البحث

عبارات مقترحة:

الصمد

كلمة (الصمد) في اللغة صفة من الفعل (صَمَدَ يصمُدُ) والمصدر منها:...

المحيط

كلمة (المحيط) في اللغة اسم فاعل من الفعل أحاطَ ومضارعه يُحيط،...

الحفي

كلمةُ (الحَفِيِّ) في اللغة هي صفةٌ من الحفاوة، وهي الاهتمامُ...

الْمَهْرُ


من معجم المصطلحات الشرعية

حق واجب لِمَا يُمْلَكُ بِهِ البُضْعُ بالنكاح . ومن شواهده حديث عَائِشَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْه ا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قَالَ : " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لاَ وَلِىَّ لَهُ ." الترمذي :1125


انظر : بدائع الصنائع للكاساني، 2/286، كشاف القناع للبهوتي، 5/128، حاشية العدوي للعدوي، 2/41.

من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف اللغوي

صَدَاقُ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ مَا يَدْفَعُهُ الزَّوْجُ إِلَى زَوْجَتِهِ بِعَقْدِ الزَّوَاجِ، وَالجَمْعُ: مُهُورٌ، يُقَال: مَهَرْتُ الْمَرْأَةَ مَهْرًا أَيْ أَعْطَيْتَهَا المَهْرَ، فَهِيَ مَمْهُورَةٌ، وَامْرَأَةٌ مَهِيرَةٌ: غَالِيَةُ المَهْرِ، وَنِسَاءٌ مَهَائِرُ، وَأَصْلُ المَهْرِ: أَجْرٌ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ، وَالمَهارَةُ: الحِذْقُ فِي الشَّيْءِ وَإِحْكَامُهُ وَإِتْقَانُهُ، وَقَدْ مَهَرْتُ الشَّيْءَ مَهَارَةً أَيْ أَتْقَنْتُهُ، وَالمَاهِرُ: الحَاذِقُ بِكُلِّ عَمَلٍ، وَسُمِّيَ الصَّدَاقُ مَهْرًا؛ لِإِحْكَامِ النَّاسِ لَهُ.

إطلاقات المصطلح

يَرِدُ المُصْطَلَحُ أَيْضًا فِي كِتَابِ البُيُوعِ فِي بَابِ الخِيَارِ فِي البَيْعِ ، الصُّلْحِ فِي بَابِ أَحْكَامِ الصُّلْحِ ، وَكِتَابِ الحُدُودِ فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَا ، وَكِتَابِ القَضَاءِ فِي بَابِ الدَّعَاوَى ، وَغَيْرِهَا.

جذر الكلمة

مهر

التعريف

حق واجب لِمَا يُمْلَكُ بِهِ البُضْعُ بالنكاح.

المراجع

* معجم مقاييس اللغة : (5/ 281)
* الصحاح للجوهري : (2/ 821)
* المعجم الوسيط : (2/ 890)
* مغني الـمحتاج فـي شرح الـمنهاج : 3 /220 - الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة : (5/ 45)
* معجم مقاييس اللغة : 1 - المعجم الوسيط : 2 /890 - الفروق اللغوية : 1 /169 - الـمغني لابن قدامة : 6 /679 - روضة الطالبين : 7 /249 - مطالب أولي النهى : 5 /173 -

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الْمَهْرُ فِي اللُّغَةِ: صَدَاقُ الْمَرْأَةِ؛ وَهُوَ: مَا يَدْفَعُهُ الزَّوْجُ إِلَى زَوْجَتِهِ بِعَقْدِ الزَّوَاجِ؛ وَالْجَمْعُ مُهُورٌ وَمُهُورَةٌ. يُقَال: مَهَرْتُ الْمَرْأَةَ مَهْرًا: أَعْطَيْتَهَا الْمَهْرَ؛ وَأَمْهَرْتُهَا - بِالأَْلِفِ - كَذَلِكَ؛ وَالثُّلاَثِيُّ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَهِيَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالاً (1) .
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ عَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: هُوَ مَا وَجَبَ بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ أَوْ تَفْوِيتِ بُضْعٍ قَهْرًا (2) .
وَلِلْمَهْرِ تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ: الْمَهْرُ؛ وَالصَّدَاقُ؛ وَالصَّدَقَةُ؛ وَالنِّحْلَةُ؛ وَالْفَرِيضَةُ؛ وَالأَْجْرُ؛ وَالْعَلاَئِقُ؛ وَالْعُقْرُ؛ وَالْحِبَاءُ (3) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
النَّفَقَةُ:
2 - النَّفَقَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ مِنَ الإِْنْفَاقِ وَمِنْ مَعَانِيهَا: مَا يُنْفَقُ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا وَالزَّادِ؛ وَمَا يُفْرَضُ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا مِنْ مَالٍ لِلطَّعَامِ وَالْكِسَاءِ وَالسُّكْنَى وَالْحَضَانَةِ وَنَحْوِهَا؛ وَالْجَمْعُ: نَفَقَاتٌ وَنِفَاقٌ (4) .
وَالنَّفَقَةُ شَرْعًا هِيَ: الطَّعَامُ وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى (5) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وُجُوبُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلزَّوْجَةِ؛ إِلاَّ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ جَزَاءً لِلاِحْتِبَاسِ فِي حِينِ يَجِبُ الْمَهْرُ إِبَانَةً لِشَرَفِ الْمَحَل (6) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَهْرِ:
يَتَعَلَّقُ بِالْمَهْرِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

حُكْمُ ذِكْرِ الْمَهْرِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ
3 - الْمَهْرُ وَاجِبٌ فِي كُل نِكَاحٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُحِل لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} (7) فَقَدْ قُيِّدَ الإِْحْلاَل بِهِ (8) ؛ إِلاَّ أَنَّ ذِكْرَ الْمَهْرِ فِي الْعَقْدِ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ فَيَجُوزُ إِخْلاَءُ النِّكَاحِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (9) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} (10) حَكَمَ بِصِحَّةِ الطَّلاَقِ مَعَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ؛ وَلاَ يَكُونُ الطَّلاَقُ إِلاَّ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ (11) .
وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ سُئِل عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُل بِهَا حَتَّى مَاتَ؛ فَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْل صَدَاقِ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ؛ فَقَامَ مَعْقِل بْنُ سِنَانٍ الأَْشْجَعِيُّ فَقَال: قَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْل مَا قَضَيْتَ (12) ؛ وَلأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالاِسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ كَالنَّفَقَةِ (13) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ لِلنِّكَاحِ؛ لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يُخَل نِكَاحًا عَنْهُ؛ وَلأَِنَّهُ أَدْفَعُ لِلْخُصُومَةِ (14) .
4 - وَأَمَّا إِذَا شُرِطَ نَفْيُ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ كَأَنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ لاَ مَهْرَ لَهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا النِّكَاحِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ (15) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ عِنْدَهُمْ عِنْدَ اشْتِرَاطِ نَفْيِ الْمَهْرِ؛ حَيْثُ إِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ الْمَهْرَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَيَقُولُونَ: وَمَعْنَى كَوْنِهِ رُكْنًا أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ إِسْقَاطِهِ (16) .
وَلِلتَّفْصِيل فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجَةُ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِنَفْيِ الْمَهْرِ أَوْ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ.
(ر: تَفْوِيضٌ ف 7 - 8؛ مُفَوِّضَةٌ) .

حِكْمَةُ وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ
5 - قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ لَمْ يَجِبِ الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لاَ يُبَالِي الزَّوْجُ عَنْ إِزَالَةِ هَذَا الْمِلْكِ بِأَدْنَى خُشُونَةٍ تَحْدُثُ بَيْنَهُمَا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَشُقُّ عَلَيْهِ إِزَالَتَهُ لَمَّا لَمْ يَخَفْ لُزُومَ الْمَهْرِ؛ فَلاَ تَحْصُل الْمَقَاصِدُ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ النِّكَاحِ؛ وَلأَِنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ وَمَقَاصِدَهُ لاَ تَحْصُل إِلاَّ بِالْمُوَافَقَةِ وَلاَ تَحْصُل الْمُوَافَقَةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ عَزِيزَةً مُكَرَّمَةً عِنْدَ الزَّوْجِ؛ وَلاَ عِزَّةَ إِلاَّ بِانْسِدَادِ طَرِيقِ الْوُصُول إِلَيْهَا إِلاَّ بِمَالٍ لَهُ خَطَرٌ عِنْدَهُ؛ لأَِنَّ مَا ضَاقَ طَرِيقُ إِصَابَتِهِ يَعِزُّ فِي الأَْعْيُنِ فَيَعِزُّ بِهِ إِمْسَاكُهُ؛ وَمَا تَيَسَّرَ طَرِيقُ إِصَابَتِهِ يَهُونُ فِي الأَْعْيُنِ فَيَهُونُ إِمْسَاكُهُ؛ وَمَتَى هَانَتْ فِي أَعْيُنِ الزَّوْجِ تَلْحَقُهَا الْوَحْشَةُ فَلاَ تَقَعُ الْمُوَافَقَةُ وَلاَ تَحْصُل مَقَاصِدُ النِّكَاحِ (17) .

أَنْوَاعُ الْمَهْرِ
6 - الْمَهْرُ الْوَاجِبُ نَوْعَانِ:

أ - الْمَهْرُ الْمُسَمَّى: وَهُوَ الْعِوَضُ الْمُسَمَّى فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْمُسَمَّى بَعْدَهُ لِمَنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا فِي الْعَقْدِ (18) .

ب - مَهْرُ الْمِثْل: وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يُرْغَبُ بِهِ فِي أَمْثَال الزَّوْجَةِ (19) .

الْمُعْتَبَرُ فِي مَهْرِ الْمِثْل
7 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُعْتَبَرُ بِهَا مَهْرُ الْمِثْل مِنْ قَرِيبَاتِ الزَّوْجَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَنْهُ إِلَى أَنَّ مَهْرَ مِثْل الزَّوْجَةِ يُعْتَبَرُ بِأَخَوَاتِهَا وَعَمَّاتِهَا وَبَنَاتِ أَعْمَامِهَا لِقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: لَهَا مَهْرُ مِثْل نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ فِيهِ وَلاَ شَطَطَ (20) وَهُنَّ أَقَارِبُ الأَْبِ؛ وَلأَِنَّ الإِْنْسَانَ مِنْ جِنْسِ قَوْمِ أَبِيهِ وَقِيمَةُ الشَّيْءِ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ فِي قِيمَةِ جِنْسِهِ؛ وَلاَ يُعْتَبَرُ مَهْرُ مِثْلِهَا بِأُمِّهَا وَخَالَتِهَا إِذَا لَمْ تَكُونَا مِنْ قَبِيلَتِهَا؛ فَإِنْ كَانَتِ الأُْمُّ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا (21) بِأَنْ كَانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ فَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ بِمَهْرِهَا لِمَا أَنَّهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا.
وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ: يُعْتَبَرُ فِي مَهْرِ الْمِثْل أَنْ تَتَسَاوَى الْمَرْأَتَانِ فِي السِّنِّ وَالْجَمَال وَالْعَقْل وَالدِّينِ وَالْبَلَدِ وَالْعَصْرِ لأَِنَّ مَهْرَ الْمِثْل يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الدَّارِ وَالْعَصْرِ؛ قَالُوا: وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي أَيْضًا فِي الْبَكَارَةِ لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ. قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: بِمُجَرَّدِ تَحَقُّقِ الْقَرَابَةِ الْمَذْكُورَةِ لاَ يَثْبُتُ صِحَّةُ الاِعْتِبَارِ بِالْمَهْرِ حَتَّى تَتَسَاوَيَا جَمَالاً وَمَالاً وَبَلَدًا وَعَصْرًا وَعَقْلاً وَدِينًا وَبَكَارَةً وَأَدَبًا وَكَمَال خُلُقٍ وَعَدَمَ وَلَدٍ وَفِي الْعِلْمِ أَيْضًا، فَلَوْ كَانَتْ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا لَكِنِ اخْتَلَفَ مَكَانُهُمَا أَوْ زَمَانُهُمَا لاَ يُعْتَبَرُ بِمَهْرِهَا لأَِنَّ الْبَلَدَيْنِ تَخْتَلِفُ عَادَةُ أَهْلِهِمَا فِي الْمَهْرِ فِي غَلاَئِهِ وَرُخْصِهِ فَلَوْ زُوِّجَتْ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي زُوِّجَ فِيهِ أَقَارِبُهَا لاَ يُعْتَبَرُ بِمُهُورِهِنَّ
وَقِيل: لاَ يُعْتَبَرُ الْجَمَال فِي بَيْتِ الْحَسَبِ وَالشَّرَفِ بَل فِي أَوْسَاطِ النَّاسِ؛ قَال ابْنُ الْهُمَامِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْل: وَهَذَا جَيِّدٌ.
وَقَالُوا يُعْتَبَرُ حَال الزَّوْجِ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ زَوْجُ هَذِهِ كَأَزْوَاجِ أَمْثَالِهَا مِنْ نِسَائِهَا فِي الْمَال وَالْحَسَبِ وَعَدَمِهِمَا؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةً مِنْ قَوْمِ الأَْبِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَأَجْنَبِيَّةٌ مَوْصُوفَةٌ بِذَلِكَ؛ وَفِي الْخُلاَصَةِ: يُنْظَرُ فِي قَبِيلَةٍ أُخْرَى مِثْل قَبِيلَةِ أَبِيهَا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يُعْتَبَرُ بِالأَْجْنَبِيَّاتِ؛ قَال الْكَمَال بْنُ الهُمَامِ: وَيَجِبُ حَمْل هَذَا الْقَوْل عَلَى مَا إِذَا كَانَ لَهَا أَقَارِبُ وَإِلاَّ امْتَنَعَ الْقَضَاءُ بِمَهْرِ الْمِثْل (22) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الأَْصْل فِي مَهْرِ الْمِثْل اعْتِبَارُ أَرْبَعِ صِفَاتٍ: الدِّينُ وَالْجَمَال وَالْحَسَبُ وَالْمَال؛ وَمِنْ شَرْطِ التَّسَاوِي: الأَْزْمِنَةُ وَالْبِلاَدُ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ عَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِي تَعْيِينِ الْمَهْرِ فَيُصَارُ إِلَيْهِ؛ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يُعْتَبَرُ شَبَابُهَا وَجَمَالُهَا فِي زَمَنِهَا وَرَغْبَةُ النَّاسِ فِيهَا؛ وَيُنْظَرُ فِي الزَّوْجِ فَإِنْ زَوَّجُوهُ إِرَادَةَ صِلَتِهِ وَمُقَارَبَتِهِ خُفِّفَ عَنْهُ؛ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كُمِّل لَهَا صَدَاقُ الْمِثْل (23) .
وَقَالُوا: لاَ يُنْظَرُ فِي تَحْدِيدِ مَهْرِ مِثْل الزَّوْجَةِ إِلَى أُخْتِهَا وَقَرَابَتِهَا إِذْ يُزَوَّجُ الْفَقِيرُ لِقَرَابَتِهِ وَالْبَعِيدُ لِغِنَاهُ؛ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ لِمِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ (24) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُرَاعَى فِي مَهْرِ الْمِثْل أَقْرَبُ مَنْ تُنْسَبُ مِنْ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ، وَأَقْرَبُهُنَّ أُخْتٌ لأَِبَوَيْنِ ثُمَّ لأَِبٍ ثُمَّ بَنَاتُ أَخٍ لأَِبَوَيْنِ ثُمَّ لأَِبٍ ثُمَّ عَمَّاتٌ لأَِبَوَيْنِ ثُمَّ لأَِبٍ؛ فَإِنْ فُقِدَ نِسَاءُ الْعَصَبَةِ أَوْ لَمْ يُنْكَحْنَ أَوْ جُهِل مَهْرُهُنَّ فَيُعْتَبَرُ مَهْرُهَا بِأَرْحَامِهَا تُقَدَّمُ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى كَجَدَّاتٍ وَخَالاَتٍ؛ وَيُعْتَبَرُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ الْمُشَارَكَةُ فِي الصِّفَاتِ الْمُرَغِّبَةِ كَسِنٍّ وَعَقْلٍ وَيَسَارٍ وَبَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ وَفَصَاحَةٍ وَمَا اخْتَلَفَ بِهِ غَرَضٌ كَالْعِلْمِ وَالشَّرَفِ لأَِنَّ الْمُهُورَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ هَذِهِ الصِّفَاتِ (25) .
وَمَتَى اخْتَصَّتْ بِفَضْلٍ أَوْ نَقْصٍ لَيْسَ فِي النِّسْوَةِ الْمُعْتَبَرَاتِ مِثْلُهُ؛ زِيدَ أَوْ نُقِصَ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهِ. وَيُعْتَبَرُ غَالِبُ عَادَةِ النِّسَاءِ فَلَوْ سَامَحَتْ وَاحِدَةٌ لَمْ يَجِبْ مُوَافَقَتُهَا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِنَقْصٍ دَخَل فِي النَّسَبِ وَفَتْرَةِ الرَّغَبَاتِ وَلَوْ خُفِضْنَ لِلْعَشِيرَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ أَوْ عَكْسُهُ اعْتُبِرَ ذَلِكَ (26) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَهْرُ الْمِثْل بِمَنْ يُسَاوِي الزَّوْجَةَ مِنْ جَمِيعِ أَقَارِبِهَا مِنْ جِهَةِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا كَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبِنْتِ عَمِّهَا وَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا وَغَيْرِهِنَّ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ لَهَا مِثْل مَهْرِ نِسَائِهَا وَلأَِنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ لَهُ أَثَرٌ فِي الْجُمْلَةِ (27) .
وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي الْمَال وَالْجَمَال وَالْعَقْل وَالأَْدَبِ وَالسِّنِّ وَالْبَكَارَةِ أَوِ الثُّيُوبَةِ وَالْبَلَدِ وَصَرَاحَةِ نَسَبِهَا وَكُل مَا يَخْتَلِفُ لأَِجْلِهِ الْمَهْرُ؛ لأَِنَّ مَهْرَ الْمِثْل بَدَل مُتْلَفٍ فَاعْتُبِرَتِ الصِّفَاتُ الْمَقْصُودَةُ فِيهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِسَائِهَا إِلاَّ دُونَهَا زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى؛ لأَِنَّ زِيَادَةَ فَضِيلَتِهَا تَقْتَضِي زِيَادَةَ مَهْرِهَا فَتُقَدَّرُ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الْفَضِيلَةِ؛ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي نِسَائِهَا إِلاَّ فَوْقَهَا نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا كَأَرْشِ الْعَيْبِ؛ وَلأَِنَّ لَهُ أَثَرًا فِي تَنْقِيصِ الْمَهْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ بِحَسَبِهِ. وَتُعْتَبَرُ عَادَةُ نِسَائِهَا فِي تَأْجِيل الْمَهْرِ أَوْ بَعْضِهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْعَادَاتِ كَالتَّخْفِيفِ عَنْ عَشِيرَتِهِنَّ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ وَكَذَا لَوْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّخْفِيفَ لِنَحْوِ شَرَفِ الزَّوْجِ أَوْ يَسَارِهِ؛ إِجْرَاءً لَهَا عَلَى عَادَتِهِنَّ.
فَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُنَّ فِي الْحُلُول وَالتَّأْجِيل أَوِ اخْتَلَفَتِ الْمُهُورُ قِلَّةً وَكَثْرَةً أُخِذَ بِمَهْرٍ وَسَطٍ حَالٍّ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ؛ فَإِنْ تَعَدَّدَ فَمِنْ غَالِبِهِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ مِنَ النِّسَاءِ اعْتُبِرَ شَبَهُهَا بِنِسَاءِ بَلَدِهَا؛ فَإِنْ عُدِمَتْ نِسَاءُ بَلَدِهَا فَالاِعْتِبَارُ بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ أَقْرَبِ بَلَدٍ إِلَيْهَا (28) .

شُرُوطُ الْمُخْبِرِ بِمَهْرِ الْمِثْل
8 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ بِمَهْرِ الْمِثْل رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلاً وَامْرَأَتَيْنِ وَيُشْتَرَطُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ؛ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَلَى ذَلِكَ شُهُودٌ فَالْقَوْل قَوْل الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ (29) .

مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا
9 - الأَْصْل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنَّ كُل مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا أَوْ أُجْرَةً جَازَ جَعْلُهُ صَدَاقًا. قَال الدَّرْدِيرُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمَهْرِ شُرُوطُ الثَّمَنِ مِنْ كَوْنِهِ مُتَمَوَّلاً طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَعْلُومًا (30) .
وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: كُل مَا صَحَّ كَوْنُهُ عِوَضًا مُعَوِّضًا عَيْنًا أَوْ دَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً كَثِيرًا أَوْ قَلِيلاً - مَا لَمْ يَنْتَهِ فِي الْقِلَّةِ إِلَى حَدٍّ لاَ يُتَمَوَّل - صَحَّ كَوْنُهُ صَدَاقًا؛ وَمَا لاَ فَلاَ (31) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: كُل مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ أَوْ أُجْرَةً فِي الإِْجَارَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ وَالْحَال وَالْمُؤَجَّل وَالْقَلِيل وَالْكَثِيرِ؛ وَمَنَافِعِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَغَيْرِهِمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا (32) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَهْرَ مَا يَكُونُ مَالاً مُتَقَوِّمًا عِنْدَ النَّاسِ فَإِذَا سَمَّيَا مَا هُوَ مَالٌ يَصِحُّ التَّسْمِيَةُ وَمَا لاَ فَلاَ.
وَقَالُوا: التَّسْمِيَةُ لاَ تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ وَتَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْمُسْتَدْرَكَةِ (33) .

وَقَدْ نَشَأَ عَنِ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي مَدْلُول الْمَال - كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَالٌ ف 2) - اخْتِلاَفُهُمْ فِي بَعْضِ مَا تَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا نَذْكُرُهَا فِيمَا يَأْتِي: جَعْل الْمَنْفَعَةِ مَهْرًا
10 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ صَدَاقًا جَرْيًا عَلَى أَصْلِهِمْ مِنْ أَنَّ كُل مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ صَدَاقًا؛ فَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَل مَنَافِعَ دَارِهِ أَوْ دَابَّتِهِ أَوْ عَبْدِهِ سَنَةً صَدَاقًا لِزَوْجَتِهِ؛ أَوْ يَجْعَل صَدَاقَهَا خِدْمَتَهُ لَهَا فِي زَرْعٍ أَوْ بِنَاءِ دَارٍ أَوْ خِيَاطَةِ ثَوْبٍ؛ أَوْ فِي سَفَرِ الْحَجِّ مَثَلاً.
قَال ابْنُ الحَاجِبِ: فِي كَوْنِ الصَّدَاقِ مَنَافِعَ كَخِدْمَتِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ تَعْلِيمِهِ قُرْآنًا مَنَعَهُ مَالِكٌ وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ أَصْبَغُ؛ وَإِنْ وَقَعَ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ (34) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ امْرَأَةً عَلَى مَنَافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يَصِحُّ.
وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: أَنَّ مَحَل الْخِلاَفِ يَخْتَصُّ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمِهْنَةِ وَالْمُنَافَاةِ (35) .
ثُمَّ الَّذِينَ اتَّفَقُوا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى جَوَازِ جَعْل الْمَنَافِعِ مَهْرًا اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي عِدَّةِ مَسَائِل مِنْهَا:

أ - جَعْل تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مَهْرًا لِلْمَرْأَةِ
11 - أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ وَأَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ جَعْل تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مَهْرًا (36) .
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِجَوَازِ جَعْل تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مَهْرًا شَرْطَيْنِ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوطِ تَعْلِيمُهُ بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ:
الطَّرِيقُ الأَْوَّل: بَيَانُ الْقَدْرِ الَّذِي يُعَلِّمُهُ بِأَنْ يَقُول كُل الْقُرْآنِ أَوِ السُّبُعُ الأَْوَّل أَوِ الأَْخِيرُ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: التَّقْدِيرُ بِالزَّمَانِ بِأَنْ يُصْدِقَهَا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ شَهْرًا وَيُعَلِّمَهَا فِيهِ مَا شَاءَتْ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَى تَعْلِيمِهِ قَدْرًا فِي تَعْلِيمِهِ كُلْفَةٌ (37) .
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي الْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ جَعْل تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ مَهْرًا؛ لأَِنَّ الْفُرُوجَ لاَ تُسْتَبَاحُ إِلاَّ بِالأَْمْوَال؛ وَلأَِنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إِلاَّ قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ (38) .
وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ؛ فَإِنْ وَقَعَ مَضَى فِي قَوْل أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ (39) .

ب - نِكَاحُ الْمَرْأَةِ عَلَى إِحْجَاجِهَا
12 - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَسْمِيَةِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى إِحْجَاجِهَا مَهْرًا لأَِنَّ الْحُمْلاَنَ مَجْهُولٌ لاَ يُوقَفُ لَهُ عَلَى حَدٍّ فَلَمْ يَصِحَّ؛ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا شَيْئًا؛ فَعَلَى هَذَا لَهَا مَهْرُ الْمِثْل (40) .
وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ:
فَقَدْ رَوَى يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي نِكَاحِهَا عَلَى إِحْجَاجِهَا أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْل الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَيَجِبُ صَدَاقُ الْمِثْل إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْحَجَّةِ غَيْرُهَا فَيَجُوزُ.
وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَيْسَ يُعْجِبُنِي وَلاَ رَأَيْتُ أَصْبَغَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُعْجِبُهُمْ وَرَأَيْتُهُمْ يَرَوْنَهُ جَائِزًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى حَجَّةٍ مِثْلِهَا فِي النَّفَقَةِ وَالْكِرَاءِ وَالْمَصْلَحَةِ؛ وَقَال: أَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُول حَتَّى يُحِجَّهَا أَوْ يُعْطِيَهَا مِقْدَارَ مَا يُشْبِهُ مِثْلَهَا مِنَ النَّفَقَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالتَّدَاوِي فِي بُعْدِ سَفَرِهَا أَوْ قُرْبِهِ فَتَكُونُ قَدْ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا فَإِنْ شَاءَتْ حَجَّتْ بِهِ وَإِنْ شَاءَتْ تَرَكَتْهُ (41) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ أَمْوَالاً مُتَقَوِّمَةً فِي حَدِّ ذَاتِهَا؛ إِلاَّ أَنَّهُمْ أَجَازُوا جَعْل الْمَنَافِعِ مَهْرًا فِي صُوَرٍ مُعَيَّنَةٍ نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي:

أ - مَنَافِعُ الأَْعْيَانِ
13 - مَنَافِعُ الأَْعْيَانِ تَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا مَهْرًا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِ سَائِرِ الأَْعْيَانِ مِنْ سُكْنَى دَارِهِ وَخِدْمَةِ عَبِيدِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ وَالْحَمْل عَلَيْهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِ الأَْعْيَانِ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّتِ التَّسْمِيَةُ لأَِنَّ هَذِهِ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ؛ وَالْتَحَقَتْ بِالأَْمْوَال شَرْعًا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ؛ وَالْحَاجَةُ فِي النِّكَاحِ مُتَحَقِّقَةٌ وَإِمْكَانُ الدَّفْعِ بِالتَّسْلِيمِ ثَابِتٌ بِتَسْلِيمِ مَحَالِّهَا (42) .

ب - مَنَافِعُ الْحُرِّ
ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ عِدَّةَ صُوَرٍ لِجَعْل مَنْفَعَةِ الْحُرِّ صَدَاقًا لِزَوْجَتِهِ مِنْهَا:

جَعْل الْحُرِّ مَهْرَ زَوْجَتِهِ خِدْمَتَهَا
14 - لَوْ تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا سَنَةً فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ وَلَهَا قِيمَةُ خِدْمَةِ سَنَةٍ (43) .
وَقَال الْكَاسَانِيُّ فِي مَعْرِضِ الاِسْتِدْلاَل لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ مُتَقَوِّمَةٍ عَلَى أَصْل أَصْحَابِنَا وَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً بِالْغَصْبِ وَالإِْتْلاَفِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ التَّقَوُّمِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ شَرْعًا ضَرُورَةً دَفْعًا لِلْحَاجَةِ بِهَا وَلاَ يُمْكِنُ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِهَا هَاهُنَا لأَِنَّ الْحَاجَةَ لاَ تَنْدَفِعُ إِلاَّ بِالتَّسْلِيمِ؛ وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ شَرْعًا؛ لأَِنَّ اسْتِخْدَامَ الْحُرَّةِ زَوْجَهَا الْحُرَّ حَرَامٌ؛ لِكَوْنِهِ اسْتِهَانَةً وَإِذْلاَلاً وَهَذَا لاَ يَجُوزُ؛ وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ لاِبْنٍ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَبَاهُ لِلْخِدْمَةِ؛ فَلاَ تُسَلَّمُ خِدْمَتُهُ لَهَا شَرْعًا؛ فَلاَ يُمْكِنُ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِهَا؛ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا التَّقَوُّمُ؛ فَبَقِيَتْ عَلَى الأَْصْل فَصَارَ كَمَا لَوْ سَمَّى مَا لاَ قِيمَةَ لَهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَهُنَاكَ لاَ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل كَذَا هَاهُنَا (44) . وَدَلَّل عَلاَءُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنْ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَوُجُوبِ قِيمَةِ الْخِدْمَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَقَال: إِنَّ التَّسْمِيَةَ قَدْ صَحَّتْ لَكِنْ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهَا اسْتِخْدَامُهُ بَل عَلَيْهَا خِدْمَةُ الزَّوْجِ فَيَجِبُ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ؛ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَلَى عَبْدٍ فَاسْتُحِقَّ؛ تَجِبُ قِيمَتُهُ لاَ مَهْرُ الْمِثْل كَهَذَا هَذَا (45) .
وَإِنْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ امْرَأَةً بِإِذْنِ مَوْلاَهُ عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً جَازَ وَلَهَا الْخِدْمَةُ (46) ؛ لأَِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ خَالِصُ مِلْكِ الْمَوْلَى فَصَحَّتِ التَّسْمِيَةُ (47) .
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا فَلَهَا خِدْمَتُهُ بِالإِْجْمَاعِ (48) .

، جَعْل الْحُرِّ مَهْرَ زَوْجَتِهِ عَمَلاً لاَ مَهَانَةَ فِيهِ
15 - قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ كَانَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِعْلاً لاَ اسْتِهَانَةَ فِيهِ وَلاَ مَذَلَّةَ عَلَى الرَّجُل كَرَعْيِ دَوَابِّهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا وَالأَْعْمَال الَّتِي خَارِجَ الْبَيْتِ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الزَّوْجَةِ لاَ مِنْ بَابِ الْخِدْمَةِ (49) . وَمِنْ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ جَعَل فِي رَعْيِ غَنَمِهَا رِوَايَتَيْنِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ قَال يَصِحُّ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ بِالإِْجْمَاعِ (50) .
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَرْعَى غَنَمَهَا أَوْ يَزْرَعَ أَرْضَهَا؛ فِي رِوَايَةٍ لاَ يَجُوزُ وَفِي رِوَايَةٍ جَازَ؛ وَالأَْوَّل رِوَايَةُ الأَْصْل وَالْجَامِعِ - وَهُوَ الأَْصَحُّ كَمَا فِي النَّهْرِ الْفَائِقِ - وَالصَّوَابُ أَنْ يُسَلِّمَ لَهَا إِجْمَاعًا؛ اسْتِدْلاَلاً بِقِصَّةِ مُوسَى وَشُعَيْبٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ؛ وَشَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا تَلْزَمُنَا إِذَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ بِلاَ إِنْكَارٍ (51) .

جَعْل الْحُرِّ مَهْرَ زَوْجَتِهِ تَعْلِيمَهَا الْقُرْآنَ
16 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى تَعْلِيمِ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ مِنَ الأَْحْكَامِ أَوْ عَلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنَ الطَّاعَاتِ لاَ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ؛ لأَِنَّ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ فَلاَ يَصِيرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَهْرًا (52) .
قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا الْقُرْآنَ كَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا (53) . الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَال وَالْمَنْفَعَةِ فِي الصَّدَاقِ
17 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَا هُوَ مَالٌ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَكِنْ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ إِنْ كَانَ شَيْئًا يُبَاحُ لَهَا الاِنْتِفَاعُ بِهِ كَطَلاَقِ الضَّرَّةِ وَالإِْمْسَاكِ فِي بَلَدِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنْ وَفَّى بِالْمَنْفَعَةِ وَأَوْصَل إِلَيْهَا فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ إِلاَّ الْمُسَمَّى إِذَا كَانَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا؛ لأَِنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا عَنْ مَهْرِ الْمِثْل لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَقَدْ حَصَل؛ وَإِنْ لَمْ يَفِ بِمَا وَعَدَ لَهَا: إِنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا مِنَ الْمَال مِثْل مَهْرِ الْمِثْل أَوْ أَكْثَرَ فَلاَ شَيْءَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ الْمُسَمَّى؛ وَإِنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا أَقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا يُكَمِّل لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ كَمَال مَهْرِ الْمِثْل إِلاَّ بِغَرَضٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ عِنْدَ النَّاسِ وَحَلاَلٍ شَرْعًا؛ فَإِذَا لَمْ يَحْصُل الْغَرَضُ يَعُودُ حَقُّهَا إِلَى الْمُعَوَّضِ وَهُوَ الْمَهْرُ (54) .
وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ يَحْيَى - أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَنَافِعِ صَدَاقٌ يُفْسَخُ النِّكَاحُ قَبْل الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ؛ وَيَكُونُ لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا؛ وَتَسْقُطُ الْخِدْمَةُ؛ فَإِنْ كَانَ خَدَمَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِقِيمَةِ الْخِدْمَةِ (55) . مِقْدَارُ الْمَهْرِ
18 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ حَدَّ لأَِكْثَرِ الْمَهْرِ (56) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} .
وَفِي الْقِنْطَارِ أَقَاوِيل مِنْهَا: أَنَّهُ الْمَال الْكَثِيرُ؛ وَهَذَا قَوْل الرَّبِيعِ (57) .
حَكَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَامَ خَطِيبًا فَقَال: لاَ تُغَالُوا فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ فَمَا بَلَغَنِي أَنَّ أَحَدًا سَاقَ أَكْثَرَ مِمَّا سَاقَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلاَّ جَعَلْتُ الْفَضْل فِي بَيْتِ الْمَال؛ فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ: يُعْطِينَا اللَّهُ وَتَمْنَعُنَا؛ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ؛ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} فَرَجَعَ عُمَرُ وَقَال: كُل أَحَدٍ يَصْنَعُ بِمَالِهِ مَا شَاءَ (58) .
19 - وَأَمَّا أَقَل الْمَهْرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَقَل الْمَهْرِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بَل كُل مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا أَوْ مَبِيعًا أَوْ أُجْرَةً أَوْ مُسْتَأْجَرًا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا قَل أَوْ كَثُرَ مَا لَمْ يَنْتَهِ فِي الْقِلَّةِ إِلَى حَدٍّ لاَ يُتَمَوَّل.
وَبِهِ قَال مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵃؛ وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَحُكِيَ أَنَّ سَعِيدًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَلَى صَدَاقِ دِرْهَمَيْنِ وَقَال: لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا لَحَلَّتْ (59) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وابْنُ شُبْرُمَةَ إِلَى أَنَّ الْمَهْرَ مُقَدَّرُ الأَْقَل (60) .
ثُمَّ اخْتَلَفَ هَذَا الْفَرِيقُ فِي أَدْنَى الْمِقْدَارِ الَّذِي يَصْلُحُ مَهْرًا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَل الْمَهْرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِضَّةً أَوْ مَا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُحِل لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} ؛ شَرَطَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مَالاً؛ وَلاَ يُطْلَقُ اسْمُ الْمَال عَلَى الْحَبَّةِ وَالدَّانِقِ؛ فَلاَ يَصْلُحُ مَهْرًا؛ وَبِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ مَهْرَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (61) .
وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَل مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ تَوْقِيفًا لأَِنَّهُ بَابٌ لاَ يُوصَل إِلَيْهِ بِالاِجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ (62) ؛ وَلأَِنَّ الْمَهْرَ حَقُّ الشَّرْعِ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُهُ عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} ؛ وَكَانَ ذَلِكَ لإِِظْهَارِ شَرَفِ الْمَحَل فَيَتَقَدَّرُ بِمَا لَهُ خَطَرٌ - وَهُوَ الْعَشَرَةُ - اسْتِدْلاَلاً بِنِصَابِ السَّرِقَةِ؛ لأَِنَّهُ يَتْلَفُ بِهِ عُضْوٌ مُحْتَرَمٌ؛ فَلأَِنْ يَتْلَفَ بِهِ مَنَافِعُ بُضْعٍ كَانَ أَوْلَى (63) .
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَقَل الْمَهْرِ عَشَرَةٌ؛ فَإِذَا سَمَّى أَقَل مِنْ عَشَرَةٍ فَتَصِحُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ وَيُكْمِل الْمَهْرَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ؛ لأَِنَّ التَّقْدِيرَ حَقُّ الشَّرْعِ؛ فَمَتَى قُدِّرَ بِأَقَل مِنْ عَشَرَةٍ فَقَدْ أَسْقَطَا حَقَّ أَنْفُسِهِمَا وَرَضِيَا بِالأَْقَل فَلاَ يَصِحُّ فِي حَقِّ الشَّرْعِ؛ فَيَجِبُ أَدْنَى الْمَقَادِيرِ وَهُوَ الْعَشَرَةُ (64) .
وَقَال زُفَرُ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْل لأَِنَّ تَسْمِيَةَ مَا لاَ يَصْلُحُ مَهْرًا كَانْعِدَامِهِ؛ كَمَا فِي تَسْمِيَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ (65) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ أَقَل الْمَهْرِ رُبُعُ دِينَارٍ ذَهَبًا شَرْعِيًّا أَوْ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ فِضَّةً خَالِصَةً مِنَ الْغِشِّ أَوْ عَرَضٌ مُقَوَّمٌ بِرُبُعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ كُل مُتَمَوِّلٍ شَرْعًا طَاهِرٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ مَعْلُومٍ - قَدْرًا وَصِنْفًا وَأَجَلاً - مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ لِلزَّوْجَةِ (66) .
وَقَال ابْنُ شُبْرُمَةَ: أَقَل الْمَهْرِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ.
وَقَال إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: أَقَل الْمَهْرِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ وَعَنْهُ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ وَعَنْهُ: رِطْلٌ مِنَ الذَّهَبِ.
وَقَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَقَلُّهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا (67) . الْمُغَالاَةُ فِي الْمَهْرِ
20 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى اسْتِحْبَابِ عَدَمِ الْمُغَالاَةِ فِي الْمُهُورِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَسْهِيل أَمْرِهَا وَقِلَّةُ صَدَاقِهَا (68) ؛ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: خَيْرُهُنَّ أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقًا (69) ؛ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: تَيَاسَرُوا فِي الصَّدَاقِ؛ إِنَّ الرَّجُل يُعْطِي الْمَرْأَةَ حَتَّى يَبْقَى ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهَا حَسِيكَةً (70) أَيْ عَدَاوَةً أَوْ حِقْدًا.
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: الأَْوْلَى أَنْ يَعْدِل الزَّوْجَانِ عَنِ التَّنَاهِي فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي يَقْصُرُ الْعُمُرُ عَنْهَا؛ وَعَنِ التَّنَاهِي فِي النُّقْصَانِ الَّذِي لاَ يَكُونُ لَهُ فِي النُّفُوسِ مَوْقِعٌ؛ وَخَيْرُ الأُْمُورِ أَوْسَاطُهَا وَأَنْ يُقْتَدَى بِرَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مُهُورِ نِسَائِهِ طَلَبًا لِلْبَرَكَةِ فِي مُوَافَقَتِهِ ﷺ (71) ؛ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى مَا رَوَتْهُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ ﵂ (72) .
فَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَِزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَال: قُلْتُ: لاَ؛ قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ؛ فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ؛ فَهَذَا صَدَاقُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَِزْوَاجِهِ (73) .

الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ وَالْحَطُّ مِنْهُ
21 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَهْرِ بَعْدَ الْعَقْدِ تَلْحَقُ بِهِ؛ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} .
فَإِنَّهُ يَتَنَاوَل مَا تَرَاضَيَا عَلَى إِلْحَاقِهِ وَإِسْقَاطِهِ؛ وَلأَِنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْدِ زَمَنٌ لِفَرْضِ الْمَهْرِ فَكَانَ حَالَةَ الزِّيَادَةِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ (74) .
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ صَحِيحَةٌ حَال قِيَامِ النِّكَاحِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلاَثَةِ (أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) ؛ فَإِذَا زَادَهَا فِي الْمَهْرِ بَعْدَ الْعَقْدِ لَزِمَتْهُ؛ هَذَا إِذَا قَبِلَتِ الْمَرْأَةُ الزِّيَادَةَ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَهْرِ أَوْ لاَ؛ مِنْ زَوْجٍ أَوْ مِنْ وَلِيٍّ.
وَالزِّيَادَةُ إِنَّمَا تَتَأَكَّدُ بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلاَثَةٍ: إِمَّا بِالدُّخُول وَإِمَّا بِالْخَلْوَةِ وَإِمَّا بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ؛ فَإِنْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلاَثَةِ بَطَلَتِ الزِّيَادَةُ وَتَنَصَّفَ الأَْصْل وَلاَ تُنْتَصَفُ الزِّيَادَةُ (75) ؛ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تُنْتَصَفُ الزِّيَادَةُ (76) .
وَقَال زُفَرُ: إِنْ زَادَ لَهَا فِي الْمَهْرِ بَعْدَ الْعَقْدِ لاَ تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ صَحَّ بَعْدَ الْعَقْدِ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ بَدَل مِلْكِهِ (77) . وَإِنْ حَطَّتِ الزَّوْجَةُ عَنْ زَوْجِهَا مَهْرَهَا صَحَّ الْحَطُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَوْ بِشَرْطٍ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تَحُطَّ عَنْهُ خَمْسِينَ مِنْهَا فَقَبِلَتْ لأَِنَّ الْمَهْرَ بَقَاءُ حَقِّهَا وَالْحَطُّ يُلاَقِيهِ حَالَةَ الْبَقَاءِ (78) ؛ وَيَصِحُّ الْحَطُّ وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوِ الْبَيْنُونَةِ (79) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ حَطَّ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ صَغِيرَةً فَالْحَطُّ بَاطِلٌ؛ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً تَوَقَّفَ عَلَى إِجَازَتِهَا.
ثُمَّ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْحَطِّ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ؛ فَلَوْ كَانَ عَيْنًا لاَ يَصِحُّ لأَِنَّ الْحَطَّ لاَ يَصِحُّ فِي الأَْعْيَانِ؛ وَمَعْنَى عَدَمِ صِحَّتِهِ أَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ مَا دَامَ قَائِمًا؛ فَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ سَقَطَ الْمَهْرُ عَنْهُ لأَِنَّ الْمَهْرَ صَارَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَصِحُّ الإِْسْقَاطُ (80) .
كَمَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ حَطِّهَا أَنْ لاَ تَكُونَ مَرِيضَةً مَرَضَ الْمَوْتِ (81) لأَِنَّ الْحَطَّ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ تَتَوَقَّفُ عَلَى الإِْجَازَةِ؛ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُبَانَةً مِنَ الزَّوْجِ وَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَيَنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ (82) . وَلاَ بُدَّ لِصِحَّةِ حَطِّهَا مِنَ الرِّضَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُكْرَهَةً لَمْ يَصِحَّ؛ فَلَوْ خَوَّفَ امْرَأَتَهُ بِضَرْبٍ حَتَّى وَهَبَتْ مَهْرَهَا لاَ يَصِحُّ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الضَّرْبِ.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْكَرَاهِيَةِ وَالطَّوْعِ - وَلاَ بَيِّنَةَ - فَالْقَوْل لِمُدَّعِي الإِْكْرَاهِ؛ وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَةُ الطَّوَاعِيَةِ أَوْلَى (83) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَهَبَتِ الزَّوْجَةُ مِنْ زَوْجِهَا جَمِيعَ صَدَاقِهَا؛ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الْبِنَاءِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ وَكَأَنَّهَا عَجَّلَتْ إِلَيْهِ بِالصَّدَاقِ؛ وَلأَِنَّهَا لَمَّا لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهَا عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ وَانْكَشَفَ الآْنَ أَنَّهَا إِنَّمَا تَمْلِكُ مِنْهُ النِّصْفَ؛ وَافَقَتْ هِبَتُهَا مِلْكَهَا وَمِلْكَهُ؛ فَنَفَذَتْ فِي مِلْكِهَا دُونَ مِلْكِهِ.
وَلَوْ وَهَبَتْ مِنْهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهُ الرُّبُعُ؛ وَكَذَلِك إِنْ وَهَبَتْهُ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ أَوْ أَقَل؛ فَلَهُ نِصْفُ مَا بَقِيَ لَهَا بَعْدَ الْهِبَةِ (84) .
وَقَالُوا: يَجُوزُ لِلأَْبِ أَنْ يُسْقِطَ نِصْفَ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْل الْبِنَاءِ (85) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ لَوْ وَهَبَتِ الْمَهْرَ لِزَوْجِهَا بِلَفْظِ الْهِبَةِ بَعْدَ قَبْضِهَا لَهُ - وَالْمَهْرُ عَيْنٌ - ثُمَّ طَلَّقَ؛ أَوْ فَارَقَ بِغَيْرِ طَلاَقٍ - كَرِدَّةِ قَبْل الدُّخُول - فَلَهُ نِصْفُ بَدَل الْمَهْرِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ؛ لأَِنَّهُ مَلَكَ الْمَهْرَ قَبْل الطَّلاَقِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الطَّلاَقِ.
وَفِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ لاَ شَيْءَ لَهُ لأَِنَّهَا عَجَّلَتْ لَهُ مَا يَسْتَحِقُّ بِالطَّلاَقِ فَأَشْبَهَ تَعْجِيل الدَّيْنِ قَبْل الدُّخُول (86) .
وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ وَلَوْ وَهَبَتْ لَهُ الدَّيْنَ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَالإِْبْرَاءِ؛ وَقِيل كَهِبَةِ الْعَيْنِ (87) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ بِأَنَّهُ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ عَنْ مَهْرِ مُوَلِّيَتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِهَا؛ وَالْقَدِيمُ لَهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ (88) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ قَبْل الدُّخُول وَالْخَلْوَةِ وَسَائِرِ مَا يُقَرِّرُ الصَّدَاقَ؛ فَأَيُّ الزَّوْجَيْنِ عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ مِنَ الْمَهْرِ - وَالْعَافِي جَائِزُ التَّصَرُّفِ - بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ؛ سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا؛ فَإِنْ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ دَيْنًا سَقَطَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالإِْسْقَاطِ وَالإِْبْرَاءِ وَالْعَفْوِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّرْكِ؛ وَلاَ يَفْتَقِرُ إِسْقَاطُهُ إِلَى الْقَبُول كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ عَيْنًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَعَفَا الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ فَهُوَ هِبَةٌ يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَفْوِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ؛ وَلاَ يَصِحُّ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ وَالإِْسْقَاطِ؛ لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَل ذَلِكَ أَصَالَةً؛ وَيَفْتَقِرُ لُزُومُ الْعَفْوِ عَنِ الْعَيْنِ مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ هِبَةٌ حَقِيقَةٌ وَلاَ تَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ؛ وَالْقَبْضُ فِي كُل شَيْءٍ بِحَسَبِهِ.
وَلاَ يَمْلِكُ الأَْبُ الْعَفْوَ عَنْ نِصْفِ مَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ إِذَا طُلِّقَتْ - وَلَوْ قَبْل الدُّخُول - كَثَمَنِ مَبِيعِهَا؛ وَلاَ يَمْلِكُ الأَْبُ أَيْضًا الْعَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ الْكَبِيرَةِ إِذَا طُلِّقَتْ وَلَوْ قَبْل الدُّخُول لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَيْهَا.
وَلاَ يَمْلِكُ غَيْرُ الأَْبِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ كَالْجَدِّ وَالأَْخِ وَالْعَمِّ الْعَفْوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِ وَلِيَّتِهِ وَلَوْ طُلِّقَتْ قَبْل الدُّخُول لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُمْ فِي الْمَال (89) . تَعْجِيل الْمَهْرِ وَتَأْجِيلُهُ
22 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ كَوْنِ كُل الْمَهْرِ مُعَجَّلاً أَوْ مُؤَجَّلاً وَجَوَازَ كَوْنِ بَعْضِهِ مُعَجَّلاً وَبَعْضِهِ مُؤَجَّلاً (90) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا سَمَّى الْمَهْرَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَأَطْلَقَ فَالْمَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الْمُعَجَّل مِنَ الْمَهْرِ هُوَ الْعُرْفُ؛ قَال ابْنُ الْهَمَّامِ: يَتَنَاوَل الْمُعَجَّل عُرْفًا وَشَرْطًا؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ شَرَطَ تَعْجِيل كُلِّهِ فَلَهَا الاِمْتِنَاعُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ كُلَّهُ؛ أَوْ بَعْضَهُ فَبَعْضَهُ.
وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ تَعْجِيل شَيْءٍ بَل سَكَتُوا عَنْ تَعْجِيلِهِ وَتَأْجِيلِهِ: فَإِنْ كَانَ عُرِفَ فِي تَعْجِيل بَعْضِهِ وَتَأْخِيرِ بَاقِيهِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ أَوِ الطَّلاَقِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحْتَبِسَ إِلاَّ إِلَى تَسْلِيمِ ذَلِكَ الْقَدْرِ (91) .
قَال فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ: إِنْ لَمْ يُبَيِّنُوا قَدْرَ الْمُعَجَّل يُنْظَرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَإِلَى الْمَهْرِ: أَنَّهُ كَمْ يَكُونُ الْمُعَجَّل لِمِثْل هَذِهِ الْمَرْأَةِ مِنْ مِثْل هَذَا الْمَهْرِ؟ فَيُعَجَّل ذَلِكَ؛ وَلاَ يَتَقَدَّرُ بِالرُّبُعِ وَالْخُمُسِ بَل يُعْتَبَرُ الْمُتَعَارَفُ؛ فَإِنَّ الثَّابِتَ عُرْفًا كَالثَّابِتِ شَرْطًا بِخِلاَفِ مَا إِذَا شَرَطَ تَعْجِيل الْكُل إِذْ لاَ عِبْرَةَ بِالْعُرْفِ إِذَا جَاءَ الصَّرِيحُ بِخِلاَفِهِ (92) .
وَالْحَنَفِيَّةُ مُتَّفِقُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى صِحَّةِ تَأْجِيل الْمَهْرِ إِلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ نَحْوِ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ.
أَمَا إِذَا كَانَ التَّأْجِيل لاَ إِلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ مَشَايِخُ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ:
فَعَلَى الْقَوْل الصَّحِيحِ يَصِحُّ هَذَا التَّأْجِيل لأَِنَّ الْغَايَةَ مَعْلُومَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهُوَ الطَّلاَقُ أَوِ الْمَوْتُ (93) .
وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الاِخْتِلاَفِ تَخْتَلِفُ آرَاءُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا إِذَا فُرِضَ نِصْفُ الْمَهْرِ مُعَجَّلاً وَنِصْفُهُ مُؤَجَّلاً وَلَمْ يُذْكَرِ الْوَقْتُ لِلْمُؤَجَّل؛ إِذْ قَال بَعْضُهُمْ: لاَ يَجُوزُ الأَْجَل وَيَجِبُ حَالًّا؛ وَقَال بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَيَقَعُ ذَلِكَ عَلَى وَقْتِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِالْمَوْتِ أَوْ بِالطَّلاَقِ؛ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْل (94) .
وَالأَْصْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتِحْبَابُ كَوْنِ الْمَهْرِ مُعَجَّلاً (95) .
وَلَوْ شَرَطَ الأَْجَل فِي الصَّدَاقِ فَقَال عَبْدُ الْمَلِكِ: كَانَ مَالِكُ وَأَصْحَابُهُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ مُؤَخَّرًا؛ وَكَانَ مَالِكُ يَقُول: إِنَّمَا الصَّدَاقُ فِيمَا مَضَى نَاجِزٌ كُلُّهُ؛ فَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مُؤَخَّرًا فَلاَ أُحِبُّ أَنْ يَطُول الأَْجَل فِي ذَلِكَ (96) .
وَيَشْتَرِطُ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ لِجَوَازِ تَأْجِيل الصَّدَاقِ مَعْلُومِيَّةَ الأَْجَل حَيْثُ قَالُوا: وَجَازَ تَأْجِيل الصَّدَاقِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا لِلدُّخُول إِنْ عُلِمَ وَقْتُ الدُّخُول عِنْدَهُمْ كَالشِّتَاءِ أَوِ الصَّيْفِ؛ لاَ إِنْ لَمْ يُعْلَمْ؛ فَيُفْسَخُ قَبْل الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْل عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ جَوَازُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ الدُّخُول مَعْلُومًا لأَِنَّ الدُّخُول بِيَدِ الْمَرْأَةِ فَهُوَ كَالْحَال مَتَى شَاءَتْ أَخَذَتْهُ.
وَجَازَ تَأْجِيل الصَّدَاقِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَلِيًّا بِالْقُوَّةِ؛ بِأَنْ كَانَ لَهُ سِلَعٌ يَرْصُدُ بِهَا الأَْسْوَاقَ أَوْ لَهُ مَعْلُومٌ فِي وَقْفٍ أَوْ وَظِيفَةٍ؛ لاَ إِنْ كَانَ مُعْدَمًا؛ وَيُفْسَخُ قَبْل الدُّخُول لِمَزِيدِ الْجَهَالَةِ (97) .
وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي تَأْخِيرِ الأَْجَل إِلَى السَّنَتَيْنِ وَالأَْرْبَعِ؛ وَذَكَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ إِلَى السَّنَةِ؛ ثُمَّ حُكِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَال: لاَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ إِلاَّ أَنْ يَزِيدَ الأَْجَل إِلَى أَكْثَرَ مِنَ الْعِشْرِينَ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَفْسَخُهُ إِلَى الأَْرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ؛ ثُمَّ حَكَى أَنَّهُ يَفْسَخُهُ إِلَى الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ.
قَال فَضْل بْنُ سَلَمَةَ: لأَِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الأَْجَل الطَّوِيل مِثْل مَا لَوْ تَزَوَّجَهَا إِلَى مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ.
وَقَال عَبْدُ الْمَلِكِ: وَمَا قَصُرَ مِنَ الأَْجَل فَهُوَ أَفْضَل وَإِنْ بَعُدَ لَمْ أَفْسَخْهُ إِلاَّ أَنْ يُجَاوِزَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ وَإِنْ كَانَتِ الأَْرْبَعُونَ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا (98) .
وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الصَّدَاقِ مُؤَخَّرًا إِلَى غَيْرِ أَجَلٍ فَإِنَّ مَالِكًا كَانَ يَفْسَخُهُ قَبْل الْبِنَاءِ وَيَمْضِيهِ بَعْدَهُ؛ وَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ إِلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا مُعَجَّلاً كُلِّهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَقَل مِنَ الْمُعَجَّل فَلاَ تَنْقُصُ مِنْهُ؛ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْمُعَجَّل، وَالْمُؤَجَّل فَتُوَفَّى تَمَامَ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَرْضَى النَّاكِحُ بِأَنْ يَجْعَل الْمُؤَخَّرَ مُعَجَّلاً كُلَّهُ مَعَ النَّقْدِ مِنْهُ فَيُمْضِي النِّكَاحَ؛ فَلاَ يُفْسَخُ لاَ قَبْل الْبِنَاءِ وَلاَ بَعْدَهُ؛ وَلاَ تُرَدُّ الْمَرْأَةُ إِلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا؛ فَإِنْ كَرِهَ النَّاكِحُ أَنْ يَجْعَلَهُ مُعَجَّلاً كُلَّهُ؛ وَرَضِيَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُسْقِطَ الْمُؤَخَّرَ وَتَقْتَصِرَ عَلَى النَّقْدِ مَضَى النِّكَاحُ وَلاَ كَلاَمَ لِلنَّاكِحِ.
وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ وَجْهًا وَاحِدًا وَهُوَ: إِذَا رُدَّتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الْبِنَاءِ إِلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا فَوُجِدَ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَكْثَرُ مِنَ الْمُعَجَّل وَالْمُؤَخَّرِ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَال: كَمَا لاَ يُنْقَصُ إِذَا قَل صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ مِقْدَارِ الْمُعَجَّل؛ كَذَلِكَ لاَ يُزَادُ إِذَا ارْتَفَعَ عَلَى مِقْدَارِ؛ الْمُعَجَّل وَالْمُؤَخَّرِ (99) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ حَالًّا وَمُؤَجَّلاً؛ وَلِلزَّوْجَةِ حَبْسُ نَفْسِهَا وَلَوْ بِلاَ عُذْرٍ لِتَقْبِضَ الْمَهْرَ الْمُعَيَّنَ وَالْحَال؛ لاَ الْمُؤَجَّل فَلاَ تَحْبِسُ نَفْسَهَا بِسَبَبِهِ لِرِضَاهَا بِالتَّأْجِيل (100) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ جَعْل بَعْضِ الْمَهْرِ حَالًّا وَبَعْضَهُ يَحِل بِالْمَوْتِ أَوِ الْفِرَاقِ؛ وَلاَ يَصِحُّ تَأْجِيل الْمَهْرِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ كَقُدُومِ زَيْدٍ (101) .
وَإِذَا سَمَّى الصَّدَاقَ فِي الْعَقْدِ وَأَطْلَقَ فَلَمْ يُقَيَّدْ بِحُلُولٍ وَلاَ تَأْجِيلٍ صَحَّ؛ وَيَكُونُ الصَّدَاقُ حَالًّا لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الأَْجَل.
وَإِنْ فَرَضَ الصَّدَاقَ مُؤَجَّلاً أَوْ فَرَضَ بَعْضَهُ مُؤَجَّلاً إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ أَوْ إِلَى أَوْقَاتٍ كُل جُزْءٍ مِنْهُ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ صَحَّ لأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ كَالثَّمَنِ؛ وَهُوَ إِلَى أَجَلِهِ؛ سَوَاءٌ فَارَقَهَا أَوْ أَبْقَاهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُؤَجَّلَةِ. وَإِنْ أَجَّل الصَّدَاقَ أَوْ أَجَّل بَعْضَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَحِل الأَْجَل صَحَّ نَصًّا وَمَحِلُّهُ الْفُرْقَةُ الْبَائِنَةُ فَلاَ يَحِل مَهْرُ الرَّجْعِيَّةِ إِلاَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (102) .

قَبْضُ الْمَهْرِ
23 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلأَْبِ وَالْجَدِّ وَالْقَاضِي قَبْضَ مَهْرِ الْبِكْرِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً إِلاَّ إِذَا نَهَتْ وَهِيَ بَالِغَةٌ صَحَّ النَّهْيُ؛ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ ذَلِكَ؛ وَالْوَصِيُّ يَمْلِكُ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرَةِ؛ وَالْبِنْتُ الْبَالِغَةُ حَقُّ الْقَبْضِ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا (103) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ يَتَوَلَّى قَبْضَ الْمَهْرِ هُوَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ (الأَْبُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوِ السَّيِّدُ) أَوْ وَلِيُّ الزَّوْجَةِ السَّفِيهَةِ؛ أَمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلسَّفِيهَةِ وَلِيٌّ وَلاَ مُجْبِرٌ فَلاَ يَقْبِضُ صَدَاقَهَا إِلاَّ الْحَاكِمُ؛ فَإِنْ شَاءَ قَبَضَهُ وَاشْتَرَى لَهَا بِهِ جِهَازًا وَإِنْ شَاءَ عَيَّنَ لَهَا مَنْ يَقْبِضُهُ وَيَصْرِفُهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِمَّا يَجِبُ لَهَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ؛ أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الرَّفْعُ إِلَيْهِ؛ أَوْ خِيفَ عَلَى الصَّدَاقِ مِنْهُ حَضَرَ الزَّوْجُ وَالْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ فَيَشْتَرُونَ لَهَا بِصَدَاقِهَا جِهَازًا وَيُدْخِلُونَهُ فِي بَيْتِ الْبِنَاءِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْبِرٌ وَلاَ وَلِيُّ سَفِيهَةٍ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ مُقَدَّمٍ عَلَيْهَا مِنْهُ فَالْمَرْأَةُ الرَّشِيدَةُ هِيَ الَّتِي تَقْبِضُ مَهْرَهَا لاَ مَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَهَا إِلاَّ بِتَوْكِيلٍ مِنْهَا فِي قَبْضِهِ (104) .
فَإِنْ قَبَضَ الْمَهْرَ غَيْرُ الْمُجْبِرِ وَوَلِيُّ السَّفِيهَةِ وَالْمَرْأَةِ الرَّشِيدَةِ بِلاَ تَوْكِيلٍ مِمَّنْ لَهُ الْقَبْضُ فَضَاعَ وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ كَانَ ضَامِنًا لَهُ لِتَعَدِّيهِ بِقَبْضِهِ؛ وَاتَّبَعَتْهُ الزَّوْجَةُ أَوْ تَبِعَتِ الزَّوْجَ لِتَعَدِّيهِ بِدَفْعِ الْمَهْرِ لِغَيْرِ مَنْ لَهُ قَبْضُهُ (105) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الأَْبَ إِذَا قَبَضَ مَهْرَ ابْنَتِهِ لَمْ يَخْل حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَلًّى عَلَيْهَا؛ أَوْ رَشِيدَةً: فَإِنْ كَانَتْ مُوَلًّى عَلَيْهَا لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ؛ أَوْ سَفَهٍ جَازَ لَهُ قَبْضُ مَهْرِهَا لاِسْتِحْقَاقِهِ الْوِلاَيَةَ عَلَى مَالِهَا؛ وَلَوْ قَبَضَتْهُ مِنْ زَوْجِهَا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ يُبَادِرَ الأَْبُ إِلَى أَخْذِهِ مِنْهَا فَيَبْرَأُ الزَّوْجُ حِينَئِذٍ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً رَشِيدَةً فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ ثَيِّبًا لاَ تُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ؛ فَلَيْسَ لِلأَْبِ قَبْضُ مَهْرِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا؛ فَإِنْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ مِنْهُ؛ كَمَا لَوْ قَبَضَ لَهَا دَيْنًا أَوْ ثَمَنًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِكْرًا يُجْبِرُهَا أَبُوهَا عَلَى النِّكَاحِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ قَبْضَ مَهْرِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا؛ فَإِنْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ مِنْهُ؛ وَجَعَل لَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ قَبْضَ مَهْرِهَا لأَِنَّهُ يَمْلِكُ إِجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالصَّغِيرَةِ (106) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلأَْبِ وَالْوَلِيِّ قَبْضَ مَهْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ جُنُونٍ لأَِنَّهُ يَلِي مَالَهَا فَكَانَ لَهُ قَبْضُهُ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا.
وَلاَ يَقْبِضُ الأَْبُ صَدَاقَ مُكَلَّفَةٍ رَشِيدَةٍ وَلَوْ بِكْرًا إِلاَّ بِإِذْنِهَا لأَِنَّهَا الْمُتَصَرِّفَةُ فِي مَالِهَا فَاعْتُبِرَ إِذْنُهَا فِي قَبْضِهِ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا؛ فَإِنْ سَلَّمَ زَوْجُ رَشِيدَةٍ الصَّدَاقَ لِلأَْبِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ بِتَسْلِيمِهِ لَهُ فَتَرْجِعُ هِيَ عَلَى الزَّوْجِ لأَِنَّهُ مُفَرِّطٌ وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الأَْبِ بِمَا غَرِمَهُ (107) .

ضَمَانُ الْمَهْرِ
24 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْوَلِيِّ مَهْرَ الزَّوْجَةِ سَوَاءٌ كَانَ وَلِيُّ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ؛ صَغِيرَيْنِ كَانَا أَوْ كَبِيرَيْنِ؛ أَمَا ضَمَانُ وَلِيِّ الْكَبِيرِ مِنْهُمَا فَظَاهِرٌ لأَِنَّهُ كَالأَْجْنَبِيِّ؛ وَأَمَّا وَلِيُّ الصَّغِيرَيْنِ فَلأَِنَّهُ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ (108) .
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ أَوِ الْكَبِيرَةَ - وَهِيَ بِكْرٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ - رَجُلاً وَضَمِنَ عَنْهُ مَهْرَهَا صَحَّ ضَمَانُهُ؛ ثُمَّ هِيَ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَتْ طَالَبَتْ زَوْجَهَا أَوْ وَلِيَّهَا إِنْ كَانَتْ أَهْلاً لِذَلِكَ؛ وَيَرْجِعُ الْوَلِيُّ بَعْدَ الأَْدَاءِ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ (109) .
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ هَذَا الضَّمَانِ شَرْطَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ فِي حَال صِحَّةِ الضَّامِنِ؛ فَلَوْ كَفَل فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَالْمَكْفُول عَنْهُ أَوِ الْمَكْفُول لَهُ وَارِثُهُ لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ لِوَارِثِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ (110) .
قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِذَا حَصَل الضَّمَانُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا الضَّمَانِ إِيصَال النَّفْعِ إِلَى الْوَارِثِ؛ وَالْمَرِيضُ مَحْجُورٌ عَنْ ذَلِكَ فَلاَ يَصِحُّ (111) .
الثَّانِي: قَبُول الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا أَوْ فُضُولِيٍّ فِي مَجْلِسِ الضَّمَانِ (112) ؛ إِذْ لاَ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِنَوْعَيْهَا (بِالنَّفْسِ وَالْمَال) بِلاَ قَبُول الطَّالِبِ أَوْ نَائِبِهِ وَلَوْ فُضُولِيًّا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ (113) .

مَنْعُ الزَّوْجَةِ نَفْسَهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا
25 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مَنْعَ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا (114) ؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ عَنْ بُضْعِهَا؛ كَالثَّمَنِ عِوَضٌ عَنِ الْمَبِيعِ؛ وَلِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَكَانَ لِلْمَرْأَةِ حَقُّ حَبْسِ نَفْسِهَا لاِسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ (115) .
هَذَا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ حَالًّا وَلَمْ يَحْصُل وَطْءٌ وَلاَ تَمْكِينٌ (116) .
26 - فَإِنْ تَطَوَّعَتِ الْمَرْأَةُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْل قَبْضِ الْمَهْرِ؛ ثُمَّ أَرَادَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ أَنْ تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ لِقَبْضِ الْمَهْرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ:
فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَوْ دَخَل الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ بِرِضَاهَا وَهِيَ مُكَلَّفَةٌ فَلَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَأْخُذَ الْمَهْرَ؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ مُقَابَلٌ بِجَمِيعِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْ مَنَافِعِ الْبُضْعِ فِي جَمِيعِ الْوَطَآتِ الَّتِي تُوجَدُ فِي هَذَا الْمِلْكِ؛ لاَ بِالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْأَةِ الأُْولَى خَاصَّةً؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخْلاَءُ شَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ الْبُضْعِ عَنْ بَدَلٍ يُقَابِلُهُ احْتِرَامًا لِلْبُضْعِ وَإِبَانَةً لِخَطَرِهِ؛ فَكَانَتْ هِيَ بِالْمَنْعِ مُمْتَنِعَةً عَنْ تَسْلِيمِ مَا يُقَابِلُهُ بَدَلٌ؛ فَكَانَ لَهَا ذَلِكَ بِالْوَطْءِ فِي الْمَرَّةِ الأُْولَى؛ فَكَانَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَهُ عَنِ الأَْوَّل حَتَّى تَأْخُذَ مَهْرَهَا فَكَذَا عَنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ (117) .
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: فِي كُل مَوْضِعٍ دَخَل بِهَا أَوْ صَحَّتِ الْخَلْوَةُ وَتَأَكَّدَ كُل الْمَهْرِ لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا لاِسْتِيفَاءِ الْمُعَجَّل كَانَ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لِلصَّاحِبَيْنِ (118) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْمَهْرِ الْحَال بَعْدَ أَنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا وَمَكَّنَتْهُ مِنَ الْوَطْءِ قَبْل قَبْضِهِ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ اسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ بِرِضَا الْمُسَلِّمِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ (119) . وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ وَطِئَهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ؛ أَمَّا إِذَا لَمْ يَجْرِ وَطْءٌ فَلَهَا الْعَوْدُ إِلَى الاِمْتِنَاعِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا قَبْل التَّمْكِينِ (120) .
27 - أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ مُؤَجَّلاً إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ عَلَيْهَا تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَلَيْسَ لَهَا الاِمْتِنَاعُ لِقَبْضِ الْمَهْرِ وَلَوْ حَل الأَْجَل قَبْل الدُّخُول؛ لأَِنَّهَا قَدْ رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِ حَقِّهَا وَتَعْجِيل حَقِّهِ؛ فَصَارَ كَالْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّل يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ (121) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا بِالْمُؤَجَّل؛ لأَِنَّ حَقَّ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا بِمُقَابَلَةِ تَسْلِيمِ الْمَهْرِ؛ فَمَتَى طَلَبَ الزَّوْجُ تَأْجِيل الْمَهْرِ فَقَدْ رَضِيَ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ (122) .
28 - وَلَوْ كَانَ بَعْضُ الْمَهْرِ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلاً مَعْلُومًا؛ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ بِالاِتِّفَاقِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا؛ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَلأَِنَّ الزَّوْجَ مَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ؛ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلأَِنَّهُ لَمَّا عَجَّل الْبَعْضَ لَمْ يَرْضَ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ (123) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ نَكَحَ بِنَقْدٍ وَآجِلٍ؛ فَإِنْ دَفَعَ النَّقْدَ كَانَ لَهُ الْبِنَاءُ؛ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَلَوَّمَ لَهُ الإِْمَامُ وَضَرَبَ لَهُ أَجَلاً بَعْدَ أَجَلٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا (124) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بَعْضُ صَدَاقِهَا حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلاً فَيَصِحُّ إِذَا كَانَ قَدْرُ الْحَال مِنْهُ مَعْلُومًا وَأَجَل الْمُؤَجَّل مَعْلُومًا؛ وَلَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْحَال؛ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِقَبْضِ الْمُؤَجَّل؛ فَيَكُونُ حُكْمُ الْحَال مِنْهُ كَحُكْمِهِ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ حَالًّا؛ وَحُكْمُ الْمُؤَجَّل مِنْهُ كَحُكْمِهِ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ مُؤَجَّلاً؛ فَلَوْ تَرَاخَى التَّسْلِيمُ حَتَّى حَل الْمُؤَجَّل كَانَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا عَلَى قَبْضِ الْمُعَجَّل دُونَ مَا حَل مِنَ الْمُؤَجَّل (125) .
وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ؛ فَقَدْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلاً فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْل قَبْضِ الْعَاجِل دُونَ الآْجِل (126) . مَا يَتَأَكَّدُ بِهِ الْمَهْرُ
29 - الأَْصْل أَنَّ الزَّوْجَةَ تَمْلِكُ الصَّدَاقَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ حَالًّا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلاً لأَِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ عَقْدٌ يَمْلِكُ الزَّوْجُ بِهِ الْعِوَضَ؛ فَتَمْلِكُ الزَّوْجَةُ بِهِ الْمُعَوَّضَ كَامِلاً كَالْبَيْعِ (127) ؛ وَلَكِنْ هَذَا الْمِلْكُ عُرْضَةٌ لِلسُّقُوطِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا مَا دَامَ لَمْ يُوجَدْ مَا يُؤَكِّدُ الْمَهْرَ وَيُقَرِّرُهُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الأُْمُورِ مُؤَكِّدَةً لِلْمَهْرِ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ؛ وَفِيمَا يَلِي مُؤَكِّدَاتُ الْمَهْرِ مَعَ بَيَانِ مَوْقِفِ الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْهَا:

أ - الْوَطْءُ (الدُّخُول) :
30 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ يَتَأَكَّدُ بِوَطْءِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ (128) ؛ وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا لِوُقُوعِهِ فِي الْحَيْضِ أَوِ الإِْحْرَامِ؛ لأَِنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ يُوجِبُ الْمَهْرَ ابْتِدَاءً فَذَا أَوْلَى بِالتَّقْرِيرِ وَيَسْتَقِرُّ بِوَطْأَةٍ وَاحِدَةٍ (129) .
وَقَال الرُّحَيْبَانِيُّ: وَيَتَّجِهُ احْتِمَال أَنَّ الْمُعْتَبَرَ وُقُوعُ الْوَطْءِ مِنِ ابْنِ عَشْرٍ فَأَكْثَرَ؛ إِذْ مَنْ كَانَ سِنُّهُ دُونَهَا فَوُجُودُ الْوَطْءِ مِنْهُ كَعَدَمِهِ؛ وَكَذَا لاَ بُدَّ مِنْ حُصُول الْوَطْءِ فِي بِنْتِ تِسْعٍ فَأَكْثَرَ لأَِنَّهَا قَبْل ذَلِكَ لَمْ تَتَأَهَّل لِوَطْءِ الرَّجُل عَادَةً وَلاَ هِيَ مَحِلٌّ لِلشَّهْوَةِ غَالِبًا (130) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: وَطْءٌ) .

ب - الْمَوْتُ:
31 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةُ مَهْرٍ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ الْمُسَمَّى؛ سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً؛ لأَِنَّ الْمَهْرَ كَانَ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ؛ وَالْعَقْدُ لَمْ يَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ؛ بَل انْتَهَى نِهَايَتَهُ؛ لأَِنَّهُ عَقْدٌ لِلْعُمْرِ؛ فَتَنْتَهِي نِهَايَتُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْعُمْرِ؛ وَإِذَا انْتَهَى يَتَأَكَّدُ فِيمَا مَضَى وَيَتَقَرَّرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ يَتَقَرَّرُ بِمَجِيءِ اللَّيْل فَيَتَقَرَّرُ الْوَاجِبُ؛ وَلأَِنَّ كُل الْمَهْرِ لَمَّا وَجَبَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَصَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ - وَالْمَوْتُ لَمْ يَعْرِفْ مُسْقِطًا لِلدَّيْنِ فِي أُصُول الشَّرْعِ - فَلاَ يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْهُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (131) .
وَإِذَا تَأَكَّدَ الْمَهْرُ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ (132) . 32 - وَكَذَلِكَ الْمَهْرُ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذَا قُتِل أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ؛ سَوَاءٌ كَانَ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ قَتَل أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَوْ قَتَل الزَّوْجُ نَفْسَهُ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ قَدْ بَلَغَ غَايَتَهُ فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ (133) .
وَإِذَا قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً لاَ يَسْقُطُ عَنِ الزَّوْجِ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ؛ بَل يَتَأَكَّدُ الْكُل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (134) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمَوْتَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ كَالْمَوْتِ الْمُتَيَقَّنِ فِي تَأْكِيدِ الْمَهْرِ؛ وَذَلِكَ كَالْمَفْقُودِ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّعْمِيرِ (135) يَحْكُمُ الْحُكَّامُ بِمَوْتِهِ.
وَيَتَأَكَّدُ الْمَهْرُ عِنْدَهُمْ فِي حَالَةِ مَا إِذَا قَتَلَتِ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا كُرْهًا فِي زَوْجِهَا؛ أَوْ قَتَل السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُتَزَوِّجَةَ؛ فَلاَ يَسْقُطُ الصَّدَاقُ عَنْ زَوْجِهَا؛ وَقَالُوا: يَبْقَى النَّظَرُ فِي قَتْل الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا هَل تُعَامَل بِنَقِيضِ مَقْصُودِهَا وَلاَ يَتَكَمَّل صَدَاقُهَا أَوْ يَتَكَمَّل؟
وَاسْتَظْهَرَ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَكَمَّل لَهَا لاِتِّهَامِهَا؛ لِئَلاَّ يَكُونَ ذَرِيعَةً لِقَتْل النِّسَاءِ أَزْوَاجَهُنَّ (136) .
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَصْل اسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَسَائِل (137) .
قَال النَّوَوِيُّ فِي مَعْرِضِ تَفْصِيلِهِ لِلْمَسْأَلَةِ: هَلاَكُ الْمَنْكُوحَةِ بَعْدَ الدُّخُول لاَ يُسْقِطُ شَيْئًا مِنَ الْمَهْرِ؛ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً؛ سَوَاءٌ هَلَكَتْ بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ.
فَأَمَّا إِذَا هَلَكَتْ قَبْل الدُّخُول فَإِنْ قَتَل السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ؛ فَالنَّصُّ فِي " الْمُخْتَصَرِ ": أَنْ لاَ مَهْرَ؛ وَنَصَّ فِي " الأُْمِّ " فِي الْحُرَّةِ إِذَا قَتَلَتْ نَفْسَهَا: لاَ يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ.
ثُمَّ الْحُرَّةُ إِذَا مَاتَتْ أَوْ قَتَلَهَا الزَّوْجُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا قَطْعًا؛ وَكَذَا لَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ (138) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: مَوْتٌ) .

ج - الْخَلْوَةُ
33 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي يَتَأَكَّدُ بِهَا الْمَهْرُ (139) ؛ حَتَّى لَوْ خَلاَ رَجُلٌ بِامْرَأَتِهِ خَلْوَةً صَحِيحَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَال الْمُسَمَّى؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي النِّكَاحِ تَسْمِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَال مَهْرِ الْمِثْل (140) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالْخَلْوَةُ بِمُجَرَّدِهَا لاَ تُقَرِّرُ الْمَهْرَ عِنْدَهُمْ إِلاَّ أَنْ يَطُول الْمَقَامُ فَيَتَقَرَّرُ الْكَمَال عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ الْجِهَازَ قَدْ تَغَيَّرَ وَاللَّذَّةُ قَدْ حَصَلَتْ وَدَامَتْ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْل فِي ضَبْطِ مُدَّةِ الطُّول فَقِيل: سَنَةٌ؛ وَقِيل: مَا يُعَدُّ طُولاً فِي الْعَادَةِ (141) .
قَال ابْنُ شَاسٍ: ثُمَّ حَيْثُ قُلْنَا إِنَّ الْخَلْوَةَ بِمُجَرَّدِهَا لاَ تُقَرِّرُ؛ فَإِنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي جَعْل الْقَوْل قَوْلَهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ إِذَا تَنَازَعَا فِي الْوَطْءِ لأَِجْل التَّقْرِيرِ؛ كَمَا إِذَا خَلاَ بِهَا خَلْوَةَ الْبِنَاءِ؛ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَوْل قَوْلُهَا؛ وَقِيل: إِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إِلَيْهَا النِّسَاءُ (142) ؛ وَتَثْبُتُ خَلْوَةُ الْبِنَاءِ (خَلْوَةُ الاِهْتِدَاءِ) وَلَوْ بِامْرَأَتَيْنِ أَوْ بِاتِّفَاقِ الزَّوْجَيْنِ عَلَيْهَا (143) .
وَأَمَّا فِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ فَالْقَوْل قَوْل الزَّائِرِ مِنْهُمَا جَرْيًا عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَةِ (144) . قَال الدَّرْدِيرُ: وَإِنْ زَارَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ وَتَنَازَعَا فِي الْوَطْءِ صُدِّقَ الزَّائِرُ مِنْهُمَا بِيَمِينٍ؛ فَإِنْ زَارَتْهُ صُدِّقَتْ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَلاَ عِبْرَةَ بِإِنْكَارِهِ؛ وَإِنْ زَارَهَا صُدِّقَ فِي نَفْيِهِ وَلاَ عِبْرَةَ بِدَعْوَاهَا الْوَطْءَ؛ لأَِنَّ لَهُ جُرْأَةً عَلَيْهَا فِي بَيْتِهِ دُونَ بَيْتِهَا؛ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الزَّائِرَ يُصَدَّقُ مُطْلَقًا فِي النَّفْيِ وَالإِْثْبَاتِ؛ فَإِنْ كَانَا مَعًا زَائِرَيْنِ صُدِّقَ فِي نَفْيِهِ (145) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ أَنَّ الْخَلْوَةَ لاَ تُقَرِّرُ الْمَهْرَ وَلاَ تُؤَثِّرُ فِيهِ؛ وَعَلَى هَذَا لَوِ اتَّفَقَا عَلَى الْخَلْوَةِ وَادَّعَتِ الإِْصَابَةَ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُهَا؛ بَل الْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ (146) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي شُرُوطِ الْخَلْوَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرُهَا فِي تَقْرِيرِ الْمَهْرِ (ر: خَلْوَةٌ ف 14 وَمَا بَعْدَهَا) .

د - مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ
34 - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ وَالتَّجَرُّدَ وَالْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ لاَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَاقَ وَلاَ يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمَهْرُ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: وَلاَ بِاسْتِدْخَال مَنِيٍّ (147) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَتِهِ بِمُبَاشَرَةٍ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ وَنَحْوِهَا فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكَمَّل بِهِ الصَّدَاقُ فَإِنَّهُ قَال: إِذَا أَخَذَهَا فَمَسَّهَا وَقَبَضَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلاً إِذَا نَال مِنْهَا شَيْئًا لاَ يَحِل لِغَيْرِهِ؛ وَقَال فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ عُرْيَانَةُ تَغْتَسِل أُوجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرَ؛ وَرَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِذَا اطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ؛ لأَِنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ فَهُوَ كَالْقُبْلَةِ.
قَال الْقَاضِي: يَحْتَمِل أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِذَلِكَ؛ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ فَيَكُونُ فِي تَكْمِيل الصَّدَاقِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُكَمَّل بِهِ الصَّدَاقُ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل بِهَا (148) ؛ وَلأَِنَّهُ مَسِيسٌ فَيَدْخُل فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} ؛ وَلأَِنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِامْرَأَتِهِ فَكُمِّل بِهِ الصَّدَاقُ كَالْوَطْءِ.
وَالْوَجْهُ الآْخَرُ: لاَ يُكَمَّل بِهِ الصَّدَاقُ وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {تَمَسُّوهُنَّ} إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ فِي الظَّاهِرِ الْجِمَاعُ؛ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} أَنْ لاَ يُكَمَّل الصَّدَاقُ لِغَيْرِ مَنْ وَطِئَهَا؛ وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ تَرَكَ عُمُومَهُ فِيمَنْ خَلاَ بِهَا لِلإِْجْمَاعِ الْوَارِدِ عَنِ الصَّحَابَةِ؛ فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ (149) .

هـ - إِزَالَةُ الْبَكَارَةِ بِغَيْرِ آلَةِ الْجِمَاعِ
35 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ أَزَال الزَّوْجُ بَكَارَةَ زَوْجَتِهِ بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ لَهَا كَمَال الْمَهْرِ بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَزَالَهَا بِدَفْعَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى عَلَى الزَّوْجِ وَعَلَى الأَْجْنَبِيِّ نِصْفُ صَدَاقِ مِثْلِهَا.
وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ دُخُول صُورَةِ إِزَالَةِ الْبَكَارَةِ بِغَيْرِ آلَةِ الْجِمَاعِ فِي الْخَلْوَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ الْبَكَارَةِ بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ كَإِصْبَعٍ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْخَلْوَةِ فَلِذَا أَوْجَبَ كُل الْمَهْرِ بِخِلاَفِ إِزَالَتِهَا بِدَفْعَةٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ حُصُولُهَا فِي غَيْرِ خَلْوَةٍ (150) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ دَفَعَ امْرَأَةً فَسَقَطَتْ عُذْرَتُهَا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا بِذَلِكَ مِنْ صَدَاقِهَا عِنْدَ الأَْزْوَاجِ؛ وَعَلَيْهِ الأَْدَبُ؛ وَكَذَا لَوْ أَزَالَهَا بِإِصْبَعِهِ وَالأَْدَبُ هُنَا أَشَدُّ؛ وَسَوَاءٌ فَعَل ذَلِكَ رَجُلٌ أَوْ غُلاَمٌ أَوِ امْرَأَةٌ.
هَذَا فِي غَيْرِ الزَّوْجِ؛ وَأَمَّا الزَّوْجُ فَحُكْمُهُ فِي الدَّفْعَةِ مِثْل غَيْرِهِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَإِنْ فَارَقَهَا وَلَمْ يُمْسِكْهَا. وَإِنْ فَعَل بِهَا ذَلِكَ بِإِصْبَعِهِ فَاخْتُلِفَ: هَل يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الصَّدَاقُ أَوْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الصَّدَاقُ؛ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا شَانَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الأَْزْوَاجِ إِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُمْسِكْهَا؟ قَوْلاَنِ؛ وَقَال فِي التَّوْضِيحِ: إِنْ أَصَابَهَا بِإِصْبَعِهِ وَطَلَّقَهَا فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلاَ شَيْءَ لَهَا؛ وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا وَافْتَضَّهَا بِهِ فَقِيل: يَلْزَمُهُ كُل الْمَهْرِ؛ وَقِيل: يَلْزَمُهُ مَا شَانَهَا مَعَ نِصْفِهِ؛ وَقِيل: إِنْ رُئِيَ أَنَّهَا لاَ تَتَزَوَّجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلاَّ بِمَهْرِ ثَيِّبٍ فَكَالأَْوَّل وَإِلاَّ فَكَالثَّانِي. وَمَال أَصْبَغُ إِلَى الثَّانِي وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ؛ قَال فِي النَّوَادِرِ: وَلاَ أَدَبَ عَلَيْهِ. وَلَوْ فَعَل ذَلِكَ غَيْرُ زَوْجِهَا فَعَلَيْهِ الأَْدَبُ وَمَا شَانَهَا؛ وَقَال فِي التَّوْضِيحِ: وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ بَالِغٍ فَلاَ يَتَكَمَّل بِوَطْئِهِ الصَّدَاقُ (151) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمَهْرَ لاَ يَسْتَقِرُّ بِإِزَالَةِ الْبَكَارَةِ بِغَيْرِ آلَةِ الْجِمَاعِ (152) . و - وُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَى الزَّوْجَةِ مِنَ النِّكَاحِ
36 - اعْتَبَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا مِنْهُ مُؤَكِّدًا مِنْ مُؤَكِّدَاتِ الْمَهْرِ؛ حَيْثُ قَالُوا: لَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ طَلاَقًا بَائِنًا بَعْدَ الدُّخُول ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَجَبَ كَمَال الْمَهْرِ الثَّانِي بِدُونِ الْخَلْوَةِ وَالدُّخُول لأَِنَّ وُجُوبَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا فَوْقَ الْخَلْوَةِ (153) .

وُجُوبُ نِصْفِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى
37 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْل الدُّخُول بِهَا وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} ؛ وَهُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْبَابِ فَيَجِبُ الْعَمَل بِهِ (154) .
وَلِلْفُقَهَاءِ بَعْدَ هَذَا الاِتِّفَاقِ تَفْصِيلٌ فِي أَحْكَامِ تَنْصِيفِ الْمَهْرِ:

أ - مَوَاضِعُ تَنَصُّفِ الْمَهْرِ:
38 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَا يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ وَنَوْعٌ يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ مَعْنًى وَالْكُل صُورَةً.
أَمَّا النَّوْعُ الأَْوَّل: فَهُوَ الطَّلاَقُ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ؛ وَالْمَهْرُ دَيْنٌ لَمْ يُقْبَضْ بَعْدُ (155) .
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ مَعْنًى وَالْكُل صُورَةً فَهُوَ كُل طَلاَقٍ تَجِبُ فِيهِ الْمُتْعَةُ (156) .
وَتَجِبُ الْمُتْعَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ وَلاَ فَرْضَ بَعْدَهُ؛ أَوْ كَانَتِ التَّسْمِيَةُ فِيهِ فَاسِدَةً (157) ؛ وَكَذَا فِي الْفُرْقَةِ بِالإِْيلاَءِ وَاللِّعَانِ وَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ؛ فَكُل فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَل الزَّوْجِ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ تُوجِبُ الْمُتْعَةَ؛ لأَِنَّهَا تُوجِبُ نِصْفَ الْمُسَمَّى فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ؛ وَالْمُتْعَةُ عِوَضٌ عَنْهُ كَرِدَّةِ الزَّوْجِ وَإِبَائِهِ الإِْسْلاَمَ (158) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ اخْتِيَارَ الزَّوْجِ لإِِيقَاعِ الطَّلاَقِ قَبْل الْمَسِيسِ يُوجِبُ تَشْطِيرَ الْمَهْرِ الثَّابِتِ بِتَسْمِيَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالْعَقْدِ صَحِيحَةٍ؛ أَوْ بِفَرْضٍ صَحِيحٍ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي الْمُفَوِّضَةِ؛ وَيَسْتَوِي فِيهِ عَدَدُ الْمُوقَعِ مِنَ الطَّلاَقِ (159) ؛ وَأَمَّا إِذَا أَرَادَتِ الزَّوْجَةُ رَدَّ زَوْجِهَا بِعَيْبٍ بِهِ قَبْل الْبِنَاءِ فَطَلَّقَ عَلَيْهِ لاِمْتِنَاعِهِ مِنْهُ؛ أَوْ فَسَخَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ لِعَيْبٍ بِهَا قَبْل الْبِنَاءِ فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ (160) .
قَال ابْنُ شَاسٍ: وَإِنَّمَا يَسْقُطُ جَمِيعُ الْمَهْرِ قَبْل الْمَسِيسِ بِالْفَسْخِ أَوْ بِاخْتِيَارِهِ رَدَّهَا لِعَيْبِهَا؛ وَفِي اخْتِيَارِهَا لِرَدِّهِ بِعَيْبِهِ خِلاَفٌ لأَِنَّهُ غَارٌّ؛ وَلاَ صَدَاقَ لَهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ (161) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَتَشَطَّرُ الصَّدَاقُ بِالطَّلاَقِ وَالْخُلْعِ قَبْل الدُّخُول؛ وَفِيمَا إِذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِتَفْوِيضِهِ إِلَيْهَا؛ أَوْ عَلَّقَ طَلاَقَهَا بِدُخُول الدَّارِ فَدَخَلَتْ؛ أَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ مُدَّةِ الإِْيلاَءِ بِطَلَبِهَا؛ وَبِكُل فُرْقَةٍ تَحْصُل لاَ بِسَبَبٍ مِنَ الْمَرْأَةِ؛ بِأَنْ أَسْلَمَ؛ أَوِ ارْتَدَّ؛ أَوْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الزَّوْجَةِ الزَّوْجَ وَهُوَ صَغِيرٌ؛ أَوْ أُمُّ الزَّوْجِ أَوِ ابْنَتُهُ الزَّوْجَةَ الصَّغِيرَةَ؛ أَوْ وَطِئَهَا أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ بِشُبْهَةِ وَهِيَ تَظُنُّهُ زَوْجَهَا؛ أَوْ قَذَفَهَا وَلاَعَنَ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْفِرَاقُ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبٍ مِنْهَا بِأَنْ أَسْلَمَتْ؛ أَوِ ارْتَدَّتْ أَوْ فَسَخَتِ النِّكَاحَ بِعِتْقٍ أَوْ عَيْبٍ؛ أَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةً أُخْرَى لَهُ صَغِيرَةً؛ أَوْ فَسَخَ النِّكَاحَ بِعَيْبِهَا فَيَسْقُطُ جَمِيعُ الْمَهْرِ؛ وَشِرَاؤُهَا زَوْجَهَا يُسْقِطُ الْجَمِيعَ عَلَى الأَْصَحِّ؛ وَشِرَاؤُهُ زَوْجَتَهُ يُشْطِّرُ عَلَى الأَْصَحِّ (162) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمَهْرَ يَتَنَصَّفُ بِشِرَاءِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا؛ وَفُرْقَةٍ مِنْ قِبَلِهِ كَطَلاَقِهِ وَخُلْعِهِ - وَلَوْ بِسُؤَالِهَا - وَإِسْلاَمِهِ مَا عَدَا مُخْتَارَاتِ مَنْ أَسْلَمَ؛ وَرِدَّتِهِ وَشِرَائِهِ إِيَّاهَا وَلَوْ مِنْ مُسْتَحِقِّ مَهْرٍ أَوْ مِنْ قِبَل أَجْنَبِيٍّ - كَرَضَاعٍ وَنَحْوِهِ - قَبْل دُخُولٍ (163) .

ب - كَيْفِيَّةُ تَنَصُّفِ الْمَهْرِ
39 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الطَّلاَقَ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ فِيهِ تَسْمِيَةٌ قَدْ يَسْقُطُ بِهِ عَنِ الزَّوْجِ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ وَقَدْ يَعُودُ بِهِ إِلَيْهِ النِّصْفُ؛ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ بِهِ مِثْل النِّصْفِ صُورَةً وَمَعْنًى؛ أَوْ مَعْنًى لاَ صُورَةً.
وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: أَنَّ الْمَهْرَ الْمُسَمَّى إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنًا؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا؛ وَكُل ذَلِكَ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْبُوضٍ.
فَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا سَقَطَ نِصْفُ الْمُسَمَّى بِالطَّلاَقِ وَبَقِيَ النِّصْفُ؛ وَهَذَا طَرِيقُ عَامَّةِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ الطَّلاَقَ قَبْل الدُّخُول يُسْقِطُ جَمِيعَ الْمُسَمَّى وَإِنَّمَا يَجِبُ نِصْفٌ آخَرُ ابْتِدَاءً عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتْعَةِ لاَ بِالْعَقْدِ؛ إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الْمُتْعَةَ مُقَدَّرَةٌ بِنِصْفِ الْمُسَمَّى؛ وَالْمُتْعَةُ فِي الطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْل.
وَإِلَى هَذَا الطَّرِيقِ ذَهَبَ الْكَرْخِيُّ وَالرَّازِيُّ؛ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَال فِي الَّذِي طَلَّقَ قَبْل الدُّخُول وَقَدْ سَمَّى لَهَا: أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ وَذَلِكَ مُتْعَتُهَا (164) .
وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا فَقَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ حَتَّى وَرَدَ الطَّلاَقُ قَبْل الدُّخُول.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ عَيْنًا بِأَنْ كَانَ مُعَيَّنًا مُشَارًا إِلَيْهِ مِمَّا يَحْتَمِل التَّعْيِينَ كَالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ وَسَائِرِ الأَْعْيَانِ فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا إِنْ كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ؛ وَإِمَّا أَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ.
فَإِنْ كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُوضٍ فَطَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا عَادَ الْمِلْكُ فِي النِّصْفِ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الطَّلاَقِ وَلاَ يَحْتَاجُ لِلْعَوْدِ إِلَيْهِ إِلَى الْفَسْخِ وَالتَّسْلِيمِ مِنْهَا؛ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَهْرُ أَمَةً فَأَعْتَقَهَا الزَّوْجُ قَبْل الْفَسْخِ وَالتَّسْلِيمِ يَنْفُذُ إِعْتَاقُهُ فِي نِصْفِهَا بِلاَ خِلاَفٍ.
وَإِنْ كَانَ مَقْبُوضًا لاَ يَعُودُ الْمِلْكُ فِي النِّصْفِ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الطَّلاَقِ وَلاَ يَنْفَسِخُ مِلْكُهَا فِي النِّصْفِ حَتَّى يَفْسَخَهُ الْحَاكِمُ أَوْ تُسَلِّمُهُ الْمَرْأَةُ (165) .
هَذَا إِذَا كَانَ الْمَهْرُ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ.
فَأَمَّا إِذَا زَادَ فَالزِّيَادَةُ لاَ تَخْلُو: إِمَّا أَنْ كَانَتْ فِي الْمَهْرِ أَوْ عَلَى الْمَهْرِ:
فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَهْرِ بِأَنْ سَمَّى الزَّوْجُ لَهَا أَلْفًا ثُمَّ زَادَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ مِائَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا؛ فَلَهَا نِصْفُ الأَْلْفِ وَبَطَلَتِ الزِّيَادَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهَا نِصْفَ الأَْلْفِ وَنِصْفَ الزِّيَادَةِ أَيْضًا (166) .
وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ فَالْمَهْرُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الزَّوْجِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ.
فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَالزِّيَادَةُ لاَ تَخْلُو إِمَّا إِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالأَْصْل؛ وَإِمَّا إِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ. وَالْمُتَّصِلَةُ لاَ تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْل كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ وَالْجَمَال وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَالنُّطْقِ وَانْجِلاَءِ بَيَاضِ الْعَيْنِ وَزَوَال الْخَرَسِ وَالصَّمَمِ؛ وَالشَّجَرِ إِذَا أَثْمَرَ؛ وَالأَْرْضِ إِذَا زُرِعَتْ؛ أَوْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ كَالثَّوْبِ إِذَا صُبِغَ؛ وَالأَْرْضِ إِذَا بُنِيَ فِيهَا بِنَاءٌ؛ وَكَذَا الْمُنْفَصِلَةُ لاَ تَخْلُو: أَمَّا إِنْ كَانَتْ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْل كَالْوَلَدِ وَالْوَبَرِ وَالصُّوفِ إِذَا جُزَّ؛ وَالشَّعَرِ إِذَا أُزِيل؛ وَالثَّمَرِ إِذَا جُدَّ؛ وَالزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ؛ أَوْ كَانَتْ فِي حُكْمِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ كَالأَْرْشِ وَالْعُقْرِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنْهُ؛ وَلاَ فِي حُكْمِ الْمُتَوَلِّدِ كَالْهِبَةِ وَالْكَسْبِ.
فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْل أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَوَلِّدِ فَهِيَ مَهْرٌ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالأَْصْل أَوْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ؛ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا يَتَنَصَّفُ الأَْصْل وَالزِّيَادَةُ جَمِيعًا بِالإِْجْمَاعِ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ تَابِعَةٌ لِلأَْصْل لِكَوْنِهَا نَمَاءَ الأَْصْل؛ وَالأَْرْشُ بَدَل جُزْءٍ هُوَ مَهْرٌ فَلِيَقُومَ مَقَامَهُ؛ وَالْعُقْرُ بَدَل مَا هُوَ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَلِّدِ مِنَ الْمَهْرِ. فَإِذَا حَدَثَتْ قَبْل الْقَبْضِ - وَلِلْقَبْضِ شَبَهٌ بِالْعَقْدِ - فَكَانَ وُجُودُهَا عِنْدَ الْقَبْضِ كَوُجُودِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ؛ فَكَانَتْ مَحِلًّا لِلْفَسْخِ.وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الأَْصْل: فَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالأَْصْل فَإِنَّهَا تَمْنَعُ التَّنْصِيفَ؛ وَعَلَيْهَا نِصْفُ قِيمَةِ الأَْصْل لأَِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِمَهْرٍ - لاَ مَقْصُودًا وَلاَ تَبَعًا - لأَِنَّهَا لَمْ تَتَوَلَّدْ مِنَ الْمَهْرِ فَلاَ تَكُونُ مَهْرًا فَلاَ تَتَنَصَّفُ؛ وَلاَ يُمْكِنُ تَنْصِيفُ الأَْصْل بِدُونِ تَنْصِيفِ الزِّيَادَةِ؛ فَامْتَنَعَ التَّنْصِيفُ؛ فَيَجِبُ عَلَيْهَا نِصْفُ قِيمَةِ الأَْصْل يَوْمَ الزِّيَادَةِ؛ لأَِنَّهَا بِالزِّيَادَةِ صَارَتْ قَابِضَةً لِلأَْصْل فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ حُكِمَ بِالْقَبْضِ.
وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً عَنِ الأَْصْل فَالزِّيَادَةُ لَيْسَتْ بِمَهْرٍ؛ وَهِيَ كُلُّهَا لِلْمَرْأَةِ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَلاَ تَتَنَصَّفُ وَيَنْتَصِفُ الأَْصْل؛ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ هِيَ مَهْرٌ فَتَتَنَصَّفُ مَعَ الأَْصْل (167) .
وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الأَْصْل فَإِنَّهَا تَمْنَعُ التَّنْصِيفَ؛ وَعَلَيْهَا نِصْفُ قِيمَةِ الأَْصْل.
وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْل فَإِنَّهَا تَمْنَعُ التَّنْصِيفَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ وَعَلَيْهَا رَدُّ نِصْفِ قِيمَةِ الأَْصْل.
وَقَال زُفَرُ: لاَ تَمْنَعُ وَيُنْتَصَفُ الأَْصْل مَعَ الزِّيَادَةِ. وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الأَْصْل فَهِيَ لَهَا خَاصَّةً وَالأَْصْل بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ بِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ (168) .
أَمَّا حُكْمُ النُّقْصَانِ: فَحُدُوثُ النُّقْصَانِ فِي الْمَهْرِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الزَّوْجِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ.
فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَلاَ يَخْلُو مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِفِعْل الزَّوْجِ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِفِعْل الْمَهْرِ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِفِعْل الْمَرْأَةِ.
وَكُل ذَلِكَ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل قَبْضِ الْمَهْرِ أَوْ بَعْدَهُ؛ وَالنُّقْصَانُ فَاحِشٌ أَوْ غَيْرُ فَاحِشٍ.
فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ فَاحِشٌ قَبْل الْقَبْضِ: فَالْمَرْأَةُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتِ الْعَبْدَ النَّاقِصَ وَاتَّبَعَتِ الْجَانِيَ بِالأَْرْشِ؛ وَإِنْ شَاءَتْ تَرَكَتْ وَأَخَذَتْ مِنَ الزَّوْجِ قِيمَةَ الْعَبْدِ يَوْمَ الْعَقْدِ؛ ثُمَّ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ بِضَمَانِ النُّقْصَانِ وَهُوَ الأَْرْشُ.
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ: فَالْمَرْأَةُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ وَإِنْ شَاءَتْ تَرَكَتْهُ وَأَخَذَتْ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْعَقْدِ.
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل الزَّوْجِ؛ ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ نَاقِصًا وَأَخَذَتْ مَعَهُ أَرْشَ النُّقْصَانِ؛ وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْعَقْدِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا جَنَى عَلَى الْمَهْرِ فَهِيَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ؛ وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتِ الْقِيمَةَ.
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل الْمَهْرِ؛ بِأَنْ جَنَى الْمَهْرَ عَلَى نَفْسِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ: حُكْمُ هَذَا النُّقْصَانِ مَا هُوَ حُكْمُ النُّقْصَانِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ وَفِي رِوَايَةٍ: حُكْمُهُ حُكْمُ جِنَايَةِ الزَّوْجِ (169) .
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل الْمَرْأَةِ فَقَدْ صَارَتْ قَابِضَةً بِالْجِنَايَةِ فَجُعِل كَأَنَّ النُّقْصَانَ حَصَل فِي يَدِهَا؛ كَالْمُشْتَرِي إِذَا جَنَى عَلَى الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا لَهُ كَذَا هَاهُنَا.
هَذَا إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ فَاحِشًا.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ يَسِيرًا فَلاَ خِيَارَ لَهَا كَمَا إِذَا كَانَ هَذَا الْعَيْبُ بِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ. ثُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا النُّقْصَانُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْل الْمَرْأَةِ أَوْ بِفِعْل الْمَهْرِ فَلاَ شَيْءَ لَهَا؛ وَإِنْ كَانَ بِفِعْل الأَْجْنَبِيِّ تَتْبَعُهُ بِنِصْفِ النُّقْصَانِ وَكَذَا إِذَا كَانَ بِفِعْل الزَّوْجِ.
هَذَا إِذَا حَدَثَ النُّقْصَانُ فِي يَدِ الزَّوْجِ (170) .
فَأَمَّا إِذَا حَدَثَ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ فَهَذَا أَيْضًا لاَ يَخْلُو مِنَ الأَْقْسَامِ الَّتِي وَصَفْنَاهَا.
وَإِنْ حَدَثَ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ فَاحِشٌ قَبْل الطَّلاَقِ فَالأَْرْشُ لَهَا؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَلَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ قُبِضَتْ وَلاَ سَبِيل لَهُ عَلَى الْعَيْنِ؛ لأَِنَّ الأَْرْشَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ فَيُمْنَعُ التَّنْصِيفُ كَالْوَلَدِ.
وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَةُ الأَْجْنَبِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الطَّلاَقِ فَلِلزَّوْجَةِ نِصْفُ الْعَبْدِ وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي الأَْرْشِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَاعْتُبِرَتِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ؛ وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْجَانِي وَأَخَذَ مِنْهُ نِصْفَهُ.
وَكَذَلِكَ إِنْ حَدَثَ بِفِعْل الزَّوْجِ فَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ الأَْجْنَبِيِّ؛ لأَِنَّهُ جَنَى عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ وَلاَ يَدَ لَهُ فِيهِ فَصَارَ كَالأَْجْنَبِيِّ؛ وَالْحُكْمُ فِي الأَْجْنَبِيِّ مَا وَصَفْنَا.
وَإِنْ حَدَثَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْل الطَّلاَقِ فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهُ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ؛ لأَِنَّ حَقَّهُ مَعَهَا عِنْدَ الْفَسْخِ كَحَقِّهِ مَعَهَا عِنْدَ الْعَقْدِ؛ وَلَوْ حَدَثَ نُقْصَانٌ فِي يَدِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَهُ نَاقِصًا أَوْ قِيمَتَهُ؛ فَكَذَا حَقُّ الزَّوْجِ مَعَهَا عِنْدَ الْفَسْخِ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلاَقِ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ وَنِصْفَ الأَْرْشِ؛ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَتَهُ يَوْمَ قُبِضَتْ.
وَكَذَلِكَ إِنْ حَدَثَ بِفِعْل الْمَرْأَةِ؛ فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهُ وَلاَ شَيْءَ لَهُ مِنَ الأَْرْشِ؛ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ قِيمَتِهِ عَبْدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَال زُفَرُ: لِلزَّوْجِ أَنْ يُضَمِّنَهَا الأَْرْشَ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلاَقِ: فَعَلَيْهَا نِصْفُ الأَْرْشِ لأَِنَّ حَقَّ الْفَسْخِ قَدِ اسْتَقَرَّ. وَكَذَلِكَ إِنْ حَدَثَ بِفِعْل الْمَهْرِ؛ فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا: إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَهُ نَاقِصًا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الْقِيمَةِ لأَِنَّا إِنْ جَعَلْنَا جِنَايَةَ الْمَهْرِ كَالآْفَةِ السَّمَاوِيَّةِ لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً؛ وَإِنْ جَعَلْنَاهَا كَجِنَايَةِ الْمَرْأَةِ لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً أَيْضًا؛ فَلَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً أَيْضًا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
هَذَا إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ فَاحِشًا.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ غَيْرَ فَاحِشٍ فَإِنْ كَانَ بِفِعْلالأَْجْنَبِيِّ أَوْ بِفِعْل الزَّوْجِ لاَ يَتَنَصَّفُ لأَِنَّ الأَْرْشَ يَمْنَعُ التَّنْصِيفَ؛ وَإِنْ كَانَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِهَا أَوْ بِفِعْل الْمَهْرِ أَخَذَ النِّصْفَ وَلاَ خِيَارَ لَهُ (171) .

40 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَتَشَطَّرُ الْمَهْرُ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ أَوِ التَّفْوِيضِ إِذَا فُرِضَ مَهْرُ الْمِثْل أَوْ مَا رَضِيَتْ بِهِ قَبْل الدُّخُول (172) .
وَقَال ابْنُ شَاسٍ: مَعْنَى التَّشْطِيرِ أَنْ يَرْجِعَ الْمِلْكُ فِي شَطْرِ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الطَّلاَقِ أَوْ يَبْقَى عَلَيْهِ.
ثُمَّ فِي مَعْنَى الصَّدَاقِ فِي التَّشْطِيرِ كُل مَا نَحَلَهُ الزَّوْجُ لِلْمَرْأَةِ أَوْ لأَِبِيهَا أَوْ لِوَصِيِّهَا الَّذِي يَتَوَلَّى الْعَقْدَ؛ فِي الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ لأَِجَلِهِ؛ إِذْ هُوَ لِلزَّوْجَةِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ مِمَّنْ جُعِل لَهُ (173) .
وَقَال ابْنُ جُزَيٍّ: مَا حَدَثَ فِي الصَّدَاقِ مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ قَبْل الْبِنَاءِ فَالزِّيَادَةُ لَهُمَا وَالنُّقْصَانُ عَلَيْهِمَا وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَمَا لاَ يُغَابُ عَلَيْهِ فَخَسَارَتُهُ مِنْهُمَا؛ وَمَا يُغَابُ عَلَيْهِ خَسَارَتُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ إِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِهَلاَكِهِ؛ فَإِنْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ؛ فَاخْتُلِفَ: هَل يَضْمَنُهُ مَنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ أَمْ لاَ (174) ؟

41 - وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّشَطُّرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَفِيهَا أَوْجُهٌ:
الصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَعُودُ إِلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ بِنَفْسِ الْفِرَاقِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْفِرَاقَ يُثْبِتُ لَهُ خِيَارَ الرُّجُوعِ فِي النِّصْفِ؛ فَإِنْ شَاءَ يَمْلِكُهُ وَإِلاَّ فَيَتْرُكُهُ كَالشُّفْعَةِ.
وَالثَّالِثُ: لاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي.
وَلَوْ طَلَّقَ ثُمَّ قَال: أَسْقَطْتُ خِيَارِي. وَقُلْنَا: الطَّلاَقُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ؛ فَقَدْ أَشَارَ الْغَزَالِيُّ إِلَى احْتِمَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ كَخِيَارِ الْبَيْعِ؛ وَأَرْجَحُهُمَا: لاَ؛ كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الْوَاهِبُ خِيَارَ الرُّجُوعِ.
وَلَمْ يَجْرِ هَذَا التَّرَدُّدُ فِيمَا لَوْ طَلَّقَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهَا كُل الصَّدَاقِ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ (175) .
وَلَوْ زَادَ الْمَهْرُ بَعْدَ الطَّلاَقِ فَلِلزَّوْجِ كُل الزِّيَادَةِ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ كُل الصَّدَاقِ؛ أَوْ نِصْفُهَا إِذَا عَادَ إِلَيْهِ النِّصْفُ لِحُدُوثِهَا فِي مِلْكِهِ؛ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً أَمْ مُنْفَصِلَةً. فَإِنْ نَقَصَ الْمَهْرُ بَعْدَ الْفِرَاقِ وَلَوْ بِلاَ عُدْوَانٍ وَكَانَ بَعْدَ قَبْضِهِ فَلِلزَّوْجِ كُل الأَْرْشِ أَوْ نِصْفُهُ.
فَإِنِ ادَّعَتْ حُدُوثَ النَّقْصِ قَبْل الطَّلاَقِ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا؛ وَإِنْ فَارَقَ لاَ بِسَبَبِهَا - كَأَنْ طَلَّقَ وَالْمَهْرُ تَالِفٌ - فَلِلزَّوْجِ نِصْفُ بَدَلِهِ مِنْ مِثْلٍ فِي الْمِثْلِيِّ أَوْ قِيمَةٍ فِي الْمُتَقَوِّمِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ بَاقِيًا لأََخَذَ نِصْفَهُ؛ فَإِذَا فَاتَ رَجَعَ بِنِصْفِ بَدَلِهِ كَمَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ (176) .
وَإِنْ تَعَيَّبَ الْمَهْرُ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ قَبْل الْفِرَاقِ؛ فَإِنْ قَنَعَ الزَّوْجُ بِالنِّصْفِ مُعَيَّبًا فَلاَ أَرْشَ لَهُ؛ كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ؛ وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْنَعِ الزَّوْجُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا فَلَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ سَلِيمًا؛ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَلَهُ مِثْل نِصْفِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الرِّضَا بِالْمَعِيبِ فَلَهُ الْعُدُول إِلَى بَدَلِهِ.
وَإِنْ تَعَيَّبَ الْمَهْرُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْل قَبْضِهَا لَهُ وَقَنَعَتْ بِهِ فَلِلزَّوْجِ نِصْفُهُ نَاقِصًا بِلاَ أَرْشٍ وَلاَ خِيَارٍ.
وَإِنْ صَارَ الْمَهْرُ ذَا عَيْبٍ بِجِنَايَةٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ؛ وَأَخَذَتِ الزَّوْجَةُ أَرْشَهَا أَوْ عَفَتْ عَنْ أَخْذِهِ فَالأَْصَحُّ أَنَّ لِلزَّوْجِ نِصْفَ الأَْرْشِ مَعَ نِصْفِ الْعَيْنِ لأَِنَّهُ بَدَل الْفَائِتِ. وَالثَّانِي: لاَ شَيْءَ لَهُ مِنَ الأَْرْشِ كَالزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ (177) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُنْفَصِلَةَ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ الإِْصْدَاقِ كَثَمَرَةٍ وَأُجْرَةٍ تُسَلَّمُ لِلْمَرْأَةِ؛ سَوَاءٌ أَحَدَثَتْ فِي يَدِهِ أَمْ يَدِهَا لأَِنَّهَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهَا؛ وَالطَّلاَقُ إِنَّمَا يَقْطَعُ مِلْكَهَا مِنْ حِينِ وُجُودِهِ لاَ مِنْ أَصْلِهِ؛ وَيَخْتَصُّ الرُّجُوعُ بِنِصْفِ الأَْصْل (178) .
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ فَلاَ يَسْتَقِل الزَّوْجُ بِالرُّجُوعِ إِلَى عَيْنِ النِّصْفِ بَل يُخَيِّرُ الزَّوْجَةَ فَإِنْ أَبَتْ رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ بِغَيْرِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ سَمَحَتْ أُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَى الْقَبُول وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَلَبُ الْقِيمَةِ (179) .
وَإِذَا تَغَيَّرَ الصَّدَاقُ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ مَعًا إِمَّا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ: بِأَنْ أَصْدَقَهَا شَجَرَةً فَكَبُرَتْ فَقَل ثَمَرُهَا وَزَادَ حَطَبُهَا؛ وَإِمَّا بِسَبَبَيْنِ: بِأَنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَاعْوَرَّ فَيَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ؛ وَلِلزَّوْجِ أَنْ لاَ يَقْبَل الْعَيْنَ لِنَقْصِهَا وَيُعَدَّل إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ؛ وَلِلزَّوْجَةِ أَنْ لاَ تَبْذُلَهَا لِزِيَادَتِهَا وَتَدْفَعَ نِصْفَ الْقِيمَةِ. فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ جَازَ وَلاَ شَيْءَ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ.
وَلَيْسَ الاِعْتِبَارُ بِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ؛ بَل كُل مَا حَدَثَ وَفِيهِ فَائِدَةٌ مَقْصُودَةٌ فَهُوَ زِيَادَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ (180) . وَقَالُوا: وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الصَّدَاقِ أَوْ لِلزَّوْجِ بِنَقْصِهِ أَوْ لَهُمَا بِهِمَا لَمْ يَمْلِكِ الزَّوْجُ النِّصْفَ قَبْل أَنْ يَخْتَارَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ الرُّجُوعَ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لأَِحَدِهِمَا؛ وَقَبْل أَنْ يَتَوَافَقَا إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَإِنْ قُلْنَا الطَّلاَقُ يُشَطِّرُ الصَّدَاقَ نَفْسَهُ (181) .
وَهَذَا الاِخْتِيَارُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ لَكِنْ إِذَا طَلَبَهُ الزَّوْجُ كُلِّفَتِ الزَّوْجَةُ اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا؛ وَلاَ يُعَيِّنُ الزَّوْجُ فِي طَلَبِهِ عَيْنًا وَلاَ قِيمَةً؛ لأَِنَّ التَّعْيِينَ يُنَاقِضُ تَفْوِيضَ الأَْمْرِ إِلَيْهَا بَل يُطَالِبُهَا بِحَقِّهِ عِنْدَهَا؛ فَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ الاِخْتِيَارِ لَمْ تُحْبَسْ وَنُزِعَتْ مِنْهَا الْعَيْنُ؛ فَإِنْ أَصَرَّتْ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الْوَاجِبِ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ: بِيعَ الْجَمِيعُ وَتُعْطَى الزَّائِدَ؛ وَإِنِ اسْتَوَى نِصْفُ الْعَيْنِ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ أُعْطِيَ نِصْفَ الْعَيْنِ.
وَمَتَى اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ فِي الْعَيْنِ اسْتَقَل بِهِ. وَمَتَى وَجَبَ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْمَهْرِ فِي الْمُتَقَوِّمِ لِهَلاَكِ الصَّدَاقِ أَوْ غَيْرِهِ اعْتُبِرَ الأَْقَل مِنْ قِيمَةِ الْمَهْرِ يَوْمَيِ الإِْصْدَاقِ وَالْقَبْضِ (182) .

42 - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَقْبَضَ الصَّدَاقَ الَّذِي تَزَوَّجَ عَلَيْهِ ثُمَّ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْل الدُّخُول بِهَا مَلَكَ نِصْفَ الصَّدَاقِ قَهْرًا؛ كَالْمِيرَاثِ إِنْ بَقِيَ فِي مِلْكِهَا بِصِفَتِهِ حِينَ الْعَقْدِ بِأَنْ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ؛ وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي بِصِفَتِهِ النِّصْفَ مِنَ الصَّدَاقِ مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّنًا مِنْ مُتَنَصَّفٍ (183) .
وَيَمْنَعُ ذَلِكَ بَيْعٌ - وَلَوْ مَعَ خِيَارِهَا - وَهِبَةٌ أُقْبِضَتْ؛ وَعِتْقٌ؛ وَرَهْنٌ؛ وَكِتَابَةٌ؛ لاَ إِجَارَةٌ وَتَدْبِيرٌ؛ وَتَزْوِيجٌ.
فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ قَدْ زَادَ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً رَجَعَ الزَّوْجُ فِي نِصْفِ الأَْصْل وَالزِّيَادَةُ لَهَا؛ وَلَوْ كَانَتْ وَلَدَ أَمَةٍ.
وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً - وَهِيَ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا - خُيِّرَتْ بَيْنَ دَفْعِ نِصْفِهِ زَائِدًا وَبَيْنَ دَفْعِ نِصْفِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ - إِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا؛ وَغَيْرُ الْمُتَمَيِّزِ لَهُ قِيمَةُ نِصْفِهِ يَوْمَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَةٍ مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْقَبْضِ. وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهَا لاَ تُعْطِيهِ - أَيْ عَنْ طَرِيقِ وَلِيِّهَا - إِلاَّ نِصْفَ الْقِيمَةِ.
وَإِنْ نَقَصَ الْمَهْرُ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ خُيِّرَ الزَّوْجُ - جَائِزُ التَّصَرُّفِ - بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ إِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا؛ وَغَيْرُ الْمُتَمَيِّزِ يَوْمَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَةٍ مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْقَبْضِ.
وَإِنِ اخْتَارَهُ نَاقِصًا بِجِنَايَةٍ فَلَهُ مَعَهُ نِصْفُ أَرْشِهَا؛ وَإِنْ زَادَ مِنْ وَجْهٍ وَنَقَصَ مِنْ آخَرَ فَلِكُلٍّ الْخِيَارُ؛ وَيَثْبُتُ بِمَا فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ (184) .
وَإِنْ تَلِفَ الْمَهْرُ أَوِ اسْتُحِقَّ بِدَيْنٍ رَجَعَ فِي الْمِثْلِيِّ بِنِصْفِ مِثْلِهِ؛ وَفِي غَيْرِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْمُتَمَيِّزِ يَوْمَ الْعَقْدِ؛ وَفِي غَيْرِ الْمُتَمَيِّزِ يَوْمَ الْفُرْقَةِ عَلَى أَدْنَى صِفَةٍ مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْقَبْضِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَهْرُ ثَوْبًا فَصَبَغَتْهُ؛ أَوْ أَرْضًا فَبَنَتْهَا؛ فَبَذَل الزَّوْجُ قِيمَةَ الزَّائِدِ لِيَمْلِكَهُ فَلاَ ذَلِكَ.
وَإِنْ نَقَصَ الْمَهْرُ فِي يَدِهَا بَعْدَ تَنَصُّفِهِ ضَمِنَتْ نَقْصَهُ مُطْلَقًا.
وَمَا قُبِضَ مِنْ مُسَمًّى بِذِمَّةٍ كَمُعَيَّنٍ إِلاَّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي تَقْوِيمِهِ صِفَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ (185) . وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْل
هُنَاكَ حَالاَتٌ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْل فِي بَعْضِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ.

أَوَّلاً - التَّفْوِيضُ:
43 - التَّفْوِيضُ ضَرْبَانِ

أ - تَفْوِيضُ بُضْعٍ وَهُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ الإِْطْلاَقُ إِلَيْهِ؛ وَالْمُرَادُ بِهِ: إِخْلاَءُ النِّكَاحِ عَنِ الْمَهْرِ بِأَنْ يُزَوِّجَ الأَْبُ بِنْتَهُ الْمُجْبَرَةَ بِلاَ مَهْرٍ. أَوْ يُزَوِّجُ الأَْبُ غَيْرَ الْمُجْبَرَةِ بِإِذْنِهَا بِلاَ مَهْرٍ. أَوْ يُزَوِّجُ غَيْرُ الأَْبِ كَأَخٍ مُوَلِّيَتِهِ بِإِذْنِهَا بِلاَ مَهْرٍ؛ سَوَاءٌ سَكَتَ عَنِ الصَّدَاقِ أَوْ شَرَطَ نَفْيَهُ؛ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ؛ وَيَجِبُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (186) .
وَقَدْ دَل عَلَى هَذَا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمِ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} (187) رَفَعَ سُبْحَانَهُ الْجُنَاحَ عَمَّنْ طَلَّقَ فِي نِكَاحٍ لاَ تَسْمِيَةَ فِيهِ؛ وَالطَّلاَقُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ النِّكَاحِ؛ فَدَل عَلَى جَوَازِ النِّكَاحِ بِلاَ تَسْمِيَةٍ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ سُئِل عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُل بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ؛ فَقَامَ مَعْقِل بْنُ سِنَانٍ الأَْشْجَعِيُّ فَقَال: قَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْل مَا قَضَيْتَ بِهِ (188) ؛ وَلأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالاِسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ؛ فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ كَالنَّفَقَةِ؛ وَسَوَاءٌ تَرَكَا ذِكْرَ الْمَهْرِ أَوْ شَرَطَا نَفْيَهُ (189) .

ب - تَفْوِيضُ الْمَهْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ جَعْل الْمَهْرِ إِلَى رَأْيِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا كَأَنْ تَقُول لِوَلِيِّهَا: زَوِّجْنِي عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ مَا شِئْتَ أَوْ مَا شِئْتُ أَنَا؛ أَوْ مَا شَاءَ الْخَاطِبُ؛ أَوْ فُلاَنٌ (190) .
وَلِلْفُقَهَاءِ فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ تَفْوِيضِ الْمَهْرِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ؛ يُنْظَرُ فِي (تَفْوِيضٌ ف 5 وَمَا بَعْدَهَا؛ وَمُفَوِّضَةٌ) . ثَانِيًا - فَسَادُ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ
44 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا فَسَدَتْ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ - كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ - يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل (191) . وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ؛ فَقَدْ قَال الرُّحَيْبَانِيُّ: كُل مَوْضِعٍ لاَ تَصِحُّ فِيهِ التَّسْمِيَةُ؛ أَوْ خَلاَ الْعَقْدُ عَنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ يَجِبُ لِلْمَرْأَةِ مَهْرُ الْمِثْل بِالْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُسَلَّمُ إِلاَّ بِبَدَلٍ؛ وَلَمْ يُسَلَّمِ الْبَدَل؛ وَتَعَذَّرَ رَدُّ الْعِوَضِ فَوَجَبَ بَدَلُهُ كَبَيْعِهِ سِلْعَةً بِخَمْرٍ (192) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَصْدَقَهَا مَا لاَ يَجُوزُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْل الدُّخُول وَبَعْدَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: - وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ - أَنَّهُ إِذَا عَقَدَ بِذَلِكَ فُسِخَ النِّكَاحُ قَبْل الدُّخُول؛ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْل.
وَهَل فَسْخُهُ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ أَوِ الْوُجُوبِ؟ قَوْلاَنِ (193) .

ثَالِثًا - فَسَادُ النِّكَاحِ:
45 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ حَتَّى لاَ يَلْزَمَ الْمُسَمَّى؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنِكَاحٍ؛ إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الدُّخُول يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل لَكِنْ بِالْوَطْءِ لاَ بِالْعَقْدِ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي إِيجَابِ مَهْرِ الْمِثْل هُوَ يَوْمُ الْوَطْءِ وَلاَ يُعْتَبَرُ يَوْمُ الْعَقْدِ إِذْ لاَ حُرْمَةَ لِلْعَقْدِ الْفَاسِدِ (194) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَا فُسِخَ مِنَ الأَْنْكِحَةِ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَلاَ يَكُونُ فَسَادُهُ إِلاَّ لِعَقْدِهِ؛ أَوْ لِعَقْدِهِ وَصَدَاقِهِ مَعًا؛ فَيَجِبُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى لِلْمَرْأَةِ إِنْ كَانَ حَلاَلاً؛ أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ مَهْرٌ مُسَمًّى كَصَرِيحِ الشِّغَارِ؛ أَوْ كَانَ حَرَامًا كَخَمْرٍ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل.
وَقَالُوا: يَسْقُطُ كُلٌّ مِنَ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْل بِالْفَسْخِ قَبْل الدُّخُول وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ مُخْتَلِفًا فِيهِ؛ وَكَذَا بِالْمَوْتِ إِنْ فَسَدَ النِّكَاحُ لِصَدَاقِهِ مُطْلَقًا أَوْ فَسَدَ لِعَقْدِهِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ؛ أَوِ اخْتَلَفَ فِيهِ وَأَثَّرَ خَلَلاً فِي الصَّدَاقِ كَالْمُخَلَّل؛ فَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ كَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَفِيهِ الصَّدَاقُ إِلاَّ نِكَاحُ الدِّرْهَمَيْنِ فَنِصْفُهُمَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِالْفَسْخِ قَبْل الدُّخُول (195) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل بِوَطْءٍ وَلَوْ مِنْ مَجْنُونٍ فِي نِكَاحٍ بَاطِلٍ إِجْمَاعًا كَنِكَاحِ خَامِسَةٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ (196) .

رَابِعًا: الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ:
46 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْل لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلاَ مَمْلُوكَةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَتَهُ (197) .
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ مِرَارًا بِشُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لَمْ يَجِبْ إِلاَّ مَهْرٌ وَاحِدٌ؛ وَلَوْ وَطِئَ بِشُبْهَةٍ فَزَالَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ ثُمَّ وَطِئَ بِشُبْهَةٍ أُخْرَى وَجَبَ مَهْرَانِ (198) .

خَامِسًا - الإِْكْرَاهُ عَلَى الزِّنَا:
47 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْل عِنْدَ إِكْرَاهِ امْرَأَةٍ عَلَى الزِّنَا (199)
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ وُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْل بِمَا إِذَا كَانَ الْوَطْءُ فِي الْقُبُل.
وَقَالُوا: يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ بِتَعَدُّدِ الإِْكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا بِمُكْرَهَةٍ كُل مَرَّةٍ؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ سَبَبِهِ؛ وَلَوِ اتَّحَدَ الإِْكْرَاهُ وَتَعَدَّدَ الْوَطْءُ فَالْوَاجِبُ مَهْرٌ وَاحِدٌ (200) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ -: الْمُكْرِهُ عَلَى الْوَطْءِ يُحَدُّ؛ وَعَلَيْهِ فَإِذَا أَكْرَهَتِ امْرَأَةٌ رَجُلاً عَلَى الزِّنَا بِهَا فَلاَ صَدَاقَ لَهَا؛ وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُهَا غُرِّمَ لَهَا الصَّدَاقَ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى مُكْرِهِهِ (201) .
وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْل بِالزِّنَا هُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الصَّاحِبَيْنِ الْقَائِل بِعَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْمُكْرِهِ بِالزِّنَا (202) إِذْ لاَ يَخْلُو الْوَطْءُ بِغَيْرِ مِلْكِ الْيَمِينِ عَنْ مَهْرٍ أَوْ حَدٍّ (203) .
وَيَقُول أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ: أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا بِامْرَأَةٍ بِمَا يَخَافُ التَّلَفَ فَزَنَى فَعَلَيْهِ الْحَدُّ (204) ؛ وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْل لاَ يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ الْمَهْرِ أَصْلاً. سُقُوطُ الْمَهْرِ
يَسْقُطُ الْمَهْرُ، بِأَسْبَابٍ، مِنْهَا:

أ -، الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ الطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول
48 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ كُل فُرْقَةٍ حَصَلَتْ بِغَيْرِ طَلاَقٍ قَبْل الدُّخُول وَقَبْل الْخَلْوَةِ تُسْقِطُ جَمِيعَ الْمَهْرِ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ قِبَل الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ قِبَل الزَّوْجِ.
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لأَِنَّ الْفُرْقَةَ بِغَيْرِ طَلاَقٍ تَكُونُ فَسْخًا لِلْعَقْدِ؛ وَفَسْخُ الْعَقْدِ قَبْل الدُّخُول يُوجِبُ سُقُوطَ كُل الْمَهْرِ؛ لأَِنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ رَفْعُهُ مِنَ الأَْصْل وَجَعْلُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ (205) .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْفُرْقَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِيَارُ الْبُلُوغِ؛ وَخِيَارُ الْعِتْقِ؛ وَاخْتِيَارُ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا لِعَيْبٍ وَالْعُنَّةُ وَالْخِصَاءُ وَالْخُنُوثَةُ (206) .
وَمَثَّل الْحَنَابِلَةُ لِهَذِهِ الْفُرْقَةِ بِاللِّعَانِ قَبْل الدُّخُول؛ وَفَسْخِ الزَّوْجِ النِّكَاحَ لِعَيْبِ الزَّوْجَةِ قَبْل الدُّخُول وَعَكْسِهِ كَكَوْنِ الزَّوْجِ عِنِّينًا أَوْ أَشَل وَنَحْوَهُ قَبْل الدُّخُول (207) .
وَالشَّافِعِيَّةُ يَتَّفِقُونَ مَعَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَصْل سُقُوطِ الْمَهْرِ عِنْدَ حُصُول الْفُرْقَةِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ قَبْل الدُّخُول بِهَا؛ أَوْ عِنْدَ حُصُول الْفُرْقَةِ بِسَبَبِهَا؛ إِلاَّ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي تَطْبِيقَاتِ هَذَا الأَْصْل إِذْ يَذْكُرُونَ مِنْ أَمْثِلَةِ النَّوْعِ الأَْوَّل: إِسْلاَمَ الزَّوْجَةِ بِنَفْسِهَا أَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ وَفَسْخَهَا بِعَيْبِهِ؛ أَوْ بِعِتْقِهَا تَحْتَ رَقِيقٍ؛ أَوْ رِدَّتِهَا؛ أَوْ إِرْضَاعِهَا زَوْجَةَ زَوْجِهَا الصَّغِيرَةَ.
وَمِنْ ضِمْنِ أَمْثِلَةِ النَّوْعِ الثَّانِي مِنَ الْفُرْقَةِ: فَسْخُ الزَّوْجِ النِّكَاحَ بِعَيْبِهَا.
أَمَّا الْفُرْقَةُ الَّتِي لاَ تَكُونُ مِنْهَا وَلاَ بِسَبَبِهَا كَالطَّلاَقِ وَإِسْلاَمِ الزَّوْجِ وَرِدَّتِهِ وَلِعَانِهِ وَإِرْضَاعِ أُمَّ الزَّوْجِ لَهَا؛ أَوْ إِرْضَاعِ أُمِّ الزَّوْجَةِ لَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَإِنَّهَا تُنَصِّفُ الْمَهْرَ (208) .

ب - الإِْبْرَاءُ:
49 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ عَنْ كُل الْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول وَبَعْدَهُ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا فَإِنَّهُ يُسْقِطُهُ كُلَّهُ؛ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ وَالإِْسْقَاطُ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْل الإِْسْقَاطِ فِي مَحِلٍّ قَابِلٍ لِلسُّقُوطِ يُوجِبُ السُّقُوطَ (209) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ إِنْ طَلَّقَ زَوْجٌ زَوْجَتَهُ قَبْل الدُّخُول بِهَا فَأَيُّ الزَّوْجَيْنِ عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ بِالطَّلاَقِ مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا؛ - وَالْعَافِي جَائِزُ التَّصَرُّفِ - بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ؛ وَإِنْ كَانَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ عَيْنًا بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَلِمَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ أَنْ يَعْفُوَ بِلَفْظِ الْعَفْوِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ؛ وَلاَ يَصِحُّ بِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ وَالإِْسْقَاطِ لأَِنَّ الأَْعْيَانَ لاَ تَقْبَل ذَلِكَ أَصَالَةً؛ وَإِنْ عَفَا غَيْرُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ - زَوْجًا كَانَ الْعَافِي أَوْ زَوْجَةً - صَحَّ الْعَفْوُ بِهَذِهِ الأَْلْفَاظِ كُلِّهَا (210) .
وَإِذَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ.
وَإِنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْل الدُّخُول رَجَعَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي (211) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي شُرُوطِ الإِْبْرَاءِ وَأَلْفَاظِهِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهِبَةِ (ر: إِبْرَاءٌ ف 12 وَمَا بَعْدَهَا؛ هِبَةٌ) .

ج - الْهِبَةُ:
50 - عَدَّ الْحَنَفِيَّةُ هِبَةَ كُل الْمَهْرِ قَبْل الْقَبْضِ مِنْ أَسْبَابِ سُقُوطِ الْمَهْرِ كُلِّهِ.
وَقَالُوا: إِنَّ الْمَهْرَ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنًا؛ وَالْحَال لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل الْقَبْضِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ وَهَبَتْ كُل الْمَهْرِ أَوْ بَعْضَهُ.
فَإِنْ وَهَبَتْهُ كُل الْمَهْرِ قَبْل الْقَبْضِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول فَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا؛ سَوَاءٌ كَانَ الْمَهْرُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا.
وَإِنْ وَهَبَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ: فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ عَيْنًا فَقَبَضَهُ؛ ثُمَّ وَهَبَهُ مِنْهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ لأَِنَّ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ بِالطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول هُوَ نِصْفُ الْمَوْهُوبِ بِعَيْنِهِ وَقَدْ رَجَعَ إِلَيْهِ بِعَقْدٍ؛ لاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا؛ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ عَرْضًا فَكَذَلِكَ لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ وَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ مُعَيَّنَةً أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ؛ أَوْ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَقَبَضَتْهُ ثُمَّ وَهَبَتْهُ مِنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مِثْلِهِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا فَقَبَضَتِ الْكُل ثُمَّ وَهَبَتِ الْبَعْضَ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا إِذَا وَهَبَتِ الْكُل فَإِذَا وَهَبَتِ الْبَعْضَ أَوْلَى.
وَإِذَا قَبَضَتِ النِّصْفَ؛ ثُمَّ وَهَبَتِ النِّصْفَ الْبَاقِيَ؛ أَوْ وَهَبَتِ الْكُل؛ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يَرْجِعُ الزَّوْجُعَلَيْهَا بِشَيْءٍ؛ وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِرُبُعِ الْمَهْرِ (212) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَهَبَتِ الزَّوْجَةُ مِنْ زَوْجِهَا جَمِيعَ صَدَاقِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الْبِنَاءِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ وَكَأَنَّهَا عَجَّلَتْ إِلَيْهِ بِالصَّدَاقِ.
وَلَوْ وَهَبَتْ مِنْهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ؛ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَلَهُ الرُّبُعُ؛ وَكَذَلِكَ إِنْ وَهَبَتْهُ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ أَوْ أَقَل فَلَهُ نِصْفُ مَا بَقِيَ لَهَا بَعْدَ الْهِبَةِ.
وَلَوْ وَهَبَتْهُ لأَِجْنَبِيٍّ فَقَبَضَهُ مَضَى لَهُ وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الزَّوْجَةِ بِالنِّصْفِ (213) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا وَهَبَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا صَدَاقَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول طَلاَقًا يَمْلِكُ بِهِ نِصْفَ الصَّدَاقِ لَمْ يَخْل الصَّدَاقُ الْمَوْهُوبُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا؛ أَوْ دَيْنًا.
فَإِنْ كَانَ عَيْنًا؛ فَسَوَاءٌ وَهَبَتْهُ قَبْل قَبْضِهِ أَوْ بَعْدَ قَبْضِهِ هَل لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ بَدَلِهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ؛ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ. وَالْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ؛ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ (214) .
وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا لَهَا عَلَى زَوْجِهَا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ؛ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَأْخُذْ مِنْهُ مَالاً وَلَمْ تَتَحَصَّل مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي طَرْدُ قَوْلَيِ الْهِبَةِ؛ وَلَوْ قَبَضَتِ الدَّيْنَ ثُمَّ وَهَبَتْهُ لَهُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَهِبَةِ الْعَيْنِ (215) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ عَيْنًا فَوَهَبَتْهَا لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول بِهَا فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لأَِنَّهَا عَادَتْ إِلَى الزَّوْجِ بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ فَلاَ تَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهَا بِالطَّلاَقِ؛ كَمَا لَوْ عَادَتْ إِلَيْهِ بِالْبَيْعِ أَوْ وَهَبَتْهَا لأَِجْنَبِيٍّ ثُمَّ وَهَبَتْهَا لَهُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا إِلاَّ أَنْ تَزِيدَ الْعَيْنُ أَوْ تَنْقُصَ ثُمَّ تَهَبَهَا لَهُ؛ لأَِنَّ الصَّدَاقَ عَادَ إِلَيْهِ وَلَوْ لَمْ تَهَبْهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ وَعَقْدُ الْهِبَةِ لاَ يَقْتَضِي ضَمَانًا وَلأَِنَّ نِصْفَ الصَّدَاقِ تُعَجَّل لَهُ بِالْهِبَةِ. فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ فَإِنْ قُلْنَا لاَ يَرْجِعُ ثَمَّ فَهَاهُنَا أَوْلَى؛ وَإِنْ قُلْنَا يَرْجِعُ ثُمَّ خَرَجَ هَاهُنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لاَ يَرْجِعُ لأَِنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطُ حَقٍّ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ كَتَمْلِيكِ الأَْعْيَانِ وَلِهَذَا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولٍ.
وَالثَّانِي: يَرْجِعُ لأَِنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ الطَّلاَقِ فَهُوَ كَالْعَيْنِ وَالإِْبْرَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ وَلِهَذَا يَصِحُّ بِلَفْظِهَا وَإِنْ قَبَضَتِ الدَّيْنَ مِنْهُ ثُمَّ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَهُوَ كَهِبَةِ الْعَيْنِ لأَِنَّهُ تَعَيَّنَ بِقَبْضِهِ؛ وَيَحْتَمِل أَنْ لاَ يَرْجِعَ لأَِنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ مَا أَصْدَقَهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَيْنًا فَقَبَضَتْهَا ثُمَّ وَهَبَتْهَا أَوْ وَهَبَتْهُ الْعَيْنَ أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنَ الدَّيْنِ ثُمَّ فَسَخَتِ النِّكَاحَ بِفِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا كَإِسْلاَمِهَا أَوْ رِدَّتِهَا أَوْ إِرْضَاعِهَا لِمَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ فَفِي الرُّجُوعِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ عَلَيْهَا رِوَايَتَانِ كَمَا فِي الرُّجُوعِ بِالنِّصْفِ سَوَاءٌ (216) .

اقْتِرَانُ الْمَهْرِ بِشَرْطٍ
51 - قَدْ يَقْتَرِنُ الْمَهْرُ بِشَرْطٍ وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - أَنْ يُسَمِّيَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ فِي الْعَقْدِ مَهْرًا أَقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَيَشْرِطُ فِيهِ مَنْفَعَةً مُبَاحَةً شَرْعًا لِلزَّوْجَةِ؛ أَوْ لأَِحَدِ مَحَارِمِهَا - كَأَنْ يَكُونَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ؛ وَسَمَّى لَهَا ثَلاَثَمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى شَرْطِ أَلاَّ يُسَافِرَ بِهَا؛ أَوْ أَلاَّ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا - فَإِنْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ وَجَبَ الْمُسَمَّى؛ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرْطُ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لأَِنَّ الزَّوْجَةَ مَا رَضِيَتْ بِمَا دُونَ مَهْرِ مِثْلِهَا إِلاَّ لِتَحْقِيقِ الْمَنْفَعَةِ الْمَشْرُوطَةِ لَهَا.
وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مَضَرَّةً لَهَا؛ كَأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا؛ أَوْ مَنْفَعَةً غَيْرَ مُبَاحَةٍ شَرْعًا؛ كَأَنْ يَسْقِيَهَا خَمْرًا؛ أَوْ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لأَِجْنَبِيٍّ عَنْهَا؛ وَجَبَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُبَاحَةٍ لاَ يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهَا؛ وَلاَ يَسْتَحِقُّ بِفَوَاتِهَا الْعِوَضَ؛ وَإِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لأَِجْنَبِيٍّ عَنْهَا تَكُونُ غَيْرَ مَقْصُودَةٍ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ؛ فَيَجِبُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ.
ب - أَنْ يُسَمِّيَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ مَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهَا شَرْطًا مَرْغُوبًا فِيهِ كَأَنْ يَكُونَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ؛ وَسَمَّى لَهَا مَهْرًا أَلْفَ دِينَارٍ؛ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا؛ فَإِنْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ وَجَبَ الْمُسَمَّى؛ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْل؛ لأَِنَّهُ مَا رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ عَنْ مَهْرِ الْمِثْل إِلاَّ لِهَذَا الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ.
ج - أَنْ يُسَمِّيَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ مَهْرًا عَلَى شَرْطٍ؛ وَيُسَمِّيَ لَهَا مَهْرًا آخَرَ عَلَى شَرْطٍ؛ آخَرَ كَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ إِنْ كَانَتْمُتَعَلِّمَةً؛ وَعَلَى خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَعَلِّمَةٍ.
قَال أَبُو حَنِيفَةَ: التَّسْمِيَةُ الأُْولَى صَحِيحَةٌ؛ فَإِذَا تَحَقَّقَ الشَّرْطُ وَجَبَ الْمَشْرُوطُ؛ وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ الثَّانِيَةُ فَغَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لأَِنَّهَا لَمْ تُصَادِفْ مَحِلًّا؛ لِوُقُوعِهَا بَعْدَ الأُْولَى الصَّحِيحَةِ؛ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَعَلِّمَةٍ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْل لاَ الْمُسَمَّى؛ وَلاَ يَزِيدُ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ؛ لِرِضَاهَا بِهِ؛ وَلاَ يَنْقُصُ عَنْ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ لِرِضَاهُ بِهَا.
وَقَال الصَّاحِبَانِ: التَّسْمِيَتَانِ صَحِيحَتَانِ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّمَةً وَجَبَ لَهَا الْمُسَمَّى الأَْوَّل؛ وَهُوَ أَلْفُ دِينَارٍ؛ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَعَلِّمَةٍ وَجَبَ الْمُسَمَّى الثَّانِي؛ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ؛ لأَِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ؛ وَهَذَا هُوَ الرَّأْيُ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ (217) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ عَقَدَ بِأَلْفٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ مَثَلاً وَشَرَطَ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَأَلْفَانِ؛ فَيُفْسَخُ قَبْل الْبِنَاءِ لِلشَّكِّ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ حَال الْعَقْدِ فَأَثَّرَ خَلَلاً فِي الصَّدَاقِ؛ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْل؛ بِخِلاَفِ تَزَوُّجِهَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ لاَ يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ لاَ يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا؛ أَوْ إِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ بَيْتِ أَبِيهَا أَوْ تَزَوَّجَ أَوْ تَسَرَّى عَلَيْهَا فَأَلْفَانِ فَصَحِيحٌ إِذْ لاَ شَكَّ فِي قَدْرِهِ حَال الْعَقْدِ؛ وَالشَّكُّ فِي الزَّائِدِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُسْتَقْبَل؛ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ يَحْصُل فِي الْمُسْتَقْبَل وَالأَْصْل عَدَمُهُ؛ فَالْغَرَرُ فِيهِ أَخَفُّ مِنَ الْوَاقِعِ فِي الْحَال؛ وَلاَ يَلْزَمُ الزَّوْجَ الشَّرْطُ وَهُوَ عَدَمُ التَّزَوُّجِ وَالإِْخْرَاجُ؛ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْوَفَاءُ بِهِ إِنْ وَقَعَ؛ وَكُرِهَ هَذَا الشَّرْطُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّحْجِيرِ عَلَيْهِ كَمَا يُكْرَهُ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِهِ فَالشَّرْطُ يُكْرَهُ ابْتِدَاءً؛ فَإِنْ وَقَعَ اسْتُحِبَّ الْوَفَاءُ بِهِ وَكُرِهَ عَدَمُهُ؛ وَلاَ يَلْزَمُهُ الأَْلْفُ الثَّانِيَةُ إِنْ خَالَفَ بِأَنْ أَخْرَجَهَا أَوْ تَزَوَّجَ (218) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لأَِبِيهَا أَلْفًا أَوْ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا فَالْمَذْهَبُ فَسَادُ الصَّدَاقِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُ جَعَل بَعْضَ مَا الْتَزَمَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ؛ وَوُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْل فِيهِمَا لِفَسَادِ الْمُسَمَّى؛ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فَسَادُهُ فِي الأُْولَى دُونَ الثَّانِيَةِ؛ لأَِنَّ لَفْظَ الإِْعْطَاءِ لاَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُعْطَى لِلأَْبِ.
وَلَوْ شَرَطَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ خِيَارًا فِي الْمَهْرِ فَالأَْظْهَرُ صِحَّةُ النِّكَاحِ لأَِنَّ فَسَادَ الصَّدَاقِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ لاَ الْمَهْرِ فَلاَ يَصِحُّ فِي الأَْظْهَرِ بَل يَفْسُدُ؛ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل لأَِنَّ الصَّدَاقَ لاَ يَتَمَحَّضُ عِوَضًا بَل فِيهِ مَعْنَى النِّحْلَةِ فَلاَ يَلِيقُ بِهِ الْخِيَارُ؛ وَالْمَرْأَةُ لَمْ تَرْضَ بِالْمُسَمَّى إِلاَّ بِالْخِيَارِ؛ وَالثَّانِي يَصِحُّ الْمَهْرُ أَيْضًا لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمَال كَالْبَيْعِ فَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ؛ وَالثَّالِثُ يَفْسُدُ النِّكَاحُ لِفَسَادِ الْمَهْرِ أَيْضًا.
وَقَالُوا: لَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنَ الْبَلَدِ وَعَلَى أَلْفَيْنِ إِنْ أَخْرَجَهَا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْل (219) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ كَانَ أَبُوهَا حَيًّا وَأَلْفَيْنِ إِنْ كَانَ مَيِّتًا؛ لَمْ يَصِحَّ.
نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْل.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَأَلْفَيْنِ إِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ؛ لَمْ يَصِحَّ.
قَال فِي الْخُلاَصَةِ: عَلَى الأَْصَحِّ؛ قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَصِحُّ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ؛ وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ دَارِهَا وَعَلَى أَلْفَيْنِ إِنْ أَخْرَجَهَا (220) .

قَبْضُ الْمَهْرِ وَتَصَرُّفُ الزَّوْجَةِ فِيهِ:
52 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلأَْبِ قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ بَالِغَةً؛ وَيَبْرَأُ الزَّوْجُ بِقَبْضِهِ؛ أَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلاَ شَكَّ فِيهِ لأَِنَّ لَهُ وِلاَيَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهَا؛ وَأَمَّا الْبَالِغَةُ فَلأَِنَّهَا تَسْتَحْيِي مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِهِ بِنَفْسِهَا كَمَا تَسْتَحْيِي عَنِ التَّكَلُّمِ بِالنِّكَاحِ فَجَعَل سُكُوتَهَا رِضًا بِقَبْضِ الأَْبِ كَمَا جُعِل رِضًا بِالنِّكَاحِ؛ وَلأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَرْضَى بِقَبْضِ الأَْبِ لأَِنَّهُ يَقْبِضُ مَهْرَهَا فَيَضُمُّ إِلَيْهِ أَمْثَالَهُ فَيُجَهِّزُهَا بِهِ؛ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَكَانَ مَأْذُونًا بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَتِهَا دَلاَلَةً حَتَّى لَوْ نَهَتْهُ عَنِ الْقَبْضِ لاَ يَتَمَلَّكُ الْقَبْضَ وَلاَ يَبْرَأُ الزَّوْجُ؛ وَكَذَا الْجَدُّ يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ.
وَإِنْ كَانَتِ ابْنَتُهُ عَاقِلَةً وَهِيَ ثَيِّبٌ فَالْقَبْضُ إِلَيْهَا لاَ إِلَى الأَْبِ؛ وَيَبْرَأُ الزَّوْجُ بِدَفْعِهِ إِلَيْهَا وَلاَ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إِلَى الأَْبِ؛ وَمَا سِوَى الأَْبِ وَالْجَدِّ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ لَيْسَ لَهُمْ وِلاَيَةُ الْقَبْضِ سَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً إِلاَّ إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْوَصِيُّ فَلَهُ حَقُّ الْقَبْضِ إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً كَمَا يَقْبِضُ سَائِرَ دُيُونِهَا؛ وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ حَقُّ الْقَبْضِ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً (221) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ وَلِيَّ الزَّوْجَةِ الْمُجْبِرَ وَهُوَ الأَْبُ أَوْ وَصِيُّهُ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَوَلِّي قَبْضِ مَهْرِهَا؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ مُجْبِرٌ؛ وَكَانَتْ رَشِيدَةً؛ فَهِيَ الَّتِي تَقُومُ بِقَبْضِ مَهْرِهَا؛ أَوْ مَنْ تُوَكِّلُهُ عَنْهَا فِي قَبْضِهِ؛ وَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً فَالَّذِي يَتَوَلَّى قَبْضَ مَهْرِهَا وَلِيُّ مَالِهَا؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْقَاضِي أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ يَقْبِضُ مَهْرَهَا (222) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لِلأَْبِ قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا وَهَذَا بِلاَ نِزَاعٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ وَلاَ يَقْبِضُ صَدَاقَ ابْنَتِهِ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ إِلاَّ بِإِذْنِهَا إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً؛ فَإِنْ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا فَلَهُ قَبْضُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا؛ وَفِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: لاَ يَقْبِضُ إِلاَّ بِإِذْنِهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ وَالثَّانِيَةُ يَقْبِضُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا مُطْلَقًا (223) .
53 - وَلِلْمَرْأَةِ - سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا - وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَهْرِهَا بِكُل التَّصَرُّفَاتِ الْجَائِزَةِ لَهَا شَرْعًا؛ مَا دَامَتْ كَامِلَةَ الأَْهْلِيَّةِ؛ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي تَصَرُّفِ كُل مَالِكٍ فِي مِلْكِهِ؛ فَلَهَا أَنْ تَشْتَرِيَ بِهِ؛ وَتَبِيعَهُ؛ وَتَهَبَهُ لأَِجْنَبِيٍّ أَوْ لِزَوْجِهَا؛ وَلَيْسَ لأَِحَدٍ حَقُّ الاِعْتِرَاضِ عَلَى تَصَرُّفِهَا؛ كَمَا لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ مَهْرِهَا لِزَوْجِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ؛ وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا أَوْ أُمَّهَا؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ لاَ يُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ مِلْكِهِ؛ وَلاَ عَلَى إِعْطَائِهِ لِغَيْرِهِ؛ وَيُورَثُ عَنْهَا مَهْرُهَا بِوَصْفِهِ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهَا؛ مَعَ مُرَاعَاةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضِمْنِ وَرَثَتِهَا؛ وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (224) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَمْلِكُ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ؛ فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مُعَيَّنًا كَالْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالْمَاشِيَةِ فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ لأَِنَّهُ مِلْكُهَا فَكَانَ لَهَا ذَلِكَ كَسَائِرِ أَمْلاَكِهَا وَنَمَاؤُهُ الْمُتَّصِل وَالْمُنْفَصِل لَهَا وَزَكَاتُهُ وَنَقْصُهُ وَضَمَانُهُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْمِلْكِ؛ إِلاَّ أَنْ يَتْلَفَ الصَّدَاقُ الْمُعَيَّنُ بِفِعْلِهَا فَيَكُونُ إِتْلاَفُهُ قَبْضًا مِنْهَا؛ وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ مَلَكَتْهُ بِالْعَقْدِ؛ وَإِنْ لَمْ يَدْخُل فِي ضَمَانِهَا إِلاَّ بِقَبْضِهِ وَلَمْ تَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فِيهِ إِلاَّ بِقَبْضِهِ كَمَبِيعٍ (225) .

هَلاَكُ الْمَهْرِ وَاسْتِهْلاَكُهُ وَاسْتِحْقَاقُهُ
54 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا هَلَكَ الْمَهْرُ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ أَوِ اسْتَهْلَكَتْهُ بَعْدَ أَنْ قَبَضَتْهُ فَلاَ تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِشَيْءٍ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنَ الْمَهْرِ بَعْدَ دَفْعِهِ إِلَيْهَا.
وَإِذَا اسْتَهْلَكَهُ غَيْرُهَا كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى مَنِ اسْتَهْلَكَهُ؛ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْتَهْلِكُ الزَّوْجَ أَمْ غَيْرَهُ.
وَأَمَّا إِذَا هَلَكَ فِي يَدِ الزَّوْجِ؛ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ قَبْل أَنْ تَقْبِضَهُ الزَّوْجَةُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمِثْلِهِ؛ أَوْ قِيمَتِهِ؛ سَوَاءٌ هَلَكَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ فِعْل الزَّوْجِ.
وَإِذَا اسْتَهْلَكَهُ أَجْنَبِيٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ؛ وَالزَّوْجَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَضْمِينِ الزَّوْجِ وَتَضْمِينِ الأَْجْنَبِيِّ الْمُسْتَهْلِكِ؛ فَإِنْ ضَمِنَتِ الزَّوْجَ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ بِقِيمَةِ مَا اسْتَهْلَكَهُ (226) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَبَضَتِ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ قَبْل الدُّخُول؛ وَهَلَكَ بِيَدِهَا فَضَمَانُهُ مِنْهَا؛ أَمَّا لَوْ كَانَ فَسَادُهُ لِعَقْدِهِ وَكَانَ فِيهِ الْمُسَمَّى؛ وَدَخَل الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ كَانَ ضَمَانُهَا لِلصَّدَاقِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالصَّحِيحِ سَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَوْ كَانَ بِيَدِ الزَّوْجِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الأَْجْهُورِيِّ.
فَالْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَهْرَ إِنْ تَلِفَ فِي يَدِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ؛ وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى هَلاَكِهِ فَخَسَارَتُهُ عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ؛ وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلاَكِهِ فَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجَيْنِ (227) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ: إِنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَصْدَقَ زَوْجَتَهُ عَيْنًا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهَا؛ فَتَلِفَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ قَبْل الْقَبْضِ ضَمِنَهَا ضَمَانَ عَقْدٍ لاَ ضَمَانَ يَدٍ؛ وَقِيل ضَمَانَ يَدٍ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَ ضَمَانَيِ الْعَقْدِ وَالْيَدِ فِي الصَّدَاقِ؛ أَنَّهُ عَلَى الأَْوَّل يَضْمَنُ بِمَهْرِ الْمِثْل؛ وَعَلَى الثَّانِي يَضْمَنُ بِالْبَدَل الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الْمِثْل إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا؛ وَالْقِيمَةُ إِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا (228) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الصَّدَاقُ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا فَوَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا فَلَهَا رَدُّهُ كَالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ؛ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ كَثِيرًا؛ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَحُكِيَ أَنَّهُ لاَ يُرَدُّ بِهِ؛ لأَِنَّهُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ فَرُدَّ بِهِ الصَّدَاقُ كَالْكَثِيرِ؛ وَإِذَا رُدَّ بِهِ فَلَهَا قِيمَتُهُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَنْفَسِخُ بِرَدِّهِ فَيَبْقَى سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ غَصَبَهَا إِيَّاهُ فَأَتْلَفَهُ.
وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مِثْلِيًّا كَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ فَرَدَّتْهُ فَلَهَا عَلَيْهِ مِثْلُهُ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ؛ وَإِنِ اخْتَارَتْ إِمْسَاكَ الْمَعِيبِ وَأَخَذَ أَرْشَهُ فَلَهَا ذَلِكَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ تَظُنُّهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا فَخَرَجَ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا فَلَهَا قِيمَتُهُ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى التَّسْمِيَةِ فَكَانَتْ لَهَا قِيمَتُهُ كَالْمَغْصُوبِ؛ وَلأَِنَّهَا رَضِيَتْ بِقِيمَتِهِ؛ إِذْ ظَنَّتْهُ مَمْلُوكًا فَكَانَ لَهَا قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ وَجَدَتْهُ مَعِيبًا فَرَدَّتْهُ؛ بِخِلاَفِ مَا إِذْا قَال: أَصْدَقْتُكِ هَذَا الْحُرَّ أَوْ هَذَا الْمَغْصُوبَ فَإِنَّهَا رَضِيَتْ بِلاَ شَيْءٍ لِرِضَاهَا بِمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ أَوْ بِمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَمْلِيكِهِ إِيَّاهَا فَكَانَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ كَعَدَمِهَا فَكَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْل.
فَإِنْ أَصْدَقَهَا مِثْلِيًّا فَبَانَ مَغْصُوبًا فَلَهَا مِثْلُهُ لأَِنَّ الْمِثْل أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَلِهَذَا يَضْمَنُ بِهِ فِي الإِْتْلاَفِ (229) .
وَقَالُوا: إِذَا قَبَضَتِ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ وَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ اتَّضَحَ أَنَّ الصَّدَاقَ مَعِيبٌ كَانَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ بَدَلَهُ؛ أَوْ أَرْشَهُ؛ لأَِنَّهَا إِنَّمَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا؛ فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ (230) .
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لاِسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ فَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِحْقَاقٌ ف 33) . الاِخْتِلاَفُ فِي الْمَهْرِ
الاِخْتِلاَفُ فِي الْمَهْرِ أَنْوَاعٌ:
أ - الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْل التَّسْمِيَةِ.
ب - الاِخْتِلاَفُ فِي مِقْدَارِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ
ج - الاِخْتِلاَفُ فِي قَبْضِ شَيْءٍ مِنَ الْمَهْرِ.

أ - الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْل التَّسْمِيَةِ:
55 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَنَّهُ سَمَّى مَهْرًا مَعْلُومًا كَأَلْفِ دِينَارٍ مَثَلاً؛ وَأَنْكَرَ الآْخَرُ حُصُول التَّسْمِيَةِ فَالْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ؛ فَإِنْ أَقَامَ مُدَّعِي التَّسْمِيَةِ الْبَيِّنَةَ قُضِيَ بِالْمُسَمَّى الَّذِي ادَّعَاهُ؛ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِقَامَتِهَا؛ وُجِّهَتِ الْيَمِينُ بِطَلَبِهِ إِلَى مُنْكِرِ التَّسْمِيَةِ؛ فَإِنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ؛ حُكِمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ نُكُولِهِ؛ لأَِنَّهُ بِمَثَابَةِ اعْتِرَافٍ مِنْهُ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي.
وَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُل تَسْمِيَةٌ أَصْلاً؛ رُفِضَتْ دَعْوَى التَّسْمِيَةِ؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا؛ وَحِينَئِذٍ يَحْكُمُ الْقَاضِي بِمَهْرِ الْمِثْل بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ الأَْصْلِيُّ بِعَقْدِ الزَّوَاجِ؛ وَيُشْتَرَطُ أَلاَّ يَنْقُصَ مَهْرُ الْمِثْل عَمَّا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي؛ لِرِضَاهُ بِالْمُسَمَّى الَّذِي ادَّعَاهُ؛ وَأَلاَّ يَزِيدَ عَمَّا ادَّعَتْهُ الزَّوْجَةُ؛ إِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ لِرِضَاهَا بِمَاادَّعَتْ تَسْمِيَتَهُ (231) .
وَهَذَا الْحُكْمُ السَّابِقُ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي حَالَةٍ تَسْتَحِقُّ فِيهَا الزَّوْجَةُ الْمَهْرَ كَامِلاً؛ بِأَنْ كَانَتِ الزَّوْجِيَّةُ الصَّحِيحَةُ قَائِمَةً؛ أَوْ حَصَلَتْ فُرْقَةٌ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ وُجُودِ مَا يُوجِبُ الْمَهْرَ كَامِلاً مِنْ دُخُولٍ حَقِيقِيٍّ أَوْ حُكْمِيٍّ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَعْدَ الْفُرْقَةِ؛ وَقَبْل الدُّخُول حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا - وَثَبَتَتِ التَّسْمِيَةُ بِالْبَيِّنَةِ؛ أَوْ بِالنُّكُول عَنِ الْيَمِينِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ - حَكَمَ الْقَاضِي بِرِفْضِ دَعْوَى التَّسْمِيَةِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا؛ فَالْوَاجِبُ الْمُتْعَةُ (232) لأَِنَّهَا تَجِبُ بَعْدَ الطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول وَالْخَلْوَةِ؛ عِنْدَ عَدَمِ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ فِي الْعَقْدِ؛ وَلأَِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْل؛ عَلَى أَلاَّ تَنْقُصَ عَنْ نِصْفِ مَا سَمَّاهُ الزَّوْجُ؛ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُدَّعِي؛ وَأَلاَّ تَزِيدَ عَلَى نِصْفِ الْمَهْرِ الَّذِي تَدَّعِيهِ الزَّوْجَةُ إِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ.
وَإِنْ كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَوَرَثَةِ الآْخَرِ؛ أَوْ بَيْنَ وَرَثَتِهِمَا؛ فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْحُكْمِ فِي الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ وَهَذَا قَوْل الصَّاحِبَيْنِ.
وَأَمَّا الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فَيُخَالِفُ صَاحِبَيْهِ فِيمَا إِذَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ وَطَال الْعَهْدُ بِمَوْتِ الزَّوْجَيْنِ وَمَوْتِ أَقْرَانِهِمَا؛ وَيَرَى أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِشَيْءٍ إِنْ عَجَزَ وَرَثَةُ الزَّوْجَةِ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُمْ؛ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ مَهْرِ الْمِثْل؛ لِتَقَادُمِ عَهْدِ الْمَوْتِ.
وَإِذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْمِثْل؛ لِعَدَمِ تَقَادُمِ عَهْدِ الْمَوْتِ؛ فَالإِْمَامُ وَصَاحِبَاهُ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْل بَعْدَ الْيَمِينِ (233) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَقَامَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ قُضِيَ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ؛ وَإِنْ لَمْ يُقِمِ الْبَيِّنَةَ كَانَ الْقَوْل قَوْل مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الْعُرْفُ فِي صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ؛ وَعَدَمِهَا مَعَ الْيَمِينِ؛ فَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا تَفْوِيضًا عِنْدَ مُعْتَادِيهِ؛ وَادَّعَتْ هِيَ التَّسْمِيَةَ فَالْقَوْل لِلزَّوْجِ بِيَمِينٍ؛ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُول؛ أَوِ الْمَوْتِ؛ أَوِ الطَّلاَقِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُفْرَضَ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْل بَعْدَ الْبِنَاءِ؛ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الطَّلاَقِ أَوِ الْمَوْتِ قَبْل الدُّخُول بِهَا؛ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَادُ التَّسْمِيَةَ؛ فَالْقَوْل لَهَا بِيَمِينٍ؛ وَثَبَتَ النِّكَاحُ (234) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الزَّوْجَةَ لَوِ ادَّعَتْ تَسْمِيَةً لِقَدْرٍ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ فَأَنْكَرَ زَوْجُهَا بِأَنْ قَال لَمْ تَقَعْ تَسْمِيَةٌ؛ وَلَمْ يَدَّعِ تَفْوِيضًا؛ تَحَالَفَا فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ حَاصِلَهُ الاِخْتِلاَفُ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ؛ لأَِنَّهُ يَقُول: الْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْل؛ وَهِيَ تَدَّعِي زِيَادَةً عَلَيْهِ؛ وَالثَّانِي: يُصَدَّقُ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ؛ لِمُوَافَقَتِهِ لِلأَْصْل؛ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل؛ وَلَوِ ادَّعَى تَسْمِيَةً لِقَدْرٍ أَقَل مِنْ مَهْرِ الْمِثْل فَأَنْكَرَتِ الزَّوْجَةُ ذِكْرَهَا تَحَالَفَا أَيْضًا عَلَى الأَْصَحِّ؛ وَبِالتَّحَالُفِ تَنْتِفِي الدَّعْوَى؛ وَيَبْقَى الْعَقْدُ بِدُونِ تَسْمِيَةٍ؛ وَحِينَئِذٍ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل (235) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ أَوْ وَرَثَتُهُمَا؛ أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَلِيُّ الآْخَرِ أَوْ وَارِثُهُ فِي تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ بِأَنْ قَال: لَمْ نُسَمِّ مَهْرًا؛ وَقَالَتْ: سَمَّى لِي مَهْرَ الْمِثْل؛ فَالْقَوْل قَوْل الزَّوْجِ بِيَمِينِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُ يَدَّعِي مَا يُوَافِقُ الأَْصْل؛ وَهُوَ الصَّوَابُ - كَمَا قَال الْمِرْدَاوِيُّ -؛ وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْل عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ إِنْ وُجِدَ مَا يُقَرِّرُهُ؛ فَإِنْ طَلَّقَ وَلَمْ يَدْخُل بِهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْلُهُ فِي عَدَمِ التَّسْمِيَةِ فَهِيَ مُفَوِّضَةٌ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْل لأَِنَّهُ الْمُسَمَّى لَهَا لِقَبُول قَوْلِهَا فِيهِ (236) .

ب - الاِخْتِلاَفُ فِي مِقْدَارِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى
56 - إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مِقْدَارِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى بِأَنِ ادَّعَتِ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ أَلْفُ دِينَارٍ؛ وَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ: فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: إِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ؛ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ قُضِيَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْل يَشْهَدُ لإِِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ كَانَتْ مَرْجُوحَةً؛ وَالْبَيِّنَةُ الأُْخْرَى رَاجِحَةٌ؛ لأَِنَّ الْبَيِّنَاتِ شُرِعَتْ لإِِثْبَاتِ خِلاَفِ الظَّاهِرِ؛ وَالظَّاهِرُ هُنَا مَهْرُ الْمِثْل؛ فَالْبَيِّنَةُ الَّتِي تُخَالِفُهُ رَاجِحَةٌ.
مِثَال ذَلِكَ: إِذَا أَقَامَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ الْمُسَمَّى خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ؛ وَأَقَامَتِ الزَّوْجَةُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ أَلْفُ دِينَارٍ؛ فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَقَل؛ رَجَحَتْ بَيِّنَتُهَا؛ وَحُكِمَ لَهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ؛ وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفَ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ رَجَحَتْ بَيِّنَتُهُ؛ وَحُكِمَ لَهَا بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ.
وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ مَهْرُ الْمِثْل لإِِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى الزَّوْجُ؛ أَوْ أَقَل مِمَّا ادَّعَتْهُ الزَّوْجَةُ؛ تَهَاتَرَتِ الْبَيِّنَتَانِ؛ وَحُكِمَ بِمَهْرِ الْمِثْل.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ كَانَ الْقَوْل لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَهْرُ الْمِثْل بِيَمِينِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لأَِحَدِهِمَا تَحَالَفَا وَبُدِئَ بِتَحْلِيفِ الزَّوْجِ فَإِنْ نَكَل أَحَدُهُمَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ؛ وَإِنْ حَلَفَا حُكِمَ بِمَهْرِ الْمِثْل.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنَّ الزَّوْجَةَ تَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَالزَّوْجَ يُنْكِرُهَا؛ فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الزَّوْجَةِ؛ وَالْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ.
فَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى دَعْوَاهَا قُضِيَ لَهَا بِهَا؛ وَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ إِقَامَتِهَا وَطَلَبَتْ تَحْلِيفَ الزَّوْجِ وُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ؛ فَإِنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ حُكِمَ لَهَا بِدَعْوَاهَا؛ وَإِنْ حَلَفَ الزَّوْجُ الْيَمِينَ حُكِمَ لَهُ بِالْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَا ادَّعَاهُ أَقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ فَيُحْكَمُ بِمَهْرِ الْمِثْل (237) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْمَهْرِ كَأَنْ يَقُول الزَّوْجُ: عَشَرَةٌ وَتَقُول هِيَ: بَل خَمْسَةَ عَشَرَ؛ أَوْ فِي صِفَتِهِ بِأَنْ قَالَتْ: بِدَنَانِيرَ مُحَمَّدِيَّةٍ؛ وَقَال: بَل يَزِيدِيَّةٌ؛ وَكَانَ اخْتِلاَفُهُمَا قَبْل الْبِنَاءِ، فَالْقَوْل لِمُدَّعِي الأَْشْبَهِ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَل حَلَفَ الآْخَرُ وَثَبَتَ النِّكَاحُ وَلاَ فَسْخَ.
وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ أَشْبَهَا مَعًا حَلَفَا إِنْ كَانَا رَشِيدَيْنِ، وَإِلاَّ فَوَلِيُّ غَيْرِ الرَّشِيدِ كُلٌّ عَلَى طِبْقِ دَعْوَاهُ، وَنَفِي دَعْوَى الآْخَرِ، وَفَسْخُ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا، وَبَدَأَتِ الزَّوْجَةُ بِالْحَلِفِ لأَِنَّهَا كَالْبَائِعِ وَقُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِل.
وَفَسْخُ النِّكَاحِ إِنِ اخْتَلَفَا فِي الْجِنْسِ قَبْل الْبِنَاءِ، كَذَهَبٍ وَثَوْبٍ وَفَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ مُطْلَقًا أَشْبَهَا مَعًا أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ لَمْ يُشْبِهَا، إِنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِقَوْل الآْخَرِ، وَإِلاَّ فَلاَ فَسْخَ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْل لِلزَّوْجِ بِيَمِينٍ، فَإِنْ نَكَل حَلَفَتْ وَكَانَ الْقَوْل لَهَا فِي الْقَدْرِ أَوِ الصِّفَةِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ، كَمَا لَوْ أَشْبَهَ بِالأُْولَى، كَالطَّلاَقِ وَالْمَوْتِ، أَيْ: كَمَا أَنَّ الْقَوْل لِلزَّوْجِ بِيَمِينٍ إِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ أَوِ الصِّفَةِ قَبْل الْبِنَاءِ بَعْدَ الطَّلاَقِ وَالْمَوْتِ أَشْبَهَ أَوْ لَمْ يُشْبِهْ، فَلاَ يُرَاعَى الشَّبَهُ وَعَدَمُهُ إِلاَّ قَبْل الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ طَلاَقٍ وَمَوْتٍ
فَإِنْ نَكَل الزَّوْجُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِل حَلَفَتِ الزَّوْجَةُ وَكَانَ الْقَوْل لَهَا فِيمَا إِذَا تَنَازَعَا بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَ الطَّلاَقِ (238) ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ مَهْرٍ مُسَمًّى كَأَنْ قَالَتْ نَكَحْتَنِي بِأَلْفٍ، فَقَال بِخَمْسِمِائَةٍ، أَوْ فِي صِفَتِهِ كَأَنْ قَالَتْ بِأَلْفٍ صَحِيحَةٍ فَقَال بَل مُكَسَّرَةٍ تَحَالَفَا، فَتَحْلِفُ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ مَا نَكَحَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ وَإِنَّمَا نَكَحَهَا بِأَلْفٍ وَيَحْلِفُ الزَّوْجُ أَنَّهُ مَا نَكَحَهَا بِأَلْفٍ وَإِنَّمَا نَكَحَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَيَتَحَالَفُ وَارِثَاهُمَا وَوَارِثٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَالآْخَرُ إِذَا اخْتَلَفَا فِيمَا ذُكِرَ وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ فِي طَرَفِ النَّفْيِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَفِي طَرَفِ الإِْثْبَاتِ عَلَى الْبَتِّ، فَيَقُول وَارِثُ الزَّوْجِ: وَاللَّهِ لاَ أَعْلَمُ أَنَّ مُوَرِّثِي نَكَحَهَا بِأَلْفٍ إِنَّمَا نَكَحَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَيَقُول وَارِثُ الزَّوْجَةِ: وَاللَّهِ لاَ أَعْلَمُ أَنَّهُ نَكَحَ مُوَرِّثَتِي بِخَمْسِمِائَةٍ إِنَّمَا نَكَحَهَا بِأَلْفٍ، ثُمَّ بَعْدَ التَّحَالُفِ يُفْسَخُ الْمَهْرُ، وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ زَادَ عَلَى مَا ادَّعَتْهُ الزَّوْجَةُ.
وَقِيل: لَيْسَ لَهَا فِي ذَلِكَ إِلاَّ مَا ادَّعَتْهُ، وَلَوِ ادَّعَتْ تَسْمِيَةً لِقَدْرٍ فَأَنْكَرَهَا، وَالْمُسَمَّى أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ الْمِثْل تَحَالَفَا فِي الأَْصَحِّ لِرُجُوعِ ذَلِكَ إِلَى الاِخْتِلاَفِ فِي الْقَدْرِ، لأَِنَّهُ يَقُول: الْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْل وَهِيَ تَدَّعِي زِيَادَةً عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: لاَ تَحَالُفَ، وَالْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ لِمُوَافَقَتِهِ لِلأَْصْل، وَلَوِ ادَّعَى تَسْمِيَةً فَأَنْكَرَتْهَا وَالْمُسَمَّى أَقَل مِنْ مَهْرِ الْمِثْل فَالْقِيَاسُ كَمَا قَال الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ مَجِيءُ الْوَجْهَيْنِ (239) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ فَالْقَوْل قَوْل الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ الْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْل مِنْهُمَا، وَعَنْهُ: يَتَحَالَفَانِ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ بِأَنَّ الْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْل مِنْهُمَا لَوِ ادَّعَى أَقَل مِنْهُ وَادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ رُدَّتْ إِلَيْهِ بِلاَ يَمِينٍ عِنْدَ الْقَاضِي فِي الأَْحْوَال كُلِّهَا
وَقِيل: يَجِبُ الْيَمِينُ فِي الأَْحْوَال كُلِّهَا
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوِ اخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ، وَكَذَا لَوِ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَوَلِيُّ الزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ فِي قَدْرِهِ (240)

ج - الاِخْتِلاَفُ فِي قَبْضِ جُزْءٍ مِنَ الْمَهْرِ
57 - إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَبْضِ مُعَجَّل الْمَهْرِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ الدُّخُول الْحَقِيقِيِّ فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ يَجْرِي فِي الْبَلَدِ الَّذِي حَصَل فِيهِ الزَّوَاجُ بِتَقْدِيمِ مُعَجَّل الْمَهْرِ إِلَى الزَّوْجَةِ قَبْل أَنْ تُزَفَّ إِلَى زَوْجِهَا فَلاَ تُصَدَّقُ الزَّوْجَةُ فِي إِنْكَارِهَا لأَِنَّ الْعُرْفَ يَقُومُ هُنَا مَقَامَ الْبَيِّنَةِ لِلزَّوْجِ فَتَثْبُتُ دَعْوَاهُ بِالْعُرْفِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى إِثْبَاتٍ آخَرَ. هَذَا هُوَ قَوْل الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَقَدْ أَخَذَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَخَالَفَهُ فِيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الْعَادَةَ لاَ تُثْبِتُ بَرَاءَةَ ذِمَّةِ الزَّوْجِ بَل تَجْعَل الظَّاهِرَ مَعَهُ فَقَطْ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُطَالِبَهُ بِكُل مَا عَلَيْهِ وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ أَوْفَاهَا مَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ أَوْ يَحْلِفَ الْيَمِينَ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عُرْفٌ يَقْضِي بِدَفْعِ مُعَجَّل الصَّدَاقِ قَبْل الدُّخُول بِهَا كَانَ الْحُكْمُ مَبْنَاهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (241) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي قَبْضِ مَا حَل مِنَ الصَّدَاقِ فَقَال الزَّوْجُ: دَفَعْتُهُ لَكِ وَقَالَتْ: لَمْ تَدْفَعْهُ بَل هُوَ بَاقٍ عِنْدَكَ فَقَبْل الْبِنَاءِ الْقَوْل قَوْلُهَا وَإِنْ كَانَ التَّنَازُعُ بَعْدَهُ فَالْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينٍ لَكِنْ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
الأَْوَّل: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعُرْفُ تَأْخِيرَ مَا حَل مِنَ الصَّدَاقِ بِأَنْ كَانَ عُرْفُهُمْ تَقْدِيمَهُ أَوْ لاَ عُرْفَ لَهُمْ فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ تَأْخِيرَهُ فَلاَ يَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ بَل قَوْلُهَا
الثَّانِي: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَهْنٌ وَإِلاَّ فَالْقَوْل لَهَا لاَ لَهُ.
الثَّالِثُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الصَّدَاقُ مَكْتُوبًا بِكِتَابٍ أَيْ وَثِيقَةٍ وَإِلاَّ فَالْقَوْل لَهَا.
الرَّابِعُ: إِنِ ادَّعَى بَعْدَ الْبِنَاءِ دَفْعَهُ لَهَا قَبْل الْبِنَاءِ فَإِنِ ادَّعَى دَفْعَهُ بَعْدَهُ فَقَوْلُهَا وَعَلَيْهِ الْبَيَانُ
وَأَمَّا التَّنَازُعُ فِي مُؤَجَّل الصَّدَاقِ فَالْقَوْل لَهَا كَسَائِرِ الدُّيُونِ مِنْ أَنَّ مَنِ ادَّعَى الدَّفْعَ فَلاَ يُبْرِئُهُ إِلاَّ الْبَيِّنَةُ أَوِ اعْتِرَافٌ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ (242)
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ فَلاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا قَبْل الدُّخُول وَبَعْدَهُ فَقَالُوا: إِنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَنْكَرَ صَدَاقَ امْرَأَتِهِ وَادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَالْقَوْل قَوْلُهَا فِيمَا يُوَافِقُ مَهْرَ الْمِثْل سَوَاءٌ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ وَفَّى لَهَا أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ أَوْ قَال: لاَ تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْل الدُّخُول أَوْ بَعْدَهُ وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ (243)
وَالاِخْتِلاَفُ بَيْنَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَوَرَثَةِ الآْخَرِ أَوْ بَيْنَ وَرَثَتِهِمَا كَاخْتِلاَفٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَال حَيَاتِهِمَا

د - مَهْرُ السِّرِّ وَمَهْرُ الْعَلَنِ
58 - قَال الْحَنَفِيَّةُ إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ سِرًّا عَلَى مَهْرٍ قَبْل الْعَقْدِ ثُمَّ تَعَاقَدَا عَلَنًا عَلَى مَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْعَقْدِ لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ فَالْوَاجِبُ هُوَ مَهْرُ السِّرِّ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا: فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى مَهْرِ السِّرِّ وَأَنْكَرَتِ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ فَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ وَجَبَ مَهْرُ السِّرِّ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَالْقَوْل قَوْل الزَّوْجَةِ وَوَجَبَ مَهْرُ الْعَلاَنِيَةِ لأَِنَّهُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَهْرِ كَأَنْ سَمَّى فِي الْعَقْدِ عَلاَنِيَةً بَيْتًا لِيَكُونَ مَهْرًا لِلزَّوْجَةِ وَكَانَ قَدْ سَمَّى سِرًّا أَلْفَ دِينَارٍ مَهْرًا فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ مَهْرَ الْعَلَنِ لِلسُّمْعَةِ وَأَنَّهُمَا قَدْ تَوَاضَعَا سِرًّا عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ فَالْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْل لأَِنَّ مَهْرَ الْمِثْل لَمْ يُذْكَرْ عِنْدَ الْعَقْدِ وَكَذَا مَهْرُ الْعَلَنِ لَمْ يُتَّفَقْ عَلَيْهِ فَيُرْجَعُ إِلَى الأَْصْل وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْل وَإِنِ اخْتَلَفَا فَقَال الزَّوْجُ: اتَّفَقْنَا عَلَى مَهْرِ السِّرِّ وَأَنْكَرَتِ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ فَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ وَجَبَ مَهْرُ السِّرِّ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِقَامَتِهَا وَجَبَ مَهْرُ الْعَلَنِ لِذِكْرِهِ فِي الْعَقْدِ
وَأَمَّا إِذَا تَمَّ الْعَقْدُ سِرًّا عَلَى مَهْرٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ تَعَاقَدَا ثَانِيَةً عَلاَنِيَةً عَلَى مَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فَإِنِ اتَّفَقَا أَوْ أَشْهَدَا أَنَّ الزِّيَادَةَ لِلسُّمْعَةِ فَالْمَهْرُ مَا ذُكِرَ عِنْدَ الْعَقْدِ فِي السِّرِّ وَإِنِ اخْتَلَفَا وَلَمْ يَشْهَدَا: فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَكَذَا مُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا أَنَّ الْمَهْرَ الْوَاجِبَ هُوَمَهْرُ الْعَلاَنِيَةِ لأَِنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي وَهُوَ الظَّاهِرُ وَرَجَّحَ ابْنُ الْهَمَّامِ هَذَا الرَّأْيَ وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْمَهْرَ الْوَاجِبَ هُوَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ سِرًّا لأَِنَّهُ مَقْصِدُ الْعَاقِدَيْنِ وَمَا جَاءَ يُعْتَبَرُ لَغْوًا مَا دَامَ لاَ يُقْصَدُ بِهِ نَقْضُ الأَْوَّلِ، وَرُوِيَ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ غَيْرُ ذَلِكَ (244) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى صَدَاقٍ بَيْنَهُمَا فِي السِّرِّ وَأَظْهَرَا فِي الْعَلاَنِيَةِ صَدَاقًا يُخَالِفُهُ قَدْرًا أَوْ صِفَةً أَوْ جِنْسًا فَإِنَّ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ وَالْمُعْتَبَرَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي السِّرِّ سَوَاءٌ كَانَ شُهُودُ السِّرِّ هُمْ شُهُودُ الْعَلاَنِيَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ خِلاَفًا لأَِبِي حَفْصِ بْنِ الْعَطَارِ مِنْ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ إِعْلاَمِ بَيِّنَةِ السِّرِّ بِمَا وَقَعَ فِي الْعَلاَنِيَةِ كَمَا فِي نَقْل الْمَوَّاقِ عَنْهُ فَإِنْ تَنَازَعَا وَادَّعَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُل أَنَّهُمَا رَجَعَا عَمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي السِّرِّ إِلَى مَا أَظْهَرَاهُ فِي الْعَلاَنِيَةِ وَأَكْذَبَهَا الزَّوْجُ كَانَ لَهَا أَنْ تُحَلِّفَهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ حَلَفَ عُمِل بِصَدَاقِ السِّرِّ وَإِنْ نَكَل عُمِل بِصَدَاقِ الْعَلاَنِيَةِ بَعْدَ حَلِفِهَا عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا نَقَلَهُ الْبُنَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَاشِرٍ وَمَحَل حَلِفِ الزَّوْجِ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ صَدَاقَ الْعَلاَنِيَةِ لاَ أَصْل لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ ظَاهِرِيٌّ وَالْمُعْتَبَرُ إِنَّمَا هُوَ صَدَاقُ السِّرِّ وَإِلاَّ عُمِل بِصَدَاقِ السِّرِّ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفِهِ (245)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ تَوَافَقَ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ أَوِ الزَّوْجَةُ إِذَا كَانَتْ بَالِغَةً عَلَى مَهْرٍ كَانَ سِرًّا كَمِائَةٍ وَأَعْلَنُوا زِيَادَةً كَمِائَتَيْنِ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ مَا عُقِدَ بِهِ اعْتِبَارًا بِالْعَقْدِ لأَِنَّ الصَّدَاقَ يَجِبُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ بِالأَْقَل أَمْ بِالأَْكْثَرِ (246)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَرَّرَ الْعَقْدَ عَلَى صَدَاقَيْنِ سِرٍّ وَعَلاَنِيَةٍ بِأَنْ عَقَدَ سِرًّا عَلَى صَدَاقٍ وَعَلاَنِيَةً عَلَى صَدَاقٍ آخَرَ أُخِذَ بِالزَّائِدِ سَوَاءٌ كَانَ صَدَاقَ السِّرِّ أَوِ الْعَلاَنِيَةِ لِلُحُوقِ الزِّيَادَةِ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ
وَإِنْ قَال الزَّوْجُ هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ فَلاَ يَلْزَمُنِي إِلاَّ مَهْرٌ وَاحِدٌ وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ بَل عَقْدَانِ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ فَالْقَوْل قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّانِيَ عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالأَْوَّل وَلَهَا الْمَهْرُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي إِنْ كَانَ دَخَل بِهَا وَنِصْفُهُ فِي الْعَقْدِ الأَْوَّل إِنِ ادَّعَى سُقُوطَ نِصْفِهِ بِالطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ لُزُومِهِ لَهُ، وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إِنْكَارِ جَرَيَانِ عَقْدَيْنِ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ سُئِلَتْ فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهُ دَخَل بِهَا فِي النِّكَاحِ الأَْوَّل ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلاَقًا بَائِنًا ثُمَّ نَكَحَهَا نِكَاحًا ثَانِيًا حَلَفَتْ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَحَقَّتْ مَا ادَّعَتْهُ وَإِنْ أَقَرَّتْ بِمَا يُسْقِطُ نِصْفَ الْمَهْرِ أَوْ جَمِيعَهُ لَزِمَهَا مَا أَقَرَّتْ بِهِ.
وَلَوِ اتَّفَقَا قَبْل الْعَقْدِ عَلَى مَهْرٍ وَعَقَدَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ أُخِذَ بِمَا عُقِدَ بِهِ لأَِنَّهَا تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ فَوَجَبَتْ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا اتِّفَاقٌ عَلَى خِلاَفِهَا وَكَعَقْدِ النِّكَاحِ هَزْلاً وَتَلْجِئَةً بِخِلاَفِ الْبَيْعِ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَفِيَ بِمَا وَعَدَتْ بِهِ وَشَرَطَتْهُ مِنْ أَنَّهَا لاَ تَأْخُذُ إِلاَّ مَهْرَ السِّرِّ لِكَيْلاَ يَحْصُل مِنْهَا غُرُورٌ (247) وَلِحَدِيثِ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ. (248)

هـ - اخْتِلاَفُ الزَّوْجَيْنِ فِي الْمَقْبُوضِ
59 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ بَعَثَ إِلَى امْرَأَتِهِ شَيْئًا مِنَ النَّقْدَيْنِ أَوِ الْعُرُوضِ أَوْ مِمَّا يُؤْكَل قَبْل الزِّفَافِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ جِهَةَ الدَّفْعِ - مَهْرًا أَوْ غَيْرَهُ - فَقَالَتْ: هُوَ هَدِيَّةٌ وَقَال: هُوَ مِنَ الْمَهْرِ أَوْ مِنَ الْكِسْوَةِ أَوْ عَارِيَةٌ فَالْقَوْل لَهُ بِيَمِينِهِ وَالْبَيِّنَةُ لَهَا أَيْ إِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهَا فَإِنْ حَلَفَ وَالْمَبْعُوثُ قَائِمٌ فَلَهَا أَنْ تَرُدَّهُ لأَِنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِهِ مَهْرًا وَتَرْجِعَ بِبَاقِي الْمَهْرِ وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُهَيَّأِ لِلأَْكْل كَثِيَابٍ وَشَاةٍ حَيَّةٍ وَسَمْنٍ وَعَسَلٍ وَمَا يَبْقَى شَهْرًا وَالْقَوْل لَهَا فِي الْمُهَيَّأِ لِلأَْكْل كَخُبْزٍ وَلَحْمٍ مَشْوِيٍّ لأَِنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ (249) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَعْطَاهَا مَالاً فَقَالَتْ: أَعْطَيْتَهُ لِي هَدِيَّةً وَقَال: بَل صَدَاقًا فَالْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُعْطَى مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لأَِنَّهُ أَعْرَفُ بِكَيْفِيَّةِ إِزَالَةِ مِلْكِهِ فَإِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ: وَقَعَ عَنْهُ وَإِلاَّ فَإِنْ رَضِيَا بِبَيْعِهِ بِالصَّدَاقِ فَذَاكَ وَإِلاَّ اسْتَرَدَّهُ وَأَدَّى لَهَا الصَّدَاقَ فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلَهُ الْبَدَل عَلَيْهَا (250)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ دَفَعَ الزَّوْجُ إِلَى زَوْجَتِهِ أَلْفًا أَوْ دَفَعَ إِلَيْهَا عَرَضًا فَقَال: دَفَعْتُهُ صَدَاقًا وَقَالَتْ: هِبَةً فَالْقَوْل قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لأَِنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ وَمِثْلُهُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ لَكِنْ إِذَا كَانَ مَا دَفَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَلَهَا رَدُّهُ وَمُطَالَبَتُهُ بِصَدَاقِهَا الْوَاجِبِ لأَِنَّهُ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الْمُعَارَضَةِ بِلاَ بَيِّنَةٍ (251) .

الْجِهَازُ وَمَتَاعُ الْبَيْتِ:
60 - الْمَهْرُ حَقٌّ خَالِصٌ لِلزَّوْجَةِ تَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ تَشَاءُ فَلَيْسَ عَلَيْهَا إِعْدَادُ الْبَيْتِ حَيْثُ لاَ يُوجَدُ نَصٌّ مِنْ مَصَادِرِ الشَّرِيعَةِ يُوجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ أَنْ تُجَهِّزَ بَيْتَ الزَّوْجِيَّةِ كَمَا أَنَّهُ لاَ يُوجَدُ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْجِهَازَ وَاجِبٌ عَلَى أَبِيهَا وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا قَامَتْ بِالْجِهَازِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْ أَثَاثٍ وَأَدَوَاتٍ فَهِيَ مُتَبَرِّعَةٌ.
وَإِعْدَادُ الْبَيْتِ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِكُل مَا يَلْزَمُ لإِِعْدَادِ مَسْكَنِ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ فَرْشٍ وَمَتَاعٍ وَأَدَوَاتٍ مَنْزِلِيَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْبَيْتُ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ لِلزَّوْجَةِ
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الصَّدَاقُ كُلُّهُ مِلْكٌ لِلْمَرْأَةِ وَلاَ يَبْقَى لِلرَّجُل فِيهِ شَيْءٌ (252)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا زَادَ الزَّوْجُ فِي الْمَهْرِ عَلَى مَهْرِ الْمِثْل - وَيَقْصِدُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ أَنْ تَقُومَ الزَّوْجَةُ بِإِعْدَادِ الْجِهَازِ - دُونَ أَنْ يَفْصِل الزِّيَادَةَ عَنِ الْمَهْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهَا مَعَ هَذَا تَجْهِيزُ نَفْسِهَا بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ لأَِنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ خَالِصٌ لِلزَّوْجَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا لاَ فِي مُقَابِل مَا تُزَفُّ بِهِ إِلَيْهِ مِنْ جِهَازٍ.
أَمَّا إِذَا دَفَعَ لِزَوْجَتِهِ مَالاً فَوْقَ مَهْرِهَا نَظِيرَ إِعْدَادِ الْجِهَازِ فَتَكُونُ الزَّوْجَةُ مُلْزَمَةً بِالْجِهَازِ فِي حُدُودِ مَا دَفَعَهُ زِيَادَةً عَلَى الْمَهْرِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بِالْجِهَازِ كَانَ لَهُ الْحَقُّ فِي اسْتِرْدَادِ مَا أَعْطَى وَإِذَا سَكَتَ الزَّوْجُ بَعْدَ الزِّفَافِ عَنِ الْمُطَالَبَةِ مُدَّةً تَدُل عَلَى رِضَاهُ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ وَلاَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ (253)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ حَقًّا خَالِصًا لِلزَّوْجَةِ وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا وَلاَ تَقْضِيَ مِنْهُ دَيْنًا عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ لِلْمُحْتَاجَةِ أَنْ تُنْفِقَ مِنْهُ وَتَكْتَسِيَ بِالشَّيْءِ الْقَلِيل بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْ تَقْضِيَ مِنْهُ الدَّيْنَ الْقَلِيل كَالدِّينَارِ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ كَثِيرًا لأَِنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَتَجَهَّزَ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي جِهَازِ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ بِمَا قَبَضَتْهُ مِنَ الْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول إِنْ كَانَ حَالًّا وَلاَ يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَجَهَّزَ بِأَزْيَدَ مِنْهُ فَإِنْ دَخَل بِهَا قَبْل الْقَبْضِ فَلاَ يَلْزَمُهَا التَّجْهِيزُ إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ شَرْطٌ أَوْ عُرْفٌ فَيُتَّبَعُ.
وَعَلَى هَذَا فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِهَازِ زَوْجَتِهِ مَا دَامَ الاِنْتِفَاعُ فِي حُدُودِ الْمُتَعَارَفِ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ (254)

الْمَهْرُ حَال مَرَضِ الْمَوْتِ
61 - فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ وَكَانَ مَدِينًا وَبَيْنَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ وَكَانَ غَيْرَ مَدِينٍ.
الْحَالَةُ الأُْولَى: إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ مَدِينًا: فَإِنْ تَزَوَّجَ بِمَهْرِ الْمِثْل جَازَ وَتُحَاصِصِ الزَّوْجَةُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ فِي مَهْرِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَقَدَهَا إِيَّاهُ فِي حَيَاتِهِ فَيُقْسَمُ الْمَال عَلَيْهَا وَعَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ (255) وَذَلِكَ لأَِنَّ مَهْرَهَا دَيْنٌ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا فَيَكُونُ مُسَاوِيًا لِدَيْنِ الصِّحَّةِ وَذَلِكَ لِوُجُوبِهِ بِأَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ لاَ مَرَدَّ لَهَا (256) حَيْثُ إِنَّ النِّكَاحَ لَمَّا جَازَ فِي الْمَرَضِ وَهُوَ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِالْمَهْرِ كَانَ وُجُوبُ الْمَهْرِ ظَاهِرًا مَعْلُومًا لِظُهُورِ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَهُوَ النِّكَاحُ فَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُهُ مُحْتَمَلاً فَيَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ ضَرُورَةً (257) .
أَمَّا إِذَا نَقَدَهَا مَهْرَهَا قَبْل مَوْتِهِ فَلاَ يُسَلَّمُ لَهَا الْمَنْقُودُ بَل يَتْبَعُهَا وَيُشَارِكُهَا فِيهِ غُرَمَاؤُهُ فِي حَال الصِّحَّةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَتَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ وَذَلِكَ لأَِنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ وَلَوْ سُلِّمَ لَهَا كُل مَهْرِهَا الْمَنْقُودِ لَبَطَل حَقُّ الْغُرَمَاءِ الْبَاقِينَ فِي عَيْنِ الْمَال وَفِي مَالِيَّتِهِ لأَِنَّ مَا وَصَل إِلَيْهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لاَ يَصْلُحُ لِقَضَاءِ حُقُوقِهِمْ فَصَارَ وُجُودُ هَذَا الْعِوَضِ فِي حَقِّهِمْ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَ إِبْطَالاً لِحَقِّهِمْ وَلَيْسَتْ لَهُ وِلاَيَةُ الإِْبْطَال.
وَلأَِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْ مِلْكِهِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي تَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ فَالْمَهْرُ بَدَلٌ عَنْ مِلْكِ النِّكَاحِ وَمِلْكُ النِّكَاحِ لاَ يَحْتَمِل تَعَلُّقَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ لأَِنَّهُ مَنْفَعَةٌ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَضَى دَيْنَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ فَلِبَقِيَّتِهِمْ أَنْ يُشَارِكُوهُ فَكَذَا هَذَا (258) .
أَمَّا إِذَا زَادَ الْمَرِيضُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْل فَقَدْ قَال الإِْمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ الزِّيَادَاتِ: يُقَدَّمُ دَيْنُ الصِّحَّةِ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا (259)
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَرِيضُ مَدِينًا: وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اعْتَبَرُوا الزَّوَاجَ جَائِزًا مِنْ رَأْسِ الْمَال إِذَا كَانَ بِمَهْرِ الْمِثْل لأَِنَّهُ صَرْفٌ لِمَالِهِ فِي حَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ فَيُقَدَّمُ بِذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ.
وَإِنَّمَا قُيِّدَ التَّزَوُّجُ بِمَهْرِ الْمِثْل لأَِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ مُحَابَاةٌ (260) وَهِيَ بَاطِلَةٌ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ لأَِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ لِلزَّوْجَةِ الْوَارِثَةِ وَالْوَصِيَّةُ لاَ تَجُوزُ لِوَارِثٍ إِلاَّ أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا (261) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ النِّكَاحِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حَيْثُ جَاءَ فِي الأُْمِّ: وَيَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَنْكِحَ جَمِيعَ مَا أَحَل اللَّهُ تَعَالَى، أَرْبَعًا وَمَا دُونَهُنَّ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ (262) لَكِنَّهُمْ فَرَّقُوا فِيمَا يَثْبُتُ لِلزَّوْجَةِ مِنَ الْمَهْرِ بَيْنَ مَوْتِ الزَّوْجَةِ وَمَوْتِ الزَّوْجِ.
فَإِذَا مَاتَتِ الزَّوْجَةُ كَانَ لَهَا جَمِيعُ مَا أَصْدَقَهَا بِهِ، صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَال وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِنَ الثُّلُثِ كَمَا إِذَا وَهَبَ لأَِجْنَبِيَّةٍ فَقَبَضَتْهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ. أَمَّا إِذَا مَاتَ الزَّوْجُ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مِنْ أَهْل الْمِيرَاثِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَبَيْنَ مَا إِذَا لَمْ تَكُنْ:
أ - فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْل الْمِيرَاثِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَيُنْظَرُ: إِنْ كَانَ أَصْدَقَهَا بِصَدَاقِ الْمِثْل جَازَ لَهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَال وَإِنْ زَادَ عَلَى صَدَاقِ الْمِثْل فَالزِّيَادَةُ مُحَابَاةٌ.
فَإِنْ صَحَّ قَبْل أَنْ يَمُوتَ جَازَ لَهَا مَعَ الزِّيَادَةِ مِنْ جَمِيعِ الْمَال لأَِنَّهُ لَمَّا صَحَّ قَبْل مَوْتِهِ كَانَ كَمَنِ ابْتَدَأَ نِكَاحًا وَهُوَ صَحِيحٌ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْل أَنْ يَصِحَّ بَطَلَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا وَثَبَتَ النِّكَاحُ وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ.
ب - أَمَّا إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يَرِثُ كَذِمِّيَّةٍ وَأَمَةٍ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ عِنْدَهُ جَازَ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَال وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّهَا غَيْرُ وَارِثٍ وَلَوْ أَسْلَمَتِ الذِّمِّيَّةُ قَبْل مَوْتِهِ أَوْ عَتَقَتِ الأَْمَةُ قَبْلَهُ فَصَارَتْ وَارِثًا بَطَل عَنْهَا مَا زَادَ عَلَى صَدَاقِ الْمِثْل (263) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا تَزَوَّجَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ بِمَهْرٍ يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْل فَفِي الْمُحَابَاةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ لأَِنَّهَا عَطِيَّةٌ لِوَارِثِ وَالثَّانِيَةُ: تَنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ. قَال ابْنُ رَجَبٍ: وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُهُ أَنَّ الإِْرْثَ الْمُقَارِنَ لِلْعَطِيَّةِ لاَ يَمْنَعُ نُفُوذَهَا كَمَا يُحْتَمَل أَنْ يُقَال: إِنَّ الزَّوْجَةَ مَلَكَتْهَا فِي حَال مَلَكَ الزَّوْجُ الْبُضْعَ، وَثُبُوتُ الإِْرْثِ مُتَرَتِّبٌ عَلَى ذَلِكَ (264)
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ صَحِيحَةً وَبَيْنَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ الصَّحِيحُ مَرِيضَةً وَبَيْنَ مَا إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ مَرِيضَةً مِثْلَهُ.
الْحَالَةُ الأُْولَى: إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ صَحِيحَةً فَقَدْ فَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَوْتِهِ قَبْل الْفَسْخِ وَبَيْنَ مَوْتِهِ بَعْدَهُ فَإِنْ مَاتَ قَبْل فَسْخِهِ فَلَهَا الأَْقَل مِنَ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى وَصَدَاقُ الْمِثْل مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ سَوَاءٌ دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل (265) .
أَمَّا إِذَا مَاتَ بَعْدَ فَسْخِهِ فَيُنْظَرُ: إِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْل مَوْتِهِ وَقَبْل الدُّخُول فَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ (266) وَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْل مَوْتِهِ وَبَعْدَ الدُّخُول كَانَ لَهَا الْمُسَمَّى تَأْخُذُهُ مِنْ ثُلُثِهِ مُبَدَّأً (267) إِنْ مَاتَ وَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ صَحَّ (268) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا تَزَوَّجَتِ الْمَرِيضَةُ صَحِيحًا فَلَهَا مَهْرُهَا الْمُسَمَّى مِنْ رَأْسِ الْمَال سَوَاءٌ زَادَ عَلَى صَدَاقِ الْمِثْل أَمْ لاَ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا وَمِثْل الدُّخُول مَوْتُهُ أَوْ مَوْتُهَا قَبْل الْفَسْخِ وَالدُّخُول (269) .
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ مَرِيضَةً مِثْلَهُ: فَيَغْلِبُ جَانِبُ الزَّوْجِ وَيَكُونُ حُكْمُ الْمَهْرِ فِيهَا حُكْمَ مَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ فَقَطْ هُوَ الْمَرِيضُ (270)
__________
(1) المصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(2) مغني المحتاج 3 / 220، وانظر العناية بهامش فتح القدير 2 / 434 ط الأميرية، والشرح الصغير 2 / 428.
(3) المغني 6 / 679 ط الرياض.
(4) المعجم الوسيط.
(5) الدر المختار 2 / 643 - 644 ط بولاق.
(6) العناية بهامش فتح القدير 2 / 434، 3 / 321.
(7) سورة النساء / 24.
(8) فتح القدير 2 / 434 ط بولاق (الأميرية) .
(9) الهداية وشروحها 2 / 434 ط بولاق، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 2 / 428، ومغني المحتاج 3 / 220، وروضة الطالبين 7 / 249، والمغني 6 / 712، ومطالب أولي النهى 5 / 174.
(10) سورة البقرة / 236.
(11) العناية 2 / 434.
(12) حديث: " قضى رسول الله ﷺ في بِروع بنت واشق. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 450 ط الحلبي) والنسائي (6 / 121 ط التجارية الكبرى) واللفظ للترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(13) المغني 6 / 712.
(14) مغني المحتاج 3 / 220، ومطالب أولي النهى 5 / 174.
(15) العناية شرح الهداية 2 / 434، والمغني 6 / 712، وروضة الطالبين 7 / 280 - 281.
(16) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 2 / 428، وحاشية الدسوقي 2 / 294.
(17) بدائع الصنائع 2 / 275.
(18) مطالب أولي النهى 5 / 173.
(19) روضة الطالبين 7 / 286.
(20) حديث ابن مسعود: " لها مثل نسائها. . . ". سبق تخريجه ف 3.
(21) الهداية وشروحها 2 / 470 - 471 ط بولاق، والمغني 6 / 723.
(22) الهداية وشروحها 2 / 471، وبدائع الصنائع 2 / 278.
(23) عقد الجواهر الثمينة 2 / 115، والقوانين الفقهية ص 207 ط دار الكتاب العربي
(24) كفاية الطالب الرباني شرح الرسالة 2 / 49 - 50 ط دار المعرفة.
(25) مغني المحتاج 3 / 232، 233، وروضة الطالبين 7 / 286، 287.
(26) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 365 ط دار الكتب العلمية، ومغني المحتاج 3 / 233.
(27) كشاف القناع 5 / 159.
(28) شرح منتهى الإرادات 3 / 82، وانظر كشاف القناع 5 / 159 - 160.
(29) فتح القدير 2 / 471 ط بولاق.
(30) الشرح الصغير 2 / 428.
(31) مغني المحتاج 2 / 220.
(32) المغني لابن قدامة 6 / 682.
(33) تحفة الفقهاء 2 / 136، 138.
(34) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه 2 / 448، وحاشية الدسوقي 2 / 309، ومغني المحتاج 3 / 220، وتخريج الفروع على الأصول 227، والمغني لابن قدامة 6 / 682.
(35) الإنصاف 8 / 229 - 230.
(36) روضة الطالبين 7 / 304، 305، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 101، والمغني 6 / 683 - 684.
(37) المراجع السابقة.
(38) عقد الجواهر الثمينة 2 / 100، والمغني 6 / 683 - 684.
(39) عقد الجواهر الثمينة 2 / 100.
(40) المغني 6 / 683.
(41) عقد الجواهر الثمينة 2 / 101.
(42) بدائع الصنائع 2 / 279.
(43) الفتاوى الهندية 1 / 302، وبدائع الصنائع 2 / 278، وتحفة الفقهاء 2 / 137.
(44) بدائع الصنائع 2 / 278.
(45) تحفة الفقهاء 2 / 137.
(46) الهداية وشروحها 2 / 450.
(47) بدائع الصنائع 2 / 279.
(48) الفتاوى الهندية 1 / 302.
(49) بدائع الصنائع 2 / 278 - 279.
(50) بدائع الصنائع 2 / 278.
(51) الفتاوى الهندية 1 / 3 - 2، وانظر الهداية وشروحها 2 / 451.
(52) بدائع الصنائع 2 / 277، وفتح القدير 2 / 450 - 451.
(53) الفتاوى الهندية 1 / 302.
(54) تحفة الفقهاء 2 / 137 - 138 ط دار الكتب العلمية.
(55) عقد الجواهر الثمينة 2 / 101.
(56) الحاوي الكبير للماوردي 12 / 11، والمغني 6 / 681، والقوانين الفقهية ص 205 - 206، وحاشية ابن عابدين 2 / 330.
(57) الحاوي الكبير 12 / 4.
(58) الحاوي 12 / 11، والمغني 6 / 681.
(59) الحاوي 12 / 11، والمغني 6 / 680، ومغني المحتاج 3 / 220.
(60) تحفة الفقهاء 2 / 136، وبدائع الصنائع 2 / 275 وما بعدها، والشرح الصغير 2 / 428 - 429، والمغني 6 / 680.
(61) حديث: " لا مهر دون عشرة دراهم ". أخرجه الدارقطني في السنن (3 / 245 ط دار المحاسن. القاهرة) والبيهقي في السنن الكبرى (7 / 133 ط دائرة المعارف) ، وقال الدارقطني عن أحد رواته: مبشر بن عبيد متروك الحديث، وقال البيهقي: ضعيف بمرة.
(62) بدائع الصنائع 2 / 275 - 276.
(63) العناية شرح الهداية 2 / 436.
(64) تحفة الفقهاء 2 / 136.
(65) العناية 2 / 437.
(66) الشرح الصغير 2 / 428 - 429، والقوانين الفقهية ص 206.
(67) الحاوي 2 / 12، والمغني 6 / 680.
(68) حديث عائشة ﵂: " من يمن المرأة. . . ". أخرجه ابن حبان (2 / 405 - الإحسان - ط الرسالة) ، والحاكم في المستدرك (2 / 181 ط دائرة المعارف) واللفظ لابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
(69) حديث: " خيرهن أيسرهن صداقًا ". أخرجه الطبراني في الكبير (11 / 78، 79 ط وزارة الأوقاف العراقية) وابن حبان في صحيحه (الإحسان 9 / 342 ط الرسالة) من حديث ابن عباس ﵄.
(70) حديث: " تياسروا في الصداق، إن الرجل يعطي المرأة يبقى ذلك في نفسه عليها حسيكة ". أخرجه عبد الرزاق في المصنف (6 / 174 ط المجلس العلمي) من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين مرسلاً.
(71) الحاوي الكبير 11 / 16.
(72) المرجع السابق.
(73) حديث: " كان صداقه لأزواجه. . . ". أخرجه مسلم (2 / 1042 ط عيسى الحلبي) .
(74) الهداية مع فتح القدير 2 / 443، والشرح الصغير 2 / 455، والمغني لابن قدامة 6 / 743 - 744.
(75) الفتاوى الهندية 1 / 412 - 413.
(76) تحفة الفقهاء 2 / 141.
(77) فتح القدير 2 / 443.
(78) الهداية مع فتح القدير 2 / 444، وحاشية الطحطاوي على الدر 2 / 53.
(79) حاشية الطحطاوي على الدر 2 / 53.
(80) المرجع نفسه.
(81) الفتاوى الهندية 1 / 313.
(82) حاشية الطحطاوي 2 / 53.
(83) الفتاوى الهندية 1 / 313، وحاشية الطحطاوي على الدر 2 / 53.
(84) عقد الجواهر الثمينة 2 / 119.
(85) القوانين الفقهية ص 206 ط دار الكتاب العربي.
(86) مغني المحتاج 3 / 240، وروضة الطالبين 7 / 316.
(87) روضة الطالبين 7 / 317.
(88) مغني المحتاج 3 / 240 - 241.
(89) كشاف القناع 5 / 145 - 146، ومطالب أولي النهى 5 / 199 وما بعدها.
(90) العناية 2 / 272، والمهذب 2 / 57 ط المعرفة.
(91) فتح القدير 2 / 473.
(92) المرجع نفسه.
(93) الفتاوى الهندية 1 / 318.
(94) المرجع نفسه.
(95) عقد الجواهر الثمينة 2 / 102.
(96) عقد الجواهر الثمينة 2 / 104.
(97) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه 2 / 432 - 433.
(98) عقد الجواهر الثمينة 2 / 104 - 105.
(99) عقد الجواهر الثمينة 2 / 104 - 105.
(100) المذهب 2 / 57، ومغني المحتاج 3 / 222.
(101) مطالب أولي النهى 5 / 182.
(102) كشاف القناع 5 / 134.
(103) الفتاوى الهندية 1 / 319، وروضة القضاة للسمناني 3 / 930.
(104) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه 2 / 463 - 464.
(105) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه 2 / 465.
(106) الحاوي الكبير للماوردي 12 / 130 - 131.
(107) مطالب أولي النهى 5 / 188 - 189، وكشاف القناع 5 / 138.
(108) حاشية ابن عابدين 2 / 356.
(109) الفتاوى الهندية 1 / 326.
(110) حاشية ابن عابدين 2 / 356.
(111) الفتاوى الهندية 1 / 326.
(112) حاشية ابن عابدين 2 / 357.
(113) حاشية ابن عابدين 4 / 269.
(114) القوانين الفقهية ص 206، والمغني 6 / 737، وكشاف القناع 5 / 163، وروضة الطالبين 7 / 265، وتحفة الفقهاء 2 / 142.
(115) بدائع الصنائع 2 / 288.
(116) تحفة الفقهاء 2 / 142، والشرح الصغير 2 / 434.
(117) بدائع الصنائع 2 / 288 - 289، والمغني 6 / 738، وانظر تحفة الفقهاء 2 / 143.
(118) الفتاوى الهندية 1 / 317.
(119) الشرح الصغير 2 / 434، والمغني 6 / 738، وتحفة الفقهاء 2 / 243، والفتاوى الهندية 1 / 317، وكشاف القناع 5 / 163، 164.
(120) الحاوي الكبير 12 / 162، وروضة الطالبين 7 / 260، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه 2 / 434.
(121) تحفة الفقهاء 2 / 142، والحاوي للماوردي 12 / 163 - 164، والمغني 6 / 737، وكشاف القناع 5 / 163.
(122) تحفة الفقهاء 2 / 142.
(123) المرجع نفسه.
(124) عقد الجواهر الثمينة 2 / 96.
(125) الحاوي للماوردي 12 / 164.
(126) المغني 6 / 737 - 738.
(127) كشاف القناع 5 / 140، وتحفة الفقهاء 2 / 140، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 324.
(128) تحفة الفقهاء 2 / 140، وبدائع الصنائع 2 / 291، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 97، والشرح الصغير 2 / 437، وروضة الطالبين 7 / 263، كشاف القناع 5 / 150، ومطالب أولي النهى 5 / 205.
(129) روضة الطالبين 7 / 263.
(130) مطالب أولي النهى 5 / 205.
(131) بدائع الصنائع 2 / 294، والفتاوى الهندية 1 / 306، والشرح الصغير 2 / 438، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 97، وروضة الطالبين 7 / 263، وكشاف القناع 5 / 150.
(132) الفتاوى الهندية 1 / 306، وكشاف القناع 5 / 150.
(133) بدائع الصنائع 2 / 294، كشاف القناع 5 / 150.
(134) الفتاوى الهندية 1 / 306، وكشاف القناع 5 / 105.
(135) التعمير: أي المدة التي يعمّر إليها أمثاله.
(136) الشرح الصغير 2 / 438، وحاشية الدسوقي 2 / 301.
(137) مغني المحتاج 2 / 225، وروضة الطالبين 7 / 263.
(138) روضة الطالبين 7 / 219.
(139) الفتاوى الهندية 1 / 303، ومطالب أولي النهى 5 / 207.
(140) بدائع الصنائع 2 / 291.
(141) عقد الجواهر الثمينة 2 / 97 - 98.
(142) عقد الجواهر الثمينة 2 / 98.
(143) الشرح الصغير 2 / 439.
(144) عقد الجواهر الثمينة 2 / 98.
(145) الشرح الصغير 2 / 439.
(146) مغني المحتاج 33 / 225.
(147) مواهب الجليل 3 / 506، ومغني المحتاج 3 / 225.
(148) حديث: " من كشف خمار. . . ". أخرجه الدارقطني (3 / 307 ط دار المحاسن القاهرة) ، والبيهقي في السنن الكبرى (7 / 256) ، وقال البيهقي: هذا منقطع، وبعض رواته غير محتج به.
(149) المغني لابن قدامة 6 / 727.
(150) حاشية ابن عابدين 2 / 330.
(151) مواهب الجليل 3 / 506.
(152) مغني المحتاج 3 / 225.
(153) حاشية ابن عابدين 2 / 330.
(154) الهداية وشروحها 2 / 438 ط الأميرية، وتحفة الفقهاء 2 / 140، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 117، وروضة الطالبين 7 / 289، والمغني 6 / 699.
(155) بدائع الصنائع 2 / 296.
(156) بدائع الصنائع 2 / 302.
(157) بدائع الصنائع 2 / 302.
(158) بدائع الصنائع 2 / 303.
(159) عقد الجواهر الثمينة 2 / 117.
(160) حاشية الدسوقي 2 / 300.
(161) عقد الجواهر الثمينة 2 / 117.
(162) روضة الطالبين 7 / 289.
(163) منتهى الإرادات لابن النجار 2 / 289 ط عالم الكتب.
(164) بدائع الصنائع 2 / 296 - 297.
(165) بدائع الصنائع 2 / 298.
(166) بدائع الصنائع 2 / 298.
(167) بدائع الصنائع 2 / 299.
(168) بدائع الصنائع 2 / 300.
(169) بدائع الصنائع 2 / 301.
(170) بدائع الصنائع 2 / 301.
(171) بدائع الصنائع 2 / 302.
(172) الشرح الصغير 2 / 454.
(173) عقد الجواهر الثمينة 2 / 117.
(174) القوانين الفقهية ص 206.
(175) روضة الطالبين 7 / 290.
(176) مغني المحتاج 3 / 235.
(177) مغني المحتاج 2 / 235 - 236.
(178) مغني المحتاج 3 / 236، وروضة الطالبين 7 / 293.
(179) روضة الطالبين 7 / 293، ومغني المحتاج 3 / 236.
(180) روضة الطالبين 7 / 295، وانظر مغني المحتاج 3 / 236.
(181) روضة الطالبين 7 / 309.
(182) مغني المحتاج 3 / 238.
(183) شرح منتهى الإرادات 3 / 72.
(184) منتهى الإرادات لابن النجار 2 / 207 - 208.
(185) المرجع نفسه 2 / 208 - 209.
(186) مطالب أولي النهى 5 / 217، وروضة الطالبين 7 / 279، وبدائع الصنائع 2 / 284، والقوانين الفقهية 207.
(187) سورة البقرة / 236.
(188) حديث: " قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منا مثل. . . ". تقدم تخريجه فقرة (3) .
(189) المغني 6 / 712، وبدائع الصنائع 2 / 274.
(190) .
(191) الفتاوى الهندية 1 / 303، وروضة الطالبين 7 / 286.
(192) مطالب أولي النهى 5 / 180.
(193) الشرح الصغير 2 / 430 - 431، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 99، والقوانين الفقهية ص 205.
(194) بدائع الصنائع 2 / 287، 335، والفتاوى الهندية 1 / 330، وروضة الطالبين 7 / 288.
(195) حاشية الدسوقي والشرح الكبير 2 / 240 - 241.
(196) شرح منتهى الإرادات 3 / 82 - 83.
(197) الفتاوى الهندية 1 / 325، ومطالب أولي النهى 5 / 225، وروضة الطالبين 7 / 286.
(198) روضة الطالبين 7 / 288، ومطالب أولي النهى 5 / 224.
(199) روضة الطالبين 7 / 286، ومطالب أولي النهى 5 / 224.
(200) مطالب أولي النهى 5 / 224 - 225.
(201) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 318.
(202) روضة القضاة للسمناني 4 / 1283، وابن عابدين 3 / 157.
(203) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 335.
(204) البدائع 7 / 180، وروضة القضاة للسمناني 4 / 1283، وحاشية ابن عابدين 3 / 157 - 158.
(205) بدائع الصنائع 2 / 295، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 117، ومطالب أولي النهى 5 / 202.
(206) بدائع الصنائع 2 / 336.
(207) مطالب أولي النهى 5 / 202.
(208) مغني المحتاج 3 / 234، وانظر الحاوي 12 / 183.
(209) بدائع الصنائع 2 / 295، ومغني المحتاج 3 / 240، وروضة الطالبين 7 / 314، 315.
(210) مطالب أولي النهى 5 / 199.
(211) كشاف القناع 5 / 146.
(212) بدائع الصنائع 2 / 295 - 296، وانظر البناية 4 / 219 وما بعدها.
(213) عقد الجواهر الثمينة 2 / 119 وما بعدها.
(214) الحاوي الكبير للماوردي 12 / 152.
(215) الحاوي الكبير 12 / 153، وانظر مغني المحتاج 3 / 240، وروضة الطالبين 7 / 316، 317.
(216) المغني 6 / 732 - 733.
(217) فتح القدير 3 / 231 - 232 ط دار إحياء التراث العربي - بيروت، وابن عابدين 2 / 345 - 346 ط دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(218) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي عليه 2 / 306.
(219) مغني المحتاج 3 / 226، وروضة الطالبين 7 / 265.
(220) الإنصاف 8 / 242، 243.
(221) بدائع الصنائع 2 / 240.
(222) الشرح الصغير 2 / 238، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 328، والقوانين الفقهية ص 136 - المكتبة الثقافية - بيروت.
(223) روضة الطالبين 7 / 330، ومغني المحتاج 3 / 243، والإنصاف 8 / 253.
(224) بدائع الصنائع 2 / 290، وحاشية ابن عابدين 2 / 332، وحاشية الدسوقي 2 / 328، ومغني المحتاج 3 / 240.
(225) كشاف القناع 5 / 140 - 141.
(226) حاشية ابن عابدين 2 / 350، وفتح القدير 3 / 228 - 229.
(227) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 304، والزرقاني 4 / 3، والشرح الصغير 2 / 444.
(228) مغني المحتاج 3 / 221.
(229) المغني 6 / 688 - 689.
(230) كشاف القناع 5 / 163 - 164 ط دار الفكر - بيروت.
(231) فتح القدير 3 / 250 - 251 ط دار إحياء التراث العربي، وبدائع الصنائع 2 / 304، 305، وحاشية ابن عابدين 2 / 360 ط دار إحياء التراث العربي.
(232) بدائع الصنائع 2 / 305 ط دار الكتب العلمية - بيروت. وما بعدها.
(233) المراجع السابقة.
(234) الشرح الصغير 2 / 451، والحطاب 3 / 514.
(235) مغني المحتاج 3 / 243 ط الحلبي - مصر.
(236) كشاف القناع 5 / 154 ط دار الفكر - بيروت.
(237) بدائع الصنائع 2 / 305 ط دار الكتب العلمية - بيروت، وفتح القدير 2 / 250 - 251 ط دار إحياء التراث العربي، وحاشية ابن عابدين 2 / 361، 362 ط دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(238) الشرح الصغير 2 / 491 - 492 ط دار المعارف.
(239) شرح المحلي على المنهاج 3 / 291 - 292.
(240) الإنصاف 8 / 289، 291.
(241) حاشية ابن عابدين 2 / 364 ط دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(242) الشرح الصغير 2 / 496.
(243) روضة الطالبين 7 / 330، والمغني 6 / 709، وكشاف القناع 5 / 154 ط دار الفكر - بيروت.
(244) فتح القدير 3 / 215 ط دار إحياء التراث العربي - بيروت، وحاشية ابن عابدين 2 / 370 ط دار إحياء التراث العربي - بيروت، وبدائع الصنائع 2 / 287 ط دار الكتب العلمية - بيروت.
(245) حاشية الدسوقي 2 / 313.
(246) مغني المحتاج 3 / 228.
(247) كشاف القناع 5 / 155.
(248) حديث: " المسلمون على شروطهم ". أخرجه الترمذي (3 / 635 ط التجارية الكبرى) من حديث عمرو بن عوف المزني، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(249) الدر ورد المحتار 2 / 363 - 364.
(250) مغني المحتاج 3 / 244، وروضة الطالبين 7 / 330.
(251) كشاف القناع 5 / 154 - 155.
(252) حاشية الجمل 4 / 264، وكشاف القناع 5 / 140.
(253) حاشية ابن عابدين 2 / 366، 367 ط دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(254) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 321 - 322 ط دار الفكر - بيروت.
(255) البدائع 7 / 225 وما بعدها، وتيسير التحرير 2 / 278.
(256) الزيلعي وحاشية الشلبي عليه 5 / 23.
(257) بدائع الصنائع 7 / 225.
(258) تبيين الحقائق للزيلعي 5 / 24، والبدائع 7 / 226، وجامع الفصولين 2 / 171.
(259) انظر جامع الفصولين 2 / 171.
(260) المحاباة، مأخوذة من حبوته، إذا أعطيته شيئًا بغير عوض، يقال: حاباه محاباة، أي سامحه، والمحاباة في اصطلاح الفقهاء: هي تبرع ضمن عقد معاوضة، وتطلق المحاباة في هذا المقام على العقد الزائد على مهر المثل في عقد النكاح.
(261) قرة عيون الأخبار تكملة رد المحتار 2 / 130، وانظر شرح المجلة للأتاسي 4 / 679.
(262) الأم للشافعي ط بولاق 4 / 31.
(263) الأم للشافعي، 4 / 31 وما بعدها.
(264) القواعد لابن رجب ص 103.
(265) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 2 / 276، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني 2 / 70.
(266) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 2 / 276، والعدوي على كفاية الطالب الرباني 2 / 70.
(267) ومعنى التبدئة: إعطاء ما وجب في الثلث إن لم يكن هناك غير الثلث للمبدّأ دون غيره من أهله. (شرح زروق على الرسالة 2 / 52) .
(268) الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 276.
(269) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 276، والخرشي وحاشية العدوي عليه 3 / 234.
(270) مواهب الجليل للحطاب 3 / 482، والعدوي على كفاية الطالب الرباني 2 / 70.

الموسوعة الفقهية الكويتية: 151/ 39