التذكرة في أوائل الآخرة

عناصر الخطبة

  1. الإيمان باليوم الآخر من ركائز الإيمان الستة
  2. أهوال يوم القيامة وضرورة الاستعداد لها
  3. ما يحدث في يوم القيامة من الأوائل
  4. ذكر بعض الأوائل في الدار الآخرة
  5. أولية النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة
  6. الحث على الإكثار من العمل الصالح.
اقتباس

وأول ما يُحاسَب عليه الناس يوم القيامة الصلاة، فمَن أقامها وأصلحها، وحافظ عليها، وأتقنها نال السعادة، وسكن الحسنى وزيادة، ومَن أفسدها، وأضاعها، وتركها، وتساهل بها نال الشقاء في الدنيا والآخرة، فالصلاة ميزان الأعمال، وعليها المعول في الدنيا، ويوم المآل. وأول ما يقضى يوم القيامة بين الناس في الدماء،.. وفي هذه الأزمان كثر الهرج، وهو القتل فلا يدري القاتل فيما قَتَل، ولا المقتول فيما قُتِل، تساهل الناس بالدماء..

الخطبة الأولى:

الحمد لله، الحمد لله المحمود في الأواخر والأوائل، أحمده سبحانه على الكرائم والفواضل، وأشهد أن لا إله إلا الله ضمَّن أمور الآخرة أوائل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ذكر تلك الأوائل صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، وأتباعه أهل الصدق في الأفعال، والمنازل ..

أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الملك العلام فهي أعلى مقام، وأجلّ إمام، وأعظم قدوة للأنام، وطاعة للقدوس السلام.

عباد الله: الإيمان باليوم الآخر من ركائز الإيمان الستة، وهو أحد أركانه العظام، وله بداية، وهي: سكرات الموت، وغمراته، وله نهاية، وهي: وهي دخول وخلود أهل النار، ودخول وخلود أهل الجنة دار الأبرار، هذا وفي هذا اليوم أهوال، وأمورٌ عظامٌ، وأحوال يوم القيامة لو علمت بهوله لفررت من أهلٍ، ومن أوطانِ.

من ضمنها: معلومة الأوائل، وما يحدث في يوم القيامة من الأوائل، بمعنى: أول كذا، وكذا في عرصات الدار الأخرى، وذكر الأوائل تارة لشرف صاحبه كمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وأمته، وتارة للتنفير من الفعل وقبحه وعظمه وخطره، وتارة لشرف صاحبه، وكرمه، ومآله، ونواله، والتحلي بتلك الأخلاق، والبعد عن السوء والنفاق، والاستعداد في هذه الدار ليوم القرار.

ففي هذه اللحظات، والدقائق المعدودات نذكر ما تيسر الوقوف عليه للتذكرة في الأوائل في الدار الآخرة، فمن الأوائل -أسكنكم الله أعلى المنازل- أن أول ما يُدعَى من الأنبياء آدم -عليه السلام-، ففي البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا: "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ فَيُقَالُ لَهُم: هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ".

الأوائل: أول مَن يُحاسب من الأمم يوم القيامة هذه الأمة، وأول مَن يدخل الجنة من الأمم هذه الأمة، وذلك لشرف نبيها، وفضله.

كما أنهم أول مَن يعبرون الصراط من الأمم كما عند الإمام مسلم، ومنها -أيها السامع- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أول مشفعٍ، وشافع فقد قال -عليه الصلاة، والسلام-: "أنا أولُ النَّاسِ يشفعُ في الجَنَّة".

كما أنه أول مَن يقرع باب الجنة "أول مَن يَقرعُ بابَ الجَنَّة".

 ومنها: أن هذه الأمة أول ما يُقضى لهم قبل الخلائق، نحن الآخرون الأولون يوم القيامة.

يقول ابن حجر -رحمه الله-: "وجه المناسبة أن هذه الأمة آخر مَن يُدفن من الأمم في الأرض، وأول مَن يخرج منها؛ لأن الوعاء آخر ما يُوضَع فيه، أول ما يخرج منه".

وأول مَن يخرج من الناس إذا بعثوا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- فقد قال -عليه الصلاة، والسلام-: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ"، وقال: "أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا"، "أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَأَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ بِرْفَعَ رَأْسَهُ" هو رسولنا صلوات الله وسلامه عليه من ربنا.

أيها المسلمون:

ومن الأوائل في الدار الآخرة: أول الواردين على حوض سيد المرسلين، فأول مَن يرد حوضه هم أمته جعلني الله وإياكم منهم، ممَن يرد حوضه، ويشرب منه شربة.

واعلم أيها الأخ المبارك: أنه بقدر استقامتك، واتباعك بالدنيا لنبيك يكون شربك من حوض نبيك، فالحوض في الدنيا معنويًّا، والحوض في الآخرة حسيًّا، وحوض خير الخلق وبه يشرب بالآخرة جميع حزبه.

ومن الأوائل: أمة الخير، والفواضل، أول ما يُكسَى يوم القيامة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، فأول الخلائق يُبعثون، ويُحشرون حفاةً، عراةً، غُرلاً، وباللقاء، والبعث، والنشور، وبالقيام من القبور غُرلاً، حفاةً كجرادٍ منتشر يقول ذو الكفران: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:8].

ومما يُذكر من الحكمة في كون إبراهيم أول ما يُكسى حلة، أنه أول مَن عُرِّيَ في الله وذلك حين أُلقِيَ في النار، فكان جزاءه كسوتُه صلوات الله وسلامه عليه.

 وأول ما يقضي الله بين المخلوقات: الحيوانات غير الجن، والإنس، وهما الثقلان، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:5]، وأول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة من النعم أن يُقال له: ألم نصحّ لك جسمك؟ ألم نرويك من الماء البارد؟ ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:8].

وأول ما يُحاسَب عليه الناس يوم القيامة الصلاة، فمَن أقامها وأصلحها، وحافظ عليها، وأتقنها نال السعادة، وسكن الحسنى وزيادة، ومَن أفسدها، وأضاعها، وتركها، وتساهل بها نال الشقاء في الدنيا والآخرة، فالصلاة ميزان الأعمال، وعليها المعول في الدنيا، ويوم المآل.

وأول ما يقضى يوم القيامة بين الناس في الدماء، كما جاء في الصحيحين عن المصطفى، فالدماء المعصومة، وجريمة القتل الشنيعة في شرعنا ممنوعة، والقتل أكبر الكبائر بعد الشرك، والزنا لعظم جرمه، وما يحدث من الفوضى، فلزوال الناس أهون من قتل رجل مسلم، وهو من ورطات الأمور ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:93].

وفي هذه الأزمان كثر الهرج، وهو القتل فلا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قُتِلَ، تساهل الناس بالدماء، وأصبح أبرد من الماء البارد على الظمأ، يقول أبو الدرداء: "يجيء المقتول يوم القيامة فيجلس على الجادة فإذا مرّ به القاتل قام إليه، فأخذ بتلابيبه فقال: يا رب سلّ هذا فيما قتلني، فيقول: أمرني فلان، فيؤخذ الآمر والقاتل فيُلقيان في النار".

وأول المتخاصمين يوم القيامة الزوجان، والجاران كل ذلك تحذيرًا وإنذارًا، وتنبيهًا وإعذارًا لأداء الحقوق، وعدم العقوق، والزوجان فيما بينهم من طول المصاحبة الزوجية كي يحذر من الاختلافات الأسرية، والظلم بينهما، والنزغات الشيطانية، والجاران لتلاصقهما وقربهما، والواجب صلتهما، والإحسان إليهما فمَن عقَّ جاره، وساء بقوله وفعله وظلمه، وهجره فليعلم أنه مسئول عن حاله، وقبح وزره، وللجار حق فاحترز من أدائه، وما خير جارٍ لم يزل لك مؤذيًا.

يلومونني أن بعث بالرخص منزلي *** وما علموا جارًا هناك يُنغصُ

فقلت لهم كفوا الملامة فإنها *** بجيرانها تغلو الديار وترخصُ

وأول مَن يتكلم من أعضاء الإنسان يوم الوقوف بين يدي الديان: فخذه حينما يُختم على فمه، كما رواه الإمام أحمد في مسنده: وشهدت الأعضاء، والجوارح، وبدت السوءات والفضائح، وابتليت هنالك السرائر، وانكشف المخفي في الضمائر.

وأول مَن تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، وأول مَن يُقضى عليهم وهم المجاهد رياءً وسمعة، والمتعلّم، وقارئ القرآن رياءً وسمعة، والمتصدق رياءً وسمعة، فعليك بالإخلاص فهو نقاءٌ، وجمالٌ، وخلاص.

ومن فقه هذا الباب: أن النيات لا تحتاج لمَن يشهد عليها؛ لأنها من الخفيات التي لا يعلم بها إلا رب الأرض والسماوات، ولهذا يقول له الرب سبحانه: صدقت كذبت، وخذ هذه الحكمة والإشارة وهي من جميل المقالي والعبارة: "ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك".

ومن الحكم العطائية: "استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليلٌ على عدم الصدق في عبوديتك"، ومن الشعر الحسن:

مَن أخلص النيات كان لقوله *** وقعٌ وكان لفعله تأثيرُ

وقول الآخر:

إذا لم يكن لله فعلك خالصًا *** فكل بناءٍ قد بنيت خرابُ

ويقول الثالث:

والله لا يرضى بكثرة فعلنا *** لكن بأحسنه مع الإيمانِ

ومن كلام ابن القيم المفيد القيّم: "العمل بغير إخلاص، ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً ينقله، ولا ينفعه".

وأول ما يُدعى إلى الجنة الحمادون، الصابرون، الشاكرون، المحتسبون، فاحمدوا الله في سركم وجهركم، في ضرائكم وسرائكم، احمدوه على جميع أحوالكم، اذكروا نعمه وقيدوها بحمده، فله المحامد، والمدائح كلها بخواطري، وجوارحي، ولساني.

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي، ولكل مسلمٍ ومسلمة…

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده.

 ومن الأوائل يوم يجمع الله الأواخر والأوائل، أول مَن يدخل الجنة من الإنس والجِنة الفقراء، ويتقدمهم فقراء المهاجرين -رضي الله عن الصحابة أجمعين-، وأول صفة، وزمرة تدخل الجنة من هذه الأمة على صورة القمر ليلة البدر.

وأول مَن يدخل الجنة المملوك إذا أطاع الله، وأطاع سيده، وأول مَن يفتح باب الجنة -محمد صلى الله عليه وسلم-، وصفيّه من خلقه.

وأول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، والرجل المتعفف العفيف، والعبد المملوك الذي أدى حق سيده.

وأول ثلاثة يدخلون النار ذات الحُطَمَة: السلطان الجائر المتسلط، وصاحب الثروة لا يؤدي حق الله فيها، والفقير الفاجر الفاخر.

وأول طعامٍ يأكله أهل الجنة: زيادة كبد الحوت.

وأول ما يُكسى حلة من النار: إبليس أعاذني الله، وإياكم من شره.

فهذه سبعٌ وعشرون أولوية يوم القيامة، وأهوالها الأخروية، فاجتنبوا الخصال الذميمة، وتحلوا بالخصال الحميدة، وثقلوا موازينكم بالأعمال الصالحة، والنية الخالصة، والعقيدة الصافية، والأخلاق، والآداب السامية.

ومما يُرجح في الميزان: توحيد الله، وذكره باللسان، ومنه التسبيح، والتحميد، والدعاء، وقراءة القرآن.

ومن الأولويات ما جاء عن سيد البريات، وذلك لمَّا له من الخصوصيات، وجعله مقدمًا على سائر البرية، ما في تحقيقه، واتصافه بالعبودية، ولهذا يذكر ذلك على وجه الشكر للمُنعم، والمتفضل الأول المُكرّم، لا فخرًا، واستعلاء، ولا ترفعًا وخيلاءً، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "أنا أول شافع، وأنا أكثر الأنبياء تابعًا، وأنا أول مَن يقرع باب الجنة، وأنا أول الناس خروجًا إذا بُعثوا، وتنشق عنه الأرض، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، وأنا أكرم ولد آدم، وأنا حامل لواء الحمد، وأنا أكرم الأولين والآخرين، وأنا نبي الله، وأنا رسول الله، وأنا خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنا سيد القوم يوم القيامة، وأنا أول شافع، وأول مشفع".

فاتقوا الله عباد الله.

والحمد لله على انتهاءِ *** كما حمدت الله في ابتدائي

ثم الصلاة والسلام أبدًا *** تغشى الرسول المصطفى محمدًا

ثم جميع صحبه والآل *** السادة الأئمة الأبدالِ

تدوم سرمدًا بلا نفادِ *** ما جرت الأقلام بالمدادِ

هذا، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يجعلني وإياكم من أنصار دينه وشرعه.

والله أعلم.