الْهِبَةُ
من معجم المصطلحات الشرعية
تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِلَا عِوَضٍ . ومن شواهده حديث ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قَالَ : " لاَ يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِىَ عَطِيَّةً، أَوْ يَهَبَ هِبَةً، فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلاَّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِى وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِى الْعَطِيَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ، فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ، ثُمَّ عَادَ فِى قَيْئِهِ ." أبو داود :3541 . وصححه الألباني .
من موسوعة المصطلحات الإسلامية
التعريف اللغوي
الإِعْطَاءُ بِلاَ عِوَضٍ، يُقَالُ: وَهَبَ لَهُ الشَّيْءَ يَهَبُهُ وَهْبًا وَهِبَةً أَيْ أَعْطَاهُ إِيَّاه بِلَا مُقَابِلٍ، وَتُطْلَقُ الهِبَةُ عَلَى العَطِيَّةِ نَفْسَهَا، كَقَوْلِ: هِبَةٌ حَسَنَةٌ أَيْ عَطِيَّةٌ حَسَنَةٌ، وَالجَمْعُ: هِبَاتٌ وَمَواهِبٌ، وَأَصْلُ الهِبَةِ مِنَ الوَهْبِ وَهُوَ إِيصَالُ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِه بِمَا يَنْفَعهُ سَوَاء كَانَ مَالاً أَوْ غَيْرَ مَالٍ، وَالاسْتِيهَابُ: سُؤَالُ الهِبَةِ، والاتِّهَابُ قَبُولُهَا، وَالوَهَّابُ: كَثِيرُ الهِبَاتِ، وَمِنْ مَعَانِي الهِبَةِ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا: التَّبَرُّعُ والنِّعْمَةُ والصَّدَقَةُ والمِنْحَةُ.
إطلاقات المصطلح
يَذْكُرُ الفُقَهَاءُ مُصْطَلَحَ الهِبَةِ فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى مِنْ كُتُبِ الفِقْهِ مِنْهَا: كِتَابُ الطَّهَارَةِ فِي بَابِ التَيَمُّمِ، وَكِتَابُ الزَّكَاةِ فِي بَابِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَكِتَابُ النِّكَاحِ فِي بَابِ أَلْفَاظِ النِّكَاحِ، وَأَيْضًا فِي كِتَابِ الحَجْرِ وَالصُّلْحِ وَالتَّفْلِيسِ وَالوَقْفِ وَغَيْرِهَا.
جذر الكلمة
وَهَبَ
المعنى الاصطلاحي
تَمْلِيكُ شَيْءٍ فِي الحَيَاةِ بِلاَ عِوَضٍ.
التعريف اللغوي المختصر
الإِعْطَاءُ بِلاَ عِوَضٍ، وَتُطْلَقُ الهِبَةُ عَلَى العَطِيَّةِ نَفْسَهَا، وَأَصْلُ الهِبَةِ مِنَ الوَهْبِ وَهُوَ إِيصَالُ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِه بِمَا يَنْفَعهُ سَوَاء كَانَ مَالاً أَوْ غَيْرَ مَالٍ، وَمِنْ مَعَانِي الهِبَةِ أَيْضًا: التَّبَرُّعُ والنِّعْمَةُ والصَّدَقَةُ والمِنْحَةُ.
التعريف
تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِلَا عِوَضٍ.
المراجع
* معجم مقاييس اللغة : (147/6)
* لسان العرب : (4929/6)
* القاموس المحيط : (ص:143)
* البناية شرح الهداية : (159/10)
* المبدع في شرح المقنع : (190/5)
* معجم مقاييس اللغة : (6 /147)
* الكليات : ص960 - أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء : ص95 - البهجة في شرح التحفة : (394/2)
* الفروق اللغوية للعسكري : ص168 -
من الموسوعة الكويتية
التَّعْرِيفُ:
أ - الْهِبَةُ فِي اللُّغَةِ: إِعْطَاءُ الشَّيْءِ إِلَى الْغَيْرِ بِلاَ عِوَضٍ، سَوَاءٌ كَانَ مَالاً أَوْ غَيْرَ مَالٍ، فَيُقَال: وَهَبَ لَهُ مَالاً وَهْبًا وَهِبَةً، كَمَا يُقَال: وَهَبَ اللَّهُ فُلاَنًا وَلَدًا صَالِحًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي (1) } . وَيُقَال: وَهَبَهُ مَالاً، وَلاَ يُقَال: وَهَبَ مِنْهُ، وَالأَْكْثَرُونَ عَلَى: وَهَبَ لَهُ، مُتَعَدِّيَةٌ بِحَرْفِ الْجَرِّ. وَالاِسْمُ مِنَ الْهِبَةِ: الْمَوْهِبُ وَالْمَوْهِبَةُ. وَالاِتِّهَابُ: قَبُول الْهِبَةِ. وَالاِسْتِيهَابُ: سُؤَال الْهِبَةِ. وَتَوَاهَبَ الْقَوْمُ: وَهَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرَجُلٌ وَهَّابٌ وَوَهَّابَةٌ: أَيْ كَثِيرُ الْهِبَةِ لأَِمْوَالِهِ (2) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهَا: تَمْلِيكُ الْمَال بِلاَ عِوَضٍ فِي الْحَال (3) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَطِيَّةُ:
2 - الْعَطِيَّةُ لُغَةً: كُل مَا يُعْطَى، وَالْجَمْعُ عَطَايَا.
وَالْعَطِيَّةُ اصْطِلاَحًا كَالْهِبَةِ، إِلاَّ أَنَّهَا أَعَمُّ مِنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ، وَتُطْلَقُ الْعَطِيَّةُ عَلَى الْمَهْرِ أَيْضًا (4) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَالْهِبَةُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا.
ب - الْهَدِيَّةُ:
3 - الْهَدِيَّةُ لُغَةً مَأْخُوذٌ مِنْ هَدَى، يُقَال: أَهْدَيْتُ لِلرَّجُل كَذَا بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْهِ إِكْرَامًا.
وَاصْطِلاَحًا: هِيَ الْمَال الَّذِي أُتْحِفَ بِهِ وَأُهْدِيَ لأَِحَدٍ إِكْرَامًا لَهُ (5) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ بِلاَ عِوَضٍ، غَيْرَ أَنَّ الْهِبَةَ يَلْزَمُ فِيهَا الْقَبُول عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَلاَ يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْهَدِيَّةِ.
ب - الصَّدَقَةُ:
4 - الصَّدَقَةُ لُغَةً: الْعَطِيَّةُ. يُقَال: تَصَدَّقْتُ بِكَذَا أَيْ أَعْطَيْتُهُ صَدَقَةً.
وَاصْطِلاَحًا: تَمْلِيكُ مَالٍ بِلاَ عِوَضٍ طَلَبًا لِثَوَابِ الآْخِرَةِ (6) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَكُونُ طَلَبًا لِثَوَابِ الآْخِرَةِ، بَيْنَمَا الْهِبَةُ تَكُونُ لِلتَّوَدُّدِ وَالْمَحَبَّةِ غَالِبًا، وَأَنَّ الْهِبَةَ يَلْزَمُ فِيهَا الْقَبُول، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَلاَ يَلْزَمُ فِيهَا الْقَبُول عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ.
مَشْرُوعِيَّةُ الْهِبَةِ:
5 - الْهِبَةُ مَشْرُوعَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (7) } وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: تَهَادُوا تَحَابُّوا (8) وَالْهَدِيَّةُ هِيَ الْهِبَةُ، وَقَوْلُهُ ﷺ: لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ (9) وَالْفِرْسِنُ: الظِّلْفُ.
وَقَبُول النَّبِيِّ ﷺ هَدِيَّةَ الْمُقَوْقِسِ وَهُوَ كَافِرٌ (10) ، كَمَا قَبِل هَدِيَّةَ النَّجَاشِيِّ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَتَصَرَّفَ بِهَا وَهَدَاهُ أَيْضًا (11) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدِ انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِهَا وَمَشْرُوعِيَّتِهَا، بَل عَلَى اسْتِحْبَابِهَا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، لِمَا فِيهَا مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَإِشَاعَةِ الْحُبِّ وَالتَّوَادِّ بَيْنَ النَّاسِ (12) ، بِهِ تَتَبَيَّنُ الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهَا.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
6 - الْهِبَةُ مَنْدُوبَةٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَقَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهَا مَا يَجْعَلُهَا مُحَرَّمَةً إِذَا قُصِدَ بِهَا مَعْصِيَةٌ أَوْ إِعَانَةٌ عَلَى ظُلْمٍ، أَوْ قُصِدَ بِهَا رِشْوَةُ أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ وَالْعُمَّال (13) .
وَقَدْ تَكُونُ الْهِبَةُ مَكْرُوهَةً إِذَا قَصَدَ الْوَاهِبُ بِهَا الرِّيَاءَ وَالْمُبَاهَاةَ وَالسُّمْعَةَ (14) .
أَرْكَانُ الْهِبَةِ وَشُرُوطُهَا:
7 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ الْهِبَةِ هِيَ: الْعَاقِدَانِ (الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ) ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ (الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ) وَالصِّيغَةُ (15) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ رُكْنَ الْهِبَةِ هُوَ صِيغَتُهَا (16) .
وَتَفْصِيل هَذِهِ الأَْرْكَانِ كَمَا يَلِي: أَوَّلاً: الْعَاقِدَانِ:
الْعَاقِدَانِ هُمَا الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا شُرُوطٌ:
شُرُوطُ الْوَاهِبِ:
8 - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَاهِبِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلاً بَالِغًا رَشِيدًا، وَأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ (17) .
وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَلاَ تَصِحُّ الْهِبَةُ مِمَّنْ حُجِرَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ بِوَجْهٍ كَالْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ بِلاَ خِلاَفٍ، كَمَا لاَ تَصِحُّ مِنْ مَحْجُورٍ بِالدِّينِ أَوِ السَّفَهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى جَوَازَ هَذَا الْحَجْرِ، وَهُمْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ.
وَمَنْعُ هَؤُلاَءِ الْمَحْجُورِينَ مِنَ الْهِبَةِ بِسَبَبِ كَوْنِهَا ضَرَرًا مَحْضًا لأَِنَّهَا نَقْل الْمِلْكِ إِلَى الْغَيْرِ بِدُونِ عِوَضٍ.
9 - أَمَّا الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ فَإِنَّ حُكْمَ هِبَتِهِ حُكْمُ وَصِيَّتِهِ، فَلَهُ هِبَةُ ثُلُثِ أَمْوَالِهِ، وَفِيمَا زَادَ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِمُوَافَقَةِ الْوَرَثَةِ.
وَأَلْحَقَ الْحَنَابِلَةُ بِالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمُقَاتِل بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَكَوْنَ الشَّخْصِ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ أَوْ فِي بَلَدٍ وَقَعَ الطَّاعُونُ فِيهِ وَالْحَامِل فِي الْمَخَاضِ وَمَنْ قُدِّمَ لِلْقِصَاصِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ هِبَةَ الْمَرِيضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَحِيحَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْعَدَوِيَّ قَال: أَفَادَ بَعْضُ مَشَائِخِنَا أَنَّ الرَّاجِحَ بُطْلاَنُهُ فِي الْمَرِيضِ. وَمُقَابِل الرَّاجِحِ الْوَقْفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
كَمَا أَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ الزَّوْجَةَ فِي حَجْرِهَا عَنِ الْهِبَةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، وَيَكُونُ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ زَوْجِهَا.
كَمَا أَنَّ هِبَةَ الْمَحْجُورِ بِدَيْنٍ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِذْنِ الْغَارِمِينَ لأَِنَّهُ مَحْجُورٌ لِمَصْلَحَتِهِمْ.
10 - وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ هِبَةِ الأَْبِ أَمْوَال ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِدُونِ عِوَضٍ.
أَمَّا إِذَا وَهَبَهَا الأَْبُ مُقَابِل عِوَضٍ مَشْرُوطٍ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي صِحَّتِهِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل: عَدَمُ الْجَوَازِ. وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ.وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْل: أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ تَقَعُ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً، ثُمَّ تَصِيرُ بَيْعًا فِي الاِنْتِهَاءِ، بِدَلِيل أَنَّهَا لاَ تُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْل الْقَبْضِ، وَلَوْ وَقَعَتْ بَيْعًا مِنْ حِينِ وُجُودِهَا لَمَا تَوَقَّفَ الْمِلْكُ فِيهَا عَلَى الْقَبْضِ، لأَِنَّ الْبَيْعَ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ، فَدَل عَلَى أَنَّهَا وَقَعَتْ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً، وَتَبَرُّعُ هَؤُلاَءِ مَمْنُوعٌ فَلَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ حِينَ وُجُودِهَا، وَلاَ يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ بَيْعًا، فَالأَْصْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ كُل مَنْ لاَ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ لاَ يَمْلِكُ الْهِبَةَ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِهِ.
الثَّانِي: تَجُوزُ هِبَةُ الأَْبِ مَال ابْنِهِ الصَّغِيرِ مَعَ شَرْطِ الْعِوَضِ، وَبِهِ قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ.
وَذَلِكَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الأَْصْل عِنْدَهُ: أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ الْبَيْعَ يَمْلِكُ الْهِبَةَ بَعِوَضٍ. فَالْهِبَةُ تَمْلِيكٌ، فَإِذَا شَرَطَ فِيهَا الْعِوَضَ كَانَتْ تَمْلِيكًا بِعِوَضٍ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْبَيْعِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَارَةِ بَعْدَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى كَلَفْظِ الْبَيْعِ وَلَفْظِ التَّمْلِيكِ (18) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ هِبَةِ الأَْبِ مَال ابْنِهِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ (19) . هِبَةُ الْفُضُولِيِّ:
11 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هِبَةِ الْفُضُولِيِّ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ هِبَةَ الْفُضُولِيِّ بَاطِلَةٌ (20) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الثَّانِي، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ الْعَدَوِيُّ - إِلَى أَنَّ هِبَةَ الْفُضُولِيِّ تَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً، إِنْ أَجَازَهَا الْمَالِكُ نَفَذَتْ وَإِلاَّ بَطَلَتْ (21) ، فَقَدْ جَاءَ فِي مِنْحَةِ الْخَالِقِ: كُل تَصَرُّفٍ صَدَرَ مِنَ الْفُضُولِيِّ وَلَهُ مُجِيزٌ حَال وُقُوعِهِ انْعَقَدَ مَوْقُوفًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ طَلاَقٍ أَوْ هِبَةٍ، وَكَذَا كُل مَا صَحَّ بِهِ التَّوْكِيل (22) .
هِبَةُ السَّكْرَانِ:
12 - السُّكْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمُبَاحٍ أَوْ بِحَرَامٍ.
فَإِنْ سَكِرَ بِمُبَاحٍ أَوْ بِمَا يُعْذَرُ فِيهِ، كَمَا لَوْ سَكِرَ بِالْبِنْجِ أَوْ أُوجِرَ خَمْرًا: فَإِنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفَاتِهِ الصَّادِرَةِ عَنْهُ لاَ تَنْفُذُ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ مُبَاحًا جُعِل عُذْرًا.
وَأَمَّا إِنْ سَكِرَ بِمُحَرَّمٍ، كَمَا لَوْ شَرِبَ مُسْكِرًا بِاخْتِيَارِهِ (مُتَعَدِّيًا) فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَفَاذِ تَصَرُّفَاتِهِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّهُ تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ وَأَقَارِيرُهُ جَمِيعُهَا.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ السُّكْرَ بِالإِْجْمَاعِ لاَ يُنَافِي الْخِطَابَ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (23) } وَإِنْ كَانَ خِطَابًا فِي حَال السُّكْرِ فَلاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَال الصَّحْوِ فَكَذَلِكَ. . . .، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ ثَبَتَ أَنَّ السُّكْرَ لاَ يُبْطِل شَيْئًا مِنَ الأَْهْلِيَّةِ، فَيَلْزَمُهُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ كُلُّهَا وَتَصِحُّ عِبَارَاتُهُ كُلُّهَا بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالأَْقَارِيرِ، وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ بِالسُّكْرِ الْقَصْدُ دُونَ الْعِبَارَةِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ السَّكْرَانَ بِحَرَامٍ تَلْزَمُهُ الْجِنَايَاتُ وَالْعِتْقُ وَالطَّلاَقُ، وَلاَ تَلْزَمُهُ الإِْقْرَارَاتُ وَالْعُقُودُ مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَحَبْسٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْقَوْل الثَّانِي أَنَّ تَصَرُّفَاتِ السَّكْرَانِ وَأَقَارِيرَهُ لاَ تَنْفُذُ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ السَّكْرَانَ مَفْقُودَ الإِْرَادَةِ أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ، وَلأَِنَّ الْعَقْل شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ زَوَال الشَّرْطِ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (24) .
شُرُوطُ الْمَوْهُوبِ لَهُ:
13 - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَكُونَ أَهْلاً لِمِلْكِ مَا يُوهَبُ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَاقِلاً بَالِغًا فَإِنَّهُ يَقْبِضُ الْهِبَةَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْقَبْضِ فَإِنَّ الْهِبَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ لَكِنْ يَقْبِضُ عَنْهُ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْقَبْضُ مِنْ وَلِيٍّ وَغَيْرِهِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قَبْض ف 25 - 21) .
عَطِيَّةُ الأَْبِ لأَِوْلاَدِهِ:
14 - يَتَّفِقُ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الأَْبَ إِذَا أَعْطَى لأَِوْلاَدِهِ صَحَّتْ عَطَايَاهُ. وَاسْتُحِبَّتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ، وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ التَّفْضِيل بَيْنَهُمْ (25) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَسْوِيَة ف 11) .
ثَانِيًا: شُرُوطُ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ:
15 - الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا صَحَّ بَيْعُهُ صَحَّتْ هِبَتُهُ (26) مَعَ اسْتِثْنَاءَاتٍ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الضَّابِطِ.
أَمَّا شُرُوطُهُ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيل فَهِيَ مَا يَأْتِي:
أ - أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَوْجُودًا.
ب - أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَمْلُوكًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُبَاحٍ، مَمْلُوكًا لِلْوَاهِبِ. ج - أَنْ يَكُونَ مَالاً مُتَقَوَّمًا.
د - أَنْ يَكُونَ مَحُوزًا.
هـ - أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَوْجُودًا:
16 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حِينَ الْهِبَةِ، لأَِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَال، وَبِنَاءً عَلَيْهِ لاَ يَصِحُّ هِبَةُ مَا لَيْسَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ مَا يُثْمِرُ نَخْلُهُ هَذَا الْعَامَ، أَوْ مَا تَلِدُ أَغْنَامُهُ هَذِهِ السَّنَةَ وَنَحْوُهُ. وَمِثْلُهُ: لَوْ وَهَبَهُ مَا فِي بَطْنِ هَذَا الْحَيَوَانِ حَتَّى وَإِنْ سَلَّطَهُ عَلَى الْقَبْضِ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ. وَمِثْلُهُ: لَوْ وَهَبَهُ زُبْدًا فِي لَبَنٍ أَوْ دُهْنًا فِي سِمْسِمٍ لأَِنَّهُ مَعْدُومٌ فِي الْحَال.
وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا وَهَبَهُ صُوفًا عَلَى ظَهْرِ غَنَمٍ وَجَزَّهُ وَسَلَّمَهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لأَِنَّ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ مَوْجُودٌ وَمَمْلُوكٌ فِي الْحَال، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفُذْ حَالاً لِمَانِعٍ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَوْهُوبِ مَشْغُولاً بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ، فَإِذَا جَزَّهُ فَقَدْ زَال الْمَانِعُ فَيَنْفُذُ عِنْدَ وُجُودِ الْقَبْضِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ وَهَبَ شَخْصًا مُشَاعًا ثُمَّ قَسَمَهُ وَسَلَّمَهُ.وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ هِبَةَ الْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُول لاَ تَجُوزُ، لأَِنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ، وَتَمْلِيكُ الْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُول لاَ يَجُوزُ فَيَقَعُ الْعَقْدُ بَاطِلاً، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ (27) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ هِبَةِ كُل مَمْلُوكٍ وَإِنْ كَانَ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ كَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ وَالْمَجْهُول، وَالثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا وَالْمَغْصُوبِ، إِذِ الأَْصْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَصِحُّ هِبَةُ كُل مَا يَقْبَل النَّقْل شَرْعًا وَإِنْ كَانَ مَجْهُولاً (28) .
كَمَا صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِهِبَةِ الْمَعْدُومِ بِأَنَّ الَّذِي يَهَبُ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ لِرَجُلٍ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ (29) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَجْهُولاً فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ عِلْمُهُ أَوْ لاَ.
فَإِنْ كَانَ يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ كَزَيْتٍ اخْتَلَطَ بِزَيْتٍ أَوْ شَيْرَجٍ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الْهِبَةِ كَالصُّلْحِ عَلَى مَجْهُولٍ لِلْحَاجَةِ، وَقِيل: لاَ يَصِحُّ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ كَالْحَمْل فِي الْبَطْنِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ، فَالصَّحِيحُ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِلْجَهَالَةِ وَتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ، وَقِيل: تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُول (30)
ب - أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْوَاهِبِ:
17 - مِنَ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ فِي الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا فِي نَفْسِهِ، فَلاَ يَجُوزُ هِبَةُ الْمُبَاحَاتِ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الإِْحْرَازِ، وَلأَِنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ، وَتَمْلِيكُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ مُحَالٌ.
كَمَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَمْلُوكًا لِلْوَاهِبِ؛ لأَِنَّ هِبَةَ مَال الْغَيْرِ مَمْنُوعٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَيَسْتَوِي أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُ لِلْوَاهِبِ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا:
أَمَّا هِبَةُ الْعَيْنِ فَظَاهِرٌ الْجَوَازُ لإِِمْكَانِيَّةِ قَبْضِهِ بِعَيْنِهِ.
أَمَّا هِبَةُ الدَّيْنِ: فَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ قَدْ وَهَبَ الدَّيْنَ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّهُ بِمَثَابَةِ إِبْرَاءٍ لِلْمَدِينِ أَوْ إِسْقَاطِ الدَّيْنِ عَنْهُ، وَلاَ حَاجَةَ لِقَبْضٍ جَدِيدٍ. أَمَّا هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: الْجَوَازُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ فِي الْمَنْهَجِ.
وَبُنِيَ الْجَوَازُ عَلَى أَنَّهُ إِنَابَةٌ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ، وَلأَِنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ، أَلاَ يَرَى أَنَّهُ يُجْبِرُ الْمَدْيُونَ عَلَى تَسْلِيمِهِ، إِلاَّ أَنَّ قَبْضَهُ بِقَبْضِ عَيْنِهِ؟ فَإِذَا قَبَضَ الْعَيْنَ قَامَ قَبْضُهَا مَقَامَ قَبْضِ عَيْنِ مَا فِي الذِّمَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الإِْذْنِ بِالْقَبْضِ صَرِيحًا، وَلاَ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَبْضِ بِحَضْرَةِ الْوَاهِبِ بِخِلاَفِ هِبَةِ الْعَيْنِ. وَهَذَا وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
الثَّانِي: عَدَمُ الْجَوَازِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ الْمُعْتَمَدِ، وَبِهِ قَال الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَوَجْهُ الْقِيَاسِ: أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ جَوَازِ الْهِبَةِ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ لاَ يَحْتَمِل الْقَبْضَ، وَهُوَ بِخِلاَفِ مَا لَوْ وُهِبَ لِلْمَدِينِ، لأََنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ، وَذِمَّتُهُ فِي قَبْضِهِ، فَكَانَ الدَّيْنُ فِي قَبْضِهِ بِوَاسِطَةِ قَبْضِ الذِّمَّةِ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَيْهِ: بِأَنَّ الْهِبَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَقْدُورَةِ التَّسْلِيمِ، وَأَنَّ مَايُقْبَضُ مِنَ الدُّيُونِ عَيْنٌ لاَ دَيْنٌ، وَالْقَبْضُ فِي الْهِبَةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ (31) .
ج - أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ مُتَقَوَّمًا:
18 - الْمَال الْمُتَقَوَّمُ هُوَ مَا كَانَ مَالاً فِي نَظَرِ الشَّرْعِ لَهُ قِيمَةٌ يُضْمَنُ بِهَا عِنْدَ الإِْتْلاَفِ.
وَبِنَاءً عَلَيْهِ لاَ يَجُوزُ هِبَةُ مَا لَيْسَ مَالاً أَصْلاً كَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالدَّمِ، وَلاَ هِبَةُ مَا لَيْسَ مُتَقَوَّمًا كَالْخَمْرِ وَالْمُسْكِرَاتِ، وَلاَ هِبَةُ كُل مَا هُوَ مُحَرَّمٌ شَرْعًا.
وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ فِي صِحَّةِ هِبَةِ الْحَبَّةِ أَوِ الْحَبَّتَيْنِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرَةِ، مِمَّا لَيْسَ مُتَمَوَّلاً.
فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الصَّدَقَةِ بِالتَّمْرَةِ، وَالصَّدَقَةُ هِبَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الْمَنْعَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ التَّمَوُّل (32) . د - أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ مَحُوزًا:
19 - وَالْكَلاَمُ هُنَا عَنْ هِبَةِ الشَّيْءِ الْمُشَاعِ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِهَا قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ هِبَةَ الْمُشَاعِ جَائِزَةٌ كَالْبَيْعِ، فَيُسَلِّمُ الْوَاهِبُ جَمِيعَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ يَسْتَوْفِي مِنْهُ حَقَّهُ، وَيَكُونُ حَقُّ الشَّرِيكِ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً، وَقِيل: إِنْ قَبَضَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فَإِعَارَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَحُجَّتُهُمْ كَمَا قَال ابْنُ رُشْدٍ: أَنَّ الْقَبْضَ فِي هِبَةِ الْمُشَاعِ غَيْرِ الْمَقْسُومِ يَصِحُّ كَالْقَبْضِ فِي بَيْعِ الْمُشَاعِ غَيْرِ الْمَقْسُومِ.
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي قَبْضِ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَبْض ف30) .
الْقَوْل الثَّانِي: جَوَازُ هِبَةِ الْمُشَاعِ فِيمَا لاَ يُقْسَمُ وَعَدَمُ جَوَازِ هِبَةِ الْمُشَاعِ الَّذِي يُقْسَمُ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ هِبَةِ الْمُشَاعِ لأَِجْنَبِيٍّ أَوْ لِلشَّرِيكِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَحُجَّتُهُمْ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ جَوَازِالْعَقْدِ، وَالشُّيُوعُ يَمْنَعُ الْقَبْضَ لأَِنَّ مَعْنَى الْقَبْضِ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَقْبُوضِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي النِّصْفِ الشَّائِعِ وَحْدَهُ لاَ يُتَصَوَّرُ، وَهَكَذَا يُقَال فِي الْمُشَاعِ الَّذِي لاَ يُقْسَمُ أَيْضًا، لَكِنْ جَوَّزْنَا هِبَتَهُ لِلضَّرُورَةِ لأَِنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى هِبَةِ بَعْضِهِ، وَلاَ حُكْمَ لِلْهِبَةِ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَالشُّيُوعُ مَانِعٌ مِنَ الْقَبْضِ، وَلاَ سَبِيل لإِِزَالَةِ الْمَانِعِ بِالْقِسْمَةِ لِتَعَذُّرِ قِسْمَتِهِ - كَالدَّابَّةِ - فَمَسَّتِ الضَّرُورَةُ إِلَى الْجَوَازِ وَإِقَامَةِ صُورَةِ التَّخْلِيَةِ مَقَامَ الْقَبْضِ، وَلاَ ضَرُورَةَ فِيمَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ لإِِمْكَانِ إِزَالَةِ الْمَانِعِ.
وَلأَِنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، فَلَوْ صَحَّتْ فِي مُشَاعٍ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ لَصَارَ عَقْدَ ضَمَانٍ، لأَِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْوَاهِبِ بِالْقِسْمَةِ فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْقِسْمَةِ فَيُؤَدِّي إِلَى تَغْيِيرِ الثَّابِتِ بِالشَّرْعِ، بِخِلاَفِ مُشَاعٍ لاَ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ، لأَِنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ إِيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ، لأَِنَّ الضَّمَانَ ضَمَانُ الْقِسْمَةِ، وَالْمَحَل لاَ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ (33) . هـ - أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ وَغَيْرَ مُتَّصِلٍ بِهِ:
20 - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ أَنْ لاَ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مُتَّصِلاً بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ اتِّصَال الأَْجْزَاءِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ قَبْضَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ وَحْدَهُ لاَ يُتَصَوَّرُ، وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى الْمُشَاعِ.
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ فِيمَا لَوْ وَهَبَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ دُونَ الزَّرْعِ، أَوْ شَجَرًا دُونَ ثَمَرِهِ، أَوْ وَهَبَ الزَّرْعَ دُونَ الأَْرْضِ، أَوِ الثَّمَرَ دُونَ الشَّجَرِ، ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَجُزْ، وَلَوْ وَهَبَ الأَْرْضَ ثُمَّ الزَّرْعَ وَسَلَّمَهَا جَمِيعًا جَازَ (34) .
هِبَةُ الْمَنَافِعِ:
21 - تُتَصَوَّرُ هِبَةُ الْمَنَافِعِ غَالِبًا فِي الْعَارِيَةِ، فَقَدْ عَرَّفَ الْفُقَهَاءُ الْعَارِيَةَ بِأَنَّهَا هِبَةُ الْمَنَافِعِ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ (35) .
وَتَدْخُل فِيهَا الْعُمْرَى عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ الْعُمْرَى تَمْلِيكَ مَنْفَعَةٍ (36) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: إِعَارَة، عُمْرَى ف 6) .
و اشْتِرَاطُ قَبْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ:
21 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ لِتَمَامِ الْهِبَةِ، أَيْ أَنَّ الْهِبَةَ حِينَ تَصْدُرُ صِيغَتُهَا فَهَل تُعْتَبَرُ عَقْدًا تَامًّا يُفِيدُ الْمِلْكَ فِي الْحَال أَمْ لاَ بُدَّ مِنْ قَبْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ؟ لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ (37) :
الْقَوْل الأَْوَّل: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَرِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْهِبَةَ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ، فَلاَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْل قَبْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، وَلَيْسَ فِي الإِْيجَابِ وَالْقَبُول فَقَطْ قُوَّةُ إِلْزَامٍ لِلْوَاهِبِ لإِِقْبَاضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، بَل لَهُ الْخِيَارُ بِالإِْذْنِ بِالْقَبْضِ أَوِ الرُّجُوعِ عَنِ الْهِبَةِ.
وَإِذَا مَاتَ أَيٌّ مِنَ الْوَاهِبِ أَوِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقَامَ وَرَثَةُ كُل وَاحِدٍ مَقَامَهُ، أَيْ أَنَّ وَارِثَ الْوَاهِبِ يَقُومُ مَقَامَ الْوَاهِبِ فِي الإِْقْبَاضِ وَالإِْذْنِ فِي الْقَبْضِ، وَيَقُومُ وَارِثُ الْمُتَّهَبِ مَقَامَ الْمُتَّهَبِ فِي الْقَبْضِ.
وَقِيل: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِالْمَوْتِ لأَِنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ كَالشَّرِكَةِ وَالْوِكَالَةِ.
وَلَوْ أَذِنَ الْوَاهِبُ بِالْقَبْضِ ثُمَّ مَاتَ بَطَل الإِْذْنُ.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ صَحِيحَةً غَيْرَ ضِمْنِيَّةٍ وَغَيْرَ ذَاتِ ثَوَابٍ (38) .
وَحُجَّةُ هَؤُلاَءِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَجْمَعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ تَجُوزُ الْهِبَةُ إِلاَّ مَقْبُوضَةً مَحُوزَةً، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لأُِمِّ سَلَمَةَ: " إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ، وَلاَ أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلاَّ قَدْ مَاتَ، وَلاَ أَرَى هَدِيَّتِي إِلاَّ مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ. وَكَانَ كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ " (39) وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، فَلَوْ صَحَّتْ بِلاَ قَبْضٍ لَثَبَتَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وِلاَيَةُ مُطَالَبَةِ الْوَاهِبِ بِالتَّسْلِيمِ، فَتَصِيرُ عَقْدَ ضَمَانٍ بِالتَّسْلِيمِ، وَهَذَا تَغْيِيرٌ لِمَا تَقَرَّرَ شَرْعًا فِي الْهِبَةِ مِنْ أَنَّهَا تَبَرُّعٌ.
الْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْهِبَةَ تَصِحُّ وَتُمْلَكُ بِعَقْدٍ، فَيَصِحُّ تَصَرُّفٌ قَبْل الْقَبْضِ، وَتَلْزَمُ الْهِبَةُ بِقَبْضِهَا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، وَلاَ تَلْزَمُ قَبْلَهُمَا وَلَوْ كَانَتِ الْهِبَةُ فِي غَيْرِ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ (40) ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ نَحَلَهَا جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْعَالِيَةِ، فَلَمَّا مَرِضَ قَال: يَا بُنَيَّةُ كُنْتُ نَحَلْتُكِ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا وَلَوْ كُنْتِ جَذَذْتِيهِ أَوْ قَبَضْتِيهِ كَانَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَال وَارِثٍ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (41) ".
وَعَنِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْهِبَةِ يَقَعُ مُرَاعًى: فَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ بِقَوْلِهِ، وَإِلاَّ فَهُوَ لِلْوَاهِبِ، قَال الْبُهُوتِيُّ: وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ. وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ: وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْخَرَقِيِّ وَطَائِفَةٌ أَنَّ مَا يُكَال وَيُوزَنُ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ مَقْبُوضًا (42) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ. وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ، بَل إِنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي تَمَامِهَا فَإِنْ عُدِمَ لَمْ تَلْزَمْ مَعَ كَوْنِهَا صَحِيحَةً (43) .
وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ إِلَى لُزُومِ الْهِبَةِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ، وَلأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ (44) .
وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ إِجْبَارُ الْوَاهِبِ عَلَى تَمْكِينِهِ مِنَ الْقَبْضِ حَيْثُ طَلَبَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَهُ طَلَبُهَا مِنْهُ حَيْثُ امْتَنَعَ الْوَاهِبُ وَلَوْ عِنْدَ حَاكِمٍ لِيُجْبِرَهُ عَلَى تَمْكِينِ الْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْهُ، قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْقَبُول وَالْحِيَازَةُ مُعْتَبَرَانِ، إِلاَّ أَنَّ الْقَبُول رُكْنٌ وَالْحِيَازَةَ شَرْطٌ، وَتَبْطُل الْهِبَةُ إِنْ تَأَخَّرَ حَوْزُهَا لِدَيْنٍ مُحِيطٍ بِمَال الْوَاهِبِ وَلَوْ بَعْدَ عَقْدِهَا، أَوْ وَهْبِهَا لِشَخْصٍ ثَانٍ، وَحَازَ الثَّانِي قَبْل الأَْوَّل، فَالْهِبَةُ لِلثَّانِي لِتَقَوِّي الْهِبَةِ بِالْحِيَازَةِ، وَلاَ قِيمَةَ عَلَى الْوَاهِبِ لِلأَْوَّل لأَِنَّهُ فَرَّطَ فِي الْحَوْزِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الأَْوَّل وَفَرَّطَ أَمْ لاَ، مَضَى مِنَ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْقَبْضُ أَمْ لاَ، وَكَذَلِكَ تَبْطُل الْهِبَةُ إِذَا أَعْتَقَ الْوَاهِبُ الْعَبْدَ قَبْل أَنْ يَحُوزَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ (45) .
شَرَائِطُ صِحَّةِ الْقَبْضِ:
اشْتِرَاطُ إِذْنِ الْوَاهِبِ:
23 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ إِذْنِ الْوَاهِبِ فِي الْقَبْضِ إِلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ الإِْذْنَ بِالْقَبْضِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ فِي بَابِ الْبَيْعِ، حَتَّى لَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي بِدُونِ إِذْنِ الْبَائِعِ قَبْل نَقْدِ الثَّمَنِ كَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، فَلأََنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ أَوْلَى لأَِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ بِخِلاَفِ الْهِبَةِ.
وَلأَِنَّ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ يُشْبِهُ الرُّكْنَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُكْنًا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيُشْبِهُ الْقَبُول فِي الْبَيْعِ.
وَالإِْذْنُ قَدْ يَكُونُ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً:
فَالصَّرِيحُ أَنْ يَقُول: اقْبِضْ أَوْ أَذِنْتُ لَكَ بِقَبْضِهِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ.
فَيَجُوزُ قَبْضُهُ اسْتِحْسَانًا سَوَاءٌ قَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِحَضْرَةِ الْوَاهِبِ أَوْ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ.
وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ حُمِل إِلَيْهِ سِتُّ بَدَنَاتٍ فَجَعَلْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ، فَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فَنَحَرَهُنَّ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، وَقَال: " مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ (46) وَانْصَرَفَ.
وَجْهُ الدَّلاَلَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قَدْ أَذِنَ بِالْقَبْضِ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ حِينَ أَذِنَ لَهُمْ بِالْقَطْعِ فَدَل عَلَى جَوَازِ الْقَبْضِ وَاعْتِبَارِهِ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ.
أَمَّا عِنْدَ الإِْمَامِ زُفَرَ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْقَبْضُ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ عَنِ الْمَجْلِسِ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَبْضَ عِنْدَهُ رُكْنٌ بِمَنْزِلَةِ الْقَبُول فَلاَ يَصِحُّ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ كَالْقَبُول فِي بَابِ الْبَيْعِ. أَمَّا الْقَبْضُ دَلاَلَةً: فَهُوَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعَيْنَ فِي الْمَجْلِسِ وَلاَ يَنْهَاهُ الْوَاهِبُ، فَإِنَّ قَبْضَهُ يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا، لأَِنَّ إِيجَابَ الْهِبَةِ بِمَنْزِلَةِ الإِْذْنِ بِالْقَبْضِ دَلاَلَةً، وَالثَّابِتُ دَلاَلَةً كَالثَّابِتِ نَصًّا.
وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَجُوزَ الْقَبْضُ بِدُونِ إِذْنٍ صَرِيحٍ وَهُوَ قَوْل زُفَرَ (47) .
وَالثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْذْنَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْقَبْضِ عِنْدَهُمْ، بَل إِنَّ الْقَبْضَ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْهِبَةِ، بَل إِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ وَعَلَى الْوَاهِبِ التَّسْلِيمُ. وَبِهِ قَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ (48) .
أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ مَشْغُولاً بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ:
24 - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ أَنْ لاَ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَشْغُولاً بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ.
وَهَذَا الشَّرْطُ يَأْتِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْقَبْضِ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَقْبُوضِ فَإِذَا كَانَ مَشْغُولاً لاَ يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى.
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إِذَا وَهَبَ دَارًا فِيهَا مَتَاعُ الْوَاهِبِ وَسَلَّمَ الدَّارَ إِلَيْهِ أَوْ سَلَّمَ الدَّارَ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَتَاعِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّ الْفَرَاغَ شَرْطُ صِحَّةِ التَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا لَوْ وَهَبَ الْمَتَاعَ فَقَطْ دُونَ الدَّارِ وَخَلَّى بَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَبَيْنَ الْمَتَاعِ، فَإِنَّ الْهِبَةَ جَائِزَةٌ، لأَِنَّ الْمَتَاعَ لَيْسَ مَشْغُولاً بِالدَّارِ بَل الدَّارُ مَشْغُولَةٌ بِالْمَتَاعِ (49) .
كَيْفِيَّةُ تَحَقُّقِ الْقَبْضِ:.
25 - الأَْصْل أَنَّ الْمُنَاوَلَةَ وَالأَْخْذَ إِقْبَاضٌ وَقَبْضٌ، كَذَلِكَ تَكُونُ التَّخْلِيَةُ قَبْضًا إِذَا خَلَّى الْوَاهِبُ بَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَقْبُوضًا قَبْل الْهِبَةِ، كَمَا لَوْ وَهَبَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ لِلْوَدِيعِ وَالْمُعِيرُ الْعَارِيَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّ الْهِبَةَ جَائِزَةٌ وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضٍ جَدِيدٍ (50) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَبْض ف 5 وَمَا بَعْدَهَا) . ثَالِثًا: صِيغَةُ الْهِبَةِ:
25 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي رُكْنِ صِيغَةِ الْهِبَةِ إِلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ رُكْنَ صِيغَةِ الْهِبَةِ يَتَكَوَّنُ مِنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَفِي قَوْلٍ لِزُفَرَ أَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ أَيْضًا.
وَاخْتَارَ ابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّ رُكْنَ الْهِبَةِ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول (51) .
وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ فِي الْهِبَةِ كَالإِْيجَابِ فِي غَيْرِهَا، وَكَلاَمُ الْخَرَقِيِّ يَدُل عَلَيْهِ (52) .
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْهِبَةَ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ، وَوُجُودُ التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ هُوَ اعْتِبَارُهُ شَرْعًا وَهُوَ انْعِقَادُهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ (التَّمْلِيكِ) وَالْحُكْمُ لاَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الإِْيجَابِ فَلاَ يَكُونُ ذَاتُ الإِْيجَابِ هِبَةً شَرْعًا بِدُونِ قَبُولٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنِ الإِْيجَابُ بِدُونِ الْقَبُول فِي الْبَيْعِ بَيْعًا، كَذَلِكَ هُنَا.
الثَّانِي: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ مُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الْقَبُول لَيْسَ رُكْنًا فِي صِيغَةِ الْهِبَةِ وَإِنَّمَا رُكْنُهَا الإِْيجَابُ فَقَطْ اسْتِحْسَانًا (53) .
وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ مَعْنَى الْهِبَةِ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مُجَرَّدِ إِيجَابِ الْمَالِكِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَبُول، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْقَبُول وَالْقَبْضُ لِثُبُوتِ حُكْمِهَا لاَ لِوُجُودِهَا بِنَفْسِهَا، فَإِذَا أَوْجَبَ فَقَدْ أَتَى بِالْهِبَةِ فَتُرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا.
وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ وُقُوعَ التَّصَرُّفِ هِبَةً لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُول هُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تَجُوزُ الْهِبَةُ إِلاَّ مَقْبُوضَةً مَحُوزَةً (54) ، وَجْهُ الدَّلاَلَةِ فِيهِ أَنَّهُ أَطْلَقَ اسْمَ الْهِبَةِ بِدُونِ الْقَبْضِ وَالْحِيَازَةِ. وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَال: " لَوْلاَ أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ (55) " فَقَدْ أَطْلَقَ الرَّاوِي اسْمَ الإِْهْدَاءِ بِدُونِ الْقَبُول، وَالإِْهْدَاءُ مِنْ أَلْفَاظِ الْهِبَةِ.
كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ دَعَا عَائِشَةَ ﵂ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَقَال لَهَا: إِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ - أَعْطَيْتُكِ - جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي بِالْعَالِيَةِ، وَإِنَّكِ لَمْ تَكُونِي قَبَضْتِيهِ وَلاَ حَرَزْتِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَال الْوَارِثِ (56) .
وَالدَّلِيل فِيهِ: أَنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ أَطْلَقَ اسْمَ النُّحْلَى بِدُونِ الْقَبْضِ، وَالنُّحْلَى مِنْ أَلْفَاظِ الْهِبَةِ (57) .
أَلْفَاظُ الْهِبَةِ:
27 - يَصِحُّ إِيجَابُ الْوَاهِبِ بِلَفْظِ: وَهَبْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ أَوْ مَا يُفِيدُ مَعْنَاهُ فِي إِفَادَةِ التَّمْلِيكِ بِلاَ ثَمَنٍ، كَقَوْلِهِ: أَعْطَيْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ، أَوْ نَحَلْتُهُ لَكَ أَوْ أَهْدَيْتُكَهُ، أَوْ أَطْعَمْتُكَ هَذَا الطَّعَامَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُرَادُ بِهِ الْهِبَةُ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (58) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ قَال: مَنَحْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ أَوْ هُوَ لَكَ مِنْحَةٌ فَلاَ يَخْلُو الأَْمْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَنَى بِالْمِنْحَةِ الْهِبَةَ، وَإِمَّا لَمْ تَتَبَيَّنْ نِيَّتُهُ.
فَإِنْ عَنَى بِهَا الْهِبَةَ فَهُوَ عَلَى مَا عَنَى أَوْ نَوَى، سَوَاءٌ كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلاَكٍ، أَوْ كَانَ مِمَّا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِهِ، لأَِنَّهُ قَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الْمِنْحَةِ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ، إِذِ الأَْصْل أَنْ يُعْتَبَرَ هَذَا عَارِيَةً.
أَمَّا إِذَا لَمْ تَتَبَيَّنْ نِيَّتُهُ فَإِنَّهُ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِمَّا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلاَكٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِهِ.
فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلاَكٍ كَانَ إِعَارَةً، كَالدَّارِ وَالثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ وَالأَْرْضِ، كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ لَكَ مِنْحَةٌ أَوْ هَذَا الثَّوْبُ أَوْ هَذِهِ الأَْرْضُ لأَِنَّ الْمِنْحَةَ فِي الأَْصْل: هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ أَوْ مَا لَهُ حُكْمُ الْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ أُضِيفَ إِلَى مَا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلاَكٍ مِنَ السُّكْنَى وَاللُّبْسِ وَالزِّرَاعَةِ وَأَمْثَالِهَا، فَكَانَ هَذَا تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ بِلاَ عِوَضٍ وَهُوَ تَفْسِيرُ الإِْعَارَةِ.
وَيَجْرِي مَجْرَاهُ مَنْحُ الشَّاةِ الْحَلُوبِ وَالْبَقَرَةِ الْحَلُوبِ وَالنَّاقَةِ الْحَلُوبِ؛ لأَِنَّ اللَّبَنَ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا لَكِنَّهُ مَعْدُودٌ مِنَ الْمَنَافِعِ عُرْفًا وَعَادَةً.
وَمِثْلُهُ لَوْ قَال: أَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الأَْرْضَ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ زِرَاعَتُهَا وَهِيَ مَنْفَعَتُهَا.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ هِبَةً، كَالْمَأْكُول وَالْمَشْرُوبِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، كَقَوْلِهِ: هَذَا الطَّعَامُ لَكَ مِنْحَةٌ، أَوْ هَذَا اللَّبَنُ أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ، فَكُل هَذَا لاَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى هِبَةِ الْمَنْفَعَةِ، فَيُحْمَل عَلَى هِبَةِ الْعَيْنِ (59) .
هَذَا، وَتَصِحُّ الْهِبَةُ بِالْمُعَاطَاةِ؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ فِي حَقِيقَتِهَا عَطِيَّةٌ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْطِي وَيُعْطَى مِنْ غَيْرِ أَلْفَاظٍ (60) .
28 - أَمَّا الْقَبُول فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِكُل قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُشْعِرُ بِالرِّضَا مِنْ جَانِبِ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَقَوْلِهِ: قَبِلْتُ، وَرَضِيتُ، أَوْ يَأْخُذُهَا بِدُونِ لَفْظٍ. 29 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَرَاخِي الْقَبُول:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمْ إِلَى جَوَازِ تَرَاخِي الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ (61) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ تَرَاخِي الْقَبُول مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُفِيدُ قَطْعَهُ وَالإِْعْرَاضَ عَنْهُ (62) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ اتِّصَال الْقَبُول بِالإِْيجَابِ كَالْبَيْعِ (63) .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا رَأْيُ زُفَرَ أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ عَدَّ الْقَبُول رُكْنًا فِي الصِّيغَةِ، فَلاَ يَصِحُّ بَعْدَ الْمَجْلِسِ.
كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَبُول أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلإِْيجَابِ، فَيَقَعُ عَلَى مَا كَانَ إِيجَابُ الْوَاهِبِ عَيْنُهُ هِبَةً.
تَعْلِيقُ الْهِبَةِ وَإِضَافَتُهَا:
30 - الْهِبَةُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى شَرْطٍ: هِيَ الْهِبَةُ الَّتِي اقْتَرَنَ بِصِيغَتِهَا مَا يُعَلِّقُ إِيجَابَهَا عَلَى شَرْطٍ مُمْكِنٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ، كَقَوْلِهِ: إِذَا نَجَحْتَ وَهَبْتُكَ سَاعَتِي. فَإِنَّ الْهِبَةَ تَكُونُ مُعَلَّقَةً عَلَى أَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَعَدَمِهِ.
وَالْعَقْدُ الْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ يَجِبُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ التَّصَرُّفُ قَبْل وُجُودِ الشَّرْطِ لاَسْتَوْجَبَ ذَلِكَ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ الشَّرْطِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ.
وَإِذَا كَانَ مَا عُلِّقَتِ الْهِبَةُ عَلَيْهِ وَقْتًا مُسْتَقْبَلاً، كَرَأْسِ الشَّهْرِ الآْتِي، أَوِ الأُْسْبُوعِ الْقَادِمِ، كَانَتِ الْهِبَةُ مُضَافَةً إِلَى الْمُسْتَقْبَل.
وَلَمَّا كَانَتِ الْهِبَةُ مِنْ عُقُودِ التَّمْلِيكَاتِ، وَإِنَّ مُقْتَضَى التَّمْلِيكِ هُوَ الْجَزْمُ وَالتَّنْجِيزُ؛ لِذَلِكَ فَقَدْ مَنَعَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمُعْتَمَدِ تَعْلِيقَ الْهِبَةِ أَوْ إِضَافَتَهَا إِلَى الْمُسْتَقْبَل؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَال، وَالتَّعْلِيقُ وَالإِْضَافَةُ تُنَافِيهِ (64) .
أَمَّا فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ الأَْصْل عِنْدَهُمْ - كَمَا ضَبَطَهُ الْقَرَافِيُّ - أَنَّ التَّمْلِيكَاتِ لاَ تَقْبَل التَّعْلِيقَ لأَِنَّ طَرِيقَهَا الْجَزْمُ - إِلاَّ أَنَّهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْوَعْدَ فِي التَّبَرُّعَاتِ إِذَا كَانَ عَلَى سَبَبٍ وَدَخَل الْمَوْعُودُ لَهُ بِسَبَبِ الْوَعْدِ فِي شَيْءٍ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ لَمْ يَدْخُل عَلَى قَوْل أَصْبَغَ - فَإِنَّهُ يَكُونُ لاَزِمًا وَيُقْضَى بِهِ عَلَى الْوَاعِدِ.
وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا اشْتُهِرَ عَنْ مَالِكٍ ﵀: أَنَّ مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَعْرُوفًا لَزِمَهُ إِلاَّ مِنْ مَوْتٍ أَوْ فَلَسٍ (65) .
اقْتِرَانُ الشُّرُوطِ بِصِيغَةِ الْهِبَةِ:
31 - الشَّرْطُ الْمُقْتَرِنُ بِالْهِبَةِ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا أَوْ غَيْرَ صَحِيحٍ.
فَالشَّرْطُ الصَّحِيحُ هُوَ مَا كَانَ مُؤَكِّدًا لِمُقْتَضَاهَا غَيْرَ مُخَالِفٍ لأَِحْكَامِهَا، كَمَا لَوْ قَال الْوَاهِبُ: وَهَبْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ فَاقْبَل فَوْرًا وَاقْبِضْهُ. أَوْ يَشْتَرِطُ فِيهَا الْعِوَضَ، وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَيْهِ.
كَمَا يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ شَرْطُ اسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَةِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ (66) .
أَمَّا الشَّرْطُ غَيْرُ الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ الشَّرْطُ الَّذِي يُخَالِفُ أَحْكَامَ الْهِبَةِ وَمُقْتَضَاهَا، كَمَا لَوْ قَال: وَهَبْتُكَ هَذَا بِشَرْطِ أَنْ لاَ تَهَبَهُ وَلاَ تَبِيعَهُ لأَِحَدٍ، أَوْ وَهَبْتُكَهُ بِشَرْطِ أَنْ تُعِيدَهُ لِي بَعْدَ شَهْرٍ.
فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يَبْطُل الشَّرْطُ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ (67) .
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ جَارِيَةً عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَهَا أَمَّ وَلَدٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لِفُلاَنٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ بَعْدَ شَهْرٍ - جَازَتِ الْهِبَةُ وَبَطَل الشَّرْطُ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ مِمَّا لَمْ تَمْنَعْ وُقُوعَ التَّصَرُّفِ تَمْلِيكًا لِلْحَال، وَهِيَ شُرُوطٌ تُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَتَبْطُل وَيَبْقَى الْعَقْدُ عَلَى الصِّحَّةِ، بِخِلاَفِ شُرُوطِ الرُّقْبَى، وَبِخِلاَفِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ تُبْطِلُهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ؛ لأَِنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لاَ يَكُونَ قِرَانُ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ لِعَقْدٍ مَا مُفْسِدًا لَهُ؛ لأَِنَّ ذِكْرَهُ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ فَيُلْحَقُ بِالْعَدَمِ وَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا، إِلاَّ أَنَّ الْفَسَادَ فِي الْبَيْعِ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِيهِ - وَلاَ نَهْيَ فِي الْهِبَةِ - فَيَبْقَى الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى الأَْصْل؛ وَلأَِنَّ دَلاَئِل شَرْعِيَّةِ الْهِبَةِ عَامَّةٌ مُطْلَقَةٌ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (68) } وَهَذَا يَجْرِي مَجْرَى التَّرْغِيبِ فِي أَكْل الْمَهْرِ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: تَهَادُوا تَحَابُّوا (69) وَهَذَا نَدْبٌ إِلَى التَّهَادِي وَالْهَدِيَّةُ هِبَةٌ، وَرُوِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَال لِسَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ ﵂: " إِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكَ كَذَا وَكَذَا "، وَعَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِنْ لَمْ يَرْضَ عَنْهَا "، وَنَحْوِهِ مِنَ الدَّلاَئِل الْمُقْتَضِيَةِ لِشَرْعِيَّةِ الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا قُرِنَ بِهَا شَرْطٌ فَاسِدٌ أَوْ لَمْ يُقْرَنْ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إِذَا وَهَبَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا، أَوْ وَهَبَ حَيَوَانًا وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهِ أَنَّ الْهِبَةَ جَائِزَةٌ فِي الأُْمِّ وَالْوَلَدِ جَمِيعًا، وَالاِسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ، وَالْكُل لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (70) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّهُ يَبْطُل الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ (71) وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى أَنْ لاَ يَبِيعَ وَلاَ يَهَبَ، فَقَدْ نَقَل الْحَطَّابُ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ قَوْلَهُ: حَصَّل ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى خَمْسَةَ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْوَاهِبُ أَنْ يُبْطِل الشَّرْطَ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَتْ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْل مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَمِثْل قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ.
الثَّانِي: أَنَّ الْوَاهِبَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ شَرْطَهُ أَوْ يَسْتَرِدَّ هِبَتَهُ وَوَرَثَتَهُ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ أَمْرُهُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالْهِبَةَ جَائِزَةٌ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَبْسًا، فَإِذَا مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ أَوِ الْمَوْهُوبُ لَهُ رَجَعَ إِلَى الْمُتَصَدِّقِ أَوْ وَرَثَتِهِ أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ عَلَى اخْتِلاَفِ قَوْل مَالِكٍ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الشَّرْطَ عَامِلٌ، وَالْهِبَةُ مَاضِيَةٌ لاَزِمَةٌ، فَتَكُونُ الصَّدَقَةُ بَيْنَ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ كَالْحَبْسِ، لاَ يَبِيعُ وَلاَ يَهَبُ حَتَّى يَمُوتَ، فَإِذَا مَاتَ وَرِثَ عَنْهُ عَلَى سَبِيل الْمِيرَاثِ، وَهُوَ قَوْل عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَوْل مُطَرِّفٍ فِي الْوَاضِحَةِ.
قَال الْحَطَّابُ: وَهَذَا الْقَوْل هُوَ أَظْهَرُ الأَْقْوَال وَأَوْلاَهَا بِالصَّوَابِ؛ لأَِنَّ الرَّجُل لَهُ أَنْ يَفْعَل فِي مِلْكِهِ مَا شَاءَ (72) . الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى:
32 - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَوْقِيتَ الْهِبَةِ لاَ يَجُوزُ، لَكِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي بَابِ الْهِبَةِ عَنِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى كَصُورَةٍ مِنْ صُوَرِ تَوْقِيتِ الْهِبَةِ بِالْعُمْرِ أَوْ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ (رُقْبَى ف 4، عُمْرَى ف 6) .
الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ:
33 - الأَْصْل فِي الْهِبَةِ أَنَّهَا مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ أَيْ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لاَ يُعَوِّضُ الْوَاهِبَ شَيْئًا عَمَّا وَهَبَهُ لَهُ.
إِلاَّ أَنَّهُ لَوْ صَدَرَتِ الْهِبَةُ مِنَ الْوَاهِبِ مُقْتَرِنَةً بِشَرْطِ الْعِوَضِ مُقَابِل الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، كَمَا لَوْ قَال الْوَاهِبُ: وَهَبْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ عَلَى أَنَّ تُثِيبَنِي أَوْ تُعَوِّضَنِي فَهَل يَصِحُّ مِثْل هَذَا الشَّرْطِ؟ لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ قَوْلاَنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ وَهُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ.
وَحُجَّتُهُمْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا (73) . الْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ وَقَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ.
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ لَفْظَ الْهِبَةِ يُفِيدُ التَّبَرُّعَ فَمِنَ التَّنَاقُضِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهَا الْعِوَضُ (74) .
وَبِهَذَا الْقَوْل قَال دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ صَارَتْ مِنْ قَبِيل بَيْعِ الْغَرَرِ (75) .
34 - وَعَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا مُعَيَّنًا كَمَا فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولاً فَإِنَّ الأَْصَحَّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ الآْخَرُ - أَنَّ الْهِبَةَ تَفْسُدُ وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَرُدُّهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إِلَى الْوَاهِبِ بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ؛ لأَِنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِ الْوَاهِبِ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً رَدَّ قِيمَتَهَا.
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ بَيْعٌ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّرَاضِي بِسَبَبِ الْجَهَالَةِ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ فَيَرَوْنَ أَنَّ الْهِبَةَ بَاطِلَةٌ إِذَا كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولاً، لِتَعَذُّرِ صِحَّتِهِ بَيْعًا لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ، وَلِتَعَذُّرِ صِحَّتِهِ هِبَةً لِذِكْرِ الثَّوَابِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لاَ تَقْتَضِيهِ، وَقِيل: يَصِحُّ هِبَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَقْتَضِيهِ (76)
وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ عِوَضٍ مَجْهُولٍ صَحِيحَةٌ، فَإِذَا أَعْطَاهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ عِوَضًا رَضِيَهُ، لَزِمَ الْعَقْدُ بِذَلِكَ.
وَلَوْ تَغَيَّرَتِ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ وَلَمْ يُثِبْهُ مِنْهَا، فَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: لاَ أَرَى عَلَيْهِ نُقْصَانَ مَا نَقَصَ عِنْدَهُ إِذَا رَدَّهَا إِلَى الْوَاهِبِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا لَبِسَهُ أَوْ دَابَّةً اسْتَعْمَلَهَا، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ إِذَا نَقَصَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
لَكِنَّ الْمُرْدَاوِيَّ فِي الإِْنْصَافِ أَوْرَدَ أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ عِوَضٍ مَجْهُولٍ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الأَْصْحَابِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: يُرْضِيهِ بِشَيْءٍ فَيَصِحُّ، وَذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَال الْحَارِثِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ (77) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ يُرَاعَى فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ قَبْل الْقَبْضِ وَالْبَيْعِ بَعْدَهُ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ فَهِيَ هِبَةٌ ابْتِدَاءً وَبَيْعٌ انْتِهَاءً.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولاً بَطَل اشْتِرَاطُهُ، فَيَكُونُ هِبَةً ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَالْهِبَةُ لاَ تَبْطُل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ (78) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الثَّوَابُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَحْصُل قَبْضٌ، فَإِنَّ الْهِبَةَ لاَ تَلْزَمُ الْوَاهِبَ، أَمَّا إِذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ فَإِنَّهَا تَكُونُ لاَزِمَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاهِبِ، أَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّهَا لاَ تَلْزَمُ فِي حَقِّهِ؛ وَلِذَلِكَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِعَيْنِهَا، فَإِنْ فَاتَتْ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُ الْقِيمَةِ (79) .
تَكْيِيفُ الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ:
35 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّكْيِيفِ الْفِقْهِيِّ لِلْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ بَيْعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَتَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ، فَلاَ يَبْطُل بِالشُّيُوعِ، وَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَبْضِ، وَلاَ يَمْلِكَانِ الرُّجُوعَ عَنِ التَّصَرُّفِ.
وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْل عِنْدَ زُفَرَ: أَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ مَوْجُودٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِعِوَضٍ وَقَدْ وُجِدَ، إِلاَّ أَنَّهُ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَةُ، وَاخْتِلاَفُهَا لاَ يُوجِبُ اخْتِلاَفَ الْحُكْمِ، كَحُصُول الْبَيْعِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ (80) .
الْقَوْل الثَّانِي: يَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ عَقْدُ هِبَةٍ ابْتِدَاءً بَيْعٌ انْتِهَاءً إِذَا حَصَل التَّقَابُضُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَبْل الْقَبْضِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ لاَ يَجُوزُ هِبَةُ الْمُشَاعِ الَّذِي يَنْقَسِمُ وَلاَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَتَقَابَضَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَقْبِضِ الآْخَرُ فَإِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ، الْقَابِضُ وَغَيْرُ الْقَابِضِ فِيهِ سَوَاءٌ حَتَّى يَتَقَابَضَا جَمِيعًا. أَمَّا إِذَا تَقَابَضَا فَإِنَّ الْهِبَةَ بِعِوَضٍ تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ وَعَدَمِ الرُّؤْيَةِ، وَيَرْجِعَ فِي حَالَةِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَحْكَامُ بَيْعٍ. لَكِنَّ ابْنَ نُجَيْمٍ يَذْكُرُ أَنَّهُ: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ كَانَ بَيْعًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً (81) .
وَحُجَّتُهُمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي هَذَا الْعَقْدِ لَفْظُ الْهِبَةِ وَمَعْنَى الْبَيْعِ فَيُعْمَل بِالشَّبَهَيْنِ قَدْرَ الإِْمْكَانِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ وَالْحِيَازَةُ عَمَلاً بِشِبْهِ الْهِبَةِ، وَيَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَعَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَحَقُّ الشُّفْعَةِ عَمَلاً بِشِبْهِ الْبَيْعِ (82) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: نَقَل أَبُو الْخَطَّابِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ. فَلاَ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْخَاصَّةُ.
وَانْتَصَرَ الْحَارِثِيُّ لِهَذَا الْقَوْل وَقَال: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفَسَّرَ الْقَاضِي هَذَا الرَّأْيَ قَائِلاً: الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ لَيْسَتْ بَيْعًا، وَإِنَّمَا الْهِبَةُ تَارَةً تَكُونُ تَبَرُّعًا، وَتَارَةً تَكُونُ بِعِوَضٍ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، وَلاَ يَخْرُجَانِ عَنْ مَوْضُوعِهِمَا (83) .
لُزُومُ الْعِوَضِ بِدُونِ اشْتِرَاطٍ:
36 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْعِوَضِ عَنِ الْهِبَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ ذِكْرِ الْعِوَضِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْعِوَضِ وَإِنْ كَانَتْ دَلاَلَةُ الْحَال تُفِيدُهُ. فَإِذَا أَعْطَاهُ عِوَضًا كَانَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً إِلاَّ أَنْ يَقُول الْمَوْهُوبُ لَهُ: هَذَا عِوَضٌ عَنْ هِبَتِكِ أَوْ بَدَلِهَا (84)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ دَفَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عِوَضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ مَمْنُوعًا بَل هُوَ جَائِزٌ، إِلاَّ أَنَّهُمْ وَضَعُوا شُرُوطًا حِينَ يَدْفَعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعِوَضَ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:
أَوَّلاً: تَصْرِيحُ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِأَنَّ الْمَدْفُوعَ مِنْ قِبَلِهِ إِنَّمَا هُوَ عِوَضٌ لِهِبَتِهِ نَحْوَ أَنْ يَقُول لَهُ: هَذَا عِوَضٌ عَنْ هِبَتِكَ أَوْ بَدَلٌ عَنْهَا أَوْ مَكَانَهَا. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعِوَضَ اسْمٌ لِمَا يُقَابِل الْمُعَوَّضَ فَلاَ بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يَدُل عَلَى الْمُقَابَلَةِ حَتَّى لَوْ وَهَبَ لآِخَرَ شَيْئًا وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ إِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ وَهَبَ شَيْئًا لِلْوَاهِبِ وَلَمْ يَقُل: هَذَا عِوَضٌ عَنْ هِبَتِكَ، أَيْ لَمْ يُصَرِّحْ بِقَصْدِ الْعِوَضِيَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ عِوَضًا، بَل إِنَّهُ يَكُونُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً، وَيَثْبُتُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ الرُّجُوعِ.
ثَانِيًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْعِوَضُ فِي الْعَقْدِ مَمْلُوكًا بِذَلِكَ الْعَقْدِ ذَاتِهِ، كَمَا لَوْ وَهَبَ الْوَاهِبُ شَيْئًا ثُمَّ وَهَبَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلْوَاهِبِ عِوَضًا عَنِ الْهِبَةِ، فَإِنَّ هَذَا لاَ يَصِحُّ وَلاَ يَكُونُ عِوَضًا، أَمَّا لَوْ عَوَّضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِبَعْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ عَنْ بَاقِيهِ فَإِنَّهُ لاَ يَخْلُو مِنْ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ عَلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَقْتَ عَقْدِ الْهِبَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَقْتَ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ عِوَضًا؛ لأَِنَّ التَّعْوِيضَ بِبَعْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لاَ يَكُونُ مَقْصُودَ الْوَاهِبِ فِي الْعَادَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَقْصُودَهُ لأََمْسَكَهُ وَلَمَا وَهَبَهُ، فَلَمْ يَحْصُل مَقْصُودُهُ بِتَعْوِيضِ بَعْضِ مَا دَخَل تَحْتَ الْعَقْدِ، فَلاَ يَبْطُل حَقُّ الرُّجُوعِ.
وَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ قَدْ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ تَغَيُّرًا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فَإِنَّ بَعْضَ الْمَوْهُوبِ يَكُونُ عِوَضًا عَنِ الْبَاقِي؛ لأَِنَّهُ بِالتَّغَيُّرِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ عَيْنٍأُخْرَى فَصَلَحَ عِوَضًا.
هَذَا إِذَا وَهَبَ الْوَاهِبُ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ شَيْئَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا إِذَا وَهَبَ شَيْئَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَعُوِّضَ أَحَدُهُمَا عَنِ الآْخَرِ فَقَدْ حَصَل الْخِلاَفُ فِيهِ:
فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يَكُونُ عِوَضًا عَنِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ؛ لأَِنَّ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ وَعِوَضَهُ مُلِكَا بِعَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَجَازَ جَعْل أَحَدِهِمَا عِوَضًا عَنِ الآْخَرِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الْوَاهِبِ مِنْ هِبَتِهِ الثَّانِيَةِ عَوْدَ الْهِبَةِ الأُْولَى؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَهَبُ شَيْئًا ثُمَّ يَبْدُو لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يَكُونُ عِوَضًا؛ لأَِنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ ثَابِتٌ فِي غَيْرِ مَا عُوِّضَ، لأَِنَّهُ مَوْهُوبٌ، وَحَقُّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ ثَابِتٌ شَرْعًا - أَيْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - فَإِذَا عَوَّضَ يَقَعُ عَنِ الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ شَرْعًا، فَلاَ يَقَعُ مَوْقِعَ الْعِوَضِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا تَغَيَّرَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ فَجُعِل بَعْضُهُ عِوَضًا عَنِ الْبَاقِي، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَقَعُ مَوْقِعَ الْعِوَضِ؛ لأَِنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ بَطَل بِالتَّغَيُّرِ فَجَازَ إِيقَاعُهُ عِوَضًا.
وَلَوْ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا وَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ،فَعَوَّضَهُ الصَّدَقَةَ مِنَ الْهِبَةِ كَانَتِ الصَّدَقَةُ عِوَضًا بِالإِْجْمَاعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى اخْتِلاَفِ الأَْصْلَيْنِ؛ أَصْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَصِحَّتُهُ عِوَضًا ظَاهِرٌ، وَأَصْل أَبِي يُوسُفَ؛ لأَِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا.
ثَالِثًا: سَلاَمَةُ الْعِوَضِ لِلْوَاهِبِ: وَيُرَادُ بِهِ أَنْ لاَ يَكُونَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا، فَإِنْ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَكُنْ عِوَضًا، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ؛ لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ التَّعْوِيضَ لَمْ يَصِحَّ بَعْدَ ظُهُورِ اسْتِحْقَاقِهِ.
وَعَلَيْهِ فَإِنَّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَهْلَكْ وَلَمْ يَزْدَدْ خَيْرًا وَلَمْ يَحْدُثْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
فَإِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَإِنِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْعِوَضِ وَبَقِيَ الْبَعْضُ، فَإِنَّ الْبَاقِيَ يَكُونُ عِوَضًا عَنْ كُل الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِوَضِ، وَيَرْجِعُ فِي كُل الْمَوْهُوبِ إِنْ كَانَ قَائِمًا بِيَدِهِ وَلَمْ يُحْدُثْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ الْبَاقِيَ يَصْلُحُ عِوَضًا عَنْ كُل الْهِبَةِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَوِّضْهُ إِلاَّ بِهِ فِي الاِبْتِدَاءِ كَانَ عِوَضًا مَانِعًا عَنِ الرُّجُوعِ فَكَذَا فِيالاِنْتِهَاءِ، بَل أَوْلَى لأَِنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَل، إِلاَّ أَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ؛ لأَِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ قَدْ غَرَّهُ حَيْثُ عَوَّضَهُ لإِِسْقَاطِ الرُّجُوعِ بِشَيْءٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ.
وَقَال زُفَرُ: يَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ بِقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ مِنَ الْعِوَضِ؛ لأَِنَّ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ ثَبَتَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا، فَكَمَا أَنَّ الثَّانِيَ عِوَضٌ عَنِ الأَْوَّل، فَكَذَا الأَْوَّل يَصِيرُ عِوَضًا عَنِ الثَّانِي. ثُمَّ لَوِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْهِبَةِ الأُْولَى كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الرُّجُوعُ فِي بَعْضِ الْعِوَضِ، فَكَذَا إِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْعِوَضِ كَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي بَعْضِ الْهِبَةِ تَحْقِيقًا لِلْمُعَاوَضَةِ (85) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ: عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَهَبَ الْوَاهِبُ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ فَلاَ يَجِبُ الْعِوَضُ؛ إِذْ لاَ تَقْتَضِيهِ لَفْظًا وَلاَ عَادَةً، وَأَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ بِهَذَا هِبَةَ الأَْهْل وَالأَْقَارِبِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ هُوَ الصِّلَةُ، وَهِبَةَ الْعَدُوِّ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ التَّآلُفُ، وَهِبَةَ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ نَفْعُهُ، وَالْهِبَةَ لِلْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ الْقُرْبَةُ وَالتَّبَرُّكُ، وَهِبَةَ الْمُكَلَّفِ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الاِعْتِيَاضِ عَنْهُ، وَالْهِبَةَ لِلأَْصْدِقَاءِ وَالإِْخْوَانِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ تَأَكُّدُ الْمَوَدَّةِ، وَالْهِبَةَ لِمَنْ أَعَانَ بِجَاهِهِ أَوْ مَالِهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مُكَافَأَتُهُ. أَمَّا إِنْ وَهَبَ الْوَاهِبُ لِمَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ كَهِبَةِ الْغُلاَمِ لأُِسْتَاذِهِ، فَلاَ عِوَضَ فِي الأَْظْهَرِ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ: يَجِبُ الثَّوَابُ؛ لاِطِّرَادِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ.
وَإِنْ وَهَبَ لِنَظِيرِهِ فَلاَ عِوَضَ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَقْطُوعِ بِهِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنْ مِثْلِهِ الصِّلَةُ وَتَأَكُّدُ الصَّدَاقَةِ، وَقِيل: فِيهَا الْقَوْلاَنِ السَّابِقَانِ.
وَحَيْثُ وَجَبَ الْعِوَضُ عَلَى مُقَابِل الأَْظْهَرِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ أَيْ قَدْرُهُ عَلَى الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ إِذَا اقْتَضَى الْعِوَضَ وَلَمْ يُسَمَّ فِيهِ شَيْءٌ، تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ، وَالاِعْتِبَارُ بِقِيمَةِ وَقْتِ الْقَبْضِ لاَ وَقْتِ الْعِوَضِ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: يَلْزَمُهُ مَا يُعَدُّ عِوَضًا لِمِثْلِهِ عَادَةً، فَإِنْ لَمْ يُثِبْهُ هُوَ وَلاَ غَيْرُهُ، فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي الْمَوْهُوبِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَبِبَدَلِهِ إِنْ تَلَفَ.
وَلَوْ تَنَازَعَ الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ فِي وُجُودِ الْعِوَضِ فَإِنَّ الْقَوْل قَوْل الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لأَِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَالأَْصْل عَدَمُ ذِكْرِ الْبَدَل (86) .
الْقَوْل الثَّانِي: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وُجُوبَ الْعِوَضِ إِذَا دَل الْعُرْفُ وَحَال الْوَاهِبِ عَلَيْهِ (87) .
وَيُفَرِّعُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ هَذَا: أَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ فِي وُجُوبِ الثَّوَابِ فَإِنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَاهِبِ إِنْ شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ وَلاَ عَلَيْهِ.
أَمَّا إِنْ شَهِدَ الْعُرْفُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِأَنْ كَانَ مِثْل الْوَاهِبِ لاَ يَطْلُبُ فِي هِبَتِهِ عِوَضًا، فَإِنَّ الْقَوْل حِينَئِذٍ قَوْل الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَفِي طَلَبِ حَلْفِ الْوَاهِبِ مَعَ تَصْدِيقِهِ قَوْلاَنِ.
وَمِنْ تَفْرِيعَاتِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْوَاهِبَ إِذَا طَلَبَ الْعِوَضَ وَلَمْ تَكُنْ هِبَتُهُ مَدْفُوعَةً لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَلاَ إِلْزَامَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي دَفْعِ الْعِوَضِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مَدْفُوعَةً، فَدَفَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعِوَضَ فَعَلَى الْوَاهِبِ قَبُولُهُ وَلَيْسَ بِلاَزِمٍ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ دَفْعُ الْعِوَضِ؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْهِبَةَ وَيَرْفُضَ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ، اللَّهُمَّ إِلاَّ أَنْ يُفَوِّتَ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ بِيَدِهِ بِزِيَادَةٍ، كَمَا لَوْ سَمَّنَ الْهَزِيل، أَوْ بِنَقْصٍ كَمَا لَوْ هَرِمَ الْكَبِيرُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ حِينَئِذٍ الْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِ الْهِبَةِ، وَعَلَى الْوَاهِبِ قَبُول الْقِيمَةِ (88) . وَمِنْ تَفْرِيعَاتِهِمْ أَيْضًا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاهِبِ حَبْسُ الْهِبَةِ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْبِضَ الْعِوَضَ الْمُشْتَرَطَ أَوْ مَا يَرْضَى بِهِ، وَلَوْ قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ قَبْل دَفْعِ الْعِوَضِ وُقِفَ: فَإِمَّا يُعَوِّضُ أَوْ يَرُدُّ الْهِبَةَ، وَيَتَلَوَّمُ لَهَا تَلَوُّمًا لاَ يَضُرُّ بِهِمَا فِيهِ (89) .
وَلَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَالشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ بِيَدِهِ، فَإِنَّ الْهِبَةَ نَافِذَةٌ كَالْبَيْعِ، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْضُهَا إِنْ دَفَعَ الْعِوَضَ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْل أَنْ يَدْفَعَ الْعِوَضَ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِوَرَثَتِهِ مَا كَانَ لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ (90) .
وَالْعِوَضُ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعَاوِضُ بِهِ النَّاسَ فِي الْبَيْعِ، وَعَلَى الْوَاهِبِ قَبُولُهُ وَإِنْ كَانَ مَعِيبًا طَالَمَا أَنَّ فِي قِيمَتِهِ وَفَاءً أَوْ يُكْمِلُهُ لَهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْعِوَضُ مِمَّا لَمْ يَعْتَدَّ النَّاسُ التَّعَاوُضَ بِهِ كَالْحَطَبِ وَالتِّبْنِ، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ (91) . عَلَى أَنَّهُ لاَ يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِي طَلَبِ الْعِوَضِ عَلَى النُّقُودِ الْمَسْكُوكَةِ أَوِ السَّبَائِكِ أَوِ الْحُلِيِّ الْمُكَسَّرِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ، فَإِذَا اشْتَرَطَهُ عُوِّضَ عُرُوضًا أَوْ طَعَامًا، وَمِثْل الشَّرْطِ: الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ (92) . وَلَوْ وَهَبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ شَيْئًا لِلآْخَرِ ثُمَّ طَلَبَ الْعِوَضَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يُصَدَّقُ؛ لأَِنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِنَفْيِ الثَّوَابِ بَيْنَهُمَا (93) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ تَقْتَضِي عِوَضًا (94) .
التَّكْيِيفُ الْفِقْهِيُّ لِلْعِوَضِ الْمُتَأَخِّرِ عَنِ الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ:
37 - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ) الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ لاَ تَقْتَضِي عِوَضًا بِأَنَّ التَّعْوِيضَ الْمُتَأَخِّرَ عَنِ الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ.
فَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: التَّعْوِيضُ الْمُتَأَخِّرُ عَنِ الْهِبَةِ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنِ أَصْحَابِنَا، يَصِحُّ بِمَا تَصِحُّ بِهِ الْهِبَةُ وَيَبْطُل بِمَا تَبْطُل بِهِ الْهِبَةُ، لاَ يُخَالِفُهَا إِلاَّ فِي إِسْقَاطِ الرُّجُوعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَثْبُتُ حَقُّ الرُّجُوعِ فِي الأُْولَى وَلاَ يَثْبُتُ فِي الثَّانِيَةِ، فَأَمَّا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي حُكْمِ هِبَةٍ مُبْتَدَأَةٍ. وَلَوْ وَجَدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْمَوْهُوبِ عَيْبًا فَاحِشًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ وَيَرْجِعَ فِي الْعِوَضِ، وَكَذَلِكَ الْوَاهِبُ إِذَا وَجَدَ بِالْعِوَضِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْعِوَضَ وَيَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ، فَإِذَا قَبَضَ الْوَاهِبُ الْعِوَضَ فَلَيْسَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ فِيمَا مَلَكَهُ، سَوَاءٌ عَوَّضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ بِأَمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَيَشْتَرِطُ شَرَائِطَ الْهِبَةِ فِي الْعِوَضِ بَعْدَ الْهِبَةِ مِنَ الْقَبْضِ وَالْحِيَازَةِ وَالإِْفْرَازِ، وَلاَ يَكُونُ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، فَلاَ يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ وَلاَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ.
وَقَال الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا لَمْ يَجِبِ (الْعِوَضُ) فَأَعْطَاهُ الْمُتَّهَبُ ثَوَابًا كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءَ هِبَةٍ، حَتَّى لَوْ وَهَبَ لاِبْنِهِ فَأَعْطَاهُ الاِبْنُ ثَوَابًا، لاَ يَنْقَطِعُ حَقُّ الرُّجُوعِ (95) .
ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ:
38 - إِذَا تَمَّتِ الْهِبَةُ صَحِيحَةً بِشُرُوطِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ (96) .
وَالأَْصْل أَنَّ الْهِبَةَ تَكُونُ بِلاَ عِوَضٍ، وَهَكَذَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا بِلاَ عِوَضٍ، فَإِذَا اشْتَرَطَ الْعِوَضَ فِيهَا كَانَتْ عَلَى شَرْطِهَا. وَهَذَا الْمِلْكُ اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي ثُبُوتِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ، وَاعْتَبَرُوهُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْهِبَةِ وَتَمَامِهَا.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَرَّرُوا ثُبُوتَ الْمِلْكِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ (الإِْيجَابُ وَالْقَبُول) وَمَا الْقَبْضُ عِنْدَهُمْ إِلاَّ أَثَرًا مِنْ آثَارِ الْعَقْدِ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ تَنْفِيذُهُ، وَذَلِكَ بِتَسْهِيل إِقْبَاضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَمَا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ إِلاَّ أَنْ يُسْرِعَ فِي حِيَازَةِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ وَلاَ يُفَرِّطَ فِيهِ.
وَقَدْ نَحَا الْحَنَابِلَةُ مَنْحَى الْمَالِكِيَّةِ فِي الْهِبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنَ الْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ وَالْمَذْرُوعَاتِ، فَقَرَّرُوا ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ (97) .
الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ:
39 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رُجُوعِ الْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ:
الأَْوَّل: عَدَمُ جَوَازِ الرُّجُوعِ إِلاَّ لأَِبٍ فِيمَا وَهَبَ وَلَدَهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ يُلْحَقُ سَائِرُ الأُْصُول بِالأَْبِ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ.
وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ الأُْمَّ بِالأَْبِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الاِبْنُ غَيْرَ يَتِيمٍ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الأُْمَّ كَالأَْبِ فِي الرُّجُوعِ مُطْلَقًا (98) وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْل مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَحِل لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلاَّ فِيمَا يَهَبُ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ (99) ، فَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي عَدَمِ جَوَازِ رُجُوعِ غَيْرِ الأَْبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ (100) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَيْسَ لَنَا مَثَل السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ (101) .
الثَّانِي: يَصِحُّ الرُّجُوعُ لِلْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الرُّجُوعِ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (102) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالِي: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رَدُّوهَا (103) } وَالتَّحِيَّةُ هُنَا تُفَسَّرُ بِالْهَدِيَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (أَوْ رَدُّوهَا) لأَِنَّ الرَّدَّ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الأَْعْيَانِ لاَ فِي الأَْعْرَاضِ؛ لأَِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إِعَادَةِ الشَّيْءِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الأَْعْرَاضِ كَالتَّحِيَّةِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا (104) أَيْ يُعَوَّضُ، فَقَدْ جَعَل النَّبِيُّ ﷺ الْوَاهِبَ أَحَقَّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يَصِل إِلَيْهِ الْعِوَضُ. وَقَال الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُرِدْ خِلاَفَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَاسْتَدَلُّوا: بِأَنَّ الْعِوَضَ الْمَالِيَّ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودًا مِنْ هِبَةِ الأَْجَانِبِ، فَإِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَهَبُ الأَْجْنَبِيَّ إِحْسَانًا إِلَيْهِ وَإِنْعَامًا عَلَيْهِ، وَقَدْ يَهَبُ لَهُ طَمَعًا فِي الْمُكَافَأَةِ وَالْمُجَازَاةِ عُرْفًا وَعَادَةً، فَالْمَوْهُوبُ لأَِجْلِهِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ شَرْعًا.
وَقَدْ لاَ يَحْصُل ذَلِكَ الْمَقْصُودُ مِنَ الأَْجْنَبِيِّ، وَفَوَاتُ الْمَقْصُودِ مِنْ عَقْدٍ مُحْتَمَلٍ لِلْفَسْخِ يَمْنَعُ لُزُومَهُ كَالْبَيْعِ؛ وَلأَِنَّهُ يَعْدَمُ الرِّضَا وَالرِّضَا فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا هُوَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ فَهُوَ شَرْطٌ لِلُّزُومِ كَمَا فِي الْبَيْعِ إِذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ عَيْبًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَقْدُ؛ لِعَدَمِ الرِّضَا عِنْدَ عَدَمِ حُصُول الْمَقْصُودِ وَهُوَ السَّلاَمَةُ، فَكَذَا هَذَا.
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي صِحَّةِ الرُّجُوعِ لِلْوَاهِبِ التَّرَاضِيَ أَوِ التَّقَاضِيَ حَتَّى لاَ يَصِحَّ الرُّجُوعُ بِدُونِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الرُّجُوعَ فَسْخُ الْعَقْدِ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَفَسْخُ الْعَقْدِ بَعْدَ تَمَامِهِ لاَ يَصِحُّ بِدُونِ الْقَضَاءِ أَوِ الرِّضَا.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ الإِْفْرَازَ فِي الشَّائِعِ؛ لأَِنَّالشُّيُوعَ لاَ يَمْنَعُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ (105) .
الثَّالِثُ عَنْ أَحْمَدَ: لَيْسَ لِلأَْبِ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ.
الرَّابِعُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ لِلأَْبِ الرُّجُوعَ إِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ أَوْ رَغْبَةٌ كَتَزْوِيجٍ وَفَلَسٍ أَوْ مَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الْمُتَّهَبِ مُؤَبَّدًا أَوْ مُؤَقَّتًا (106) .
مَوَانِعُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَوَانِعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
أَوَّلاً: مَوَانِعُ الرُّجُوعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (107) .
40 - مَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فِي الأَْحْوَال الآْتِيَةِ:
أ - هَلاَكُ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ أَوِ اسْتِهْلاَكُهُ: فَإِذَا تَلِفَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى الرُّجُوعِ فِي الشَّيْءِ الْهَالِكِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى الرُّجُوعِ فِي قِيمَتِهِ؛ لأَِنَّ قَبْضَ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَيْسَ قَبْضًا مَضْمُونًا، وَقِيمَتُهُ لَيْسَتْ مَوْهُوبَةً؛ لِعَدَمِ وُرُودِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَهَذَا فِي الْهَلاَكِ الْكُلِّيِّ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْهَلاَكُ جُزْئِيًّا فَإِنَّهُ لاَ يُمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأَِنَّ الرُّجُوعَ حِينَئِذٍ يَكُونُ رُجُوعًا فِي بَعْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، وَالأَْصْل أَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي بَعْضِ الْمَوْهُوبِ وَهُوَ قَائِمٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا نَقَصَ. وَلَيْسَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ ضَمَانُ النَّقْصِ؛ لأَِنَّ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ لَيْسَ قَبْضَ ضَمَانٍ.
ب - خُرُوجُ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ عَنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْمَوْتِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمِلْكَ يَخْتَلِفُ بِهَذِهِ الأُْمُورِ، إِذْ إِنَّ مِلْكَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ سَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَوِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الثَّانِي أَوِ الْوَارِثِ.
ج - الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ إِذَا حَدَثَتْ فِي الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِفِعْل الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ بِفِعْل غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الشَّيْءِ أَمْ لَيْسَتْ مُتَوَلِّدَةً مِنْهُ، نَحْوَ مَا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ دَارًا فَبَنَى الْمَوْهُوبُ لَهُ زِيَادَةً فِيهَا، أَوْ كَانَتْ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا أَشْجَارًا، أَوْ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ صَبْغًا زَادَ فِي قِيمَتِهِ، أَوْ طَرَأَ سِمَنٌ عَلَى الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، فَفِي كُل هَذِهِ الأَْحْوَالاخْتَلَطَ الْمَوْهُوبُ بِغَيْرِهِ، فَلاَ يَصِحُّ الرُّجُوعُ.
أَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فَإِنَّهَا لاَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ كَاللَّبَنِ وَالثَّمَرِ، أَوْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ كَالْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الزَّوَائِدَ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهَا الْعَقْدُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَرِدُ عَلَيْهَا الْفَسْخُ، كَمَا أَنَّهُ يُمْكِنُ فَسْخُ الْعَقْدِ دُونَ الزِّيَادَةِ بِخِلاَفِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ.
أَمَّا نُقْصَانُ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ فَلاَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأَِنَّهُ مَا دَامَ لِلْوَاهِبِ حَقُّ الرُّجُوعِ فِي كُل الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي بَعْضِهِ مَعَ بَقَائِهِ، فَكَذَا عِنْدَ نُقْصَانِهِ.
د - وُجُودُ الْعِوَضِ: إِذَا كَانَتِ الْهِبَةُ بِعِوَضٍ وَقَبَضَهُ الْوَاهِبُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ: قَوْلُهُ ﷺ: الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا (108) كَمَا أَنَّ التَّعْوِيضَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَ الْوَاهِبِ هُوَ الْوُصُول إِلَى الْعِوَضِ، فَإِذَا وَصَل إِلَيْهِ فَقَدْ حَصَل مَقْصُودُهُ فَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ. وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا.
هـ - إِذَا كَانَ فِي الْهِبَةِ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْعِوَضِ: وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الأَْحْوَال التَّالِيَةِ: - الْهِبَةُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ - لاَ رُجُوعَ فِي الْهِبَةِ لِذِي رَحِمِ مُحَرَّمٍ مِنَ الْوَاهِبِ.
وَحُجَّتُهُمْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا وَمَعْنَاهُ أَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يُعَوَّضْ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ عِوَضٌ مَعْنًى؛ لأَِنَّ التَّوَاصُل سَبَبٌ لِلتَّنَاصُرِ وَالتَّعَاوُنِ فِي الدُّنْيَا وَسَبَبٌ لِلثَّوَابِ فِي الآْخِرَةِ.
كَمَا أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَمَرَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ مَنَعَ الرُّجُوعَ فِي مِثْل هَذِهِ الْهِبَةِ.
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْهِبَةُ لِذِي رَحِمٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ لِقُصُورِ مَعْنَى الصِّلَةِ، فَلاَ يَكُونُ فِي مَدَى الْعِوَضِ.
الزَّوْجِيَّةُ: لاَ يَرْجِعُ أَيٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا وَهَبَ لِصَاحِبِهِ، وَالْعِبْرَةُ بِقِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ وَقْتَ الْهِبَةِ؛ لأَِنَّ صِلَةَ الزَّوْجِيَّةِ تَجْرِي مَجْرَى صِلَةِ الْقَرَابَةِ الْكَامِلَةِ، بِدَلِيل تَعَلُّقِ التَّوَارُثِ بِهَا فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال.
الثَّوَابُ أَوِ الصَّدَقَةُ: إِذَا كَانَتِ الْهِبَةُ إِلَى فَقِيرٍ فَهِيَ صَدَقَةٌ يُطْلَبُ فِيهَا ثَوَابُ اللَّهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْعِوَضِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْهِبَةُ لِلأَْغْنِيَاءِ (109) و - مَوْتُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ: فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ؛ لأَِنَّهُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ يَنْتَقِل الْمِلْكُ إِلَى الْوَرَثَةِ كَمَا إِذَا انْتَقَل فِي حَال حَيَاتِهِ، وَإِذَا مَاتَ الْوَاهِبُ فَوَارِثُهُ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْعَقْدِ.
ز - تَغَيُّرُ الْمَوْهُوبِ: بِأَنْ كَانَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ دَقِيقًا فَخَبَزَهُ، أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ، فَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ (110) .
ثَانِيًا: مَوَانِعُ الرُّجُوعِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَا أَجَازُوا الرُّجُوعَ فِيهِ:
41 - يَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى سُقُوطِ حَقِّ الأَْبِ أَوِ الأُْمِّ فِي اعْتِصَارِ الْهِبَةِ (أَيِ الرُّجُوعِ فِيهَا) حِينَ يَهَبُ لِوَلَدِهِ بِوُجُودِ أَحَدِ الْمَوَانِعِ الآْتِيَةِ:
أ - أَنْ يَزِيدَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ أَوْ يَنْقُصَ فِي ذَاتِهِ، كَأَنْ يَكْبُرَ الصَّغِيرُ أَوْ يَسْمُنَ الْهَزِيل أَوْ يَهْزِل السَّمِينُ، أَمَّا إِذَا تَغَيَّرَتْ قِيمَةُ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الأَْسْوَاقِ فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، لأَِنَّ الْهِبَةَ عَلَى حَالِهَا، وَزِيَادَةَ الْقِيمَةِ أَوْ نُقْصَانَهَا لاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِالشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، كَاخْتِلاَفِ السِّعْرِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ. ب - أَنْ يَقْصِدَ النَّاسُ مُدَايَنَةَ الْوَلَدِ أَوْ تَزْوِيجَهُ لأَِجْل الْهِبَةِ، لِكَوْنِهِ أَصْبَحَ بِالْهِبَةِ مُوسِرًا، فَمَنْ عَقَدَ زَوَاجَ الذَّكَرِ أَوِ الأُْنْثَى لأَِجْل يُسْرِهِمَا بِالْهِبَةِ أَوْ أَعْطَى أَحَدَهُمَا دَيْنًا لأَِجْل ذَلِكَ، أَوِ اشْتَرَيَا شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأَْبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الزَّوَاجُ وَالْمُدَايَنَةُ لأَِمْرٍ غَيْرِ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
ج - أَنْ يَمْرَضَ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَرَضَ الْمَوْتِ؛ وَذَلِكَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ وَرَثَتِهِ بِالْهِبَةِ، فَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا مَرِضَ الْوَاهِبُ ذَلِكَ الْمَرَضَ، فَإِنَّ مَرَضَهُ هَذَا يَمْنَعُهُ مِنَ الرُّجُوعِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ؛ لأَِنَّ رُجُوعَهُ يَكُونُ لِغَيْرِهِ، أَيْ يَمُوتُ فَتَكُونُ الْهِبَةُ الَّتِي رَجَعَ فِيهَا لِغَيْرِ الْوَلَدِ، كَزَوْجَةِ الأَْبِ مَثَلاً، أَمَّا إِذَا وَهَبَ الْوَالِدُ وَلَدَهُ الْمُتَزَوِّجَ أَوِ الْمَدِينَ أَوِ الْمَرِيضَ، أَوْ كَانَ الْوَالِدُ مَرِيضًا وَقْتَ الْهِبَةِ - فَإِنَّهُ لاَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
د - أَنْ تَفُوتَ الْهِبَةُ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِمَا يُخْرِجُهَا عَنْ مِلْكِهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا أَوْ تَفُوتَ بِصِفَةٍ فِيهَا مِمَّا يُغَيِّرُهَا عَنْ حَالِهَا كَجَعْل الدَّنَانِيرِ حُلِيًّا (111) . ثَالِثًا: مَوَانِعُ الرُّجُوعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا أَجَازُوا الرُّجُوعَ فِيهِ:
42 - يُمْنَعُ الرُّجُوعُ لِلأَْبِ وَسَائِرِ الأُْصُول عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا خَرَجَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ عَنْ سَلْطَنَةِ الْوَلَدِ.
وَيَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ بِبَيْعِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ كُلِّهِ أَوْ وَقْفِهِ أَوْ هِبَتِهِ لآِخَرَ مَعَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ.
أَمَّا غَصْبُ الْمَوْهُوبِ أَوْ رَهْنُهُ أَوْ هِبَتُهُ قَبْل الْقَبْضِ أَوْ إِجَارَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ فَكُل ذَلِكَ لاَ يُزِيل سَلْطَنَةَ الْوَلَدِ، فَيَجُوزُ لِلأَْبِ الرُّجُوعُ.
وَلَوْ بَاعَ الْوَلَدُ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ لَهُ مِنْ أَبِيهِ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِشِرَاءٍ أَوْ إِرْثٍ لَمْ يَكُنْ لِلأَْبِ الرُّجُوعُ فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ عَوْدَ السَّلْطَنَةِ هُنَا كَانَ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ.
وَلاَ تَمْنَعُ الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ الرُّجُوعَ، أَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فَهِيَ لِلْوَلَدِ؛ وَلأَِنَّهَا حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِهِ وَيَرْجِعُ الْوَالِدُ بِالشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ (112)
رَابِعًا: مَوَانِعُ الرُّجُوعِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِيمَا أَجَازُوا الرُّجُوعَ فِيهِ:
43 - أ - إِذَا خَرَجَ الْمَوْهُوبُ عَنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ؛ كَبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ إِرْثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِدِ الرُّجُوعُ؛ لأَِنَّهُ إِبْطَالٌ لِمِلْكِ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَإِنْ عَادَ الْمِلْكُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ لَمْ يَمْلِكِ الأَْبُ الرُّجُوعَ.
أَمَّا إِنْ عَادَ إِلَيْهِ بِفَسْخِ الْبَيْعِ لِعَيْبٍ أَوْ إِقَالَةٍ أَوْ فَلَسِ الْمُشْتَرِي، فَفِي جَوَازِ رُجُوعِ الأَْبِ وَجْهَانِ: الْجَوَازُ وَعَدَمُهُ.
ب - عَدَمُ بَقَاءِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ فِي تَصَرُّفِ الْوَلَدِ بِحَيْثُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَتِهِ، فَإِنْ رَهَنَهُ أَوْ أَفْلَسَ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَمْلِكِ الأَْبُ الرُّجُوعَ فِيهِ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِبْطَالاً لِحَقِّ غَيْرِ الْوَلَدِ، فَإِذَا زَال الْمَانِعُ مِنَ التَّصَرُّفِ جَازَ الرُّجُوعُ.
ج - إِذَا تَعَلَّقَ بِالشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ رَغْبَةً لِغَيْرِ الْوَلَدِ، مِثْل أَنْ يَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ شَيْئًا، فَيَرْغَبُ النَّاسُ فِي مُعَامَلَتِهِ وَمُدَايَنَتِهِ، أَوْ رَغِبُوا فِي تَزْوِيجِهِ فَزَوَّجُوهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَعَنْ أَحْمَدَ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ:
الأُْولَى: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لأَِنَّهُ غَرَّ النَّاسَ بِمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ حَتَّى وَثِقُوا بِهِ، فَأَقْدَمُوا عَلَى مُدَايَنَتِهِ أَوْ تَزْوِيجِهِ، فَإِذَا رَجَعَ كَانَ ذَلِكَ إِضْرَارًا بِهِمْ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ، (113) وَلأَِنَّ فِي هَذَا الصَّنِيعِ تَحَايُلاً عَلَى إِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالنَّاسِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
الثَّانِيَةُ: لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رُجُوعِ الأَْبِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ، وَلأَِنَّ حَقَّ الدَّائِنِ وَالْمُتَزَوِّجِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الرُّجُوعِ.
د - إِذَا زَادَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ وَتَعَلُّمِ الصَّنْعَةِ، فَإِنْ زَادَتْ فَعَنْ أَحْمَدَ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ:
الأُْولَى: يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِكَوْنِهَا نَمَاءَ مِلْكِهِ، وَلَمْ تَنْتَقِل إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ وَالِدِهِ، وَإِذَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فِيهَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فِي الأَْصْل أَيْضًا.
الثَّانِيَةُ: لاَ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ؛ لأَِنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ فَلَمْ تَمْنَعِ الرُّجُوعَ كَالزِّيَادَةِ قَبْل الْقَبْضِ وَكَالزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ، فَإِنَّهَا لاَ تَمْنَعُ (114)
هـ - وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَرْجِعَ فِي صَدَاقِهَا الَّذِي وَهَبَتْهُ لِزَوْجِهَا إِذَا طَلَّقَهَا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ قَدْ سَأَلَهَا الْهِبَةَ؛ لأَِنَّهَا كَانَتْ بِهَذِهِ الْهِبَةِ تَبْتَغِي اسْتِدَامَةَ النِّكَاحِ، فَلَمَّا طَلَّقَهَا جَازَ لَهَا الرُّجُوعُ. هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرْجِعَ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْهِبَةُ بِطَلَبٍ مِنَ الزَّوْجِ أَمْ لاَ، وَبِهِ قَال شُرَيْحٌ، وَحَكَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ الْقُضَاةِ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ، (115) .
44 - لَوْ تَصَرَّفَ الأَْبُ فِي الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لِوَلَدِهِ مِنْ قِبَلِهِ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ رُجُوعًا.
وَلَوْ أَسْقَطَ الأَْبُ حَقَّهُ مِنَ الرُّجُوعِ فَفِي سُقُوطِهِ احْتِمَالاَتٌ:
الأَْوَّل: لاَ يَسْقُطُ؛ لأَِنَّهُ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ.
الثَّانِي: يَسْقُطُ؛ لأَِنَّهُ حَقُّهُ فَلَهُ إِسْقَاطُهُ (116) .
مَاهِيَّةُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ:
45 - الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَدْ يَكُونُ بِالتَّقَاضِي أَوْ يَكُونُ بِالتَّرَاضِي. فَإِنْ كَانَ بِالتَّقَاضِي فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ يَكُونُ فَسْخًا؛ لأَِنَّهُ تَمَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَحُكْمُهُ الْفَسْخُ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الرُّجُوعُ بِالتَّرَاضِي فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ غَيْرَ زُفَرَ إِلَى أَنَّ الرُّجُوعَ فَسْخٌ لِلْهِبَةِ، وَقَال زُفَرُ: إِنَّهُ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ (117) .
وَحُجَّةُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْوَاهِبَ بِالْفَسْخِ يَسْتَوْفِي حَقَّ نَفْسِهِ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَهَذَا بِخِلاَفِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ بَيْعًا جَدِيدًا فِي حَقٍّ ثَالِثٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ حَقَّ لِلْمُشْتَرِي فِي الْفَسْخِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ صِفَةُ السَّلاَمَةِ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمِ الْمَبِيعَ اخْتَل رِضَاهُ، فَيَثْبُتُ حَقُّ الْفَسْخِ ضَرُورَةً، فَتَوَقَّفَ لُزُومُ مُوجِبِ الْفَسْخِ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي.
وَحُجَّةُ زُفَرَ: أَنَّ مِلْكَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ عَادَ إِلَى الْوَاهِبِ بِتَرَاضِيهِمَا فَأَشْبَهَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فَيُعْتَبَرُ عَقْدًا جَدِيدًا فِي حَقٍّ ثَالِثٍ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ: أَنَّ الْمُتَّهَبَ إِذَا رَدَّ الْهِبَةَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ، وَهَذَا حُكْمُ الْهِبَةِ الْمُبْتَدَأَةِ لاَ حُكْمُ الْفَسْخِ.
أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الرُّجُوعِ قَضَاءَ الْقَاضِي وَلاَ التَّرَاضِيَ؛ لأَِنَّهُمْ حِينَ أَجَازُوا رُجُوعَ الأَْبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ إِنَّمَا اعْتَمَدُوا نَصًّا مِنَ الشَّرْعِ، فَالرُّجُوعُ بَعْدَئِذٍ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى أَيِّ شَرْطٍ؛ لِخُلُوِّ النَّصِّ الَّذِي أَجَازَهُ عَنْ مِثْل هَذَا الشَّرْطِ (118) .
فَإِذَا رَجَعَ الأَْبُ فَإِنَّهُ خِيَارٌ فِي فَسْخِ عَقْدِ الْهِبَةِ كَالْفَسْخِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ، وَلاَ يَكُونُ الرُّجُوعُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً (119) .
وَإِذَا كَانَتِ الْهِبَةُ بِعِوَضٍ فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْبَيْعِ وَتَأْخُذُ أَحْكَامَهُ فِي الْفَسْخِ وَالإِْقَالَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ التَّفَاسُخَ فِي الْهِبَةِ وَالتَّقَايُل لَيْسَ رُجُوعًا، فَلاَ تَنْفَسِخُ الْهِبَةُ بِهِمَا (120) .
الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ:
46 - إِذَا حَصَل الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ الآْثَارُ التَّالِيَةُ:
أ - يَعُودُ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ إِلَى مِلْكِ الْوَاهِبِ. ب - يَمْلِكُهُ الْوَاهِبُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ؛ لأَِنَّ الْقَبْضَ يُعْتَبَرُ فِي انْتِقَال الْمِلْكِ لاَ فِي عَوْدِ مِلْكٍ قَدِيمٍ. وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الرُّجُوعَ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ.
ج - الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ بَعْدَ الرُّجُوعِ يَكُونُ أَمَانَةً بِيَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ لاَ يَضْمَنُ؛ لأََنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ، فَإِذَا انْفَسَخَتِ الْهِبَةُ بَقِيَ قَبْضُ الْوَاهِبِ قَائِمًا وَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُعِيدَ الْهِبَةَ، لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي؛ لأَِنَّهَا أَمَانَةٌ بِيَدِهِ.
47 - إِذَا وَهَبَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ لِلْوَاهِبِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُل ذَلِكَ بِتَرَاضٍ لاَ قَضَاءِ قَاضٍ فَإِنَّهُ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ.
وَبِنَاءً عَلَيْهِ لَزِمَ مَا يَلِي:
- لاَ يَمْلِكُهُ الْوَاهِبُ حَتَّى يَقْبِضَهُ.
- إِذَا قَبَضَهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الرُّجُوعِ بِالتَّرَاضِي أَوِ التَّقَاضِي.
- لَيْسَ لِلْمُتَّهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ (121) .
__________
(1) سورة مريم 5 - 6
(2) تاج العروس، ولسان العرب، والمصباح المنير.
(3) تكملة فتح القدير 7 / 113، وحاشية ابن عابدين 4 / 530، والبحر الرائق لابن نجيم 7 / 309، والغاية القصوى 2 / 651، ومغني المحتاج 2 / 396، والمغني والشرح الكبير 6 / 246، والخرشي 7 / 101، ومنح الجليل 4 / 83.
(4) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمفردات للراغب، والمغني 5 / 649، والخرشي 7 / 101، والبدائع 6 / 116، والقليوبي 3 / 110.
(5) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمفردات للراغب، والمغني 5 / 649، والخرشي 7 / 101، والبدائع 6 / 116، والقليوبي 3 / 110.
(6) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمفردات للراغب، والمغني 5 / 649، والخرشي 7 / 101، والبدائع 6 / 116، والقليوبي 3 / 110.
(7) سورة النساء / 4.
(8) حديث: " تهادوا تحابوا ". أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص 155 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة، وحسن إسناده ابن حجر في التخليص (3 / 70 - ط شركة الطباعة الفنية) .
(9) حديث: " لا تحقرن جارة لجارتها. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 197 - ط السلفية) ، ومسلم (2 / 714 ط عيسى الحلبي) .
(10) حديث: " أهدى المقوقس صاحب الإسكندرية إلى رسول الله ﷺ. . . إلخ ". أخرجه الطبراني في الأوسط (8 / 150 ط مكتبة المعارف - الرياض) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه إلى الطبراني في الأوسط عن عائشة (4 / 152 ط القدسي) ورجاله ثقات.
(11) حديث: " أهدى النجاشي لرسول الله ﷺ قارورة. . . ". أخرجه ابن عدي في الكامل (6 / 2114 ط دار الفكر) ، وقال: متنه غريب ولا أعلم رواه عن العرزمي عن أبي الزبير غير عصمة.
(12) تحفة الفقهاء للسمرقندي 3 / 253، والمبسوط للسرخسي 12 / 47، والمغني والشرح الكبير 6 / 246، ومغني المحتاج 2 / 396.
(13) مغني المحتاج 2 / 396، وقواعد ابن رجب الحنبلي ق 150 ص 322، وكشاف القناع 4 / 299.
(14) كشاف القناع 4 / 299.
(15) القوانين الفقهية لابن جزي ط دار الفكر ص 314، ومغني المحتاج 2 / 397، وكشاف القناع 4 / 299.
(16) المبسوط 12 / 57، وبدائع الصنائع 6 / 115، والعناية بهامش فتح القدير 7 / 113.
(17) بدائع الصنائع 6 / 118، والقوانين الفقهية ص 315، والخرشي 7 / 102، والغاية القصوى 2 / 653، مغني المحتاج 2 / 397، والمغني والشرح الكبير 6 / 261، والإنصاف للمرداوي 7 / 165، 168، وكشاف القناع 4 / 299، والمغني 4 / 315 ط الرياض.
(18) بدائع الصنائع 6 / 118.
(19) الخرشي 7 / 120، وحاشية الدسوقي 4 / 101، وحاشية العدوي على الخرشي 7 / 103.
(20) حاشية الدسوقي 4 / 98، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 285، ومطالب أولي النهى 3 / 19.
(21) فتح القدير 6 / 311 ط الأميرية، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 285، حاشية الدسوقي 4 / 98.
(22) حاشية منحة الخالق على البحر الرائق 6 / 164.
(23) سورة النساء / 43.
(24) حاشية ابن عابدين 2 / 324، وفتح القدير 3 / 345، وحاشية الحموي 2 / 151، 152، وحاشية الدسوقي 2 / 365، 3 / 397، ومواهب الجليل 4 / 43، وروضة الطالبين 8 / 62، وأشباه السيوطي 216، والإنصاف 8 / 432، والقواعد لابن رجب 229، 230، والمغني 7 / 115.
(25) بدائع الصنائع 6 / 127، والقوانين الفقهية ص 314، ومغني المحتاج 2 / 401، وحاشية البجيرمي على منهج الطلاب 3 / 219، وحاشية القليوبي وعميرة 3 / 113، والمغني والشرح الكبير 6 / 263، وكشاف القناع 4 / 9 30.
(26) بدائع الصنائع 6 / 119، ومغني المحتاج 2 / 399، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 469 نشر دار الكتب العلمية بيروت، والمغني والشرح الكبير 6 / 262، والإنصاف 7 / 131.
(27) المراجع السابقة.
(28) بداية المجتهد 2 / 248، والقوانين الفقهية ص 315، والخرشي 7 / 103، ومنح الجليل 4 / 82.
(29) المدونة 6 / 124، والذخيرة للقرافي 6 / 226.
(30) الإنصاف 7 / 132، والكشاف 4 / 306.
(31) البدائع 6 / 119، والبحر الرائق 7 / 309، والخرشي 7 / 105، ومنح الجليل 4 / 86، ومغني المحتاج 2 / 400، ومنهج الطلاب مع البجيرمي 3 / 217، وحاشية القليوبي وعميرة 3 / 112، والمغني مع الشرح 6 / 255، والإنصاف 7 / 127، وكشاف القناع 4 / 306.
(32) البدائع 6 / 119، ومغني المحتاج 2 / 399، وحاشية القليوبي 3 / 112، والمغني والشرح 6 / 262، والإنصاف 7 / 131، وبداية المجتهد 2 / 248، والخرشي 7 / 103، والقوانين الفقهية ص 315.
(33) البدائع 6 / 119، ومغني المحتاج 2 / 399، وحاشية القليوبي 3 / 112، والمغني والشرح 6 / 262، والإنصاف 7 / 131، وبداية المجتهد 2 / 248، والخرشي 7 / 103، والقوانين الفقهية ص 315، وروضة الطالبين 5 / 376.
(34) بدائع الصنائع 6 / 123، وتحفة الفقهاء 3 / 325 - 326 ط دار الفكر.
(35) الاختيار 3 / 55، والمبدع 5 / 137.
(36) حاشية البناني على الزرقاني 6 / 226.
(37) المبسوط 12 / 57، وبدائع الصنائع 6 / 123، وتكملة فتح القدير 7 / 113، وبداية المجتهد 2 / 248، الخرشي 7 / 105، وحاشية الدسوقي 4 / 101، والمهذب 1 / 447، ومغني المحتاج 2 / 400، وحاشية البجيرمي على المنهج 3 / 218، والمغني والشرح الكبير 6 / 250 - 251، والإنصاف 7 / 147.
(38) قواعد ابن رجب ق 145 ص 318، وانظر البجيرمي 3 / 218، والإنصاف 7 / 147، وتحفة المحتاج 6 / 307.
(39) حديث: " إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك. . . ". أخرجه أحمد (6 / 404 - ط الميمنية) والحاكم في المستدرك (2 / 188 ط دائرة المعارف) ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: منكر فيه مسلم الزنجي ضعيف.
(40) كشاف القناع 4 / 300.
(41) أثر عائشة: " أن أبا بكر - ﵁ - نحلها جذاذ عشرين. . . ". أخرجه مالك في الموطأ (2 / 752 ط عيسى الحلبي) .
(42) كشاف القناع 4 / 300، والإنصاف 7 / 120 - 121، والمغني والشرح الكبير 6 / 246.
(43) الخرشي 7 / 104، 107، وحاشية الدسوقي 4 / 101.
(44) المغني مع الشرح 6 / 246.
(45) الحطاب 6 / 54، والخريشي 7 / 105.
(46) حديث: " من شاء اقتطع ". أخرجه أحمد في المسند (4 / 350 ط الميمنية) والحاكم في المستدرك (4 / 221 ط دائرة المعارف) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(47) البدائع 6 / 123، مغني المحتاج 2 / 400، والإنصاف 7 / 122.
(48) الخرشي 7 / 104 - 107، والدسوقي 4 / 101، والإنصاف 7 / 122.
(49) بدائع الصنائع 6 / 125.
(50) بدائع الصنائع 6 / 123، والمغني والشرح 6 / 250، والإنصاف 7 / 122.
(51) تحفة الفقهاء 3 / 354، وَالْمَبْسُوط 12 / 57، وبدائع الصنائع 6 / 115، والعناية بهامش تكملة فتح القدير 7 / 113، وحاشية ابن عابدين 4 / 315، والبحر الرائق 7 / 310، والقوانين الفقهية ص 315، ومغني المحتاج 2 / 397، وحاشية القليوبي وعميرة 3 / 111، والمغني والشرح الكبير 6 / 250، وكشاف القناع 4 / 300.
(52) الإنصاف 7 / 121.
(53) تحفة الفقهاء3 / 354، والمبسوط 12 / 57، وبدائع الصنائع 6 / 115، والعناية بهامش تكملة فتح القدير 7 / 113، وحاشية ابن عابدين 4 / 531، والبحر الرائق 7 / 310.
(54) حديث: " لا تجوز الهبة إلا مقبوضة ". أخرجه عبد الرزاق في المصنف موقوفا على إبراهيم النخعي. ولفظه: " الهبة لا تجوز حتى تقبض، والصدقة تجوز قبل أن تقبض " (المصنف 9 / 107 ط المجلس العلمي) .
(55) حديث: " لولا أنا محرمون. . . ". أخرجه مسلم (2 / 851 ط عيسى الحلبي) .
(56) أثر: إني كنت نحلتك. . . . سبق تخريجه ف 21.
(57) بدائع الصنائع 6 / 115.
(58) بدائع الصنائع 6 / 116، والقوانين الفقهية ص 315، ومغني المحتاج 2 / 397، ونهاية المحتاج 5 / 403، والخرشي 7 / 104، والمغني والشرح الكبير 6 / 252، وكشاف القناع 4 / 298.
(59) الْبَدَائِع 6 / 116.
(60) الْخَرَشِيّ 7 / 104، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْح الْكَبِير 6 / 252، وَالإِْنْصَاف 7 / 119، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 398.
(61) الْخَرَشِيّ 7 / 104.
(62) الإِْنْصَاف 7 / 119.
(63) مُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 397.
(64) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 118، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْح 6 / 264، وَالإِْنْصَاف 7 / 133، وَمَنْهَج الطُّلاَّبِ مَعَ البجيرمي 3 / 216، وَشَرْح مَنْهَجِ الطُّلاَّبِ عَلَى حَاشِيَة الْجَمَل 3 / 595، وَالْغَايَة الْقُصْوَى 2 / 651.
(65) الْفُرُوق 1 / 228، وَفَتْح الْعَلِيّ الْمَالِك لعليش 1 / 254، وَالْخَرَشِيّ 6 / 126.
(66) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 300 وَمَا بَعْدَهَا.
(67) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 117، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 398، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 5 / 371 - 372، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ 6 / 256، وَالإِْنْصَافِ 7 / 133.
(68) سُورَة النِّسَاء / 4.
(69) حَدِيث: " تَهَادَوْا تُحَابُوا ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف 5.
(70) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 117.
(71) مَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 50، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 398، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 5 / 1 37 - 372، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ 6 / 256.
(72) مَوَاهِب الْجَلِيل 6 / 50، وَانْظُرِ الذَّخِيرَة 6 / 164.
(73) حَدِيث: " الْوَاهِب أَحَقّ بِهِبَتِهِ. . . ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (3 / 44 ط دَارَ الْمَحَاسِن) ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (6 / 181 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) وَقَال: فِيهِ إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل ضَعِيف.
(74) بَدَائِع الصَّنَائِع 1 / 129 - 130، وَالْخَرَشِيّ 7 / 107، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 114، وَالْمُهَذَّب 1 / 7، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 404، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْح 6 / 299، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 300، وَالإِْنْصَاف 7 / 117.
(75) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 248.
(76) مُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 405، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ 6 / 300
(77) الإِْنْصَاف 7 / 117، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ 6 / 299 - 302.
(78) الاِخْتِيَار 3 / 53، وَالدَّرّ الْمُخْتَار 2 / 519، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 9 / 50.
(79) الْخَرَشِيّ 7 / 117، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 114.
(80) الْخَرَشِيّ 7 / 117، وَالْحَطَّاب 6 / 66 - 67، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 114، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ ص 315، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 248، والزرقاني 7 / 107، وَالْمُهَذَّب 1 / 447، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 404، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 6 / 299، وَالإِْنْصَاف 7 / 116، الْمَبْسُوط 12 / 75، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 7 / 133، وَالْبَدَائِع 6 / 32.
(81) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 322، وَالإِْنْصَاف 7 / 116، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 405.
(82) الْمَبْسُوط 12 / 75، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 32، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 7 / 133، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 4 / 539.
(83) الإِْنْصَاف 7 / 116، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 6 / 300.
(84) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 130، وَالإِْنْصَاف 7 / 116، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 404 - 405، وَحَاشِيَة البجيرمي 3 / 221
(85) الْمَبْسُوط 12 / 76، 82، وَالْبَدَائِع 6 / 132.
(86) الْمُهَذَّب 1 / 447، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 404 - 405، وَحَاشِيَة البجيرمي 3 / 221.
(87) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 248، وَالْخَرَشِيّ 7 / 118، وَالإِْنْصَاف 7 / 116.
(88) الْخَرَشِيّ 7 / 114.
(89) الْخَرَشِيّ 7 / 114.
(90) الْمَرْجِع السَّابِق.
(91) الْخَرَشِيّ 7 / 120.
(92) الْخَرَشِيّ 7 / 118.
(93) الْخَرَشِيّ 7 / 118.
(94) الإِْنْصَاف 7 / 116.
(95) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 394، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 5 / 386، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 6 / 299.
(96) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 310، وَانْظُرْ تَعَارِيف الْفُقَهَاء فِي الْهِبَةِ.
(97) تَكْمِلَة رَدِّ الْمُحْتَارِ 8 / 424، 470 ط الْحَلَبِيّ، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 5 / 375، وَالْقَوَاعِد لاِبْن رَجَب ص 71، وَالشَّرْح الْكَبِير 4 / 101.
(98) الْخَرَشِيّ 7 / 114، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 315، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 110، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 248، وَالْمُهَذَّبِ 1 / 447، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 402، وَحَاشِيَة البجيرمي 3 / 219، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة 3 / 313، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْح الْكَبِير 6 / 272، وَالإِْنْصَاف 7 / 145، وَالْفُرُوع 4 / 647
(99) حَدِيث: " لاَ يَحْل لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ. . . ". أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الآْثَار (4 / 79 ط مَطْبَعَة الأَْنْوَار الْمُحَمَّدِيَّة) ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (6 / 179 - 180 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) وَقَال: مُنْقَطِع، وَفِي الْبَابِ مُوَصِّلاً بِلَفْظٍ آخَرَ.
(100) حَدِيث: " الْعَائِد فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيِّئْهُ ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي 5 / 234 ط السَّلَفِيَّة) ، وَمُسْلِم (3 / 1241 ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ ﵃ ا.
(101) حَدِيث: " لَيْسَ لَنَا مَثَل السَّوْءِ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي 5 / 234 - 235 ط السَّلَفِيَّة) ، وَمُسْلِم (3 / 1240 ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ ﵃ ا.
(102) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 127، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 7 / 129، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 295، 316، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 4 / 539.
(103) سُورَة النِّسَاء / 86.
(104) حَدِيث: " الْوَاهِب أَحَقّ بِهِبَتِهِ. . . ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف 32.
(105) الْبَدَائِع 6 / 128، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 7 / 135.
(106) الإِْنْصَاف 7 / 145 - 146، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ 6 / 270، وَالْفُرُوع 4 / 647
(107) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 127، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير 7 / 129، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 316، 294، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 4 / 518.
(108) حَدِيث: الْوَاهِبُ أَحَقّ بِهِبَتِهِ. . . ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف 32.
(109) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 4 / 518، وَالْبَحْر الرَّائِق 7 / 249.
(110) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 292، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 386.
(111) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 248، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 315، وَالْخَرَشِيّ 7 / 114، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 4 / 110، وَمَنْح الْجَلِيل 4 / 104.
(112) الْمُهَذَّب 1 / 447، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 2 / 402، وَحَاشِيَة البجيرمي 3 / 219
(113) حَدِيث: " لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ. أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (2 / 784 ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عِبَادَة بْن الصَّامِتِ، وَابْن عَبَّاسٍ ﵃، وَأَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (1 / 313 ط الميمنية) ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرِكِ (2 / 57 - 58 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) وَقَال: صَحِيح.
(114) الْمُغْنِي وَالشَّرْح الْكَبِير 6 / 276، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 314، وَقَوَاعِد ابْن رَجَب ق 32.
(115) الْمُغْنِي وَالشَّرْح الْكَبِير 6 / 297، وَالإِْنْصَاف 7 / 147.
(116) الإِْنْصَاف 7 / 148 - 149.
(117) الْبَدَائِع 6 / 134، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 4 / 542.
(118) الْمُغْنِي وَالشَّرْح الْكَبِير 6 / 282، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة 3 / 114.
(119) الْمُغْنِي وَالشَّرْح الْكَبِير 6 / 282.
(120) حَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة 3 / 114.
(121) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 134.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 120/ 42