البحث

عبارات مقترحة:

السلام

كلمة (السلام) في اللغة مصدر من الفعل (سَلِمَ يَسْلَمُ) وهي...

الحفيظ

الحفظُ في اللغة هو مراعاةُ الشيء، والاعتناءُ به، و(الحفيظ) اسمٌ...

العزيز

كلمة (عزيز) في اللغة صيغة مبالغة على وزن (فعيل) وهو من العزّة،...

كَفَّارَةٌ


من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف اللغوي

مَأْخُوذَةٌ مِن الكُفْرِ، وهو السَّتْرُ والتَّغْطِيَةُ؛ سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تُغَطِّي الذَّنْبَ وتَسْتُرُهُ حتّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ ما لم يُعْمَل، يُقال: كَفَّرَ اللهُ عنه الذَّنْبَ، أي: مَحاهُ، وكَأَنَّهُ غَطَّى عليه بِالكَفَّارَةِ، وكل ما غطى شيئًا فقد كفره، ومنه قيل للَّيلِ: كافرٌ؛ لأنّه سترَ بظلمتِهِ كلَّ شيءٍ وغطاه.

إطلاقات المصطلح

يُطلَق مُصطلَح (كَفارَة) في الفقه في عِدَّة مواطِن، منها: كتاب الصِّيام، باب: الجِماع في نهارِ رَمَضان، ويُراد به: فِعلُ ما يَجِب عند الفِطْرِ عَمْداً في نهارِ رمضان، وهي عِتْقُ رَقَبَةٍ، أو صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، أو إطعامُ سِتِّين مِسْكِيناً عن كلِّ يَوْمٍ. ويُطلَق في كتاب النِّكاح، باب: الظِّهار، ويُراد به: عِتْقُ رَقَبَةٍ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فإن لم يَسْتَطِع فَعَلَيْه إطعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً. وفي باب: الإيلاء، ويُراد به: كَفّارَة الحِنثِ في اليَمِين إذا وَطِأ زوجَته قبل انقِضاءِ مُدَّة الإيلاء، وهي أربعة أشهُرٍ. ويُطلَق أيضاً في كتاب الجنايات، باب: الجِنايَة على النِّفسِ، وباب: القتل الخطأ، وما أُجْرِيَ مَجْرَى الخَطَأِ، وفي باب: القَتْل شِبْهِ العَمْدِ، وهي: عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ، فإن لم يَجِد فَصِيام شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ. ويُطلَق في كتاب الصَّيد، باب: كفّارة جَزاءِ الصَّيد، ويراد به: أن يُكفِّرَ عن إثمِهِ بِالصَّيْدِ: بِمِثلِهِ، أو يُقوِّمه بِمالٍ، أو عَدْلُ ذلك صِياماً.

جذر الكلمة

كفر

المراجع

* المبسوط : (8/147)
* التاج والإكليل لمختصر خليل : (3/275)
* روضة الطالبين : (11/12)
* كشاف القناع : (6/243)
* المحكم والمحيط الأعظم : (7/3)
* مشارق الأنوار : (1/344)
* المفردات في غريب القرآن : (ص 433)
* مختار الصحاح : (ص 586)
* لسان العرب : (5/144)
* تاج العروس : (14/60)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 382)
* القاموس الفقهي : (ص 321) -

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الكفارة فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْكُفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ، لأَِنَّهَا تُغَطِّي الذَّنْبَ وَتَسْتُرُهُ، فَهِيَ اسْمٌ مَنْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ الذَّنْبَ، أَيْ مَحَاهُ لأَِنَّهَا تُكَفِّرُ الذَّنْبَ، وَكَأَنَّهُ غَطَّى عَلَيْهِ بِالْكَفَّارَةِ. وَفِي التَّهْذِيب: سُمِّيَتِ الْكَفَّارَاتُ كَفَّارَاتٍ، لأَِنَّهَا تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، أَيْ تَسْتُرُهَا مِثْل كَفَّارَةِ الأَْيْمَانِ، وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالْقَتْل الْخَطَأِ، وَقَدْ بَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَأَمَرَ بِهَا عِبَادَهُ. وَالْكَفَّارَةُ: مَا كَفَّرَ بِهِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَتَكْفِيرُ الْيَمِينِ فِعْل مَا يَجِبُ بِالْحِنْثِ فِيهَا، وَالتَّكْفِيرُ فِي الْمَعَاصِي: كَالإِْحْبَاطِ فِي الثَّوَابِ (1) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَال النَّوَوِيُّ: الْكَفَّارَةُ مِنَ الْكَفْرِ - بِفَتْحِ الْكَافِ - وَهُوَ السَّتْرُ لأَِنَّهَا تَسْتُرُ الذَّنْبَ وَتُذْهِبُهُ، هَذَا أَصْلُهَا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِيمَا وُجِدَ فِيهِ صُورَةٌ مُخَالِفَةٌ أَوِ انْتِهَاكٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِثْمٌ كَالْقَتْل خَطَأً وَغَيْرَهُ (2) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاستغفار
2 - الاِسْتِغْفَارُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ (3) . وَشَرْعًا: سُؤَال الْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزُ بِهَا عَنِ الذَّنْبِ وَعَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ (4) . وَقَدْ يَأْتِي الاِسْتِغْفَارُ بِمَعَانٍ أُخْرَى، فَيَأْتِي بِمَعْنَى الإِْسْلاَمِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (5) . يَقُول مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: أَيْ يُسْلِمُونَ. كَمَا يَأْتِي بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ، هَكَذَا يَقُول الْقُرْطُبِيُّ (6) . وَالصِّلَةُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكَفَّارَةِ وَالاِسْتِغْفَارِ يَكُونُ - بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى - سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ الذَّنْبِ. ب - التَّوْبَةُ:
3 - التوبة فِي اللُّغَةِ: الْعَوْدُ وَالرُّجُوعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ. يُقَال: تَابَ عَنْ ذَنْبِهِ، إِذَا رَجَعَ عَنْهُ وَأَقْلَعَ، وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: وَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ (7) . وَشَرْعًا: هِيَ النَّدَمُ وَالإِْقْلاَعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهَا إِذَا قَدَرَ (8) . وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَالتَّوْبَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا - بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى - سَبَبٌ لِمَغْفِرَةِ الذَّنْبِ.

ج - الْعُقُوبَةُ:
4 - العقوبة فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَقِبِ، وَهُوَ الْجَرْيُ بَعْدَ الْجَرْيِ وَالْوَلَدُ بَعْدَ الْوَلَدِ. وَالْعُقْبَةُ بِالضَّمِّ: النَّوْبَةُ وَالْبَدَل وَاللَّيْل وَالنَّهَارُ، لأَِنَّهُمَا يَتَعَاقَبَانِ (9) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هِيَ: زَوَاجِرُ شَرَعَهَا اللَّهُ - ﷿ - لِلرَّدْعِ عَنِ ارْتِكَابِ مَا حَظَرَ وَتَرْكِ مَا أَمَرَ، لِيَرْدَعَ بِهَا ذَوِي الْجَهَالَةِ حَذَرًا مِنْ أَلَمِ الْعُقُوبَةِ (10) . وَهَذِهِ الزَّوَاجِرُ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُقَدَّرَةً، فَتُسَمَّى حَدًّا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ فَتُسَمَّى تَعْزِيرًا. وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْكَفَّارَةِ وَالْعُقُوبَةِ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَلَيْسَتِ الْعُقُوبَةُ كَذَلِكَ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
5 - الكفارة مَشْرُوعَةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ جَبْرًا لِبَعْضِ الذُّنُوبِ وَالْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وَدَلِيل ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ: أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (11) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (12) . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} (13)
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَسْأَل الإِْمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ (14) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَصْرِ الرَّسُول - ﷺ - إِلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفَّارَةِ (15) .

الْوَصْفُ الشَّرْعِيُّ لِلْكَفَّارَةِ
6 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ. قَال ابن نُجَيْمٍ: وَأَمَّا صِفَتُهَا أَيِ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا فَهِيَ عُقُوبَةٌ وُجُوبًا، لِكَوْنِهَا شُرِعَتْ أَجْزِيَةً لأَِفْعَالٍ فِيهَا مَعْنَى الْحَظْرِ، عِبَادَةُ أَدَاءٍ، لِكَوْنِهَا تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ وَالإِْعْتَاقِ وَالصَّدَقَةِ وَهِيَ قُرَبٌ، وَالْغَالِبُ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، إِلاَّ كَفَّارَةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ جِهَةَ الْعُقُوبَةِ فِيهَا غَالِبَةٌ بِدَلِيل أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ، وَلاَ تَجِبُ مَعَ الْخَطَأِ، بِخِلاَفِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِوُجُوبِهَا مَعَ الْخَطَأِ، وَكَذَا كَفَّارَةُ الْقَتْل الْخَطَأِ، وَأَمَّا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ فَقَالُوا: إِنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا غَالِبٌ (16) .
وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَهَل الْكَفَّارَاتُ بِسَبَبِ حَرَامٍ زَوَاجِرُ كَالْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ لِلْخَلَل الْوَاقِعِ؟ وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا الثَّانِي كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ، لأَِنَّهَا عِبَادَاتٌ وَلِهَذَا لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ (17) .
وَقَال الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَلِيٌّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي بَعْضِ الْكَفَّارَاتِ هَل هِيَ زَوَاجِرُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَشَاقِّ تَحَمُّل الأَْمْوَال وَغَيْرِهَا، أَوْ هِيَ جَوَابِرُ لأَِنَّهَا عِبَادَاتٌ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِالنِّيَّاتِ، وَلَيْسَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى زَجْرًا، بِخِلاَفِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ قُرُبَاتٌ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ فِعْلاً لِلْمَزْجُورِينَ (18) .

أَسْبَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ
لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَسْبَابٌ عِدَّةٌ: أَوَّلاً: الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ:
7 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ لاَ تَجِبُ إِلاَّ بِالْحِنْثِ فِيهِ. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مُوجِبَ الْحِنْثِ هُوَ الْمُخَالَفَةُ لِمَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَذَلِكَ بِفِعْل مَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهِ، أَوْ تَرَكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ تَرَاخَى عَنْ فِعْل مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، إِلَى وَقْتٍ لاَ يُمْكِنُهُ فِيهِ فِعْلُهُ. وَلاَ خِلاَفَ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، نَفْيًا كَانَ أَوْ إِثْبَاتًا. كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا فِي الْيَمِينِ اللَّغْوِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي أَوِ الْحَال، نَفْيًا كَانَ أَوْ إِثْبَاتًا. وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَهِيَ الْمَعْقُودَةُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمَاضِي أَوِ الْحَال كَاذِبَةٌ يَتَعَمَّدُ صَاحِبُهَا ذَلِكَ (19) . وَفِي وُجُوبِهَا فِي الْيَمِينِ اللَّغْوِ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَل.
وَفِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَاتِ بِتَعَدُّدِ الأَْيْمَانِ، وَفِي رَفْعِ الْكَفَّارَةِ الْحِنْثُ.

الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ:
8 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (20) ، وَهُوَ قَوْل سُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ وَأَهْل الْعِرَاقِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْل الشَّامِ (21) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَكَمُ وَعَطَاءٌ وَمَعْمَرٌ (22) . وَسَبَبُ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ مُعَارَضَةُ عُمُومِ الْكِتَابِ لِلأَْثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (23) ، تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ كَفَّارَةٌ لِكَوْنِهَا مِنَ الأَْيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ.
وَقَوْلُهُ - ﵊ -: مِنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوَجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (24) ، يُوجِبُ أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ (25) . وَقَدِ اسْتَدَل كُل فَرِيقٍ بِأَدِلَّةٍ تُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.
فَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآْخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (26) ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ﷿ فِيهَا جَزَاءَ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ بِالْوَعِيدِ فِي الآْخِرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً، فَلَوْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ فِيهَا وَاجِبَةً لَكَانَ الأَْوْلَى بَيَانَهَا، وَلأَِنَّ الْكَفَّارَةَ لَوْ وَجَبَتْ إِنَّمَا تَجِبُ لِرَفْعِ هَذَا الْوَعِيدِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الآْيَةِ فَيَسْقُطُ جُرْمُهُ، وَيَلْقَى اللَّهَ - تَعَالَى - وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْوَعِيدَ الْمُتَوَعَّدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا لاَ يَقُول بِهِ أَحَدٌ (27) .
قَال القرطبي: وَكَيْفَ لاَ يَكُونُ ذَلِكَ، وَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَالِفُ: الْكَذِبَ، وَاسْتِحْلاَل مَال الْغَيْرِ، وَالاِسْتِخْفَافَ بِالْيَمِينِ بِاللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّهَاوُنَ بِهَا وَتَعْظِيمَ الدُّنْيَا؟ فَأَهَانَ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ، وَعَظَّمَ مَا حَقَّرَهُ اللَّهُ، وَحَسْبُكَ. وَلِهَذَا قِيل: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَمِينُ غَمُوسًا لأَِنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ (28) .
وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي هَذِهِ الآْيَةِ قَال: فَهَذِهِ الْيَمِينُ فِي الْكَذِبِ وَاقْتِطَاعِ الْحُقُوقِ، فَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهَا كَفَّارَةٌ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ أَنَّ رَجُلاً حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ فَقَال: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا، وَلَمْ يُعْطَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً} (29) .
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ كَذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: خَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ ﷿، وَقَتْل النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَبُهْتُ مُؤْمِنٍ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَيَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالاً بِغَيْرِ حَقٍّ (30) . وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَال: الْكَبَائِرُ: الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ قَال: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ قَال: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: ثُمَّ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَال الَّذِي يَقْتَطِعُ مَال امْرِئٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ (31) . فَفِي الْحَدِيثَيْنِ دَلاَلَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ عَدَّهَا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَالْكَبَائِرُ لاَ كَفَّارَةَ فِيهَا، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ لاَ كَفَّارَةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا كَفَّارَتُهَا التَّوْبَةُ مِنْهَا، فَكَذَلِكَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ حُكْمُهَا حُكْمُ مَا ذُكِرَتْ مَعَهُ (32) . وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ، فَقَدْ رَوَى آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ فِي مُسْنَدِ شُعْبَةَ، وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي الأَْحْكَامِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ كُنَّا نَعُدُّ الذَّنْبَ الَّذِي لاَ كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ، أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُل عَلَى مَال أَخِيهِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَهُ قَال: وَلاَ مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ (33) .
وَقَالُوا: إِنَّ الْغَمُوسَ مَحْظُورٌ مَحْضٌ، فَلاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِكَوْنِهَا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ، كَالزِّنَا وَالرِّدَّةِ (34) .
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} (35) ، مَعَ قَوْله تَعَالَى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ} (36) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَاتَيْنِ الآْيَتَيْنِ: أَنَّ اللَّهَ ﷿ نَفَى الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ الْيَمِينِ اللَّغْوِ، وَهِيَ الْيَمِينُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَأَثْبَتَ الْمُؤَاخَذَةَ لِلْيَمِينِ الْمَقْصُودَةِ بِقَوْلِهِ: {بِمَا عَقَّدْتُمُ} أَيْ قَصَدْتُمْ وَصَمَّمْتُمْ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ مَقْصُودَةٌ فَتَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ (37) . وَبِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ: لاَ تَسْأَل الإِْمَارَةَ، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ (38) . وَقَالُوا: إِنَّ الْحَالِفَ كَذِبًا أَحْوَجُ لِلْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ لاَ تَزِيدُهُ إِلاَّ خَيْرًا، وَالَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ وَرَدُّ الْمَظْلِمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل وَكَفَّرَ، فَالْكَفَّارَةُ لاَ تَرْفَعُ عَنْهُ حُكْمَ التَّعَدِّي بَل تَنْفَعُهُ فِي الْجُمْلَةِ (39) .

الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ اللَّغْوِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل:
9 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ اللَّغْوِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل - نَفْيًا كَانَ أَوْ إِثْبَاتًا - عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: إِنَّهَا لَغْوٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (40) ، وَبِهِ قَال ربيعة ومكحول وَالأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ. وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَعَنِ الْقَاسِمِ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ (41) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ فِيهَا.
وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا، فَقَال ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلاَ كَفَّارَةَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ، وَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلاَفُهُ، مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلاً.
قَال فِي التَّوْضِيحِ: مِثَال الْمَاضِي: وَاللَّهِ مَا جَاءَ زَيْدٌ وَهُوَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، وَمِثَال الْمُسْتَقْبَل: وَاللَّهِ مَا يَأْتِي غَدًا وَهُوَ يَعْتَقِدُهُ (42) . وَقَال الدَّرْدِيرُ: اللَّغْوُ وَالْغَمُوسُ لاَ كَفَّارَةَ فِيهِمَا إِنْ تَعَلَّقَا بِمَاضٍ، وَفِيهِمَا الْكَفَّارَةُ إِنْ تَعَلَّقَا بِالْمُسْتَقْبَل (43) .
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} (44) . وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل مِنَ الآْيَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَابَل يَمِينَ اللَّغْوِ بِالْيَمِينِ الْمَكْسُوبَةِ بِالْقَلْبِ، وَالْيَمِينُ الْمَكْسُوبَةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، فَكَانَتِ الْيَمِينُ غَيْرُ الْمَقْصُودَةِ دَاخِلَةً فِي قِسْمِ اللَّغْوِ تَحْقِيقًا لِلْمُقَابَلَةِ (45) .
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} فِي قَوْل الرَّجُل: لاَ وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ (46) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الْحَدِيثِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ اللَّغْوِ مُطْلَقًا، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لاَ إِثْمَ فِيهِ وَلاَ كَفَّارَةَ (47) .

الْقَوْل الثَّانِي: إِنَّهَا لَيْسَتْ لَغْوًا وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ عَنْهُ (48) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ} (49) . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} (50) . وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالأَْيْمَانِ الْمَعْقُودَةِ: هِيَ الْيَمِينُ فِي الْمُسْتَقْبَل، لأَِنَّ الْحِفْظَ عَنِ الْحِنْثِ وَهَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يُتَصَوَّرُ إِلاَّ فِي الْمُسْتَقْبَل (51) ، وَالْيَمِينُ فِي الْمُسْتَقْبَل يَمِينٌ مَعْقُودٌ سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَصْدُ أَمْ لاَ، وَوُجُوبُ الْحِفْظِ يَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَةَ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ. كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَخَذُوا حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَأَبَاهُ ﵁ وَاسْتَحْلَفُوهُمَا أَنْ لاَ يَنْصُرَ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال ﷺ: انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَيْهِمْ (52) . وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ: أَنَّ الرَّسُول ﷺ أَمَرَ حُذَيْفَةَ بِالْوَفَاءِ رَغْمَ أَنَّهُ مُكْرَهٌ غَيْرُ قَاصِدٍ فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْقَصْدِ لاَ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ (53) .
وَقَالُوا كَذَلِكَ: اللَّغْوُ مَا يَكُونُ خَالِيًا عَنِ الْفَائِدَةِ، وَالْخَبَرُ الْمَاضِي خَالٍ عَنْ فَائِدَةِ الْيَمِينِ فَكَانَ لَغْوًا، وَأَمَّا الْخَبَرُ فِي الْمُسْتَقْبَل فَإِنَّ عَدَمَ الْقَصْدِ لاَ يَعْدَمُ فَائِدَةَ الْيَمِينِ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِأَنَّ الْهَزْل وَالْجِدَّ فِي الْيَمِينِ سَوَاءٌ (54) .

تَعَدُّدُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ:
10 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى أُمُورٍ شَتَّى بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَوْ قَال: وَاللَّهِ لَنْ آكُل وَلَنْ أَشْرَبَ وَلَنْ أَلْبَسَ، فَحَنِثَ فِي الْجَمِيعِ فَكَفَّارَتُهُ وَاحِدَةٌ، لأَِنَّ الْيَمِينَ وَاحِدَةٌ وَالْحِنْثَ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ بِفِعْل وَاحِدٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يَحْنَثُ وَتَنْحَل الْيَمِينُ (55) .

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا حَلَفَ بِأَيْمَانٍ شَتَّى عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ حَلَفَ بِأَيْمَانٍ شَتَّى عَلَى أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ.

أ - الْحَلِفُ عَلَى الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً:
11 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ بِالْحِنْثِ فِي الْحَلِفِ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً كَأَنْ قَال: وَاللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا، وَاللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا، ثُمَّ يَفْعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: إِنَّهُ يَجِبُ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ (56) . فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَال: (قُلْتُ) أَرَأَيْتَ إِنْ قَال: وَاللَّهِ لاَ أُجَامِعُكِ، وَاللَّهِ لاَ أُجَامِعُكِ، أَيَكُونُ عَلَى هَذَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ فِي قَوْل مَالِكٍ؟ قَال: نَعَمْ (قُلْتُ) أَرَأَيْتَ الرَّجُل يَحْلِفُ أَنْ لاَ يَدْخُل دَارَ فُلاَنٍ، ثُمَّ يَحْلِفُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ: أَنَّهُ لاَ يَدْخُل دَارَ فُلاَنٍ لِتِلْكَ الدَّارَ بِعَيْنِهَا الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا أَوَّل مَرَّةٍ؟ قَال: قَال مَالِكٌ: إِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (57) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا قَال: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّتُهُ وَأَمَانَتُهُ وَكَفَالَتُهُ لأََفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الأَْلْفَاظِ تَأْكِيدٌ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالْحِنْثِ فِيهَا إِلاَّ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (58) .
وَقَال الْبُهُوتِيُّ: وَمَنْ كَرَّرَ يَمِينًا مُوجِبُهَا وَاحِدٌ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لاَ آكُل وَاللَّهِ لاَ آكُل فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لأَِنَّ سَبَبَهَا وَاحِدٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّأْكِيدَ (59) .

الْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا إِذَا كَرَّرَ الْمُقْسَمَ بِهِ - وَهُوَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى - وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ حَتَّى ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى ثَانِيًا، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَقُول: وَاللَّهِ اللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا وَكَذَا، أَوْ يَقُول: وَاللَّهِ وَاللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا وَكَذَا، وَبَيْنَ مَا إِذَا ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا، ثُمَّ أَعَادَهُمَا جَمِيعًا، كَأَنْ يَقُول: وَاللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا اللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا، أَوْ يَقُول: وَاللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا وَاللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا. وَفِي الْحَالَتَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّكْرَارُ بِحَرْفِ الْعَطْفِ أَوْ بِدُونِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي الأَْمْثِلَةِ. فَإِذَا كَانَ تَكْرَارُ الْمُقْسَمِ بِهِ بِدُونِ حَرْفِ عَطْفٍ - كَمَا فِي الْمِثَال الأَْوَّل - كَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً بِلاَ خِلاَفٍ فِي الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ كَانَ الاِسْمُ مُتَّفِقًا كَمَا ذُكِرَ أَوْ مُخْتَلِفًا كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ الرَّحْمَنِ لاَ أَفْعَل كَذَا وَكَذَا. أَمَّا إِذَا دَخَل بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ حَرْفُ عَطْفٍ - كَمَا فِي الْمِثَال الثَّانِي - فَهُمَا يَمِينَانِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (60) . وَإِذَا كَانَ تَكْرَارُهُمَا جَمِيعًا، كَمَا إِذَا ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ أَعَادَهُمَا فَهُمَا يَمِينَانِ، سَوَاءٌ ذَكَرَهُمَا بِحَرْفِ الْعَطْفِ أَوْ بِدُونِهِ، كَمَا فِي الأَْمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسَيْنِ أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، بِلاَ خِلاَفٍ فِي الْمَذْهَبِ (61) .

الأَْدِلَّةُ:
أَوَّلاً: اسْتَدَل جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ وَاحِدٌ، فَتَلْزَمُ عَنْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، أَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الأَْلْفَاظِ فَإِنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، لأَِنَّ الثَّانِيَةَ لاَ تُفِيدُ إِلاَّ مَا أَفَادَتْهُ الأُْولَى، فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ (62) .

ثَانِيًا: وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ حَرْفَ الْعَطْفِ وَالاِسْمُ مُخْتَلِفٌ نَحْوُ أَنْ يَقُول: وَاللَّهِ الرَّحْمَنِ لاَ أَفْعَل كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ الاِسْمَ الثَّانِي يَصْلُحُ صِفَةً لِلأَْوَّل، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ الصِّفَةَ، فَيَكُونُ حَالِفًا بِذَاتٍ مَوْصُوفٍ، لاَ بِاسْمِ الذَّاتِ عَلَى حِدَةٍ، وَلاَ بِاسْمِ الصِّفَةِ عَلَى حِدَةٍ. أَمَّا إِذَا كَانَ الاِسْمُ مُتَّفِقًا نَحْوُ أَنْ يَقُول: وَاللَّهِ اللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا، فَإِنَّ الثَّانِيَ لاَ يَصْلُحُ نَعْتًا لِلأَْوَّل، إِنَّمَا يَصْلُحُ تَأْكِيدًا لَهُ، فَيَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ يَمِينَيْنِ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: اللَّهِ ابْتِدَاءُ يَمِينٍ بِحَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَهُوَ قَسَمٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا ذَكَرَ حَرْفَ الْعَطْفِ بَيْنَ الْقَسَمَيْنِ بِأَنْ قَال: وَاللَّهِ وَالرَّحْمَنِ لاَ أَفْعَل كَذَا، فَقَدِ اسْتَدَل مَنْ قَال إِنَّهُمَا يَمِينَانِ بِأَنَّهُ لَمَّا عَطَفَ أَحَدَ الْيَمِينَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الأَْوَّل، لأَِنَّ الْمَعْطُوفَ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَكَانَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينًا عَلَى حِدَةٍ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْطِفْ، أَحَدَهُمَا عَلَى الآْخَرِ فَيَجْعَل الثَّانِيَ صِفَةً لِلأَْوَّل، لأَِنَّهُ يَصْلُحُ صِفَةً، لأَِنَّ الاِسْمَ يَخْتَلِفُ، وَلِهَذَا يَسْتَحْلِفُ الْقَاضِي بِالأَْسْمَاءِ وَالصِّفَّاتِ مِنْ غَيْرِ حَرْفِ الْعَطْفِ فَيَقُول: وَاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الطَّالِبِ الْمُدْرِكِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ مَعَ حَرْفِ الْعَطْفِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلاَّ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ. أَمَّا إِذَا أَعَادَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ مَعَ الاِسْمِ الثَّانِي، عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ يَمِينًا أُخْرَى، إِذْ لَوْ أَرَادَ الصِّفَةَ أَوِ التَّأْكِيدَ لَمَا أَعَادَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ (63) .

ب - الْحَلِفُ بِأَيْمَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى أُمُورٍ شَتَّى:
12 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ بِالْحِنْثِ فِي الْحَلِفِ بِأَيْمَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى أُمُورٍ شَتَّى (64) نَحْوُ أَنْ يَقُول: وَاللَّهِ لاَ أَدْخُل دَارَ فُلاَنٍ، وَاللَّهِ لاَ أُكَلِّمُ فُلاَنًا فَفَعَل ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَالِفِ لِكُل يَمِينٍ كَفَّارَةٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ، وَرِوَايَةُ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ أَحْمَدَ (65) .

الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَالِفِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَبِهِ قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، قَال الْقَاضِي: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (66) .
وَقَدِ اسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِتَعَدُّدِ الْكَفَّارَاتِ بِأَنَّهُنَّ أَيْمَانٌ لاَ يَحْنَثُ فِي إِحْدَاهُنَّ بِالْحِنْثِ فِي الأُْخْرَى، فَلَمْ تُتَكَفَّرْ إِحْدَاهَا بِكَفَّارَةِ الأُْخْرَى، كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ إِحْدَاهَا قَبْل الْحِنْثِ فِي الأُْخْرَى، وَكَالأَْيْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ الْكَفَّارَةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الأَْيْمَانَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ مَتَى حَنِثَ فِي إِحْدَاهَا كَانَ حَانِثًا فِي الأُْخْرَى، فَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ وَاحِدًا كَانَتِ الْكَفَّارَةُ وَاحِدَةً، وَهَاهُنَا تَعَدَّدَ الْحِنْثُ، فَتَعَدَّدَتِ الْكَفَّارَاتُ. وَفَارَقَ الْحُدُودَ فَإِنَّهَا وَجَبَتْ لِلزَّجْرِ وَتَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ بِخِلاَفِ مَسْأَلَتِنَا، وَلأَِنَّ الْحُدُودَ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَالْمُوَالاَةُ بَيْنَهَا رُبَّمَا أَفْضَتْ إِلَى التَّلَفِ فَاجْتُزِئَ بِإِحْدَاهَا، وَهَاهُنَا الْوَاجِبُ إِخْرَاجُ مَالٍ يَسِيرٍ أَوْ صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، فَلاَ يَلْزَمُ الضَّرَرُ الْكَثِيرُ بِالْمُوَالاَةِ فِيهِ، وَلاَ يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ (67) .
بَيْنَمَا اسْتَدَل أَصْحَابُ الْقَوْل الثَّانِي بِأَنَّهَا كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ فَتَدَاخَلَتْ كَالْحُدُودِ مِنْ جِنْسٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَ مَحَالُّهَا بِأَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَمَاعَةٍ أَوْ يَزْنِيَ بِنِسَاءٍ (68) .

تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَبْل الْحِنْثِ
13 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّكْفِيرِ قَبْل الْيَمِينِ، لأَِنَّهُ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ قَبْل سَبَبِهِ، كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ قَبْل مِلْكِ النِّصَابِ، وَكَتَقْدِيمِ الصَّلاَةِ قَبْل دُخُول وَقْتِهَا.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَالْحِنْثِ.
كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ - أَيْضًا - فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ قَبْل الْحِنْثِ (69) .
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي جَوَازِ التَّكْفِيرِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَقَبْل الْحِنْثِ (70) .
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: يَرَى أَصْحَابُهُ جَوَازَ التَّكْفِيرِ قَبْل الْحِنْثِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (71) ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَسَلْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵃ (72) .
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ رَأْيُ رَبِيعَةَ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الأَْمْصَارِ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ وَجَمَاعَةٌ: أَنَّ عِدَّةَ مَنْ قَال بِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا (73) .
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ التَّكْفِيرِ قَبْل الْحِنْثِ بِمَا إِذَا كَفَّرَ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَلَمْ يَكُنِ الْحِنْثُ مَعْصِيَةً. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخَّرَ التَّكْفِيرُ عِنْدَ الْحِنْثِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ (74) .

الْقَوْل الثَّانِي: يَرَى أَصْحَابُهُ عَدَمَ جَوَازِ التَّكْفِيرِ قَبْل الْحِنْثِ، إِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ (75) . وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تُجْزِئُ قَبْل الْحِنْثِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (76) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِإِرَادَةِ الْحِنْثِ لأَِنَّ التَّقْدِيرَ: إِذَا حَلَفْتُمْ فَأَرَدْتُمُ الْحِنْثَ، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَ الآْيَةِ يُفِيدُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْيَمِينِ فَيَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْل الْحِنْثِ، لِتَكُونَ الْكَفَّارَةُ مُحَلِّلَةً لِلْيَمِينِ (77) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ (78) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ، حَيْثُ أَمَرَ ﷺ بِالتَّكْفِيرِ عَنِ الْيَمِينِ، ثُمَّ عَطَفَ الإِْتْيَانَ بِغَيْرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِثُمَّ الَّتِي تُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَالتَّرَاخِيَ، فَدَل هَذَا دَلاَلَةً وَاضِحَةً عَلَى إِجْزَاءِ الْكَفَّارَةِ قَبْل الْحِنْثِ (79) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْل بَعْدَ الْجِرَاحِ، فَكَمَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى الْعَوْدِ، وَالْقَتْل الْخَطَأُ بَعْدَ الْجِرَاحِ وَقَبْل الْمَوْتِ كَذَلِكَ يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَبْل الْحِنْثِ، لأَِنَّهُ كَفَّرَ بَعْدَ سَبَبِهِ فَجَازَ (80) .
وَبِأَنَّ عَقْدَ الْيَمِينِ لَمَّا كَانَ يُحِلُّهُ الاِسْتِثْنَاءُ وَهُوَ كَلاَمٌ، فَلأَِنْ تُحِلَّهُ الْكَفَّارَةُ وَهُوَ فِعْلٌ مَالِيٌّ أَوْ بَدَنِيٌّ أَوْلَى (81) .
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ التَّكْفِيرِ قَبْل الْحِنْثِ: بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ} (82) مَعَ قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (83) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَةِ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لِلْحِنْثِ وَلَيْسَتْ لِلْيَمِينِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الأَْوَّل: تَصْوِيرُهُ فِي صَدْرِ الآْيَةِ نَفْيُ مُؤَاخَذَتِنَا عَنْ لَغْوِ الْيَمِينِ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُؤَاخِذُنَا بِمَا عَقَّدْنَا مِنَ الأَْيْمَانِ وَالْوَفَاءِ بِهَا، كَقَوْلِهِ ﷿: {وَلاَ تَنْقُضُوا الأَْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} (84) ، فَإِنْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ فَكَفَّارَتُهُ كَذَا. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} تَقْدِيرُهُ: أَيْ فَتَرَكْتُمُ الْمُحَافَظَةَ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ قَال ﷿: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} (85) ، وَالْمُحَافَظَةُ تَكُونُ بِالْبِرِّ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى إِضْمَارِ الْحِنْثِ، أَيْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِحِنْثِكُمْ فِيمَا عَقَّدْتُمْ، وَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} ، أَيْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (86) ، مَعْنَاهُ: فَحَلَقَ عَامِدًا أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ. وَقَوْلُهُ ﷿: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (87) ، مَعْنَاهُ: فَتَحَلَّل. وَقَوْلُهُ ﷿: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (88) ، فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، لأَِنَّ ظَاهِرَ الْمَلْفُوظِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ التَّخْفِيفِ لاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ فَصَارَ اسْتِعْمَال الرُّخْصَةِ مُضْمَرًا فِيهِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا لاَ تَصْلُحُ الْيَمِينُ الَّتِي هِيَ تَعْظِيمُ الرَّبِّ جَل جَلاَلُهُ سَبَبًا لِوُجُوبِ التَّكْفِيرِ، فَيَجِبُ إِضْمَارُ مَا هُوَ صَالِحٌ وَهُوَ الْحِنْثُ (89) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ (90) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: إِنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا (91) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالْحِنْثِ، لأَِنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً بِنَفْسِ الْيَمِينِ لَقَال ﵊: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَلْيُكَفِّرْ " مِنْ غَيْرِ التَّعَرُّضِ لِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَأَلْزَمَ الْحِنْثَ إِذَا كَانَ خَيْرًا ثُمَّ التَّكْفِيرَ. فَلَمَّا خَصَّ الْيَمِينَ عَلَى مَا كَانَ الْحِنْثُ خَيْرًا مِنَ الْبِرِّ بِالنَّقْضِ وَالْكَفَّارَةِ، عُلِمَ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْحِنْثِ دُونَ الْيَمِينِ نَفْسِهَا، وَأَنَّهَا لاَ تَجِبُ بِعَقْدِ الْيَمِينِ دُونَ الْحِنْثِ (92) . وَقَالُوا: لاَ يَصِحُّ التَّكْفِيرُ قَبْل الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ، سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَال أَوْ بِالصَّوْمِ لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ لِسَتْرِ الْجِنَايَةِ وَلاَ جِنَايَةَ، وَالْيَمِينُ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ، لأَِنَّهَا مَانِعَةٌ مِنَ الْحِنْثِ غَيْرُ مُفْضِيَةٍ بِخِلاَفِ التَّكْفِيرِ بَعْدَ الْجُرْحِ قَبْل الْمَوْتِ لأَِنَّهُ مَفْضِيٌّ (93) .

ثَانِيًا: الْقَتْل:
14 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا فِي الْقَتْل الْعَمْدِ وَالْقَتْل بِسَبَبٍ.

الْكَفَّارَةُ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ
15 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (94) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا} ، وقَوْله تَعَالَى: 00 {وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} .

وَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَتَيْنِ: أَنَّ اللَّهَ ﷿ أَوْجَبَ فِي الآْيَةِ الأُْولَى كَفَّارَةَ الْقَتْل الْخَطَأِ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الآْيَةِ الثَّانِيَةِ الْقَتْل الْعَمْدَ، وَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ كَفَّارَةً، جَعَل جَزَاءَهُ جَهَنَّمَ، فَلَوْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ فِيهِ وَاجِبَةً لَبَيَّنَهَا وَذَكَرَهَا، فَكَانَ عَدَمُ ذِكْرِهَا دَلِيلاً عَلَى أَنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ فِيهِ (95) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ ﵁ قَتَل رَجُلاً، فَأَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ الْقَوَدَ وَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً (96) .
وَقَالُوا: إِنَّ الْقَتْل الْعَمْدَ فِعْلٌ يُوجِبُ الْقَتْل فَلاَ يُوجِبُ كَفَّارَةً، كَزِنَا الْمُحْصَنِ (97) ، وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ لِتَعَلُّقِ الْعِبَادَةِ بِالْمُبَاحِ وَالْعُقُوبَةِ بِالْمَحْظُورِ، وَقَتْل الْعَمْدِ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، فَلاَ تُنَاطُ بِهِ كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ، مِثْل الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا، وَلِعَدَمِ جَوَازِ قِيَاسِهِ عَلَى الْخَطَأِ، لأَِنَّهُ دُونَهُ فِي الإِْثْمِ، فَشَرْعُهُ لِدَفْعِ الأَْدْنَى لاَ يَدُل عَلَى دَفْعِ الأَْعْلَى، وَلأَِنَّ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ وَعِيدًا مُحْكَمًا، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَال يَرْتَفِعُ الإِْثْمُ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ مَعَ وُجُودِ التَّشْدِيدِ فِي الْوَعِيدِ بِنَصٍّ قَاطِعٍ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَمَنِ ادَّعَى غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ تَحَكُّمًا مِنْهُ بِلاَ دَلِيلٍ، وَلأَِنَّ الْكَفَّارَةَ مِنَ الْمُقَدَّرَاتِ فَلاَ يَجُوزُ إِثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلأَِنَّ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} هُوَ كُل مُوجِبِهِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي سِيَاقِ الْجَزَاءِ لِلشَّرْطِ، فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ نَسْخًا، وَلاَ يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ (98) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ (99) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الأَْسْقَعِ ﵁ قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَأَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ صَاحِبًا لَنَا قَدْ أَوْجَبَ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً، يَعْتِقِ اللَّهُ بِكُل عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ (100) ، فَقَدْ أَوْجَبَ الرَّسُول ﷺ الْكَفَّارَةَ فِيمَا يَسْتَوْجِبُ النَّارَ، وَلاَ تُسْتَوْجَبُ النَّارُ إِلاَّ فِي قَتْل الْعَمْدِ (101) ، فَدَل هَذَا عَلَى أَنَّ الْقَتْل الْعَمْدَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِذَا وَجَبَتْ فِي قَتْل الْخَطَأِ مَعَ عَدَمِ الْمَأْثَمِ، فَلأَِنْ تَجِبَ فِي الْعَمْدِ وَقَدْ تُغَلَّظُ بِالإِْثْمِ أَوْلَى، لأَِنَّهُ أَعْظَمُ إِثْمًا وَأَكْبَرُ جُرْمًا وَحَاجَةُ الْقَاتِل إِلَى تَكْفِيرِ ذَنْبِهِ أَعْظَمُ (102) .

الْكَفَّارَةُ فِي الْقَتْل بِالتَّسَبُّبِ:
16 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل بِالتَّسَبُّبِ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (103) إِلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل بِالتَّسَبُّبِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَفَّارَةَ فِي الْقَتْل الْخَطَأِ دُونَ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ كَوْنِ الْقَتْل قَدْ وَقَعَ عَلَى سَبِيل الْمُبَاشَرَةِ أَوِ التَّسَبُّبِ.
وَلأَِنَّهُ قَتَل آدَمِيًّا مَمْنُوعًا مِنْ قَتْلِهِ لِحُرْمَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِالْمُبَاشَرَةِ (104) . وَلأَِنَّ السَّبَبَ كَالْمُبَاشَرَةِ فِي إِيجَابِ الضَّمَانِ، فَكَانَ كَالْمُبَاشَرَةِ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ (105) . وَلأَِنَّ فِعْل الْقَاتِل سَبَبٌ لإِِتْلاَفِ الآْدَمِيِّ يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُهُ، فَتَعَلَّقَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ كَانَ رَاكِبًا فَأَوْطَأَ دَابَّتَهُ إِنْسَانًا (106) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل بِالتَّسَبُّبِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِتَحَقُّقِ الْقَتْل، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَتْل بِالْمُبَاشَرَةِ، أَمَّا الْقَتْل بِالتَّسَبُّبِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي عَقْدِهِ، فَلَمْ يَسْتَنِدِ الْفِعْل إِلَيْهِ (107) .

الْكَفَّارَةُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ
17 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيمَا إِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ أَوْ ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ بَطْنَ نَفْسِهَا، أَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً لِتُسْقِطَ وَلَدَهَا عَمْدًا، فَأَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيمَا إِذَا أَلْقَتِ الْمَرْأَةُ جَنِينًا مَيِّتًا، بِعُدْوَانٍ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَإِسْحَاقَ إِلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ (108) ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي كُل قَتْلٍ خَطَأٍ دُونَ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ جَنِينٍ وَغَيْرِهِ، وَالْجَنِينُ مَقْتُولٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَدْخُل فِي هَذَا الْعُمُومِ، لأَِنَّنَا حَكَمْنَا لَهُ بِالإِْيمَانِ تَبَعًا لأَِبَوَيْهِ، فَيَكُونُ دَاخِلاً فِي عُمُومِ هَذَا النَّصِّ وَلاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ دَلِيلٌ آخَرُ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدُ (109) ، وَلأَِنَّهُ آدَمِيٌّ مَعْصُومٌ وَبِذَلِكَ قَضَى عُمَرُ ﵁ (110) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْجَنِينِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ (111) ، فَقَدْ قَضَى ﷺ بِالْغُرَّةِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَفَّارَةَ، وَلَوْ وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ لَذَكَرَهَا، لأَِنَّ هَذَا بَيَانٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ وَلاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، لأَِنَّهَا شُرِعَتْ زَاجِرَةً، وَفِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، لأَِنَّهَا تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ، وَقَدْ عُرِفَ وُجُوبُهَا فِي النَّفُوسِ الْمُطْلَقَةِ - وَالْجَنِينُ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ - فَلاَ يَتَعَدَّاهَا، لأَِنَّ الْعُقُوبَةَ لاَ يَجْرِي فِيهَا الْقِيَاسُ.
وَإِنَّ الْجَنِينَ جُزْءٌ أَوْ عُضْوٌ مِنْ وَجْهٍ، فَلاَ يَدْخُل تَحْتَ مُطْلَقِ النَّصِّ وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ فِيهِ كُل الْبَدَل، فَكَذَا لاَ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، لأَِنَّ الأَْعْضَاءَ لاَ كَفَّارَةَ فِيهَا، لأَِنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا، فَإِذَا تَقَرَّبَ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ أَفْضَل لَهُ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِمَّا صَنَعَ مِنَ الْجَرِيمَةِ الْعَظِيمَةِ.
وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الْقَتْل غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ لِجَوَازِ أَنَّ الْحَيَاةَ لَمْ تُخْلَقْ فِيهِ، حَيْثُ لَمْ تُعْرَفْ حَيَاتُهُ وَلاَ سَلاَمَتُهُ، وَالْكَفَّارَةُ إِنَّمَا تَجِبُ بِتَحَقُّقِ الْقَتْل (112) .

تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْقَاتِل
18 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْقَاتِلِينَ وَاتِّحَادِ الْمَقْتُول عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى كُل مَنِ اشْتَرَكَ فِي قَتْلٍ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَالثَّوْرِيُّ (113) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَجَبَتْ لاَ عَلَى سَبِيل الْبَدَل عَنِ النَّفْسِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِذَا اشْتَرَكُوا فِي سَبَبِهَا، لأَِنَّ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَى الْوَاحِدِ إِذَا انْفَرَدَ يَجِبُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِذَا اشْتَرَكُوا، كَكَفَّارَةِ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ.
وَبِأَنَّهَا لاَ تَتَبَعَّضُ، وَهِيَ مِنْ مُوجِبِ قَتْل الآْدَمِيِّ، فَكَمُلَتْ فِي حَقِّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ كَالْقِصَاصِ (114) .
وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ حِكَايَةٌ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ، وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ (115)
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} .
وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَةَ (مَنْ) تَتَنَاوَل كُل قَاتِلٍ، الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ وَلَمْ تُوجِبِ الآْيَةُ إِلاَّ كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَدِيَةً، وَالدِّيَةُ لاَ تَتَعَدَّدُ فَكَذَلِكَ لاَ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ.
وَلأَِنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ فَلَمْ تَتَعَدَّدْ بِتَعَدُّدِ الْقَاتِلِينَ مَعَ اتِّحَادِ الْمَقْتُول، كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ (116) .

تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْقَتْلَى وَالْقَاتِل وَاحِدٌ
19 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَقْتُولِينَ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ اصْطَدَمَتْ حَامِلاَنِ وَأَسْقَطَتَا جَنِينَيْهِمَا وَمَاتَتَا فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فِي تَرِكَتِهَا أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ عَلَى الصَّحِيحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى قَاتِل نَفْسِهِ، وَأَنَّهَا لاَ تَتَجَزَّأُ، فَتَجِبُ عَلَى كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ لِنَفْسِهَا وَثَانِيَةٌ لِجَنِينِهَا وَثَالِثَةٌ لِصَاحِبَتِهَا وَرَابِعَةٌ لِجَنِينِهَا لأَِنَّهُمَا اشْتَرَكَتَا فِي إِهْلاَكِ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ، وَمُقَابِل الصَّحِيحِ: تَجِبُ كَفَّارَتَانِ (117) .

ثَالِثًا: الإِْفْطَارُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ:
20 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ أَنْزَل أَمْ لَمْ يُنْزِل (118) .
كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ. وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهِ إِنْزَالٌ.
كَمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ جَاهِلاً، وَفِي وُجُوبِهَا بِتَعَمُّدِ الإِْفْطَارِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا لِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَسَنَعْرِضُ هَذَا الْخِلاَفَ فِي الْفُرُوعِ الآْتِيَةِ:

الْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ:
21 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ: فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَرَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بَيْنَ كَوْنِ الْفَرْجِ قُبُلاً أَوْ دُبُرًا، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (119) . وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ فِي الْفَرْجِ فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْوَطْءِ (120) .
وَبِأَنَّ الْجَمِيعَ وَطْءٌ، وَلأَِنَّ الْجَمِيعَ فِي إِيجَابِ الْحَدِّ وَاحِدٌ، فَكَذَلِكَ إِفْسَادُ الصَّوْمِ وَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ (121) ، وَبِأَنَّهُ مَحِلٌّ مُشْتَهًى، فَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَالْوَطْءِ فِي الْقُبُل (122) .
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ لاَ يُوجِبُ كَفَّارَةً، لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ لأَِنَّ الْمَحِل مُسْتَقْذَرٌ، وَمَنْ لَهُ طَبِيعَةٌ سَلِيمَةٌ لاَ يَمِيل إِلَيْهِ، فَلاَ يَسْتَدْعِي زَاجِرًا، لِلاِمْتِنَاعِ بِدُونِهِ، فَصَارَ كَالْحَدِّ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ (123) .

الْكَفَّارَةُ بِوَطْءِ الْبَهِيمَةِ
22 - وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ فِيهِ قَوْلاَنِ:

الأَْوَّل: لاَ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ (124) . وَاسْتَدَلُّوا: بِأَنَّهُ لاَ نَصَّ فِيهِ، وَلاَ هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِوَطْءِ الآْدَمِيَّةِ فِي إِيجَابِ الْحَدِّ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهِ (125) .
وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْزَل أَمْ لاَ (126) .

الثَّانِي: تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِهِ قَال الْمَالِكِيَّةُ، لأَِنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ مُوجِبٍ لِلْغُسْل، مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الآْدَمِيَّةِ (127) .

وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ
23 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا الإِْنْزَال لاَ تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِيمَا إِذَا اقْتَرَنَ بِهَا الإِْنْزَال عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالإِْنْزَال بِالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (128) ، وَالشَّافِعِيَّةُ (129) ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ (130) .
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ تَامٍّ فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ، وَلأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَلاَ نَصَّ فِي وُجُوبِهَا، وَلاَ إِجْمَاعَ وَلاَ قِيَاسَ، وَلاَ يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ، لأَِنَّهُ أَبْلَغُ بِدَلِيل أَنَّهُ يُوجِبُهَا مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ، وَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إِذَا كَانَ مُحَرَّمًا، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ اثْنَا عَشَرَ حُكْمًا، وَلأَِنَّ الْعِلَّةَ فِي الأَْصْل الْجِمَاعُ بِدُونِ الإِْنْزَال، وَالْجِمَاعُ هَاهُنَا غَيْرُ مُوجِبٍ فَلَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارُهُ بِهِ (131) .
قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ، وَالاِسْتِمْنَاءِ وَالْمُبَاشَرَاتِ الْمُفْضِيَاتِ إِلَى الإِْنْزَال، فَلاَ كَفَّارَةَ، لأَِنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْجِمَاعِ، وَهَذِهِ الأَْشْيَاءُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ (132) .
وَقَال الزَّيْلَعِيُّ: وَلاَ كَفَّارَةَ بِالإِْنْزَال فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، لاِنْعِدَامِ الْجِمَاعِ صُورَةً، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِوُجُودِهِ مَعْنًى، وَالْمُرَادُ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ غَيْرِ الْقُبُل وَالدُّبُرِ كَالْفَخِذِ وَالإِْبِطِ وَالْبَطْنِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى اللَّمْسِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ (133) . وَقَال: وَلَوْ أَنْزَل بِقُبْلَةٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِوُجُودِ مَعْنَى الْجِمَاعِ وَهُوَ الإِْنْزَال بِالْمُبَاشَرَةِ، دُونَ الْكَفَّارَةِ لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ، فَانْعَدَمَ صُورَةُ الْجِمَاعِ، وَهَذَا لأَِنَّ الْقَضَاءَ يَكْفِي لِوُجُوبِهِ وُجُودَ الْمُنَافِي صُورَةً أَوْ مَعْنًى، وَلاَ يَكْفِي ذَلِكَ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمُنَافِي صُورَةً وَمَعْنًى، لأَِنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، بِخِلاَفِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ حَيْثُ تَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ (134) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالإِْنْزَال بِالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، قَالُوا: وَلَوْ تَعَمَّدَ إِنْزَال مَنِيٍّ بِتَقْبِيلٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ بِإِدَامَةِ فِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ وَكَانَ عَادَتُهُ الإِْنْزَال (135) .
وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (136) ، وَأَبِي خَلَفٍ الطَّبَرِيِّ مِنْ تَلاَمِذَةِ الْقَفَّال الْمَرْوَزِيِّ (137) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ فُطِّرَ بِجِمَاعٍ فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ (138) .

وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا وَمَا أَشْبَهَهُ:
24 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي الْقُبُل مُتَعَمِّدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ جَاهِلاً عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ جَاهِلاً.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (139) ، وَالْمَالِكِيَّةُ (140) ، وَالشَّافِعِيَّةُ (141) ، وَبِهِ قَال: إِسْحَاقُ وَاللَّيْثُ وَالأَْوْزَاعِيُّ (142) ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمُنْذِرِ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَالثَّوْرِيِّ (143) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} .
وَقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (144) .
فَفِي الآْيَةِ وَالْحَدِيثِ نَصٌّ عَلَى رَفْعِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالإِْكْرَاهِ، وَالْمُرَادُ رَفْعُ الْحُكْمِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الثَّلاَثَةِ مَوْجُودٌ حِسًّا، وَالْحُكْمُ نَوْعَانِ: دُنْيَوِيٌّ وَهُوَ الْفَسَادُ، وَأُخْرَوِيٌّ وَهُوَ الإِْثْمُ، وَمُسَمَّى الْحُكْمِ يَشْمَلُهُمَا، فَيَتَنَاوَل الرَّفْعُ الْحُكْمَيْنِ، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الإِْثْمِ وَهُوَ مَحْطُوطٌ عَنِ النَّاسِ (145) .
وَبِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلاَ كَفَّارَةَ (146) .
وَالدَّلاَلَةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ظَاهِرَةٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا سَوَاءٌ كَانَ الْفِطْرُ بِالْجِمَاعِ أَوْ غَيْرِهِ (147) .
وَبِأَنَّ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ فِي نَهَارِ رَمَضَانِ تَخْتَلِفُ عَنْ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ حَيْثُ تَجِبُ هَذِهِ الْكَفَّارَاتُ مَعَ الشُّبْهَةِ، أَمَّا كَفَّارَةُ الْفِطْرِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَتَسْقُطُ مَعَ الشُّبْهَةِ.

وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لأَِجْل جَبْرِ الْفَائِتِ، وَفِي الصَّوْمِ حَصَل الْجَبْرُ بِالْقَضَاءِ، فَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ زَاجِرَةً فَقَطْ، فَشَابَهَتِ الْحُدُودَ فَتَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ (148) .
وَبِقِيَاسِ الْجِمَاعِ عَلَى الأَْكْل وَالشُّرْبِ، فَكَمَا أَنَّ مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، كَذَلِكَ مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ جَاهِلاً لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (149) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ جَاهِلاً. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ (150) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عَطَاءٍ (151) ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ (152) .
وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ وَمَنْ مَعَهُمْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكْتُ. قَال: مَا لَكَ؟ قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هَل تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَال: لاَ. قَال: فَهَل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَال: لاَ. قَال: فَهَل تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَال: لاَ. قَال: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ - فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ الْمِكْتَل - قَال: أَيْنَ السَّائِل؟ فَقَال: أَنَا. قَال: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَال الرَّجُل: عَلَى أَفْقَرِ مِنِّي يَا رَسُول اللَّه؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْل بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْل بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَال: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ (153) .
فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ عَامِدًا أَمْ سَاهِيًا أَمْ جَاهِلاً أَمْ مُخْطِئًا مُخْتَارًا كَانَ أَوْ مُكْرَهًا، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِل الأَْعْرَابِيَّ وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ لاَسْتَفْصَلَهُ، لأَِنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لاَ يَجُوزُ، وَالسُّؤَال مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ، كَأَنَّهُ قَال: إِذَا وَاقَعْتَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فَكَفِّرْ (154) .
وَبِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَغَيْرُهُ كَالْحَجِّ (155) .
وَبِأَنَّ إِفْسَادَ الصَّوْمِ وَوُجُوبَ الْكَفَّارَةِ حُكْمَانِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْجِمَاعِ، لاَ تُسْقِطُهُمَا الشُّبْهَةُ، فَاسْتَوَى فِيهِمَا الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ كَسَائِرِ أَحْكَامِهِ (156) .

وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَمُّدِ الإِْفْطَارِ بِالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا:
25 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلاً أَوْ مُخْطِئًا.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا بِتَعَمُّدِ الأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا عَلَى قَوْلَيْنِ.

الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَمُّدِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (157) ، وَالْمَالِكِيَّةُ (158) ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ (159) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ ﵊ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً (160) .
وَبِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْل الرَّسُول ﷺ: مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ (161) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ فِي الْحَدِيثِ الأَْوَّل مَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً دُونَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ إِفْطَارٍ وَإِفْطَارٍ، وَجَعَل جَزَاءَ الْفِطْرِ مُتَعَمِّدًا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي جَزَاءَ الْمُظَاهِرِ مُطْلَقًا، وَالْمُظَاهِرُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، فَتَجِبُ عَلَى كُل مَنْ أَفْطَرَ بِأَكْلٍ أَوْ بِغَيْرِهِ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَلَّقُ بِالإِْفْسَادِ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ عَلَى سَبِيل الْكَمَال لاَ بِالْجِمَاعِ، لأَِنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الإِْفْسَادُ دُونَ الْجِمَاعِ، وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِوَطْءِ مَنْكُوحَتِهِ وَمَمْلُوكَتِهِ إِذَا كَانَ بِالنَّهَارِ لِوُجُودِ الإِْفْسَادِ، لاَ بِاللَّيْل لِعَدَمِهِ، بِخِلاَفِ الْحَدِّ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ ﵊ جَعَل عِلَّةً لَهَا بِقَوْلِهِ: مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ. . . الْحَدِيثَ، فَبَطَل الْقَوْل بِتَعَلُّقِهَا بِالْجِمَاعِ.
وَلاَ نُسَلِّمُ أَنَّ شَهْوَةَ الْفَرْجِ أَشَدُّ هَيَجَانًا وَلاَ الصَّبْرَ عَنِ اقْتِضَائِهِ أَشَدُّ عَلَى الْمَرْءِ، بَل شَهْوَةُ الْبَطْنِ أَشَدُّ، وَهُوَ يُفْضِي إِلَى الْهَلاَكِ، وَلِهَذَا رَخَّصَ فِيهِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِئَلاَّ يَهْلِكَ، بِخِلاَفِ الْفَرْجِ، وَلأَِنَّ الصَّوْمَ يُضْعِفُ شَهْوَةَ الْفَرْجِ، وَلِهَذَا أَمَرَ ﵊ الْعَزَبَ بِالصَّوْمِ وَالأَْكْل يُقَوِّي شَهْوَةَ الْبَطْنِ، فَكَانَ أَدْعَى إِلَى الزَّاجِرِ (162) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِتَعَمُّدِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (163) ، وَالْحَنَابِلَةُ (164) ، وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَحَمَّادٌ وَدَاوُدُ (165) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْكَفَّارَةِ إِلاَّ فِيمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي الْجِمَاعِ، وَمَا سِوَاهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، لأَِنَّ الْجِمَاعَ أَغْلَظُ، وَلِهَذَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَلاَ يَجِبُ فِيمَا سِوَاهُ فَبَقِيَ عَلَى الأَْصْل، وَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ السُّلْطَانَ عَزَّرَهُ، لأَِنَّهُ مُحَرَّمٌ لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ وَلاَ كَفَّارَةٌ، فَثَبَتَ فِيهِ التَّعْزِيرُ، كَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنَ الأَْجْنَبِيَّةِ (166) .
وَبِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، فَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ الْكَفَّارَةَ، كَبَلْعِ الْحَصَاةِ أَوِ التُّرَابِ، أَوْ كَالرَّدَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلأَِنَّهُ لاَ نَصَّ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِهَذَا، وَلاَ إِجْمَاعَ.
وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْجِمَاعِ، لأَِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الزَّجْرِ عَنْهُ أَمَسُّ، وَالْحُكْمُ فِي التَّعَدِّي بِهِ آكَدُ، وَلِهَذَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا وَيَخْتَصُّ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ دُونَ سَائِرِ مَحْظُورَاتِهِ، وَوُجُوبِ الْبَدَنَةِ، وَلأَِنَّهُ فِي الْغَالِبِ يُفْسِدُ صَوْمَ اثْنَيْنِ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ (167) .

وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالإِْكْرَاهِ عَلَى الْجِمَاعِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ إِذَا أُكْرِهَا عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.

أ - إِذَا كَانَ الْمُكْرَهُ رَجُلاً:
26 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الرَّجُل الْمُكْرَهِ عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ. الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الرَّجُل الْمُكْرَهِ عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (168) ، وَالْمَالِكِيَّةُ (169) ، وَالشَّافِعِيَّةُ (170) ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (171) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (172) .
وَبِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً أَوْ مَاحِيَةً لِلذَّنْبِ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا مَعَ إِكْرَاهٍ، لِعَدَمِ الإِْثْمِ فِيهِ (173) .
وَبِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ، لاِخْتِلاَفِهِمَا فِي وُجُودِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ (174) .
وَبِأَنَّ فَسَادَ الصَّوْمِ يَتَحَقَّقُ بِالإِْيلاَجِ، وَهُوَ مُكْرَهٌ فِيهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ كُل مَنِ انْتَشَرَتْ آلَتُهُ يُجَامِعُ (175) . الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الرَّجُل الْمُكْرَهِ عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ (176) ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (177) .
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكْتُ، قَال: مَا لَكَ؟ قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هَل تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَال: لاَ. قَال: فَهَل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَال: لاَ. قَال: فَهَل تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَال: لاَ. فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ الْمِكْتَل - قَال: أَيْنَ السَّائِل؟ فَقَال: أَنَا، قَال: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَال الرَّجُل: عَلَى أَفْقَرِ مِنِّي يَا رَسُول اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْل بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْل بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَال: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ (178) .
فَفِي الْحَدِيثِ دَلاَلَةٌ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى كُل مَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مُخْتَارًا كَانَ أَوْ مُكْرَهًا لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِل الأَْعْرَابِيَّ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ لاَسْتَفْصَلَهُ، لأَِنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لاَ يَجُوزُ، وَالسُّؤَال مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ، كَأَنَّهُ قَال: إِذَا وَاقَعْتَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فَكَفِّرْ (179) .
وَبِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَغَيْرُهُ كَالْحَجِّ (180) .
وَبِأَنَّ الإِْكْرَاهَ عَلَى الْوَطْءِ لاَ يُمْكِنُ، لأَِنَّهُ لاَ يَطَأُ حَتَّى يَنْتَشِرَ، وَلاَ يَنْتَشِرُ إِلاَّ عَنْ شَهْوَةٍ، فَكَانَ كَغَيْرِ الْمُكْرَهِ، لأَِنَّهُ مُلْتَذٌّ بِالْجِمَاعِ، لأَِنَّ الاِنْتِشَارَ أَمَارَةُ الاِخْتِيَارِ (181) .

ب - إِذَا كَانَ الْمُكْرَهُ امْرَأَةً:
27 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا أُكْرِهَتْ عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا إِذَا أُكْرِهَتْ عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (182) ، وَالشَّافِعِيَّةُ (183) ، وَالْحَنَابِلَةُ (184) ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ (185) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا فِعْلٌ، فَلَمْ تُفْطِرْ كَمَا لَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهَا مَاءٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا (186) .
وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرِ الأَْعْرَابِيَّ الَّذِي وَاقَعَ إِلاَّ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، مَعَ مِسَاسِ الْحَاجَةِ إِلَى الْبَيَانِ (187) . وَبِأَنَّ صَوْمَ الْمَرْأَةِ نَاقِصٌ، لأَِنَّهُ يُعْرَّضُ أَنْ يَبْطُل بِعُرُوضِ الْحَيْضِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كَامِل الْحُرْمَةِ، فَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ الْكَفَّارَةُ (188) .
وَبِأَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ تَعَلَّقَ بِهَا لأَُمِرَتْ بِإِخْرَاجِهِ (189) ، فَعَدَمُ أَمْرِهَا بِإِخْرَاجِهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُكْرَهَةِ عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَيَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ عَنْهَا.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (190) ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ (191) .
وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّ الزَّوْجَ بِإِكْرَاهِ زَوْجَتِهِ عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، أَوْجَبَ عَلَى الزَّوْجَةِ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهَا، فَيَتَحَمَّلُهُ هُوَ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عَنْهَا (192)
وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ
فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ النَّزْعِ فِي الْحَال مَعَ أَوَّل طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَبَيْنَ اسْتِدَامَةِ الْجِمَاعِ، وَخَصُّوا كُل حَالَةٍ بِأَحْكَامِهَا.

أ - النَّزْعُ مَعَ أَوَّل طُلُوعِ الْفَجْرِ:
28 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ نَزَعَ مَعَ أَوَّل طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَبِهِ قَال أَبُو حَفْصٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (193) . وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّزْعَ تَرْكٌ لِلْجِمَاعِ، فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ، لأَِنَّ مَا تَعَلَّقَ بِفِعْل شَيْءٍ لاَ يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل دَارًا وَهُوَ فِيهَا، فَخَرَجَ مِنْهَا، أَوْ حَلَفَ لاَ يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ عَلَيْهِ فَبَدَأَ يَنْزِعُهُ، فَلاَ يَحْنَثُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَبِأَنَّ الإِْنْزَال مِنْ مُبَاشَرَةٍ مُبَاحَةٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ قِصَاصًا فَمَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ.
وَبِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُسْتَطَاعُ الاِمْتِنَاعُ عَنْهُ، وَمِمَّا لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَكَانَ عَفْوًا (194) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَبِهِ قَال ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ، وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (195) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ فِي حَال النَّزْعِ مُبَاشِرٌ لِلْجِمَاعِ، لأَِنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ يُتَلَذَّذُ بِهِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالاِسْتِدَامَةِ (196) .

ب - اسْتِدَامَةُ الْجِمَاعِ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
29 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَاجِبِ عَلَى مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ، فَاسْتَدَامَ الْجِمَاعَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ: الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (197) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ مَنْعُ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَأَثِمَ بِهِ لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ فِي أَثَنَاءِ النَّهَارِ.
وَبِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْفِعْل هُنَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ كَفَّارَةٌ، فَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ بِاسْتِدَامَتِهِ، لِئَلاَّ يَخْلُوَ جِمَاعٌ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَمْدًا مِنْ كَفَّارَةٍ (198) .

الْقَوْل الثَّانِي: لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (199) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْفِطْرُ عَلَى وَجْهٍ تَتَكَامَل بِهِ الْجِنَايَةُ وَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ فِيمَا إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَهُوَ مُخَالِطٌ لأَِهْلِهِ، فَدَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ، لأَِنَّ شُرُوعَهُ فِي الصَّوْمِ لَمْ يَصِحَّ مَعَ الْمُجَامَعَةِ، وَالْفِطْرُ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَقَالُوا أَيْضًا: وَلَئِنْ كَانَ الْمُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ الْجِمَاعَ الْمُعْدِمَ لِلصَّوْمِ فَالْجِمَاعُ هُوَ إِدْخَال الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بَعْدَ التَّذَكُّرِ وَلاَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِدْخَال الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ الاِسْتِدَامَةُ وَذَلِكَ غَيْرُ الإِْدْخَال، أَلاَ تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل دَارًا وَهُوَ فِيهَا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ مَكَثَ فِي الدَّارِ سَاعَةً، فَهَذَا مِثْلُهُ (200) . ج - كَفَّارَةُ مَنْ جَامَعَ يَظُنُّ عَدَمَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
30 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ جَامَعَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ بَعْدُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ طَلَعَ، عَلَى مَذْهَبَيْنِ:

الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَبِهِ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ﵃، وَعَطَاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنُ (201) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (202) .
وَلأَِنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الْمَأْثَمِ وَهُوَ مَحْطُوطٌ عَنِ الْمُخْطِئِ (203) .
وَبِأَنَّهُ جَامَعَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَحِل لَهُ ذَلِكَ، وَكَفَّارَةُ الصَّوْمِ عُقُوبَةٌ تَجِبُ مَعَ الْمَأْثَمِ، فَلاَ تَجِبُ مَعَ اعْتِقَادِ الإِْبَاحَةِ كَالْحَدِّ، لأَِنَّهُ مَعْذُورٌ. وَأَنَّهُ بَنَى الأَْمْرَ عَلَى الأَْصْل، فَلاَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِتَصَوُّرِ الْجِنَايَةِ لأَِنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدِ انْتِهَاكَ حُرْمَةِ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ (204) .

الْمَذْهَبُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ (205) .
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْمُجَامِعِ الْمَذْكُورِ آنِفًا حَيْثُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّكْفِيرِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ وَلاَ تَفْصِيلٍ.
وَبِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعِ تَامٍّ، فَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ عَلِمَ (206) .

أَثَرُ الْعَارِضِ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ
31 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَمَّنْ جَامَعَ فِي أَوَّل النَّهَارِ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ، أَوْ كَانَتِ امْرَأَةٌ فَحَاضَتْ أَوْ نُفِسَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِحُدُوثِ الْعَارِضِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَبِهِ قَال اللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو ثَوْرٍ (207) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يُسْقِطْهَا كَالسَّفَرِ.
وَبِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ، فَاسْتَقَرَّتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ عُذْرٌ.
وَأَنَّهُ قَصَدَ هَتْكَ حُرْمَةِ الصَّوْمِ أَوَّلاً بِمَا فَعَل (208) .

الْقَوْل الثَّانِي: سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ بِحُدُوثِ الْعَارِضِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبِهِ قَال الثَّوْرِيّ، وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (209) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْمَرَضَ الطَّارِئَ يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الصَّوْمَ لَمْ يَقَعْ مُسْتَحَقًّا، لأَِنَّ الْمَرَضَ مَعْنًى يُوجِبُ تَغَيُّرَ الطَّبِيعَةِ إِلَى الْفَسَادِ، يَحْدُثُ أَوَّلاً فِي الْبَاطِنِ، ثُمَّ يَظْهَرُ أَثَرُهُ، فَلَمَّا مَرِضَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ الْمُرَخِّصُ مَوْجُودًا وَقْتَ الْفِطْرِ، فَمُنِعَ انْعِقَادُهُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ.
وَبِأَنَّ وُجُودَ أَصْل الْمَرَضِ شُبْهَةٌ، وَالْكَفَّارَةُ لاَ تَجِبُ مَعَهَا.
وَبِأَنَّ الْحَيْضَ دَمٌ يَجْتَمِعُ فِي الرَّحَمِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يَتَهَيَّأَ لِلْبُرُوزِ فَلَمَّا بَرَزَ مِنْ يَوْمِهِ، ظَهَرَ تَهَيُّؤُهُ وَيَجِبُ الْفِطْرُ، أَوْ تَهَيُّؤُ أَصْلِهِ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ. وَبِأَنَّ الْجُنُونَ يُنَافِي الصَّوْمَ، فَتَبَيَّنَ بِعُرُوضِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (210) .
إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ خَصُّوا ذَلِكَ بِالْعَارِضِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي لاَ صُنْعَ لَهُ فِيهِ وَلاَ فِي سَبَبِهِ فَإِنْ كَانَ الْعَارِضُ بِصُنْعِهِ كَالسَّفَرِ وَجُرْحِ نَفْسِهِ فَالْمُعْتَمَدُ لُزُومُهَا (211) .

وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ فِي صَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ
32 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، أَوْ فِي صَوْمٍ هُوَ كَفَّارَةُ الْجِمَاعِ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي صَوْمِ قَضَاءِ رَمَضَانَ، أَوْ صَوْمِ النَّذْرِ، عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (212) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَرَدَتْ فِي هَتْكِ حُرْمَةِ رَمَضَانَ، إِذْ لاَ يَجُوزُ إِخْلاَؤُهُ عَنِ الصَّوْمِ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الزَّمَانِ. وَبِأَنَّهُ جَامَعَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ جَامَعَ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ، وَيُفَارِقُ الْقَضَاءُ الأَْدَاءَ، لأَِنَّهُ مُتَعَيَّنٌ بِزَمَانٍ مُحْتَرَمٍ فَالْجِمَاعُ فِيهِ هَتْكٌ لَهُ، بِخِلاَفِ الْقَضَاءِ (213) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ قَضَاءَ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ، وَبِهِ قَال قَتَادَةُ (214) .
وَاسْتَدَل عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِالْمَعْقُول فَقَال: إِنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي أَدَائِهَا، فَوَجَبَتْ فِي قَضَائِهَا كَالْحَجِّ (215) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ عَامِدًا فِي نَذْرِ صَوْمِ الدَّهْرِ كُلِّهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَحْنُونٌ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَمَّا أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فِيمَا لاَ يُجْبَرُ بِقَضَاءٍ، أَشْبَهَ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ بِقَضَاءٍ، إِذْ قَدْ جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ لاَ يَقْضِيهِ بِصِيَامِ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ (216) .

تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ
33 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ تَكَرَّرَ جِمَاعُهُ فِي نَهَارِ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ رَمَضَانَ قَبْل تَكْفِيرِهِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً فِي يَوْمٍ آخَرَ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُكَفِّرْ.
كَمَا اخْتَلَفُوا فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً فِي نَفْسِ الْيَوْمِ، وَإِلَيْكَ مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:

أ - تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ وَلَمْ يُكَفِّرْ:
34 - إِذَا جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ يُكَفِّرْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: تَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل اللَّيْثِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ (217) .
وَقَدِ اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِأَنَّ صَوْمَ كُل يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، فَإِذَا وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهِ، لَمْ تَتَدَاخَل كَفَّارَاتُهَا، كَرَمَضَانَيْنِ، وَكَالْحَجَّتَيْنِ، وَكَالْعُمْرَتَيْنِ (218) .

الْقَوْل الثَّانِي: تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبِهِ قَال الزُّهْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ إِطْلاَقِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (219) . وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ بِأَنَّهَا جَزَاءٌ عَنْ جِنَايَاتٍ تَكَرَّرَ سَبَبُهَا قَبْل اسْتِيفَائِهَا فَيَجِبُ أَنْ تَتَدَاخَل كَالْحَدِّ (220) .

ب - تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فَكَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً فِي نَفْسِ الْيَوْمِ:
35 - إِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَكَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً فِي نَفْسِ الْيَوْمِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَلْزَمُهُ بِالْجِمَاعِ الثَّانِي عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْجِمَاعِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ (221)
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْجِمَاعَ الثَّانِي لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا مُنْعَقِدًا، وَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا كَالْجِمَاعِ فِي اللَّيْل، بِخِلاَفِ الْجِمَاعِ الأَْوَّل (222) .

الْقَوْل الثَّانِي: تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ (223) .
وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِيهَا، فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْوَطْءِ إِذَا كَانَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ كَالْحَجِّ.
وَبِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالأَْوَّل، وَفَارَقَ الْوَطْءَ فِي اللَّيْل فَإِنَّهُ غَيْرُ، مُحَرَّمٍ (224) .

مَنْ تَقَيَّأَ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ
36 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلاَ كَفَّارَةَ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ تَقَيَّأَ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ: الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَعَلْقَمَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ (225) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ (226) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ نَصٌّ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنِ اسْتَقَاءَ دُونَ الْكَفَّارَةِ، لأَِنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَبَيَّنَهَا الرَّسُول ﷺ لأَِنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لاَ يَجُوزُ.
وَبِأَنَّ الإِْفْطَارَ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَمْ يَتَحَقَّقْ صُورَةً فَقَصُرَتْ، فَانْتَفَتِ الْكَفَّارَةُ، لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ أَقْصَى عُقُوبَةً فِي الإِْفْطَارِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى كَمَال الْجِنَايَةِ، لأَِنَّ فِي نُقْصَانِهَا شُبْهَةَ الْعَدَمِ وَهِيَ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ (227) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَأَبُو ثَوْرٍ (228) .

رَابِعًا: مَحْظُورَاتُ الْحَجِّ أَوِ الإِْحْرَامِ
37 - قَدْ يَعْرِضُ لِقَاصِدِ الْحَجِّ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إِتْمَامِهِ أَوِ الإِْتْيَانِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الأَْكْمَل، كَمَرَضٍ أَوْ عُذْرٍ أَوْ مَوْتٍ، أَوْ فَوَاتِ وَقْتٍ أَوْ تَجَاوُزِ مِيقَاتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلِجَبْرِ ذَلِكَ شُرِعَتِ الْكَفَّارَةُ، وَالْكَفَّارَاتُ الْوَاجِبَةُ فِي ذَلِكَ إِمَّا مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَإِمَّا غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (الإِْحْرَامُ ف 145 - و 185 - وَإِحْصَارٌ ف 33 وَحَرَمٌ ف 13) .

تَعَدُّدُ الْجَزَاءِ بِتَعَدُّدِ الصَّيْدِ
38 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْرِيمِ قَتْل الصَّيْدِ وَالدَّلاَلَةِ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ، كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَل الصَّيْدَ، أَوِ اصْطَادَ أَوْ دَل عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ لِلنَّصِّ عَلَى ذَلِكَ (229) .
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعَدُّدِ الْجَزَاءِ بِتَعَدُّدِ الصَّيْدِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: فِي كُل صَيْدٍ جَزَاءٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (230) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ} . وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ: أَنَّهَا أَوْجَبَتِ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَامِدِ بِعُمُومِهَا، وَذِكْرُ الْعُقُوبَةِ فِي الثَّانِيَةِ لاَ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
فَأَثْبَتَ أَنَّ الْعَائِدَ لَوِ انْتَهَى كَانَ لَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ (231) .
يَقُول النَّوَوِيُّ: وَفِي هَذِهِ الآْيَةِ دَلاَلَتَانِ:

الأُْولَى: أَنَّ لَفْظَ الصَّيْدِ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِنْسِ، لأَِنَّ الأَْلِفَ وَاللاَّمَ يَدْخُلاَنِ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ، وَلَيْسَ فِي الصَّيْدِ مَعْهُودٌ، فَتَعَيَّنَ الْجِنْسُ وَأَنَّ الْجِنْسَ يَتَنَاوَل الْجُمْلَةَ وَالأَْفْرَادَ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ} يَعُودُ إِلَى جُمْلَةِ الْجِنْسِ وَآحَادِهِ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ} وَحَقِيقَةُ الْمُمَاثَلَةِ: أَنْ يَفْدِيَ الْوَاحِدَ بِوَاحِدٍ، وَالاِثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، وَالْمِائَةَ بِمِائَةٍ، وَلاَ يَكُونُ الْوَاحِدُ مِنَ النَّعَمِ مَثَلاً لِجَمَاعَةٍ صَيُودٌ (232) . وَقَالُوا إِنَّ الصَّيْدَ نَفْسٌ تُضْمَنُ بِالْكَفَّارَةِ، فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْقَتْل، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ كَقَتْل الآْدَمِيِّ (233) .
وَإِنَّهَا غَرَامَةُ مُتْلِفٍ يَجِبُ بِهِ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةُ، فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الإِْتْلاَفِ، كَمَا فِي الآْدَمِيِّ (234) .
وَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ قِيَاسُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى غَيْرِهِ، لأَِنَّ جَزَاءَهُ مُقَدَّرٌ بِهِ وَيَخْتَلِفُ بِصِغَرِهِ وَكِبَرِهِ، وَإِنَّمَا يُقَاسُ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ صَيْدَيْنِ مَعًا، حَيْثُ يَجِبُ جَزَاؤُهُمَا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَفَرَّقَا (235) .
قَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَلأَِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَتَل صَيْدَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَزِمَهُ جَزَاءَانِ، فَإِذَا تَكَرَّرَ قَتْلُهُمَا مَعًا، وَجَبَ تَكَرُّرُهُ بِقَتْلِهِمَا مُرَتَّبًا كَالْعَبْدَيْنِ وَسَائِرِ الأَْمْوَال (236) .

الْقَوْل الثَّانِي: يَجِبُ الْجَزَاءُ بِالصَّيْدِ الأَْوَّل دُونَ مَا بَعْدَهُ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَال شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: إِنْ كَفَّرَ عَنِ الأَْوَّل فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ لِلثَّانِي (237) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل} وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ وُجُوبَ الْجَزَاءِ عَلَى لَفْظِ " مَنْ ".
قَالُوا: وَمَا عُلِّقَ عَلَى لَفْظِ " مَنْ " لاَ يَقْتَضِي تَكْرَارًا، كَمَا لَوْ قَال: مَنْ دَخَل الدَّارَ فَلَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ مَنْ دَخَلَتِ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ فَإِذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ إِلاَّ دِرْهَمًا بِالدُّخُول الأَْوَّل، وَإِذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهَا لاَ يَقَعُ إِلاَّ طَلْقَةٌ بِالدُّخُول الأَْوَّل، فَلاَ يَتَكَرَّرُ الْجَزَاءُ بِتَكْرَارِ الْقَتْل، وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ، وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَى الْعَوْدِ غَيْرَ الاِنْتِقَامِ، إِذْ لَوْ كَانَ تَكَرُّرُ الْجَزَاءِ وَاجِبًا لَرَتَّبَهُ عَلَى الْعَوْدِ مَعَ الاِنْتِقَامِ، فَكَانَ عَدَمُ ذِكْرِهِ دَلِيلاً عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ وَتَكَرُّرِهِ.

صَيْدُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ:
39 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْل صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ جَزَاءَ فِيهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَالرِّوَايَةُ الأُْولَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (238) . وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عِيرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يَقْبَل اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلاَ عَدْلاً (239) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الْحَدِيثِ: أَنَّ الرَّسُول ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْمَدِينَةَ حَرَمٌ، وَبِأَنَّ كُل مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا اسْتَحَقَّ الطَّرْدَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَاسْتَحَقَّ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً، وَلَوْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ وَاجِبَةً لَذَكَرَهَا لأَِنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لاَ يَجُوزُ (240) .
وَبِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَعْطَى بَعْضَ الصِّبْيَانِ بِالْمَدِينَةِ طَائِرًا، فَطَارَ مِنْ يَدِهِ، فَجَعَل يَتَأَسَّفُ عَلَى ذَلِكَ، وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَل النُّغَيْرُ (241) - اسْمُ ذَلِكَ الطَّيْرِ وَهُوَ طَيْرٌ صَغِيرٌ مِثْل الْعُصْفُورِ - فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِصَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لِصَيْدِ الْمَدِينَةِ حُرْمَةُ الْحَرَمِ، لَمَا نَاوَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ. صَبِيًّا (242) . وَقَالُوا: إِنَّ هَذِهِ بُقْعَةٌ يَجُوزُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَلاَ يَجِبُ بِصَيْدِ حَرَمِهَا جَزَاءٌ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْبُلْدَانِ، بِخِلاَفِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَدْخُلَهُ إِلاَّ مُحْرِمًا (243) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِقَتْل صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (244) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَِهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ (245) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ: أَنَّ الرَّسُول ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ حَرَّمَ الْمَدِينَةَ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، فَيَجِبُ فِي قَتْل صَيْدِهِ الْجَزَاءُ كَمَا يَجِبُ فِي قَتْل صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ، لاِسْتِوَائِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ (246) .

تَعَدُّدُ الْجَزَاءِ بِقَتْل الصَّيْدِ وَالأَْكْل مِنْهُ:
40 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَل صَيْدًا أَوْ ذَبَحَهُ فَأَكَل مِنْهُ أَثِمَ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي الْجَزَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، إِذَا قَتَل صَيْدًا أَوْ ذَبَحَهُ فَأَكَل مِنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (247) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ، فَلَمْ يُضْمَنْ ثَانِيًا كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ الأَْكْل.
وَبِالْقِيَاسِ عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ إِذَا قَتَلَهُ أَوْ أَكَلَهُ.
وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، ثُمَّ أَكَل هَذَا مِنْهُ (248) .
وَبِأَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمَيْتَاتِ، لأَِنَّ الْمَيْتَةَ لاَ تُضْمَنُ بِالْجَزَاءِ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ الاِسْتِغْفَارَ (249) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَلَيْهِ جَزَاءَانِ:
وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ، وَعَطَاءٌ.
وَاسْتَدَلاَّ بِأَنَّ قَتْل هَذَا الصَّيْدِ مِنْ مَحْظُورَاتِ إِحْرَامِهِ، وَالْقَتْل غَيْرُ مَقْصُودٍ لِعَيْنِهِ بَل لِلتَّنَاوُل مِنَ الصَّيْدِ، فَإِذَا كَانَ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ إِحْرَامِهِ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ بِهِ، فَمَا هُوَ مَقْصُودٌ بِذَلِكَ أَوْلَى (250) .

مَنْشَأُ الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ:
وَيَرْجِعُ سَبَبُ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ إِلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي اعْتِبَارِ أَكْل الصَّيْدِ تَعَدِّيًا ثَانِيًا عَلَيْهِ سِوَى تَعَدِّي الْقَتْل أَمْ لاَ؟ وَإِذَا كَانَ تَعَدِّيًا فَهَل هُوَ مُسَاوٍ لِلتَّعَدِّي الأَْوَّل أَمْ لاَ؟ (251) .
وَقَدِ اسْتَدَل كُل فَرِيقٍ بِأَدِلَّةٍ تُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.

الْجَزَاءُ فِي إِتْلاَفِ بَيْضِ الصَّيْدِ:
41 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَمَانِ بَيْضِ الصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا كَسَرَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْجَزَاءِ فِيهِ (252) .
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (253) ، وَالْمَالِكِيَّةُ (254) ، وَالشَّافِعِيَّةُ (255) ، وَالْحَنَابِلَةُ (256) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِنَّ الْجَزَاءَ فِي إِتْلاَفِ الْمُحْرِمِ بَيْضَ الصَّيْدِ هُوَ الْقِيمَةُ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ ثَمَنُهُ (257) ، وَلأَِنَّ الْبَيْضَ لاَ مِثْل لَهُ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ لِكَوْنِهِ مَذَرًا فَلاَ شَيْءَ فِيهِ، إِلاَّ بَيْضَ النَّعَامِ فَإِنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْجَزَاءَ الْوَاجِبَ فِي إِتْلاَفِ بَيْضِ الصَّيْدِ هُوَ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ.

الْقَوْل الثَّانِي: لاَ جَزَاءَ فِي إِتْلاَفِ الْمُحْرِمِ بَيْضَ الصَّيْدِ، وَبِهِ قَال الْمُزَنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَاسْتَدَل بِأَنَّهُ لاَ رُوحَ فِيهِ فَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ (258) .

إِزَالَةُ الشَّعَرِ:
42 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْرِيمِ إِزَالَةِ الشَّعَرِ قَبْل التَّحَلُّل وَأَنَّهُ يَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ (وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ إِحْرَامٌ ف 155) .

مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِلُبْسِ الْمَخِيطِ، وَإِمَاطَةِ الأَْذَى مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ
43 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِلُبْسِ الْمَخِيطِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَإِمَاطَةِ الأَْذَى مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ: الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ (259) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَلَيْهِ دَمٌ فَقَطْ.
وَبِهِ قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (260) (وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ إِحْرَامٌ ف 152 - 159) .

الْكَفَّارَاتُ الْوَاجِبَةُ بِالْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ:
44 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْحَجِّ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَال فِي الْحَجِّ} .
كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ وَطِئَ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (261) ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَطِئَ مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ قَبْل أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ قَبْل التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ فِي الْفَرْجِ أَوْ دُونَهُ، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، أَنْزَل أَوْ لَمْ يُنْزِل. كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِمُبَاشَرَةِ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ مِنَ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَتَكْرَارِهِ وَغَيْرِهَا مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ (262) .
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمَا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا طَاوَعَتْهُ وَفِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ وَأَثَرِ النِّسْيَانِ وَالْجَهْل فِي سُقُوطِهَا.

وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَوْطُوءَةِ:
45 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا طَاوَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى الْوَطْءِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا كَمَا هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (263) ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ (264) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَال: اهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِ نَاقَةً. وَلأَِنَّهَا أَحَدُ الْمُتَجَامِعَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ، فَلَزِمَهَا الْكَفَّارَةُ كَالرَّجُل (265) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا، وَيُجْزِئُهُمَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (266) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يُوجِبْ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ كَحَالَةِ الإِْكْرَاهِ (267) .

تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ:
46 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانَ الْوَطْءُ الثَّانِي بَعْدَ التَّكْفِيرِ عَنِ الأَْوَّل (268) .
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ قَبْل التَّكْفِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ أَوْ دَوَاعِيهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (269) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ جِمَاعٌ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ، فَإِذَا تَكَرَّرَ قَبْل التَّكْفِيرِ عَنِ الأَْوَّل، لَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً ثَانِيَةً كَالصِّيَامِ.
وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الأَْوَّل، تَتَدَاخَل كَفَّارَتُهُ، كَمَا يَتَدَاخَل حُكْمُ الْمَهْرِ وَالْحَدِّ (270) .

الْقَوْل الثَّانِي: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ أَوْ دَوَاعِيهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (271) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ كُل وَطْءٍ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ بِانْفِرَادِهِ، فَأَوْجَبَهَا كَالْوَطْءِ الأَْوَّل.
وَأَنَّ الإِْحْرَامَ وَوُجُوبَ الْفِدْيَةِ بَاقِيَانِ بِارْتِكَابِ سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ، بِخِلاَفِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ بِالْجِمَاعِ الأَْوَّل قَدْ خَرَجَ عَنْهُ (272) .

أَثَرُ النِّسْيَانِ وَالْجَهْل فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ:
47 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَمَّنْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلاً لإِِحْرَامِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالْجَهْل أَوِ النِّسْيَانِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ (273) . وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْوَطْءَ لاَ يَكَادُ يَتَطَرَّقُ النِّسْيَانُ إِلَيْهِ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ.
وَأَنَّ الْجِمَاعَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، بِخِلاَفِ مَا دُونَهُ.
وَأَنَّهُ سَبَبٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ كَالْفَوَاتِ (274) -.
وَبِعَدِمِ الْقِيَاسِ فِيهِ عَلَى الصَّوْمِ، لأَِنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ يَحْصُل الْفِطْرُ فِيهِ قَبْل تَمَامِ حَقِيقَةِ الْجِمَاعِ، وَغَيْرُ الْجِمَاعِ فِي الصَّوْمِ لاَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِخُصُوصِ الْجِمَاعِ فَافْتَرَقَا (275) .
وَأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ، لأَِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الإِْحْرَامِ الرَّفَثُ وَالرَّفَثُ اسْمٌ لِلْجِمَاعِ، وَبِسَبَبِ النِّسْيَانِ لاَ يَنْعَدِمُ عَيْنُ الْجِمَاعِ، وَهَذَا لأَِنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِحَالَةِ مَا يَذْكُرُهُ، وَهُوَ هَيْئَةُ الْمُحْرِمِينَ، فَلاَ يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ كَمَا فِي الصَّلاَةِ إِذَا أَكَل أَوْ شَرِبَ، بِخِلاَفِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِحَالَةِ مَا يَذْكُرُهُ، فَجُعِل النِّسْيَانُ فِيهِ عُذْرًا فِي الْمَنْعِ مِنْ إِفْسَادِهِ، بِخِلاَفِ الْقِيَاسِ (276) .

الْقَوْل الثَّانِي: سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ عَنِ الْجَاهِل وَالنَّاسِي. وَبِهِ قَال الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ (277) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالْعَمْدِ وَالسَّهْوِ كَالصَّوْمِ (278) .

مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِدُونِ إِحْرَامٍ
48 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْرِيمِ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِدُونِ إِحْرَامٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْل تِلْكَ النَّاحِيَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، كَالشَّامِيِّ يَمُرُّ بِمِيقَاتِ الْمَدِينَةِ، وَسَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلاً، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إِلَيْهِ وَالإِْحْرَامُ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِدُونِ إِحْرَامٍ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ قَبْل أَنْ يُحْرِمَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِدُونِ إِحْرَامٍ ثُمَّ أَحْرَمَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَلَيْهِ الدَّمُ مُطْلَقًا، أَيْ وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَبِهِ قَال زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (279) . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ (280) ، وَلأَِنَّهُ أَحْرَمَ دُونَ مِيقَاتِهِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الدَّمُ كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ.
وَلأَِنَّ وُجُوبَ الدَّمِ بِجِنَايَتِهِ عَلَى الْمِيقَاتِ بِمُجَاوَزَتِهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ، وَجِنَايَتُهُ لاَ تَنْعَدِمُ بِعَوْدِهِ فَلاَ يَسْقُطُ الدَّمُ الَّذِي وَجَبَ (281) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ إِنْ أَحْرَمَ وَتَلَبَّسَ بِنُسُكٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ وَرَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ سَقَطَ الدَّمُ عَنْهُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى سُقُوطِ الدَّمِ إِذَا لَمْ يَتَلَبَّسْ بِنُسُكٍ بِأَنَّهُ قَطَعَ الْمَسَافَةَ مِنَ الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا وَأَدَّى الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا بَعْدَهُ فَكَانَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْهُ.
وَبِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا عِنْدَ الْمِيقَاتِ لاَ أَنْ يُنْشِئَ الإِْحْرَامَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ قَبْل أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمِيقَاتِ ثُمَّ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ مُحْرِمًا وَلَمْ يُلَبِّ عِنْدَ الْمِيقَاتِ لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ إِذَا عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ وَلَمْ يُلَبِّ لأَِنَّهُ تَدَارَكَ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُحْرِمًا عِنْدَ الْمِيقَاتِ (282) .
وَعَلَّلُوا عَدَمَ سُقُوطِ الدَّمِ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ بِأَنَّ النُّسُكَ تُؤَدَّى بِإِحْرَامٍ نَاقِصٍ (283) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ إِنْ رَجَعَ قَبْل أَنْ يَتَلَبَّسَ بِأَعْمَال الْحَجِّ وَلَبَّى، فَإِنْ تَلَبَّسَ أَوْ رَجَعَ وَلَمْ يُلَبِّ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ (284) ، وَاسْتَدَل بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال لِذَلِكَ الرَّجُل: ارْجِعْ إِلَى الْمِيقَاتِ وَإِلاَّ فَلاَ حَجَّ لَكَ.
وَلأَِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمِيقَاتِ حَلاَلاً وَجَبَ عَلَيْهِ التَّلْبِيَةُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ وَالإِْحْرَامِ، فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ بِالْمُجَاوَزَةِ حَتَّى أَحْرَمَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ عَادَ فَإِنْ لَبَّى فَقَدْ أَتَى بِجَمِيعِ مَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ، وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ فَلَمْ يَأْتِ بِجَمِيعِ مَا اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ.
وَهَذَا بِخِلاَفِ مَنْ أَحْرَمَ قَبْل أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمِيقَاتِ، لأَِنَّ مِيقَاتَهُ هُنَاكَ مَوْضِعُ إِحْرَامِهِ، وَقَدْ لَبَّى عِنْدَهُ، فَقَدْ خَرَجَ الْمِيقَاتُ الْمَعْهُودُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِيقَاتًا لِلإِْحْرَامِ فِي حَقِّهِ، فَلِهَذَا لاَ يَضُرُّهُ تَرْكُ التَّلْبِيَةِ عِنْدَهُ، بِخِلاَفِ مَا نَحْنُ فِيهِ (285) .

وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ غَسَل رَأْسَهُ بِالْخَطْمِيِّ وَالسِّدْرِ:
49 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ اغْتِسَال الْمُحْرِمِ بِالْمَاءِ وَالاِنْغِمَاسِ فِيهِ لِلنَّصِّ (286) .
كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي كَرَاهِيَةِ غَسْل الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بِالسِّدْرِ وَالْخَطْمِيِّ وَنَحْوِهِمَا.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ غَسَل رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِهِمَا أَوْ بِأَيِّهِمَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالثَّوْرِيُّ (287) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَهُ بَعِيرُهُ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ - أَوْ قَال: ثَوْبَيْهِ - وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا (288) فَقَدْ أَمَرَ الرَّسُول ﷺ بِغَسْلِهِ بِالسِّدْرِ مَعَ إِثْبَاتِ حُكْمِ الإِْحْرَامِ فِي حَقِّهِ، وَالْخَطْمِيُّ كَالسِّدْرِ، فَلاَ فِدْيَةَ فِي غَسْل الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ بِهِمَا.
وَقَالُوا إِنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، فَلَمْ تَجِبِ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ كَالتُّرَابِ (289) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (290) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْخَطْمِيَّ مِنَ الطِّيبِ، فَلَهُ رَائِحَةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَكِيَّةً، وَهُوَ يَقْتُل الْهَوَامَّ. أَيْضًا فَتَتَكَامَل الْجِنَايَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ (291) .

شَمُّ الْعُصْفُرِ وَاسْتِعْمَالُهُ
50 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِاسْتِعْمَال الْعُصْفُرِ أَوْ مَا صُبِغَ بِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِاسْتِعْمَال الْعُصْفُرِ أَوْ مَا صُبِغَ بِهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَعَقِيل بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ ﵃ (292) . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَاكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ، مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ حُلِيٍّ أَوْ سَرَاوِيل، أَوْ خُفٍّ أَوْ قَمِيصٍ (293) .
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يُحْرِمْنَ فِي الْمُعَصْفَرَاتِ (294) . فَقَدْ أَبَاحَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَلْبَسَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ الْمُعَصْفَرَةِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لاَ فِدْيَةَ فِي لُبْسِهِ (295) .
وَلأَِنَّهُ قَوْل جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَلأَِنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، فَلَمْ يُكْرَهْ مَا صُبِغَ بِهِ كَالسَّوَادِ وَالْمَصْبُوغِ بِالْمُغْرَةِ، وَلاَ يُقَاسُ عَلَى الْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طِيبٌ بِخِلاَفِ مَسْأَلَتِنَا. الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِاسْتِعْمَال الْعُصْفُرِ أَوْ مَا صُبِغَ بِهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ (296) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقِسِيِّ الْمُعَصْفَرِ (297) .
وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُوَرَّسِ وَالْمُزَعْفَرِ، لأَِنَّهُ صَبْغٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ (298) .

وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِلُبْسِ السَّرَاوِيل عِنْدَ عَدَمِ الإِْزَارِ
51 - الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْقُمُصِ وَالْعَمَائِمِ وَالسَّرَاوِيلاَتِ وَالْخِفَافِ وَالْبَرَانِسِ وَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ، لأَِنَّهُ فِعْلٌ مَحْظُورٌ فِي الإِْحْرَامِ فَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ كَالْحَلْقِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيل عِنْدَ عَدَمِ الإِْزَارِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ (299) . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ يَقُول: مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيل (300) . وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الإِْبَاحَةِ، ظَاهِرٌ فِي إِسْقَاطِ الْفِدْيَةِ، لأَِنَّهُ أَمَرَ بِلُبْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ فِدْيَةً.
كَمَا يَقْتَضِي تَجْوِيزَ اللُّبْسِ عِنْدَ فَقْدِ الإِْزَارِ، وَالأَْصْل فِي مُبَاشَرَةِ الْجَائِزَاتِ نَفْيُ الْمُؤَاخَذَةِ، فَدَل هَذَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِاسْتِعْمَال السَّرَاوِيل لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الإِْزَارِ (301) .
وَقَالُوا: لُبْسُ السَّرَاوِيل مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ (الإِْزَارِ) فَلَمْ تَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ عَدِمَ النَّعْلَيْنِ، فَإِنَّ لَهُ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ، وَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِالاِتِّفَاقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمِ لُبْسِ الْقَمِيصِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الرِّدَاءَ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ، فَلاَ ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، بِخِلاَفِ الإِْزَارِ فَإِنَّهُ يَجِبُ لُبْسُهُ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ عَدَل إِلَى السَّرَاوِيل وَلأَِنَّ السَّرَاوِيل لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ، وَيُمْكِنَهُ أَنْ يَرْتَدِيَ الْقَمِيصَ (لِذَا قُلْنَا) لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِالسَّرَاوِيل لَمْ يَجُزْ لُبْسُهُ (302) .
وَقَالُوا إِنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ مُطْلَقًا عَنْ لُبْسِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَيُحْمَل الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ.

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ (303) .
وَاسْتَدَلُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى لُبْسِ الْقَمِيصِ، فَكَمَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الرِّدَاءَ وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِهِ، فَكَذَا السَّرَاوِيل إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِْزَارَ فَإِنَّهُ تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ (304) .

لُبْسُ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ
52 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْطَعْهُمَا إِذَا لَبِسَهُمَا لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ، وَفِي وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ. وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ لِعَدَمِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ
53 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْطَعِ الْخُفَّيْنِ عِنْدَ لُبْسِهِمَا لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِعَدَمِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَال عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ (305) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً سَأَل النَّبِيَّ ﷺ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَال ﷺ: إِلاَّ أَحَدٌ لاَ يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ (306) .
وَهُوَ نَصٌّ فِي وُجُوبِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَطْعِهِمَا، وَالأَْمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَإِذَا لَمْ يَقْطَعْهُ فَقَدْ خَالَفَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، كَمَا أَنَّهُ تَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ (307) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِعَدَمِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ:
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ علي بن أبي طالب ﵄ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ (308) .
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: السَّرَاوِيل لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الإِْزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ (309) .
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيل (310) .
فَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، وَالسَّرَاوِيل لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الإِْزَارَ، فَدَل هَذَا بِعُمُومِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْطَعِ الْخُفَّيْنِ، إِذَا لَبِسَهُمَا عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْل عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: قَطْعُ الْخُفَّيْنِ فَسَادٌ، يَلْبَسُهُمَا كَمَا هُمَا.
وَقَالُوا إِنَّهُ مَلْبُوسٌ أُبِيحَ لِعَدَمِ غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ السَّرَاوِيل.
وَإِنْ قَطَعَهُ لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ حَالَةِ الْحَظْرِ، فَإِنَّ لُبْسَ الْمَقْطُوعِ مُحَرَّمٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ كَلُبْسِ الصَّحِيحِ.
وَإِنَّ فِي الْقَطْعِ إِتْلاَفَ الْمَال وَإِضَاعَتَهُ (311) ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال (312) .

لُبْسُ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ
54 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِلُبْسِ الْمَقْطُوعِ مَعَ وُجُودِ النَّعْل.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ (313) . وَاسْتَدَلُّوا بِالأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ ﵃، فَقَدْ شَرَطَ النَّبِيُّ ﷺ فِي إِبَاحَةِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ عَدَمَ النَّعْلَيْنِ، فَدَل هَذَا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اللُّبْسُ مَعَ وُجُودِهِمَا.
وَقَالُوا: إِنَّهُ مَخِيطٌ لِعُضْوٍ عَلَى قَدْرِهِ، فَوَجَبَتْ عَلَى الْمُحْرِمِ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ كَالْقُفَّازَيْنِ، وَلأَِنَّهُ يُتْرِفُهُ بِلُبْسِ الْخُفَّيْنِ فِي دَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالأَْذَى، فَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ (314) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِلُبْسِ الْمَقْطُوعِ مَعَ وُجُودِ النَّعْل.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبِهِ قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ (315) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ صَارَ كَالنَّعْل بِدَلِيل عَدَمِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ بِالْقَطْعِ صَارَ فِي مَعْنَى النَّعْلَيْنِ لأَِنَّهُ لاَ يَسْتُرُ الْكَعْبَ (316) .

لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ
55 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الرَّجُل بِلُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا لَبِسَتِ الْقُفَّازَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِلُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَإِسْحَاقُ (317) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تَنْتَقِبُ الْمُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ (318) .
وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي حَال إِحْرَامِهَا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَيْهَا، لأَِنَّهَا لَبِسَتْ مَا نُهِيَتْ عَنْ لُبْسِهِ فِي الإِْحْرَامِ، فَلَزِمَتْهَا الْفِدْيَةُ كَالنِّقَابِ (319) .
وَقَالُوا: إِنَّ الْيَدَ عُضْوٌ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُهُ فِي الصَّلاَةِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهَا سَتْرُهُ فِي الإِْحْرَامِ كَالْوَجْهِ.
وَإِنَّ الرَّجُل لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ كَشْفُ رَأْسِهِ تَعَلَّقَ حُكْمُ إِحْرَامِهِ بِغَيْرِهِ، فَمُنِعَ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ، كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَمَّا لَزِمَهَا كَشْفُ وَجْهِهَا، يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ حُكْمُ الإِْحْرَامِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ، وَهُوَ الْيَدَانِ.
وَإِنَّ الإِْحْرَامَ تَعَلَّقَ بِيَدِهَا تَعَلُّقَهُ بِوَجْهِهَا، لأَِنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ (320) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا لَبِسَتِ الْقُفَّازَيْنِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وعَائِشَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵃، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ (321) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَال: إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا (322) .
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ الَّذِي يَجِبُ كَشْفُهُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ هُوَ وَجْهُهَا، وَهَذَا يَدُل عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِتَغْطِيَةِ مَا عَدَا الْوَجْهَ لأَِنَّهُ خَصَّ الْوَجْهَ بِالْحُكْمِ، فَدَل عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلاَفِهِ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُلْبِسُ بَنَاتَهُ الْقُفَّازَيْنِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ.
وَقَالُوا: إِنَّهُ عُضْوٌ يَجُوزُ سَتْرُهُ بِغَيْرِ الْمَخِيطِ، فَجَازَ سَتْرُهُ بِهِ كَالرِّجْلَيْنِ (323) .

تَخْمِيرُ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ
56 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا، كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الرَّجُل الْمُحْرِمَ لاَ يُخَمِّرُ رَأْسَهُ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الرَّجُل الْمُحْرِمِ بِتَخْمِيرِ وَجْهِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِتَخْمِيرِ الْوَجْهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَابِرٍ ﵃ وَالْقَاسِمِ وَطَاوُسٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ (324) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَإِحْرَامُ الرَّجُل فِي رَأْسِهِ (325) .
وَبِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ آنِفًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي الرَّجُل الَّذِي وَقَصَهُ بَعِيرُهُ: خَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ (326) .
وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵄ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانُوا يُخَمِّرُونَ وُجُوهَهُمْ وَهُمْ حُرُمٌ (327) .
وَبِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَال: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةٍ أُرْجُوَانٍ (328) .
يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: فَبِهَذَا عَمِل عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَهُوَ قَوْل غَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَمَّيْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا (329) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِتَخْمِيرِ الْوَجْهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (330) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلاً وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ - وَهُوَ مُحْرِمٌ - فَوَقَصَتْهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي (331) . فَهُوَ نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُحْرِمَ لاَ يُغَطِّي رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ، فَمَنْ فَعَل خِلاَفَ ذَلِكَ يَكُونُ مُرْتَكِبًا لِمَحْظُورٍ تَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ (332) .
وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ مَا فَوْقَ الذَّقْنِ مِنَ الرَّأْسِ لاَ يُخَمِّرُهُ الْمُحْرِمُ (333) .
وَقَالُوا: إِنَّ الْمَرْأَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَغْطِيَةُ وَجْهِهَا فِي إِحْرَامِهَا، فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ (334) .

خَامِسًا - كَفَّارَةُ الظِّهَارِ
57 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ الْحُرَّ إِذَا قَال لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يَكُونُ مُظَاهِرًا مِنْهَا، وَيَلْزَمُهُ لِلْعَوْدِ إِلَيْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ.
كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالظِّهَارِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَرْطٍ إِلاَّ إِذَا تَحَقَّقَ الشَّرْطُ.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِكَلِمَاتٍ يَكُونُ مُظَاهِرًا مِنْهُنَّ جَمِيعًا.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ فَكَفَّرَ ثُمَّ ظَاهَرَ. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ عَلَى تَوَافُرِ شَرْطِ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَاءِ الْكَفَّارَةِ.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ قَبْل التَّكْفِيرِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ جَامَعَ قَبْل التَّكْفِيرِ يَكُونُ آثِمًا وَعَاصِيًا لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ اللَّهِ ﷿ {مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (ظِهَارٌ ف 8 وَمَا بَعْدَهَا) .

وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا ظَاهَرَتْ مِنْ زَوْجِهَا
58 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا ظَاهَرَتْ مِنْ زَوْجِهَا كَأَنْ تَقُول لِزَوْجِهَا: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي، أَوْ تَقُول: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلاَنًا فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي، وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا لِعَدَمِ صِحَّةِ الظِّهَارِ مِنْهَا.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالثَّوْرِيُّ وَسَالِمٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ (335) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ: أَنَّ الْخِطَابَ فِيهَا مُوَجَّهٌ لِلرِّجَال، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ، لأَِنَّ اللَّهَ ﷿ قَال: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ} وَلَمْ يَقُل: وَاللاَّئِي تُظَاهِرْنَ مِنْكُمْ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ إِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ بِالرِّجَال (336) .
وَقَالُوا إِنَّ الظِّهَارَ قَوْلٌ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ فِي الزَّوْجَةِ، وَيَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ، لأَِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنِّكَاحِ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُل دُونَ الْمَرْأَةِ، لأَِنَّهَا لاَ تَمْلِكُ التَّحْرِيمَ بِالْقَوْل كَالطَّلاَقِ (337) .
وَأَضَافُوا إِنَّ الْحَل وَالْعَقْدَ (التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيمَ) فِي النِّكَاحِ بِيَدِ الرِّجَال وَلَيْسَ بِيَدِ الْمَرْأَةِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَهُوَ حَقٌّ لِلرَّجُل، فَلَمْ تَمْلِكِ الْمَرْأَةُ إِزَالَتَهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (338) .

الْقَوْل الثَّانِي: إِنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
قَال الْقَاضِي: لاَ تَكُونُ مُظَاهِرَةً رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْكَفَّارَةِ.
فَنَقَل عَنْهُ جَمَاعَةٌ: عَلَيْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ لِمَا رَوَى الأَْثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قَالَتْ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي، فَسَأَلَتُ أَهْل الْمَدِينَةِ فَرَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ، وَلأَِنَّهَا زَوْجٌ أَتَى بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْل وَالزُّورِ فَلَزِمَهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ: لَيْسَ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ، لأَِنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ وَلَيْسَ بِظِهَارٍ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ، عَلَيْهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ: قَال ابْنُ قُدَامَةَ وَهَذَا أَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأَشْبَهُ بِأُصُولِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ، وَمُجَرَّدُ الْقَوْل مِنَ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ لاَ يُوجِبُ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ (339) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: إِنَّهُ ظِهَارٌ وَعَلَيْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، وَهَذَا قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، لأَِنَّ الْمَعْنَى فِي جَانِبِ الرَّجُل تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي جَانِبِهَا، وَالْحِل مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا (340) .

سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ بِالاِسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ:
59 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالاِسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ فِي الظِّهَارِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ بِالاِسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ فِي الظِّهَارِ وَعَدَمِ انْعِقَادِهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ (341) وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى فَإِنْ شَاءَ مَضَى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ غَيْرَ حِنْثٍ (342) .
وَفِي لَفْظٍ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَال: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى فَلاَ حِنْثَ عَلَيْهِ (343) .
وَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ يَدُل بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّ قَصْدَ التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ يَمْنَعُ الاِنْعِقَادَ فِي الطَّلاَقِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الأَْيْمَانِ لأَِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الظِّهَارِ عَلَى الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى بِجَامِعِ التَّكْفِيرِ فِي كُلٍّ، وَلَمَّا كَانَتِ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى يَصِحُّ الاِسْتِثْنَاءُ فِيهَا وَيُمْنَعُ انْعِقَادُهَا، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ.

الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالاِسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ فِي الظِّهَارِ لاِنْعِقَادِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (344) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الطَّلاَقَ وَالْعِتَاقَ وَالْمَشْيَ وَالصَّدَقَةَ، وَكَذَلِكَ الظِّهَارُ، لَيْسَتْ أَيْمَانًا شَرْعِيَّةً، بَل هِيَ إِلْزَامَاتٌ، بِدَلِيل أَنَّ حُرُوفَ الْقَسَمِ لاَ تَدْخُل عَلَيْهَا وَأَنَّ الْحَلِفَ بِهَا مَمْنُوعٌ، فَلَوْ قَال: يَلْزَمُهُ الطَّلاَقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. لَزِمَهُ وَلاَ اعْتِبَارَ لِمَشِيئَتِهِ (345) .

سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ فِي الظِّهَارِ الْمُؤَقَّتِ
60 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ فِي الظِّهَارِ الْمُؤَقَّتِ كَأَنْ يَقُول الزَّوْجُ: أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرًا، أَوْ حَتَّى يَنْسَلِخَ الشَّهْرُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (ظِهَارٌ ف 6) .

تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الظِّهَارِ
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ مِرَارًا وَلَمْ يُكَفِّرْ، وَفِي تَعَدُّدِهَا، عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ أَوْ بِكَلِمَاتٍ.
أ - تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ مِرَارًا وَلَمْ يُكَفِّرْ
61 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ مِرَارًا وَلَمْ يُكَفِّرْ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ مِرَارًا وَلَمْ يُكَفِّرْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ فِي مَجَالِسَ، نَوَى بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ أَوِ الاِسْتِئْنَافَ أَوْ أَطْلَقَ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَطَاوُسٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ 17 وَابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ (346) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} .
فَفِيهَا دَلاَلَةٌ عَلَى عَدَمِ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ مِرَارًا، لأَِنَّهَا عَامَّةٌ تَتَنَاوَل مَنْ ظَاهَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمَنْ ظَاهَرَ مِرَارًا كَثِيرَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّكْفِيرَ الْوَاحِدَ كَافٍ فِي الظِّهَارِ، سَوَاءٌ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَمْ مِرَارًا كَثِيرَةً (347) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يُؤَثِّرْ تَحْرِيمًا فِي الزَّوْجَةِ، لأَِنَّهَا قَدْ حَرُمَتْ بِالْقَوْل الأَْوَّل، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى (348) .
وَأَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَفَّارَةٌ، فَإِذَا كَرَّرَهُ كَفَاهُ وَاحِدَةٌ، كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى (349) .

الْقَوْل الثَّانِي: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ مِرَارًا وَلَمْ يُكَفِّرْ إِذَا لَمْ يَرِدْ بِهِ التَّأْكِيدُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَقَتَادَةَ (350) .
وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} .
وَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ: أَنَّهَا تُفِيدُ تَعَدُّدَ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الظِّهَارِ لأَِنَّهَا تَقْتَضِي كَوْنَ الظِّهَارِ عِلَّةً لإِِيجَابِ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا وُجِدَ الظِّهَارُ الثَّانِي وُجِدَتْ عِلَّةُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَهَذَا الظِّهَارُ الثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْكَفَّارَةِ الأُْولَى، أَوْ لِكَفَّارَةٍ ثَانِيَةٍ وَالأَْوَّل بَاطِلٌ لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ الأُْولَى وَجَبَتْ بِالظِّهَارِ الأَْوَّل، فَتَكْوِينُ الْكَائِنِ مُحَالٌ، كَمَا أَنَّ تَأَخُّرَ الْعِلَّةِ عَنِ الْحُكْمِ مُحَالٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الظِّهَارَ الثَّانِيَ يُوجِبُ كَفَّارَةً ثَانِيَةً (351) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الظِّهَارِ عَلَى الطَّلاَقِ، فَإِذَا نَوَى الاِسْتِئْنَافَ تَعَلَّقَ بِكُل مَرَّةٍ حُكْمٌ كَالطَّلاَقِ (352) .
وَأَنَّ كُل ظِهَارٍ يُوجِبُ تَحْرِيمًا لاَ يَرْتَفِعُ إِلاَّ بِالْكَفَّارَةِ، فَيَجِبُ فِي كُل ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ (353) .
وَأَنَّ تَكْرَارَ الظِّهَارِ فِي امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَتَكْرَارِ الْيَمِينِ، فَكَمَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ كُل يَمِينٍ كَفَّارَةً، فَكَذَلِكَ يَجِبُ بِاعْتِبَارِ كُل ظِهَارٍ كَفَّارَةً (354) .
وَإِنَّمَا اشْتَرَطُوا أَنْ لاَ يَقْصِدَ بِهِ التَّأْكِيدَ، لأَِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يُكَرِّرُ اللَّفْظَ، وَيَقْصِدُ بِهِ التَّغْلِيظَ وَالتَّشْدِيدَ دُونَ إِرَادَةِ التَّجْدِيدِ.
وَلأَِنَّ الظِّهَارَ لاَ يُوجِبُ نُقْصَانَ الْعَدَدِ فِي الطَّلاَقِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِطَلاَقٍ وَلاَ يُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يُوجِبُ زَوَال الْمِلْكِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ قَبْل التَّكْفِيرِ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ (355) .
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ كَرَّرَ لَفْظَ الظِّهَارِ فِي امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ تَكْرِيرًا مُتَّصِلاً وَقَصَدَ بِهِ تَأْكِيدًا فَظِهَارٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ اسْتِئْنَافًا فَالأَْظْهَرُ الْجَدِيدُ التَّعَدُّدُ، وَإِنْ فَصَل بَيْنَ أَلْفَاظِ الظِّهَارِ الْمُكَرَّرِ وَقَصَدَ بِتَكْرِيرِ الظِّهَارِ اسْتِئْنَافًا فَالأَْظْهَرُ التَّعَدُّدُ وَكَذَا لَوْ قَصَدَ تَأْكِيدًا فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَل فِي الأَْصَحِّ (356) .

ب - تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ
62 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَعُرْوَةَ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَرَبِيعَةَ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ (357) .
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ التَّعَدُّدِ بِمَا إِذَا لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ وَإِلاَّ تَعَدَّدَتْ (358) .
وَاسْتَدَل هَذَا الْفَرِيقُ بِمَا حُكِيَ مِنْ عُمُومِ قَوْل عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃ حَيْثُ قَالاَ: إِذَا كَانَ تَحْتَ الرَّجُل أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَظَاهَرَ مِنْهُنَّ يُجْزِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ - ﵃ جَمِيعًا - وَرَوَاهُ الأَْثْرَمُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃ وَلاَ نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، فَكَانَ إِجْمَاعًا (359) .
وَقَالُوا: إِنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجِبْ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى (360) . وَإِنَّ الظِّهَارَ كَلِمَةٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهَا الْكَفَّارَةُ، فَإِذَا وُجِدَتْ فِي جَمَاعَةٍ أَوْجَبَتْ كَفَّارَةً وَاحِدَةً كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى (361) .
وَإِنَّ الظِّهَارَ هَاهُنَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ تَرْفَعُ حُكْمَهَا وَتَمْحُو إِثْمَهَا، فَلاَ يَبْقَى لَهَا حُكْمٌ (362) .

الْقَوْل الثَّانِي: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ النِّسْوَةِ اللاَّئِي ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى الأَْنْصَارِيُّ وَالْحَكَمُ وَالثَّوْرِيُّ (363) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّهَا أَفَادَتْ تَعَدُّدَ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ اللَّوَاتِي ظَاهَرَ مِنْهُنَّ، لأَِنَّهَا تَقْتَضِي كَوْنَ الظِّهَارِ عِلَّةً لإِِيجَابِ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا وُجِدَ الظِّهَارُ وُجِدَتْ عِلَّةُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ اللَّوَاتِي ظَاهَرَ مِنْهُنَّ.
وَبَيَانُهُ: أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنْ هَذِهِ، فَلَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بِسَبَبِ هَذَا الظِّهَارِ، وَظَاهَرَ أَيْضًا مِنَ الثَّانِيَةِ، فَالظِّهَارُ الثَّانِي لاَ بُدَّ وَأَنْ يُوجِبَ كَفَّارَةً أُخْرَى وَهَكَذَا (364) .
وَقَالُوا إِنَّ الظِّهَارَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا يَرْتَفِعُ بِالْكَفَّارَةِ، فَإِذَا أَضَافَهُ إِلَى مَحَالٍّ مُخْتَلِفَةٍ، يَثْبُتُ فِي كُل مَحِلٍّ حُرْمَةٌ لاَ تَرْتَفِعُ إِلاَّ بِالْكَفَّارَةِ كَالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلاَثِ لَمَّا كَانَتْ تُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَقَّتَةً تَرْتَفِعُ بِزَوْجٍ آخَرَ، فَإِذَا أَوْجَبَهَا فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، تَثْبُتُ فِي حَقِّ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حُرْمَةٌ لاَ تَرْتَفِعُ إِلاَّ بِزَوْجٍ (365) .
وَإِنَّ الظِّهَارَ وَإِنْ كَانَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهَا تَتَنَاوَل كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى حِيَالِهَا، فَصَارَ مُظَاهِرًا مِنْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَالظِّهَارُ لاَ يَرْتَفِعُ إِلاَّ بِالْكَفَّارَةِ، فَإِذَا تَعَدَّدَ التَّحْرِيمُ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ (366) .
وَإِنَّهُ وَجَبَ الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ فِي حَقِّ كُل امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ عَنْ كُل وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهَا بِهِ (367) .

ج - تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَاتٍ
63 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَاتٍ، كَأَنْ قَال لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَاتٍ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ.
وَبِهِ قَال عُرْوَةُ وَعَطَاءٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالْحَكَمُ وَيَحْيَى الأَْنْصَارِيُّ، وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الأَْمْصَارِ (368) .
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ الأَْرْبَعِ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَإِنْ لَمْ يُوَالِهَا كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهُنَّ لِوُجُودِ لَفْظِ الظِّهَارِ الصَّرِيحِ، فَإِنْ أَمْسَكَهُنَّ زَمَنًا يَسَعُ طَلاَقَهُنَّ فَعَائِدٌ مِنْهُنَّ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ لِوُجُودِ الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ فِي حَقِّ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
وَإِنْ وَالاَهَا صَارَ بِظِهَارِ الثَّانِيَةِ عَائِدًا فِي الأُْولَى، وَبِظِهَارِ الثَّالِثَةِ عَائِدًا فِي الثَّانِيَةِ وَبِظِهَارِ الرَّابِعَةِ عَائِدًا فِي الثَّالِثَةِ، فَإِنْ فَارَقَ الرَّابِعَةَ عَقِبَ ظِهَارِهَا فَعَلَيْهِ ثَلاَثُ كَفَّارَاتٍ، وَإِلاَّ فَأَرْبَعٌ (369) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُتَكَرِّرَةٌ عَلَى أَعْيَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَكَانَ لِكُل وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ كَفَّرَ ثُمَّ ظَاهَرَ.
وَأَنَّهَا أَيْمَانٌ لاَ يَحْنَثُ فِي إِحْدَاهَا بِالْحِنْثِ فِي الأُْخْرَى، فَلاَ تُكَفِّرُهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَالأَْصْل.
وَأَنَّ الظِّهَارَ مَعْنًى يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، فَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِهِ فِي الْمَحَال الْمُخْتَلِفَةِ كَالْقَتْل (370) .

الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ
قَال أَبُو بَكْرٍ: هُوَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا، وَقَال: هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ اتِّبَاعًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَرَبِيعَةَ وَقَبِيصَةَ (&# x662 ;) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ تَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهَا كَالْحَدِّ (371) .

د - تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ قَبْل التَّكْفِيرِ
64 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ قَبْل التَّكْفِيرِ، وَعَدَمِ تَعَدُّدِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ قَبْل التَّكْفِيرِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَمُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَالنَّخَعِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُذَيْنَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ (372)
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} .
فَهَذِهِ الآْيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ قَبْل التَّكْفِيرِ لأَِنَّهَا أَفَادَتْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُظَاهِرِ كَفَّارَةٌ قَبْل الْعَوْدِ، فَإِذَا جَامَعَ قَبْل التَّكْفِيرِ فَقَدْ فَاتَتْ صِفَةُ الْقَبْلِيَّةُ، فَيَبْقَى أَصْل الْوُجُوبِ، وَلأَِنَّهُ لاَ دَلاَلَةَ فِيهَا عَلَى أَنَّ تَرْكَ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، يُوجِبُ كَفَّارَةً أُخْرَى (373) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا قَبْل أَنْ يُكَفِّرَ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَال: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، فَقَال لَهُ الرَّسُول ﷺ: فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ عَنْكَ (374) . فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي عَدَمِ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ قَبْل التَّكْفِيرِ، لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ أَمَرَهُ بِاعْتِزَال زَوْجَتِهِ حَتَّى يُكَفِّرَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِتَكْرَارِ التَّكْفِيرِ لِجِمَاعِهِ زَوْجَتِهِ قَبْل أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ ظِهَارِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّرَ تَكْفِيرًا وَاحِدًا (375) ، إِذْ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ مُتَعَدِّدًا لَبَيَّنَهُ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.

الْقَوْل الثَّانِي: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ قَبْل التَّكْفِيرِ.
وَبِهِ قَال عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَابْنُ شِهَابٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ (376) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ الأُْولَى لِلظِّهَارِ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ الْعَوْدُ، وَالثَّانِيَةُ وَجَبَتْ لِلْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، كَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
وَبِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَدَّدُ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى إِقْدَامِهِ عَلَى الْحَرَامِ (377) . وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ دُونَ الْعَوْدِ
65 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ دُونَ الْعَوْدِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ دُونَ الْعَوْدِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَأَبُو عُبَيْدٍ (378) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ: أَنَّهَا نَصٌّ فِي مَعْنَى وُجُوبِ تَعَلُّقِ الْكَفَّارَةِ بِالْعَوْدِ، لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ فِي الآْيَةِ بِأَمْرَيْنِ هُمَا: ظِهَارٌ وَعَوْدٌ، فَلاَ تَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا (379) .
وَبِقِيَاسِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَكَمَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ إِنَّمَا تَلْزَمُ بِالْمُخَالَفَةِ أَوْ بِإِرَادَةِ الْمُخَالَفَةِ، فَكَذَلِكَ الأَْمْرُ فِي الظِّهَارِ (380) .
وَبِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الظِّهَارِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَلاَ يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْحِنْثِ كَسَائِرِ الأَْيْمَانِ، وَالْحِنْثُ فِيهَا هُوَ الْعَوْدُ (381) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ دُونَ الْعَوْدِ
وَبِهِ قَال طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ (382) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ: أَنَّهَا تُفِيدُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ، لأَِنَّ اللَّهَ ﷿ قَال: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} وَالْعَوْدُ: هُوَ الْعَوْدُ بِالظِّهَارِ فِي الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ مَعْنَى الآْيَةِ: أَنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلاَقَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَنُسِخَ تَحْرِيمُهُ بِالْكَفَّارَةِ (383) .
وَقَالُوا: إِنَّ الظِّهَارَ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ، وَقَدْ وُجِدَ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ (384) وَأَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ الْعُلْيَا، فَوَجَبَ أَنْ يُوجِبَهَا بِنَفْسِهِ لاَ بِمَعْنًى زَائِدٍ، تَشْبِيهًا بِكَفَّارَةِ الْقَتْل وَالْفِطْرِ (385) .
وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ لِقَوْل الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ، وَهَذَا يَحْصُل بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ (386) .

الْعَوْدُ الْمُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ
66 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْعَوْدِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: الْعَهْدُ: هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبِهِ قَال الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ (387) .

الْقَوْل الثَّانِي: الْعَوْدُ هُوَ الْوَطْءُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِهِ (388) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: الْعَهْدُ: هُوَ أَنْ يُمْسِكَهَا فِي النِّكَاحِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ فِيهِ مُفَارَقَتَهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (389) .

الْقَوْل الرَّابِعُ: الْعَوْدُ: هُوَ تَكْرَارُ لَفْظِ الظِّهَارِ وَإِعَادَتُهُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بُكَيْرُ بْنُ الأَْشَجِّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَهُوَ قَوْل الْفَرَّاءِ (390) . وَقَدِ اسْتَدَل أَصْحَابُ الْقَوْل الأَْوَّل: بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ أَنَّهَا نَصٌّ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى الْوَطْءِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَال: إِذَا عَزَمْتَ عَلَى الْوَطْءِ فَكَفِّرْ قَبْلَهُ (391) ، كَمَا قَال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} .
وَقَالُوا: إِنَّهُ قَصَدَ بِالظِّهَارِ تَحْرِيمَهَا، فَالْعَزْمُ. عَلَى وَطْئِهَا عَوْدٌ فِيمَا قَصَدَ.
وَإِنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ، فَإِذَا أَرَادَ اسْتِبَاحَتَهَا فَقَدْ رَجَعَ فِي ذَلِكَ التَّحْرِيمِ، فَكَانَ عَائِدًا (392) .
وَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الظِّهَارِ هُوَ أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِيهِ، إِنَّمَا يَكُونُ بِإِرَادَتِهِ الْعَوْدَةَ إِلَى مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالظِّهَارِ، وَهُوَ الْوَطْءُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْعَوْدَةُ إِمَّا الْوَطْءُ نَفْسُهُ، أَوِ الْعَزْمُ عَلَيْهِ وَإِرَادَتُهُ (393) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الْقَوْل الثَّانِي: بِأَنَّ الْعَوْدَ فِعْلٌ ضِدُّ قَوْلِهِ، وَمِنْهُ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ هُوَ الرَّاجِعُ فِي الْمَوْهُوبِ، وَالْعَائِدُ فِي عِدَتِهِ: التَّارِكُ لِلْوَفَاءِ بِهَا، وَالْعَائِدُ فِيهَا نَهْيٌ عَنْهُ: فَاعِل الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، قَال تَعَالَى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} فَالْمُظَاهِرُ مُحَرِّمٌ لِلْوَطْءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَانِعٌ لَهَا مِنْهُ، فَالْعَوْدُ فِعْلُهُ (394) ، أَيْ فِعْل الْوَطْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِظِهَارِهِ.
وَبِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ، فَلاَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهَا، وَهُوَ فِعْل مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ كَسَائِرِ الأَْيْمَانِ وَإِنَّمَا تَجِبُ بِالْوَطْءِ، لأَِنَّهَا يَمِينٌ تَقْتَضِي تَرْكَ الْوَطْءِ، فَلاَ تَجِبُ كَفَّارَتُهَا إِلاَّ بِهِ كَالإِْيلاَءِ (395) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الْقَوْل الثَّالِثِ: بِأَنَّهُ لَمَّا ظَاهَرَ فَقَدْ قَصَدَ التَّحْرِيمَ، فَإِنْ وَصَل ذَلِكَ بِالطَّلاَقِ، فَقَدْ تَمَّمَ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ التَّحْرِيمِ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، فَإِذَا سَكَتَ عَنِ الطَّلاَقِ، فَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنَ التَّحْرِيمِ، فَحِينَئِذٍ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (396) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الْقَوْل الرَّابِعِ: بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} .
وَهَذِهِ الآْيَةُ تَدُل عَلَى أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ إِعَادَةُ مَا فَعَلُوهُ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالتَّكْرَارِ، لأَِنَّ الْعَوْدَ فِي الشَّيْءِ إِعَادَتُهُ (397) . وَقَالُوا إِنَّ الَّذِي يُعْقَل مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ فِي الْعَوْدِ إِلَى الشَّيْءِ، إِنَّمَا هُوَ فِعْل مِثْلِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، كَمَا قَال تَعَالَى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} ، كَمَا أَنَّ الْعَوْدَ فِي الْقَوْل عِبَارَةٌ عَنْ تَكْرَارِهِ، قَال تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ} فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} أَيْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْقَوْل الأَْوَّل فَيُكَرِّرُونَهُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ عَوْدَهُمْ لِمَا نُهُوا عَنْهُ، هُوَ إِتْيَانُهُمْ مَرَّةً ثَانِيَةً بِمِثْل مَا نُهُوا عَنْهُ، وَمَا فَعَلُوهُ أَوَّل مَرَّةٍ (398) .

شُرُوطُ الْكَفَّارَةِ
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِلْكَفَّارَةِ شُرُوطًا عَامَّةً وَأُخْرَى خَاصَّةً تَتَعَلَّقُ بِكُل سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِهَا:

أَوَّلاً: الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ فِي الْكَفَّارَاتِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْكَفَّارَاتِ عُمُومًا شُرُوطٌ، مِنْهَا:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: النِّيَّةُ:
67 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْكَفَّارَةِ لِصِحَّتِهَا وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَا ظِهَارٍ فَأَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ لاَ يَنْوِي عَنْ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا جَازَ عَنْهُمَا، وَكَذَا إِذَا صَامَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَطْعَمَ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِسْكِينًا جَازَ، لأَِنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى نِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُمَا رَقَبَةً وَاحِدَةً أَوْ صَامَ شَهْرَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَل ذَلِكَ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لأَِنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْمُتَّحِدِ غَيْرُ مُفِيدٍ فَتَلْغُو وَفِي الْجِنْسِ الْمُخْتَلِفِ مُفِيدٌ، وَقَال زُفَرُ لاَ يَجْزِيهِ عَنْ أَحَدِهِمَا فِي الْفَصْلَيْنِ (399) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ أَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ عَنْ كَفَّارَتَيْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ فِطْرٍ فِي رَمَضَانَ وَأَشْرَكَ بَيْنَهُمَا فِي كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَمْ يُجْزِهِ.
وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً عَنْ كَفَّارَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَامَ عَنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى يَصُومَ عَنْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شَهْرَيْنِ، وَقَدْ قِيل: إِنَّ ذَلِكَ يَجْزِيهِ.
وَلَوْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ إِحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةً أُخْرَى، وَلَوْ عَيَّنَ الْكَفَّارَةَ عَنْ إِحْدَاهُمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَبْل أَنْ يُكَفِّرَ الْكَفَّارَةَ عَنِ الأُْخْرَى، وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَأَعْتَقَ عَنْهُنَّ ثَلاَثَ رِقَابٍ، وَصَامَ شَهْرَيْنِ، لَمْ يُجْزِهِ الْعِتْقُ وَلاَ الصِّيَامُ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا صَامَ عَنْ كُل وَاحِدَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ كَفَّرَ عَنْهُنَّ بِالإِْطْعَامِ جَازَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُنَّ مِائَتَيْ مِسْكِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَرَّقَ بِخِلاَفِ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ، لأَِنَّ صِيَامَ الشَّهْرَيْنِ لاَ يُفَرَّقُ وَالإِْطْعَامُ يُفَرَّقُ (400) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْكَفَّارَةِ نِيَّةُ الْكَفَّارَةِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْعِتْقَ أَوِ الصَّوْمَ أَوِ الإِْطْعَامَ عَنِ الْكَفَّارَةِ لأَِنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ يَجِبُ تَطْهِيرًا كَالزَّكَاةِ، وَالأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهَا بِأَنْ تُقَيَّدَ بِظِهَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ فِي زَكَاةِ الْمَال تَعْيِينُ الْمَال الْمُزَكَّى بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ بَل تَكْفِي نِيَّةُ أَصْلِهَا، فَلَوْ أَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ وَكَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ قَتْلٍ وَظِهَارٍ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا، وَإِنْ أَعْتَقَ وَاحِدَةً وَقَعَتْ عَنْ إِحْدَاهُمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ تَعْيِينُهَا فِي النِّيَّةِ كَالصَّلاَةِ لأَِنَّهَا فِي مُعْظَمِ خِصَالِهَا نَازِعَةٌ إِلَى الْغَرَامَاتِ فَاكْتُفِيَ فِيهَا بِأَصْل النِّيَّةِ (401) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُجْزِئُ إِطْعَامٌ وَعِتْقٌ وَصَوْمٌ إِلاَّ بِنِيَّةٍ، بِأَنْ يَنْوِيَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (402) ، وَلأَِنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيل الطُّهْرَةِ فَافْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ كَالزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَنَوَى عَنْ كَفَّارَتَيْنِ أَجْزَأَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَعْيِينُ سَبَبِهَا سَوَاءٌ عَلِمَهُ أَوْ جَهِلَهُ، لأَِنَّ النِّيَّةَ تَعَيَّنَتْ لَهَا، وَلأَِنَّهُ نَوَى عَنْ كَفَّارَتِهِ وَلاَ مُزَاحِمَ لَهَا فَوَجَبَ تَعْلِيقُ النِّيَّةِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجِبْ تَعْيِينُ سَبَبِهَا فَلَوْ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْ أَرْبَعٍ فَأَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ أَجْزَأَهُ عَنْ إِحْدَاهُنَّ وَحَلَّتْ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، لأَِنَّهُ وَاجِبٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَأَجْزَأَتْهُ نِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَخْرُجُ بِقُرْعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهِ، فَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ مِنْ ثَلاَثِ نِسْوَةٍ فَأَعْتَقَ عَنْ ظِهَارِ إِحْدَاهُنَّ وَصَامَ عَنْ ظِهَارِ أُخْرَى لِعَدَمِ مَنْ يُعْتِقُهُ وَمَرِضَ فَأَطْعَمَ ظِهَارَ أُخْرَى أَجْزَأَهُ لِمَا تَقَدَّمَ وَحَل لَهُ الْجَمِيعُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ وَلاَ تَعْيِينٍ، لأَِنَّ التَّكْفِيرَ حَصَل عَنِ الثَّلاَثِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْكَفَّارَاتُ مِنْ أَجْنَاسٍ كَظِهَارٍ وَقَتْلٍ وَجِمَاعٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَيَمِينٍ لَمْ يَجِبْ تَعْيِينُ السَّبَبِ أَيْضًا، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ فَلَمْ تَفْتَقِرْ صِحَّةُ أَدَائِهَا إِلَى تَعْيِينِ سَبَبِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ. وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ مِنْ ظِهَارٍ بِأَنْ قَال لِكُل مِنْ زَوْجَتَيْهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ مِنْ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ فَقَال: أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ هَذِهِ الزَّوْجَةِ أَوْ أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ هَذِهِ الزَّوْجَةِ الأُْخْرَى، أَوْ قَال: أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَهَذَا عَنْ كَفَّارَةِ الْقَتْل. أَجْزَأَهُ، أَوْ قَال أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْإِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ وَأَعْتَقْتُ هَذَا عَنِ الْكَفَّارَةِ الأُْخْرَى مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَجْزَأَهُ لِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ أَعْتَقَهُمَا أَيِ الْعَبْدَيْنِ عَنِ الْكَفَّارَتَيْنِ مَعًا أَوْ قَال أَعْتَقْتُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ عَنْهُمَا أَيِ الْكَفَّارَتَيْنِ جَمِيعًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ (403) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: الْقُدْرَةُ:
68 - يُشْتَرَطُ قُدْرَةُ الْمُكَفِّرِ عَلَى التَّكْفِيرِ، لأَِنَّ إِيجَابَ الْفِعْل عَلَى غَيْرِ الْقَادِرِ مُمْتَنِعٌ.
فَإِذَا كَانَتِ الْكَفَّارَةُ مُرَتَّبَةً فَلاَ يُجْزِئُهُ الاِنْتِقَال مِنْ خَصْلَةٍ إِلَى مَا بَعْدَهَا حَتَّى يَعْجِزَ عَنِ الأُْولَى، فَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً مَثَلاً لاَ يُجْزِئُهُ الاِنْتِقَال عَنِ الْعِتْقِ إِلَى الصِّيَامِ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ الصِّيَامَ لاَ يُمْكِنُهُ الاِنْتِقَال إِلَى الإِْطْعَامِ وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعْتَبَرُ الْمُكَفِّرُ فِيهِ قَادِرًا أَوْ عَاجِزًا عَنِ التَّكْفِيرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَظْهَرِ الأَْقْوَال إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الْمُعْتَبَرَ لِلْقُدْرَةِ وَالْيَسَارَ هُوَ وَقْتُ الأَْدَاءِ، قَالُوا: لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ عِبَادَةٌ لَهَا بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا فَاعْتُبِرَ حَال أَدَائِهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الْمُعْتَبَرَ هُوَ وَقْتُ الْوُجُوبِ، لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرَةِ، فَكَانَ الاِعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ (404) .

ثَانِيًا: شُرُوطُ الْكَفَّارَاتِ الْخَاصَّةِ
تَخْتَلِفُ هَذِهِ الشُّرُوطُ بِاخْتِلاَفِ أَسْبَابِهَا وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ:

شُرُوطُ وُجُوبِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ:
69 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُلُوغَ وَالْعَقْل وَالاِنْعِقَادَ شُرُوطٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْيَمِينِ فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، لأَِنَّ الْقَلَمَ - أَيِ التَّكْلِيفَ - مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا لِقَوْلِهِ ﷺ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبَرَ (405) .
كَمَا لاَ كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ لَغَا فِي يَمِينِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ} (406) وَالْمُرَادُ بِالْعَقْدِ الْقَصْدُ.
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الإِْسْلاَمِ، وَالاِخْتِيَارِ، وَالْعَمْدِ، هَل تُعْتَبَرُ شُرُوطًا لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَمْ لاَ؟ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (أَيْمَانٌ ف 51 - 54) شُرُوطُ وُجُوبِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ
70 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُلُوغَ وَالْعَقْل شَرْطَانِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُظَاهِرِ، لأَِنَّ عَبَّارَةَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَغْوٌ فَلاَ تَكُونُ مُوجِبَةً لَهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ وَعَلَى الْمُكْرَهِ وَغَيْرِ الْعَامِدِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (ظِهَارٌ ف 16، 21)

شُرُوطُ وُجُوبِ كَفَّارَةِ الْقَتْل الْخَطَأِ
مِنَ الشُّرُوطِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مَا يَلِي:

أ - الإِْسْلاَمُ
71 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الإِْسْلاَمِ فِي الْقَاتِل لإِِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ، وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَاتِل، لأَِنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَالْكَفَّارَةُ مِنْ فُرُوعِهَا (407) . ب - الْبُلُوغُ وَالْعَقْل:
72 - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ وَالْعَقْل فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَاتِل، فَتَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عِنْدَهُمْ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ فَتَجِبُ فِي مَالِهِمَا، فَيُعْتِقُ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا مِنْ مَالِهِمَا وَلاَ يَصُومُ بِحَالٍ، وَإِنْ صَامَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ أَجْزَأَهُ.
وَلأَِنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَيْ جَعَل الشَّيْءَ سَبَبًا، فَالشَّارِعُ جَعَل الْقَتْل سَبَبًا لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَالصَّوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَلَمْ يَجْعَل ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ، فَالصَّبِيُّ أَهْلٌ لِلصَّوْمِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَل.
وَقَالُوا: إِنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ لَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لأَِنَّ سَبَبَهَا قَوْلٌ وَالْقَوْل غَيْرُ مُعْتَبَرٍ مِنْهُمَا، بِخِلاَفِ كَفَّارَةِ الْقَتْل فَإِنَّ سَبَبَهَا فِعْلٌ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ مِنَ الْجَمِيعِ (408) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْبُلُوغَ وَالْعَقْل شَرْطَانِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى الْقَاتِل الصَّبِيِّ أَوِ الْمَجْنُونِ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا وَلأَِنَّ الْقَتْل مَعْدُومٌ مِنْهُمَا حَقِيقَةً (409) . ج - الاِخْتِيَارُ:
73 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ هَذَا الشَّرْطِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَاتِل أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا، وَأَنَّهَا لاَ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِل الْمُكْرَهِ لأَِنَّهُ مَسْلُوبُ الإِْرَادَةِ (410) ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (411) ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى نَفْيِ الإِْثْمِ عَنِ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْطِئِ، وَنَفْيُ الإِْثْمِ يُوجِبُ نَفْيَ الْكَفَّارَةِ، لأَِنَّهَا شُرِعَتْ لِمَحْوِهِ.
الثَّانِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ الاِخْتِيَارُ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُكْرَهِ لأَِنَّهُ بَاشَرَ الْقَتْل، وَلأَِنَّ الْكَفَّارَةَ عِبَادَةٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا (412) .

د - الْحُرِّيَّةُ فِي الْقَاتِل:
74 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ اشْتِرَاطَ حُرِّيَّةِ الْقَاتِل لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ لأَِنَّ الْعَبْدَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْكَفَّارَةِ، لأَِنَّهُ وَمَا مَلَكَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ، وَالصَّوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ يُضْعِفُهُ فَيَضُرُّ بِسَيِّدِهِ (413) .
الثَّانِي: يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ حُرِّيَّةُ الْقَاتِل لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ فَتَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْعَبْدِ كَمَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ (414) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} الآْيَةَ (415) ، فَالآْيَةُ عَامَّةٌ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الأَْحْرَارِ وَالْعَبِيدِ لأَِنَّ " مَنْ " مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَلاَ تُخَصَّصُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ.

شُرُوطُ وُجُوبِ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ
75 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْسْلاَمَ وَالْبُلُوغَ وَالْعَقْل شُرُوطٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِسَبَبِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، لأَِنَّ الْكَافِرَ لاَ يُعْتَبَرُ صَوْمُهُ شَرْعًا وَالْمَجْنُونُ كَذَلِكَ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ صَوْمُهُ لَكِنَّهُ لاَ يَعْقِل حُرْمَةَ هَذَا الشَّهْرِ (416) .
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ رَمَضَانَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَلاَ تَجِبُ فِي غَيْرِهِ كَقَضَائِهِ أَوْ صَوْمِ النَّذْرِ وَنَحْوِهِ، لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْحُرْمَةُ مَوْجُودَةً فِي غَيْرِهِ (417) .
76 - وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَمْدِ وَالاِخْتِيَارِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَمْدَ وَالاِخْتِيَارَ شَرْطَانِ فِي وُجُوبِهَا، فَلَمْ يُوجِبُوا الْكَفَّارَةَ بِالْجِمَاعِ الْحَادِثِ عَلَى وَجْهِ الإِْكْرَاهِ أَوِ الْخَطَأِ (418) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَمْدِ وَالاِخْتِيَارِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَتَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِل السَّائِل عَنْ حَالِهِ وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لاَسْتَفْصَلَهُ (419) .
وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ أَسْبَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ (ف 25 - 27) .

مَا يُشْتَرَطُ لإِِجْزَاءِ الْكَفَّارَاتِ
وَهِيَ الشُّرُوطُ الَّتِي يَجِبُ تَوَافُرُهَا فِي أَفْرَادِ الْكَفَّارَاتِ حَتَّى تَكُونَ مُجْزِئَةً. الشُّرُوطُ الْخَاصَّةُ بِالإِْطْعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ:
أَوَّلاً: مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ:
77 - التَّمْلِيكُ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ التَّمْلِيكِ فِي الإِْطْعَامِ إِلَى فَرِيقَيْنِ:

الْفَرِيقُ الأَْوَّل: وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَكُونَ الإِْطْعَامُ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ، كَكُل الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ فَإِذَا قَدَّمَ الْمُكَفِّرُ الطَّعَامَ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ عَلَى وَجْهِ الإِْبَاحَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ التَّكْفِيرَ وَاجِبٌ مَالِيٌّ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ لِيَتَمَكَّنَ الْفَقِيرُ مِنْ أَخْذِهِ، وَالْقَوْل بِالإِْبَاحَةِ وَالتَّمْكِينِ لاَ يُفِيدُ ذَلِكَ، حَيْثُ إِنَّ الْفَقِيرَ قَدْ يَأْخُذُ حَقَّهُ كَامِلاً وَقَدْ لاَ يَأْخُذُهُ لاَ سِيَّمَا وَأَنَّ كُل مِسْكِينٍ يَخْتَلِفُ عَنِ الآْخَرِ صِغَرًا وَكِبَرًا، جُوعًا وَشِبَعًا.
وَأَنَّ الطَّعَامَ عَلَى سَبِيل الإِْبَاحَةِ يَهْلِكُ عَلَى مِلْكِ الْمُكَفِّرِ وَلاَ كَفَّارَةَ بِمَا هَلَكَ فِي مِلْكِهِ (420) .

الْفَرِيقُ الثَّانِي: وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَشْتَرِطُونَ تَمْلِيكَ الطَّعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ، بَل الشَّرْطُ هُوَ التَّمْكِينُ، فَيَكْفِي عِنْدَهُمْ دَعْوَةُ الْمَسَاكِينِ إِلَى قُوتِ يَوْمٍ - غَدَاءً وَعَشَاءً - فَإِذَا حَضَرُوا وَتَغَدَّوْا وَتَعَشَّوْا كَانَ ذَلِك مُجْزِئًا (421) . وَاسْتَدَلُّوا. بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (422) وَالإِْطْعَامُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلتَّمْكِينِ مِنَ الطَّعَامِ لاَ أَنْ يَمْتَلِكَهُ، وَالْمَسْكَنَةُ: الْحَاجَةُ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى أَكْل الطَّعَامِ دُونَ تَمَلُّكِهِ.
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} (423) ، وَالإِْطْعَامُ لِلأَْهْل يَكُونُ عَلَى سَبِيل الإِْبَاحَةِ لاَ عَلَى سَبِيل التَّمَلُّكِ.

ثَانِيًا: مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارُ:
78 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُعْطَى كُل مِسْكِينٍ مُدًّا وَاحِدًا مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، وَلاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ قِيمَةِ الطَّعَامِ عَمَلاً بِنَصِّ الآْيَةِ {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} .
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يُنْقِصَ الْحِصَصَ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى عِشْرِينَ مِسْكِينًا عَشْرَةَ أَمْدَادٍ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُ مُدٍّ إِلاَّ أَنْ يُكْمِل لِعَشَرَةٍ مِنْهُمْ مَا نَقَصَ.
كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الإِْطْعَامُ لِلْعَشَرَةِ فَلاَ يَصِحُّ التَّلْفِيقُ، فَلَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً وَكَسَا خَمْسَةً لاَ يُجْزِئُ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يُعْطِيَ الْمُدَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْعَشَرَةِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ، وَلاَ يُجْزِئُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَكَرُّرُ الإِْعْطَاءِ لِوَاحِدٍ، فَلَوْ أَطْعَمَ وَاحِدًا عَشْرَةَ أَمْدَادٍ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ لاَ يُجْزِئُهُ (424) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُعْطَى لِكُل مِسْكِينٍ مُدَّانِ أَيْ نِصْفُ صَاعٍ (425) مِنَ الْقَمْحِ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ مِنَ النُّقُودِ أَوْ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ بِالْقِيمَةِ.
أَمَّا مِقْدَارُ طَعَامِ الإِْبَاحَةِ عِنْدَهُمْ: فَأَكْلَتَانِ مُشْبِعَتَانِ، أَيْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُغَدِّيَ كُل مِسْكِينٍ وَيُعَشِّيَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَشَّاهُمْ وَسَحَّرَهُمْ، أَوْ غَدَّاهُمْ غَدَاءَيْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، لأَِنَّهُمَا أَكْلَتَانِ مَقْصُودَتَانِ.
أَمَّا إِذَا غَدَّى وَاحِدًا، وَعَشَّى وَاحِدًا آخَرَ لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَرَّقَ طَعَامَ الْعَشْرَةِ عَلَى عِشْرِينَ، وَهُوَ لاَ يَصِحُّ.
كَذَلِكَ يَشْتَرِطُونَ أَنْ لاَ يُعْطِيَ الْكَفَّارَةَ كُلَّهَا لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً عَلَى عَشْرِ مَرَّاتٍ.
أَمَّا لَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا عَشْرَةَ أَيَّامٍ غَدَاءً وَعَشَاءً، أَوْ أَعْطَى مِسْكِينًا وَاحِدًا عَشْرَةَ أَيَّامٍ كُل يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ جَازَ لأَِنَّ تَجَدُّدَ الْحَاجَةِ كُل يَوْمٍ يَجْعَلُهُ كَمِسْكِينٍ آخَرَ فَكَأَنَّهُ صَرَفَ الْقِيمَةَ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ (426) .

ثَالِثًا: مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ:
79 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُجْزِئَ فِي الإِْطْعَامِ هُوَ الْبُرُّ، أَوِ الشَّعِيرُ، أَوِ التَّمْرُ، دَقِيقُ كُل وَاحِدٍ كَأَصْلِهِ كَيْلاً أَيْ نِصْفُ صَاعٍ فِي دَقِيقِ الْبُرِّ وَصَاعٌ فِي دَقِيقِ الشَّعِيرِ، وَقِيل: الْمُعْتَبَرُ فِي الدَّقِيقِ الْقِيمَةُ، لاَ الْكَيْل، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الأَْصْنَافِ (427) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْطْعَامَ يَكُونُ مِنَ الْقَمْحِ إِنِ اقْتَاتُوهُ، فَلاَ يُجْزِئُ غَيْرُهُ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِنِ اقْتَاتُوا غَيْرَ الْقَمْحِ فَمَا يَعْدِلُهُ شِبَعًا لاَ كَيْلاً (428) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْطْعَامَ يَكُونُ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، لأَِنَّ الأَْبْدَانَ تَقُومُ بِهَا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ (429) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الإِْطْعَامُ مِنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، وَدَقِيقِهِمَا وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلاَ يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قُوتَ بَلَدِهِ إِلاَّ إِذَا عُدِمَتْ تِلْكَ الأَْقْوَاتُ (430) .
وَلاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (431) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} (432) .

رَابِعًا: الْمُسْتَحِقُّ لِلإِْطْعَامِ:
80 - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَحَل الْمُنْصَرَفِ إِلَيْهِ الطَّعَامُ شُرُوطًا مِنْهَا:
أ - أَنْ لاَ يَكُونَ مَنْ تُصْرَفُ إِلَيْهِ الْكَفَّارَةُ مِمَّنْ يَلْزَمُ الْمُكَفِّرَ نَفَقَتُهُ، كَالأُْصُول وَالْفُرُوعِ، لأَِنَّ الْقَصْدَ إِشْعَارُ الْمُكَفِّرِ بِأَلَمٍ حِينَ يُخْرِجُ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ كَفَّارَةً عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يَتَحَقَّقُ إِذَا أَطْعَمَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
ب - أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ، فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِطْعَامُ الْكَافِرِ مِنَ الْكَفَّارَاتِ ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ - وَمُحَمَّدٌ إِعْطَاءَ فُقَرَاءِ أَهْل الذِّمَّةِ مِنَ الْكَفَّارَاتِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} (433) ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَغَيْرِهِ.
ج - أَنْ لاَ يَكُونَ هَاشِمِيًّا، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل لَهُمْ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ خُمُسِ الْغَنَائِمِ (434) .

مَا يُشْتَرَطُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْكِسْوَةِ:
81 - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِلتَّكْفِيرِ بِالْكِسْوَةِ شُرُوطًا مُجْمَلُهَا - عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي بَعْضِهَا - مَا يَلِي: أ - أَنْ تَكُونَ الْكِسْوَةُ عَلَى سَبِيل التَّمْلِيكِ.
ب - أَنْ تَكُونَ الْكِسْوَةُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا، فَلَوْ كَانَ الثَّوْبُ قَدِيمًا أَوْ جَدِيدًا رَقِيقًا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُجْزِئُ.
ج - أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُسَمَّى كِسْوَةً، فَتُجْزِئُ الْمُلاَءَةُ وَالْجُبَّةُ وَالْقَمِيصُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلاَ تُجْزِئُ الْعِمَامَةُ وَلاَ السَّرَاوِيل عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ لاَبِسَهَا لاَ يُسَمَّى مُكْتَسِيًا عُرْفًا بَل يُسَمَّى عُرْيَانًا خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ أَجَازُوا الْكِسْوَةَ بِالْعِمَامَةِ وَالسَّرَاوِيل، لأَِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْكِسْوَةِ.
د - أَنْ يُعْطَى لِلْمَرْأَةِ ثَوْبًا سَاتِرًا وَخِمَارًا يُجْزِئُهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ (435) . مَا يُشْتَرَطُ فِي التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ:
82 - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِجَوَازِ الصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ مَا يَلِي:
أ - النِّيَّةُ: فَلاَ يَجُوزُ صَوْمُ الْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ مِنَ اللَّيْل لأَِنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ.
ب - التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْل وَجِمَاعِ نَهَارِ رَمَضَانَ فَإِنْ قَطَعَ التَّتَابُعَ وَلَوْ فِي الْيَوْمِ الأَْخِيرِ وَجَبَ الاِسْتِئْنَافُ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّتَابُعُ.
وَالتَّفْصِيل فِي (تَتَابُعٌ ف 3، 9 - 17) .

مَا يُشْتَرَطُ فِي التَّكْفِيرِ بِالإِْعْتَاقِ:
83 - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي الرَّقَبَةِ الْمُجْزِئَةِ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يَلِي:
أ - أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً مِلْكًا كَامِلاً لِلْمُعْتِقِ، فَلاَ يَجُوزُ إِعْتَاقُ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ لِلْمُكَفِّرِ أَنْ يَعْتِقَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
ب - أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ كَامِلَةَ الرِّقِّ، فَلاَ يَجُوزُ إِعْتَاقُ الْمُدَبَّرِ، لأَِنَّهُ سَيُصْبِحُ حُرًّا بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ.
أَمَّا الْمُكَاتِبُ فَيَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
ج - أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ الْمُخِلَّةِ بِالْعَمَل وَالْكَسْبِ، فَلاَ يَجُوزُ إِعْتَاقُمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ أَشَلِّهِمَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
د - أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ مُؤْمِنَةً، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ يَرَوْنَ جَوَازَ إِعْتَاقِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ الْقَتْل (436) .

خِصَال الْكَفَّارَةِ:
84 - خِصَال الْكَفَّارَةِ فِي الْجُمْلَةِ هِيَ: الْعِتْقُ وَالصِّيَامُ وَالإِْطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ (437) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْل مُرَتَّبَةٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَعَلَى الْمُكَفِّرِ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً إِذَا اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِأَنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ حِسًّا كَأَنْ يَكُونَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ، أَوْ شَرْعًا كَأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ثَمَنِهَا زَائِدًا عَلَى مَا يَفِي بِمُؤَنِهِ فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُظَاهِرُ أَوِ الْمُجَامِعُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَنِ الصَّوْمِ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ خَافَ مِنَ الصَّوْمِ زِيَادَةَ مَرَضٍ فَعَلَيْهِ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ كَفَّارَةَ إِفْسَادِ الصَّوْمِ عَلَى التَّخْيِيرِ وَأَنَّ أَفْضَل خِصَالِهَا الإِْطْعَامُ لِكَثْرَةِ تَعَدِّي نَفْعِهِ.
وَأَمَّا كَفَّارَتَا الظِّهَارِ وَالْقَتْل فَهُمَا مُرَتَّبَتَانِ (438) .
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْجَمِيعِ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لأَِحْمَدَ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِكَفَّارَةِ الصَّوْمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِخِلاَفِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَتَسْتَقِرُّ عِنْدَهُمْ.
وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لأَِحْمَدَ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْعَجْزِ عَنِ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ بِدَلِيل أَنَّ الأَْعْرَابِيَّ لَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى لَمَّا دَفَعَ إِلَيْهِ التَّمْرَ (439) .
أَمَّا كَفَّارَةُ الْقَتْل فَلَيْسَ فِيهَا إِطْعَامٌ بَل هِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لِلآْيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَقَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ عَلَى التَّخْيِيرِ ابْتِدَاءً وَمُرَتَّبَةٌ انْتِهَاءً فَيَخْتَارُ فِي أَوَّلِهَا بَيْنَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتِهِمْ أَوْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ (440) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} (441) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ فِي الْعِتْقِ إِلاَّ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَالِمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَل وَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْقَتْل: {وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (442) وَمَا عَدَا كَفَّارَةِ الْقَتْل فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا، وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتِقَ أَمَةً. أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ (443) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤْمِنَةٍ إِلاَّ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْل لإِِطْلاَقِ النُّصُوصِ فِي غَيْرِ الْقَتْل، وَلاِمْتِنَاعِ جَوَازِ قِيَاسِ الْمَنْصُوصِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِيجَابَ زِيَادَةٍ فِي النَّصِّ وَهُوَ يُوجِبُ النَّسْخَ عِنْدَهُمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ (1) .
__________
(1) لسان العرب لابن منظور، ومختار الصحاح للرازي، والمصباح المنير مادة (كفر) .
(2) المجموع 6 / 333، والبحر الرائق 4 / 108، وكشاف القناع 6 / 65.
(3) القاموس المحيط.
(4) الفتوحات الربانية للكريدي 7 / 267 المكتبة الإسلامية، والبحر المحيط 5 / 201 طبعة مطبعة السعادة.
(5) سورة الأنفال / 33.
(6) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 7 / 399.
(7) القاموس المحيط.
(8) كشاف القناع 1 / 418، والمغني 9 / 200.
(9) القاموس المحيط، ولسان العرب، ومختار الصحاح.
(10) الأحكام السلطانية للماوردي: ص221 بتصرف.
(11) سورة المائدة / 89.
(12) سورة النساء / 92.
(13) سورة المجادلة / 3، 4.
(14) حديث: " لا تسأل الإمارة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 608) .
(15) المجموع شرح المهذب للنووي 18 / 115، والمغني والشرح الكبير لابن قدامة 11 / 250 طبع مطبعة المنار بمصر - الطبعة الأولى 1348 هـ.
(16) البحر الرائق 4 / 109.
(17) مغني المحتاج 3 / 359.
(18) حاشية تهذيب الفروق والقواعد السنية على الفروق للقرافي 1 / 211.
(19) المبسوط لشمس الدين السرخسي 8 / 147، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم 4 / 301، 302، 303، 304، والتاج والإكليل لمختصر خليل مطبوع بهامش مواهب الجليل 3 / 275 طبع دار الفكر، والمدونة للكبرى للإمام مالك ابن أنس 3 / 100 وما بعدها، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 / 275 وما بعدها، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني 11 / 617، 618 وما بعدها، طبع دار الريان، وصحيح مسلم بشرح النووي 11 / 108 وما بعدها طبع المطبعة المصرية، وروضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي 11 / 12 طبع المكتب الإسلامي ببيروت، وكشاف القناع للبهوتي 6 / 243.
(20) البحر الرائق 4 / 301، 302، 303، 304، وبدائع الصنائع وترتيب الشرائع للكاساني 3 / 3 طبع دار الكتب العلمية - بيروت، التاج والإكليل لمختصر خليل مطبوع بهامش مواهب الجليل للحطاب 3 / 266، وكشاف القناع 6 / 235.
(21) الجامع لأحكام القرآن 6 / 266، 267، وفتح الباري 11 / 566.
(22) روضة الطالبين 11 / 3، وفتح الباري 11 / 566.
(23) سورة المائدة / 89.
(24) حديث: " من اقتطع حق امرئ مسلم. . . ". أخرجه مسلم (1 / 122) من حديث أبي أمامة.
(25) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد 1 / 349 طبع المكتبة التجارية الكبرى.
(26) سورة آل عمران / 77.
(27) المبسوط 8 / 128، والجامع لأحكام القرآن 6 / 268، ومواهب الجليل والتاج والإكليل 3 / 266.
(28) الجامع لأحكام القرآن 6 / 268.
(29) المدونة الكبرى 3 / 100، 101، والآية من سورة آل عمران / 77.
(30) حديث: " خمس ليس لهن كفارة. . . ". أخرجه أحمد (2 / 362) وإسناده حسن.
(31) حديث عبد الله بن عمرو: " الكبائر: الإشراك بالله. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 12 / 264) .
(32) فتح الباري 11 / 566.
(33) فتح الباري 11 / 566
(34) المبسوط للسرخسي 8 / 128.
(35) سورة البقرة / 225.
(36) سورة المائدة / 89.
(37) تفسير ابن كثير 1 / 267، 268 طبع دار المنار، وحاشية الشرقاوي على التحرير 2 / 476
(38) حديث: " لا تسأل الإمارة. . . ". تقدم فقرة (5) .
(39) فتح الباري 11 / 557 ط. دار المعرفة.
(40) انظر: مواهب الجليل للحطاب 3 / 266، والروضة 11 / 3، وكشاف القناع 6 / 236، 237
(41) فتح الباري 11 / 556.
(42) مواهب الجليل 3 / 266.
(43) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 129.
(44) سورة البقرة / 225.
(45) الشرقاوي على التحرير 2 / 476، وروضة الطالبين 11 / 3، وكشاف القناع 6 / 236.
(46) فتح الباري 11 / 556.
(47) فتح الباري 11 / 556، ونيل الأوطار للشوكاني 10 / 168، 169.
(48) بدائع الصنائع للكاساني 3 / 3، 4، والبحر الرائق لابن نجيم 4 / 302، 303، والمبسوط 8 / 129، 130.
(49) سورة المائدة / 89.
(50) سورة المائدة / 89.
(51) بدائع الصنائع للكساني 3 / 4، والبحر الرائق 4 / 303.
(52) حديث: " أن المشركين أخذوا حذيفة بن اليمان وأباه واستحلفوهما. . . ". أخرجه مسلم (3 / 1414) .
(53) المبسوط 8 / 130.
(54) المبسوط 8 / 130.
(55) المدونة الكبرى 3 / 115، والمغني والشرح الكبير 11 / 211.
(56) المدونة الكبرى 3 / 116.
(57) المدونة الكبرى 3 / 115.
(58) روضة الطالبين 11 / 16.
(59) كشاف القناع 6 / 224.
(60) وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، أنه يكون يمينًا واحدة، وبه أخذ زفر، وقد روى هذا - أيضًا - عن أبي يوسف في غير رواية الأصول، وهو رواية محمد في النوادر، ومروي عنه في المنتقى. وجه رواية الحسن: أن حرف العطف قد يستعمل للاستئناف، وقد يستعمل للصفة، فإنه ي
(61) بدائع الصنائع 3 / 10.
(62) كشاف القناع 6 / 244، وروضة الطالبين 11 / 16، والمدونة الكبرى 3 / 116.
(63) بدائع الصنائع 3 / 10.
(64) المغني والشرح الكبير 11 / 212.
(65) البحر الرائق شرح كنز الدقائق 4 / 316، وحاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين 3 / 714، والمدونة الكبرى 3 / 115، والتاج والإكليل لمختصر خليل 3 / 269، 270، ومواهب الجليل للحطاب 3 / 279، 280، ونهاية المحتاج 8 / 181، والمغني والشرح الكبير 11 / 212.
(66) المغني والشرح الكبير 11 / 212، وكشاف القناع 6 / 244، وحاشية رد المحتار على الدر المختار 3 / 214.
(67) المغني والشرح الكبير 11 / 212، 213.
(68) كشاف القناع 6 / 244، والمغني والشرح الكبير 11 / 212.
(69) صحيح مسلم بشرح النووي 11 / 109، والجامع لأحكام القرآن 6 / 275، وفتح الباري 11 / 617، 618، ونيل الأوطار 10 / 171.
(70) فتح الباري 11 / 618، والمجموع شرح المهذب 18 / 117.
(71) المدونة الكبرى 3 / 116، 117، وروضة الطالبين للنووي 11 / 17، وكشاف القناع 6 / 243.
(72) كشاف القناع للبهوتي 6 / 243، وفتح الباري 11 / 617، ونيل الأوطار 10 / 171، وصحيح مسلم بشرح النووي 11 / 109.
(73) فتح الباري 11 / 617، ونيل الأوطار 10 / 171، والمجموع شرح المهذب 18 / 117، وصحيح مسلم بشرح النووي 11 / 109.
(74) المراجع السابقة.
(75) المبسوط للسرخسي 8 / 147، والبحر الرائق 4 / 316، ومواهب الجليل للحطاب 3 / 275، وفتح الباري 11 / 617، ونيل الأوطار 10 / 171، والجامع لأحكام القرآن 6 / 275، وصحيح مسلم بشرح النووي 11 / 109.
(76) سورة المائدة / 89.
(77)
(78) حديث: " يا عبد الرحمن إذا حلفت على يمين. . . ". أخرجه مسلم (3 / 1274) ، والرواية الأخرى لأبي داود (3 / 585) .
(79) فتح الباري 11 / 616، وصحيح مسلم بشرح النووي 11 / 112.
(80) فتح الباري 11 / 617، وكشاف القناع للبهوتي 6 / 244.
(81) فتح الباري 11 / 617.
(82) سورة المائدة / 89.
(83) سورة المائدة / 89.
(84) سورة النحل / 91.
(85) سورة المائدة / 89.
(86) سورة البقرة / 196.
(87) سورة البقرة / 196.
(88) سورة البقرة / 184.
(89) الجامع لأحكام القرآن 2 / 274 وما بعدها.
(90) حديث: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها. . . ". أخرجه مسلم (3 / 1272) من حديث أبي هريرة.
(91) حديث: " إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 608) ، ومسلم (3 / 1270) من حديث أبي موسى الأشعري.
(92) بدائع الصنائع 3 / 19، والمبسوط 8 / 147، 148، والبحر الرائق 4 / 316.
(93) البحر الرائق 4 / 316.
(94) تبيين الحقائق 6 / 99، 100 - المطبعة الأميرية الكبرى، والمبسوط 25 / 67، ومواهب الجليل شرح مختصر خليل 6 / 268، والمغني 8 / 96، والجامع لأحكام القرآن 5 / 331.
(95) المغني 8 / 96.
(96) حديث: " إن الحارث بن سويد بن الصامت قتل رجلاً. . . ". أورده ابن سعد في الطبقات (3 / 553) دون إسناد.
(97) المغني 8 / 96.
(98) تبيين الحقائق 6 / 99، 100، والجامع لأحكام القرآن 5 / 331.
(99) روضة الطالبين للنووي 9 / 380، والمغني 8 / 96.
(100) حديث واثلة بن الأسقع: " كنا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك. . . " أخرجه ابن حبان (الإحسان 10 / 145 - 146) والحاكم (2 / 212) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(101) مغني المحتاج 4 / 107.
(102) مغني المحتاج 4 / 107.
(103) مواهب الجليل 6 / 242، وحاشية الرهوني على شرح الزرقاني 8 / 17، وروضة الطالبين 9 / 380، والمغني 8 / 93.
(104) مغني المحتاج 4 / 108.
(105) مغني المحتاج 4 / 108.
(106) المغني لابن قدامة 8 / 93.
(107) تبيين الحقائق 6 / 142، 144.
(108) الجامع لأحكام القرآن 5 / 323، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد 2 / 381، ومغني المحتاج 4 / 108، والمغني 8 / 96، وكشاف القناع 6 / 65.
(109) كشاف القناع 6 / 66.
(110) مغني المحتاج 4 / 108.
(111) حديث: " أن النبي ﷺ قضى بالغرة في الجنين ". أخرجه البخاري (فتح الباري 12 / 247) ، ومسلم (3 / 1309) من حديث أبي هريرة.
(112) تبيين الحقائق للزيلعي 6 / 128، 141، 143، وبدائع الصنائع 7 / 326.
(113) بدائع الصنائع 7 / 252، والبناية شرح الهداية للعيني 10 / 49، والجامع لأحكام القرآن 5 / 331، ومغني المحتاج 4 / 108، والمغني 8 / 95.
(114) مغني المحتاج 4 / 108، والمغني 8 / 96.
(115) المغني 8 / 95، ومغني المحتاج 4 / 108.
(116) المغني 8 / 95، 96.
(117) مغني المحتاج 4 / 91، وحاشية الباجوري على ابن قاسم 2 / 143، 66، والمغني لابن قدامة 7 / 358.
(118) المغني 3 / 120 - 121.
(119) المجموع 6 / 341، والمغني 3 / 122، وتبيين الحقائق 1 / 327.
(120) المغني 3 / 122.
(121) المجموع 6 / 341.
(122) تبيين الحقائق 1 / 327.
(123) المرجع نفسه.
(124) تبيين الحقائق 1 / 327، والمجموع 6 / 341، والمغني 2 / 123.
(125) المغني 3 / 123.
(126) المجموع 6 / 341.
(127) المجموع 6 / 341، وحاشية الدسوقي 1 / 522.
(128) تبيين الحقائق 1 / 329.
(129) المجموع 6 / 341.
(130) المغني 3 / 121.
(131) المغني 3 / 121.
(132) المجموع 6 / 341.
(133) تبيين الحقائق 1 / 329.
(134) تبيين الحقائق 1 / 324.
(135) حاشية الدسوقي 1 / 528، 529) .
(136) المغني 3 / 121.
(137) المجموع 6 / 341.
(138) المغني 3 / 121.
(139) المبسوط 3 / 71.
(140) مواهب الجليل للحطاب 2 / 431، 437، الجامع لأحكام القرآن 2 / 321.
(141) روضة الطالبين 2 / 374، والمجموع 6 / 324.
(142) الجامع لأحكام القرآن 2 / 321، 322.
(143) المغني 3 / 121، 122، والجامع لأحكام القرآن 2 / 322.
(144) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 659) والحاكم (2 / 198) من حديث ابن عباس، واللفظ لابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(145) تبيين الحقائق 1 / 322.
(146) حديث: " من أفطر في شهر رمضان ناسيًا. . . ". أخرجه الدارقطني (2 / 178) ، وقال النووي في المجموع (6 / 324) : بإسناد صحيح أو حسن.
(147) المجموع 6 / 324.
(148) تبيين الحقائق 1 / 324.
(149) المجموع 6 / 323.
(150) كشاف القناع 2 / 324، والمغني 3 / 121.
(151) الجامع لأحكام القرآن 2 / 322، والمغني 3 / 122.
(152) الجامع لأحكام القرآن 2 / 322.
(153) حديث أبي هريرة: " بينا نحن جلوس عند النبي ﷺ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 163) ، ومسلم (2 / 781 - 782) والسياق للبخاري.
(154) كشاف القناع 2 / 324، والمغني 3 / 120، 121.
(155) كشاف القناع 2 / 324.
(156) المغني 3 / 122.
(157) تبيين الحقائق 1 / 327.
(158) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 1 / 527، 528.
(159) المغني 3 / 115، والمجموع 6 / 330.
(160) حديث أبي هريرة: " أن رجلاً أفطر في رمضان. . . ". أخرجه الدارقطني (2 / 191) ورجح إرساله.
(161) حديث: " من أفطر في رمضان متعمدًا. . . ". قال عنه الزيلعي في نصب الراية (2 / 449) : حديث غريب بهذا اللفظ، لم أجده.
(162) تبيين الحقائق 1 / 328.
(163) المجموع 6 / 328، 329.
(164) المغني 3 / 115.
(165) المجموع 6 / 329.
(166) المجموع 6 / 328.
(167) المغني 3 / 116.
(168) تبيين الحقائق 1 / 327، وابن عابدين 2 / 101، 102.
(169) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 1 / 527، ومواهب الجليل للحطاب 2 / 437.
(170) مغني المحتاج 1 / 443، والشرواني على تحفة المحتاج 3 / 447، وأسنى المطالب 1 / 425
(171) المغني 3 / 124.
(172) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان. . . ". تقدم فقرة 24.
(173) المغني 3 / 124.
(174) المغني 3 / 124، 125.
(175) شرح فتح القدير لابن الهمام 2 / 255، وتبيين الحقائق 1 / 322.
(176) كشاف القناع 2 / 324، والمغني 3 / 124، 125.
(177) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 527، ومواهب الجليل 2 / 437.
(178) حديث أبي هريرة قال: " بينا نحن جلوس عند النبي ﷺ. . . ". تقدم فقرة 24.
(179) كشاف القناع 2 / 324.
(180) كشاف القناع 2 / 324.
(181) المغني 3 / 124، وتبيين الحقائق 1 / 327، ومواهب الجليل للحطاب 2 / 437.
(182) تبيين الحقائق 1 / 327.
(183) المجموع 6 / 336.
(184) المغني 3 / 123.
(185) المغني 3 / 123، وكشاف القناع 2 / 325.
(186) المغني 3 / 124.
(187) المجموع 6 / 444.
(188) المجموع 6 / 444.
(189) المجموع 6 / 444.
(190) مواهب الجليل 2 / 436، 437.
(191) المجموع 6 / 336.
(192) مواهب الجليل 2 / 436.
(193) تبيين الحقائق 1 / 344، ومواهب الجليل 2 / 441، والمجموع 6 / 309، والمغني 3 / 126.
(194) المغني 3 / 126، والمجموع 6 / 303، 322، والمبسوط للسرخسي 3 / 140، 141.
(195) المغني 3 / 126، كشاف القناع 2 / 325، وتبيين الحقائق 1 / 344.
(196) تبيين الحقائق 1 / 344، المغني 3 / 126.
(197) مواهب الجليل 2 / 441، والمجموع 6 / 309، والمغني 3 / 126.
(198) المغني 3 / 126، 127، والمجموع 6 / 309، 310.
(199) تبيين الحقائق 1 / 340، والمبسوط 3 / 141.
(200) المبسوط 3 / 141.
(201) تبيين الحقائق 1 / 242، ومواهب الجليل 2 / 427، 428، والمجموع 6 / 307 - 309.
(202) حديث: " إن الله وضع عن أمتي. . . ". تقدم تخريجه ف 24.
(203) تبيين الحقائق 1 / 322.
(204) المجموع 6 / 337، 338، 340، وتبيين الحقائق 1 / 342، ومواهب الجليل 1 / 427، 438.
(205) المغني 3 / 126.
(206) المغني 3 / 127.
(207) المدونة 1 / 221، والمغني 2 / 125، والمجموع 6 / 340، 351.
(208) المغني 3 / 127، والمجموع 6 / 340، 351.
(209) تبيين الحقائق 1 / 340، والمجموع 6 / 340.
(210) المجموع 6 / 451، وشرح فتح القدير لابن الهمام 2 / 262.
(211) ابن عابدين 2 / 110.
(212) تبيين الحقائق 1 / 329، مواهب الجليل 2 / 433، والمجموع 6 / 342، 345، والمغني 3 / 125.
(213) تبيين الحقائق 1 / 329، والمجموع 6 / 342، والمغني 3 / 125.
(214) المجموع 6 / 345، والمغني 3 / 125.
(215) المغني 3 / 125.
(216) مواهب الجليل 2 / 433.
(217) مواهب الجليل 2 / 346، والمجموع 6 / 333، 337، والمغني 3 / 133.
(218) المغني 3 / 132.
(219) بدائع الصنائع 2 / 101، والمغني 3 / 132، 133، والمجموع 6 / 336.
(220) بدائع الصنائع 2 / 101.
(221) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 1 / 240، ومواهب الجليل 2 / 436، والمجموع 6 / 336، 337.
(222) المجموع 6 / 337، 450.
(223) المغني 3 / 133.
(224) المغني 3 / 133.
(225) تبيين الحقائق 1 / 325، ومواهب الجليل 2 / 422، والمجموع 6 / 319، 320، والمغني 3 / 117.
(226) حديث: " من ذرعه القيء فليس عليه قضاء. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 89) من حديث أبي هريرة، وقال: حسن غريب.
(227) فتح القدير 2 / 260، والمدونة الكبرى 1 / 200.
(228) المجموع 6 / 320.
(229) بداية المجتهد 1 / 306، 307.
(230) المبسوط 4 / 107، وحاشية الدسوقي 2 / 69، والمجموع 7 / 436، والمغني 3 / 522.
(231) المغني 3 / 522، 523.
(232) المجموع 7 / 323.
(233) المجموع 7 / 323.
(234) المغني 3 / 522، والمجموع 7 / 436.
(235) المغني 3 / 523.
(236) المجموع 7 / 323، 324.
(237) المغني 3 / 522.
(238) المبسوط 4 / 105، والجامع لأحكام القرآن 6 / 306، والمجموع 7 / 480، 514، والمغني 3 / 354.
(239) حديث: " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور. . . ". أخرجه مسلم (2 / 1147) من حديث علي بن أبي طالب.
(240) الجامع لأحكام القرآن 6 / 307.
(241) حديث: " أن النبي ﷺ أعطى بعض. . . ". أورده السرخسي (المبسوط 4 / 105) والذي ورد في صحيح البخاري (فتح الباري 10 / 582) ومسلم (3 / 1692، 1693) أن النبي ﷺ دخل على الصبي وعنده الطير، وزاد النسائي في عمل اليوم والليلة (ص286) أنه دخل عليه وقد مات الطير.
(242) المبسوط 4 / 105.
(243) المبسوط 4 / 105، والمغني 3 / 354.
(244) المغني 3 / 354، والمجموع 7 / 480 - 514.
(245) حديث: " إن إبراهيم حرم مكة. . . ". أخرجه مسلم (1 / 991) عن عبد الله بن زيد بن عاصم.
(246) المغني 3 / 354، المجموع 7 / 480، 514.
(247) الجامع لأحكام القرآن 6 / 302، والمجموع 7 / 330 - 508، والمغني 3 / 314، والمبسوط 4 / 86.
(248) المجموع 7 / 330.
(249) المبسوط 4 / 86، المغني 3 / 314.
(250) المبسوط 4 / 86، والمجموع 7 / 330، والمغني 3 / 304.
(251) بداية المجتهد 1 / 307.
(252) بداية المجتهد 1 / 308، والمبسوط 4 / 101، والمجموع 7 / 319، المغني 3 / 515.
(253) المبسوط 4 / 87، 101.
(254) بداية المجتهد 1 / 308، وحاشية الدسوقي 2 / 84.
(255) المجموع 6 / 317، 318، 332.
(256) المغني 3 / 515، 516.
(257) حديث: " أن رسول الله ﷺ قال في بيض النعام يصيبه المحرم: " ثمنه ". أخرجه ابن ماجه (2 / 1031) من حديث أبي هريرة، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (2 / 147) .
(258) المجموع 7 / 317.
(259) المدونة الكبرى 1 / 428، والمجموع 7 / 248، وروضة الطالبين 3 / 136، والمغني 3 / 492، 493، والجامع لأحكام القرآن 2 / 383.
(260) المبسوط 4 / 73، 75، 77، 122، 128، والمغني 3 / 493.
(261) المجموع 7 / 290.
(262) المجموع 7 / 291.
(263) المبسوط 4 / 118.
(264) حاشية الدسوقي 2 / 70، والمغني 3 / 335، 336، والمجموع 7 / 395.
(265) المغني 3 / 335، المجموع 7 / 395.
(266) المجموع 7 / 395، والمغني 3 / 336.
(267) المغني 3 / 336.
(268) المغني 3 / 336، 337.
(269) بداية المجتهد 1 / 315، والمغني 3 / 336، والمجموع 7 / 407، 472، والمبسوط 4 / 119.
(270) المغني 3 / 336، والمجموع 7 / 472.
(271) المجموع 7 / 407، 472، والمغني 3 / 336.
(272) المغني 3 / 336، والمجموع 7 / 472.
(273) المبسوط 4 / 121، وبداية المجتهد 1 / 315، والمغني 3 / 340، والمجموع 7 / 475، 395، 478.
(274) المغني 3 / 340.
(275) المغني 3 / 341.
(276) المبسوط 4 / 121.
(277) روضة الطالبين 3 / 143، والمجموع 7 / 395، 475.
(278) المجموع 7 / 478.
(279) بداية المجتهد 1 / 317، والشرح الصغير 1 / 24، 25، والمغني 3 / 266، والمبسوط 4 / 170.
(280) حديث: " من ترك نسكًا فعليه دم "، أخرجه ابن حزم مرفوعًا كما في التلخيص لابن حجر (2 / 229) ، ونقل عنه أن في إسناده جهالة. وورد من قول ابن عباس موقوفًا عليه بلفظ: من نسي نسكًا شيئًا أو تركه فيهرق دمًا. أخرجه مالك في الموطأ (1 / 419) .
(281) المراجع السابقة.
(282) المبسوط 4 / 170، 171، ومغني المحتاج 1 / 474، 475.
(283) المراجع السابقة.
(284) المبسوط 4 / 170.
(285) المبسوط 4 / 171.
(286) المغني 3 / 299.
(287) المجموع 7 / 355، 463، والمغني 3 / 299.
(288) حديث: " اغسلوه بماء وسدر. . . ". أخرجه البخاري (فتح البخاري 4 / 64) ومسلم (2 / 865) والسياق للبخاري.
(289) المغني 3 / 300.
(290) المبسوط 4 / 124، وبداية المجتهد 1 / 317، والمغني 4 / 299.
(291) المبسوط 4 / 125، وبداية المجتهد 1 / 317.
(292) بداية المجتهد 1 / 279.
(293) حديث ابن عمر " سمع رسول الله ﷺ ينهى النساء في إحرامهن. . . ". أخرجه الحاكم (1 / 487) وصححه ووافقه الذهبي.
(294) حديث عائشة بنت سعد: " كن أزواج النبي ﷺ يحرمن في المعصفرات ". أخرجه الإمام مالك في المناسك كما في المغني لابن قدامة (3 / 318) .
(295) المغني 3 / 318.
(296) المبسوط 4 / 7، والمغني 3 / 318.
(297) حديث علي بن أبي طالب: " أن النبي ﷺ نهى عن لبس القسي " أخرجه مسلم (3 / 1648) .
(298) بداية المجتهد 1 / 279، والمغني 3 / 318.
(299) المجموع 7 / 249، 260، 451، 453، والمغني 1 / 301، وبداية المجتهد 1 / 318.
(300) حديث ابن عباس ﵄: " سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 57) ، ومسلم (2 / 835) واللفظ للبخاري.
(301) المغني 3 / 301.
(302) المغني 3 / 301، والمجموع 7 / 266.
(303) المبسوط 4 / 128، وبداية المجتهد 1 / 318.
(304) المبسوط 4 / 126، 128.
(305) المبسوط 4 / 126، 127، وحاشية الدسوقي 2 / 56، وروضة الطالبين 3 / 128، والمجموع 7 / 453، 265، والمغني 3 / 301.
(306) حديث: ابن عمر: " أن رجلا سأل النبي ﷺ: ما يلبس المحرم من الثياب ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 401) ومسلم (2 / 834) واللفظ لمسلم.
(307) المغني 3 / 301، والمجموع 7 / 266.
(308) المغني 3 / 301.
(309) حديث: ابن عباس: " السراويل لمن لم يجد الإزار. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 57) ومسلم (2 / 835) واللفظ لمسلم.
(310) حديث: جابر بن عبد الله: " من لم يجد نعلين. . . ". أخرجه مسلم (2 / 836) .
(311) المغني 3 / 301.
(312) حديث: " نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 306) ومسلم (3 / 1314) من حديث المغيرة بن شعبة.
(313) بداية المجتهد 1 / 279، 318، والمغني 3 / 302، 303، والمجموع 7 / 249، 250، وفتح العزيز مع المجموع 7 / 453، والمغني 3 / 302، 303.
(314) المجموع 7 / 250، والمغني 3 / 302.
(315) المبسوط 4 / 127، وفتح القدير 2 / 141 - 142، والمجموع 7 / 250.
(316) فتح القدير 2 / 141 - 142، والمجموع 7 / 250.
(317) بداية المجتهد 1 / 280، 318، والمغني 3 / 329، والمجموع 7 / 269، 454.
(318) حديث: ابن عمر: " لا تنتقب المحرمة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 52) .
(319) المغني 3 / 329، 330.
(320) المجموع 7 / 454، 455، والمغني 3 / 329.
(321) المبسوط 4 / 128، والمجموع 7 / 269، 454، والمغني 3 / 329، وبداية المجتهد 1 / 280.
(322) حديث: " إحرام المرأة في وجهها. . . ". أخرجه الدارقطني (2 / 294) ، وأشار البيهقي في السنن (5 / 47) إلى ترجيح كونه موقوفًا على ابن عمر.
(323) المجموع 7 / 454، والمبسوط 4 / 128، والمغني 3 / 329.
(324) المجموع 7 / 250، 254، 268، 439، 440، والمغني 3 / 325، وبداية المجتهد 1 / 279.
(325) حديث: " إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه " سبق تخريجه في (ف 55) .
(326) حديث ابن عباس في الرجل الذي وقصة بعيره تقدم (ف49) ، وتقدم تخريجه.
(327) المجموع 7 / 268.
(328) أثر عبد الله بن عامر: " رأيت عثمان بن عفان بالعرج. . . ". أخرجه البيهقي (5 / 54) وصحح إسناده النووي في المجموع (7 / 268) .
(329) المغني 3 / 325، وانظر المجموع 7 / 268.
(330) المبسوط 4 / 127، 128، وبداية المجتهد 1 / 279، 325، والمغني 3 / 325.
(331) حديث: " اغسلوه بماء وسدر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 64) و (مسلم 2 / 866) واللفظ لمسلم.
(332) المبسوط 4 / 7.
(333) بداية المجتهد 1 / 279.
(334) المغني 3 / 326.
(335) المبسوط 6 / 227، والجامع لأحكام القرآن 17 / 276، وروضة الطالبين 8 / 265، وتفسير الرازي 29 / 253. والمغني 7 / 384.
(336) المغني 7 / 384، والجامع لأحكام القرآن 17 / 276.
(337) المغني 7 / 384، والمبسوط 5 / 227، وتفسير الرازي 29 / 253.
(338) المغني 7 / 384، والجامع لأحكام القرآن 17 / 276.
(339) المغني 7 / 384، والجامع لأحكام القرآن 17 / 276.
(340) حاشية ابن عابدين 2 / 575، والمبسوط 6 / 227.
(341) بدائع الصنائع 3 / 232، 235، وإعانة الطالبين 4 / 24، والمغني 7 / 350.
(342) حديث: " أن النبي ﷺ قال: " من حلف فاستثنى فإن شاء مضى، وإن شاء ترك غير حنث ". أخرجه النسائي (7 / 12) .
(343) حديث: " من حلف على يمين فقال. . . ". أخرجه الترمذي (4 / 108) وقال حديث حسن.
(344) حاشية الدسوقي 2 / 129.
(345) المرجع السابق.
(346) حاشية الدسوقي 2 / 445، والمغني 7 / 386، وروضة الطالبين 8 / 276.
(347) تفسير الرازي 29 / 360.
(348) المغني 7 / 286.
(349) المغني 7 / 286.
(350) المبسوط 5 / 226، والمغني 7 / 386.
(351) تفسير الرازي 29 / 259.
(352) المغني 7 / 386.
(353) بدائع الصنائع 3 / 235.
(354) المبسوط 5 / 226.
(355) بدائع الصنائع 3 / 235.
(356) مغني المحتاج 3 / 358.
(357) حاشية الدسوقي 2 / 445، والمغني 7 / 357، وروضة الطالبين 8 / 275.
(358) الخرشي 4 / 108، والدسوقي 2 / 445.
(359) الجامع لأحكام القرآن 17 / 278، المغني 7 / 357.
(360) كشاف القناع 5 / 375.
(361) المغني 7 / 357.
(362) المغني 7 / 357.
(363) المبسوط 5 / 266، وروضة الطالبين 8 / 275، وتفسير الرازي 29 / 260، والمغني 7 / 357.
(364) تفسير الرازي 29 / 260.
(365) المبسوط 5 / 226.
(366) بدائع الصنائع 3 / 234، 235.
(367) المغني 7 / 357.
(368) المبسوط 5 / 226، وحاشية الدسوقي 3 / 445، والجامع لأحكام القرآن 17 / 278، والمغني 7 / 357، 358، وروضة الطالبين 8 / 275.
(369) روضة الطالبين 8 / 275.
(370) المغني 7 / 358.
(371) المغني 7 / 358.
(372) المبسوط 5 / 225، وفتح القدير 4 / 94، وبداية المجتهد 2 / 98، والجامع لأحكام القرآن 17 / 283، وتفسير الرازي 29 / 260، والمغني 7 / 383.
(373) تفسير الرازي 29 / 260.
(374) حديث: " أن رجلا ظاهر من زوجته. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 666) والترمذي (3 / 493) من حديث ابن عباس، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح.
(375) بداية المجتهد 2 / 98، والمغني 7 / 384.
(376) المغني 7 / 383، والجامع لأحكام القرآن 17 / 283 وتفسير الرازي 29 / 260، وبداية المجتهد 2 / 98.
(377) المغني 7 / 383.
(378) بدائع الصنائع 3 / 237، وحاشية الدسوقي 2 / 446، وروضة الطالبين 8 / 270، والمغني 7 / 351، وبداية المجتهد 2 / 91.
(379) بداية المجتهد 2 / 91، والمغني 7 / 352.
(380) بداية المجتهد 2 / 91.
(381) المغني 7 / 352.
(382) بداية المجتهد 2 / 91، والمغني 7 / 351، وتفسير الرازي 29 / 259.
(383) بداية المجتهد 2 / 92.
(384) المغني 7 / 351.
(385) بداية المجتهد 2 / 91.
(386) المغني لابن قدامة 7 / 351.
(387) بدائع الصنائع 3 / 236، وحاشية الدسوقي 2 / 447، وبداية المجتهد 2 / 91، والمغني 7 / 353.
(388) تفسير الرازي 29 / 258، والمغني 7 / 352، 353، وحاشية الدسوقي 2 / 447، وبداية المجتهد 2 / 91.
(389) روضة الطالبين 8 / 271، وتفسير الرازي 29 / 257.
(390) الجامع لأحكام القرآن 17 / 281، وبداية المجتهد 2 / 91، والمغني 7 / 353، وتفسير الرازي 29 / 259.
(391) بدائع الصنائع 3 / 236.
(392) المغني 7 / 353.
(393) بداية المجتهد 2 / 91.
(394) المغني 7 / 353.
(395) المغني 7 / 354.
(396) تفسير الرازي 29 / 257، ومغني المحتاج 3 / 356.
(397) تفسير الرازي 29 / 259، المغني 7 / 353.
(398) بدائع الصنائع 3 / 236.
(399) الهداية وشروحها 4 / 109.
(400) تفسير القرطبي 17 / 285.
(401) مغني المحتاج 3 / 359.
(402) حديث: " إنما الأعمال بالنيات ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 9) ومسلم (3 / 1515) من حديث عمر بن الخطاب.
(403) كشاف القناع 5 / 388، 389.
(404) بدائع الصنائع 5 / 97، 98، والكافي لابن عبد البر 1 / 454، ومغني المحتاج 3 / 365، وكشاف القناع (5 / 376) .
(405) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة. . . ". أخرجه أبو داود (4 / 558) والحاكم (2 / 59) من حديث عائشة، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(406) سورة المائدة / 89.
(407) بدائع الصنائع 7 / 297، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 286، ومغني المحتاج 4 / 107، والمغني 8 / 93، 94.
(408) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 286، ومغني المحتاج 4 / 107، والكافي لابن قدامة 4 / 143.
(409) البناية على الهداية 10 / 18، وبدائع الصنائع 7 / 293.
(410) المراجع السابقة.
(411) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 659) والحاكم (2 / 198) من حديث ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(412) مغني المحتاج 4 / 107، 108.
(413) حاشية الدسوقي 4 / 286، بدائع الصنائع 7 / 297.
(414) روضة الطالبين 9 / 380، والكافي لابن قدامة 4 / 143.
(415) سورة النساء / 92.
(416) شرح منح الجليل 1 / 397 ط مكتبة النجاح - ليبيا، ومغني المحتاج 1 / 442، والكافي لابن قدامة 1 / 343.
(417) حاشية ابن عابدين 2 / 409 ط مصطفى الحلبي، مواهب الجليل 2 / 433، وروضة الطالبين 2 / 374، والكافي 1 / 356.
(418) البناية شرح الهداية 3 / 300 وما بعدها، وحاشية ابن عابدين 2 / 409، ومواهب الجليل 2 / 431، وشرح منح الجليل 2 / 402، ومغني المحتاج 2 / 443، وروضة الطالبين 2 / 374.
(419) كشاف القناع 2 / 323، والكافي لابن قدامة1 / 356.
(420) الشرح الكبير بهامش الدسوقي 2 / 132، وحاشية القليوبي 4 / 274، والمغني 8 / 734 وما بعدها.
(421) تبيين الحقائق 3 / 11، والمبسوط 8 / 151 - ط. دار المعرفة.
(422) سورة المائدة / 89.
(423) سورة المائدة / 89.
(424) حاشية الدسوقي 2 / 132، والقوانين الفقهية ص 163، ومغني المحتاج 4 / 327، وحاشية القليوبي وعميرة 4 / 275، والمغني 8 / 736، والعدة شرح العمدة 483.
(425) الصاع: أربعة أمداد. والمد: رطل وثلث بالرطل العراقي، والرطل العراقي (130 درهمًا) ، ويقدر بالكيل بثلث قدح مصري. يراجع مختار الصحاح ص 373 مادة " صوع "، مادة " مدد ".
(426) المبسوط 8 / 149 وما بعدها، وبدائع الصنائع 5 / 101 وما بعدها، وتحفة الفقهاء 2 / 506.
(427) حاشية ابن عابدين 3 / 478، 479.
(428) القوانين الفقهية ص 241، وحاشية الدسوقي 2 / 454.
(429) مغني المحتاج 3 / 366، 367.
(430) كشاف القناع 5 / 466.
(431) سورة المائدة / 89.
(432) سورة المجادلة / 4.
(433) سورة المائدة / 89.
(434) المبسوط 8 / 150 وما بعدها، وحاشية الدسوقي 2 / 454، ونهاية المحتاج 7 / 102، والمغني 7 / 375.
(435) المبسوط 8 / 153، والشرح الكبير بهامش الدسوقي 2 / 132، والقليوبي وعميرة 4 / 274، والمغني 8 / 743.
(436) تبيين الحقائق 3 / 7، والمبسوط 8 / 144، ومراقي الفلاح ص 366، وبداية المجتهد 2 / 285، والقوانين الفقهية ص 241، ومغني المحتاج 1 / 441، والمهذب مع المجموع 8 / 743، وكشاف القناع 5 / 379 وما بعدها.
(437) بدائع الصنائع 2 / 99 و5 / 95 وما بعدها، والمدونة 1 / 218، ومغني المحتاج 1 / 442 وما بعدها، والمغني لابن قدامة 3 / 127 وما بعدها، وكشاف القناع 2 / 327.
(438) جواهر الإكليل 1 / 150 - 151، والقوانين الفقهية ص 121، وأحكام القرآن للجصاص 2 / 245 وما بعدها.
(439) بدائع الصنائع 2 / 99، 5 / 95 - 96، 112، والقوانين الفقهية 120 - 122، ومغني المحتاج 1 / 444 - 445، 3 / 367، والمغني 3 / 129 - 132.
(440) أحكام القرآن للجصاص 2 / 453، وأحكام القرآن لابن العربي 2 / 158 وما بعدها، ومغني المحتاج 4 / 327، والمغني لابن قدامة 8 / 734.
(441) سورة المائدة / 89.
(442) سورة النساء / 92.
(443) حديث: " أعتقها فإنها مؤمنة ". أخرجه مسلم (1 / 382) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.

الموسوعة الفقهية الكويتية: 37/ 35