96، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 343، والمغني لاِبْنِ قُدَامَة 6 / 43
(252) الذَّخِيرَة 13 / 116
(253) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 349
(254) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 6 / 100، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 346 348، والمغني لاِبْنِ قُدَامَة 6 / 43، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 129
(255) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 348 349، والمغني لاِبْنِ قُدَامَة 6 / 43، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 229 - 231
(256) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 349 - 350
(257) مَعُونَة أُولِي النُّهَى 6 / 350
(258) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 44، ومعونة أُولِي النُّهَى 6 / 351، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 230 - 231

الموسوعة الفقهية الكويتية: 221/ 43