البحث

عبارات مقترحة:

العفو

كلمة (عفو) في اللغة صيغة مبالغة على وزن (فعول) وتعني الاتصاف بصفة...

المقدم

كلمة (المقدِّم) في اللغة اسم فاعل من التقديم، وهو جعل الشيء...

الظاهر

هو اسمُ فاعل من (الظهور)، وهو اسمٌ ذاتي من أسماء الربِّ تبارك...

الرياء

العربية

المؤلف صالح بن مقبل العصيمي
القسم خطب الجمعة
النوع نصي
اللغة العربية
المفردات المهلكات - المنجيات
عناصر الخطبة
  1. خطورة الرياء وتحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- منه .
  2. لا قيمة لعمل المرائي ولا وزن .
  3. الرياء وجه من أوجه النفاق وموصل له .
  4. أمور تعالج الرياء .

اقتباس

كَذَلِكَ عَلَيْكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْعِبَادَ الَّذِينَ قَصَدْتَهُمْ بِعَمَلِكَ لَوْ عَلِمُوا بِقَصْدِكَ وَنِيَّتِكَ لَنَبَذُوكَ، فَهُمْ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَكُونُوا أَنْدَادًا مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ فَهُمْ لَا يَحْرِصُونَ عَلَى أَنْ تُقَدِّمَ عَمَلًا، وَيَحُثُّونَكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَرَوْنَكَ تَقْصِدُهُمْ بِهِ...

الخطبة الأولى:

إنَّ الحمدُ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا.

أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. وَاعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثُاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ: عِنْدَمَا يَخَافُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ أَمْرٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَمْرُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهَا، وَاجْتِنَابُهَا، وَلَقَدْ خَافَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أُمَّتِه مِنَ الرِّيَاءِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ". يَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: "اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟"(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).

فَقَدْ عَدَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الرِّيَاءَ شِرْكًا، وَهَذَا كَافٍ لِلتَّنْفِيرِ مِنْهُ.

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ فَيُزِيدُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ الرَّجُلِ"(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ). بَلْ وَسَمَّى الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذَا الْعَمَلَ "بِشِرْكِ السَّرَائِرِ"(رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ هُنَاكَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِمَّنْ سَتَكُونُ الْمُفَاجَآتُ الْكُبْرَى بِانْتِظَارِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ في الشِّرْكِ، وَهُوَ يَظُنُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُشْرِكٍ، قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)[الْأَنْعَامِ: 23]، بَلْ وَوَيْلٌ لِلْمُرَائِي؛ فَهُوَ أَوَّلُ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجَلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأْنَ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتَهُ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ"، وَهَذَا الْعَذَابُ الْعَظِيمُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ مَقْتِ اللَّهِ لَهُمْ، وَلِذَنْبِهِمُ الَّذِي أَتَوْا بِهِ، وَانْظُرْ إِلَى قُوَّةِ التَّوْبِيخِ وَالزَّجْرِ وَالْإِهَانَةِ لِلْمَرْءِ، وَتَقْرِيرِهِ بِقَصْدِهِ الْبَاطِلِ بِفِعْلِهِ، وَسُوءِ الْعَاقِبَةِ؛ حَيْثُ يُسْحَبُ أَهْلُ الرِّيَاءِ عَلَى وُجُوهِمْ، ثُمَّ يُلْقَوْنَ فِي النَّارِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ-. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ).

فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ يَتَوَعَّدُ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مَنْ يُرَائِي النَّاسَ بِعَمَلِهِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُ صَرَفَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ بِأَنَّهُ سَيَفْضَحُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلْ وَسَيُفْضَحُ بِالدُّنْيَا بِسُوءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ سَمَّعَ بِعَمَلٍ لَمْ يعمله أَصْلًا، بَلْ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَشْمَلُ أَيْضًا مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعُيُوبِ غَيْرِهِمْ وَأَظْهَرَهَا، أَظْهَرَ اللَّهُ عَيْبَهُ، وَهَتَكَ سِتْرَهُ، فَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.

فَالرِّيَاءُ وَجْهٌ مِنْ أَوْجُهِ النِّفَاقِ، وَمُوَصِّلٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الرياءَ -فِي ظَاهِرِهِ- عَمَلٌ لِلَّهِ، وَفِي بَاطِنِهِ عَمَلٌ لِغَيْرِهِ، فَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- غَنِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ، لَا يَحْتَاجُ لِأَحَدٍ مِنْ عباده، لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ طَائِعٍ، وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ عَاصٍ؛ وَلِذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي نِيَّةِ الْعَابِدِ وَقَصْدِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ شِرْكًا أَكْبَرَ لَا يَعْمَلُ لِلَّهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ عَمَلَ الْمُرَائِي بَاطِلٌ لَا ثَوَابَ فِيهِ، وَيَأْثَمُ فِيهِ، فَلَا يَقَعُ فِي الرِّيَاءِ إِلَّا كُلُّ مَنْ ضَعُفَ إِيمَانُهُ، وَمَنْ جَعَلَ النَّاسَ وَرِضَاهُمْ مَقْصِدَهُ وَهَمَّهُ، فَتَجِدُ الْبَعْضَ يَعْمَلُ الطَّاعَةَ وَيُزَيِّنُهَا؛ لِئَلَّا يَذُمَّهُ النَّاسُ، وَيَنْسُبُون التَّقْصِيرَ إليه .

قَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "لِلْمُرَائِي أَرْبَعُ عَلَامَاتٍ: يَكْسَلُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ، وَيَنْشَطُ إِذَا كَانَ فِي النَّاسِ، وَيَزِيدُ فِي الْعَمَلِ إِذَا أُثْنِيَ عَلَيْهِ، وَيَنْقُصُ إِذَا ذُمَّ".

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَأَعِذْنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ.

الخطبة الثانية:

عِبَادَ اللَّهِ: عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ اللَّهَ مَا أَنْزَلَ دَاءً إِلَّا وَأَنْزَلَ مَعَهُ دَوَاءً؛ لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا وَأَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ"(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).

وَمِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ الَّتِي يُعالَجُ بِهَا الرِّيَاءِ تَقْدِيرُ اللَّهِ حَقَّ قَدْرِهِ، وَمَعْرِفَتُهُ بِعَظَمَتِهِ، وَخَشْيَتُهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَرَجَاءُ رَحْمَتِهِ، وَالْخَوْفُ مِنْ سَخَطِهِ، كَذَلِكَ الِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ؛ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، وَسَأَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْكَ صِغَارَ الشِّرْكِ، وَكِبَارَهُ؛ تَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ"(رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).

وَالِاسْتِعَاذَةُ بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ شَرٍّ، وَكَذَلِكَ بِتَقْوِيَةِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَتَقْوِيَةِ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَكَذلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْخَلْقِ، وَوَزْنِهِمْ بِالْمِيزَانِ الشَّرْعِيِّ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ، فَكَيْفَ تُقَدِّمُ لَهُمْ عَمَلًا فِي ظَاهِرِهِ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُ لِلَّهِ؟

كَذَلِكَ عَلَيْكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْعِبَادَ الَّذِينَ قَصَدْتَهُمْ بِعَمَلِكَ لَوْ عَلِمُوا بِقَصْدِكَ وَنِيَّتِكَ لَنَبَذُوكَ، فَهُمْ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَكُونُوا أَنْدَادًا مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ فَهُمْ لَا يَحْرِصُونَ عَلَى أَنْ تُقَدِّمَ عَمَلًا، وَيَحُثُّونَكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَرَوْنَكَ تَقْصِدُهُمْ بِهِ.

كَذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى إِخْفَاءِ الْعَمَلِ، وَمُدَافَعَةِ الرياء، وَأَلَّا يَتْرُكَ الْعَمَلَ خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ؛ فَإِنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ -مَخَافَةَ الرِّيَاءِ- مَطْلَبٌ مِنْ مَطَالِبِ الشَّيْطَانِ، قَالَ الْفُضْيَلُ: "تَرْكُ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ هُوَ الرِّيَاءُ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ إِذَا وَقَعَ العبدُ في الرِّيَاءُ عليه بالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَإِنَّ الْخَوْفَ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ: إِنَّهُ مُرَاءٍ؛ فَيَتْرُكُ الْعَمَلَ فَهُوَ عَيْنُ الرِّيَاءِ، فَلَوْلَا حُبُّهُ لِمَدحَهِمْ، وَخَوْفُهُ مِنْ ذَمِّهِمْ مَا الْتَفَتَ لِذَلِكَ".

وهناك فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَلَ خَوْفَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مُرَاءٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُحْسِنَ الْعَمَلَ مِنْ أَجْلِهِمْ؛ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقُولُوا عَنْهُ: مُقَصِّرٌ، فَفِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ، صَارَ عَمَلُهُ فِيهِ مُرَاقَبَةٌ لِلنَّاسِ.

الَّلهُمَّ احْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ وَالمِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ سِلْمًا لِأْوْلِيَائِكَ، حَرْبًا عَلَى أَعْدَائِكَ، الَّلهُم ارْفَعْ رَايَةَ السُّنَّةِ، وَاقْمَعْ رَايَةَ البِدْعَةِ، الَّلهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، "اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ". اللهُمَّ أَكْثِرْ أَمْوَالَ مَنْ حَضَرَ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَطِلْ عَلَى الْخَيْرِ أَعْمَارَهُمْ، وَأَدْخِلْهُمُ الْجَنَّةَ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ…