الجميل
كلمة (الجميل) في اللغة صفة على وزن (فعيل) من الجمال وهو الحُسن،...
الرَّمْيُ: الإِلقاءُ والقَذْفُ، يُقال: رَمَيْتُ الشَّيْءَ مِن يَدَيَّ، أيْ: أَلْقَيْتُهُ؛ فإن كان القَذْفُ بِالحِجارَةِ سُمِّيَ رَجْماً. والرَّمِيَّةُ: الصَّيْدُ الذي يُلْقَى بِالسِّلاحِ، ورَمَى فُلانٌ فُلاناً بأَمرٍ قَبِيحٍ، أيْ: قَذَفَهُ بِالفاحِشَةِ. ويأَتي الرَّمْيُ بِمعنى الدَّفْعِ بِقُوَّةٍ، كَقَوْلِك: رَماهُ في البَحْرِ: إذا دَفَعَهُ فيه بِقُوَّةٍ. وأَصْلُه: نَبْذُ الشَّيْءِ وطَرْحُهُ، يُقال: رَمَيْتُ الشَّيْءَ، أَرْمِيهِ، رَمْياً، أيْ: نَبَذْتُهُ وطَرَحْتُهُ. ومِن مَعانيه فِي اللُّغَةِ أيضاً: الرَّشْقُ والإِرْسالُ والإِطْلاقُ والإِيصالُ والتَّرْكُ.
يُطلَق مُصْطلَحُ (رَمْي) في كِتابِ الحَجِّ، باب: مَحْظورات الإِحْرامِ، وفي كتاب الجِّهادِ، باب: الإِعْداد لِلعَدُوِّ، وكتاب الصَّيْدِ والذَّبائِحِ، باب: شُروط الصَّيْدِ، وكتاب السَّبْقِ في أَنْواعِ المُسابَقاتِ، ويُراد بِهِ: إِرْسالُ السِّلاحِ كالرُمْحِ ونحوِهِ بِغَرَضِ إِصابَةِ هَدَفٍ مُعَيَّنٍ، كَحَيَوانٍ ونَحْوِهِ. ويُطلَق في كتاب الحدود، باب: حدّ القَذف، ويُراد به: القَذْفُ بالفاحِشَةِ.
رمي
* مقاييس اللغة : (2/436)
* لسان العرب : (4/146)
* تاج العروس : (38/183)
* الـمجموع شرح الـمهذب : (8/240)
* تحرير ألفاظ التنبيه : (ص 325)
* الـمغني لابن قدامة : (3/380)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 227)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (23/150)
* معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية : (2/185)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (23/163) -
التَّعْرِيفُ:
1 - الرَّمْيُ لُغَةً: يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْقَذْفِ، وَبِمَعْنَى الإِْلْقَاءِ، يُقَال: رَمَيْتُ الشَّيْءَ وَبِالشَّيْءِ، إِذَا قَذَفْتَهُ، وَرَمَيْتُ الشَّيْءَ مِنْ يَدَيَّ أَيْ: أَلْقَيْتُهُ فَارْتَمَى، وَرَمَى بِالشَّيْءِ أَيْضًا أَلْقَاهُ، كَأَرْمَى، يُقَال: أَرْمَى الْفَرَسُ بِرَاكِبِهِ إِذَا أَلْقَاهُ.
وَرَمَى السَّهْمَ عَنِ الْقَوْسِ وَعَلَيْهَا، لاَ بِهَا، رَمْيًا وَرِمَايَةً. وَلاَ يُقَال: رَمَيْتُ بِالْقَوْسِ إِلاَّ إِذَا أَلْقَيْتَهَا مِنْ يَدِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ بِمَعْنَى رَمَيْتُ عَنْهَا. وَرَمَى فُلاَنٌ فُلاَنًا، أَيْ قَذَفَهُ بِالْفَاحِشَةِ (1)
كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} (2) .
الرَّمْيُ اصْطِلاَحًا:
2 - اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الرَّمْيَ فِي الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ السَّابِقَةِ وَمِنْهَا رَمْيُ الْجِمَارِ الَّذِي هُوَ مَنْسَكٌ وَاجِبٌ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ. وَالرَّمْيُ بِالسِّهَامِ وَنَحْوِهَا، وَالرَّمْيُ بِمَعْنَى الْقَذْفِ.
(أَوَّلاً)
رَمْيُ الْجِمَارِ
3 - رَمْيُ الْجِمَارِ، هُوَ رَمْيُ الْحَصَيَاتِ الْمُعَيَّنَةِ الْعَدَدِ فِي الأَْمَاكِنِ الْخَاصَّةِ بِالرَّمْيِ فِي مِنًى (الْجَمَرَاتِ) .
وَلَيْسَتِ الْجَمْرَةُ هِيَ الشَّاخِصُ (الْعَمُودُ) الَّذِي يُوجَدُ فِي مُنْتَصَفِ الْمَرْمَى، بَل الْجَمْرَةُ هِيَ الْمَرْمَى الْمُحِيطُ بِذَلِكَ الشَّاخِصِ، فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ.
4 - وَالْجَمَرَاتُ الَّتِي تُرْمَى ثَلاَثَةٌ، هِيَ:
أ - الْجَمْرَةُ الأُْولَى: وَتُسَمَّى الصُّغْرَى، أَوِ الدُّنْيَا، وَهِيَ أَوَّل جَمْرَةٍ بَعْدَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى، سُمِّيَتْ " دُنْيَا " مِنَ الدُّنُوِّ؛ لأَِنَّهَا أَقْرَبُ الْجَمَرَاتِ إِلَى مَسْجِدِ الْخَيْفِ.
ب - الْجَمْرَةُ الثَّانِيَةُ: وَتُسَمَّى الْوُسْطَى، بَعْدَ الْجَمْرَةِ الأُْولَى، وَقَبْل جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
ج - جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ: وَهِيَ الثَّالِثَةُ، وَتُسَمَّى أَيْضًا " الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى " وَتَقَعُ فِي آخِرِ مِنًى تُجَاهَ مَكَّةَ، وَلَيْسَتْ مِنْ مِنًى. (ر: مِنًى) .
وَتُرْمَى هَذِهِ الْجَمَرَاتُ كُلُّهَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِرَمْيِ الْجِمَارِ:
5 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ. (ر: حَجّ ف 153 - 165) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.أَمَّا السُّنَّةُ فَالأَْحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْل أَنْ أَذْبَحَ؟ قَال: اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ فَجَاءَ آخَرُ فَقَال: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْل أَنْ أَرْمِيَ؟ قَال: ارْمِ وَلاَ حَرَجَ (3) الْحَدِيثَ، فَقَدْ أَمَرَ بِالرَّمْيِ، وَالأَْمْرُ لِلْوُجُوبِ.
وَكَذَلِكَ فِعْلُهُ ﷺ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الأَْحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الصَّحِيحَةِ (4) ، وَقَدْ قَال: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (5) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَوْل الْكَاسَانِيِّ: إِنَّ الأُْمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى وُجُوبِهِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا (6) .
وَمَا رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِنْ أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لإِِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَقَدْ بَيَّنَ الْعُلَمَاءُ بُطْلاَنَهُ.
شُرُوطُ صِحَّةِ رَمْيِ الْجِمَارِ:
6 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ رَمْيِ الْجِمَارِ شُرُوطٌ هِيَ: أ - سَبْقُ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ:
لأَِنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ كُل أَعْمَال الْحَجِّ.
ب - سَبْقُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:
لأَِنَّهُ رُكْنٌ إِذَا فَاتَ فَاتَ الْحَجُّ، وَالرَّمْيُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ.
ج - أَنْ يَكُون الْمَرْمِيُّ حَجَرًا:
فَلاَ يَصِحُّ الرَّمْيُ بِالطِّينِ، وَالْمَعَادِنِ، وَالتُّرَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) وَيَصِحُّ بِالْمَرْمَرِ، وَحَجَرِ النُّورَةِ أَيِ الْجِصِّ قَبْل طَبْخِهِ، وَيُجْزِئُ حَجَرُ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ حَجَرٌ فِي هَذِهِ الْحَال، إِلاَّ أَنَّ فِيهِ حَدِيدًا كَامِنًا يُسْتَخْرَجُ بِالْعِلاَجِ، وَفِيمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْفُصُوصُ كَالْفَيْرُوزَجِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالْعَقِيقِ، وَالزُّمُرُّدِ، وَالْبِلَّوْرِ، وَالزَّبَرْجَدِ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَصَحُّهُمَا الإِْجْزَاءُ لأَِنَّهَا أَحْجَارٌ (7) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْمَرْمِيِّ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمُ الرَّمْيُ بِالتُّرَابِ، وَالطِّينِ، وَالْجِصِّ، وَالْكُحْل، وَالْكِبْرِيتِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَالزُّمُرُّدِ، وَالْبِلَّوْرِ، وَالْعَقِيقِ، وَلاَ يَصِحُّ بِالْمَعَادِنِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الرَّمْيِ بِالْفَيْرُوزَجِ وَالْيَاقُوتِ: مَنَعَهُ الشَّارِحُونَ وَغَيْرُهُمْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الرَّمْيِ بِالرَّمْيِ بِهِ اسْتِهَانَةً.
وَأَجَازَهُ غَيْرُهُمْ بِنَاءً عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ الاِشْتِرَاطِ (8) .
اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِمَا ثَبَتَ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ يَصِفُ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ: فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ - يُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ مِنْهَا - مِثْل حَصَى الْخَذْفِ (9) . وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ: ارْمُوا الْجِمَارَ بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ وَفِي عَدَدٍ مِنْهَا أَنَّهُ قَال ذَلِكَ وَهُوَ وَاضِعٌ أُصْبُعَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى (10) .
قَال النَّوَوِيُّ: فَأَمَرَ ﷺ بِالْحَصَى، فَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُ، وَالأَْحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى (11) ".
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الأَْمْرِ بِالرَّمْيِ مُطْلَقَةً عَنْ صِفَةٍ مُقَيِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ ﷺ: ارْمِ وَلاَ حَرَجَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (12) .
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَالرَّمْيُ بِالْحَصَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃ مَحْمُولٌ عَلَى الأَْفْضَلِيَّةِ، تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلاَئِل، لِمَا صَحَّ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُطْلَقَ لاَ يُحْمَل عَلَى الْمُقَيَّدِ، بَل يَجْرِي الْمُطْلَقُ عَلَى إِطْلاَقِهِ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ مَا أَمْكَنَ، وَهَاهُنَا أَمْكَنَ بِأَنْ يُحْمَل الْمُطْلَقُ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى الأَْفْضَلِيَّةِ (13) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا: إِنَّ الْمَقْصُودَ فِعْل الرَّمْيِ، وَذَلِكَ يَحْصُل بِالطِّينِ، كَمَا يَحْصُل بِالْحَجَرِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا رَمَى بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ؛ لأَِنَّهُ يُسَمَّى نَثْرًا لاَ رَمْيًا (14) . وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الأَْحْوَطَ فِي ذَلِكَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: إِنَّ أَكْثَرَ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّهَا أُمُورٌ تَعَبُّدِيَّةٌ، لاَ يُشْتَغَل بِالْمَعْنَى فِيهَا - أَيْ بِالْعِلَّةِ - وَالْحَاصِل أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُلاَحَظَ مُجَرَّدُ الرَّمْيِ، أَوْ مَعَ الاِسْتِهَانَةِ، أَوْ خُصُوصُ مَا وَقَعَ مِنْهُ ﵊، وَالأَْوَّل يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ بِالْجَوَاهِرِ، وَالثَّانِي بِالْبَعْرَةِ وَالْخَشَبَةِ الَّتِي لاَ قِيمَةَ لَهَا، وَالثَّالِثُ بِالْحَجَرِ خُصُوصًا، فَلْيَكُنْ هَذَا أَوْلَى، لِكَوْنِهِ أَسْلَمَ، وَلِكَوْنِهِ الأَْصْل فِي أَعْمَال هَذِهِ الْمَوَاطِنِ، إِلاَّ مَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَعْيِينِهِ (15) .
أَمَّا صِفَةُ الْمَرْمِيِّ بِهِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الأَْحَادِيثِ أَنَّهُ مِثْل حَصَى الْخَذْفِ وَحَصَى الْخَذْفِ هِيَ الَّتِي يُخْذَفُ بِهَا، أَيْ تُرْمَى بِهَا الطُّيُورُ وَالْعَصَافِيرُ، بِوَضْعِ الْحَصَاةِ بَيْنَ أُصْبُعَيِ السَّبَّابَةِ وَالإِْبْهَامِ وَقَذْفِهَا.
وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ، فَوْقَ الْحِمَّصَةِ، وَدُونَ الْبُنْدُقَةِ، وَكَرِهُوا الرَّمْيَ بِالْحَجَرِ الْكَبِيرِ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - الرَّمْيَ بِالْحَجَرِ الصَّغِيرِ الَّذِي كَالْحِمَّصَةِ، مَعَ مُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ؛ لأَِنَّهُ رَمْيٌ بِالْحَجَرِ فَيُجْزِئُهُ. وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، بَل لاَ بُدَّ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقِيل: لاَ يُجْزِئُ الرَّمْيُ إِلاَّ بِحَصًى كَحَصَى الْخَذْفِ، لاَ أَصْغَرَ وَلاَ أَكْبَرَ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَحْمَدَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهَذَا الْقَدْرِ، وَنَهَى عَنْ تَجَاوُزِهِ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (16) .
د - أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ بِالْحَصَيَاتِ السَّبْعِ مُتَفَرِّقَاتٍ:
وَاحِدَةً فَوَاحِدَةً، فَلَوْ رَمَى حَصَاتَيْنِ مَعًا أَوِ السَّبْعَ جُمْلَةً، فَهِيَ حَصَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَرْمِيَ بِسِتٍّ سِوَاهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذَاهِبِ.
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ تَفْرِيقُ الأَْفْعَال فَيَتَقَيَّدُ بِالتَّفْرِيقِ الْوَارِدِ فِي السُّنَّةِ (17) .
هـ - وُقُوعُ الْحَصَى فِي الْجَمْرَةِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَصَى:
وَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) قَال الشَّافِعِيُّ: الْجَمْرَةُ مُجْتَمَعُ الْحَصَى، لاَ مَا سَال مِنَ الْحَصَى، فَمَنْ أَصَابَ مُجْتَمَعَهُ أَجْزَأَهُ، وَمَنْ أَصَابَ سَائِلَهُ لَمْ يُجْزِهِ (18) . وَتَوَسَّعَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ قَرِيبًا مِنَ الْجَمْرَةِ يَكْفِيهِ؛ لأَِنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَوْ وَقَعَتْ بَعِيدًا مِنْهَا لاَ يُجْزِيهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبُهُ إِلاَّ فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ. قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ مَا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ كَانَ فِي حُكْمِهِ، لِكَوْنِهِ تَبَعًا لَهُ (19) .
وَأَمَّا مِقْدَارُ الْمَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ، فَقِيل: ثَلاَثَةُ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَ، وَقِيل: ذِرَاعٌ فَأَقَل، وَهُوَ الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ الْمُحَقِّقُ كَمَال الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ، وَهُوَ أَحْوَطُ (20) .
و أَنْ يَقْصِدَ الْمَرْمَى وَيَقَعَ الْحَصَى فِيهِ بِفِعْلِهِ اتِّفَاقًا فِي ذَلِكَ:
فَلَوْ ضَرَبَ شَخْصٌ يَدَهُ فَطَارَتْ الْحَصَاةُ إِلَى الْمَرْمَى وَأَصَابَتْهُ لَمْ يَصِحَّ. كَذَلِكَ لَوْ رَمَى فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ الْحَجَرُ فِي الْمَرْمَى لَمْ يَصِحَّ.
وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَمَى الْحَصَاةَ فَانْصَدَمَتْ بِالأَْرْضِ خَارِجَ الْجَمْرَةِ، أَوْ بِمَحْمَلٍ فِي الطَّرِيقِ أَوْ ثَوْبِ إِنْسَانٍ مَثَلاً ثُمَّ ارْتَدَّتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى اعْتَدَّ بِهَا لِوُقُوعِهَا فِي الْمَرْمَى بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةٍ. وَلَوْ حَرَّكَ صَاحِبُ الْمَحْمِل أَوِ الثَّوْبِ فَنَفَضَهَا فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا (21) .
وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (22) : لَيْسَ لَهَا إِلاَّ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَرَمْيُ كَثِيرِينَ مِنْ أَعْلاَهَا بَاطِلٌ، هُوَ خِلاَفُ كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ، وَنَصُّهُ فِي الأُْمِّ: وَيَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَمِنْ حَيْثُ رَمَاهَا أَجْزَأَهُ (23) .
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ رَمْيُ خَلْقٍ كَثِيرٍ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَعْلاَهَا، وَلَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِالإِْعَادَةِ، وَلاَ أَعْلَنُوا بِالنِّدَاءِ بِذَلِكَ فِي النَّاسِ، وَكَأَنَّ وَجْهَ اخْتِيَارِهِ ﵊ لِلرَّمْيِ مِنَ الْوَادِي أَنَّهُ يَتَوَقَّعُ الأَْذَى لِمَنْ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا رَمَوْا مِنْ أَعْلاَهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَخْلُو مِنَ النَّاسِ، فَيُصِيبُهُمُ الْحَصَى (24) . ز - تَرْتِيبُ الْجَمَرَاتِ فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَمْرَةِ الصُّغْرَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) فَهَذَا التَّرْتِيبُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الرَّمْيِ.
فَلَوْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ فَبَدَأَ مِنَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الصُّغْرَى وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ رَمْيِ الْوُسْطَى وَالْعَقَبَةِ عِنْدَهُمْ لِيَتَحَقَّقَ التَّرْتِيبُ (25) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ سُنَّةٌ، إِذَا أَخَل بِهِ يُسَنُّ لَهُ الإِْعَادَةُ. وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ (26) .
اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَتَّبَهَا كَذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُل حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِل (27) ، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلاً وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَال فَيَسْتَهِل وَيَقُومُ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلاً، وَيَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلاً، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ وَأَوَّل وَقْتِ الرَّمْيِ لِيَوْمِ النَّحْرِ يَبْدَأُ مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ (28) .
وَهَذَا الْوَقْتُ عِنْدَهُمْ أَقْسَامٌ: مَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتَ الْجَوَازِ مَعَ الإِْسَاءَةِ، وَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَال وَقْتٌ مَسْنُونٌ، وَمَا بَعْدَ الزَّوَال إِلَى الْغُرُوبِ وَقْتُ الْجَوَازِ بِلاَ إِسَاءَةٍ، وَاللَّيْل وَقْتُ الْجَوَازِ مَعَ الإِْسَاءَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَطْ وَلاَ جَزَاءَ فِيهِ.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيَنْتَهِي الْوَقْتُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ يَلْزَمُ فِيهِ الدَّمُ.
وَتَحْدِيدُ الْوَقْتِ الْمَسْنُونِ مَأْخُوذٌ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ رَمَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ جَوَازِ الرَّمْيِ يَوْمُ النَّحْرِ إِذَا انْتَصَفَتْ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَهُ.
وَهَذَا الْوَقْتُ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ إِلَى الزَّوَال، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ إِلَى الْغُرُوبِ، وَوَقْتُ جَوَازٍ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (29) . اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ فِي الثَّقَل وَقَال: لاَ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تُصْبِحُوا (30) .
فَأَثْبَتُوا جَوَازَ الرَّمْيِ ابْتِدَاءً مِنَ الْفَجْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ، وَيَأْمُرُهُمْ يَعْنِي لاَ يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (31) .
فَأَثْبَتُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْوَقْتَ الْمَسْنُونَ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَل بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ قَبْل الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ (32) .
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّهُ عَلَّقَ الرَّمْيَ بِمَا قَبْل الْفَجْرِ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ صَالِحٌ لِجَمِيعِ اللَّيْل، فَجَعَل النِّصْفَ ضَابِطًا لَهُ؛ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِمَّا قَبْل النِّصْفِ.
أَمَّا آخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ يَوْمَ النَّحْرِ فَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى فَجْرِ الْيَوْمِ التَّالِي، فَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْهُ بِلاَ عُذْرٍ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْقَضَاءِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (33) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: آخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ، وَيَجِبُ الدَّمُ إِنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ (34) .
وَآخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ أَدَاءً عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لأَِنَّهَا كُلُّهَا أَيَّامُ رَمْيٍ (35) .
وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ قَال: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَال: لاَ حَرَجَ (36) .
وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَرْمُوا لَيْلاً (37) . وَهُوَ يَدُل عَلَى أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ فِي اللَّيْل جَائِزٌ، وَفَائِدَةُ الرُّخْصَةِ زَوَال الإِْسَاءَةِ عَنْهُمْ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ الرَّمْيُ وَاجِبًا قَبْل الْمَغْرِبِ لأََلْزَمَهُمْ بِهِ؛ لأَِنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ إِنَابَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى الرَّعْيِ.
ب - الرَّمْيُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
9 - وَهُمَا الْيَوْمَانِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ: يَجِبُ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ رَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلاَثِ عَلَى التَّرْتِيبِ: يَرْمِي أَوَّلاً الْجَمْرَةَ الصُّغْرَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، يَرْمِي كُل جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ.
1 - يَبْدَأُ وَقْتُ الرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَال، وَلاَ يَجُوزُ الرَّمْيُ فِيهِمَا قَبْل الزَّوَال عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمُ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الظَّاهِرَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (38) . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الأَْفْضَل أَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ - أَيْ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ - بَعْدَ الزَّوَال فَإِنْ رَمَى قَبْلَهُ جَازَ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ (39) .
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَتَعَجَّل فِي النَّفْرِ الأَْوَّل فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبْل الزَّوَال، وَإِنْ رَمَى بَعْدَهُ فَهُوَ أَفْضَل، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِهِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوَال، وَذَلِكَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا نَفَرَ بَعْدَ الزَّوَال لاَ يَصِل إِلَى مَكَّةَ إِلاَّ بِاللَّيْل فَيَحْرَجُ فِي تَحْصِيل مَوْضِعِ النُّزُول (40) .
وَهَذَا رِوَايَةٌ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ، لَكِنَّهُ قَال: يَنْفِرُ بَعْدَ الزَّوَال (41) .
اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ.
فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا (42) .
وَعَنْ جَابِرٍ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ (43) .
وَهَذَا بَابٌ لاَ يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ، بَل بِالتَّوْقِيتِ مِنَ الشَّارِعِ، فَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُ.
وَاسْتُدِل لِلرِّوَايَةِ بِجَوَازِ الرَّمْيِ قَبْل الزَّوَال بِقِيَاسِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ؛ لأَِنَّ الْكُل أَيَّامُ نَحْرٍ، وَيَكُونُ فِعْلُهُ ﷺ مَحْمُولاً عَلَى السُّنِّيَّةِ.
وَاسْتُدِل لِجَوَازِ الرَّمْيِ ثَانِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَبْل الزَّوَال لِمَنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ النَّفْرُ إِلَى مَكَّةَ بِمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِل إِلاَّ بِاللَّيْل، وَقَدْ قَوَّى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالأَْخْذُ بِهَذَا مُنَاسِبٌ لِمَنْ خَشِيَ الزِّحَامَ وَدَعَتْهُ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، لاَ سِيَّمَا فِي زَمَنِنَا (44) .
2 - وَأَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ آخِرَ الْوَقْتِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلاَثِ، فَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ تَدَارَكَهُ فِيمَا يَلِيهِ مِنَ الزَّمَنِ، وَالْمُتَدَارَكُ أَدَاءٌ عَلَى الْقَوْل الأَْصَحِّ الَّذِي اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَاقْتَضَاهُ نَصُّ الشَّافِعِيَّةِ
وَهَكَذَا لَوْ تَرَكَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يَتَدَارَكُهُ فِي اللَّيْل وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ التَّرْتِيبُ فَيُقَدِّمُهُ عَلَى رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. كَذَلِكَ أَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ التَّرْتِيبَ فِي الْقَضَاءِ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِوُجُوبِ تَرْتِيبِهِ فِي الْقَضَاءِ بِالنِّيَّةِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكِ الرَّمْيَ حَتَّى غَرَبَتْ شَمْسُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَقَدْ فَاتَهُ الرَّمْيُ وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ (45) .
وَدَلِيلُهُمْ: أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقْتٌ لِلرَّمْيِ، فَإِذَا أَخَّرَهُ مِنْ أَوَّل وَقْتِهِ إِلَى آخِرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَقَيَّدُوا رَمْيَ كُل يَوْمٍ بِيَوْمِهِ، ثُمَّ فَصَّلُوا: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَنْتَهِي رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بِطُلُوعِ فَجْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَرَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ. فَمَنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ إِلَى مَا بَعْدَ وَقْتِهِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَهُمْ (46) .
وَالدَّلِيل عَلَى جَوَازِ الرَّمْيِ بَعْدَ مَغْرِبِ نَهَارِ الرَّمْيِ حَدِيثُ الإِْذْنِ لِلرِّعَاءِ بِالرَّمْيِ لَيْلاً.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَنْتَهِي الأَْدَاءُ إِلَى غُرُوبِ كُل يَوْمٍ، وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ لَهُ، وَيَفُوتُ الرَّمْيُ بِغُرُوبِ الرَّابِعِ، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ فِي تَرْكِ حَصَاةٍ أَوْ فِي تَرْكِ الْجَمِيعِ، وَكَذَا يَلْزَمُهُ دَمٌ إِذَا أَخَّرَ شَيْئًا مِنْهَا إِلَى اللَّيْل (47) .
ج - الرَّمْيُ ثَالِثَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
10 - يَجِبُ هَذَا الرَّمْيُ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ وَلَمْ يَنْفِرْ مِنْ مِنًى بَعْدَ رَمْيِ ثَانِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا نُفَصِّلُهُ وَهَذَا الرَّمْيُ آخِرُ مَنَاسِكِ مِنًى.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّمْيَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بَعْدَ الزَّوَال رَمْيٌ فِي الْوَقْتِ، كَمَا رَمَى فِي الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ، اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ ﷺ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَقْدِيمِهِ:
فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ وَالصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الرَّمْيُ قَبْل الزَّوَال، اسْتِدْلاَلاً بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَقِيَاسًا لِرَمْيِ هَذَا الْيَوْمِ عَلَى الْيَوْمَيْنِ السَّابِقَيْنِ، فَكَمَا لاَ يَصِحُّ الرَّمْيُ فِيهِمَا قَبْل الزَّوَال، كَذَلِكَ لاَ يَصِحُّ قَبْل زَوَال الْيَوْمِ الأَْخِيرِ (48) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ لِلرَّمْيِ فِي هَذَا الْيَوْمِ بَعْدَ الزَّوَال، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّمَ الرَّمْيُ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَبْل الزَّوَال، بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
قَال فِي الْهِدَايَةِ: وَمَذْهَبُهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ أَثَرُ التَّخْفِيفِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي حَقِّ التَّرْكِ، فَلأََنْ يَظْهَرَ فِي جَوَازِهِ - أَيِ الرَّمْيِ - فِي الأَْوْقَاتِ كُلِّهَا أَوْلَى (49) .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الرَّمْيِ فِي هَذَا الْيَوْمِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ لِهَذَا الْيَوْمِ وَلِلأَْيَّامِ الْمَاضِيَةِ لَوْ أَخَّرَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ يَخْرُجُ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، فَلاَ قَضَاءَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَجِبُ فِي تَرْكِهِ الْفِدَاءُ. وَذَلِكَ " لِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَنَاسِكِ بِغُرُوبِ شَمْسِهِ (50) .
شُرُوطُ الرَّمْيِ:
10 م - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ رَمْيِ الْجِمَارِ مَا يَلِي: أ - أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَذْفٌ لِلْحَصَاةِ وَلَوْ خَفِيفًا.
فَكَيْفَمَا حَصَل أَجْزَأَهُ، حَتَّى قَال النَّوَوِيُّ: وَلاَ يُشْتَرَطُ وُقُوفُ الرَّامِي خَارِجَ الْمَرْمَى، فَلَوْ وَقَفَ فِي طَرَفِ الْمَرْمَى وَرَمَى إِلَى طَرَفِهِ الآْخَرِ أَجْزَأَهُ ".
وَلَوْ طَرَحَ الْحَصَيَاتِ طَرْحًا أَجْزَأَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الرَّمْيَ قَدْ وُجِدَ بِهَذَا الطَّرْحِ، إِلاَّ أَنَّهُ رَمْيٌ خَفِيفٌ، فَيُجْزِئُ مَعَ الإِْسَاءَةِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ الطَّرْحُ بَتَاتًا.
أَمَّا لَوْ وَضَعَهَا وَضْعًا فَلاَ يَصِحُّ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِرَمْيٍ.
ب - الْعَدَدُ الْمَخْصُوصُ:
وَهُوَ سَبْعُ حَصَيَاتٍ لِكُل جَمْرَةٍ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ رَمْيَ حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ كَمَنْ تَرَكَ السَّبْعَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ تَيْسِيرٌ بِقَبُول صَدَقَةٍ فِي تَرْكِ الْقَلِيل مِنَ الْحَصَيَاتِ، اخْتَلَفَتْ فِيهِ اجْتِهَادَاتُهُمْ (ر: حَجّ ف / 273)
وَاجِبُ الرَّمْيِ:
11 - يَجِبُ تَرْتِيبُ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ بِحَسَبِ تَرْتِيبِ أَعْمَال يَوْمِ النَّحْرِ، وَهِيَ هَكَذَا: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَالذَّبْحُ، فَالْحَلْقُ، فَطَوَافُ الإِْفَاضَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّ تَرْتِيبَهَا سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلاَفٌ فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا التَّرْتِيبِ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: حَجّف 195 - 196) وَسَبَقَ الْحُكْمُ فِي تَرْتِيبِ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ الثَّلاَثِ (ف 6)
سُنَنُ الرَّمْيِ:
12 - يُسَنُّ فِي الرَّمْيِ مَا يَلِي:
أ - أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّامِي وَبَيْنَ الْجَمْرَةِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ فَأَكْثَرُ، كَمَا نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ؛ لأَِنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ يَكُونُ طَرْحًا، وَلَوْ طَرَحَهَا طَرْحًا أَجْزَأَهُ إِلاَّ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ.
ب - الْمُوَالاَةُ بَيْنَ الرَّمَيَاتِ السَّبْعِ، بِحَيْثُ لاَ يَزِيدُ الْفَصْل بَيْنَهَا عَنِ الذِّكْرِ الْوَارِدِ.
ج - لَقْطُ الْحَصَيَاتِ دُونَ كَسْرِهَا، وَلَهُ أَخْذُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ بِمِنًى.
د - طَهَارَةُ الْحَصَيَاتِ، فَيُكْرَهُ الرَّمْيُ بِحَصًى نَجِسٍ، وَيُنْدَبُ إِعَادَتُهُ بِطَاهِرٍ، وَفِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يُجْزِئُ الرَّمْيُ بِنَجِسٍ، وَيَجِبُ إِعَادَتُهُ بِطَاهِرٍ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِهِمْ الإِْجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ (51) .
هـ - أَلاَّ يَكُونَ الْحَصَى مِمَّا رُمِيَ بِهِ، فَلَوْ خَالَفَ وَرَمَى بِهَا كُرِهَ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا رَمَى بِهِ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ (52) : لاَ يُجْزِئُ، وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ رَمَى بِحَجَرٍ أَخَذَهُ مِنَ الْمَرْمَى لَمْ يَجْزِهِ (53) .
اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِعُمُومِ لَفْظِ الْحَصَى الْوَارِدِ فِي الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ الرَّمْيَ، وَذَلِكَ يُفِيدُ صِحَّةَ الرَّمْيِ بِمَا رُمِيَ بِهِ وَلَوْ أُخِذَ مِنَ الْمَرْمَى.
وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ الْمَرْمَى، وَقَال: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ وَلأَِنَّهُ لَوْ جَازَ الرَّمْيُ بِمَا رُمِيَ بِهِ، لَمَا احْتَاجَ أَحَدٌ إِلَى أَخْذِ الْحَصَى مِنْ غَيْرِ مَكَانِهِ وَلاَ تَكْسِيرِهِ، وَالإِْجْمَاعُ عَلَى خِلاَفِهِ.
و التَّكْبِيرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّل حَصَاةٍ يَرْمِي بِهَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (54) .
وَيُنْظَرُ الْخِلاَفُ وَالتَّفْصِيل فِي بَحْثِ: (تَلْبِيَة) .
ز - الْوُقُوفُ لِلدُّعَاءِ: وَذَلِكَ إِثْرَ كُل رَمْيٍ بَعْدَهُ رَمْيٌ آخَرُ، فَيَقِفُ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ مُدَّةً وَيُطِيل الْوُقُوفَ يَدْعُو، وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِمُدَّةِ ثَلاَثَةِ أَرْبَاعِ الْجُزْءِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَدْنَاهُ قَدْرُ عِشْرِينَ آيَةً. فَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ الصُّغْرَى وَبَعْدَ الْوُسْطَى، لأَِنَّهُ فِي وَسَطِ الْعِبَادَةِ، فَيَأْتِي بِالدُّعَاءِ فِيهِ، وَكُل رَمْيٍ لَيْسَ بَعْدَهُ رَمْيٌ لاَ يَقِفُ فِيهِ لِلدُّعَاءِ؛ لأَِنَّ الْعِبَادَةَ قَدِ انْتَهَتْ، فَلاَ يَقِفُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلاَ بَعْدَ رَمْيِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَيْضًا.
وَدَلِيل هَذِهِ السُّنَّةِ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ (55) .
مَكْرُوهَاتُ الرَّمْيِ:
13 - يُكْرَهُ فِي الرَّمْيِ مَا يَلِي:
أ - الرَّمْيُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَعْدَ زَوَالِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، قَال السَّرَخْسِيُّ: فَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَقْتُهُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَكِنَّهُ لَوْ رَمَى بِاللَّيْل لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (56) ".
ب - الرَّمْيُ بِالْحَجَرِ الْكَبِيرِ، سَوَاءٌ رَمَى بِهِ كَبِيرًا، أَوْ رَمَى بِهِ مَكْسُورًا.
ج - الرَّمْيُ بِحَصَى الْمَسْجِدِ، فَلاَ يَأْخُذُهُ مِنْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ؛ لأَِنَّ الْحَصَى تَابِعٌ لِلْمَسْجِدِ، فَلاَ يَخْرُجُ مِنْهُ.
د - الرَّمْيُ بِالْحَصَى النَّجِسِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيل: لاَ يُجْزِئُ الرَّمْيُ بِالْحَصَى النَّجِسِ.
هـ - الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدَدِ، أَيِ السَّبْعِ، فِي رَمْيِ كُل جَمْرَةٍ مِنَ الْجَمَرَاتِ (57) .
صِفَةُ الرَّمْيِ الْمُسْتَحَبَّةُ:
14 - يَسْتَعِدُّ الْحَاجُّ لِرَمْيِ الْجَمَرَاتِ فَيَرْفَعُ الْحَصَى قَبْل الْوُصُول إِلَى الْجَمْرَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِثْل حَصَى الْخَذْفِ، فَوْقَ الْحِمَّصَةِ وَدُونَ الْبُنْدُقَةِ لِيَرْمِيَ بِهَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَهُوَ يَوْمُ عِيدِ النَّحْرِ، وَإِنْ رَفَعَ سَبْعِينَ حَصَاةً مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ مُزْدَلِفَةَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَقِيل: مُسْتَحَبٌّ، وَهَذَا هُوَ عَدَدُ الْحَصَى الَّذِي يُرْمَى فِي كُل أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْحَصَيَاتِ مِنْ كُل مَوْضِعٍ بِلاَ كَرَاهَةٍ، إِلاَّ مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَيُكْرَهُ أَخْذُهَا مِنْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ، لأَِنَّ حَصَى الْمَسْجِدِ تَابِعٌ لَهُ فَيَصِيرُ مُحْتَرَمًا، وَيُنْدَبُ غَسْل الْحَصَى مُطْلَقًا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَجِسَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
ثُمَّ يَأْتِي الْحَاجُّ مِنًى يَوْمَ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَعَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَرْبَعَةُ أَعْمَالٍ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ ذَبْحُ الْهَدْيِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّمَ السَّعْيَ عِنْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِنَّهُ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ، وَيَتَوَجَّهُ الْحَاجُّ فَوْرَ وُصُولِهِ مِنًى إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَتَقَعُ آخِرَ مِنًى تُجَاهَ مَكَّةَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَغِل بِشَيْءٍ آخَرَ قَبْل رَمْيِهَا، فَيَرْمِيهَا بَعْدَ دُخُول وَقْتِهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ يَرْمِيهَا وَاحِدَةً فَوَاحِدَةً يُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ وَيَدْعُو، وَكَيْفَمَا أَمْسَكَ الْحَصَاةَ وَرَمَاهَا صَحَّ، دُونَ تَقْيِيدٍ بِهَيْئَةٍ، لَكِنْ لاَ يَجُوزُ وَضْعُ الْحَصَاةِ فِي الْمَرْمَى وَضْعًا، وَيُسَنُّ أَنْ يَرْمِيَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُ السُّنَّةِ إِلَى الزَّوَال، وَيُبَاحُ بَعْدَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ.
15 - أَمَّا كَيْفِيَّةُ الرَّمْيِ فَهِيَ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ الْجَمْرَةِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَصَى قَدْرَ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ فَأَكْثَرَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَيُمْسِكَ بِالْحَصَاةِ بِطَرَفَيْ إِبْهَامِ وَمُسَبِّحَةِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَيَرْفَعَ يَدَهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، وَيَقْذِفَهَا وَيُكَبِّرَ. وَقِيل: يَضَعُ الْحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِهِ الْيُمْنَى وَيَسْتَعِينُ بِالْمُسَبِّحَةِ، وَقِيل: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ الْحَصَاةَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْ يَدَيْهِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى وَيَرْمِيَ بِهَا (58) .
16 - أَمَّا صِيغَةُ التَّكْبِيرِ فَقَدْ جَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ مُطْلَقَةً " يُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ " (59) . فَيَجُوزُ بِأَيِّ صِيغَةٍ مِنْ صِيَغِ التَّكْبِيرِ.
وَاخْتَارَ الْعُلَمَاءُ نَحْوَ هَذِهِ الصِّيغَةِ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ وَرِضًا لِلرَّحْمَنِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَالْمُسْتَنَدُ فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنَ الآْثَارِ الْكَثِيرَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ (60) .
وَلَوْ رَمَى وَتَرَكَ الذِّكْرَ فَلَمْ يُكَبِّرْ وَلَمْ يَأْتِ بِأَيِّ ذِكْرٍ جَازَ، وَقَدْ أَسَاءَ لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ.
وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّل حَصَاةٍ يَرْمِيهَا وَيَشْتَغِل بِالتَّكْبِيرِ.
وَيَنْصَرِفُ مِنَ الرَّمْيِ وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا.
وَوَقْتُ الرَّمْيِ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ بَعْدَ الزَّوَال، وَيُنْدَبُ تَقْدِيمُ الرَّمْيِ قَبْل صَلاَةِ الظُّهْرِ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُقَدِّمُ صَلاَةَ الظُّهْرِ عَلَى الرَّمْيِ (61) . 17 - وَقَدْ بَحَثُوا فِي أَفْضَلِيَّةِ الرُّكُوبِ أَوِ الْمَشْيِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَكَانُوا يَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ فَكَانَ الرَّمْيُ لِلرَّاكِبِ مُمْكِنًا.
فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ رَاكِبًا وَغَيْرَهَا مَاشِيًا فِي جَمِيعِ أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: الرَّمْيُ كُلُّهُ رَاكِبًا أَفْضَل.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ كَيْفَمَا كَانَ وَغَيْرَهَا مَاشِيًا.
وَقَال الشَّافِعِيُّ: يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، وَكَذَلِكَ يَرْمِيهَا يَوْمَ النَّفْرِ رَاكِبًا، وَيَمْشِي فِي الْيَوْمَيْنِ الآْخَرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ "، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةَ الْحَنَفِيُّ اسْتِحْبَابَ الْمَشْيِ إِلَى الْجِمَارِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الأَْكْثَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (62) .
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ فِي الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ.
ثُمَّ إِذَا فَرَغَ مِنَ الرَّمْيِ ثَانِيَ أَيَّامِ الْعِيدِ وَهُوَ أَوَّل أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فِي مِنًى، وَيَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِيهَا، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ وَهُوَ ثَانِيَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَثَالِثُ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رَمَى الْجِمَارَ الثَّلاَثَةَ بَعْدَ الزَّوَال عَلَى كَيْفِيَّةِ رَمْيِ الْيَوْمِ السَّابِقِ.
ثُمَّ إِذَا رَمَى فِي هَذَا الْيَوْمِ فَلَهُ أَنْ يَنْفِرَ أَيْ يَرْحَل، بِلاَ كَرَاهَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} (63) .
وَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، لِذَلِكَ يُسَمَّى هَذَا الْيَوْمُ يَوْمَ النَّفْرِ الأَْوَّل.
18 - وَإِنْ لَمْ يَنْفِرْ لَزِمَهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَهُوَ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، ثَالِثُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي فِيهِ الْجَمَرَاتِ الثَّلاَثَ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ السَّابِقَةِ فِي ثَانِي يَوْمٍ أَيْضًا، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِحُّ الرَّمْيُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الْفَجْرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ، وَيَنْتَهِي وَقْتُ الرَّمْيِ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ أَدَاءً وَقَضَاءً، فَإِنْ لَمْ يَرْمِ حَتَّى غَرَبَتْ شَمْسُ الْيَوْمِ فَاتَ الرَّمْيُ وَتَعَيَّنَ الدَّمُ فِدَاءً عَنِ الْوَاجِبِ الَّذِي تَرَكَهُ، وَيَرْحَل بَعْدَ الرَّمْيِ، وَلاَ يُسَنُّ الْمُكْثُ فِي مِنًى بَعْدَهُ، وَيُسَمَّى هَذَا النَّفْرَ الثَّانِيَ، وَهَذَا الْيَوْمُ يَوْمَ النَّفْرِ الثَّانِي.
وَالأَْفْضَل أَنْ يَتَأَخَّرَ بِمِنًى وَيَرْمِيَ الْيَوْمَ الرَّابِعَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} (64) وَاتِّبَاعًا لِلنَّبِيِّ ﷺ تَكْمِيلاً لِلْعِبَادَةِ. أَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ رُكُوبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّمْيِ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ " مَحْمُولٌ عَلَى رَمْيٍ لاَ رَمْيَ بَعْدَهُ، أَوْ عَلَى التَّعْلِيمِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ مَنَاسِكَ الْحَجِّ " وَالْجَوَابُ الثَّانِي أَوْلَى وَأَقْوَى، يَدُل عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَهُوَ رَاكِبٌ: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ.
آثَارُ الرَّمْيِ:
يَتَرَتَّبُ عَلَى رَمْيِ الْجِمَارِ أَحْكَامٌ هَامَّةٌ فِي الْحَجِّ، سِوَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ وُجُوبِهِ، وَهَذِهِ الآْثَارُ هِيَ:
أ - أَثَرُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ:
19 - يَتَرَتَّبُ عَلَى رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ التَّحَلُّل الأَْوَّل مِنْ إِحْرَامِ الْحَجِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ التَّحَلُّل الأَْوَّل يَكُونُ بِالْحَلْقِ، وَعَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (ر: مُصْطَلَحَ إحْرَام ف 122 - 125) .
ب - أَثَرُ رَمْيِ الْجِمَارِ يَوْمَيِ التَّشْرِيقِ: النَّفْرُ الأَْوَّل:
20 - إِذَا رَمَى الْحَاجُّ الْجِمَارَ أَوَّل وَثَانِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ، أَيْ يَرْحَل إِنْ أَحَبَّ التَّعَجُّل فِي الاِنْصِرَافِ مِنْ مِنًى، هَذَا هُوَ النَّفْرُ الأَْوَّل، وَبِهَذَا النَّفْرِ يَسْقُطُ رَمْيُ الْيَوْمِ الأَْخِيرِ،وَهُوَ قَوْل عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} (65) .
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ الصَّحِيحِ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيَّامُ مِنًى ثَلاَثَةٌ: فَمَنْ تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ (66) .
ج - أَثَرُ الرَّمْيِ ثَالِثَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: النَّفْرُ الثَّانِي:
21 - إِذَا رَمَى الْحَاجُّ الْجِمَارَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ انْصَرَفَ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ، وَلاَ يُقِيمُ بِمِنًى بَعْدَ رَمْيِهِ هَذَا الْيَوْمَ، وَيُسَمَّى هَذَا النَّفْرُ النَّفْرَ الثَّانِيَ، وَالْيَوْمُ يَوْمَ النَّفْرِ الثَّانِي، وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَبِهِ يَنْتَهِي وَقْتُ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَيَفُوتُ عَلَى مَنْ لاَ يَتَدَارَكُهُ قَبْل غُرُوبِ شَمْسِ هَذَا الْيَوْمِ، وَبِهِ تَنْتَهِي مَنَاسِكُ مِنًى.
حُكْمُ تَرْكِ الرَّمْيِ:
22 - يَلْزَمُ مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بِغَيْرِ عُذْرٍ الإِْثْمُ وَوُجُوبُ الدَّمِ، وَإِنْ تَرَكَهُ بِعُذْرٍ لاَ يَأْثَمُ، لَكِنْ لاَ يَسْقُطُ الدَّمُ عَنْهُ، وَلَوْ تَرَكَ حَصَاةً وَاحِدَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَيُجْزِئُهُ شَاةٌ عَنْ تَرْكِ الرَّمْيِ كُلِّهِ، أَوْ عَنْ تَرْكِ رَمْيِ يَوْمٍ.
وَتَسَامَحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي حَصَاةٍ وَحَصَاتَيْنِ فَجَعَلُوا فِي ذَلِكَ صَدَقَةً، وَأَنْزَل الْحَنَفِيَّةُ الأَْكْثَرَ مَنْزِلَةَ الْكُل مَعَ وُجُوبِ جَزَاءٍ عَنِ النَّاقِصِ.
(انْظُرْ تَفْصِيل أَحْوَال تَرْكِ الرَّمْيِ فِي مُصْطَلَحِ: حَجّ ف / 273) .
النِّيَابَةُ فِي الرَّمْيِ:
23 - وَهِيَ رُخْصَةٌ خَاصَّةٌ بِالْمَعْذُورِ، تَفْصِيل حُكْمِهَا فِيمَا يَلِي:
أ - الْمَعْذُورُ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ بِنَفْسِهِ، كَالْمَرِيضِ، يَجِبُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَرْمِيَ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ قَدْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ فَلْيَرْمِ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلاً الرَّمْيَ كُلَّهُ، ثُمَّ يَرْمِي عَمَّنِ اسْتَنَابَهُ، وَيُجْزِئُ هَذَا الرَّمْيُ عَنِ الأَْصِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: لَوْ رَمَى حَصَاةً عَنْ نَفْسِهِ وَأُخْرَى عَنِ الآْخَرِ جَازَ وَيُكْرَهُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الإِْنَابَةَ خَاصَّةٌ بِمَنْ بِهِ عِلَّةٌ لاَ يُرْجَى زَوَالُهَا قَبْل انْتِهَاءِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَمَرِيضٍ أَوْ مَحْبُوسٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ: أَنَّهُ يَرْمِي حَصَيَاتِ كُل جَمْرَةٍ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلاً، ثُمَّ يَرْمِيهَا عَنِ الْمَرِيضِالَّذِي أَنَابَهُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ مِنَ الرَّمْيِ، وَهُوَ مَخْلَصٌ حَسَنٌ لِمَنْ خَشِيَ خَطَرَ الزِّحَامِ.
ب - مَنْ عَجَزَ عَنْ الاِسْتِنَابَةِ كَالصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَيَرْمِي عَنِ الصَّبِيِّ وَلِيُّهُ اتِّفَاقًا، وَعَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ رِفَاقُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فَائِدَةُ الاِسْتِنَابَةِ أَنْ يَسْقُطَ الإِْثْمُ عَنْهُ إِنِ اسْتَنَابَ وَقْتَ الأَْدَاءِ وَإِلاَّ فَالدَّمُ عَلَيْهِ، اسْتَنَابَ، أَمْ لاَ، إِلاَّ الصَّغِيرَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ دُونَ الصَّغِيرِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِسَائِرِ الأَْرْكَانِ (67) .
(ثَانِيًا)
الرَّمْيُ فِي الصَّيْدِ الصَّيْدُ بِالرَّمْيِ بِالْمُحَدَّدِ:
24 - يَجُوزُ الصَّيْدُ بِالرَّمْيِ بِالسِّهَامِ الْمُحَدَّدَةِ لِلأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالإِْجْمَاعِ، فَإِنْ رَمَى الصَّيْدَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّذْكِيَةِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ فَقَتَلَهُ بِحَدِّ مَا رَمَاهُ بِهِ كَالسَّهْمِ الَّذِي لَهُ نَصْلٌ مُحَدَّدٌ، وَالسَّيْفِ، وَالسِّكِّينِ، وَالسِّنَانِ، وَالْحَجَرِ الْمُحَدَّدِ وَالْخَشَبَةِ الْمُحَدَّدَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَدَّدَاتِ حَل أَكْلُهُ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِحِل مَا يُصَادُ بِالرَّمْيِ (68) .
الصَّيْدُ بِالرَّمْيِ بِالْمُثَقَّل:
25 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ يَحِل مَا صِيدَ بِالْمُثَقَّل وَيُعْتَبَرُ وَقِيذًا (69) . فَلاَ يَحِل مَا أَصَابَهُ الرَّامِي بِمَا لاَ حَدَّ لَهُ فَقَتَلَهُ كَالْحَجَرِ، وَخَشَبَةٍ لاَ حَدَّ لَهَا، أَوْ رَمَاهُ بِمُحَدِّدٍ فَقَتَلَهُ بِعُرْضِهِ لاَ بِحَدِّهِ لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ قَال: إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُل، فَإِذَا أَصَابَ بِعُرْضِهِ فَقَتَل فَلاَ تَأْكُل فَإِنَّهُ وَقِيذٌ (70) . وَلِمَا وَرَدَ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَقَال: إِنَّهُ لاَ يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلاَ يُنْكَأُ بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ (71) . وَالْخَذْفُ: الرَّمْيُ بِحَصًى صِغَارٍ بِطَرِيقَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَيْنَ الأَْصَابِعِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ (خَذْف) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا أَصَابَ الصَّيْدَ بِمَا لاَ حَدَّ لَهُ لاَ يَحِل وَإِنْ جَرَحَهُ (72) .
وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَمَكْحُولٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ عُلَمَاءِ الشَّامِ إِلَى أَنَّهُ يَحِل صَيْدُ الْمِعْرَاضِ مُطْلَقًا فَيُبَاحُ مَا قَتَلَهُ بِحَدِّهِ وَعُرْضِهِ (73) .
قَال النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ الرَّمْيُ بِالْبَنَادِقِ وَبِالْخَذْفِ (بِالْمُثَقَّل) إِنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيل الصَّيْدِ، وَكَانَ الْغَالِبُ فِيهِ عَدَمَ قَتْلِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا أَدْرَكَهُ الصَّائِدُ وَذَكَّاهُ، كَرَمْيِ الطُّيُورِ الْكِبَارِ بِالْبَنَادِقِ (74) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: صَيْد) وَالْمُرَادُ بِالْبُنْدُقِ فِي كَلاَمِ النَّوَوِيِّ وَمَنْ عَهِدَهُ: كُرَاتٌ مِنَ الطِّينِ بِحَجْمِ حَبَّةِ الْبُنْدُقَةِ. اتِّخَاذُ الْحَيَوَانِ هَدَفًا يُرْمَى إِلَيْهِ:
26 - يَحْرُمُ اتِّخَاذُ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا. فَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا (75) . أَيْ لاَ تَتَّخِذُوا الْحَيَوَانَ الْحَيَّ غَرَضًا تَرْمُونَ إِلَيْهِ كَالْغَرَضِ مِنَ الْجُلُودِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لأَِنَّهُ أَصْلُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَتَرَامَوْنَهَا، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا. فَقَال ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَل هَذَا؟ إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَل هَذَا (76)
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: دَخَلْتُ مَعَ جَدِّي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ دَارَ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ فَإِذَا قَوْمٌ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا. قَال: فَقَال أَنَسٌ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ (77) .
قَال الْعُلَمَاءُ: صَبْرُ الْبَهَائِمِ أَنْ تُحْبَسَ وَهِيَ حَيَّةٌ لِتُقْتَل بِالرَّمْيِ وَنَحْوِهِ. قَال الصَّنْعَانِيُّ وَغَيْرُهُ فِي وَجْهِ حِكْمَةِ النَّهْيِ: إِنَّ فِيهِ إِيلاَمًا لِلْحَيَوَانِ، وَتَضْيِيعًا لِمَالِيَّتِهِ، وَتَفْوِيتًا لِذَكَاتِهِ إِنْ كَانَ مِمَّا يُذَكَّى، وَلِمَنْفَعَتِهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُذَكًّى (78) .
وَيُنْظَرُ بَحْثُ: (تَعْذِيب) .
(ثَالِثًا)
الرَّمْيُ فِي الْجِهَادِ
تَعَلُّمُ الرَّمْيِ:
27 - حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَلَى الرَّمْيِ وَحَضَّهُمْ عَلَى مُوَاصَلَةِ التَّدَرُّبِ عَلَيْهِ، وَحَذَّرَ مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ فَتَرَكَهُ، رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ. مَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيل فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ. قَال: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلُّكُمْ (79) .
وَفَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْقُوَّةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (80) بِالرَّمْيِ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ (81) .
وَعَنْ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ قَال: كُنْتُ رَامِيًا أُرَامِي عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ، فَمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَال يَا خَالِدُ: اخْرُجْ بِنَا نَرْمِي، فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِ فَقَال: يَا خَالِدُ: تَعَال أُحَدِّثُكَ مَا حَدَّثَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَقُول لَكَ كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِل بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاَثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ الَّذِي احْتَسَبَ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَمُنَبِّلَهُ، وَالرَّامِيَ بِهِ، ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَلَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلاَّ ثَلاَثٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُل فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتُهُ زَوْجَتَهُ، وَرَمْيُهُ بِنَبْلِهِ عَنْ قَوْسِهِ، وَمَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَهِيَ نِعْمَةٌ كَفَرَهَا (82) .
وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ أُخْرَى تَدُل عَلَى فَضْل الرَّمْيِ وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ (83) مِنْهَا مَا رَوَى أَبُو نَجِيحٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيل اللَّهِ فَهُوَ لَهُ عَدْل مُحَرَّرٍ.
وَقَال النَّوَوِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الأَْحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ فِي فَضْل الرَّمْيِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ: فِي هَذِهِ الأَْحَادِيثِ فَضِيلَةُ الرَّمْيِ وَالْمُنَاضَلَةِ، وَالاِعْتِنَاءُ بِذَلِكَ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْمُشَاجَعَةُ، وَسَائِرُ أَنْوَاعِ اسْتِعْمَال السِّلاَحِ، وَكَذَا الْمُسَابَقَةُ بِالْخَيْل وَغَيْرِهَا، وَالْمُرَادُ بِهَذَا كُلِّهِ التَّمَرُّنُ عَلَى الْقِتَال، وَالتَّدَرُّبُ، وَالتَّحَذُّقُ فِيهِ، وَرِيَاضَةُ الأَْعْضَاءِ بِذَلِكَ (84) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: فَضْل الرَّمْيِ عَظِيمٌ، وَمَنْفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَنِكَايَتُهُ شَدِيدَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ، قَال ﷺ: يَا بَنِي إِسْمَاعِيل ارْمُوا فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا (85) وَتَعَلُّمُ الْفُرُوسِيَّةِ وَاسْتِعْمَال الأَْسْلِحَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَدْ يَتَعَيَّنُ (86) .
الْمُنَاضَلَةُ:
28 - الْمُنَاضَلَةُ هِيَ الْمُسَابِقَةُ فِي الرَّمْيِ بِالسِّهَامِ، وَالْمُنَاضَلَةُ مَصْدَرُ نَاضَلْتُهُ نِضَالاً وَمُنَاضَلَةً، وَسُمِّيَ الرَّمْيُ نِضَالاً لأَِنَّ السَّهْمَ التَّامَّ يُسَمَّى نَضْلاً، فَالرَّمْيُ بِهِ عَمَلٌ بِالنَّضْل فَسُمِّيَ نِضَالاً وَمُنَاضَلَةً (87) .
وَتَصِحُّ الْمُنَاضَلَةُ عَلَى الرَّمْيِ بِالسِّهَامِ بِالاِتِّفَاقِ (88) . وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الْمُنَاضَلَةَ - بِجَانِبِ مَا تَقَدَّمَ - عَلَى رِمَاحٍ، وَعَلَى رَمْيٍ بِأَحْجَارٍ بِمِقْلاَعٍ، أَوْ بِيَدٍ، وَرَمْيٍ بِمَنْجَنِيقٍ، وَكُل نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ بِمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ كَالرَّمْيِ بِالْمِسَلاَّتِ، وَالإِْبَرِ، وَالتَّرَدُّدِ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ.
وَقَدْ تَجِبُ الْمُنَاضَلَةُ إِذَا تَعَيَّنَتْ طَرِيقًا لِقِتَال الْكُفَّارِ، وَقَدْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ - حَسَبَ اخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ - إِذَا كَانَ سَبَبًا فِي قِتَال قَرِيبٍ كَافِرٍ لَمْ يَسُبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَبِذَلِكَ تَعْتَرِي الْمُنَاضَلَةَ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ (89) .
(رَابِعًا)
الرَّمْيُ فِي الْقَذْفِ
الرَّمْيُ بِالزِّنَا:
29 - الرَّمْيُ بِالزِّنَا لاَ فِي مَعْرِضِ الشَّهَادَةِ يُوجِبُ حَدَّ الْقَذْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (1) وَالْمُرَادُ: الرَّمْيُ بِالزِّنَا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا الرَّمْيُ فِي مَعْرِضِ الشَّهَادَةِ فَيُنْظَرُ: إِنْ تَمَّ عَدَدُ الشُّهُودِ أَرْبَعَةً وَثَبَتُوا عَلَى شَهَادَتِهِمْ أُقِيمَ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمَرْمِيِّ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ، بِأَنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ فَعَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ الشُّهُودَ - عِنْدَ عَدَمِ تَمَامِ الْعَدَدِ - لاَ حَدَّ عَلَيْهِمْ لأَِنَّهُمْ شُهُودٌ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً أَحَدُهُمْ فَاسِقٌ (2) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: قَذْف) .
__________
(1) تهذيب اللغة للأزهري، والصحاح للجوهري، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، ولسان العرب لابن منظور.
(2) سورة النور / 4.
(3) حديث: " ارم ولا حرج ". أخرجه البخاري (الفتح1 / 180 - ط السلفية) . ومسلم (2 / 948 - ط الحلبي) .
(4) منها حديث جابر الطويل: " في صفة حجة النبي ﷺ ". أخرجه مسلم في الحج (باب حجة النبي ﷺ) (2 / 886 - 892 - ط الحلبي) ومنها حديث ابن عمر المتفق عليه الآتي.
(5) حديث: " خذوا عني مناسككم ". أخرجه مسلم (2 / 943 - ط الحلبي) بلفظ: " لتأخذوا مناسككم ".
(6) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين الكاساني 2 / 136 طبع شركة المطبوعات العلمية سنة 1327 هـ.
(7) الإيضاح في مناسك الحج للنووي بحاشية الهيثمي ص 360 طبع دار بنه للطباعة بمصر، والمجموع شرح المهذب للنووي 8 / 143 طبع مطبعة العاصمة وصرح ص 145 بكراهة الرمي بالحجر المأخوذ من الحلي، ونهاية المحتاج 2 / 433 - 434، والشرح الكبير وحاشيته 2 / 50، وشرح الرسالة لأبي الحسن وحاشية العدوي 1 / 478 طبع دار إحياء الكتب العربية، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب والتاج والإكليل للمواق بهامشه 3 / 133 - 134، والمغني لابن قدامة 3 / 425 طبع دار المنار، والفروع لابن مفلح 3 / 510 - 511 تصوير عالم الكتب بيروت.
(8) الهداية وفتح القدير للكمال بن الهمام والعناية للبابرتي2 / 177 طبع مصطفى محمد، والبدائع 2 / 157 - 158، وشرح اللباب ص 166، والدر المختار وشروحه 2 / 246 - 247 طبع إستانبول دار الطباعة العامرة. أما ما ذكره بعض الحنفية من جواز الرمي بالبعرة إهانة للشيطان فهو خلاف المذهب كما نبهوا عليه. انظر شرح اللباب والدر بشرحه والحاشية ص 247، فهذا القول مخالف للإجماع، كذلك ما تفعله العامة من قذف النعال والأحذية وما شابه ذلك باطل مخالف للإجماع.
(9) حديث جابر: " في صفة رمي جمرة العقبة ". أخرجه مسلم (2 / 892 - ط الحلبي) .
(10) حديث: " ارموا الجمار بمثل حصى الخذف ". أخرجه أحمد (4 / 343 - ط الميمنية) من سنان بن سنة، وقال الهيثمي: " رجاله ثقات " مجمع الزوائد (3 / 258 - ط القدسي) .
(11) المجموع 8 / 151.
(12) حديث: " ارم ولا حرج ". سبق تخريجه ف / 5.
(13) بدائع الصنائع 2 / 158.
(14) الهداية 2 / 177.
(15) فتح القدير الموضع السابق، وفيه توسع في مدلول الرمي والنثر.
(16) المغني 3 / 425.
(17) شروح الهداية 2 / 176، ولباب المناسك وشرحه ص 164، ورد المحتار 2 / 246، وحاشية الدسوقي 2 / 50، وشرح الرسالة 1 / 478، والمغني 3 / 430، والفروع 3 / 512.
(18) المجموع 8 / 147، ونهاية المحتاج 2 / 434، ومغني المحتاج 1 / 507، والشرح الكبير 2 / 50، ومواهب الجليل 3 / 133 - 134، والمغني 3 / 429، والفروع 3 / 512.
(19) الهداية 2 / 176، وشرح اللباب ص 164، والبدائع 2 / 138.
(20) فتح القدير 2 / 176، وانظر شرح اللباب الصفحة السابقة.
(21) على ذلك فلا معنى لتحرج البعض من الرمي من الطابق العلوي فإنه أولى بالجواز من هذه الصور التي ذكروها. كذلك الشأن في جمرة العقبة، فقد كانت ترمى من بطن الوادي المواجه لها اتباعًا للوارد، وكان كثير من الناس يرميها من فوق العقبة أي المرتفع الصخري الذي تستند إ والشرح الكبير وحاشيته 2 / 50، والإيضاح ص 357 - 358، والمجموع 8 / 146، والمغني 3 / 430، والفروع 3 / 511 و512، والهداية 1 / 174، وشرح الرسالة 1 / 478.
(22) كما نقل عنهم في نهاية المحتاج 2 / 434، ومغني المحتاج 1 / 508.
(23) الأم 2 / 213.
(24) فتح القدير 2 / 175.
(25) الشرح الكبير وحاشيته 2 / 51، ومواهب الجليل 3 / 134، والإيضاح ص 405، ونهاية المحتاج 2 / 433، والمغني 3 / 452 - 453، والفروع 3 / 518.
(26) على ما اختاره أكثرهم ومحققوهم، بدائع الصنائع 2 / 139، وفتح القدير 2 / 183، وشرح اللباب ص 167، وانظر رواية القول بالوجوب في المبسوط 4 / 65 - 66، والمغني 3 / 452.
(27) . فَاسْتَدَل بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ تَرْتِيبِ الْجَمَرَاتِ، كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ.
(28) الهداية 2 / 185، والبدائع 2 / 137، وشرح اللباب ص 157 - 158، والشرح الكبير 2 / 48، وشرح الرسالة بحاشية العدوي 1 / 477 و480، والمغني 3 / 429 والفروع 3 / 513.
(29) الإيضاح ص 354، والنهاية 2 / 429، والمغني والفروع ونهاية المحتاج عن الرافعي 2 / 430، وقوله " إلى الزوال " أي من بعد طلوع الشمس.
(30) حديث: " لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا ". أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2 / 217 - ط مطبعة الأنوار المحمدية) .
(31) حديث ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفاء. . . " أخرجه أبو داود (2 / 4781 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (3 / 231 - ط الحلبي) وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
(32) حديث عائشة: " أن النبي ﷺ أرسل أم سلمة ليلة النحر ". أخرجه أبو داود (2 / 481 تحقيق عزت عبيد دعاس) . وقال ابن حجر: " إسناده على شرط مسلم ". كما في بلوغ المرام (2 / 417 - شرحه سبل السلام ط دار الكتب العلمية) .
(33) بدائع الصنائع 2 / 137، وشرح اللباب ص 161.
(34) الشرح الكبير 2 / 50، وشرح الرسالة 1 / 477.
(35) المراجع الشافعية والحنابلة السابقة.
(36) حديث ابن عباس: " سأله رجل قال: رميت بعدما أمسيت. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 568 - ط السلفية) .
(37) حديث ابن عباس: " رخص للرعاة أن يرموا ليلاً ". أورده الهيثمي في المجمع (3 / 260 - ط القدسي) وقال: " رواه الطبراني في الكبير وفيه إسحاق بن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك ".
(38) بدائع الصنائع 2 / 137 - 138 والهداية وشرحها 2 / 183 ولم يذكرا غير هذه الرواية في اليوم الأول من أيام التشريق، وقارن بشرح اللباب ص 158 - 159 ورد المحتار 2 / 253 - 254، وانظر الشرح الكبير 2 / 48 و50، وشرح الرسالة 1 / 480، والإيضاح ص 405، ونهاية المحتاج 2 / 433، ومغني المحتاج 1 / 507، والمغني 3 / 452، والفروع 3 / 518.
(39) الهداية وشرحها 2 / 184، والبدائع 2 / 137 - 138، وشرح اللباب ص 158 - 161 وفيه وفي التعليق عليه تحقيق مطول حول هذه الرواية، وانظر النقل عن بعض الحنابلة في الفروع 3 / 518.
(40) المراجع السابقة في الفقه الحنفي.
(41) الفروع 3 / 518 - 520.
(42) حديث ابن عمر: " كنا نتحين فإذا زالت الشمس. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 579 - ط السلفية) .
(43) حديث جابر: " رأيت النبي ﷺ رمى الجمرة يوم النحر ضحى ". أخرجه مسلم (2 / 945 - ط الحلبي) .
(44) قال في البحر العميق: " فهو قول مختار يعمل به بلا ريب، وعليه عمل الناس، وبه جزم بعض الشافعي حتى زعم الأسنوي أنه المذهب ". كذا في إرشاد الساري إلى مناسك الملا علي قاري ص 161.
(45) الأم 2 / 214، والإيضاح ص 407، ونهاية المحتاج 2 / 435، 436 ومغني المحتاج 1 / 508 - 509، والمغني 3 / 455 - 456، والفروع 3 / 518 - 519.
(46) شرح اللباب ص 161، وانظر المبسوط 4 / 68 ولفظه: " الليالي هنا تابعة للأيام الماضية ".
(47) الشرح الكبير 2 / 51، وانظر شرح الرسالة بحاشيته 1 / 477 و480 - 481.
(48) المراجع السابقة في رمي أيام التشريق.
(49) الهداية 2 / 185، وانظر الاستدلال بأوسع من هذا في البدائع 2 / 138، والفتوى في المذهب الحنفي على قول الإمام، وقد اقتصر عليه صاحب البدائع في بيانه صفة الرمي ص 159.
(50) كما قال الرملي في نهاية المحتاج 2 / 433، ووقع في شرح الكنز للهروي ص (74) التعبير بقوله: " قبل الزوال بعد طلوع الشمس " وهو موهم خلاف المعروف في المذهب الحنفي: أنه يبدأ الرمي آخر يوم بعد الفجر.
(51) الفروع وحاشية تصحيح الفروع 3 / 511.
(52) وهواللخمي كما نقل عنه الحطاب 3 / 139، وجعله الكاساني في البدائع 2 / 156 قول مالك: وهو خلاف المنصوص في المصادر أنه يكره، وانظر الشرح الكبير 2 / 54.
(53) انظر المغني 3 / 426، والفروع 3 / 511.
(54) الهداية 2 / 175، والبدائع 2 / 156، والأم 2 / 205، ومغني المحتاج 1 / 501، والفروع 3 / 347، والمغني 3 / 430.
(55) الهداية وشروحها 2 / 174 - 176، 183 - 185، وشرح اللباب 158 - 159، 162 - 163، ونهاية المحتاج 2 / 426 - 434، ومغني المحتاج 1 / 500، و501 و506، و508، وشرح الرسالة بحاشية العدوي 1 / 478، وعبر عنها بشروط الكمال، وأدرج بعض المندوبات فيها وانظر ص 480، والمغني 3 / 426، 450.
(56) المبسوط 4 / 64، شرح اللباب ص 167، ومواهب الجليل 3 / 136، وقال الشلبي في حاشيته على الزيلعي: 2 / 31: " ولو أخر الرمي إلى الليل رماها ولا شيء عليه ".
(57) انظر عن مكروهات الرمي في شرح اللباب ص 167، وانظر الأم 2 / 213 - 214.
(58) ولتفصيل من أين يلتقط الحصى، تنظر الموسوعة 5 / 218.
(59) حديث: " يكبر مع كل حصاة ". تقدم تخريجه ف / 6. وانظر فتح القدير 2 / 174.
(60) انظر طائفة منها في المغني 3 / 427 - 428، وقال الحنفية: " لو سبح مكان التكبير أو ذكر الله أو حمده أو وحده أجزأه، لأن المقصود من تكبيره ﷺ الذكر ". الهداية 2 / 75، وانظر تحقيق الكمال بن الهمام وتعليقه على هذا في شرحه عليها.
(61) الشرح الكبير 2 / 52، والمجموع 8 / 179 (وقارن بمغني المحتاج 1 / 507) ، والفروع 8 / 518، ولباب المناسك بشرحه ص 162.
(62) شرح اللباب ص163، الأم 2 / 213، وانظر المجموع 8 / 183، الفروع 3 / 512، وقارن بالمغني 3 / 428.
(63) سورة البقرة / 203.
(64) سورة البقرة / 203.
(65) سورة البقرة / 203.
(66) حديث: " أيام منى ثلاثة " أخرجه أحمد (4 / 309 - ط الميمنية) والحاكم (1 / 464 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الذهبي.
(67) انظر مذهب الحنفية في المبسوط 4 / 69، وبدائع الصنائع 2 / 132، وحاشية شلبي على شرح الكنز 4 / 34، والمسلك المتقسط شرح اللباب ص 166، والفتاوى الهندية 1 / 221، ومذهب الشافعية في الأم 2 / 214، والمجموع 8 / 184 - 186، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي 2 / 122 - 123، ونهاية المحتاج 2 / 435، ومغني المحتاج 1 / 508، وانظر المغني في فقه الحنابلة 3 / 491، وانظر شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني 3 / 282، والشرح الكبير بحاشيته 2 / 47 - 48 و52.
(68) تبيين الحقائق 6 / 56، وابن عابدين 5 / 301 وما بعدها، والمنتقى 3 / 118، 119، والمجموع 9 / 110، 111، والمغني 8 / 559، تبيين الحقائق 6 / 56، وابن عابدين 5 / 301 وما بعدها، والمنتقى 3 / 118، 119، والمجموع 9 / 110، 111، والمغني 8 / 559، 569 لقد اشترط الحنفية لحل الصيد بالرمي التسمية والجرح، وعدم القعود عن طلب الصيد عند غيابه. (ابن عابدين 5 / 301، 302)
(69) ابن عابدين 5 / 304، والزيلعي 6 / 58، والمغني 8 / 558، 559، 569، والمجموع 9 / 110، 111، والمنتقى 3 / 118، وسبل السلام 4 / 130، 131 نشر المكتبة التجارية
(70) حديث: " إذا حسدت فاستغفر، وإذا ظننت. . . " أورده الهيثمي في المجمع (8 / 78 - ط القدسي) وقال: رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن قيس الأنصاري، وهو ضعيف
(71) حديث: " نهى عن الخذف ". أخرجه البخاري (الفتح 9 / 607 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1547، 1548 ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مغفل، واللفظ للبخاري
(72) ابن عابدين 5 / 304، والمجموع 9 / 111، والزيلعي6 / 58، 59
(73) سبل السلام 4 / 131 ط المكتبة التجارية، والمغني 8 / 559
(74) سبل السلام 4 / 133، وصحيح مسلم بشرح النووي 13 / 106
(75) حديث: " لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا ". أخرجه مسلم (2 / 1549 - ط الحلبي) من حديث ابن عباس
(76) حديث ابن عمر: " أنه مر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها. فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا ". أخرجه مسلم (3 / 1550 - ط الحلبي)
(77) حديث: " نهى أن تصبر البهائم ". أخرجه مسلم (3 / 1549 - ط الحلبي)
(78) صحيح مسلم بشرح النووي 13 / 107، 108، وسبل السلام 4 / 133، ونيل الأوطار 8 / 249 نشر دار الجيل، وعمدة القاري 21 / 124
(79) حديث: " ارموا بني إسماعيل ". أخرجه البخاري (الفتح 6 / 91 - ط السلفية)
(80) سورة الأنفال / 60
(81) حديث: " ألا إن القوة الرمي ". أخرجه مسلم (3 / 1522 - ط الحلبي)
(82) حديث: " إن الله يدخل بالسهم الواحد ". أخرجه الحاكم (2 / 95 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي
(83) المغني 8 / 652، وعمدة القاري 14 / 182
(84) صحيح مسلم بشرح النووي 13 / 64
(85) حديث: " يا بني إسماعيل ارموا. . . " سبق تخريجه ف / 26
(86) تفسير القرطبي 8 / 36
(87) المغني 8 / 661
(88) ابن عابدين 5 / 257، وبدائع الصنائع 6 / 206، والمغني 8 / 652 - 653 والإقناع 2 / 247، وجواهر الإكليل 1 / 271
(89) الإقناع وحاشية الباجوري عليه 2 / 247، والموسوعة الفقهية 16 / 150
الموسوعة الفقهية الكويتية: 150/ 23