البحث

عبارات مقترحة:

المحيط

كلمة (المحيط) في اللغة اسم فاعل من الفعل أحاطَ ومضارعه يُحيط،...

السبوح

كلمة (سُبُّوح) في اللغة صيغة مبالغة على وزن (فُعُّول) من التسبيح،...

المهيمن

كلمة (المهيمن) في اللغة اسم فاعل، واختلف في الفعل الذي اشتقَّ...

الْهَزْلُ


من معجم المصطلحات الشرعية

القول الْخَالِي عَنْ نِيَّةٍ، فلا يراد باللفظ معناه، لا الحقيقي، ولا المجازي . و من شواهده قول الله تَعَالَى:ﱫﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﱪ الطارق :13-14 ، ومن شواهده حديث ‏أَبِي هُرَيْرَةَ –رَضِيَ اللهُ عَنْه - ‏‏قَالَ‏ : ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم‏ : "‏ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ : النِّكَاحُ، والطَّلَاقُ، والرَّجْعَةُ ." أبو داود :2194 .


انظر : كشف الأسرار عن أصول البزدوي للبخاري، 4/357، التعريفات الفقهية للبركتي، ص :242، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي، ص :343، الفتاوى الكبرى لابن تيمية،

تعريفات أخرى

  • ضد الجد . ومن أمثلته ما ذكروه في عوارض الأهلية، وأثرها من بطلان بيع الهازل، وتصحيح طلاقه .

من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف اللغوي

المَزْحُ واللَّعِبُ، يُقال: هَزَلَ في كلامِهِ، يَهْزِلُ، هَزْلاً: إذا مَزَحَ، فهو هازِلٌ، وهَزَلَ الرَّجُلُ في الأَمْرِ: إذا لم يَجِدَّ فيه، وكلُّ كَلامٍ لا تحصِيلَ له ولا فائِدَةَ فَهو هَزْلٌ، ونَقِيضُه: الجِدُّ.

إطلاقات المصطلح

يَرِد مُصطَلح (هَزْل) في الفقه في مواطِن كثيرة، منها: كتاب النِّكاح، باب: شروط عقد النّكاح، وباب: الخُلع، وباب: الرِّجْعَة، وباب: الظِّهار، وغير ذلك. ويَرِد أيضاً في كتاب البيوع، والإجارة، والشُّفعَة، والوِصِيَّة، والهِبَة، كتاب العِتْق، وكتاب الايمان والنُّذور، وكتاب القِصاص، وفي كتاب الجنايات، والحدود، باب: حدّ القذف، وباب: حدّ الرِّدَّة، وغير ذلك. ويَرِد في عِلم أُصولِ الفقه: باب: عَوارِض الأهلِية، والعَوارِض المُكتَسَبة. ويَرد في عِلم العقيدة عند الكلام على أحكام الهَزْلِ بِما يَمَسُّ عَقِيدَة الإنسان بِما يُوجِبُ منه كُفراً، كما لو سَبَّ الله عزَّ وجلَّ أو المَلائكة، أو الرُّسُل، أو أنكَرَ أمراً مَعلُوماً مِن الدِّينِ بِالضَّرورَةِ.

جذر الكلمة

هزل

التعريف

القول الْخَالِي عَنْ نِيَّةٍ، فلا يراد باللفظ معناه، لا الحقيقي، ولا المجازي.

المراجع

* تهذيب اللغة : (6/91)
* المحكم والمحيط الأعظم : (4/232)
* مختار الصحاح : (ص 326)
* القاموس المحيط : (ص 1071)
* لسان العرب : (11/696)
* تيسير التحرير : (2/290)
* التعريفات للجرجاني : (ص 257)
* الكليات : (ص 961)
* الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة : (ص 78)
* المغرب في ترتيب المعرب : (ص 504)
* التعريفات الفقهية : (ص 242)
* التقرير والتحبير : (2/194)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 494)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (42/270) -

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الْهَزْل لُغَةً: مَصْدَرُ هَزَل، يُقَال: هَزَل هَزْلاً - مِنْ بَابِ ضَرَبَ -: أَيْ مَزَحَ.
وَالْهَزْل ضِدُّ الْجِدِّ، يُقَال: جَدَّ فِي كَلاَمِهِ جِدًّا - مِنْ بَابِ ضَرَبَ - ضِدُّ هَزَل (1) .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ (2) .
وَالْهَزْل اصْطِلاَحًا: أَلاَّ يُرَادَ بِاللَّفْظِ وَدَلاَلَتِهِ مَعْنَاهُ، لاَ الْحَقِيقِيُّ وَلاَ الْمَجَازِيُّ، وَهُوَ ضِدُّ الْجِدِّ (3) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - اللَّعِبُ:
2 - اللَّعِبُ لُغَةً: مَصْدَرُ لَعِبَ، وَاللَّعِبُ ضِدُّ الْجِدِّ، يُقَال: لَعِبَ فُلاَنٌ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ مَقْصِدًا صَحِيحًا (4) .
وَاللَّعِبُ اصْطِلاَحًا: مَا لاَ يُفِيدُ فَائِدَةً أَصْلاً (5) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَزْل وَاللَّعِبِ هِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ، إِذِ اللَّعِبُ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنَ الْهَزْل عُرْفًا، وَالْهَزْل أَخَصُّ، إِذِ الْهَزْل يَخْتَصُّ بِالْكَلاَمِ، وَاللَّعِبُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ.

ب - الْمُزَاحُ:
3 - الْمُزَاحُ لُغَةً: هُوَ تَنْحِيَةُ الشَّيْءِ عَنِ الْجِدِّ، يُقَال: مَزَحَ مَزْحًا - مِنْ بَابِ نَفَعَ - وَمَزَاحَةً بِالْفَتْحِ، وَالاِسْمُ الْمُزَاحُ بِالضَّمِّ.
وَيُقَال: إِنَّ الْمُزَاحَ مُشْتَقٌّ مِنْ: زُحْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَأَزَحْتُهُ عَنْهُ: إِذَا نَحَّيْتَهُ؛ لأَِنَّهُ تَنْحِيَةٌ عَنِ الْجِدِّ (6) .
وَالْمُزَاحُ اصْطِلاَحًا: عَرَّفَهُ الْبَرَكَتِيُّ بِقَوْلِهِ: الْمُزَاحُ - بِالضَّمِّ - الْمُبَاسَطَةُ إِلَى الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ التَّلَطُّفِ وَالاِسْتِعْطَافِ دُونَ أَذِيَّةٍ، حَتَّى يَخْرُجَ الاِسْتِهْزَاءُ وَالسُّخْرِيَةُ (7) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَزْل وَالْمُزَاحِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضِدُّ الْجِدِّ.

ج - الْخَطَأُ:
4 - الْخَطَأُ لُغَةً: ضِدُّ الصَّوَابِ، وَيُقْصَرُ وَيُمَدُّ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَخْطَأَ فَهُوَ مُخْطِئٌ، قَال أَبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ خِطْأً مِنْ بَابِ عَلِمَ، وَأَخْطَأَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ لِمَنْ يُذْنِبُ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ (8) .
وَالْخَطَأُ اصْطِلاَحًا: فِعْلٌ أَوْ قَوْلٌ يَصْدُرُ عَنِ الإِْنْسَانِ بِغَيْرِ قَصْدِهِ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّثَبُّتِ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ أَمْرٍ مَقْصُودٍ سِوَاهُ (9) ، أَوْ هُوَ: مَا لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ فِيهِ قَصْدٌ (10) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَزْل وَالْخَطَأِ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ، وَأَنَّهُمَا مُتَضَادَّانِ مِنْ حَيْثُ الرِّضَا بِالسَّبَبِ، فَالْهَازِل رَاضٍ بِالسَّبَبِ وَإِيقَاعِهِ غَيْرُ رَاضٍ بِالْحُكْمِ، وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ رَاضٍ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا (11) .

د - التَّلْجِئَةُ:
5 - التَّلْجِئَةُ لُغَةً: تَرِدُ بِمَعْنَى الإِْكْرَاهِ وَالاِضْطِرَارِ، يُقَال: لَجَأَ إِلَى الْحِصْنِ وَغَيْرِهِ لَجْأً - مَهْمُوزٌ مِنْ بَابَيْ نَفَعَ وَتَعِبَ - وَالْتَجَأَ إِلَيْهِ: اعْتَصَمَ بِهِ، وَالْحِصْنُ مَلْجَأٌ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ - وَأَلْجَأْتُهُ إِلَيْهِ، وَلَجَّأْتُهُ - بِالْهَمْزَةِ وَالتَّضْعِيفِ - اضْطَرَرْتُهُ وَأَكْرَهْتُهُ (12) .
وَالتَّلْجِئَةُ اصْطِلاَحًا: هِيَ أَنْ يُلْجِئَكَ إِلَى أَنْ تَأْتِيَ أَمْرًا بَاطِنُهُ بِخِلاَفِ ظَاهِرِهِ (13) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَزْل وَالتَّلْجِئَةِ: هِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ (14) .

أَثَرُ الْهَزْل عَلَى الأَْهْلِيَّةِ الْهَزْل لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ وَلاَ الاِخْتِيَارَ وَالرِّضَا، وَنُوَضِّحُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - الْهَزْل لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ:
6 - نَصَّ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْهَزْل لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ أَصْلاً، أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ - وَهِيَ صَلاَحِيَةُ الإِْنْسَانِ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ - فَلأَِنَّهَا تُنَاطُ بِالذِّمَّةِ، وَذِمَّةُ الْهَازِل مَوْجُودَةٌ وَقَائِمَةٌ بِوُجُودِهِ حَيًّا؛ وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ - وَهِيَ صَلاَحِيَتُهُ لِصُدُورِ الْفِعْل مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا - فَلأَِنَّهَا تُنَاطُ بِالْعَقْل، وَالْهَازِل عَاقِلٌ (15) .

ب - الْهَزْل لاَ يُنَافِي الاِخْتِيَارَ وَالرِّضَا.
7 - نَصَّ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْهَزْل لاَ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْمُبَاشَرَةِ، وَالرِّضَا بِهَا (16) ، وَإِنَّمَا يُنَافِي اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَا بِهِ، فَلَوْ قَال الْهَازِل: بِعْتُ لِفُلاَنٍ كَذَا، فَهُوَ لاَ يُرِيدُ نَقْل مِلْكِيَّةِ سِلْعَتِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي (وَهُوَ الْحُكْمُ) وَلاَ يَخْتَارُ ذَلِكَ وَلاَ يَرْضَاهُ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ بِمُبَاشَرَةِ صِيغَةِ الْعَقْدِ وَإِجْرَائِهَا عَلَى لِسَانِهِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ، فَصَارَ الْهَزْل بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ؛ لأَِنَّ الْخِيَارَ يَعْدِمُ الرِّضَا وَالاِخْتِيَارَ جَمِيعًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ؛ لأَِنَّهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ حُرٌّ فِي إِمْضَاءِ الْعَقْدِ، أَوْ عَدَمِ إِمْضَائِهِ، وَلاَ يَعْدِمُ الْخِيَارُ الرِّضَا وَالاِخْتِيَارَ فِي حَقِّ مُبَاشَرَةِ السَّبَبِ - وَهُوَ الصِّيغَةُ - إِذْ صِيغَةُ الْعَقْدِ أَجْرَاهَا الْعَاقِدُ بِرِضَاهُ وَاخْتِيَارِهِ، وَلَكِنَّ الْخِيَارَ مَنَعَ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الصِّيغَةِ فَوْرًا، فَكَذَا فِي الْهَزْل يُوجَدُ الرِّضَا وَالاِخْتِيَارُ فِي حَقِّ السَّبَبِ، وَلاَ يُوجَدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ (17) .
وَيَقُول عَبْدُ الْعَزِيزِ الْبُخَارِيُّ: إِنَّ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْهَزْل لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ، وَلاَ الاِخْتِيَارَ وَالرِّضَا بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ أَنَّ الْهَزْل لاَ يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ: قَوْلُهُ ﷺ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ (18) . فَعُلِمَ بِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ لاَ يُنَافِي الإِْيجَابَ - أَيِ السَّبَبَ - إِذْ لَوْ كَانَ مُنَافِيًا لِنَفْسِ الْكَلاَمِ وَانْعِقَادِهِ سَبَبًا لَمَا صَحَّ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ بِالْكَلاَمِ الْفَاسِدِ؛ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ الْمَجْنُونِ لِفَسَادِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ كَلاَمَ الْهَازِل صَحِيحٌ فِي انْعِقَادِهِ سَبَبًا.
وَإِذَا كَانَ الْهَزْل كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِلأَْهْلِيَّةِ، وَلاَ لِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنَ الأَْحْكَامِ وَلاَ عُذْرًا فِي وَضْعِ الْخِطَابِ بِحَالٍ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَثَرُ الْهَزْل مَا قُلْنَا: إِنَّهُ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَا بِهِ، فَيَجِبُ تَخْرِيجُ الأَْحْكَامِ مَعَ الْهَزْل عَلَى انْقِسَامِهَا فِي حُكْمِ الرِّضَا وَالاِخْتِيَارِ، فَكُل حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ وَلاَ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الرِّضَا وَالاِخْتِيَارِ يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْل، وَكُل حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالرِّضَا وَالاِخْتِيَارِ لاَ يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْل (19) .

شَرْطُ تَحَقُّقِ الْهَزْل وَاعْتِبَارِهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ:
8 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ تَحَقُّقِ الْهَزْل وَاعْتِبَارِهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا بِاللِّسَانِ، مِثْل أَنْ يَقُول: إِنِّي أَبِيعُ هَازِلاً، وَلاَ يُكْتَفَى بِدَلاَلَةِ الْحَال، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِي الْعَقْدِ، فَيَكْفِي أَنْ تَكُونَ الْمُوَاضَعَةُ سَابِقَةً عَلَى الْعَقْدِ.
فَإِنْ تَوَاضَعَا عَلَى الْهَزْل بِأَصْل الْبَيْعِ، أَيْ تَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُمَا يَتَكَلَّمَانِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ عِنْدَ النَّاسِ وَلاَ يُرِيدَانِهِ، وَاتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ، أَيْ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَرْفَعَا الْهَزْل، وَلَمْ يَرْجِعَا عَنْهُ فَالْبَيْعُ مُنْعَقِدٌ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، لَكِنْ يَفْسُدُ الْبَيْعُ لِعَدَمِ الرِّضَا بِحُكْمِهِ، فَصَارَ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَبَدًا، لَكِنَّهُ لاَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ؛ لِعَدَمِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ (20) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهَزْل
9 - الْهَزْل قَدْ يَقَعُ فِي أَيِّ تَصَرُّفٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَالتَّصَرُّفَاتُ تَنْقَسِمُ بِحَسَبِ الرِّضَا وَالاِخْتِيَارِ إِلَى إِنْشَاءَاتٍ، وَإِخْبَارَاتٍ، وَاعْتِقَادَاتٍ؛ لأَِنَّ التَّصَرُّفَ إِنْ كَانَ إِحْدَاثَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنْشَاءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ بَيَانَ الْوَاقِعِ فَإِخْبَارَاتٌ، وَإِلاَّ فَاعْتِقَادَاتٌ، وَنُورِدُ فِيمَا يَلِي الأَْحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِكُل قِسْمٍ (21) .

الْقِسْمُ الأَْوَّل: الْهَزْل فِي الإِْنْشَاءَاتِ
10 - الْهَزْل فِي الإِْنْشَاءَاتِ يَأْتِي عَلَى نَوْعَيْنِ؛ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَحْتَمِل النَّقْضَ - أَيِ الَّتِي يُجْرَى فِيهَا الْفَسْخُ وَالإِْقَالَةُ، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ - أَوْ أَنْ يَكُونَ فِيمَا لاَ يَحْتَمِل النَّقْضَ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ وَالرَّجْعَةِ، وَنُورِدُ فِيمَا يَلِي أَثَرَ الْهَزْل فِي كُلٍّ مِنْهُمَا:

النَّوْعُ الأَْوَّل: الْهَزْل فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَحْتَمِل النَّقْضَ:
11 - إِنَّ الْهَزْل فِي الْعُقُودِ الَّتِي تَحْتَمِل النَّقْضَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ مَا يَهْزِل بِهِ كُلٌّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؛ لأَِنَّهُمَا إِمَّا أَنْ يَهْزِلاَ فِي أَصْل الْعَقْدِ - كَالْبَيْعِ مَثَلاً - أَوْ فِي قَدْرِ الْبَدَل، أَوْ فِي جِنْسِ الْبَدَل، وَنُبَيِّنُ فِيمَا يَلِي حُكْمَ كُلٍّ مِنْهَا وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا مِنْ صُوَرٍ (22) .

الصُّورَةُ الأُْولَى: اتِّفَاقُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فِي أَصْل الْعَقْدِ:
12 - إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى أَنْ يَبْنِيَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَيْ عَلَى عَدَمِ رَفْعِ الْهَزْل، وَعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي حُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ، وَلَكِنَّهُ مُنْعَقِدٌ، لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، لَكِنَّهُ يُفْسِدُ الْبَيْعَ لِعَدَمِ الرِّضَا بِحُكْمِهِ، فَصَارَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى الْهَزْل كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَبَدًا، لَكِنَّهُ لاَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ - كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ - لِعَدَمِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِهِ لاَ يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ بَاطِلٌ.
قَال صَاحِبُ شَرْحِ الْمَنَارِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَاطِلاً لِعَدَمِ وُجُودِ حُكْمِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، وَأَمَّا الْفَاسِدُ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْقُنْيَةِ بِأَنَّهُ بَيْعٌ بَاطِلٌ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِحَمْل مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُطْلاَنِ الْفَسَادُ، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِي.
ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قُلْتُ وَهَذَا أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ مَا فِي كُتُبِ الأُْصُول مِنْ أَنَّهُ فَاسِدٌ.
هَذَا وَقَدْ بَيَّنَ الرَّهَاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ: أَنَّ عَقْدَ الْهَازِل لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَقْدًا مَوْقُوفًا؛ لأَِنَّ عُلَمَاءَ الْمَذْهَبِ قَدْ رَتَّبُوا الأَْحْكَامَ عَلَى الْفَاسِدِ دُونَ الْمَوْقُوفِ (23) .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَعَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى سَبِيل الْجِدِّ:
13 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ صَحِيحًا لاَزِمًا، وَيَبْطُل الْهَزْل بِإِعْرَاضِهِمَا عَنِ الْمُوَاضَعَةِ؛ لأَِنَّ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةَ لَيْسَتْ بِلاَزِمَةٍ؛ فَتَرْتَفِعُ بِمَا قَصَدَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ مِنْ عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى سَبِيل الْجِدِّ، وَذَلِكَ لأَِنَّ حَقِيقَةَ الْعَقْدِ (وَهُوَ الْبَيْعُ) لَمَّا احْتَمَلَتِ الْفَسْخَ، فَإِنَّ الْعَقْدَ بَعْدَ الْعَقْدِ نَاسِخٌ لِلْعَقْدِ الأَْوَّل، فَالْعَقْدُ بَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ الَّتِي هِيَ دُونَهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهَا (24) .

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَّفِقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ عِنْدَ الْبَيْعِ الْمُقْتَرِنِ بِالْهَزْل مِنَ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمِنَ الإِْعْرَاضِ عَنْهَا - أَيْ لَمْ يَقَعْ فِي خَاطِرِهِمَا وَقْتَ الْعَقْدِ أَنَّهُمَا بَنَيَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ أَوْ أَعْرَضَا عَنْهَا -.
14 - فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ الصِّحَّةَ هِيَ الأَْصْل فِي الْعُقُودِ، فَيُحْمَل عَلَيْهَا الْعَقْدُ، مَا لَمْ يُوجَدْ مُغَيِّرٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مُغَيِّرٌ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ، فَجَعَل أَبُو حَنِيفَةَ صِحَّةَ الإِْيجَابِ أَوْلَى إِذَا سَكَتَ الْمُتَعَاقِدَانِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ، فَالاِعْتِبَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْعَقْدِ لاَ لِلْهَزْل (25) .
وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: أَنَّ الْعَقْدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَاسِدٌ، وَالْقَوْل قَوْل الْمُوَاضَعَةِ؛ لأَِنَّهَا أَصْلٌ عِنْدَهُمَا هُنَا، فَقَدِ اعْتَبَرَ الصَّاحِبَانِ الْمُوَاضَعَةَ لأَِنَّ الْعَادَةَ فِي مِثْلِهِ تَحْقِيقُ الْمُوَاضَعَةِ مَا أَمْكَنَ، وَالْمُوَاضَعَةُ أَسْبَقُ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ كَيْ لاَ تَلْغُوَ الْمُوَاضَعَةُ السَّابِقَةُ، فَيَكُونُ الاِشْتِغَال بِهَا عَبَثًا، إِلاَّ أَنْ يُوجَدَ نَصٌّ عَلَى مَا يَنْقُضُهَا، وَهُوَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنْهَا (26) .

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ صُورَةُ مَا إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَالإِْعْرَاضِ عَنْهَا، فَقَال أَحَدُهُمَا: بَنَيْنَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَال الآْخَرُ: عَقَدْنَاهُ عَلَى سَبِيل الْجِدِّ.
15 - فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، لأَِنَّ الصِّحَّةَ هِيَ الأَْصْل عِنْدَهُ فِي الْعُقُودِ كُلِّهَا فَيُحْمَل عَلَيْهَا مَا لَمْ يُوجَدْ مُغَيِّرٌ وَلَمْ يُوجَدْ، إِذِ الأَْصْل فِي الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ هُوَ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ حَتَّى يَقُومَ الْمُعَارِضُ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ لِلْمِلْكِ، وَالْجِدُّ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِ. فَإِذَا اخْتَلَفَا: فَمُدَّعِي الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ مُتَمَسِّكٌ بِالأَْصْل، فَيَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ، وَمُدَّعِي الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ مُتَمَسِّكٌ بِغَيْرِ الأَْصْل فَلاَ اعْتِبَارَ لِقَوْلِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَمَل بِالأَْصْل، وَهُوَ صِحَّةُ الْعَقْدِ، أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ الْمُوَاضَعَةِ؛ لأَِنَّهَا عَارِضٌ لَمْ تُنَوِّرْ دَعْوَى مُدَّعِيهَا بِالْبَيَانِ، فَلاَ يَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ، كَمَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ (27) .
وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ أَبَى يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: أَنَّ الْعَقْدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَاسِدٌ، وَالْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي الْمُوَاضَعَةَ؛ لأَِنَّهُمَا قَدْ اعْتَبَرَا أَنَّ الأَْصْل هُوَ الْمُوَاضَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، إِلاَّ أَنْ يُوجَدَ مَا يُنَاقِضُهَا؛ لأَِنَّ الْبِنَاءَ عَلَيْهَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ اشْتِغَال الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالْمُوَاضَعَةِ عَبَثًا؛ أَمَّا كَوْنُ الأَْصْل فِي الْعَقْدِ الصِّحَّةَ وَاللُّزُومَ فَإِنَّهُ يُعَارَضُ بِأَنَّ الْمُوَاضَعَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الْعَقْدِ، وَالسَّبْقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ، إِلاَّ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى سَبِيل الْجِدِّ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُغَيِّرُهُ، كَمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا لاَزِمًا، وَالْهَزْل بَاطِلٌ (28) . الصُّورَتَانِ الْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ:
16 - أَمَّا الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ فَتَكُونُ فِيمَا إِذَا أَعْرَضَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْمُوَاضَعَةِ، وَقَال الآْخَرُ: لَمْ يَحْضُرْنِي شَيْءٌ.
وَأَمَّا الصُّورَةُ السَّادِسَةُ فَتَكُونُ فِيمَا إِذَا بَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، وَقَال الآْخَرُ: لَمْ يَحْضُرْنِي شَيْءٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ الْحَنَفِيَّةُ حُكْمَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، فَقَالُوا: عَلَى أَصْل أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُضُورِ كَالإِْعْرَاضِ، عَمَلاً بِالْعَقْدِ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لأَِنَّ الصِّحَّةَ هِيَ الأَْصْل فِي الْعُقُودِ عِنْدَهُ مَا لَمْ يُوجَدْ مُغَيِّرٌ.
وَعَلَى أَصْل الصَّاحِبَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُضُورِ كَالْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ تَرْجِيحًا لِلْمُوَاضَعَةِ بِالْعَادَةِ وَالسَّبْقِ، فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصُّورَتَيْنِ، وَهَذَا الْحُكْمُ مَأْخُوذٌ مِنْ صُورَةِ اتِّفَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى أَنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَنْزِلَةِ الإِْعْرَاضِ، وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ (29) (وَهِيَ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ الْمَذْكُورَةُ آنِفًا) . الصُّورَةُ السَّابِعَةُ:
17 - صَرَّحَ بِهَا التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْوِيحِ فَقَال: إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى الاِخْتِلاَفِ فِي الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ، وَفِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا، بِأَنْ يُقِرَّ كِلاَهُمَا بِإِعْرَاضِ أَحَدِهِمَا وَبِنَاءِ الآْخَرِ، فَلاَ قَائِل بِالصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ (30) .
18 - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْهَازِل صَحِيحٌ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ مَعَ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ؛ وَعَدَمُ رِضَاهُ بِوُقُوعِهِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يَقَعُ لاَ أَثَرَ لَهُ (31) .
19 - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَشْهُورِ - وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْهَازِل بَاطِلٌ، قَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ؛ وَيُقْبَل مِنَ الْبَائِعِ قَوْلُهُ: إِنَّ بَيْعَهُ كَانَ هَزْلاً بِقَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِ، مَعَ يَمِينِهِ لاِحْتِمَال كَذِبِهِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ لَمْ تُقْبَل دَعْوَاهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ (32) .
20 - أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالأَْصْل فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ عِنْدَهُمْ هُوَ الصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الرِّضَا. فَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ بِلَفْظِ الْمَاضِي كَأَنْ يَقُول الْبَائِعُ: بِعْتُكَ وَيَرْضَى الآْخَرُ، أَوْ يَقُول الْمُشْتَرِي: ابْتَعْتُ أَوِ اشْتَرَيْتُ وَيَرْضَى الآْخَرُ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ وَلَوْ قَال الْبَادِئُ: لاَ أَرْضَى وَإِنَّمَا كُنْتُ مَازِحًا وَهَازِلاً.
وَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ كَأَنْ يَقُول الْبَائِعُ: أَبِيعُكَهَا بِكَذَا وَيَرْضَى الْمُشْتَرِي، أَوْ قَال الْمُشْتَرِي: أَنَا أَشْتَرِيهَا بِكَذَا وَيَرْضَى الْبَائِعُ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ، وَإِذَا قَال الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِي: لَمْ أُرِدِ الْبَيْعَ أَوِ الشِّرَاءَ وَإِنَّمَا كُنْتُ هَازِلاً فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَلاَ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ.
وَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ بِلَفْظِ الأَْمْرِ كَأَنْ يَقُول الْمُشْتَرِي: بِعْنِي، فَيَقُول لَهُ الْبَائِعُ: بِعْتُ، أَوْ يَقُول الْبَائِعُ: اشْتَرِ مِنِّي، وَيَقُول الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ وَلَوْ قَال الْمُشْتَرِي: كُنْتُ هَازِلاً وَلاَ يَمِينَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَالأَْرْجَحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ أَنَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، فَإِذَا حَلَفَ لاَ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ (33) . الْهَزْل فِي الثَّمَنِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي تَحْتَمِل النَّقْضَ:
21 - إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى الْجِدِّ فِي الْعَقْدِ، لَكِنَّهُمَا هَزَلاَ فِي الثَّمَنِ، فَإِنَّ الْهَزْل فِي الثَّمَنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الْبَيْعِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بَيْع التَّلْجِئَة ف 10 وَمَا بَعْدَهَا) .

النَّوْعُ الثَّانِي: الْهَزْل فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ.
22 - التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ - هِيَ الَّتِي لاَ يَجْرِي فِيهَا الْفَسْخُ وَالإِْقَالَةُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا - وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ الْهَزْل فِيهَا بِاخْتِلاَفِ حَالاَتِهَا، مِنْ حَيْثُ اقْتِرَانُ الْمَال بِهَا، أَوْ عَدَمُ اقْتِرَانِهِ؛ لأَِنَّهَا إِمَّا أَلاَّ يَكُونَ فِيهَا مَالٌ أَصْلاً، أَوْ يَكُونَ فِيهَا مَالٌ تَبَعًا؛ أَوْ يَكُونَ الْمَال فِيهَا مَقْصُودًا (34) ، وَهِيَ كَمَا يَلِي:

الْحَالَةُ الأُْولَى: الْهَزْل فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ وَلاَ يَكُونُ فِيهَا مَالٌ أَصْلاً:
وَيَشْمَل هَذَا النَّوْعُ الطَّلاَقَ، وَالظِّهَارَ، وَالْعِتْقَ، وَالْعَفْوَ عَنِ الْقِصَاصِ - عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ مُوجِبَ الْقَتْل الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ الْقِصَاصُ عَيْنًا - وَالْيَمِينَ وَالنَّذْرَ (35) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْهَزْل فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

23 - الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْجِدَّ وَالْهَزْل فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ سَوَاءٌ، وَمِنْ ثَمَّ فَطَلاَقُ الْهَازِل وَاقِعٌ قَضَاءً وَدِيَانَةً، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَمِثْلُهُ بَاقِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ (36) .
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: ثَلاَثٌ لاَ يَجُوزُ اللَّعِبُ فِيهِنَّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ، وَالْعِتْقُ (37) . وَعَنِ الْحَسَنِ ﵁ أَنَّهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ طَلَّقَ أَوْ حَرَّرَ أَوْ أَنْكَحَ أَوْ نَكَحَ فَقَال: إِنِّي كُنْتُ لاَعِبًا فَهُوَ جَائِزٌ (38) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالإِْجْمَاعِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ هَزْل الطَّلاَقِ وَجِدَّهُ سَوَاءٌ (39) .
وَنَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ وَلاَ مَال فِيهَا تَأْخُذُ حُكْمَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ (40) .
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ وَالطَّلاَقَ، وَالرَّجْعَةَ، وَالظِّهَارَ، وَالْيَمِينَ، وَالْعِتْقَ حُكْمُهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الْهَزْل وَالْجِدَّ فِيهَا سَوَاءٌ، لِلْحَدِيثِ ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ. . . " فَقَدْ رُوِيَ بِرِوَايَاتٍ: بَعْضُهَا: " النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْيَمِينُ " وَفِي رِوَايَةٍ: " وَالْعِتْقُ " بَدَل " الْيَمِينُ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَالرَّجْعَةُ " بَعْدَ النِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ (41) " فَأُخِذَ بِهَا فَكَانَ حُكْمُهَا وَاحِدًا، وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ وَهِيَ: الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ وَالنَّذْرُ فَإِنَّهَا مَقِيسَةٌ عَلَيْهَا بِجَامِعِ أَنَّهَا إِنْشَاءَاتٌ لاَ تَحْتَمِل الْفَسْخَ، فَقَدْ أُلْحِقَ الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ بِ ـ " الْعِتْقُ "، وَالنَّذْرُ بِ ـ " الْيَمِينُ ".
وَجَعَل الْمَالِكِيَّةُ الرَّجْعَةَ مُلْحَقَةً بِالطَّلاَقِ وَالنِّكَاحِ وَالْعِتْقِ، قَال فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الطَّلاَقِ فِي شَرْحِ قَوْل ابْنِ الْحَاجِبِ: وَفِي الْهَزْل فِي الطَّلاَقِ وَالنِّكَاحِ وَالْعِتْقِ. . . وَيُلْحَقُ بِالثَّلاَثِ الرَّجْعَةُ، وَالْمَشْهُورُ اللُّزُومُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: " قَال رَسُول اللَّهِ - ﷺ - ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ.
وَلَكِنْ نَصَّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ تَكُونُ بِقَوْلٍ صَرِيحٍ كَرَجَعْتُ. . . وَتَكُونُ بِهِ مَعَ النِّيَّةِ رَجْعَةً ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، أَمَّا مَعَ الْهَزْل فَإِنَّهَا تَكُونُ رَجْعَةً فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ لِعَدَمِ النِّيَّةِ؛ لأَِنَّ الرَّجْعَةَ هَزْلُهَا جِدٌّ؛ فَيُلْزِمُهُ الْحَاكِمُ بِالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلَكِنْ لاَ يَحِل لَهُ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلاَ يَحِل لَهُ أَيْضًا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مِيرَاثِهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ - حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِالْهَزْل ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَالرَّجْعَةَ تَصِحُّ ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا - أَنَّ النِّكَاحَ لَهُ صِيغَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَكَانَ الْهَزْل فِيهِ كَالْعَدَمِ، وَلَمَّا ضَعُفَ أَمْرُ الرَّجْعَةِ - لِكَوْنِ صِيغَتِهَا مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ فَقَطْ أَثَّرَ هَزْلُهُ فِيهَا فِي الْبَاطِنِ (42) .
وَعَمَّمَ الشَّافِعِيَّةُ حُكْمَ حَدِيثِ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلاَقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ عَلَى كُل التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَقَالُوا: وَخُصَّتِ الثَّلاَثَةُ لِتَأَكُّدِ أَمْرِ الأَْبْضَاعِ، وَإِلاَّ فَكُل التَّصَرُّفَاتِ كَذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ: " وَالْعِتْقُ " وَخُصَّ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ (43) ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ هُوَ مِنْ قَبِيل الْقِيَاسِ (44) .

24 - الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (فِي مُقَابِل الْمَشْهُورِ) إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَامَ دَلِيل الْهَزْل لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلاَقُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَفِي رَأْيٍ لاِبْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا إِذَا كَانَا لاَعِبَيْنِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمَا (45) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الْهَزْل فِي عُقُودٍ لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ، وَيَكُونُ الْمَال فِيهَا تَبَعًا:
25 - مِنْ أَمْثِلَةِ الْعُقُودِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ وَيَكُونُ الْمَال فِيهَا تَبَعًا: عَقْدُ النِّكَاحِ. أَمَّا كَوْنُ الْمَال فِيهَا تَبَعًا فَلأَِنَّ الْمَال فِيهَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذَّاتِ؛ بَل الْمَقْصُودُ الأَْصْلِيُّ فِي النِّكَاحِ هُوَ حِل اسْتِمْتَاعِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِالآْخَرِ، وَالتَّوَالُدُ أَيْضًا، وَالْمَال شُرِعَ فِيهِ لإِِظْهَارِ خَطَرِ الْمَحَل وَالإِْشْعَارِ بِصِدْقِ رَغْبَةِ بَاذِلِهِ، وَهُوَ الزَّوْجُ فِي النِّكَاحِ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، فَلأَِنَّهُ لاَ يَجْرِي فِيهَا الْفَسْخُ وَالإِْقَالَةُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، وَلاَ التَّرَاخِي بِخِيَارِ الشَّرْطِ، وَلاَ بِالتَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ (46) . حُكْمُ الْهَزْل فِي النِّكَاحِ
الْهَزْل فِي النِّكَاحِ إِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي أَصْل الْعَقْدِ، أَوْ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، وَنُبَيِّنُ آرَاءَ الْفُقَهَاءِ فِي كُل صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ فِيمَا يَلِي:

الصُّورَةُ الأُْولَى: الْهَزْل فِي أَصْل عَقْدِ النِّكَاحِ
26 - إِذَا هَزَل الْعَاقِدَانِ فِي أَصْل النِّكَاحِ، مِثْل أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِمَهْرٍ هُوَ أَلْفٌ - مَثَلاً - وَلاَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ نِكَاحَ الْهَازِل صَحِيحٌ، وَالْهَزْل بَاطِلٌ، وَتَلْزَمُهُ مُوجِبَاتُ الْعَقْدِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِقَصْدِهِ، قَال بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ - وَالشَّافِعِيَّةُ - وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ (47) .
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: ثَلاَثٌ لاَ يَجُوزُ اللَّعِبُ فِيهِنَّ: الطَّلاَقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعِتْقُ (48) .
وَلِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ إِيضَاحٌ وَتَفْصِيلٌ:
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْهَزْل بِأَصْل النِّكَاحِ جِدٌّ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُول لاِمْرَأَةٍ: إِنِّي أَتَزَوَّجُكِ بِأَلْفٍ تَزَوُّجًا بَاطِلاً وَهَزْلاً، وَوَافَقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا عَلَى ذَلِكَ، وَحَضَرَ الشُّهُودُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، كَانَ النِّكَاحُ لاَزِمًا فِي الْقَضَاءِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا سَمَّيَا مِنَ الْمَهْرِ لِلْحَدِيثِ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ؛ وَلأَِنَّ الْهَزْل إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا يَحْتَمِل الْفَسْخَ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالنِّكَاحُ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلْفَسْخِ؛ وَلِهَذَا لاَ يُجْرَى فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْل، وَالْمَال فِي النِّكَاحِ تَبَعٌ؛ لأَِنَّ الْمَقْصِدَ الأَْصْلِيَّ فِيهِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ الْحِل لِلتَّوَالُدِ، وَكَذَا يَصِحُّ بِدُونِ ذِكْرِ الْمَهْرِ، وَيُتَحَمَّل فِي الْمَهْرِ مِنَ الْجَهَالَةِ مَا لاَ يُتَحَمَّل فِي غَيْرِهِ. وَقَالُوا: إِنَّ عَقْدَ نِكَاحِ الْهَازِل لاَزِمٌ، وَالْهَزْل بَاطِلٌ سَوَاءٌ اتَّفَقَ الْعَاقِدَانِ عَلَى بِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوِ اتَّفَقَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنْهَا، أَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ أَوِ الإِْعْرَاضِ عَنْهَا عِنْدَ الْعَقْدِ، أَوِ اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا، أَوِ الإِْعْرَاضِ عَنْهَا (49) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْل مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ هَزْل النِّكَاحِ لاَزِمٌ وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ الْهَزْل، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّيُوخِ، قَال فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: قَال مَالِكٌ: مَنْ قَال لِرَجُلٍ - وَهُوَ يَلْعَبُ - زَوِّجِ ابْنَتَكَ مِنِ ابْنِي، وَأَنَا أُمْهِرُهَا كَذَا، فَقَال الآْخَرُ - عَلَى ضَحِكٍ وَلَعِبٍ - أَتُرِيدُ ذَلِكَ؟ قَال: نَعَمْ زَوِّجْهُ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَال: قَدْ زَوَّجْتُهُ، فَذَلِكَ نِكَاحٌ لاَزِمٌ (50) .
الرَّأْيُ الثَّانِي: يَرَى أَنَّ هَزْل النِّكَاحِ هَزْلٌ، وَلاَ يَجُوزُ مِنْهُ إِلاَّ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْجِدِّ، وَهُوَ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (51) .
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: يَرَى أَنَّ هَزْل النِّكَاحِ جِدٌّ مَا لَمْ يُقَمِ الدَّلِيل عَلَى الْهَزْل، فَإِنْ قَامَ الدَّلِيل عَلَى الْهَزْل لَمْ يَلْزَمِ النِّكَاحُ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا (52) .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الْهَزْل فِي قَدْرِ الْمَهْرِ
27 - إِذَا هَزَل الْمُتَعَاقِدَانِ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ، بِأَنْ تَزَوَّجَهَا بِأَلْفَيْنِ عَلاَنِيَةً، وَبِأَلْفٍ سِرًّا، أَيْ أَظْهَرَا فِي الْعَقْدِ أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفَانِ، وَأَسَرَّا أَنَّهُ أَلْفٌ، فَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاَتٍ فِي حُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَهْر ف 58) .

الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: الْهَزْل فِي عُقُودٍ لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ، وَالْمَال فِيهَا مَقْصُودٌ
28 - هُنَاكَ عُقُودٌ، لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ وَيَكُونُ الْمَال فِيهَا مَقْصُودًا، أَيْ أَنَّ الْمَال فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لاَ يَجِبُ إِلاَّ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهَذِهِ الْعُقُودُ هِيَ: الْخُلْعُ، وَمِثْلُهُ الطَّلاَقُ عَلَى مَالٍ، وَالْعِتْقُ عَلَى مَالٍ، وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالٍ.
فَإِذَا وَقَعَ الْهَزْل فِي أَيِّ عَقْدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ، فَإِنَّ الأَْمْرَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقَعَ الْهَزْل فِي أَصْل الْعَقْدِ، أَوْ فِي قَدْرِ الْمُسَمَّى مِنَ الْمَال، أَوْ فِي جِنْسِهِ كَمَا إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ بِطَرِيقِ الْهَزْل، أَوْ طَلَّقَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ عَلَى أَنَّ الْمَال أَلْفٌ، أَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ عَلَى أَنَّ الْمَال أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَكَذَا فِي الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، أَوْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالٍ، وَنُوَضِّحُ آرَاءَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَلِي:

أ - الْهَزْل فِي أَصْل الْخُلْعِ:
29 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا هَزَل الزَّوْجَانِ فِي أَصْل الْخُلْعِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوْ عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنْهَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ أَوِ الإِْعْرَاضِ، أَوْ يَخْتَلِفَا فِي ذَلِكَ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ:

الصُّورَةُ الأُْولَى: الْهَزْل فِي أَصْل الْخُلْعِ:
30 - إِذَا هَزَل الزَّوْجَانِ بِأَصْل الْخُلْعِ، بِأَنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا يُخَالِعَانِ بِكَذَا عِنْدَ النَّاسِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ هَزْلاً، وَأَشْهَدَا عَلَيْهِ، وَاتَّفَقَا بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى أَنْ بَنَيَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الصُّورَةِ:
فَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: أَنَّ الطَّلاَقَ وَاقِعٌ، وَالْمَال لاَزِمٌ كُلَّهُ؛ لأَِنَّ الْهَزْل لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْخُلْعِ أَصْلاً عِنْدَهُمَا؛ لأَِنَّ الْخُلْعَ لاَ يَحْتَمِل خِيَارَ الشَّرْطِ، حَتَّى لَوْ شَرَطَا فِي الْخُلْعِ الْخِيَارَ لَهَا وَقَعَ الطَّلاَقُ وَوَجَبَ الْمَال وَبَطَل الْخِيَارُ؛لأََنَّ الْخُلْعَ تَصَرُّفُ يَمِينٍ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ، فَلِهَذَا لاَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ قَبْل الْقَبُول، وَقَبُولُهَا شَرْطُ الْيَمِينِ، فَلاَ يُحْتَمَل الْخِيَارُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ، وَإِذَا لَمْ يُحْتَمَل الْخِيَارُ لاَ يُحْتَمَل الْهَزْل؛ لأَِنَّ الْهَزْل بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ.
هَذَا، وَلاَ يَخْتَلِفُ الْحَال عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوْ بِالإِْعْرَاضِ عَنْهَا، أَوْ بِالاِخْتِلاَفِ.
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ، بَل يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ الطَّلاَقَ بِالْمَال الْمُسَمَّى بِطَرِيقِ الْجِدِّ وَإِسْقَاطِ الْهَزْل، سَوَاءٌ هَزِلاَ بِأَصْل الْعَقْدِ، أَوْ بِقْدَرِ الْبَدَل، أَوْ بِجِنْسِهِ، أَيْ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشِيئَةِ الْمَرْأَةِ لإِِمْكَانِ الْعَمَل بِالْمُوَاضَعَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ لاَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ بِخِلاَفِ الْبَيْعِ، وَالْعَمَل بِالْمُوَاضَعَةِ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلاَقُ بِجَمِيعِ الْبَدَل، وَلاَ يَقَعُ فِي الْحَال، بَل يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهَا.
قَال التَّفْتَازَانِيُّ: كَمَا إِذَا قَال الرَّجُل لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّكِ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَتْ: قَبِلْتُ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَقَعُ الطَّلاَقُ، وَيَلْزَمُ الْمَال. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ رَدَّتِ الطَّلاَقَ فِي الثَّلاَثَةِ الأَْيَّامِ بَطَل الطَّلاَقُ، وَإِنْ أَجَازَتْ، أَوْ لَمْ تَرُدَّ حَتَّى مَضَتِ الْمُدَّةُ فَالطَّلاَقُ وَاقِعٌ وَالأَْلْفُلاَزِمٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ وَلاَ يَجِبُ الْمَال حَتَّى تَشَاءَ الْمَرْأَةُ (53) .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الاِتِّفَاقُ عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ الْهَزْل:
31 - إِذَا أَعْرَضَ الزَّوْجَانِ فِي الْخُلْعِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ كَانَ جِدًّا، وَقَعَ الطَّلاَقُ، وَوَجَبَ الْمَال الْمُسَمَّى عَلَيْهَا بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، أَمَّا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ؛ فَلأَِنَّ الْهَزْل بَاطِلٌ مِنَ الأَْصْل، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلأَِنَّ الْهَزْل بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ (54) .

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ أَوْ فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا:
32 - إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا، فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي الإِْعْرَاضَ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ، حَتَّى لَزِمَ التَّصَرُّفُ وَوَجَبَ الْمَال؛ لأَِنَّهُ جَعَل الْهَزْل مُؤَثِّرًا فِي أَصْل الطَّلاَقِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْوُقُوعِ؛ وَفِي الْخُلْعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لاَ يَقَعُ؛ كَمَا جَعَلَهُ مُؤَثِّرًا فِي الْبَيْعِ؛ ثُمَّ عِنْدَ اخْتِلاَفِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْبَيْعِ يُعْتَبَرُ قَوْل مَنْ يَدَّعِي الإِْعْرَاضَ تَرْجِيحًا لِلْجِدِّ - الَّذِي هُوَ أَصْلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَى الْهَزْل الَّذِي هُوَ خِلاَفُ الأَْصْل، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ (أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) الْخُلْعُ جَائِزٌ أَيْ لاَزِمٌ وَالْمَال وَاجِبٌ، وَلاَ يُفِيدُ اخْتِلاَفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْهَزْل وَالإِْعْرَاضِ عَنْهُ لأَِنَّ الْهَزْل عِنْدَهُمَا لاَ يُؤَثِّرُ فِي أَصْل التَّصَرُّفِ وَلاَ فِي الْمَال فِي حَال اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ؛ فَفِي حَال الاِخْتِلاَفِ أَوْلَى أَلاَّ يُؤَثِّرَ (55) .

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: السُّكُوتُ عَنِ الإِْعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ، حَيْثُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ. 33 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ أَيْ لاَزِمٌ حَتَّى وَقَعَ الطَّلاَقُ وَلَزِمَ الْمَال بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِرُجْحَانِ جَانِبِ الْجِدِّ عِنْدَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ فَلِبُطْلاَنِ الْهَزْل (56) .

ب - الْهَزْل فِي قَدْرِ الْمَال الْمُخَالَعِ عَلَيْهِ:
34 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْهَزْل فِي قَدْرِ الْمَال الْمُخَالَعِ عَلَيْهِ، بِأَنْ سَمَّى الزَّوْجَانِ أَلْفَيْنِ، وَالْبَدَل فِي الْوَاقِعِ أَلْفٌ، أَيْ طَلَّقَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ عَلَى أَنَّ الْمَال أَلْفٌ: فَإِنِ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ - بَعْدَ الْمُخَالَعَةِ - عَلَى بِنَائِهِمَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ: فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الطَّلاَقَ وَاقِعٌ، وَالْمَال لاَزِمٌ كُلُّهُ، وَهُوَ الأَْلْفَانِ؛ لأَِنَّ الْهَزْل لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْخُلْعِ عِنْدَهُمَا؛ وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي الْمَال، لَكِنَّ الْمَال تَابِعٌ لِلْخُلْعِ، وَثَابِتٌ فِي ضِمْنِهِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ الْهَزْل فِيهِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلاَقُ بِاخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ الطَّلاَقَ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى عَلَى سَبِيل الْجِدِّ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ يَتَعَلَّقُ بِكُل الْبَدَل، وَبَعْضُ الْبَدَل قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَرْأَةِ، فَبَعْضُ الطَّلاَقِ يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهَا، لَكِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَتَبَعَّضُ فَتَعَلَّقَ الْكُل بِاخْتِيَارِهَا، فَمَا لَمْ تَقْبَل جَمِيعَ الْمَذْكُورِ فِي الْعَقْدِ لاَ يَقَعُ، وَقَدْ عَبَّرَ التَّفْتَازَانِيُّ عَنْ رَأْيِ الإِْمَامِ بِقَوْلِهِ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَوَقَّفُ الطَّلاَقُ عَلَى مَشِيئَةِ الْمَرْأَةِ، لإِِمْكَانِ الْعَمَل بِالْمُوَاضَعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ لاَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، بِخِلاَفِ الْبَيْعِ، وَالْعَمَل بِالْمُوَاضَعَةِ: أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلاَقُ بِجَمِيعِ الْبَدَل. وَلاَ يَقَعُ فِي الْحَال، بَل يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهَا (57) .
وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ الْهَزْل لَزِمَ الطَّلاَقُ وَوَجَبَ الْمَال كُلُّهُ لِرِضَاهُمَا بِذَلِكَ.
وَكَذَا إِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ وَقَعَ الطَّلاَقُ وَوَجَبَ الْمَال الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلأَِنَّهُ قَدْ حَمَلَهُ عَلَى الْجِدِّ، وَجَعَلَهُ أَوْلَى مِنَ الْمُوَاضَعَةِ.
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِبُطْلاَنِ الْهَزْل مِنَ الأَْصْل، فَكَذَا فِي الْمَال تَبَعًا، حَتَّى وَجَبَ الْمَال فِيمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ وَلَمْ يُؤَثِّرِ الْهَزْل فِيهِ، فَفِيمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ بِالطَّرِيقِ الأَْوْلَى، وَإِنِ اخْتَلَفَا يَكُونُ الْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي الإِْعْرَاضَ عَنِ الْهَزْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِرُجْحَانِ جَانِبِ الْجِدِّ عِنْدَهُ، فَوَقَعَ الطَّلاَقُ وَوَجَبَ الْمَال كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ، لِبُطْلاَنِ الْهَزْل مِنَ الأَْصْل عِنْدَهُمَا، فَالاِخْتِلاَفُ لاَ يُفِيدُ (58) .

ج - الْهَزْل فِي جِنْسِ الْمَال الْمُخَالَعِ عَلَيْهِ.
35 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْهَزْل فِي جِنْسِ الْمَال الْمُخَالَعِ عَلَيْهِ، بِأَنْ تَوَاضَعَ الزَّوْجَانِ عَلَى أَنْ يَذْكُرَا فِي الْعَقْدِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَيَكُونَ الْبَدَل فِيمَا بَيْنَهُمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ صَاحِبَيْهِ:
فَيَرَى الصَّاحِبَانِ أَنَّهُ يَجِبُ الْمُسَمَّى بِكُل حَالٍ، أَيْ سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الإِْعْرَاضِ أَوْ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ وَالإِْعْرَاضِ، أَوِ اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ وَالإِْعْرَاضِ وَذَلِكَ لِبُطْلاَنِ الْهَزْل فِي الْخُلْعِ عِنْدَهُمَا، فَكَذَا فِي الْمَال، أَوْ لأَِنَّ الْهَزْل لاَ يُؤَثِّرُ فِي أَصْل التَّصَرُّفِ فَكَذَا فِي الْمَال، تَبَعًا لِلأَْصْل.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُمَا إِنِ اتَّفَقَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ، وَجَبَ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ لِصَيْرُورَةِ الْهَزْل بَاطِلاً بِالإِْعْرَاضِ عَنْهُ، وَلِرِضَاهُمَا بِهِ.
وَإِنِ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، تَوَقَّفَ الطَّلاَقُ عَلَى قَبُول الْمَرْأَةِ الْمُسَمَّى بِطَرِيقِ الْجِدِّ، وَاخْتِيَارِهَا الطَّلاَقَ؛ لأَِنَّ الْهَزْل لَمَّا كَانَ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ مَنَعَ صِحَّةَ قَبُول الْمَرْأَةِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلاَقَ بِقَبُول الدَّنَانِيرِ وَهِيَ لَمْ تَقْبَل، فَيَتَوَقَّفُ الطَّلاَقُ عَلَى الْقَبُول، كَمَا فِي شَرْطِ الْخِيَارِ.
وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ وَالإِْعْرَاضِ وَجَبَ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، وَهُوَ الدَّنَانِيرُ، وَوَقَعَ الطَّلاَقُ، لِرُجْحَانِ جَانِبِ الْجِدِّ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ، فِي الْبِنَاءِ وَالإِْعْرَاضِ. . . فَالْقَوْل لِمُدَّعِي الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ؛ لِكَوْنِهِ هُوَ الأَْصْل عِنْدَ الإِْمَامِ.
وَفِي كُلٍّ مِنَ الْعِتْقِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ مِثْل مَا فِي الطَّلاَقِ مِنَ الأَْحْكَامِ وَالتَّعْرِيفَاتِ (59) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْهَزْل بِالْخُلْعِ كَحُكْمِ الطَّلاَقِ هَزْلاً (60) ، لِلْحَدِيثِ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ طَلاَقَ الْهَازِل يَقَعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَلاَ يُدَيَّنُ (61) .
جَاءَ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ: إِذَا تَخَالَعَا هَازِلَيْنِ نَفَذَ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ طَلاَقٌ، وَإِنْ قُلْنَا فَسْخٌ فَهُوَ كَبَيْعِ الْهَازِل، وَفِيهِ خِلاَفٌ سَبَقَ (62) .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلاَفُ فِي بَيْعِ الْهَازِل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي (ف 19) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِنْ تَخَالَعَا هَازِلَيْنِ بِلَفْظِ طَلاَقٍ أَوْ نِيَّتِهِ صَحَّ الطَّلاَقُ، أَمَّا إِنْ تَخَالَعَا هَازِلَيْنِ بِغَيْرِ لَفْظِ طَلاَقٍ وَلاَ نِيَّتِهِ فَلاَ يَصِحُّ الْخُلْعُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْعِوَضِ، كَمَبِيعٍ (63) . . . .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْهَزْل فِي التَّبَرُّعَاتِ.
أ - الْهَزْل فِي الْهِبَةِ:
36 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ هِبَةِ الْهَازِل وَلَهُمْ فِي حُكْمِهَا قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ الْهَزْل لاَ يُبْطِل الْهِبَةَ، وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (64) .
الثَّانِي: عَدَمُ صِحَّةِ هِبَةِ الْهَازِل، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ: فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْهِبَةُ هَزْلاً وَلاَ تُلْجِئُةً، بِأَلاَّ تُرَادَ الْهِبَةُ بَاطِنًا، كَأَنْ تُوهَبَ فِي الظَّاهِرِ وَتُقْبَضَ، مَعَ اتِّفَاقِ الْوَاهِبِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ، أَوْ تُوهَبَ لِخَوْفٍ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ غَيْرِهِ فَلاَ تَصِحُّ، وَلِلْوَاهِبِ اسْتِرْجَاعُهَا إِذَا زَال مَا يَخَافُ، أَوْ جُعِلَتِ الْهِبَةُ طَرِيقًا إِلَى مَنْعِ وَارِثٍ حَقَّهُ، أَوْ مَنْعِ غَرِيمٍ حَقَّهُ فَهِيَ بَاطِلَةٌ؛ لأَِنَّ الْوَسَائِل لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ (65) .
وَنَصَّ فِي الاِخْتِيَارَاتِ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ وَالتَّمْلِيكَ لاَ تَصِحُّ مِنَ الْهَازِل عَلَى الصَّحِيحِ (66) .

ب - الْهَزْل فِي الْوَقْفِ:
37 - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى حُكْمِ الْهَزْل بِالْوَقْفِ، وَلَهُمْ فِي حُكْمِهِ قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ وَقْفُ الْهَازِل، وَالثَّانِي: يَصِحُّ وَقْفُهُ. قَال الْبَهْوَتِيُّ: وَوَقْفُ الْهَازِل. . . إِنْ غَلَبَ عَلَى الْوَقْفِ جِهَةُ التَّحْرِيرِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لاَ يَقْبَل الْفَسْخَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ كَالْعِتْقِ وَالإِْتْلاَفِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ شِبْهُ التَّمْلِيكِ، فَيُشْبِهُ الْهِبَةَ وَالتَّمْلِيكَ، وَذَلِكَ لاَ يَصِحُّ مِنَ الْهَازِل عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَهُ فِي الاِخْتِيَارَاتِ (67) .

ج - الْهَزْل فِي الْوَصِيَّةِ:
38 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ يُبْطِلُهَا الْهَزْل، قَال الْكَاسَانِيُّ: مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى الْمُوصِي: رِضَا الْمُوصِي؛ لأَِنَّهَا إِيجَابُ مِلْكٍ، أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمِلْكِ، فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الرِّضَا، كَإِيجَابِ الْمَلِكِ بِسَائِرِ الأَْشْيَاءِ، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْهَازِل وَالْمُكْرَهِ وَالْخَاطِئِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ تَفَوِّتُ الرِّضَا (68) .

د - تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ بِطَرِيقِ الْهَزْل:
39 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ هَازِلاً قَبْل طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ؛ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ بِطَرِيقِ الْهَزْل كَالسُّكُوتِ مُخْتَارًا، إِذِ اشْتِغَالُهُ بِالتَّسْلِيمِ هَازِلاً سُكُوتٌ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ ضَرُورَةً، وَأَنَّهَا تَبْطُل بِحَقِيقَةِ السُّكُوتِ مُخْتَارًا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ؛ لأَِنَّهُ دَلِيل الإِْعْرَاضِ عَنْ طَلَبِهَا، فَكَذَا تَبْطُل بِالسُّكُوتِ حُكْمًا.
أَمَّا بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ، وَطَلَبِ التَّقْرِيرِ وَالإِْشْهَادِ، فَإِنَّ التَّسْلِيمَ بِطَرِيقِ الْهَزْل بَاطِلٌ، وَالشُّفْعَةُ بَاقِيَةٌ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ مِنْ جِنْسِ مَا يَبْطُل بِخِيَارِ الشَّرْطِ، حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ وَطَلَبِ التَّقْرِيرِ، عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ بَطَل التَّسْلِيمُ، وَبَقِيَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأَِنَّ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ؛ لأَِنَّهُ اسْتِبْقَاءُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الأَْبُ وَالْوَصِيُّ تَسْلِيمَ شُفْعَةِ الصَّبِيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، كَمَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لَهُ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَا بِالْحُكْمِ، وَالْخِيَارُ يَمْنَعُ الرِّضَا بِهِ، فَيَبْطُل التَّسْلِيمُ، فَكَذَا الْهَزْل يَمْنَعُ الرِّضَا بِالْحُكْمِ، فَيَبْطُل بِهِ التَّسْلِيمُ، كَمَا يَبْطُل بِخِيَارِ الشَّرْطِ، وَتَبْقَى الشُّفْعَةُ (69) .

هـ - إِبْرَاءُ الْغَرِيمِ هَزْلاً:
40 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِبْرَاءَ الْغَرِيمِ مِنَ الدَّيْنِ مِثْل تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ، فَقَالُوا: يَبْطُل إِبْرَاءُ الْغَرِيمِ مِنْ دَيْنِهِ هَزْلاً، فَلَوْ أَبْرَأَهُ هَازِلاً، لاَ يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ، وَيَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ مِنَ الدَّيْنِ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ لاَ يَسْقُطُ الدَّيْنُ؛ لأَِنَّ فِي الإِْبْرَاءِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَلِهَذَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَإِلَى مَعْنَى التَّمْلِيكِ أُشِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ (70) } فَيُؤَثِّرُ فِي الإِْبْرَاءِ خِيَارُ الشَّرْطِ، فَكَذَا الْهَزْل يُؤَثِّرُ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ (71) .

و إِبْرَاءُ الْكَفِيل هَزْلاً:
41 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ الْكَفِيل هَازِلاً لاَ يَصِحُّ مَعَ أَنَّهُ مِمَّا لاَ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّهُ يَحْتَمِل الْفَسْخَ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ الْكَفِيل عَلَى عَيْنٍ، وَهَلَكَتِ الْعَيْنُ، أَوْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ يَنْفَسِخُ الصُّلْحُ وَتَعُودُ الْكَفَالَةُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَعْمَل فِيهِ الْهَزْل فَيَمْنَعُهُ مِنَ الثُّبُوتِ، كَالْخِيَارِ (72) .

الْقِسْمُ الثَّانِي: الْهَزْل فِي الإِْخْبَارَاتِ:
42 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الْهَزْل يُبْطِل الإِْخْبَارَاتِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْخْبَارَاتِ يُبْطِلُهَا الْهَزْل، سَوَاءٌ كَانَتْ إِخْبَارًا عَمَّا يَحْتَمِل الْفَسْخَ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، أَوْ لاَ يَحْتَمِلُهُ كَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ إِخْبَارًا شَرْعًا وَلُغَةً كَمَا إِذَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُقِرَّا بِأَنَّ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا، أَوْ بِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا فِي هَذَا الشَّيْءِ بِكَذَا، أَوْ كَانَتْ إِخْبَارًا لُغَةً فَقَطْ، كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِأَنَّ لِزَيْدٍ عَلَيْهِ كَذَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْخْبَارَ يَعْتَمِدُ صِحَّةَ الْمُخْبَرِ بِهِ، أَيْ تَحَقَّقَ الْحُكْمُ الَّذِي صَارَ الْخَبَرُ عِبَارَةً عَنْهُ، وَإِعْلاَمًا بِثُبُوتِهِ أَوْ نَفْيِهِ، وَالْهَزْل يُنَافِي ذَلِكَ وَيَدُل عَلَى عَدَمِهِ، فَكَمَا أَنَّهُ يَبْطُل الإِْقْرَارُ بِالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ مُكْرَهًا، كَذَلِكَ يَبْطُل الإِْقْرَارُ بِهِمَا هَازِلاً؛ لأَِنَّ الْهَزْل دَلِيل الْكَذِبِ كَالإِْكْرَاهِ، حَتَّى لَوْ أَجَازَ ذَلِكَ بَعْدَ الْهَزْل بِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لأََنَّ الإِْجَازَةَ إِنَّمَا تَلْحَقُ شَيْئًا مُنْعَقِدًا يَحْتَمِل الصِّحَّةَ وَالْبُطْلاَنَ، وَبِالإِْجَازَةِ لاَ يَصِيرُ الْكَذِبُ صِدْقًا، وَهَذَا بِخِلاَفِ إِنْشَاءِ الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لاَ يَحْتَمِل الْفَسْخَ، فَإِنَّهُ لاَ أَثَرَ فِيهِ لِلْهَزْل عَلَى مَا سَبَقَ (73) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَال: أَقْرَرْتُ بِكَذَا وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ نَائِمٌ فَلاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ حَيْثُ قَالَهُ نَسَقًا (أَيْ بِدُونِ فَصْلٍ فِي الْكَلاَمِ) ، وَلَمْ تُكَذِّبْهُ الْبَيِّنَةُ. وَكَذَا لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إِذَا قَال: أَقْرَرْتُ بِكَذَا قَبْل أَنْ أُخْلَقَ حَيْثُ قَالَهُ نَسَقًا؛ لأَِنَّ هَذَا خَارِجٌ مَخْرَجَ الاِسْتِهْزَاءِ؛ فَلَوْ قَال: أَقْرَرْتُ بِأَلْفٍ وَلَمْ أَدْرِ أَكُنْتُ صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ بَالِغٌ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْبُلُوغِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَال: لاَ أَدْرِي أَكُنْتُ عَاقِلاً أَمْ لاَ فَيَلْزَمُهُ، لأَِنَّ الأَْصْل الْعَقْل حَتَّى يَثْبُتَ انْتِفَاؤُهُ (74) .
وَجَاءَ فِي التَّاجِ وَالإِْكْلِيل أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ اعْتِذَارًا: سُمِعَ أَشْهَبُ: مَنِ اشْتَرَى مَالاً فَسَأَل الإِْقَالَةَ، فَقَال: تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى أَبِي، ثُمَّ مَاتَ الأَْبُ، فَلاَ شَيْءَ لِلاِبْنِ بِهَذَا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِاللَّفْظِ ظَاهِرَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ لاَزَمَهُ، وَهُوَ خُرُوجُهُ مِنْ مِلْكِهِ، وَأَنَّهُ الآْنَ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ.
قَال ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: وَإِنْ سُئِل كِرَاءَ مَنْزِلِهِ، فَقَال: هُوَ لاِبْنَتِي ثُمَّ مَاتَ، فَلاَ شَيْءَ لَهَا بِهَذَا، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فِي حِجْرِهِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُعْتَذَرُ بِمِثْل هَذَا مَنْ يُرِيدُ مَنْعَهُ.
وَسُمِعَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: لَوْ سَأَلَهُ ابْنُ عَمِّهِ أَنْ يُسْكِنَهُ مَنْزِلاً، فَقَال: هُوَ لِزَوْجَتِي، ثُمَّ قَال لِثَانٍ وَثَالِثٍ ذَلِكَ الْقَوْل عِنْدَمَا سَأَلاَهُ، فَقَامَتِ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ، فَقَال: إِنَّمَا قُلْتُهُ اعْتِذَارًا لِنَمْنَعَهُ، فَلاَ شَيْءَ لَهَا بِهَذَا.
وَقَدْ يَقُول الرَّجُل لِلسُّلْطَانِ فِي الأَْمَةِ: وَلَدَتْ مِنِّي، وَفِي الْعَبْدِ هُوَ مُدَبَّرٌ؛ لِئَلاَّ يَأْخُذَهُمَا السُّلْطَانُ فَلاَ يَلْزَمُهُ الإِْشْهَادُ فِيهِ. أَيْ أَنَّهُ لاَ يُعْتَدُّ بِهَذَا الإِْقْرَارِ (75) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْهَزْل لاَ يُبْطِل الإِْقْرَارَ:
فَقَدْ جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الْبُجَيْرِمِيِّ عَلَى الْخَطِيبِ: أَنَّ الأُْمَّةَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الإِْقْرَارِ وَلَوْ هَازِلاً أَوْ لاَعِبًا أَوْ كَاذِبًا، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ (76) .
وَجَاءَ فِي نَيْل الْمَآرِبِ: لاَ يَصِحُّ الإِْقْرَارُ إِلاَّ مِنْ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ وَلَوْ كَانَ الْمُقِرُّ هَازِلاً (77) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ مِنَ الإِْقْرَارِ وَمَا لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ - سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ كَانَ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ - فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَار، ف 59 - 69) .

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْهَزْل فِي الاِعْتِقَادَاتِ:
إِذَا هَزَل الإِْنْسَانُ بِمَا يَمَسُّ عَقِيدَتَهُ، فَإِمَّا أَنْ يَهْزِل بِمَا يُوجِبُ كُفْرًا، أَوْ يَهْزِل بِمَا يُوجِبُ إِسْلاَمًا.

أ - هَزْل الْمُسْلِمِ بِمَا يُوجِبُ كُفْرًا:
43 - إِنْ هَزَل الْمُسْلِمُ بِمَا يُوجِبُ كُفْرًا، كَأَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ مَلاَئِكَتَهُ، أَوْ كُتُبَهُ، أَوْ رُسُلَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ، أَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، أَوْ أَنْكَرَ الْيَوْمَ الآْخِرَ، أَوِ الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ، أَوْ أَنْكَرَ أَمْرًا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ مُرْتَدًّا عَنِ الإِْسْلاَمِ، غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ تَفْصِيلاَتٍ نُوَضِّحُهَا فِيمَا يَلِي:
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْهَزْل فِي الرِّدَّةِ كُفْرٌ، كَقَوْلِهِ لِلصَّنَمِ إِلَهٌ - هَزْلاً - وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْهَازِل مَا هَزَل بِهِ، أَيْ أَنَّهُ قَدْ كَفَرَ بِعَيْنِ تَلَفُّظِهِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ هَزْلاً؛ لأَِنَّ الْهَازِل نَطَقَ بِذَلِكَ عَنْ رِضًا وَاخْتِيَارٍ فَتَعَيَّنَ فِي حَقِّهِ الْهَزْل جِدًّا، وَلِكَوْنِ الْهَزْل بِذَلِكَ اسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ الْحَقِّ،وَالاِسْتِخْفَافُ بِالدِّينِ الْحَقِّ كُفْرٌ (78) ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَبِالْقِيَاسِ: أَمَّا الْكِتَابُ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّل عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُل اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} (79) {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} (80) {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (81) } .
قَال الْجَصَّاصُ: فِيهِ الدَّلاَلَةُ عَلَى أَنَّ اللاَّعِبَ وَالْجَادَّ سَوَاءٌ فِي إِظْهَارِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الإِْكْرَاهِ؛ لأَِنَّ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقِينَ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ قَالُوا مَا قَالُوهُ لَعِبًا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّعِبِ (82) . وَأَمَّا الْقِيَاسُ، فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ كُفْرَ الْهَازِل بِذَلِكَ كَكُفْرِ الْعِنَادِ، أَيْ كَكُفْرِ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ، وَامْتَنَعَ عَنِ الإِْقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، عِنَادًا وَمُخَالَفَةً، فَإِنَّهُ أَمَارَةُ عَدَمِ التَّصْدِيقِ (83) . وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ: عَلَى أَنَّ كُفْرَ الْمُسْلِمِ يَكُونُ بِصَرِيحٍ - كَقَوْلِهِ: الْعُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ - أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْكُفْرَ، كَأَنْ يَجْحَدَ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ وَيَقْتَضِيهِ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذِرٍ، أَوْ حَرْقِهِ اسْتِخْفَافًا، وَشَدِّ زُنَّارٍ فِي وَسَطِهِ بِأَنْ فَعَل ذَلِكَ مَحَبَّةً فِي ذَلِكَ الزِّيِّ وَمَيْلاً لأَِهْلِهِ، وَأَمَّا إِنْ فَعَلَهُ هَزْلاً وَلَعِبًا فَهُوَ مُحَرَّمٌ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَنْتَهِي إِلَى الْكُفْرِ (84) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ هِيَ قَطْعُ الإِْسْلاَمِ، وَدَوَامُهُ بِنِيَّةِ كُفْرٍ، أَوْ قَطْعُ الإِْسْلاَمِ بِسَبَبِ قَوْل كُفْرٍ، أَوْ فِعْل مُكَفِّرٍ، وَسَوَاءٌ قَالَهُ اسْتِهْزَاءً، أَوْ عِنَادًا أَوِ اعْتِقَادًا (85) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} (86) {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (87) } .

ب - هَزْل الْكَافِرِ بِمَا يُوجِبُ إِسْلاَمًا:
44 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِسْلاَمِ الْكَافِرِ إِذَا هَزَل الْكَافِرُ بِكَلِمَةِ الإِْسْلاَمِ، وَتَبَرَّأَ عَنْ دِينِهِ هَازِلاً:
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ: عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِإِيمَانِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا؛ لأَِنَّ الإِْيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَالإِْقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَقَدْ بَاشَرَ أَحَدَ الرُّكْنَيْنِ؛ وَهُوَ الإِْقْرَارُ بِاللِّسَانِ عَلَى سَبِيل الرِّضَا، وَالإِْقْرَارُ هُوَ الأَْصْل فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِالإِْيمَانِ بِنَاءً عَلَيْهِ، كَالْمُكْرَهِ عَلَى الإِْسْلاَمِ إِذَا أَسْلَمَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ أَحَدِ الرُّكْنَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإِْسْلاَمِ.
وَهُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ إِنْشَاءٍ لاَ يَقْبَل حُكْمُهُ الرَّدَّ وَالتَّرَاخِيَ، فَإِنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ لاَ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الإِْسْلاَمِ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ، وَلاَ يُحْتَمَل أَنْ يُرَدَّ إِسْلاَمُهُ بِسَبَبٍ كَمَا يُرَدُّ الْبَيْعُ بِخِيَارِ الْعَيْبِ وَالرُّؤْيَةِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الطَّلاَقِ، وَالْعَتَاقِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْل (88) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَأَمَّا الإِْسْلاَمُ هَازِلاً فَيَصِحُّ، لأَِنَّهُ إِنْشَاءٌ لاَ يَحْتَمِل حُكْمُهُ الرَّدَّ وَالتَّرَاخِيَ، تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الإِْيمَانِ كَمَا فِي الإِْكْرَاهِ (89) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَال ابْنُ رَجَبٍ: لَوْ أَتَى الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الاِسْتِهْزَاءِ وَالْحِكَايَةِ، وَقَال: لَمْ أُرِدِ الإِْسْلاَمَ مَعَ دَلاَلَةِ الْحَال عَلَى صِدْقِهِ، فَهَل يُقْبَل مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ (90) .
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: لَوْ تَكَلَّمَ الْكَافِرُ بِكَلِمَةِ الإِْسْلاَمِ هَازِلاً أُلْزِمَ بِهِ وَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ ظَاهِرًا (91) .

الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْهَزْل فِي الْجِنَايَاتِ.
45 - صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَثَرِ الْهَزْل فِي الْقَذْفِ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْهَزْل بِالْقَذْفِ كَالْجِدِّ بِهِ، فَلَوْ قَال لَهُ: يَا وَلَدَ الزِّنَا، وَلَوْ كَانَ هَازِلاً، كَانَ قَاذِفًا لأُِمِّهِ، فَيُحَدُّ لَهَا حَدَّ الْقَذْفِ، إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطُ إِقَامَةِ الْحَدِّ (92) . وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَذَفَ مَنْ تَعَوَّدَ الْهَزْل بِالْقَبِيحِ عُزِّرَ (93) .
__________
(1) الْمِصْبَاح الْمُنِير، والمغرب فِي تَرْتِيبِ الْمُعْرِبِ.
(2) حَدِيث: " ثَلاَث جِدّهنَّ جِدّ. . . " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (3 / 481 - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وحسنه كَذَلِكَ ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (3 / 449 - ط الْعِلْمِيَّة) .
(3) شَرْح التَّوْضِيح 2 / 187، والتعريفات للجرجاني، والقواعد لِلْبَرَكَتِي، وابن عَابِدِينَ 2 / 423، وتيسير التَّحْرِير عَلَى كِتَاب التَّحْرِير 2 / 290
(4) الْمِصْبَاح الْمُنِير
(5) كَشْف الأَْسْرَارِ عَنْ أُصُول البزدوي 4 / 581
(6) الْمِصْبَاح الْمُنِير
(7) قَوَاعِد الْفِقْهِ لِلْبَرَكَتِيِّ.
(8) الْمِصْبَاح الْمُنِير.
(9) كَشْف الأَْسْرَارِ 4 / 1500، والتلويح 2 / 411 ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ
(10) التَّعْرِيفَات للجرجاني.
(11) تَيْسِير التَّحْرِير 2 / 307، وفتح الْغَفَّار بِشَرْح الْمَنَار لاِبْنِ نَجِيم 3 / 119 نَقْلاً عَنِ التَّحْرِيرِ.
(12) الْمِصْبَاح الْمُنِير
(13) شَرْح الْمَنَار، وحاشية عَزْمِيّ زَادَهُ عَلَيْهِ ص. 98، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 4 / 244.
(14) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 3 / 209
(15) التَّوْضِيح وَالتَّلْوِيح 2 / 394، 337 ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ.
(16) الاِخْتِيَار هُوَ: الْقَصْدُ إِلَى الشَّيْءِ وَإِرَادَته، وَالرِّضَا هُوَ إِيثَارُهُ، وَاسْتِحْسَانُهُ (مِشْكَاة الأَْنْوَار 2 / 109، وَالتَّلْوِيح 2 / 394) .
(17) كُشِفَ الأَْسْرَار 4 / 1478، والتوضيح وَالتَّلْوِيح 2 / 394، وتيسير التَّحْرِير 2 / 290، ومشكاة الأَْنْوَار 2 / 109.
(18) سَبَقَ تَخْرِيجَهُ فِقْرَة (1) .
(19) كُشِفَ الأَْسْرَار 4 / 1478.
(20) مِشْكَاة الأَْنْوَار فِي أُصُول الْمَنَار 2 / 109، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 4 / 7، وكشف الأَْسْرَار 4 / 1447، والتوضيح وَالتَّلْوِيح 2 / 394.
(21) تَيْسِير التَّحْرِير 2 / 290، وشرح التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ 2 / 187.
(22) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 4 / 7، 8، 124، وشرح الْمَنَار ص 981.
(23) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 4 / 7، 8، 124، وشرح الْمَنَار وَحَوَاشِيه ص 981، وفتح الْغَفَّار 2 / 110، وفواتح الرَّحَمُوت 1 / 162.
(24) فَتْح الْغَفَّار بِشَرْح الْمَنَار 3 / 110، وكشف الأَْسْرَار لِلْبُخَارِيِّ عَلَى أُصُول البزدوي 4 / 1479.
(25) فَوَاتِح الرَّحَمُوتِ 1 / 162، وفتح الْغَفَّار بِشَرْح الْمَنَار 2 / 110.
(26) الْمَرْجِعَانِ السَّابِقَانِ.
(27) تَيْسِير التَّحْرِير 2 / 291، وفتح الْغَفَّار 2 / 110، والمبسوط لِلسَّرْخَسِيَ 24 / 123.
(28) الْمَبْسُوط لِلسَّرْخَسِيَ 24 / 123، وشرح الْمَنَار وَحَوَاشِيه ص 982، والتلويح عَلَى التَّوْضِيحِ 2 / 188.
(29) التَّلْوِيح 2 / 188، وفتح الْغَفَّار بِشَرْح الْمَنَار 2 / 110.
(30) التَّلْوِيحِ عَلَى التَّوْضِيحِ 2 / 188.
(31) الْمَجْمُوع 9 / 173، ومغني الْمُحْتَاج 2 / 7، 16، 40، والإنصاف 4 / 266، وكشاف الْقِنَاع 3 / 150، وإعلام الْمَوْقِعَيْنِ 2 / 137.
(32) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
(33) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 3 / 3، 4، والشرح الصَّغِير 3 / 14، 15،16.
(34) كَشْف الأَْسْرَارِ 4 / 1482.
(35) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 241، وحاشية الدُّسُوقِيّ 4 / 212، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 48 وَالإِْنْصَاف 10 / 3.
(36) الْمَبْسُوط 24 / 106، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 2 / 423، والاختيار 3 / 124، وفتح الْقَدِير 3 / 231، 345، وفواتح الرَّحَمُوت 1 / 163، وشرح الْمَنَار وَحَوَاشِيه ص 984، ومشكاة الأَْنْوَار 2 / 111، وحاشية الْجُمَل 4 / 338، 339 والقليوبي وَعَمِيرَة 2 / 231، ونهاية الْمُحْتَاج 6 / 433، ونيل الْمَآرِب 2 / 234، ومنار السَّبِيل 2 / 237، والمغني 9 / 463، وإعلام الْمَوْقِعَيْنِ 3 / 123، والإنصاف 7 / 396.
(37) حَدِيث: فَضَالَّة بْن عَبِيد: " ثَلاَث لاَ يَجُوزُ اللَّعِبُ فِيهِنَّ. . . " أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ (18 / 304 - ط وِزَارَة الأَْوْقَافِ الْعِرَاقِيَّةِ) . وأشار ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (3 / 448 - ط الْعِلْمِيَّة) إِلَى إِعْلاَلِهِ بِأَحَدِ رُوَاته.
(38) حَدِيث: " مَنْ طَلْق أَوْ حَرَّرَ. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة (5 / 106 - ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ الْحَسَن الْبَصْرِيّ مُرْسَلاً.
(39) الْمُغْنِي 7 / 303.
(40) تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (1) .
(41) وَقَدْ جَاءَ فِي الْبَدَائِعِ (3 / 186، 187) : " فَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ مَعَ الإِْكْرَاهِ، وَالْهَزْل، وَاللَّعِبِ، وَالْخَطَأِ؛ لأَِنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِبْقَاءُ النِّكَاحِ، وَأَنَّهُ دُونَ الإِْنْشَاءِ، وَلَمْ تَشْتَرِطْ هَذِهِ الأَْشْيَاء لِلإِْن
(42) الشَّرْح الصَّغِير 2 / 605، 606، 607.
(43) تُحْفَة الْمُحْتَاج مَعَ حَوَاشِي الشرواني وَابْن قَاسِم الْعَبَّادِيّ 8 / 29.
(44) حَاشِيَة الْجُمَل 4 / 338 - 339.
(45) التَّاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش مَوَاهِب الْجَلِيل 4 / 44، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 2 / 174، 175.
(46) كَشْف الأَْسْرَارِ 4 / 482 1، وحاشية الْجُمَل 4 / 235.
(47) فَتْح الْقَدِير 2 / 351، كشف الأَْسْرَار 4 / 1482، 1483، وتيسير التَّحْرِير 2 / 294، 295، والمدونة 2 / 168، وجواهر الإِْكْلِيل 1 / 277، الخرشي 3 / 174، ومواهب الْجَلِيل 3 / 423 - 424، ومغني الْمُحْتَاج 3 / 288، ونهاية الْمُحْتَاج 6 / 273، وحاشية الْجُمَل 4 / 338، 339، وروضة الطَّالِبِينَ 6 / 51، والفروع لاِبْن مُفْلِح 5 / 168، وإعلام الْمَوْقِعَيْنِ 3 / 124.
(48) حَدِيث: " ثَلاَث لاَ يَجُوزُ اللَّعِبُ فِيهِنَّ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف 24.
(49) كَشْف الأَْسْرَارِ 4 / 1482،1483، وتيسير التَّحْرِير 2 / 294، 295.
(50) مَوَاهِب الْجَلِيل 3 / 23، وجواهر الإِْكْلِيل 1 / 277
(51) مَوَاهِب الْجَلِيل 3 / 424، وجواهر الإِْكْلِيل 1 / 277، والذخيرة 4 / 403.
(52) مَوَاهِب الْجَلِيل 3 / 423 - 424.
(53) شَرْح التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ 2 / 190، والمبسوط 24 / 126، وشرح الْمَنَار ص 985، وكشف الأَْسْرَار 4 / 1484.
(54) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
(55) كَشْف الأَْسْرَارِ عَلَى أُصُول للبزدوي 4 / 1485، وشرح التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ 2 / 190، وشرح الْمَنَار ص 986.
(56) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
(57) فَتْح الْغَفَّار 3 / 113، وشرح الْمَنَار ص 986، وشرح التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ 2 / 190.
(58) فَتْح الْغَفَّار 2 / 113، وشرح الْمَنَار / 986، والمستصفى 1 / 163.
(59) شَرْح الْمَنَار 987، وفتح الْغَفَّار 3 / 113.
(60) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 242، وروضة الطَّالِبِينَ 5 / 685.
(61) أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 281.
(62) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 5 / 685.
(63) كَشَّاف الْقِنَاع 5 / 215، ومنتهى الإِْرَادَات 3 / 110.
(64) الأَْشْبَاه لاِبْنِ نَجِيم ص 18، والاختيارات ص 170.
(65) مَطَالِب أُولِي النُّهَى فِي شَرْحِ غَايَة الْمُنْتَهَى 4 / 378، ونيل الْمَآرِب 2 / 28، ومنار السَّبِيل 2 / 21.
(66) الاِخْتِيَارَات ص 170.
(67) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 243، والاختيارات لاِبْن تَيْمِيَّةَ ص 170.
(68) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 235، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 6 / 92.
(69) الْمَبْسُوط 24 / 66، وكشف الأَْسْرَار 4 / 1487.
(70) سُورَةُ الْبَقَرَةِ / 280.
(71) كَشْف الأَْسْرَار للبزدوي 4 / 598.
(72) كَشْف الأَْسْرَارِ للبزدوي 4 / 599 ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ.
(73) شَرْح التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ 2 / 191، وفواتح الرَّحَمُوت 1 / 163، وحاشية ابْن عَابِدِينَ 2 / 4، وفتح الْقَدِير 3 / 345، وتكملة حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 2 / 81، والفتاوى الْخَيْرِيَّة 2 / 94.
(74) الشَّرْح الصَّغِير 3 / 532، والدسوقي 3 / 404.
(75) التَّاج وَالإِْكْلِيل هَامِش مَوَاهِبَ الْجَلِيل 5 / 246، 227، وتبصرة الْحُكَّام 2 / 56، والشرح الصَّغِير 3 / 532، والدسوقي 3 / 404.
(76) حَاشِيَة البجيرمي عَلَى الْخَطِيبِ 3 / 119 ط دَار الْمَعْرِفَة بَيْرُوت.
(77) نَيْل الْمَآرِب شَرْح دَلِيل الطَّالِبِ لاِبْن أَبِي تَغْلِبَ 2 / 496، وانظر مَنَار السَّبِيل فِي شَرْحِ الدَّلِيل لإِِبْرَاهِيمَ ابْن ضَوَيَانَ 2 / 506.
(78) فَتْح الْغَفَّار 2 / 114.
(79)
(80)
(81) سُورَةُ التَّوْبَةِ / 64 - 66.
(82) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 3 / 142.
(83) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 3 / 284، والمبسوط 34 / 58، 59، وفتح الْغَفَّار 2 / 114، وشرح الْمَنَار وَحَوَاشِيه ص 987، والتلويح عَلَى التَّوْضِيحِ 2 / 191.
(84) الْخَرَشِيّ 8 / 62، والذخيرة 12 / 13، والشرح الصَّغِير 4 / 431.
(85) مُغْنِي الْمُحْتَاج 4 / 133 - 136، والإنصاف 10 / 326.
(86)
(87) سُورَةُ التَّوْبَةِ / 65 - 66.
(88) كَشْف الأَْسْرَارِ عَلَى أُصُول البزدوي لِعَبْد الْعَزِيز الْبُخَارِيّ 4 / 1489.
(89) التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ لِلتَّفْتَازَانِيِّ 2 / 379.
(90) الْقَوَاعِد لاِبْن رَجَب ص 323.
(91) إِعْلاَم الْمُوَقِّعِينَ 3 / 98.
(92) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ 7 / 416.
(93) الْبَحْر الرَّائِق، وشرح كَنْز الرَّقَائِق 5 / 48، ومجمع الأَْنْهُر شَرْح مُلْتَقَى الأَْبْحُرِ 1.

الموسوعة الفقهية الكويتية: 270/ 42