البحث

عبارات مقترحة:

المصور

كلمة (المصور) في اللغة اسم فاعل من الفعل صوَّر ومضارعه يُصَوِّر،...

المقدم

كلمة (المقدِّم) في اللغة اسم فاعل من التقديم، وهو جعل الشيء...

المبين

كلمة (المُبِين) في اللغة اسمُ فاعل من الفعل (أبان)، ومعناه:...

التَّيَمُّمُ


من معجم المصطلحات الشرعية

قصد الصعيد (التراب ) الطاهر، ومسح الوجه، واليدين به، بنية إزالة الحدث، واستباحة فعل بعض العبادات كالصلاة . ومن شواهده قوله تعالى : ﱫﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﱪ النساء :٤٣ .


انظر : حاشية ابن عابدين، 1/229، روضة الطالبين للنووي، 1/92، الإنصاف للمرداوي، 1/263.

من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف

قصد الصعيد (التراب) الطاهر، ومسح الوجه، واليدين به، بنية إزالة الحدث، واستباحة فعل بعض العبادات كالصلاة.

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - التَّيَمُّمُ لُغَةً: الْقَصْدُ وَالتَّوَخِّي وَالتَّعَمُّدُ.
يُقَال: تَيَمَّمَهُ بِالرُّمْحِ تَقَصَّدَهُ وَتَوَخَّاهُ وَتَعَمَّدَهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ (1) ، وَمِثْلُهُ: تَأَمَّمَهُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} (2) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ عَنْ صَعِيدٍ مُطَهَّرٍ، وَالْقَصْدُ شَرْطٌ لَهُ؛ لأَِنَّهُ النِّيَّةُ، فَهُوَ قَصْدُ صَعِيدٍ مُطَهِّرٍ وَاسْتِعْمَالُهُ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ لإِِقَامَةِ الْقُرْبَةِ.
وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهُ طَهَارَةٌ تُرَابِيَّةٌ تَشْتَمِل عَلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةٍ.
وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهُ إِيصَال التُّرَابِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بَدَلاً عَنِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل، أَوْ بَدَلاً عَنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِمَا بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ. وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِتُرَابٍ طَهُورٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (3) .

مَشْرُوعِيَّةُ التَّيَمُّمِ:
2 - يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ (4) بِشَرْطِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ. فَمِنَ الْكِتَابِ: قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (5) .
وقَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (6)
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا (7) أَيْ: لَهُ ﷺ وَلأُِمَّتِهِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ مَشْرُوعٌ بَدَلاً عَنِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ (8) .
3 - وَسَبَبُ نُزُول آيَةِ التَّيَمُّمِ هُوَ مَا وَقَعَ لِعَائِشَةَ ﵂ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَالْمُسَمَّاةِ غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ لَمَّا أَضَلَّتْ عِقْدَهَا. فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهِ فَحَانَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مَاءٌ، فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى عَائِشَةَ وَقَال: حَبَسْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ - وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْن حُضَيْرٍ ﵁ فَجَعَل يَقُول: مَا أَكْثَر بَرَكَتَكُمْ يَا آل أَبِي بَكْرٍ (9) .

اخْتِصَاصُ هَذِهِ الأُْمَّةِ بِالتَّيَمُّمِ:
4 - التَّيَمُّمُ مِنَ الْخَصَائِصِ الَّتِي اخْتَصَّ اللَّهُ بِهَا هَذِهِ الأُْمَّةَ (10) ، فَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي. نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَل، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِل لأَِحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ فِي قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً (11) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ مِصْدَاقُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَل عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} (12) .

التَّيَمُّمُ رُخْصَةٌ:
5 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّهُ عَزِيمَةٌ. وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي التَّيَمُّمِ لِلْمُسَافِرِ، فَظَاهِرُ قَوْل الرِّسَالَةِ: إِنَّهُ عَزِيمَةٌ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ جَمَاعَةَ: إِنَّهُ رُخْصَةٌ، وَقَال التَّادَلِيُّ: وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّهُ عَزِيمَةٌ فِي حَقِّ الْعَادِمِ لِلْمَاءِ، رُخْصَةٌ فِي حَقِّ الْوَاجِدِ الْعَاجِزِ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ.
ثُمَّ إِنَّ وَجْهَ التَّرْخِيصِ هُوَ فِي أَدَاةِ التَّطْهِيرِ إِذِ اكْتَفَى بِالصَّعِيدِ الَّذِي هُوَ مُلَوَّثٌ، وَهُوَ أَيْضًا فِي مَحَل التَّطْهِيرِ لاِقْتِصَارِهِ عَلَى شَطْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
وَمِنْ ثَمَرَةِ الْخِلاَفِ: مَا لَوْ تَيَمَّمَ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَإِنْ قُلْنَا رُخْصَةٌ وَجَبَ الْقَضَاءُ وَإِلاَّ لَمْ يَجِبْ (13) . شُرُوطُ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ:
6 - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ التَّيَمُّمِ مَا يَلِي:
أ - الْبُلُوغُ: فَلاَ يَجِبُ التَّيَمُّمُ عَلَى الصَّبِيِّ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ.
ب - الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَال الصَّعِيدِ.
ج - وُجُودُ الْحَدَثِ النَّاقِضِ. أَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ بِالْمَاءِ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ.
أَمَّا الْوَقْتُ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الأَْدَاءِ عِنْدَ الْبَعْضِ لاَ لأَِصْل الْوُجُوبِ، وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ يَجِبُ التَّيَمُّمُ إِلاَّ إِذَا دَخَل الْوَقْتُ عِنْدَهُمْ. فَيَكُونُ الْوُجُوبُ مُوَسَّعًا فِي أَوَّلِهِ وَمُضَيَّقًا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ.
هَذَا وَلِلتَّيَمُّمِ شُرُوطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ مَعًا وَهِيَ:
أ - الإِْسْلاَمُ: فَلاَ يَجِبُ التَّيَمُّمُ عَلَى الْكَافِرِ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ، وَلاَ يَصِحُّ مِنْهُ لأَِنَّهُ لَيْسَ أَهْلاً لِلنِّيَّةِ.
ب - انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
ج - الْعَقْل.
د - وُجُودُ الصَّعِيدِ الطَّهُورِ.
فَإِنَّ فَاقِدَ الصَّعِيدِ الطَّهُورِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ وَلاَ يَصِحُّ مِنْهُ بِغَيْرِهِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ طَاهِرًا فَقَطْ، كَالأَْرْضِ الَّتِي أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ ثُمَّ جَفَّتْ، فَإِنَّهَا تَكُونُ طَاهِرَةً تَصِحُّ الصَّلاَةُ عَلَيْهَا، وَلاَ تَكُونُ مُطَهَّرَةً فَلاَ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهَا.
ثُمَّ إِنَّ الإِْسْلاَمَ وَالْعَقْل وَالْبُلُوغَ وَوُجُودَالْحَدَثِ النَّاقِضِ لِلطَّهَارَةِ، وَانْقِطَاعَ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، شُرُوطٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ (وُضُوءٌ، وَغُسْلٌ) لأَِنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْهُمَا (14) . وَسَيَأْتِي تَفْصِيل بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ.

أَرْكَانُ التَّيَمُّمِ:
7 - لِلتَّيَمُّمِ أَرْكَانٌ أَوْ فَرَائِضُ، وَالرُّكْنُ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ، وَكَانَ جُزْءًا مِنْ حَقِيقَتِهِ، وَبِنَاءً عَلَى هَذَا قَالُوا: لِلتَّيَمُّمِ رُكْنَانِ هُمَا: الضَّرْبَتَانِ، وَاسْتِيعَابُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ بِالْمَسْحِ فَقَطْ.
وَاخْتَلَفُوا فِي النِّيَّةِ هَل هِيَ رُكْنٌ أَمْ شَرْطٌ؟

أ - النِّيَّةُ:
8 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَ مَسْحِ الْوَجْهِ فَرْضٌ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ.

مَا يَنْوِيهِ بِالتَّيَمُّمِ:
9 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ نِيَّةِ التَّيَمُّمِ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الصَّلاَةُ أَنْ يَنْوِيَ أَحَدَ أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ: إِمَّا نِيَّةَ الطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ، أَوْ نِيَّةَ عِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ لاَ تَصِحُّ بِدُونِ طَهَارَةٍ كَالصَّلاَةِ، أَوْ سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ، أَوْ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ. وَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهِ إِذَا خَافَ فَوْتَهَا فَإِنَّمَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلاَةُ عَلَى جِنَازَةٍ أُخْرَى إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ. فَإِنْ نَوَى التَّيَمُّمَ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ مُلاَحَظَةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلاَةِ، أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ الْقَائِمِ بِهِ، لَمْ تَصِحَّ الصَّلاَةُ بِهَذَا التَّيَمُّمِ، كَمَا إِذَا نَوَى مَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ أَصْلاً كَدُخُول الْمَسْجِدِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، أَوْ نَوَى عِبَادَةً غَيْرَ مَقْصُودَةٍ لِذَاتِهَا، كَالأَْذَانِ، وَالإِْقَامَةِ، أَوْ نَوَى عِبَادَةً مَقْصُودَةً تَصِحُّ بِدُونِ طَهَارَةٍ كَالتَّيَمُّمِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ لِلسَّلاَمِ، أَوْ رَدِّهِ مِنَ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَر، فَإِنْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ صَحَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ، وَأَمَّا تَعْيِينُ الْحَدَثِ أَوِ الْجَنَابَةِ فَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ، وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِإِطْلاَقِ النِّيَّةِ، وَيَصِحُّ أَيْضًا بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ؛ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ رَافِعٌ لَهُ كَالْوُضُوءِ.
وَيُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ لِصِحَّةِ النِّيَّةِ: الإِْسْلاَمُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالْعِلْمُ بِمَا يَنْوِيهِ؛ لِيَعْرِفَ حَقِيقَةَ الْمَنْوِيِّ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَنْوِي بِالتَّيَمُّمِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ أَوْ فَرْضَ التَّيَمُّمِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ، مُلاَحَظَةُ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ مِنَ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ، فَإِنْ لَمْ يُلاَحِظْهُ بِأَنْ نَسِيَهُ أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ وَأَعَادَ تَيَمُّمَهُ، هَذَا إِذَا لَمْ يَنْوِ فَرْضَ التَّيَمُّمِ، أَمَّا إِذَا نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ فَيُجْزِيهِ عَنِ الأَْكْبَرِ وَالأَْصْغَرِ وَإِنْ لَمْ يُلاَحِظْ، وَلاَ يُصَلَّى فَرْضٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِتَيَمُّمٍ نَوَاهُ لِغَيْرِهِ.قَال فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَلاَ صَلاَةَ بِتَيَمُّمٍ نَوَاهُ لِغَيْرِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَنْوِي اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَفْتَقِرُ اسْتِبَاحَتُهُ إِلَى طَهَارَةٍ. كَطَوَافٍ، وَحَمْل مُصْحَفٍ، وَسُجُودِ تِلاَوَةٍ، وَلَوْ تَيَمَّمَ بِنِيَّةِ الاِسْتِبَاحَةِ ظَانًّا أَنَّ حَدَثَهُ أَصْغَرُ فَبَانَ أَكْبَرُ أَوْ عَكْسَهُ صَحَّ؛ لأَِنَّ مُوجِبَهُمَا وَاحِدٌ، وَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يَصِحَّ فِي الأَْصَحِّ لِتَلاَعُبِهِ. فَلَوْ أَجْنَبَ فِي سَفَرِهِ وَنَسِيَ، وَكَانَ يَتَيَمَّمُ وَقْتًا، وَيَتَوَضَّأُ وَقْتًا، أَعَادَ صَلاَةَ الْوُضُوءِ فَقَطْ.
وَلاَ تَكْفِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ، أَوِ الأَْكْبَرِ، أَوِ الطَّهَارَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا؛ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَرْفَعُهُ لِبُطْلاَنِهِ بِزَوَال مُقْتَضِيهِ؛ وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَدْ تَيَمَّمَ عَنِ الْجَنَابَةِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ (15) ؟ .
قَال الرَّمْلِيُّ: وَشَمِل كَلاَمَهُ (النَّوَوِيَّ) مَا لَوْ كَانَ مَعَ التَّيَمُّمِ غَسْل بَعْضِ الأَْعْضَاءِ، وَإِنْ قَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ يَرْفَعُهُ حِينَئِذٍ.
وَلَوْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ، أَوْ فَرْضَ الطُّهْرِ، أَوِ التَّيَمُّمَ الْمَفْرُوضَ، أَوِ الطَّهَارَةَ عَنِ الْحَدَثِ أَوِ الْجَنَابَةِ لَمْ يَكْفِ فِي الأَْصَحِّ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ لَيْسَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى بِهِ عَنْ ضَرُورَةٍ، فَلاَ يُجْعَل مَقْصُودًا، بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَهُمْ: يَكْفِي كَالْوُضُوءِ.
وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِنَقْل الصَّعِيدِ الْحَاصِل بِالضَّرْبِ إِلَى الْوَجْهِ؛ لأَِنَّهُ أَوَّل الأَْرْكَانِ، وَكَذَا يَجِبُ اسْتِدَامَتُهَا إِلَى مَسْحِ شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ عَلَى الصَّحِيحِ. فَلَوْ زَالَتِ النِّيَّةُ قَبْل الْمَسْحِ لَمْ يَكْفِ؛ لأَِنَّ النَّقْل وَإِنْ كَانَ رُكْنًا فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ.
وَيَنْوِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اسْتِبَاحَةَ مَا لاَ يُبَاحُ إِلاَّ بِالتَّيَمُّمِ، وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا تَيَمَّمَ لَهُ كَصَلاَةٍ، أَوْ طَوَافٍ، أَوْ مَسِّ مُصْحَفٍ مِنْ حَدَثٍ أَصْغَر أَوْ أَكْبَر أَوْ نَجَاسَةٍ عَلَى بَدَنِهِ؛ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِنَّمَا يُبِيحُ الصَّلاَةَ، فَلاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ تَقْوِيَةً لِضَعْفِهِ.
وَصِفَةُ التَّعْيِينِ: أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ صَلاَةِ الظُّهْرِ مَثَلاً مِنَ الْجَنَابَةِ إِنْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ مِنَ الْحَدَثِ إِنْ كَانَ مُحْدِثًا، أَوْ مِنْهُمَا إِنْ كَانَ جُنُبًا مُحْدِثًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَإِنْ تَيَمَّمَ لِجَنَابَةٍ لَمْ يُجِزْهُ عَنِ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ؛ لأَِنَّهُمَا طَهَارَتَانِ فَلَمْ تُؤَدَّ إِحْدَاهُمَا بِنِيَّةِ الأُْخْرَى. وَلاَ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِنِيَّةِ رَفْعِ حَدَثٍ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (16) ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك (17) .

نِيَّةُ التَّيَمُّمِ لِصَلاَةِ النَّفْل وَغَيْرِهِ:
10 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ فَرْضًا وَنَفْلاً صَلَّى بِهِ الْفَرْضَ وَالنَّفَل، وَإِنْ نَوَى فَرْضًا وَلَمْ يُعَيِّنْ فَيَأْتِي بِأَيِّ فَرْضٍ شَاءَ، وَإِنْ عَيَّنَ فَرْضًا جَازَ لَهُ فِعْل فَرْضٍ وَاحِدٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ نَوَى الْفَرْضَ اسْتَبَاحَ مِثْلَهُ وَمَا دُونَهُ مِنَ النَّوَافِل، وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّفَل أَخَفُّ، وَنِيَّةُ الْفَرْضِ تَتَضَمَّنُهُ.
أَمَّا إِذَا نَوَى نَفْلاً أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ كَأَنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ بِلاَ تَعْيِينِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ لَمْ يُصَل إِلاَّ نَفْلاً؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ أَصْلٌ وَالنَّفَل تَابِعٌ فَلاَ يُجْعَل الْمَتْبُوعُ تَابِعًا، وَكَمَا إِذَا أَحْرَمَ بِالصَّلاَةِ مُطْلَقًا بِغَيْرِ تَعْيِينٍ فَإِنَّ صَلاَتَهُ تَنْعَقِدُ نَفْلاً.
وَالْمَالِكِيَّةُ كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ نِيَّةِ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَال نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلاَةِ، فَإِنْ لَمْ يُلاَحِظْهُ بِأَنْ نَسِيَهُ أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ الْحَدَثَ الأَْكْبَرَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ وَأَعَادَ أَبَدًا.
وَيُنْدَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ نِيَّةُ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ إِذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ، لَكِنْ لَوْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ فَلاَ تُنْدَبُ نِيَّةُ الأَْصْغَرِ وَلاَ الأَْكْبَرِ؛ لأَِنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِ تُجْزِئُ عَنْ كُل ذَلِكَ. وَإِذَا تَيَمَّمَ لِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ لِلْمُتَيَمِّمِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ صَلاَةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَل سَوَاءٌ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ الْفَرْضَ أَوِ النَّفَل؛ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مُطْلَقٌ عَنِ الْمَاءِ، وَهُوَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ أَيْضًا عِنْدَهُمْ (18) .

ب - مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ:
11 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ التَّيَمُّمِ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (19) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَسْحَ الْوَجْهِ فَرْضٌ، وَمَسْحَ الْيَدَيْنِ فَرْضٌ آخَرُ. لَكِنْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ الأَْوَّل هُوَ الضَّرْبَةُ الأُْولَى، وَالْفَرْضَ الثَّانِيَ هُوَ تَعْمِيمُ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْيَدَيْنِ هُوَ مَسْحُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ عَلَى وَجْهِ الاِسْتِيعَابِ كَالْوُضُوءِ. لِقِيَامِ التَّيَمُّمِ مَقَامَ الْوُضُوءِ فَيُحْمَل التَّيَمُّمُ عَلَى الْوُضُوءِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ مَسْحُ الْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ إِلَى الْكُوعَيْنِ، وَمِنَ الْكُوعَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ سُنَّةٌ؛ لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَال: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ. فَقَال عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَل، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَْرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ (20) .
ثُمَّ إِنَّ الْمَفْرُوضَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الضَّرْبَةَ الأُْولَى فَرْضٌ، وَالثَّانِيَةُ سُنَّةٌ. وَسَبَبُ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا هُوَ أَنَّ آيَةَ التَّيَمُّمِ مُجْمَلَةٌ، وَالأَْحَادِيثُ الْوَارِدَةُ مُتَعَارِضَةٌ، فَحَدِيثُ عَمَّارٍ الْمُتَقَدِّمُ فِيهِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ تُصَرِّحُ بِالضَّرْبَتَيْنِ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ (21) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد: أَنَّهُ ﷺ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ مَسَحَ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَبِالأُْخْرَى ذِرَاعَيْهِ (22) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إِزَالَةِ الْحَائِل عَنْ وُصُول التُّرَابِ إِلَى الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ كَنَزْعِ خَاتَمٍ وَنَحْوِهِ بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ. وَذَلِكَ لأَِنَّ التُّرَابَ كَثِيفٌ لَيْسَ لَهُ سَرَيَانُ الْمَاءِ وَسَيَلاَنُهُ. وَمَحَل الْوُجُوبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ وَيُسْتَحَبُّ فِي الأُْولَى، وَيَجِبُ النَّزْعُ عِنْدَ الْمَسْحِ لاَ عِنْدَ نَقْل التُّرَابِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ تَخْلِيل الأَْصَابِعِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ أَوِ الأَْصَابِعِ كَيْ يَتِمَّ الْمَسْحُ.
وَالتَّخْلِيل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَنْدُوبٌ احْتِيَاطًا. وَأَمَّا إِيصَال التُّرَابِ إِلَى مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُسْرِ بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ (23) .

ج - التَّرْتِيبُ:
12 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي التَّيَمُّمِ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَل مُسْتَحَبٌّ؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ الأَْصْلِيَّ الْمَسْحُ، وَإِيصَال التُّرَابِ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ فَلاَ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْفِعْل الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الْمَسْحُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فَرْضٌ كَالْوُضُوءِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فَرْضٌ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ حَدَثٍ أَكْبَر، أَمَّا التَّيَمُّمُ لِحَدَثٍ أَكْبَر وَنَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ فَلاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ تَرْتِيبٌ (24) .

د - الْمُوَالاَةُ:
13 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوَالاَةَ فِي التَّيَمُّمِ سُنَّةٌ كَمَا فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَا تُسَنُّ الْمُوَالاَةُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلاَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُوَالاَةَ فِي التَّيَمُّمِ عَنِ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ فَرْضٌ، وَأَمَّا عَنِ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ فَهِيَ فَرْضٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ دُونَ الْحَنَابِلَةِ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الْمُوَالاَةِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَبَيْنَ مَا يُفْعَل لَهُ مِنْ صَلاَةٍ وَنَحْوِهَا (25) . الأَْعْذَارُ الَّتِي يُشْرَعُ بِسَبَبِهَا التَّيَمُّمُ:
14 - الْمُبِيحُ لِلتَّيَمُّمِ فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ. وَهُوَ الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ، وَالْعَجْزُ، إِمَّا لِفَقْدِ الْمَاءِ وَإِمَّا لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مَعَ وُجُودِهِ:

أَوَّلاً: فَقْدُ الْمَاءِ:
أ - فَقْدُ الْمَاءِ لِلْمُسَافِرِ:
15 - إِذَا فَقَدَ الْمُسَافِرُ الْمَاءَ بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ أَصْلاً، أَوْ وَجَدَ مَاءً لاَ يَكْفِي لِلطَّهَارَةِ حِسًّا جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، لَكِنْ يَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنْ يَسْتَعْمِل مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْهُ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ عَنِ الْبَاقِي (26) لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (27) وَيَكُونُ فَقْدُ الْمَاءِ شَرْعًا لِلْمُسَافِرِ بِأَنْ خَافَ الطَّرِيقَ إِلَى الْمَاءِ، أَوْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهُ فَلاَ يُكَلَّفُ الْمُسَافِرُ حِينَئِذٍ بِطَلَبِهِ.
وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِمَنْ ظَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ أَوْ شَكَّ فِي وُجُودِهِ (وَمِثْلُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَارٌّ تَوَهَّمَ وُجُودَهُ) أَنْ يَطْلُبَهُ فِيمَا قَرُبَ مِنْهُ لاَ فِيمَا بَعُدَ. حَدُّ الْبُعْدِ عَنِ الْمَاءِ:
16 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الْبُعْدِ عَنِ الْمَاءِ الَّذِي يُبِيحُ التَّيَمُّمَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مِيلٌ (28) وَهُوَ يُسَاوِي أَرْبَعَةَ آلاَفِ ذِرَاعٍ.
وَحَدَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمِيلَيْنِ، وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَرْبَعِمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَهُوَ حَدُّ الْغَوْثِ وَهُوَ مِقْدَارُ غَلْوَةٍ (رَمْيَةُ سَهْمٍ) ، وَذَلِكَ فِي حَالَةِ تَوَهُّمِهِ لِلْمَاءِ أَوْ ظَنِّهِ أَوْ شَكِّهِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَأَوْجَبُوا طَلَبَ الْمَاءِ إِلَى أَرْبَعِمِائَةِ خُطْوَةٍ إِنْ ظَنَّ قُرْبَهُ مِنَ الْمَاءِ مَعَ الأَْمْنِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَيَقَّنَ فَقْدَ الْمَاءِ حَوْلَهُ تَيَمَّمَ بِلاَ طَلَبٍ، أَمَّا إِذَا تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ حَوْلَهُ طَلَبَهُ فِي حَدِّ الْقُرْبِ (وَهُوَ سِتَّةُ آلاَفِ خُطْوَةٍ) وَلاَ يَطْلُبُ الْمَاءَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ سَوَاءٌ فِي حَدِّ الْقُرْبِ أَوِ الْغَوْثِ إِلاَّ إِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنِ الرُّفْقَةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا تَيَقَّنَ أَوْ ظَنَّ الْمَاءَ طَلَبَهُ لأَِقَل مِنْ مِيلَيْنِ، وَيَطْلُبُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِيمَا قَرُبَ مِنْهُ عَادَةً (29) . هَذَا فِيمَا إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، أَمَّا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ عِنْدَ غَيْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فِي رَحْلِهِ فَهَل يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ أَوْ قَبُول هِبَتِهِ؟

الشِّرَاءُ:
17 - يَجِبُ عَلَى وَاجِدِ الْمَاءِ عِنْدَ غَيْرِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ إِذَا وَجَدَهُ بِثَمَنِ الْمِثْل أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، وَكَانَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَال فَاضِلاً عَنْ حَاجَتِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ إِلاَّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَمَنُ الْمَاءِ تَيَمَّمَ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ إِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ أَوْ يَرْجُو الْوَفَاءَ بِبَيْعِ شَيْءٍ، أَوِ اقْتِضَاءِ دَيْنٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَقَالُوا أَيْضًا بِوُجُوبِ اقْتِرَاضِ الْمَاءِ أَوْ ثَمَنِهِ إِذَا كَانَ يَرْجُو وَفَاءَهُ (30) .

الْهِبَةُ:
18 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءُ أَوْ أُعِيرَ دَلْوًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَبُول، أَمَّا لَوْ وُهِبَ ثَمَنَهُ فَلاَ يَجِبُ قَبُولُهُ بِالاِتِّفَاقِ لِعِظَمِ الْمِنَّةِ (31) . ب - فَقْدُ الْمَاءِ لِلْمُقِيمِ:
19 - إِذَا فَقَدَ الْمُقِيمُ الْمَاءَ وَتَيَمَّمَ فَهَل يُعِيدُ صَلاَتَهُ أَمْ لاَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يُعِيدُ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ هُوَ عَدَمُ الْمَاءِ فَأَيْنَمَا تَحَقَّقَ جَازَ التَّيَمُّمُ.
وَيُعِيدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْمُقَصِّرُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ نَدْبًا فِي الْوَقْتِ، وَصَحَّتْ صَلاَتُهُ إِنْ لَمْ يُعِدْ، كَوَاجِدِ الْمَاءِ الَّذِي طَلَبَهُ طَلَبًا لاَ يَشُقُّ عَلَيْهِ بِقُرْبِهِ بَعْدَ صَلاَتِهِ لِتَقْصِيرِهِ، أَوْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ بَعْدَ طَلَبِهِ. أَمَّا خَارِجَ الْوَقْتِ فَلاَ يُعِيدُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي تَيَمُّمِ الصَّحِيحِ الْحَاضِرِ الْفَاقِدِ لِلْمَاءِ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ إِذَا خَشِيَ فَوَاتَهَا بِطَلَبِ الْمَاءِ، فَفِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ لاَ يَتَيَمَّمُ لَهَا فَإِنْ فَعَل لَمْ يُجْزِهِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ، وَخِلاَفُ الْمَشْهُورِ يَتَيَمَّمُ لَهَا وَلاَ يَدَعُهَا وَهُوَ أَظْهَر مَدْرَكًا مِنَ الْمَشْهُورِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فَرْضُ التَّيَمُّمِ لِعَدَمِ الْمَاءِ بِالْمَرَّةِ فَيُصَلِّيهَا بِالتَّيَمُّمِ وَلاَ يَدَعُهَا، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَقَل الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ يُونُسَ، وَلاَ خِلاَفَ فِي هَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَكَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَتَيَمَّمُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ الْفَاقِدُ لِلْمَاءِ لِجِنَازَةٍ إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِنْ مُتَوَضِّئٍ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ.
وَلاَ يَتَيَمَّمُ لِنَفْلٍ اسْتِقْلاَلاً، وَلاَ وِتْرًا إِلاَّ تَبَعًا لِفَرْضٍ بِشَرْطِ أَنْ يَتَّصِل النَّفَل بِالْفَرْضِ حَقِيقَةً أَوْحُكْمًا، فَلاَ يَضُرُّ الْفَصْل الْيَسِيرُ (32) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِعَادِمِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ إِلاَّ بَعْدَ طَلَبِهِ. ثُمَّ قَال: وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ وَبَعْضِ الْخُرَاسَانِيِّينَ. وَقَال جَمَاعَاتٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ: إِنْ تَحَقَّقَ عَدَمَ الْمَاءِ حَوَالَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَبُ، وَبِهَذَا قَطَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا إِذْ اخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ وَجْهَيْنِ: قَال الرَّافِعِيُّ: أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الطَّلَبُ.
وَقَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: إِنْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ أَوِ الْمُقِيمُ فَقْدَ الْمَاءِ تَيَمَّمَ بِلاَ طَلَبٍ؛ لأَِنَّ طَلَبَ مَا عُلِمَ عَدَمُهُ عَبَثٌ، وَقِيل: لاَ بُدَّ مِنَ الطَّلَبِ لأَِنَّهُ لاَ يُقَال لِمَنْ لَمْ يَطْلُبْ لَمْ يَجِدْ.
ثُمَّ قَال: وَإِنْ تَوَهَّمَهُ أَيْ جَوَّزَهُ تَجَوُّزًا رَاجِحًا وَهُوَ الظَّنُّ، أَوْ مَرْجُوحًا وَهُوَ الْوَهْمُ، أَوْ مُسْتَوِيًا وَهُوَ الشَّكُّ، طَلَبَهُ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ وُجُوبًا؛ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، وَلاَ ضَرُورَةَ مَعَ الإِْمْكَانِ. وَمِثْل ذَلِكَ قَالَهُ الْقَلْيُوبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ (33) . نِسْيَانُ الْمَاءِ:
20 - لَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى فَإِنْ تَذَكَّرَهُ قَطَعَ صَلاَتَهُ وَأَعَادَهَا إِجْمَاعًا، أَمَّا إِذَا أَتَمَّ صَلاَتَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يَقْضِي صَلاَتَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ، وَالْحَنَابِلَةِ سَوَاءٌ فِي الْوَقْتِ أَوْ خَارِجِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَذَكَّرَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ صَلاَتَهُ، أَوْ خَارِجَ الْوَقْتِ فَلاَ يَقْضِي. وَسَبَبُ الْقَضَاءِ تَقْصِيرُهُ فِي الْوُقُوفِ عَلَى الْمَاءِ الْمَوْجُودِ عِنْدَهُ، فَكَانَ كَمَا لَوْ تَرَكَ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَصَلَّى عُرْيَانًا، وَكَانَ فِي رَحْلِهِ ثَوْبٌ نَسِيَهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَقْضِي لأَِنَّ الْعَجْزَ عَنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ قَدْ تَحَقَّقَ بِسَبَبِ الْجَهَالَةِ وَالنِّسْيَانِ، فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ كَمَا لَوْ حَصَل الْعَجْزُ بِسَبَبِ الْبُعْدِ أَوِ الْمَرَضِ أَوِ عَدَمِ الدَّلْوِ وَالرِّشَاءِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُعِيدُ إِذَا كَانَ هُوَ الْوَاضِعُ لِلْمَاءِ فِي الرَّحْل أَوْ غَيْرِهِ بِعِلْمِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْوَاضِعُ لِلْمَاءِ غَيْرَهُ وَبِلاَ عِلْمِهِ فَلاَ إِعَادَةَ اتِّفَاقًا عِنْدَهُمْ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَضَل رَحْلَهُ فِي رِحَالٍ وَطَلَبَهُ بِإِمْعَانٍ فَلَمْ يَجِدْهُ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الطَّلَبِ قَضَى لِتَقْصِيرِهِ (34) . ثَانِيًا: عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَال الْمَاءِ:
21 - يَجِبُ عَلَى مَنْ وَجَدَ الْمَاءَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي عِبَادَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِالطَّهَارَةِ، وَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْ ذَلِكَ إِلَى التَّيَمُّمِ إِلاَّ إِذَا عُدِمَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى اسْتِعْمَال الْمَاءِ، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالْمَرَضِ، أَوْ خَوْفِ الْمَرَضِ مِنَ الْبَرْدِ وَنَحْوِهِ، أَوِ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ.

أ - الْمَرَضُ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ إِذَا تَيَقَّنَ التَّلَفَ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ إِذَا خَافَ مِنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عُضْوِهِ هَلاَكَهُ، أَوْ زِيَادَةَ مَرَضِهِ، أَوْ تَأَخُّرَ بُرْئِهِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْعَادَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ، وَاكْتَفَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ مَسْتُورًا أَيْ غَيْرَ ظَاهِرِ الْفِسْقِ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ - وَالْحَنَابِلَةُ زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ - خَوْفَ حُدُوثِ الشَّيْنِ الْفَاحِشِ.
وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِمَا يَكُونُ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ؛ لأَِنَّهُ يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ وَيَدُومُ ضَرَرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالظَّاهِرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ غَالِبًا كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْحَرَكَةِ وَلاَ يَجِدُ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ يَتَيَمَّمُ كَعَادِمِ الْمَاءِ وَلاَ يُعِيدُ.وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَوْ بِأَجْرِ الْمِثْل وَعِنْدَهُ مَالٌ لاَ يَتَيَمَّمُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (35) .

ب - خَوْفُ الْمَرَضِ مِنَ الْبَرْدِ وَنَحْوِهِ:
22 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ (خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي الْحَضَرِ) لِمَنْ خَافَ مِنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ هَلاَكًا، أَوْ حُدُوثَ مَرَضٍ، أَوْ زِيَادَتَهُ، أَوْ بُطْءَ بُرْءٍ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءَ، أَوْ لَمْ يَجِدْ أُجْرَةَ الْحَمَّامِ، أَوْ مَا يُدْفِئُهُ، سَوَاءٌ فِي الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ أَوِ الأَْصْغَرِ؛ لإِِقْرَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﵁ عَلَى تَيَمُّمِهِ خَوْفَ الْبَرْدِ وَصَلاَتِهِ بِالنَّاسِ إِمَامًا وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِْعَادَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ جَوَازَ التَّيَمُّمِ لِلْبَرْدِ خَاصٌّ بِالْجُنُبِ؛ لأَِنَّ الْمُحْدِثَ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِلْبَرْدِ فِي الصَّحِيحِ خِلاَفًا لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ إِلاَّ إِذَا تَحَقَّقَ الضَّرَرُ مِنَ الْوُضُوءِ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ حِينَئِذٍ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لِلْبَرْدِ - عَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ - لاَ يُعِيدُ صَلاَتَهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُعِيدُ صَلاَتَهُ فِي الأَْظْهَرِ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَالثَّانِي: لاَ يُعِيدُ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، أَمَّا إِذَا تَيَمَّمَ الْمُقِيمُ لِلْبَرْدِ فَالْمَشْهُورُ كَمَا قَال الرَّافِعِيُّ الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الإِْعَادَةِ، وَقَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ جُمْهُورَ الشَّافِعِيَّةِ قَطَعُوا بِهِ (36) .

ج - الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ:
23 - يَتَيَمَّمُ الْعَاجِزُ الَّذِي لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى اسْتِعْمَال الْمَاءِ وَلاَ يُعِيدُ كَالْمُكْرَهِ، وَالْمَحْبُوسِ، وَالْمَرْبُوطِ بِقُرْبِ الْمَاءِ، وَالْخَائِفِ مِنْ حَيَوَانٍ، أَوِ إِنْسَانٍ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ؛ لأَِنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ حُكْمًا، وَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ (37) . وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِمَّا تَقَدَّمَ الْمُكْرَهَ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُعِيدُ صَلاَتَهُ (38) .

د - الْحَاجَةُ إِلَى الْمَاءِ:
24 - يَتَيَمَّمُ وَلاَ يُعِيدُ مَنِ اعْتَقَدَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يَحْتَاجُ الْمَاءَ الَّذِي مَعَهُ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَل؛ لِنَحْوِ عَطَشِ إِنْسَانٍ مَعْصُومِ الدَّمِ، أَوْ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ شَرْعًا - وَلَوْ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ حِرَاسَةٍ - عَطَشًا مُؤَدِّيًا إِلَى الْهَلاَكِ أَوْ شِدَّةِ الأَْذَى، وَذَلِكَ صَوْنًا لِلرُّوحِ عَنِ التَّلَفِ، بِخِلاَفِ الْحَرْبِيِّ، وَالْمُرْتَدِّ، وَالْكَلْبِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَيَمَّمُ بَل يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ الَّذِي مَعَهُ لِعَدَمِ حُرْمَةِ هَؤُلاَءِ.
وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْحَاجَةُ لِلْمَاءِ لِلشُّرْبِ، أَمِ الْعَجْنِ، أَمِ الطَّبْخِ.
وَمِنْ قَبِيل الاِحْتِيَاجِ لِلْمَاءِ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ غَيْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا بِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَلَى الْبَدَنِ أَمِ الثَّوْبِ، وَخَصَّهَا الشَّافِعِيَّةُ بِالْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الثَّوْبِ تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ وَصَلَّى عُرْيَانًا إِنْ لَمْ يَجِدْ سَاتِرًا وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ (39) .

التَّيَمُّمُ لِلنَّجَاسَةِ:
25 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَعَجَزَ عَنْ غَسْلِهَا لِعَدَمِ الْمَاءِ، أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ تَيَمَّمَ لَهَا وَصَلَّى، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ. وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَعَجَزَ عَنْ غَسْلِهَا يُصَلِّي بِحَسَبِ حَالِهِ بِلاَ تَيَمُّمٍ وَلاَ يُعِيدُ (40) .

مَا يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ:
26 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ الطَّاهِرِ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَرْضٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (41) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (42) .
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالصَّعِيدِ هَل هُوَ وَجْهُ الأَْرْضِ أَوِ التُّرَابُ الْمُنْبِتُ؟ أَمَّا جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى التُّرَابِ الْمُنْبِتِ فَبِالإِْجْمَاعِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِمَّا عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّعِيدِ وَجْهُ الأَْرْضِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ التَّيَمُّمُ بِكُل مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ؛ لأَِنَّ الصَّعِيدَ مُشْتَقٌّ مِنَ الصُّعُودِ وَهُوَ الْعُلُوُّ، وَهَذَا لاَ يُوجِبُ الاِخْتِصَاصَ بِالتُّرَابِ، بَل يَعُمُّ كُل مَا صَعِدَ عَلَى الأَْرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِالأَْرْضِ (43) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَقَوْلُهُ ﵊: جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا (44) وَاسْمُ الأَْرْضِ يَتَنَاوَل جَمِيعَ أَنْوَاعِهَا.
وَالطَّيِّبُ عِنْدَهُمْ هُوَ الطَّاهِرُ، وَهُوَ الأَْلْيَقُ هُنَا؛ لأَِنَّهُ شُرِعَ مُطَهِّرًا، وَالتَّطْهِيرُ لاَ يَقَعُ إِلاَّ بِالطَّاهِرِ، مَعَ أَنَّ مَعْنَى الطَّهَارَةِ صَارَ مُرَادًا بِالإِْجْمَاعِ حَتَّى لاَ يَجُوزَ التَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ النَّجَسِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ مَا يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ - وَهُوَ الأَْفْضَل مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ - وَالرَّمْل، وَالْحَصَى، وَالْجِصِّ الَّذِي لَمْ يُحْرَقْ بِالنَّارِ، فَإِنْ أُحْرِقَ أَوْ طُبِخَ لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِهِ.
وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْمَعَادِنِ مَا دَامَتْ فِي مَوَاضِعِهَا وَلَمْ تُنْقَل مِنْ مَحَلِّهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ - الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ - أَوْ مِنَ الْجَوَاهِرِ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلاَ يَتَيَمَّمُ عَلَى الْمَعَادِنِ مِنْ شَبٍّ، وَمِلْحٍ، وَحَدِيدٍ، وَرَصَاصٍ، وَقَصْدِيرٍ، وَكُحْلٍ، إِنْ نُقِلَتْ مِنْ مَحَلِّهَا وَصَارَتْ أَمْوَالاً فِي أَيْدِي النَّاسِ. وَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْخَشَبِ وَالْحَشِيشِ سَوَاءٌ أَوْجَدَ غَيْرَهُمَا أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَهُمْ بِالْجَلِيدِ وَهُوَ الثَّلْجُ الْمُجَمَّدُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ أَوِ الْبَحْرِ، حَيْثُ عَجَزَ عَنْ تَحْلِيلِهِ وَتَصْيِيرِهِ مَاءً؛ لأَِنَّهُ أَشْبَهَ بِجُمُودِهِ الْحَجَرَ فَالْتُحِقَ بِأَجْزَاءِ الأَْرْضِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُل مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُل مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ الْتَزَقَ بِيَدِهِ شَيْءٌ أَوْ لاَ؛ لأَِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ التَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الاِلْتِزَاقِ، وَلاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ إِلاَّ بِدَلِيلٍ.
وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَجُوزُ إِلاَّ إِذَا الْتَزَقَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، فَالأَْصْل عِنْدَهُ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنِ اسْتِعْمَال جُزْءٍ مِنَ الصَّعِيدِ وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِلاَّ بِأَنْ يَلْتَزِقَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْهُ.
فَعَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالْجِصِّ، وَالنُّورَةِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالطِّينِ الأَْحْمَرِ، وَالأَْسْوَدِ، وَالأَْبْيَضِ، وَالْكُحْل، وَالْحَجَرِ الأَْمْلَسِ، وَالْحَائِطِ الْمُطَيَّنِ، وَالْمُجَصَّصِ، وَالْمِلْحِ الْجَبَلِيِّ دُونَ الْمَائِيِّ، وَالآْجُرِّ، وَالْخَزَفِ الْمُتَّخَذِ مِنْ طِينٍ خَالِصٍ، وَالأَْرْضِ النَّدِيَّةِ، وَالطِّينِ الرَّطْبِ.
وَلَكِنْ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالطِّينِ مَا لَمْ يَخَفْ ذَهَابَ الْوَقْتِ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَلْطِيخَ الْوَجْهِ مِنْ غَيْرِضَرُورَةٍ فَيَصِيرُ بِمَعْنَى الْمُثْلَةِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ تَيَمَّمَ بِهِ أَجْزَأَهُ عِنْدَهُمَا؛ لأَِنَّ الطِّينَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ، فَإِنْ خَافَ ذَهَابَ الْوَقْتِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى عِنْدَهُمَا.
وَيَحُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَهُمَا بِالْغُبَارِ بِأَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى ثَوْبٍ، أَوْ لِبَدٍ، أَوْ صِفَةِ سَرْجٍ، فَارْتَفَعَ غُبَارٌ، أَوْ كَانَ عَلَى الْحَدِيدِ، أَوْ عَلَى الْحِنْطَةِ، أَوِ الشَّعِيرِ، أَوْ نَحْوِهَا غُبَارٌ، فَتَيَمَّمَ بِهِ أَجْزَأَهُ فِي قَوْلِهِمَا؛ لأَِنَّ الْغُبَارَ وَإِنْ كَانَ لَطِيفًا فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، كَمَا يَجُوزُ بِالْكَثِيفِ بَل أَوْلَى.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - ﵄ - كَانَ بِالْجَابِيَةِ (45) فَمُطِرُوا فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً يَتَوَضَّئُونَ بِهِ، وَلاَ صَعِيدًا يَتَيَمَّمُونَ بِهِ، فَقَال ابْنُ عُمَرَ: لِيَنْفُضَ كُل وَاحِدٍ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ، أَوْ صِفَةَ سَرْجِهِ، وَلْيَتَيَمَّمْ، وَلْيُصَل، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا. وَلَوْ كَانَ الْمُسَافِرُ فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ لاَ يَجِدُ مَاءً وَلاَ صَعِيدًا وَلَيْسَ فِي ثَوْبِهِ وَسَرْجِهِ غُبَارٌ لَطَّخَ ثَوْبَهُ أَوْ بَعْضَ جَسَدِهِ بِالطِّينِ فَإِذَا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ.
أَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ فَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ اتِّفَاقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. فَكُل مَا يَحْتَرِقُ بِالنَّارِ فَيَصِيرُ رَمَادًا كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ مَا يَنْطَبِعُ وَيَلِينُ كَالْحَدِيدِ، وَالصُّفْرِ، وَالنُّحَاسِ، وَالزُّجَاجِ وَنَحْوِهَا، فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ.
كَمَا لاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالرَّمَادِ لأَِنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَطَبِ فَلَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلاَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ ذِي غُبَارٍ يَعْلَقُ بِالْيَدِ غَيْرِ مُحْتَرِقٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (46) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَمْسَحُ بِجُزْءٍ مِنْهُ، فَمَا لاَ غُبَارَ لَهُ كَالصَّخْرِ، لاَ يَمْسَحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ ﷺ: جُعِل التُّرَابُ لِي طَهُورًا (47) .
فَإِنْ كَانَ جَرِيشًا أَوْ نَدِيًّا لاَ يَرْتَفِعُ لَهُ غُبَارٌ لَمْ يَكْفِ. لأَِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ هُوَ التُّرَابُ الْمُنْبِتُ، وَقَدْ سُئِل ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَيُّ الصَّعِيدِ أَطْيَبُ فَقَال: الْحَرْثُ، وَهُوَ التُّرَابُ الَّذِي يَصْلُحُ لِلنَّبَاتِ دُونَ السَّبْخَةِ وَنَحْوِهَا.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى التُّرَابِ الرَّمْل الَّذِي فِيهِ غُبَارٌ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ الْجَوَازُ وَعَدَمُهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ أَيْضًا.
وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا (الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ) التَّيَمُّمُ بِمَعْدِنٍ كَنَفْطٍ، وَكِبْرِيتٍ، وَنُورَةٍ، وَلاَ بِسَحَاقَةِ خَزْفٍ؛ إِذْ لاَ يُسَمَّى ذَلِكَ تُرَابًا.
وَلاَ بِتُرَابٍ مُخْتَلِطٍ بِدَقِيقٍ وَنَحْوِهِ كَزَعْفَرَانٍ، وَجِصٍّ؛ لِمَنْعِهِ وُصُول التُّرَابِ إِلَى الْعُضْوِ، وَلاَ بِطِينٍ رَطْبٍ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِتُرَابٍ، وَلاَ بِتُرَابٍ نَجَسٍ كَالْوُضُوءِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (48) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ إِنَّ مَا اُسْتُعْمِل فِي التَّيَمُّمِ لاَ يَتَيَمَّمُ بِهِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَل. وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ الْمَغْصُوبَ وَنَحْوَهُ فَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ.
وَيَجُوزُ الْمَسْحُ بِالثَّلْجِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إِذَا تَعَذَّرَ تَذْوِيبُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (49) . ثُمَّ إِذَا جَرَى الْمَاءُ عَلَى الأَْعْضَاءِ بِالْمَسِّ لَمْ يُعِدِ الصَّلاَةَ لِوُجُودِ الْغُسْل وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا، وَإِنْ لَمْ يَسِل أَعَادَ صَلاَتَهُ؛ لأَِنَّهُ صَلَّى بِدُونِ طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ (50) .

كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ:
27 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ:
أ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ (51) . ب - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ الْوَاجِبَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي التَّيَمُّمِ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ (52) وَالْيَدُ إِذَا أُطْلِقَتْ لاَ يَدْخُل فِيهَا الذِّرَاعُ كَمَا فِي الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ فِي السَّرِقَةِ. وَالأَْكْمَل عَنْهُمْ ضَرْبَتَانِ وَإِلَى الْمِرْفَقَيْنِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَصُورَتُهُ - عِنْدَهُمْ جَمِيعًا - فِي مَسْحِ الْيَدَيْنِ بِالضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ: أَنْ يُمِرَّ الْيَدَ الْيُسْرَى عَلَى الْيَدِ الْيُمْنَى مِنْ فَوْقِ الْكَفِّ إِلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ بَاطِنِ الْمِرْفَقِ إِلَى الْكُوعِ (الرُّسْغِ) ، ثُمَّ يُمِرَّ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى كَذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّيَمُّمِ إِيصَال التُّرَابِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، فَبِأَيِّ صُورَةٍ حَصَل اسْتِيعَابُ الْعُضْوَيْنِ بِالْمَسْحِ أَجْزَأَهُ تَيَمُّمُهُ. سَوَاءٌ احْتَاجَ إِلَى ضَرْبَتَيْنِ أَوْ أَكْثَر، وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ (53) .

سُنَنُ التَّيَمُّمِ:
يُسَنُّ فِي التَّيَمُّمِ أُمُورٌ:

أ - التَّسْمِيَةُ:
28 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ فِي أَوَّل التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ بِأَنْ يَقُول: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَيَكْتَفِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِبِسْمِ اللَّهِ، وَقِيل: الأَْفْضَل ذِكْرُهَا كَامِلَةً.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فَضِيلَةٌ - وَهِيَ عِنْدَهُمْ أَقَل مِنَ السُّنَّةِ - أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَالتَّسْمِيَةُ وَاجِبَةٌ كَالتَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ.

ب - التَّرْتِيبُ:
29 - يُسَنُّ التَّرْتِيبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ يَمْسَحَ الْوَجْهَ أَوَّلاً ثُمَّ الْيَدَيْنِ، فَإِنْ عَكَسَ صَحَّ تَيَمُّمُهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ يُعِيدَ مَسْحَ الْيَدَيْنِ إِنْ قَرُبَ الْمَسْحُ وَلَمْ يُصَل بِهِ، وَإِلاَّ بَطَل التَّيَمُّمُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ كَالْوُضُوءِ.

ج - الْمُوَالاَةُ:
30 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوَالاَةَ سُنَّةٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى وُجُوبِ الْمُوَالاَةِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ الْمُسْتَعْمَل مَاءً لاَ يَجِفُّ الْعُضْوُ السَّابِقُ قَبْل غَسْل الثَّانِي كَمَا فَعَل النَّبِيُّ ﷺ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُ حَيْثُ لَمْ يَقَعْ فِيهَا الْفَصْل بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (54) . د - سُنَنٌ أُخْرَى:
31 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى سُنِّيَّةِ الضَّرْبِ بِبَاطِنِ الْكَفَّيْنِ وَإِقْبَال الْيَدَيْنِ بَعْدَ وَضْعِهِمَا فِي التُّرَابِ وَإِدْبَارِهِمَا مُبَالَغَةً فِي الاِسْتِيعَابِ، ثُمَّ نَفْضِهِمَا اتِّقَاءَ تَلْوِيثِ الْوَجْهِ، نُقِل ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَذَهَبُوا أَيْضًا إِلَى سُنِّيَّةِ تَفْرِيجِ الأَْصَابِعِ لِيَصِل التُّرَابُ إِلَى مَا بَيْنَهَا، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى سُنِّيَّةِ الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ لِيَدَيْهِ وَالْمَسْحِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَأَنْ لاَ يَمْسَحَ بِيَدَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ ضَرْبِهِمَا بِالأَْرْضِ قَبْل مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، فَإِنْ فَعَل كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ، وَهَذَا لاَ يَمْنَعُ مِنْ نَفْضِهِمَا نَفْضًا خَفِيفًا.
وَمِنَ الْفَضَائِل عِنْدَهُمْ فِي التَّيَمُّمِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، وَالْبَدْءُ بِالْيُمْنَى، وَتَخْلِيل الأَْصَابِعِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُسَنُّ الْبُدَاءَةُ بِأَعْلَى الْوَجْهِ، وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى، وَتَفْرِيقُ الأَْصَابِعِ فِي الضَّرْبَةِ الأُْولَى، وَتَخْلِيل الأَْصَابِعِ بَعْدَ مَسْحِ الْيَدَيْنِ احْتِيَاطًا، وَتَخْفِيفُ الْغُبَارِ لِئَلاَّ تَتَشَوَّهَ بِهِ خِلْقَتُهُ.
وَيُسَنُّ عِنْدَهُمْ أَيْضًا الْمُوَالاَةُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلاَةِ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهَا - وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ - وَيُسَنُّ أَيْضًا إِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِكَالدَّلْكِ فِي الْوُضُوءِ، وَعَدَمُ تَكْرَارِ الْمَسْحِ، وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، وَالشَّهَادَتَانِ بَعْدَهُ كَالْوُضُوءِ فِيهِمَا.
وَيُسَنُّ نَزْعُ الْخَاتَمِ فِي الضَّرْبَةِ الأُْولَى بِاعْتِبَارِ الْيَدِ فِيهَا أَدَاةً لِلْمَسْحِ، وَفِي الثَّانِيَةِ هِيَ مَحَلٌّ لِلتَّطْهِيرِ، وَهُوَ رُكْنٌ فَيَجِبُ، وَيُسَنُّ السِّوَاكُ قَبْلَهُ، وَنَقْل التُّرَابِ إِلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ. وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَخْلِيل الأَْصَابِعِ أَيْضًا (55) .

مَكْرُوهَاتُ التَّيَمُّمِ:
32 - يُكْرَهُ تَكْرَارُ الْمَسْحِ بِالاِتِّفَاقِ، وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَثْرَةُ الْكَلاَمِ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَإِطَالَةُ الْمَسْحِ إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالتَّحْجِيل.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ تَكْثِيرُ التُّرَابِ وَتَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ وَلَوْ بَعْدَ فِعْل صَلاَةٍ، وَمَسْحُ التُّرَابِ عَنْ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، فَالأَْحَبُّ أَنْ لاَ يَفْعَلَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلاَةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يُكْرَهُ الضَّرْبُ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّتَيْنِ، وَنَفْخُ التُّرَابِ إِنْ كَانَ خَفِيفًا (56) . نَوَاقِضُ التَّيَمُّمِ:
33 - يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ مَا يَأْتِي:
أ - كُل مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالْغُسْل؛ لأَِنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُمَا، وَنَاقِضُ الأَْصْل نَاقِضٌ لِخَلَفِهِ، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَيْ (وُضُوءٌ وَغُسْلٌ) .
ب - رُؤْيَةُ الْمَاءِ أَوِ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَال الْمَاءِ الْكَافِي وَلَوْ مَرَّةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَكْفِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَذَلِكَ قَبْل الصَّلاَةِ لاَ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ فَاضِلاً عَنْ حَاجَتِهِ الأَْصْلِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمَاءَ الْمَشْغُول بِالْحَاجَةِ كَالْمَعْدُومِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مُرُورَ نَائِمٍ أَوْ نَاعِسٍ مُتَيَمِّمٍ عَلَى مَاءٍ كَافٍ يُبْطِل تَيَمُّمَهُ كَالْمُسْتَيْقِظِ أَمَّا رُؤْيَةُ الْمَاءِ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا تُبْطِل التَّيَمُّمَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِبُطْلاَنِ الطَّهَارَةِ بِزَوَال سَبَبِهَا؛ وَلأَِنَّ الأَْصْل إِيقَاعُ الصَّلاَةِ بِالْوُضُوءِ.
وَلاَ تُبْطِلُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلاَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَافِرِ فِي مَحَلٍّ لاَ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ؛ لِوُجُودِ الإِْذْنِ بِالدُّخُول فِي الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ، وَالأَْصْل بَقَاؤُهُ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (57) وَقَدْ كَانَ عَمَلُهُ سَلِيمًا قَبْل رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَالأَْصْل بَقَاؤُهُ، وَقِيَاسًا عَلَى رُؤْيَةِ الْمَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِصَلاَةِ الْمُقِيمِ بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهَا تَبْطُل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ وَتَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ لِوُجُودِ الْمَاءِ، لَكِنْ لَيْسَ مُطْلَقًا، بَل قَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْمَاءُ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُقِيمُ فِي مَحَلٍّ لاَ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَحُكْمُهُ حِينَئِذٍ حُكْمُ الْمُسَافِرِ.
وَأَمَّا إِذَا رَأَى الْمَاءَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الصَّلاَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلاَةِ فَلاَ يُعِيدُهَا الْمُسَافِرُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَمْ يُعِدْهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَافِرِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُقِيمَ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ إِذَا تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلاَتَهُ لِنُدُورِ الْفَقْدِ وَعَدَمِ دَوَامِهِ وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَقْضِي وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِالْمَقْدُورِ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ تَلْزَمُهُ الصَّلاَةُ فِي الْحَال بَل يَصْبِرُ حَتَّى يَجِدَهُ فِي الْوَقْتِ، بِخِلاَفِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ لاَ يُعِيدُ إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ كَمَا سَبَقَ.

ج - زَوَال الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لَهُ، كَذَهَابِ الْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ وَالْبَرْدِ؛ لأَِنَّ مَا جَازَ بِعُذْرٍ بَطَل بِزَوَالِهِ.

د - خُرُوجُ الْوَقْتِ: فَإِنَّهُ يُبْطِل التَّيَمُّمَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ أَمْ لاَ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ تَبْطُل صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّهَا طَهَارَةٌ انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا، كَمَا لَوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ.

هـ - الرِّدَّةُ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الرِّدَّةَ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - لاَ تُبْطِل التَّيَمُّمَ فَيُصَلِّي بِهِإِذَا أَسْلَمَ؛ لأَِنَّ الْحَاصِل بِالتَّيَمُّمِ الطَّهَارَةُ، وَالْكُفْرُ لاَ يُنَافِيهَا كَالْوُضُوءِ؛ وَلأَِنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِل ثَوَابَ الْعَمَل لاَ زَوَال الْحَدَثِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِل التَّيَمُّمَ لِضَعْفِهِ بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ لِقُوَّتِهِ.

و الْفَصْل الطَّوِيل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْفَصْل الطَّوِيل بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلاَةِ لاَ يُبْطِلُهُ، وَالْمُوَالاَةُ لَيْسَتْ وَاجِبَةً بَيْنَهُمَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفَصْل الطَّوِيل بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلاَةِ يُبْطِلُهُ لاِشْتِرَاطِهِمِ الْمُوَالاَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِلرَّجُل أَنْ يُصِيبَ زَوْجَتَهُ إِذَا كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قُلْت يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طَهُورٍ فَقَال ﷺ: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ (58) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهِيَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ إِلَى كَرَاهَةِ نَقْضِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل لِمَنْ هُوَ فَاقِدٌ الْمَاءَ إِلاَّ لِضَرَرٍ يُصِيبُ الْمُتَوَضِّئَ مِنْ حَقْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لِضَرَرٍ يُصِيبُ تَارِكَ الْجِمَاعِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ ضَرَرٌ فَلاَ كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ (59) . تَيَمُّمُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ وَمَرَضِهِ:
34 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى جَوَازِ تَيَمُّمِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الرُّخْصَةِ كَغَيْرِهِ، وَالأَْدِلَّةُ عَامَّةٌ تَشْمَل الطَّائِعَ وَالْعَاصِيَ وَلَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا؛ وَلأَِنَّ الْعَاصِيَ قَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ، وَإِنَّ الْقُبْحَ الْمُجَاوِرَ لاَ يُعْدِمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ.
هَذَا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، أَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ فَحِينَئِذٍ لاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ، وَمَنْ سَافَرَ لِيُتْعِبَ نَفْسَهُ أَوْ دَابَّتَهُ عَبَثًا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ وَيَقْضِيَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الرُّخْصَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا إِلَى أَنَّ الْعَاصِيَ بِمَرَضِهِ لَيْسَ مِنْ أَهْل الرُّخْصَةِ، فَإِنْ عَصَى بِمَرَضِهِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يَتُوبَ (60) . التَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنِ الْمَاءِ:
35 - ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ (61) إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَنُوبُ عَنِ الْوُضُوءِ مِنِ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ، وَعَن الْغُسْل مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَيَصِحُّ بِهِ مَا يَصِحُّ بِهِمَا مِنْ صَلاَةِ فَرْضٍ أَوْ سُنَّةٍ وَطَوَافٍ وَقِرَاءَةٍ لِلْجُنُبِ وَمَسِّ مُصْحَفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ مِنْ مُصْطَلَحَيْ (وُضُوءٌ وَغُسْلٌ) .
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (62) بِنَاءً عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: {أَوْ لاَمَسْتُمِ النِّسَاءَ} (63) فَمَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُلاَمَسَةَ هِيَ الْجِمَاعُ. قَال: إِنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْمُحْدِثِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَدَثُ أَصْغَر أَمْ أَكْبَر أَمَّا مَنْ ذَهَبَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُلاَمَسَةَ بِمَعْنَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ قَال: إِنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَر فَقَطْ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ مَشْرُوعِيَّةُ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ ثَابِتَةً بِالسُّنَّةِ. كَحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَال: كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ. فَقَال: مَا مَنَعَك أَنْ تُصَلِّيَ؟ قَال: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ. وَلاَ مَاءَ. قَال: عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيك (64) .
وَكَحَدِيثِ جَابِرٍ قَال: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَل أَصْحَابَهُ، هَل تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَك رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَل فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَال: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلاَ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَال، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ، أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهِ، وَيَغْسِل سَائِرَ جَسَدِهِ (65) .
فَيَدُل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ الْعُدُول عَنِ الْغُسْل إِلَى التَّيَمُّمِ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ. وَمِثْل حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّهُ لَمَّا بُعِثَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاَسِل قَال: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَال: يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ، فَقُلْت: ذَكَرْتُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (66) فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ، فَضَحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُل شَيْئًا (67) . فَيَدُل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ (68) .

نَوْعُ بَدَلِيَّةِ التَّيَمُّمِ عَنِ الْمَاءِ:
36 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَوْعِ الْبَدَل هَل هُوَ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ أَوْ بَدَلٌ مُطْلَقٌ؟
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدَثَ لاَ يَرْتَفِعُ بِالتَّيَمُّمِ، فَيُبَاحُ لِلْمُتَيَمِّمِ الصَّلاَةُ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ حَقِيقَةً لِلضَّرُورَةِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَك (69) . وَلَوْ رَفَعَ التَّيَمُّمُ الْحَدَثَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْمَاءِ إِذَا وَجَدَهُ، وَإِذَا رَأَى الْمَاءَ عَادَ الْحَدَثُ، مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ، وَأُبِيحَتْ لَهُ الصَّلاَةُ لِلضَّرُورَةِ.
إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ أَجَازُوا بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ صَلاَةَ مَا عَلَيْهِ مِنْ فَوَائِتَ فِي الْوَقْتِ إِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مُطْلَقٌ، وَلَيْسَ بِبَدَلٍ ضَرُورِيٍّ، فَالْحَدَثُ يَرْتَفِعُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَى وَقْتِ وُجُودِ الْمَاءِ فِي حَقِّ الصَّلاَةِ الْمُؤَدَّاةِ لِقَوْلِهِ ﷺ التَّيَمُّمُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَوْ يُحْدِثْ (70) .
أَطْلَقَ النَّبِيُّ ﷺ الْوُضُوءَ عَلَى التَّيَمُّمِ وَسَمَّاهُ بِهِ. وَالْوُضُوءُ مُزِيلٌ لِلْحَدَثِ فَكَذَا التَّيَمُّمُ؛ وَلِقَوْلِهِ ﷺ: جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا (71) وَالطَّهُورُ اسْمٌ لِلْمُطَهِّرِ، وَالْحَدِيثُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يَزُول بِالتَّيَمُّمِ إِلَى حِينِ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ عَادَ حُكْمُ الْحَدِيثِ (72) .

ثَمَرَةُ هَذَا الْخِلاَفِ:
37 - يَتَرَتَّبُ عَلَى خِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي نَوْعِ بَدَلِيَّةِ التَّيَمُّمِ مَا يَلِي:

أ - وَقْتُ التَّيَمُّمِ:
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ إِلاَّ بَعْدَ دُخُول وَقْتِ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ لَهُ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ. وَاسْتَدَلُّوا لِلْفَرْضِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} (73) وَالْقِيَامُ إِلَى الصَّلاَةِ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ لاَ قَبْلَهُ. كَمَا اسْتَدَلُّوا لِلنَّفْل بِقَوْلِهِ ﷺ: جُعِلَتِ الأَْرْضُ كُلُّهَا لِي وَلأُِمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي الصَّلاَةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ (74) .
وَإِنَّمَا جَازَ قَبْل الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ رَافِعًا لِلْحَدَثِ بِخِلاَفِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ قَبْل الْوَقْتِ.
أَمَّا صَلاَةُ الْجِنَازَةِ أَوِ النَّفْل الَّذِي لاَ وَقْتَ لَهُ، أَوِ الْفَوَائِتِ الَّتِي أَرَادَ قَضَاءَهَا، فَإِنَّهُ لاَ وَقْتَ لِهَذَا التَّيَمُّمِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتٍ مَنْهِيٍّ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهِ شَرْعًا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ قَبْل الْوَقْتِ وَلأَِكْثَرَ مِنْ فَرْضٍ وَلِغَيْرِ الْفَرْضِ أَيْضًا لأَِنَّ التَّيَمُّمَ يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ إِلَى وُجُودِ الْمَاءِ، وَلَيْسَ بِمُبِيحٍ فَقَطْ، وَقَاسُوا ذَلِكَ عَلَى الْوُضُوءِ؛ وَلأَِنَّ التَّوْقِيتَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وَلاَ دَلِيل فِيهِ (75) . تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ:
38 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ لآِخِرِ الْوَقْتِ أَفْضَل مِنْ تَقْدِيمِهِ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ، أَمَّا إِذَا يَئِسَ مِنْ وُجُودِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَقْدِيمُهُ أَوَّل الْوَقْتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ) .
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ أَفْضَلِيَّةَ التَّأْخِيرِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ أَنْ لاَ يَخْرُجَ وَقْتُ الْفَضِيلَةِ لاَ مُطْلَقًا، حَتَّى لاَ يَقَعَ الْمُصَلِّي فِي كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ بَعْدَ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي صَلاَةِ الْمَغْرِبِ هَل يُؤَخَّرُ أَمْ لاَ؟ ذَهَبَ إِلَى كُلٍّ فَرِيقٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالُوا: اسْتِحْبَابُ التَّأْخِيرِ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ ظَنًّا أَوْ يَقِينًا، أَمَّا إِذَا كَانَ مُتَرَدِّدًا أَوْ رَاجِيًا لَهُ فَيَتَوَسَّطُ فِي فِعْل الصَّلاَةِ.
وَالْقَوْل بِاسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ هُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ؛ لأَِنَّ مُرِيدَ الصَّلاَةِ حِينَ حَلَّتِ الصَّلاَةُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لَهَا غَيْرُ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ فَدَخَل فِي قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (76) .
فَكَانَ مُقْتَضَى الأَْمْرِ وُجُوبَ التَّيَمُّمِ أَوَّل الْوَقْتِ لَكِنَّهُ أَخَّرَ نَظَرًا لِرَجَائِهِ، فَجَعَل لَهُ حَالَةً وُسْطَى وَهِيَ الاِسْتِحْبَابُ. وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي أَوَّل الْوَقْتِ إِنَّمَا هُوَ لِحَوْزِ فَضِيلَتِهِ، وَإِذَا كَانَ مُوقِنًا بِوُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ لِيُصَلِّيَ بِالطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ، فَإِنْ خَالَفَ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى كَانَتْ صَلاَتُهُ بَاطِلَةً وَيُعِيدُهَا أَبَدًا.
وَالشَّافِعِيَّةُ خَصُّوا أَفْضَلِيَّتَهُ تَأْخِيرَ الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ بِحَالَةِ تَيَقُّنِ وُجُودِ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ - مَعَ جَوَازِهِ فِي أَثْنَائِهِ - لأَِنَّ الْوُضُوءَ هُوَ الأَْصْل وَالأَْكْمَل، فَإِنَّ الصَّلاَةَ بِهِ - وَلَوْ آخِرَ الْوَقْتِ - أَفْضَل مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلَهُ.
أَمَّا إِذَا ظَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ فِي آخِرِهِ، فَتَعْجِيل الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ أَفْضَل فِي الأَْظْهَرِ؛ لأَِنَّ فَضِيلَةَ التَّقْدِيمِ مُحَقَّقَةٌ بِخِلاَفِ فَضِيلَةِ الْوُضُوءِ. وَالْقَوْل الثَّانِي: التَّأْخِيرُ أَفْضَل.
أَمَّا إِذَا شَكَّ فَالْمَذْهَبُ تَعْجِيل الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ. وَمَحَل الْخِلاَفِ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ صَلَّى أَوَّل الْوَقْتِ بِالتَّيَمُّمِ وَبِالْوُضُوءِ فِي أَثْنَائِهِ فَهُوَ النِّهَايَةُ فِي إِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ أَوْلَى بِكُل حَالٍ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِقَوْل عَلِيٍّ - ﵁ - فِي الْجُنُبِ: يَتَلَوَّمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَإِلاَّ تَيَمَّمَ وَلأَِنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ لِلصَّلاَةِ إِلَى مَا بَعْدَالْعِشَاءِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَيْ لاَ يَذْهَبَ خُشُوعُهَا، وَحُضُورُ الْقَلْبِ فِيهَا، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا لإِِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ، فَتَأْخِيرُهَا لإِِدْرَاكِ الطَّهَارَةِ الْمُشْتَرَطَةِ أَوْلَى (77) .

مَا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ:
39 - لَمَّا كَانَ التَّيَمُّمُ بَدَلاً عَنِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل يَصِحُّ بِهِ مَا يَصِحُّ بِهِمَا كَمَا سَبَقَ، لَكِنْ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَصِحُّ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ يُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِل؛ لأَِنَّهُ طَهُورٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ كَمَا سَبَقَ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ (78) وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْوُضُوءِ، وَعَلَى مَسْحِ الْخُفِّ؛ وَلأَِنَّ الْحَدَثَ الْوَاحِدَ لاَ يَجِبُ لَهُ طُهْرَانِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فَرْضَيْنِ، فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُتَيَمِّمِ أَنْ يُصَلِّيَ أَكْثَر مِنْ فَرْضٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ نَوَافِل، وَبَيْنَ فَرِيضَةٍ وَنَافِلَةٍ إِنْ قَدَّمَ الْفَرِيضَةَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيَتَنَفَّل مَا شَاءَ قَبْل الْمَكْتُوبَةِ وَبَعْدَهَا لأَِنَّهَا غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لاَ يُصَلِّيَ الرَّجُل بِالتَّيَمُّمِ إِلاَّ صَلاَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلصَّلاَةِ الأُْخْرَى (79) .
وَهَذَا مُقْتَضَى سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلأَِنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَلاَ يُصَلِّي بِهَا فَرِيضَتَيْنِ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ لِكُل فَرْضٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} (80) وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَلِقَوْل ابْنِ عُمَرَ يَتَيَمَّمُ لِكُل صَلاَةٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَيَمَّمَ صَلَّى الصَّلاَةَ الَّتِي حَضَرَ وَقْتُهَا، وَصَلَّى بِهِ فَوَائِتُ وَيَجْمَعُ بَيْنَ صَلاَتَيْنِ، وَيَتَطَوَّعُ بِمَا شَاءَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا دَخَل وَقْتُ صَلاَةٍ أُخْرَى بَطَل تَيَمُّمُهُ وَتَيَمَّمَ، وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ كَوُضُوءِ الْمُسْتَحَاضَةِ يَبْطُل بِدُخُول الْوَقْتِ.
وَيَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ. صَلاَةُ الْجِنَازَةِ مَعَ الْفَرْضِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّ صَلاَةَ الْجِنَازَةِ لَمَّا كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ سَلَكَ بِهَا مَسْلَكَ النَّفْل فِي جَوَازِ التَّرْكِ فِي الْجُمْلَةِ. وَيَجُوزُ بِالتَّيَمُّمِ أَيْضًا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ إِنْ كَانَ جُنُبًا وَمَسُّ الْمُصْحَفِ، وَدُخُول الْمَسْجِدِ لِلْجُنُبِ، أَمَّا الْمُرُورُ فَيَجُوزُ بِلاَ تَيَمُّمٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُجَدِّدُ التَّيَمُّمَ لِلنَّذْرِ لأَِنَّهُ كَالْفَرْضِ فِي الأَْظْهَرِ، وَلاَ يَجْمَعُهُ فِي فَرْضٍ آخَرَ (81) .
وَيَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِمَنْ نَسِيَ صَلاَةً مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَنْ يُصَلِّيَهَا جَمِيعًا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا نَسِيَ صَلاَةً وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْخَمْسَ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ - وَإِنَّمَا جَازَ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ لَهُنَّ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِنَّ وَاحِدَةٌ وَالْبَاقِيَ وَسِيلَةٌ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَتَيَمَّمُ خَمْسًا لِكُل صَلاَةٍ تَيَمُّمٌ خَاصٌّ بِهَا، وَلاَ يَجْمَعُ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ (82) .

مَا يَصِحُّ فِعْلُهُ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ:
40 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ فِعْل عِبَادَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ إِلاَّ لِمَرِيضٍ، أَوْ مُسَافِرٍ وَجَدَ الْمَاءَ لَكِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، أَوْ عِنْدَ خَوْفِ الْبَرْدِ كَمَا سَيَأْتِي. وَعَلَى هَذَا فَمَنْ فَعَل شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي غَيْرِ الأَْحْوَال الْمَذْكُورَةِ بَطَلَتْ عِبَادَتُهُ وَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ - إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلاَةِ جِنَازَةٍ - أَيْ: فَوْتِ جَمِيعِ تَكْبِيرَاتِهَا - أَمَّا إِذَا كَانَ يَرْجُو أَنْ يُدْرِكَ بَعْضَ تَكْبِيرَاتِهَا فَلاَ يَتَيَمَّمُ لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الْبَاقِي وَحْدَهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِلاَ وُضُوءٍ، أَوْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا، أَوْ نُفَسَاءَ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا عَلَى الْعَادَةِ. لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْحَائِضِ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ دَمِهَا لأَِكْثَرِ الْحَيْضِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الاِنْقِطَاعُ لِتَمَامِ الْعَادَةِ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَصِيرَ الصَّلاَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، أَوْ تَغْتَسِل، أَوْ يَكُونَ تَيَمُّمُهَا كَامِلاً بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ.
وَلَوْ جِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى إِنْ أَمْكَنَهُ التَّوَضُّؤُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ زَال تَمَكُّنُهُ أَعَادَ التَّيَمُّمَ وَإِلاَّ لاَ يُعِيدُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعِيدُ عَلَى كُل حَالٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وَلِيِّ الْمَيِّتِ، هَل يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لأَِنَّ لَهُ حَقَّ التَّقَدُّمِ، أَوْ يَنْتَظِرُ لأَِنَّ لَهُ حَقَّ الإِْعَادَةِ وَلَوْ صَلَّوْا؟ فِيهِ خِلاَفٌ فِي النَّقْل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ أَيْضًا لِخَوْفِ فَوْتِ صَلاَةِ الْعِيدِ بِفَرَاغِ إِمَامٍ، أَوْ زَوَال شَمْسٍ وَلَوْ بِنَاءً عَلَى صَلاَتِهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ مُتَوَضِّئًا وَسَبَقَ حَدَثُهُ فَيَتَيَمَّمُ لإِِكْمَال صَلاَتِهِ، بِلاَ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ إِمَامًا أَوْمَأْمُومًا فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْمَنَاطَ خَوْفُ الْفَوْتِ لاَ إِلَى بَدَلٍ.
وَكَذَا كُل صَلاَةٍ غَيْرِ مَفْرُوضَةٍ خَافَ فَوْتَهَا كَكُسُوفٍ وَخُسُوفٍ، وَسُنَنِ رَوَاتِبَ وَلَوْ سُنَّةَ فَجْرٍ خَافَ فَوْتَهَا وَحْدَهَا؛ لأَِنَّهَا تَفُوتُ لاَ إِلَى بَدَلٍ، وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، أَمَّا عَلَى قِيَاسِ مُحَمَّدٍ فَلاَ يَتَيَمَّمُ لَهَا؛ لأَِنَّهَا إِذَا فَاتَتْهُ لاِشْتِغَالِهِ بِالْفَرِيضَةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ يَقْضِيهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لاَ يَقْضِيهَا، وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لِكُل مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَلاَ تُشْتَرَطُ كَنَوْمٍ وَسَلاَمٍ وَرَدِّ سَلاَمٍ؛ وَلِدُخُول مَسْجِدٍ وَالنَّوْمِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَجُزْ بِهِ الصَّلاَةُ.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ التَّيَمُّمَ لِمَا لاَ تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلاً مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مِمَّا يَخَافُ فَوْتَهُ لاَ إِلَى بَدَلٍ، فَلَوْ تَيَمَّمَ الْمُحْدِثُ لِلنَّوْمِ، أَوْ لِدُخُول الْمَسْجِدِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَاءِ فَهُوَ لَغْوٌ، بِخِلاَفِ تَيَمُّمِهِ لِرَدِّ السَّلاَمِ مَثَلاً لأَِنَّهُ يَخَافُ فَوْتَهُ لأَِنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ؛ وَلِذَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ (83) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ.
وَلَمْ نَجِدْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ذِكْرًا عِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ. وَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لِخَوْفِ فَوْتِ جُمُعَةٍ وَوَقْتٍ، وَلَوْ وِتْرًا؛ لِفَوَاتِهَا إِلَى بَدَلٍ.
وَقَال زُفَرُ: يَتَيَمَّمُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ. قَال الْحَلَبِيُّ: فَالأَْحْوَطُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ ثُمَّ يُعِيدَ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا - قَوْل الْحَلَبِيِّ - قَوْلٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَفِيهِ الْخُرُوجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ مَنْقُولاً فِي التتارخانية عَنْ أَبِي نَصْرِ بْنِ سَلاَّمٍ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الأَْئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، فَيَنْبَغِي الْعَمَل بِهِ احْتِيَاطًا، وَلاَ سِيَّمَا وَكَلاَمُ ابْنِ الْهُمَامِ يَمِيل إِلَى تَرْجِيحِ قَوْل زُفَرَ (84) .

حُكْمُ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ:
41 - فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ هُوَ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلاَ صَعِيدًا يَتَيَمَّمُ بِهِ، كَأَنْ حُبِسَ فِي مَكَان لَيْسَ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، أَوْ فِي مَوْضِعٍ نَجَسٍ لَيْسَ فِيهِ مَا يَتَيَمَّمُ بِهِ، وَكَانَ مُحْتَاجًا لِلْمَاءِ الَّذِي مَعَهُ لِعَطَشٍ، وَكَالْمَصْلُوبِ وَرَاكِبِ سَفِينَةٍ لاَ يَصِل إِلَى الْمَاءِ، وَكَمَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ الْوُضُوءَ وَلاَ التَّيَمُّمَ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَاجِبَةٌ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ مَعَ وُجُوبِ إِعَادَتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ تَجِبُ إِعَادَتُهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ الصَّلاَةَ عَنْهُ سَاقِطَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنَ الْمَذْهَبِ أَدَاءً وَقَضَاءً (1) . وَفِي مَسْأَلَةِ صَلاَةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ تَفْصِيلاَتٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةٌ) .
التَّيَمُّمُ لِلْجَبِيرَةِ وَالْجُرْحِ وَغَيْرِهِمَا:
42 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ فِي جَسَدِهِ كُسُورٌ أَوْ جُرُوحٌ أَوْ قُرُوحٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا أَوْ شَيْئًا وَجَبَ غَسْلُهَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، فَإِنْ خَافَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْحِ وَنَحْوِهِ، وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ وَذَلِكَ فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ يُذْكَرُ تَفْصِيلُهَا وَالْخِلاَفُ فِيهَا فِي مُصْطَلَحِ: (جَبِيرَةٌ) .
__________
(1) تاج العروس ولسان العرب والمصباح المنير والمعجم الوسيط مادة: " يمم " والزاهر ص52.
(2) سورة البقرة / 267.
(3) ابن عابدين 1 / 153 - 154 والحطاب 1 / 325، 345، ومغني المحتاج 1 / 87، وكشاف القناع 1 / 160 ط الرياض.
(4) ) البدائع 1 / 45 وابن عابدين 1 / 152 وما بعدها، ومراقي الفلاح ص19، والصاوي على الشرح الصغير 1 / 67 وما بعدها، ومغني المحتاج 1 / 87، وكشاف القناع 1 / 1.
(5) سورة النساء / 43.
(6) سورة المائدة / 6.
(7) حديث: " جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا " شطر من حديث جابر بن عبد الله. أخرجه البخاري (1 / 436 ط السلفية) ومسلم (1 / 370 - 371 ط الحلبي) .
(8) كشاف القناع 1 / 160، ومغني المحتاج 1 / 87.
(9) حديث: " سبب نزول آية التيمم " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 431 - ط السلفية) (1 / 279 - ط الحلبي) .
(10) ابن عابدين 1 / 153 - 154، وكشاف القناع 1 / 160.
(11) ) حديث: " أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 436 - ط السلفية) ومسلم (1 / 370 - 371 - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.
(12) سورة المائدة / 6.
(13) الشلبي على تبيين الحقائق 1 / 36، والحطاب 1 / 325، ومغني المحتاج 1 / 87، وكشاف القناع 1 / 161.
(14) ابن عابدين 1 / 154، 159، 168، والشرح الصغير 1 / 154، 157 - 158، ومغني المحتاج 1 / 96، 105 - 106، والمغني 1 / 247 - 249، كشاف القناع 1 / 172.
(15) حديث: " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ ". رواه البخاري تعليقًا (فتح الباري 1 / 454 - ط السلفية) ووصله أبو داود (1 / 238 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقواه ابن حجر (1 / 454) .
(16) البدائع 1 / 45، واللباب 1 / 37، والشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 54، ومغني المحتاج 1 / 97 - 98، 278، والمغني 1 / 251، 254.
(17) حديث: " فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك ". أخرجه أبو داود (1 / 237 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (1 / 212 - ط الحلبي) ولفظه: " فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير " وقال الترمذي: حسن صحيح.
(18) ابن عابدين 1 / 163 والبدائع 1 / 55 وما بعدها، والدسوقي 1 / 154، ومغني المحتاج 1 / 98، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي (1 / 90) ، وكشاف القناع 1 / 173 - 174.
(19) سورة المائدة / 6.
(20) حديث: عبد الرحمن بن أبزى: ". . . . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 443 - ط السلفية) ومسلم (1 / 280 - 281 ط الحلبي) .
(21) حديث: " التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين " أخرجه الدارقطني (1 / 180 دار المحاسن) من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا، وصوب وقفه، ونقل مقالة ابن حجر في التلخيص (1 / 159 - ط شركة الطباعة الفنية) ثم أعله كذلك براوٍ ضعيف.
(22) حديث: إنه ﷺ تيمم بضربتين، مسح بإحداهما وجهه وبالأخرى ذراعيه " أخرجه أبو داود (1 / 234 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن عمر وضعفه ابن حجر في التلخيص (1 / 151 - ط شركة الطباعة الفنية) .
(23) ابن عابدين 1 / 158، ومغني المحتاج 1 / 99، وكشاف القناع 1 / 174 والشرح الصغير مع حاشيته 1 / 151 وما بعدها.
(24) ابن عابدين 1 / 154، والشرح الصغير بحاشيته 1 / 155، ومغني المحتاج 1 / 99، وكشاف القناع 1 / 175.
(25) المراجع السابقة.
(26) ) مغني المحتاج 1 / 87.
(27) حديث: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". أخرجه البخاري (الفتح 13 / 251 - ط السلفية) ومسلم (2 / 975، 4 / 1830 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم في الموضع الأول
(28) الميل بالمقاييس العصرية يعادل 1680 مترًا (المقادير الشرعية والأحكام الفقهية المتعلقة بها للكردي ص300) .
(29) (البدائع 1 / 46 - 49، وابن عابدين 1 / 155 وما بعدها. والدسوقي 1 / 149 وما بعدها، ومغني المحتاج 1 / 87 - 95، وكشاف القناع 1 / 162 وما بعدها والأنصاف 1 / 273.
(30) ابن عابدين 1 / 167، والشرح الصغير 1 / 188، والجمل 1 / 202 - 204، والمغني 1 / 240، وكشاف القناع 1 / 165.
(31) المراجع السابقة.
(32) ابن عابدين 1 / 155، وكشاف القناع 1 / 162، ومغني المحتاج 1 / 106 - 107، وكفاية الأخيار 1 / 117، والدسوقي 1 / 159، والشرح الصغير 1 / 144 - 145.
(33) المجموع 2 / 249، ومغني المحتاج 1 / 87، والقليوبي 1 / 77.
(34) البدائع 1 / 49، وابن عابدين 1 / 166، والشرح الصغير 1 / 192، والجمل 1 / 204، ومغني المحتاج 1 / 91، وكشاف القناع 1 / 169.
(35) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص62 وابن عابدين 1 / 156، والدسوقي 1 / 149، ومغني المحتاج 1 / 92 - 93، 106، والجمل 1 / 206 - 207، والمغني 1 / 273 وكشاف القناع 1 / 162 - 165.
(36) ابن عابدين 1 / 156، والزرقاني 1 / 115، والدسوقي 1 / 149، ومغني المحتاج 1 / 93، 107، وكشاف القناع 1 / 163.
(37) حديث: " إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين ". أخرجه الترمذي (1 / 212 - ط الحلبي) والحاكم (1 / 176 - 177 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي ذر وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(38) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص62، والدسوقي 1 / 148، ومغني المحتاج 1 / 106 - 107، والمغني 1 / 235، والإنصاف 1 / 281، وكفاية الأخيار 1 / 117.
(39) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص62 - 63، ومغني المحتاج 1 / 106، وحاشية الصاوي مع الشرح الصغير 1 / 180 وما بعدها، والمغني 1 / 273، وكشاف القناع 1 / 161، 163 - 164.
(40) نفس المراجع.
(41) البدائع 1 / 53 وما بعدها، واللباب 1 / 37، وفتح القدير 1 / 88، وابن عابدين 1 / 159 وما بعدها، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص64، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي 1 / 154 ط الحلبي، والدسوقي 1 / 155 وما بعدها، ومغني المحتاج 1 / 96 وما بعدها، والمغني 1 / 247 - 249، وكشاف القناع 1 / 172، والبجيرمي على الخطيب 1 / 252، وغاية المنتهى 1 / 61.
(42) سورة المائدة / 6.
(43) حديث: " عليكم بالأرض. . . . . " أخرجه البيهقي (1 / 217 - ط دائرة المعارف العثمانية) ، ثم نواه البيهقي بضعف أحد رواته.
(44) حديث: " جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا " تقدم تخريجه ف / 2.
(45) الجابية منطقة في دمشق.
(46) سورة المائدة / 6.
(47) حديث: " جعل التراب لي طهورًا " أخرجه أحمد (1 / 98 - ط الميمنية) وحسنه الهيثمي في المجمع (1 / 261 - ط القدسي) .
(48) سورة المائدة / 6.
(49) حديث: " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " تقدم تخريجه ف / 25.
(50) ابن عابدين 1 / 167، والشرح الصغير 1 / 188، والجمل 1 / 202 - 204، والمغني 1 / 240، والمغني 1 / 240، وكشاف القناع 1 / 165، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص64.
(51) حديث: " التيمم ضربتان " تقدم تخريجه ف / 11.
(52) حديث: " إنما كان يكفيك ضربة واحدة " تقدم تخريجه ف / 11.
(53) البدائع 1 / 46، وتبيين الحقائق 1 / 38، ومغني المحتاج 1 / 99 - 100، والشرح الصغير 1 / 151 - 152، وكشاف القناع 1 / 178 - 179.
(54) وردت أحاديث كثيرة في صفة وضوئه ﷺ أشهرها حديث عثمان بن عفان ﵁ فعن حمران مولى عثمان أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ويديه إلى المرفقين ثلاث
(55) ابن عابدين 1 / 213 ومراقي الفلاح ص20، والدسوقي 1 / 157 وما بعدها، والقوانين الفقهية ص38، ومغني المحتاج 1 / 99 - 100، وكشاف القناع 1 / 178، والمغني 1 / 254.
(56) المصادر السابقة.
(57) سورة محمد / 33
(58) حديث: " الصعيد الطيب وضوء المسلم ". تقدم تخريجه ف / 22.
(59) ابن عابدين 1 / 169 وما بعدها، ومراقي الفلاح ص21، واللباب 1 / 37 وما بعدها، والبدائع 1 / 56، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي 1 / 156 - 158، والشرح الصغير بحاشية الصاوي 1 / 158، ومغني المحتاج 1 / 101، وكفاية الأخيار 1 / 116 وما بعدها، والمهذب 1 / 36، والمغني 1 / 268 وما بعدها، وكشاف القناع 1 / 177 - 178، وغاية المنتهى 1 / 63 وما بعدها.
(60) ابن عابدين 1 / 527، والبناية 2 / 778، وتبيين الحقائق 1 / 215 - 216، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص228 - 229، والدسوقي 1 / 148، والشرح الصغير 1 / 140، ومغني المحتاج 1 / 106، والمغني 1 / 234 - 235، وكشاف القناع 1 / 160 - 161، والأشباه والنظائر للسيوطي 138.
(61) ابن عابدين 1 / 152، 159، والبدائع 1 / 44 - 45، ونيل الأوطار 1 / 323، وبداية المجتهد 1 / 61، ومغني المحتاج 1 / 87، وكشاف القناع 1 / 160.
(62) سورة المائدة / 6.
(63) سورة المائدة / 6.
(64) حديث: " عليك بالصعيد فإنه يكفيك ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 457 - ط السلفية) .
(65) حديث: " قتلوه قتلهم الله ". أخرجه أبو داود (1 / 240 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال ابن حجر: صححه ابن السكن (التلخيص الحبير 1 / 147 - ط شركة الطباعة الفنية) .
(66) سورة النساء / 29.
(67) حديث: " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب " تقدم تخريجه ف / 9.
(68) ابن عابدين 1 / 156، والزرقاني 1 / 115.
(69) حديث: " فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك ". تقدم تخريجه ف / 9.
(70) حديث: " الصعيد الطيب وضوء المسلم ". تقدم تخريجه ف / 22.
(71) حديث: " جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ". تقدم تخريجه ف / 2.
(72) تبيين الحقائق 1 / 42، والبدائع 1 / 46 وما بعدها، والدسوقي 1 / 154، ومغني المحتاج 1 / 97، كشاف القناع 1 / 174، وابن عابدين 1 / 161.
(73) سورة المائدة / 6.
(74) حديث: " جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا "، أخرجه أحمد (5 / 248 - ط الميمنية) وعزاه ابن حجر إلى كتاب الثقفيات (التلخيص 1 / 149 - ط شركة الطباعة الفنية) وصحح إسناده.
(75) البدائع 1 / 54، وتبيين الحقائق 1 / 42، وابن عابدين 1 / 161، والقوانين الفقهية ص37، ومغني المحتاج 1 / 105، وكشاف القناع 1 / 161.
(76) سورة المائدة / 6.
(77) ابن عابدين 1 / 166، والدسوقي 1 / 157، وحاشية العدوي على شرح ابن الحسن 1 / 199، والفواكه الدواني 1 / 180، ومغني المحتاج 1 / 89، والمغني 1 / 243.
(78) حديث: " الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ". تقدم تخريجه ف / 22.
(79) الأثر عن ابن عباس: من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للصلاة الأخرى. أخرجه الدارقطني (1 / 185 - ط دار المحاسن) ثم قال: الحسن بن عمارة - يعني الذي في إسناده - ضعيف ".
(80) سورة المائدة / 6.
(81) فتح القدير 1 / 95، والشرح الكبير للدسوقي 1 / 151، ومغني المحتاج 1 / 103 - 105، والمغني 1 / 262 وما بعدها وابن عابدين 1 / 162 - 163، وكشاف القناع 1 / 161.
(82) مغني المحتاج 1 / 104، والدسوقي على الشرح الكبير 1 / 161 - 162.
(83) حديث: " تيمم النبي ﷺ لرد السلام ". أخرجه أبو داود (1 / 234 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وضعفه ابن حجر في التلخيص (1 / 151 - ط شركة الطباعة الفنية) .
(84) ابن عابدين 1 / 161 - 164.

الموسوعة الفقهية الكويتية: 248/ 14