المؤمن
كلمة (المؤمن) في اللغة اسم فاعل من الفعل (آمَنَ) الذي بمعنى...
تَفْوِيضُ شَخْصٍ أَمْرَهُ إلَى آخَرَ فِيمَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ . ومن شواهده قولهم : "كِتَابُ الْوَكَالَةِ . قَالَ الشَّيْخُ - رَضِيَ اللهُ عَنْه - نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ غَيْرِ ذِي إمْرَةٍ، وَلَا عِبَادَةٍ لِغَيْرِهِ فِيهِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ بِمَوْتِهِ " الْوَكَالَةُ لُغَةً تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ . "
تَفْوِيضُ شَخْصٍ أَمْرَهُ إلَى آخَرَ فِيمَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ.
التَّعْرِيفُ:
1 - الْوَكَالَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ: الْحِفْظُ، وَمِنْهُ الْوَكِيل، فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْحَافِظِ، وَمِنْهُ التَّوَكُّلُ، يُقَال: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا، أَيْ فَوَّضْنَا أُمُورَنَا.
وَالتَّوْكِيل: تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ إِلَى الْغَيْرِ، وَسُمِّيَ الْوَكِيل وَكِيلاً؛ لأَِنَّ مُوَكِّلَهُ قَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَيْهِ الأَْمْرُ. (1)
وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ، " اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ " (2) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِتَعْرِيفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
فَعَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا: إِقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ نَفْسِهِ - تَرَفُّهًا أَوْ عَجْزًا - فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ. (3) وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا: نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ - غَيْرِ ذِي إِمْرَةٍ وَلاَ عِبَادَةٍ - لِغَيْرِهِ فِيهِ، غَيْرَ مَشْرُوطٍ بِمَوْتِهِ. (4)
وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا: تَفْوِيضُ شَخْصٍ مَا لَهُ فِعْلُهُ مِمَّا يَقْبَل النِّيَابَةَ إِلَى غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ فِي حَيَاتِهِ. (5)
وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا: اسْتِنَابَةُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ مِثْلَهُ فِيمَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ. (6)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ
أ - النِّيَابَةُ
2 - النِّيَابَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَابَ الشَّيْءُ نَوْبًا: قَرُبَ، وَنَابَ عَنْهُ نِيَابَةً قَامَ مَقَامَهُ. (7)
وَالنِّيَابَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: قِيَامُ الإِْنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ بِفِعْل أَمْرٍ. (8)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالنِّيَابَةِ أَنَّ النِّيَابَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوَكَالَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَفِي قَوْلٍ إِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ. (9)
ب - الْوِلاَيَةُ:
3 - الْوِلاَيَةُ فِي اللُّغَةِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: الْقُدْرَةُ، وَالنُّصْرَةُ، وَالتَّدْبِيرُ.
وَوَلِيُّ الْيَتِيمِ: الَّذِي يَلِي أَمْرَهُ وَيَقُومُ بِكِفَايَتِهِ.
وَوَلِيُ الْمَرْأَةِ: الَّذِي يَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، وَلاَ يَدَعُهَا تَسْتَبِدُّ بِهِ دُونَهُ. (10)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْوِلاَيَةُ تَنْفِيذُ الْقَوْل عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى. (11)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْوِلاَيَةِ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نِيَابَةٌ، وَلَكِنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، أَمَّا الْوِلاَيَةُ فَنِيَابَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ إِجْبَارِيَّةٌ.
ج - الإِْيصَاءُ:
الإِْيصَاءُ فِي اللُّغَةِ، مَصْدَرُ أَوْصَى، يُقَال: أَوْصَى فُلاَنًا، وَأَوْصَى إِلَيْهِ: جَعَلَهُ وَصِيَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِهِ وَمَالِهِ وَعِيَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. (12)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: إِقَامَةُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ. (13) وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالإِْيصَاءِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَلَكِنَّ الْوَكَالَةَ تَكُونُ أَثْنَاءَ الْحَيَاةِ، أَمَّا الإِْيصَاءُ فَبَعْدَ الْوَفَاةِ.
د - الْقِوَامَةُ:
5 - الْقِوَامَةُ فِي اللُّغَةِ: الْقِيَامُ عَلَى الأَْمْرِ أَوِ الْمَال، أَوْ وِلاَيَةُ الأَْمْرِ. (14) .
وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الْقِوَامَةِ فِي مَعَانٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، مِنْهَا:
وِلاَيَةٌ يُفَوِّضُهَا الْقَاضِي إِلَى شَخْصٍ رَاشِدٍ بِأَنْ يَتَصَرَّفَ لِمَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ فِي تَدْبِيرِ شُئُونِهِ الْمَالِيَّةِ.
وَمِنْهَا: وِلاَيَةٌ يَسْتَحِقُّهَا الزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ. (15) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْقَوَامَةِ، أَنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، أَمَّا الْقِوَامَةُ فَقَدْ تَكُونُ قَضَائِيَّةً وَقَدْ تَكُونُ شَرْعِيَّةً.
مَشْرُوعِيَّةُ الْوَكَالَةِ:
6 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ جَائِزَةٌ وَمَشْرُوعَةٌ. (16) وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول.
أَمَّا الْقُرْآنُ: فَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (17) } .، وَذَاكَ كَانَ تَوْكِيلاً، وَقَدْ قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ بِلاَ نَكِيرٍ. (18)
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (19) } . . فَهَذِهِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الرَّأْيِ الْقَائِل بِأَنَّ الْحَكَمَ وَكِيلٌ عَنِ الزَّوْجَيْنِ. (20)
أَمَّا السُّنَّةُ: فَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ (21) . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. (22)
وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ لِيَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَأُرْبِحَ فِيهَا دِينَارًا فَاشْتَرَى أُخْرَى مَكَانَهَا، فَجَاءَ بِالأُْضْحِيَّةِ وَالدِّينَارِ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَقَال: ضَحِّ بِالشَّاةِ وَتَصَدَّقْ بِالدِّينَارِ (23) .، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي شِرَاءِ الأُْضْحِيَّةِ وَتَقْسِيمِهَا وَالتَّصَدُّقِ بِالْمَال. (24)
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: " أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَال: إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ (25) .
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، وَأَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يُوكِل وَيُقِيمَ عَامِلاً عَلَى الصَّدَقَةِ فِي قَبْضِهَا وَدَفْعِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَإِلَى مَنْ يُرْسِلُهُ إِلَيْهِ بِأَمَارَةٍ. (26)
وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَال: " تَزَوَّجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلاَلٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلاَلٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُول بَيْنَهُمَا " (27) . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي النِّكَاحِ مِنْ قِبَل الزَّوْجِ. (28)
أَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ وَمَشْرُوعِيَّتِهَا مُنْذُ عَصْرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. (29)
وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَلأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ لِكُل وَاحِدٍ فِعْل مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا. (30)
قَال قَاضِي زَادَهْ: لأَِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الأَْحْوَالِ، بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَوْ رَجُلاً ذَا وَجَاهَةٍ لاَ يَتَوَلَّى الأُْمُورَ بِنَفْسِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُوكِل غَيْرَهُ، فَلَوْ لَمْ يَجُزِ التَّوْكِيل لَزِمَ الْحَرَجُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ بِالنَّصِّ. (31)
قَال اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (32) } .
أَرْكَانُ الْوَكَالَةِ:
7 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ الْوَكَالَةِ هِيَ: الصِّيغَةُ، وَالْعَاقِدَانِ (الْمُوَكِّل وَالْوَكِيلُ، وَمَحَل الْعَقْدِ) الْمُوَكَّل فِيهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُكْنَ الْوَكَالَةِ هُوَ: الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ، لأَِنَّ وُجُودَ هَذَا الرُّكْنِ يَسْتَلْزِمُ بِالضَّرُورَةِ وُجُودَ الرُّكْنَيْنِ الآْخَرَيْنِ، وَهَذَا طِبْقًا لِلْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي الْعَقْدِ. (33)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَقْد ف 5 وَمَا بَعْدَهَا) .
الرُّكْنُ الأَْوَّل: الصِّيغَةُ:
8 - الصِّيغَةُ هِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول، وَيُعَبَّرُ بِهِمَا عَنِ التَّرَاضِي الَّذِي هُوَ رُكْنٌ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الأُْخْرَى.
وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل فَافْتَقَرَ إِلَى رِضَاهُمَا.
وَلِلتَّفْصِيل فِي تَعْرِيفِ الصِّيغَةِ وَحَقِيقَتِهَا وَأَنْوَاعِهَا وَأَحْكَامِهَا يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (صِيغَة ف 5 وَمَا بَعْدَهَا، وَعَقْد ف 6 - 27) .
أَوَّلاً: الإِْيجَابُ:
تَعْرِيفُهُ:
9 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الإِْيجَابَ هُوَ مَا صَدَرَ مِنَ الْمَالِكِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَالإِْيجَابُ هُنَا كُل مَا يَصْدُرُ عَنِ الْمُوَكِّل وَيَدُل عَلَى إِذْنِهِ بِالتَّوْكِيل.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْيجَابَ هُوَ مَا صَدَرَ أَوَّلاً مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى رَغْبَتِهِ فِي إِنْشَاءِ الْعَقْدِ. (34)
بِمَ يَتَحَقَّقُ الإِْيجَابُ:
يَتَحَقَّقُ الإِْيجَابُ بِكُل مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا بِالْوَكَالَةِ سَوَاءٌ بِاللَّفْظِ، أَوْ بِالْكِتَابَةِ أَوْ بِالرِّسَالَةِ أَوْ بِالإِْشَارَةِ مِنَ الأَْخْرَسِ أَوْ بِغَيْرِهَا.
أ - الإِْيجَابُ بِاللَّفْظِ:
10 - يَتَحَقَّقُ الإِْيجَابُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ الدَّال عَلَى مَعْنَى الْوَكَالَةِ كَوَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ. كَمَا يَتَحَقَّقُ بِكُل لَفْظٍ يَدُل عَلَى الإِْذْنِ بِالتَّوْكِيلِ، كَأَنْ يَأْمُرَ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِفِعْل شَيْءٍ مُعَيَّنٍ؛ أَيْ يَقُول لَهُ: أَذِنْتُ لَكَ فِي فِعْلِهِ، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ فِعْل كَذَا، أَوْ: أَنَبْتُكَ فِيهِ، أَوْ أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِيهِ. (35) .
وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّل عُرْوَةَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيَّ فِي شِرَاءِ شَاةٍ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ، وَلأَِنَّ اللَّهَ ﷿ أَخْبَرَ عَنْ أَهْل الْكَهْفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ (36) } . وَلأَِنَّ أَيَّ لَفْظٍ يَدُل عَلَى الإِْذْنِ يَجْرِي مَجْرَى قَوْل الْمُوَكِّل: وَكَّلْتُكَ. (37)
وَلأَِنَّ الشَّخْصَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَال غَيْرِهِ إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَالرِّضَا يَكُونُ بِكُل مَا يَدُل عَلَيْهِ مِنْ عِبَارَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا. (38)
وَالإِْيجَابُ بِاللَّفْظِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُضُورِ الْوَكِيل مُشَافَهَةً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي غِيَابِ الْوَكِيل مُرَاسَلَةً.
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: الإِْيجَابُ بِاللَّفْظِ عِنْدَ حُضُورِ الْوَكِيل مُشَافَهَةً: 11 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ الإِْيجَابُ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ بِلَفْظِ: وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كَذَا، أَوْ: أَنَبْتُكَ فِيهِ، أَوْ: أَذِنْتُ لَكَ فِيهِ، أَوْ: أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي كَذَا، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ. (39)
كَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الإِْيجَابَ يَتَحَقَّقُ بِلَفْظِ الأَْمْرِ، مِثْل: بِعْهُ، أَوْ: أَعْتِقْهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِانْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِمِثْل هَذِهِ الأَْلْفَاظِ، حَيْثُ قَالُوا: الْوَكَالَةُ لاَ تَخْتَصُّ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إِرْسَالٍ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ. (40)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِكُل لَفْظٍ يَدُل عَلَيْهَا كَوَكَّلْتُكَ وَأَشْبَاهِهِ، رَوَى بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: إِذَا قَال الرَّجُل لِغَيْرِهِ: أَحْبَبْتُ أَنْ تَبِيعَ دَارِي هَذِهِ، أَوْ: هَوَيْتُ، أَوْ: رَضِيتُ، أَوْ: شِئْتُ، أَوْ: أَرَدْتُ، فَذَاكَ تَوْكِيلٌ وَأَمْرٌ بِالْبَيْعِ. (41)
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَال: سَأُوَكِّلُكَ، لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَهَكَذَا لَوْ قَال: أُوَكِّلُكَ، لأَِنَّهُ مَوْعِدٌ.
كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَال: قَدْ عَوَّلْتُ عَلَيْكَ، فَلاَ يَصِحُّ عَقْدُ الْوَكَالَةِ، لاِحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ مُعَوِّلاً عَلَى رَأْيِهِ أَوْ مَعُونَتِهِ أَوْ نِيَابَتِهِ، وَهَكَذَا لَوْ قَال: قَدِ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، أَوِ اسْتَكْفَيْتُ، أَوْ إِلَى مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنَ الأَْلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ، لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَا إِلاَّ أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهَا أَحَدَ الأَْلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ فِي التَّوْكِيل. (42)
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الإِْيجَابُ بِاللَّفْظِ فِي غِيَابِ الْوَكِيل مُرَاسَلَةً:
12 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الإِْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَنْعَقِدُ بِالرِّسَالَةِ. (43)
وَصُورَةُ التَّوْكِيل بِالرِّسَالَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهَا الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَقُول شَخْصٌ لآِخَرَ: خُذْ هَذَا الْمَال لِفُلاَنٍ وَلْيَبِعْهُ، أَوْ يَقُول: اذْهَبْ إِلَى فُلاَنٍ وَأَخْبِرْهُ أَنْ يَبِيعَ مَالِي الْفُلاَنِيَّ الَّذِي عِنْدَهُ، وَبَاعَ الآْخَرُ الْمَال بَعْدَ بُلُوغِ هَذَا الْخَبَرِ إِلَيْهِ، كَانَتِ الْوَكَالَةُ وَالْبَيْعُ صَحِيحَيْنِ.
كَذَلِكَ لَوْ وَكَّل أَحَدٌ شَخْصًا غَائِبًا بِأَمْرٍ مَا فَبَلَّغَهُ أَحَدٌ خَبَرَ الْوَكَالَةِ وَقَبِل الآْخَرُ، انْعَقَدَتِ الْوَكَالَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْبِرُ عَادِلاً أَمْ مَسْتُورَ الْحَالِ، أَمْ كَانَ غَيْرَ عَادِلٍ، وَسَوَاءٌ أَأَعْطَى الْخَبَرَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَمْ أُخْبِرَ بِهِ رِسَالَةً مِنْ طَرَفِ الآْمِرِ، وَسَوَاءٌ أَصَدَّقَ الْغَائِبُ هَذَا الْخَبَرَ أَمْ كَذَّبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَكِيلاً فِي الأَْحْوَال الْمَذْكُورَةِ. (44)
ب - الإِْيجَابُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ:
مِنْ صُوَرِ إِيجَابِ الْوَكَالَةِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ مَا يَأْتِي:
الصُّورَةُ الأُْولَى: الْكِتَابَةُ:
13: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَتَحَقَّقُ بِالْخَطِّ أَوِ الْكِتَابَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، لأَِنَّ الْكِتَابَةَ فِعْلٌ يَدُل عَلَى الْمَعْنَى.
وَمَثَّل الْحَنَفِيَّةُ بِذَلِكَ بِمَا لَوْ أَرْسَل أَحَدٌ لآِخَرَ غَائِبٍ كِتَابًا مُعَنْوَنًا وَمَرْسُومًا بِتَوْكِيلِهِ إِيَّاهُ بِأَمْرٍ مَا، وَقَبِل الآْخَرُ الْوَكَالَةَ، انْعَقَدَتْ. (45)
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (عَقْد ف 13) .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الإِْشَارَةُ:
14 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ إِشَارَةَ الأَْخْرَسِ الْمَفْهُومَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي تَحَقُّقِ إِيجَابِ الْوَكَالَةِ بِهَا. (46)
وَلِلتَّفْصِيل فِي شُرُوطِ الاِعْتِدَادِ بِالإِْشَارَةِ. (ر: إِشَارَة ف 5، عَقْد ف 15) .
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْفِعْل:
15 - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الإِْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَتِمُّ بِفِعْلٍ دَل عَلَى الإِْذْنِ. (47)
حَيْثُ دَل كَلاَمُ الْقَاضِي عَلَى انْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِفِعْلٍ دَالٍّ كَبَيْعٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّيْخِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ، كَالْقَبُول. (48)
وَبِهَذَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِانْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِالْفِعْلِ، فَقَدْ قَال الْخِرَشِيُّ: الْوَكَالَةُ لاَ تَخْتَصُّ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إِرْسَالٍ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ. (49)
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: مَا يَدُل فِي الْعَادَةِ عَلَى اعْتِبَارِهِ إِيجَابًا:
16 - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الإِْيجَابَ فِي الْوَكَالَةِ قَدْ يَتَحَقَّقُ بِمُوجِبِ الْعَادَةِ كَتَصَرُّفِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِي مَالِهَا وَهِيَ عَالِمَةٌ سَاكِتَةٌ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَكَالَةِ.
وَكَمَا إِذَا كَانَ رَيْعٌ بَيْنَ أَخٍ وَأُخْتٍ وَكَانَ الأَْخُ يَتَوَلَّى كِرَاءَهُ وَقَبْضَهُ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً فَالْقَوْل قَوْلُهُ أَنَّهُ دَفَعَ لأُِخْتِهِ مَا يَخُصُّهَا فِي الْكِرَاءِ، قَال ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: لأَِنَّهُ وَكِيلٌ بِالْعَادَةِ. (50)
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَكُونُ السُّكُوتُ إِيجَابًا فِي الْوَكَالَةِ، فَلَوْ رَأَى أَجْنَبِيًّا يَبِيعُ مَالَهُ فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَكُنْ وَكِيلاً عَنْهُ بِسُكُوتِهِ، وَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، لأَِنَّهُ لاَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ. (51)
ثَانِيًا: الْقَبُول:
الْقَبُول إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِغَيْرِ اللَّفْظِ.
أ - الْقَبُول بِاللَّفْظِ:
17 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَبُول يَتَحَقَّقُ بِاللَّفْظِ، كَمَا لَوْ قَال الْمُوَكِّل لآِخَرَ: قَدْ وَكَّلْتُكَ بِهَذَا الأَْمْرِ، فَقَال لَهُ الْوَكِيل: قَبِلْتُ، أَوْ قَال كَلاَمًا آخَرَ غَيْرَ لَفْظِ قَبِلْتُ، مُشْعِرًا بِالْقَبُولِ، فَإِنَّ الْقَبُول يَصِحُّ وَتَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ. (52)
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ قَبُول الْوَكِيل لَفْظًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الرَّدِّ، فَلَوْ رَدَّ الْوَكِيل الْوَكَالَةَ بَعْدَ الإِْيجَابِ بِأَنْ قَال: لاَ أَقْبَل أَوْ لاَ أَفْعَل، فَلاَ يَبْقَى حُكْمِ الإِْيجَابِ، وَلاَ تَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ قَبِل بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُجَدِّدِ الإِْيجَابَ وَالْقَبُول. (53)
ب - الْقَبُول بِغَيْرِ اللَّفْظِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِالْقَبُول بِغَيْرِ اللَّفْظِ، وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الصُّورَةُ الأَْوْلَى: الْقَبُول بِالْفِعْل:
18 - لِلْفُقَهَاءِ فِي قَبُول الْوَكَالَةِ بِالْفِعْل ثَلاَثَةَ آرَاءٍ:
الأَْوَّل: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي أَصَحِّ الأَْوْجُهِ - وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْقَبُول يَتَحَقَّقُ بِكُل فِعْلٍ دَل عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَل الْوَكِيل مَا أَمَرَهُ الْمُوَكِّل بِفِعْلِهِ لأَِنَّ الَّذِينَ وَكَّلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُنْقَل عَنْهُمْ سِوَى امْتِثَال أَمْرِهِ، وَلأَِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَجَازَ الْقَبُول فِيهِ بِالْفِعْل كَأَكْل الطَّعَامِ.
وَجَاءَ فِي شَرْحِ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: يَكُونُ الإِْيجَابُ صَرَاحَةً وَالْقَبُول دَلاَلَةً، فَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمِ الْوَكِيل شَيْئًا بِنَاءً عَلَى إِيجَابِ الْمُوَكِّل، وَحَاوَل إِجْرَاءَ ذَلِكَ الأَْمْرِ الْمُوكَّل بِهِ، فَيَكُونُ قَدْ قَبِل الْوَكَالَةَ دَلاَلَةً وَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ صَحِيحًا. (54)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْقَبُول لاَ يَتَحَقَّقُ بِالْفِعْل وَلاَ بُدَّ لِتَحَقُّقِهِ مِنَ اللَّفْظِ. (55)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّل إِنْ أَتَى بِصِيغَةِ أَمْرٍ كَقَوْلِهِ: بِعْ وَاشْتَرِ، يَتِمُّ الْقَبُول بِالْفِعْل وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ اللَّفْظُ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الإِْيجَابُ بِصِيغَةِ عَقْدٍ، كَوَكَّلْتُكَ، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ فَلاَ بُدَّ فِي الْقَبُول مِنَ اللَّفْظِ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ بِالْفِعْل إِلْحَاقًا لِصِيَغِ الْعَقْدِ بِالْعُقُودِ وَالأَْمْرِ بِالإِْبَاحَةِ. (56) الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَبُول بِالْكِتَابَةِ:
19 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَبُول فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَصِحُّ بِالْكِتَابَةِ الْمُسْتَبِينَةِ الْمُعَنْوَنَةِ. (57)
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْقَبُول بِالإِْشَارَةِ:
20 - يَصِحُّ الْقَبُول فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ بِإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ الْمَعْلُومَةِ الْمَفْهُومَةِ. (58) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي شُرُوطِ الْعَمَل بِالإِْشَارَةِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِشَارَة ف 5، عَقْد ف 15) .
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ الْقَبُول بِالسُّكُوتِ:
21 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ سُكُوتَ الْوَكِيل قَبُولٌ وَيَرْتَدُّ بِرَدِّهِ. (59)
تَرَاخِي الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ:
22 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ قَبُول الْوَكِيل فَوْرَ صُدُورِ الإِْيجَابِ مِنَ الْمُوَكِّل فَإِنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ يَنْعَقِدُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا تَرَاخَى الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ قَبُول الْوَكَالَةِ عَلَى التَّرَاخِي، لأَِنَّ قَبُول وُكَلاَئِهِ ﷺ كَانَ بِفِعْلِهِمْ وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ تَوْكِيلِهِ إِيَّاهُمْ، وَلأَِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، وَالإِْذْنُ قَائِمٌ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ الْمُوَكِّلُ، فَأَشْبَهَ الإِْبَاحَةَ.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ كَوْنَ الْقَبُول عَلَى التَّرَاخِي بِمَا إِذَا لَمَّ يَتَعَيَّنْ زَمَانُ الْعَمَل الَّذِي وَكَّل فِيهِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ زَمَانُهُ وَخِيفَ فَوَاتُهُ، كَانَ قَبُول الْوَكَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ.
وَكَذَا لَوْ عَرَضَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ عِنْدَ ثُبُوتِهَا عِنْدَهُ صَارَ قَبُولُهَا عَلَى الْفَوْرِ أَيْضًا. (60)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْل الثَّانِي وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ قَبُول الْوَكَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ، فَلاَ يَصِحُّ إِذَا تَرَاخَى الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ بِالزَّمَانِ الطَّوِيلِ، لأَِنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ فِي حَال الْحَيَاةِ، فَكَانَ الْقَبُول فِيهِ عَلَى الْفَوْرِ كَالْبَيْعِ. (61) .
وَقَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا يَرْجِعُ إِلَى اعْتِبَارِ الْقَصْدِ وَالْعَوَائِدِ، هَل الْمُرَادُ فِي هَذِهِ الأَْلْفَاظِ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ فَوْرًا فَإِنْ تَأَخَّرَ سَقَطَ حُكْمُ الْخِطَابِ؟ أَوِ الْمُرَادُ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ مُعَجَّلاً أَوْ مُؤَجَّلاً؟ . (62)
أَقْسَامُ صِيغَةِ الْوَكَالَةِ:
أَوَّلاً: أَقْسَامُ صِيغَةِ الْوَكَالَةِ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ تَرَتُّبِ آثَارِهَا عَلَيْهَا:
تَنْقَسِمُ الصِّيغَةُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ إِلَى الصِّيغَةِ الْمُنَجِّزَةِ، وَالصِّيغَةِ الْمُعَلَّقَةِ وَالصِّيغَةِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَالصِّيغَةِ الْمُوَقَّتَةِ. (63)
أ - الصِّيغَةُ الْمُنَجِّزَةُ لِلْوَكَالَةِ:
23 - التَّنْجِيزُ هُوَ خِلاَفُ التَّعْلِيقِ. (64) وَالتَّعْلِيقُ هُوَ رَبْطُ حُصُول مَضْمُونِ جُمْلَةٍ بِحُصُول مَضْمُونِ جُمْلَةٍ أُخْرَى. (65)
وَالْمُرَادُ بِالصِّيغَةِ الْمُنَجِّزَةِ لِلْوَكَالَةِ أَنْ لاَ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ، وَلاَ مُضَافَةً إِلَى وَقْتٍ، كَقَوْل الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: وَكَّلْتُكَ بِبَيْعِ الدَّارِ الْفُلاَنِيَّةِ، فَصِيغَةُ الْوَكَالَةِ فِي هَذَا الْمِثَال مُنَجِّزَةٌ حَيْثُ إِنَّهَا لَمْ تُعَلَّقْ بِشَرْطٍ، كَمَا أَنَّهَا لَمْ تُضَفْ إِلَى وَقْتٍ. (66)
وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ إِذَا كَانَتْ صِيغَتُهَا مُنَجِّزَةً. (67)
ب: الصِّيغَةُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى شَرْطٍ:
24 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ إِذَا كَانَتْ صِيغَتُهَا مُعَلَّقَةً عَلَى شَرْطٍ عَلَى رَأْيَيْنِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَصِحُّ مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: إِذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَبِعْ هَذَا الطَّعَامَ، وَإِذَا طَلَبَ مِنْكَ أَهْلِي شَيْئًا فَادْفَعْهُ إِلَيْهِمْ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَال: أَمَّرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنْ قُتِل زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِل جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ (68) . . وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ، وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ اعْتُبِرَ فِي حَقِّ الْوَكِيل حُكْمُهُ وَهُوَ إِبَاحَةُ التَّصَرُّفِ وَصِحَّتُهُ، فَكَانَ صَحِيحًا، وَلأَِنَّهُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ وَالتَّأْمِيرَ. (69)
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْوَكَالَةِ بِشَرْطٍ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: تَعْلِيقُ الْوَكَالَةِ بِالشُّرُوطِ وَالآْجَال فَاسِدَةٌ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْمُوَكِّل لَوْ نَجَّزَ الْوَكَالَةَ وَشَرَطَ لِلتَّصَرُّفِ شَرْطًا جَازَ، كَأَنْ يَقُول: وَكَّلْتُكَ بِبَيْعِ دَارِي وَبِعْهَا بَعْدَ شَهْرٍ، فَإِنَّ الْوَكَالَةَ تَصِحُّ.
قَال الْغَزَالِيُّ: لَوْ قَال الْمُوَكِّل: وَكَّلْتُكَ الآْنَ، وَلَكِنْ لاَ تُبَاشِرِ التَّصَرُّفَ إِلاَّ بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ بَعْدَ قُدُومِ فُلاَنٍ، قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِالْجَوَازِ، وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا تَعْلِيقًا، إِنَّمَا هُوَ تَأْخِيرٌ فَيَجِبُ عَلَى الْوَكِيل الاِمْتِثَال. (70)
صِيغَةُ الْوَكَالَةِ الدَّوْرِيَّةِ:
25 - الْوَكَالَةُ الدَّوْرِيَّةُ مِنْ قَبِيل الْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِالشَّرْطِ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُول الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: وَكَّلْتُكَ بِبَيْعِ هَذَا الْمَال وَكُلَّمَا عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي، فَإِنَّ هَذَا الشَّخْصَ يَكُونُ وَكِيلاً، وَكُلَّمَا عَزَلَهُ الْمُوَكِّل تَجَدَّدَتِ الْوَكَالَةُ.
وَسُمِّيَتْ وَكَالَةً دَوْرِيَّةً، لأَِنَّهَا تَدُورُ مَعَ الْعَزْلِ، فَكُلَّمَا عَزَلَهُ عَادَ وَكِيلاً. (71)
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ الدَّوْرِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ قَابِلَةٌ لِلتَّعْلِيقِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلْمُوَكِّل أَنْ يَعْزِل وَكِيلَهُ فِي الْوَكَالَةِ الدَّوْرِيَّةِ مَتَى شَاءَ، لأَِنَّ الْوَكَالَةَ حَقٌّ لِلْمُوَكِّل فَلَهُ إِبْطَالُهَا، وَلأَِنَّ مَا لاَ يَكُونُ لاَزِمًا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَالْوَكَالَةُ مِنْهُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَيَحْصُل التَّوْكِيل فِي الْوَكَالَةِ الدَّوْرِيَّةِ بِقَوْل الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: عَزَلْتُكَ، وَكُلَّمَا وَكَّلْتُكَ فَقَدْ عَزَلْتُكَ، فَقَطْ. (72) .
وَذَهَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ الدَّوْرِيَّةَ لاَ تَصِحُّ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ تَصِيرَ الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ لاَزِمَةً، وَذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ مَقْصُودُ الْمُعَلِّقِ إِيقَاعَ الْفَسْخِ، وَإِنَّمَا قَصْدُهُ الاِمْتِنَاعُ مِنَ التَّوْكِيل وَحَلُّهُ قَبْل وُقُوعِهِ، وَالْعُقُودُ لاَ تُفْسَخُ قَبْل انْعِقَادِهَا. (73)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال: وَكَّلْتُكَ، وَمَتَى عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي، فَفِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ فِي الْحَال وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ لِوُجُودِ الإِْذْنِ. وَالثَّانِي لاَ تَصِحُّ لاِشْتِمَالِهَا عَلَى شَرْطِ التَّأْبِيدِ وَهُوَ الْتِزَامُ الْعَقْدِ الْجَائِزِ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ، أَوْ كَانَ قَوْلُهُ " مَتَى عَزَلْتُكَ " مَفْصُولاً عَنِ الْوَكَالَةِ، فَعَزَلَهُ، نُظِرَ: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَكِيلُ، وَاعْتَبَرْنَا عِلْمَهُ فِي نُفُوذِ الْعَزْل فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ.
وَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْهُ، أَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ، فَفِي عَوْدِهِ وَكِيلاً بَعْدَ الْعَزْل وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ، لأَِنَّهُ عَلَّقَ الْوَكَالَةَ ثَانِيًا عَلَى الْعَزْلِ، أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَعُودُ، نُظِرَ فِي اللَّفْظِ الْمَوْصُول بِالْعَزْلِ، فَإِنْ كَانَ قَال: إِذَا عَزَلْتُكَ، أَوْ، مَهْمَا، أَوْ: مَتَى، لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ عَوْدَ الْوَكَالَةِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ قَال: " كُلَّمَا عَزَلْتُكَ " اقْتَضَى الْعَوْدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أَبَدًا، لأَِنَّ " كُلَّمَا " لِلتَّكْرَارِ. (74)
ج - الصِّيغَةُ الْمُضَافَةُ إِلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَل لِلْوَكَالَةِ:
26 - مِنْ صُوَرِ الْوَكَالَةِ الَّتِي تَكُونُ الصِّيغَةُ فِيهَا مُضَافَةً إِلَى الْمُسْتَقْبَل أَنْ يَقُول الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: وَكَّلْتُكَ عَلَى أَنْ تَبِيعَ دَوَابِّي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ يَقُول الْمُوَكِّل: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذِهِ الدَّارِ غَدًا، وَيَقْبَل الْوَكِيل ذَلِكَ. (75)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ الْقَابِلَةِ لِلإِْضَافَةِ، زَادَ الْحَنَفِيَّةُ: يَكُونُ وَكِيلاً فِي الْغَدِ فَمَا بَعْدَهُ، وَلاَ يَكُونُ وَكِيلاً قَبْل الْغَدِ. (76)
وَيُوَافِقُهُمُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَكَالَةَ نُجِّزَتْ فِي الْحَال وَعُلِّقَ التَّصَرُّفُ عَلَى تَحَقُّقِ شَرْطٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَهُمْ بِالاِتِّفَاقِ. (77) لأَِنَّهُ عَجَّل عَقْدَ الْوَكَالَةِ، وَإِنَّمَا جَعَل الْمَوْعِدَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَحَلًّا لِوَقْتِ الْبَيْعِ. (78)
27 - أَمَّا إِذَا عُلِّقَتِ الْوَكَالَةُ عَلَى وَقْتٍ كَأَنْ يَقُول الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ دَارِي، كَانَتِ الْوَكَالَةُ بَاطِلَةً فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ بِالآْجَال فَاسِدَةٌ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ تَكُونُ الْوَكَالَةُ صَحِيحَةً فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ. (79) .
قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُوجَدُ فَرْقٌ بَيْنَ تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ وَإِضَافَتِهَا، فَالإِْيجَابُ الْمُضَافُ يَكُونُ سَبَبًا فِي انْعِقَادِ الْوَكَالَةِ فِي الْحَالِ، فَإِذَا انْعَقَدَتِ الْوَكَالَةُ فِي الإِْضَافَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَالاً فَيَتَأَخَّرُ حُكْمُ الْوَكَالَةِ إِلَى الْوَقْتِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ.
أَمَّا الإِْيجَابُ الْمُعَلَّقُ فَالتَّعْلِيقُ فِيهِ مَانِعٌ لِصَيْرُورَتِهِ سَبَبًا لِلْحُكْمِ فِي الْحَالِ، وَعَلَيْهِ فَالْوَكَالَةُ فِي التَّعْلِيقِ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ فِي الْحَالِ، وَيَكُونُ انْعِقَادُ الْوَكَالَةِ مُعَلَّقًا عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ. (80) د - الصِّيغَةُ الْمُؤَقَّتَةُ لِلْوَكَالَةِ:
28 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ إِذَا كَانَتْ صِيغَتُهَا مُؤَقَّتَةً، كَقَوْل الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: أَنْتَ وَكِيلِي شَهْرًا.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي بَقَاءِ الْوَكَالَةِ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي أَقَّتَهُ الْمُوَكِّل.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْقَى بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّدَهُ الْمُوَكِّل.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَال: بِعْ دَارِي الْيَوْمَ، أَوِ اشْتَرِ لِي الدَّارَ الْيَوْمَ، فَفَعَل ذَلِكَ غَدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: قَال بَعْضُهُمْ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْقَى بَعْدَ الْيَوْمِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْقَى بَعْدَ الْيَوْمِ لأَِنَّ ذِكْرَ الْيَوْمِ لِلتَّعْجِيل لاَ لِتَوْقِيتِ الْوَكَالَةِ بِالْيَوْمِ، إِلاَّ إِذَا دَل الدَّلِيل عَلَيْهِ.
وَفِي " مِنْحَةِ الْخَالِقِ " نَقْلاً عَنِ الْبَزَّازِيَّةِ: أَنَّ الْوَكِيل إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ لاَ تَنْتَهِي وَكَالَتُهُ بِمُضِيِّ الْعَشْرَةِ فِي الأَْصَحِّ. (81) اقْتِرَانُ صِيغَةِ الْوَكَالَةِ بِالشَّرْطِ:
29 - إِذَا اقْتَرَنَتِ الْوَكَالَةُ بِشَرْطٍ، فَإِمَّا أَنَّ تَكُونَ هَذِهِ الشُّرُوطُ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً، فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِهِ عَلَى الْوَكَالَةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، أَيَّ شَرْطٍ كَانَ. (82)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ يُفْسِدُ الْوَكَالَةَ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ:
مَا لَوْ قَال الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: امْنَعِ الْمَبِيعَ مِنَ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْوَكَالَةَ تَفْسُدُ بِهِ، لأَِنَّ مَنْعَ الْحَقِّ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ إِثْبَاتَ يَدِهِ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَصَحَّ الْبَيْعُ بِالإِْذْنِ. (83)
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَفَاسِدُهَا لاَ يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالإِْذْنِ، لَكِنَّ خَصَائِصَهَا تَزُول بِفَسَادِهَا فَلاَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ الْعُقُودِ إِلاَّ مُقَيَّدَةً بِالْفَاسِدَةِ. (84) وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَوْ عَلَّقَ الْوَكَالَةَ عَلَى شَرْطٍ وَتَصَرَّفَ الْوَكِيل بَعْدَ الشَّرْطِ، الأَْصَحُّ الصِّحَّةُ، إِلاَّ أَنَّهُ بَطَل خُصُوصُ الْوَكَالَةِ فَيَبْقَى عُمُومُ الإِْذْنِ. (85) ، وَفَائِدَةُ فَسَادِ الْوَكَالَةِ سُقُوطُ الْمُسَمَّى إِنْ سَمَّى لَهُ أُجْرَةً، وَالرُّجُوعُ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْل. (86)
وَحَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ حَذْوَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ فَسَادَ الْوَكَالَةِ لاَ يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالإِْذْنِ، فَقَدْ قَال ابْنُ رَجَبٍ: ظَاهِرُ كَلاَمِ كَثِيرٍ مِنَ الأَْصْحَابِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنَ الْوَكِيل تَقْتَضِي فَسَادَ الْوَكَالَةِ لاَ بُطْلاَنَهَا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَيَصِيرُ مُتَصَرِّفًا بِمُجَرَّدِ الإِْذْنِ.
وَقَال أَيْضًا: الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ، إِنَّ فَسَادَهَا لاَ يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالإِْذْنِ، لَكِنَّ خَصَائِصَهَا تَزُول بِفَسَادِهَا، فَلاَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ الْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ إِلاَّ مُقَيَّدَةً بِالْفَسَادِ. (87)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل كَالْوَدِيعَةِ لِزَوَال الاِئْتِمَانِ، وَالإِْذْنُ فِي التَّصَرُّفِ كَانَ مَنُوطًا بِهِ. (88) وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الاِتِّجَاهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَال: الإِْذْنُ لَيْسَ مُنْفَصِلاً عَنِ الْوَكَالَةِ، فَمَعْنَى فَسَادِ الْوَكَالَةِ بُطْلاَنُ الإِْذْنِ. (89)
أَمَّا الشَّرْطُ الصَّحِيحُ فَإِنَّهُ إِذَا خَالَفَ الْوَكِيل الْمُوَكِّل فَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ آرَاءً (تُنْظَرُ فِي فِقْرَةِ 79 وَمَا بَعْدَهَا) .
صِفَةُ عَقْدِ الْوَكَالَةِ:
30 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ لأَِنَّ الْوَكَالَةَ تَبَرُّعٌ وَلاَ لُزُومَ فِي التَّبَرُّعَاتِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ لُزُومِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ بِأَنَّ الْمُوَكِّل قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي تَرْكِ مَا وَكَّل فِيهِ أَوْ فِي تَوْكِيل آخَرَ، كَذَلِكَ الْوَكِيل قَدْ لاَ يَتَفَرَّغُ، فَيَكُونُ لُزُومُ الْعَقْدِ مُضِرًّا بِهِمَا. (90) وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقُّ الْغَيْرِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ لاَزِمَةً. (91) .
وَمَثَّل الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِوَكِيل خُصُومَةٍ بِطَلَبِ الْخَصْمِ، فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّل عَزْلُهُ، فَإِذَا وَكَّل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَكِيلاً بِالْخُصُومَةِ بِطَلَبِ الْخَصْمِ (الَّذِي هُوَ الْمُدَّعِي) ثُمَّ غَابَ (الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) وَعَزَلَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ لِئَلاَّ يَضِيعَ حَقُّ الْمُدَّعِي.
وَكَذَا لَوْ عَزَل الْعَدْل الْمُوَكَّل بِبَيْعِ الرَّهْنِ نَفْسَهُ بِحَضْرَةِ الْمُرْتَهِنِ، إِنْ رَضِيَ بِالْعَزْل صَحَّ وَإِلاَّ لاَ يَصِحُّ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ.
كَمَا أَنَّ لِلْوَكِيل أَنْ يَعْزِل نَفْسَهُ مِنَ الْوَكَالَةِ وَلَكِنْ لَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ يَكُونُ مَجْبُورًا عَلَى إِبْقَاءِ الْوَكَالَةِ. (92)
وَمَثَّل الْمَالِكِيَّةُ بِمَا إِذَا وَكَّل الْمُوَكِّل وَكِيلاً فِي خُصُومَةٍ وَقَاعَدَ خَصْمُهُ ثَلاَثَ مَجَالِسَ وَلَوْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَانْعَقَدَتِ الْمَقَالاَتُ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّل حِينَئِذٍ عَزْل الْوَكِيل إِلاَّ لِمُقْتَضٍ كَظُهُورِ تَفْرِيطٍ أَوْ مَيْلٍ مَعَ الْخَصْمِ أَوْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَْعْذَارِ.
وَلَيْسَ لِلْوَكِيل حِينَئِذٍ عَزْل نَفْسِهِ إِلاَّ لِعُذْرٍ. (93) وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِهَذَا الْجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ خَالِيَةً عَنِ الْجُعْل وَلَمْ تُعْقَدْ بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ. (94)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَتَفَرَّعُ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ ثَلاَثُ مَسَائِل:
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: لاَ يَدْخُل الْوَكَالَةَ خِيَارُ الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي عَقْدٍ لاَزِمٍ لِيَتَمَكَّنَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مِنْ فَسْخِهِ إِذَا أَرَادَ. (95)
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يَصِحُّ الْحُكْمُ بِالْوَكَالَةِ مَقْصُودًا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي ضِمْنِ دَعْوَى صَحِيحَةٍ عَلَى غَرِيمٍ. (96)
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كَمَا أَنَّ لِلْمُوَكِّل عَزْل وَكِيلِهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، فَإِنَّ لِلْوَكِيل أَيْضًا أَنْ يَسْتَقِيل مِنَ الْوَكَالَةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَرَادَ. (97)
وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْحَالاَتِ الَّتِي لَيْسَ لِلْمُوَكِّل أَنْ يَعْزِل وَكِيلَهُ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ عَزْل الْوَكِيل.
الرَّأْيُ الثَّانِي: إِنْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِأُجْرَةٍ عَلَى سَبِيل الإِْجَارَةِ فَهِيَ لاَزِمَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَيَجِبُ حِينَئِذٍ أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهَا شَرَائِطُ الإِْجَارَةِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ. (98)
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ لاَزِمٌ مِنْ جَانِبِ الْوَكِيل وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، بِنَاءً عَلَى لُزُومِ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ. (99)
وَإِنْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ عَلَى سَبِيل الْجَعَالَةِ فَفِي صِفَةِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: اللُّزُومُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (100)
الْقَوْل الثَّانِي: الْجَوَازُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحَدُ الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (101)
الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَاعِل وَالْمَجْعُول لَهُ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ لاَزِمًا مِنْ جِهَةِ الْجَاعِل - وَهُوَ الْمُوَكِّل - بِشُرُوعِ الْمَجْعُول لَهُ بِالْعَمَل، وَهَذَا أَحَدُ الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (102) الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ: الْعَاقِدَانِ:
وَهَمَّا الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل:
أَوَّلاً: الْمُوَكِّل:
31 - الْمُوَكِّل: هُوَ مَنْ يُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ، وَتَلْزَمُهُ الأَْحْكَامُ. (103)
وَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَجْنُونِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالنَّائِمِ، وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مُطْلَقًا مَهْمَا كَانَ نَوْعُ التَّصَرُّفِ مَحَل الْوَكَالَةِ. (104) ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَأْتِي:
أ - تَوْكِيل الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ:
32 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيل الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي تَصَرُّفَاتٍ نَافِعَةٍ لَهُ نَفْعًا مَحْضًا.
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوْكِيلِهِ فِيمَا كَانَ ضَارًّا ضَرَرًا مَحْضًا.
أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ بِحَسَبِ أَصْل وَصْفِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيل الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِيهَا.
فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا تَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَكَالَةُ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فِي كُل تَصَرُّفٍ لاَ يُعْتَبَرُ لَهُ الْبُلُوغُ كَتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَوْكِيل الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بَاطِلٌ. (105)
ب - تَوْكِيل السَّفِيهِ:
33 - لاَ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فِيمَا لاَ يَسْتَقِل بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، أَمَّا مَا يَسْتَقِل بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّل فِيهِ. (106)
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (سَفَه ف 30) . ج - تَوْكِيل الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ:
34 - لاَ يَجُوزُ تَوْكِيل الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا فَلاَ تُوَكَّل فِيهِ وَإِنَّمَا وَلِيُّهَا الَّذِي يُزَوِّجُهَا.
وَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ. (107)
وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي (نِكَاح ف 109) .
د - تَوْكِيل الْمُرْتَدِّ:
35 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْكِيل الْمُرْتَدِّ لِغَيْرِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: الْوَكَالَةُ مِنَ الْمُرْتَدِّ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى عَوْدَتِهِ إِلَى الإِْسْلاَمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ) فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِل أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا بَطَلَتْ. وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ.
الْقَوْل الثَّانِي: يَرَى الصَّاحِبَانِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ وَكَالَةَ الْمُرْتَدِّ لِغَيْرِهِ صَحِيحَةٌ وَنَافِذَةٌ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ يَجُوزُ تَوْكِيلُهَا بِالاِتِّفَاقِ لأَِنَّ تَصَرُّفَاتِهَا نَافِذَةٌ. الْقَوْل الثَّالِثُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ تَوْكِيل الْمُرْتَدِّ بَاطِلٌ، وَهَذَا الْقَوْل اسْتَوْجَهَهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ. وَقَال الشَّبْرَامَلْسِيُّ: هُوَ الْمُعْتَمَدُ. (108)
هـ - تَوْكِيل الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ:
36 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْكِيل الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَوْكِيل مُسْلُمٍ ذِمِّيًّا فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَشِرَائِهِمَا؛ لأَِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَمْلِكَ الْمُوَكِّل نَفْسَ التَّصَرُّفِ الَّذِي يُوَكِّل فِيهِ الْغَيْرَ. وَالْمُسْلِمُ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْخَمْرِ أَوِ الْخِنْزِيرِ بِالْبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَفَاقِدُ الشَّيْءِ لاَ يُعْطِيهِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى صِحَّةِ تَوْكِيل الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ إِذْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّل أَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ تُخَوِّل لَهُ حَقَّ تَوْكِيل الْغَيْرِ فِيمَا يُوَكِّلُهُ فِيهِ. (109) و - تَوْكِيل الْمُحْرِمِ:
37 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيل الْمُحْرِمِ لِحَلاَلٍ فِي النِّكَاحِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَوْكِيل الْمُحْرِمِ لِحَلاَلٍ فِي النِّكَاحِ يَعْقِدُهُ لَهُ حَال إِحْرَامِ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّهُ لاَ يُبَاشِرُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْكِيل الْمُحْرِمِ فِي الزَّوَاجِ مُطْلَقًا، لأَِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ فَجَازَ لَهُ التَّوْكِيل فِيهِ. (110) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 73) .
ز - جَهَالَةُ الْمُوَكِّل:
38 - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْوَكِيل مُوَكِّلَهُ بِأَنْ قِيل لَهُ: وَكَّلَكَ زَيْدٌ وَلَمْ يُنْسَبْ لَهُ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِنْ وَصْفِهِ أَوْ شُهْرَتِهِ مَا يُمَيِّزُهُ. (111)
ثَانِيًا - الْوَكِيل:
39 - الْوَكِيل هُوَ الْمَعْهُودُ إِلَيْهِ تَنْفِيذُ الْوَكَالَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيل مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُوَكِّل مِنَ الْعَقْل، فَلاَ يَجُوزُ تَوْكِيل الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. (112)
وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الأُْمُورِ الآْتِيَةِ فِي الْوَكِيل:
أ - الْبُلُوغُ:
40 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ فِي الْوَكِيل.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ. (113)
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ يَعْقِل الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ، أَيْ يَعْقِل الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُقُودِ، فَيَعْرِفُ أَنَّ الشِّرَاءَ جَالِبٌ لِلْمَبِيعِ وَسَالِبٌ لِلثَّمَنِ، وَالْبَيْعَ عَلَى عَكْسِهِ، وَيَعْرِفُ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ مِنَ الْيَسِيرِ وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَالرِّبْحِ لاَ الْهَزْل.
وَقَالُوا: إِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إِلَى الْوَكِيل إِذَا كَانَ بَالِغًا، أَمَّا إِذَا كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَرْجِعُ إِلَى الْمُوكِّل لاَ إِلَى الْوَكِيل. كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. (114)
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيل الْمُمَيِّزِ وَتَوَكُّلُهُ فِي كُل تَصَرُّفٍ لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ الْبُلُوغُ، كَتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ. (115)
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ. (116) بِمَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَطَبَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَقَال ﷺ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلاَ غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَال لِعَمْرِو ابْنِ أُمِّ سَلَمَةَ: قُمْ فَزَوِّجْ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَزَوَّجَهُ وَكَانَ صَبِيًّا (117) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلاَ يَمْلِكُ أَنْ يَتَوَكَّل لِغَيْرِهِ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَمْ يَمْلِكْهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيل. (118)
ب - تَعْيِينُ الْوَكِيل:
41 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيل مُعَيَّنًا، فَإِذَا كَانَ مَجْهُولاً بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، فَلَوْ قَال شَخْصٌ: وَكَّلْتُ أَحَدَ النَّاسِ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ لِجَهَالَةِ الْوَكِيل وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ. وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: مِنَ التَّوْكِيل الْمَجْهُول قَوْل الدَّائِنِ لِمَدْيُونِهِ: مَنْ جَاءَكَ بِعَلاَمَةِ كَذَا، وَمَنْ أَخَذَ أُصْبُعَكَ، أَوْ قَال لَكَ كَذَا، فَادْفَعْ مَا لِي عَلَيْكَ إِلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ تَوْكِيل مَجْهُولٍ، فَلاَ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ. (119)
ج - عِلْمُ الْوَكِيل بِالْوَكَالَةِ:
41 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيل بِالْوَكَالَةِ لِصِحَّتِهَا.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْعِلْمُ بِالتَّوْكِيل فِي الْجُمْلَةِ شَرْطٌ بِلاَ خِلاَفٍ، إِمَّا عِلْمُ الْوَكِيل وَإِمَّا عِلْمُ مَنْ يُعَامِلُهُ، حَتَّى لَوْ وَكَّل رَجُلاً بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ الْوَكِيل مِنْ رَجُلٍ قَبْل عِلْمِهِ وَعِلْمِ الرَّجُل بِالتَّوْكِيل لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُجِيزَهُ الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْوَكَالَةِ.
وَأَمَّا عِلْمُ الْوَكِيل عَلَى التَّعْيِينِ بِالتَّوْكِيل فَهَل هُوَ شَرْطٌ؟ ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَذُكِرَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَإِذَا قَال الرَّجُل: اذْهَبْ بِثَوْبِي هَذَا إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يَبِيعَهُ، أَوِ اذْهَبْ إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يَبِيعَكَ ثَوْبِي الَّذِي عِنْدَهُ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ لِفُلاَنٍ فِي بَيْعِ ذَلِكَ الثَّوْبِ، إِنْ أَعْلَمَهُ الْمُخَاطَبُ بِمَا قَالَهُ الْمَالِكُ جَازَ بَيْعُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَلَوْ قَال: اذْهَبْ بِهَذَا الثَّوْبِ إِلَى الْقَصَّارِ حَتَّى يَقْصُرَهُ، أَوْ إِلَى الْخَيَّاطِ حَتَّى يَخِيطَهُ قَمِيصًا، فَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ لِلْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ فِي ذَلِكَ الْعَمَل حَتَّى لاَ يَصِيرَ ضَامِنًا بِعَمَلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَال لاِمْرَأَتِهِ: انْطَلِقِي إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يُطَلِّقَكِ، فَطَلَّقَهَا فُلاَنٌ وَلَمْ يَعْلَمْ يَقَعُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرْخَسِيِّ فِي بَابِ مَا تَقَعُ بِهِ الْوَكَالَةُ.
وَعِلْمُ الْوَكِيل بِالْوَكَالَةِ شَرْطُ عَمَل الْوَكَالَةِ حَتَّى إِنَّ مَنْ وَكَّل غَيْرَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ أَوْ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ وَالْوَكِيل لاَ يَعْلَمُ فَطَلَّقَ أَوْ بَاعَ، لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلاَ طَلاَقُهُ. هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ تَعَالَى فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. فَإِذَا وَكَّل إِنْسَانًا لاَ يَصِيرُ وَكِيلاً قَبْل الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. (120) .
وَقَالُوا: إِذَا كَانَ عِلْمُ الْوَكِيل بِالتَّوْكِيل شَرْطًا لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيل بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ، أَوْ كَتَبَ الْمُوَكِّل بِذَلِكَ كِتَابًا إِلَيْهِ فَبَلَغَهُ وَعَلِمَ مَا فِيهِ، أَوْ أَرْسَل إِلَيْهِ رَسُولاً فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِالتَّوْكِيل رَجُلاَنِ، أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ - صَارَ وَكِيلاً بِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ صَارَ وَكِيلاً أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ لاَ يَكُونُ وَكِيلاً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَكُونُ وَكِيلاً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. (121)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ دَارِهِ وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيل بِالتَّوْكِيل فَبَاعَهَا نَفَذَ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، لأَِنَّ الاِعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الأَْمْرِ. (122)
وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الأَْظْهَرِ، حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ مَال غَيْرِهِ ظَاهِرًا إِنْ بَانَ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ وِلاَيَةً كَوَكِيلٍ أَوْ وَصِيٍّ، اعْتِبَارًا فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الأَْمْرِ لِعَدَمِ حَاجَتِهَا إِلَى النِّيَّةِ. وَقَالُوا: يَحْرُمُ عَلَى الْوَكِيل تَعَاطِي هَذَا التَّصَرُّفِ قَبْل الْعِلْمِ بِأَنَّ لَهُ وِلاَيَةً عَلَيْهِ. (123)
د - عَدَالَةُ الْوَكِيل:
43 - لاَ تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْوَكِيل فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ اشْتَرَطُوا فِي عُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيل أَوِ الْوَلِيُّ عَدْلاً، وَمِنْهَا عَقْدُ النِّكَاحِ، حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْوَلِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلِلتَّفْصِيل (ر: نِكَاح ف 7، وَفِسْق ف 14) . هـ - ذُكُورَةُ الْوَكِيل:
44 - لَمْ يَشْتَرِطِ الْفُقَهَاءُ ذُكُورَةَ الْوَكِيل فِي الْجُمْلَةِ إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمُ اشْتَرَطَ كَوْنَ الْوَكِيل رَجُلاً فِي بَعْضِ الْعُقُودِ، وَمِنْهَا النِّكَاحُ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 107) .
الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ: مَحَل الْوَكَالَةِ:
45 - مَحَل الْوَكَالَةِ: هُوَ التَّصَرُّفُ الْمَأْذُونُ فِيهِ مِنَ الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل بِمَلِكٍ أَوْ وِلاَيَةٍ.
وَقَدْ نَصَّ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ لِمَحَل الْوَكَالَةِ شُرُوطًا ثَلاَثَةً:
أ - أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، لأَِنَّهَا لاَ تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ.
ب - أَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِلنِّيَابَةِ.
ج - أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُوَكِّل حَال التَّوْكِيل. (124)
أَنْوَاعُ الْوَكَالَةِ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا:
تَتَنَوَّعُ الْوَكَالَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَل: إِلَى وَكَالَةٍ خَاصَّةٍ، وَوَكَالَةٍ عَامَّةٍ.
أ - الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ:
46 - الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ هِيَ مَا كَانَ إِيجَابُ الْمُوَكِّل فِيهَا خَاصًّا بِتَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ، كَأَنْ يُوَكِّل إِنْسَانٌ آخَرَ فِي أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلاَّ فِيمَا وُكِّل بِهِ، بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
ب - الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ:
47 - الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً فِي كُل شَيْءٍ، كَأَنْ يَقُول الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُل شَيْءٍ، أَوْ يَقُول لَهُ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُل قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ الْعَامَّةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيل الْعَامِّ فِي الْجُمْلَةِ. (125) وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَال لِغَيْرِهِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُل شَيْءٍ، أَوْ قَال: أَنْتَ وَكِيلِي بِكُل قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، يَكُونُ وَكِيلاً بِحِفْظٍ لاَ غَيْرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَمَّا لَوْ قَال: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُل شَيْءٍ جَائِزٌ أَمْرُكَ، يَصِيرُ وَكِيلاً فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي طَلاَقٍ وَعِتَاقٍ وَوَقْفٍ، فَقِيل: يَمْلِكُ ذَلِكَ لإِِطْلاَقِ تَعْمِيمِ اللَّفْظِ، وَقِيل: لاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا دَل دَلِيل سَابِقَةِ الْكَلاَمِ وَنَحْوِهِ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُل شَيْءٍ جَائِزٌ أَمْرُكَ، مَلَكَ الْحِفْظَ وَالْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَيَمْلِكُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ حَتَّى إِذَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَال جَازَ حَتَّى يُعْلَمَ خِلاَفُهُ مِنْ قَصْدِ الْمُوَكِّلِ، وَعَنِ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ تَخْصِيصُهُ بِالْمُعَاوَضَاتِ وَلاَ يَلِي الْعِتْقَ وَالتَّبَرُّعَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَكَذَا لَوْ قَال طَلَّقْتُ امْرَأَتَكَ وَوَهَبْتُ وَوَقَفْتُ أَرْضَكَ، فِي الأَْصَحِّ لاَ يَجُوزُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالْمُعَاوَضَاتِ لاَ بِالإِْعْتَاقِ وَالْهِبَاتِ، وَبِهِ يُفْتَى ا. هـ.
وَفِي الْخُلاَصَةِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَالْحَاصِل أَنَّ الْوَكِيل وَكَالَةً عَامَّةً يَمْلِكُ كُل شَيْءٍ إِلاَّ الطَّلاَقَ وَالْعَتَاقَ وَالْوَقْفَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَمْلِكَ الإِْبْرَاءَ وَالْحَطَّ عَنِ الْمَدْيُونِ لأَِنَّهُمَا مِنْ قَبِيل التَّبَرُّعِ وَأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَرَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى، وَهَل لَهُ الإِْقْرَاضُ وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ. فَإِنَّهُمَا بِالنَّظَرِ إِلَى الاِبْتِدَاءِ تَبَرُّعٌ فَإِنَّ الْقَرْضَ عَارِيَّةٌ ابْتِدَاءً، مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةٌ ابْتِدَاءً مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَمْلِكَهُمَا الْوَكِيل بِالتَّوْكِيل الْعَامِّ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُمَا مَنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَاتِ، وَلِذَا لاَ يَجُوزُ إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَال الْيَتِيمِ وَلاَ هِبَتُهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِوَإِنْ كَانَتْ مُعَاوَضَةً فِي الاِنْتِهَاءِ، وَظَاهِرُ الْعُمُومِ أَنَّهُ يَمْلِكُ قَبْضَ الدَّيْنِ وَاقْتِضَاءَهُ وَإِيفَاءَهُ وَالدَّعْوَى بِحُقُوقِ الْمُوَكِّل وَسَمَاعَ الدَّعْوَى بِحُقُوقٍ عَلَى الْمُوَكِّل وَالأَْقَارِيرِ عَلَى الْمُوَكِّل بِالدُّيُونِ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ بِالْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ لاَ فِي الْعَامِّ، فَإِنْ قَال لَهُ: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً عَامَّةً، فَهَل يَتَنَاوَل الطَّلاَقَ وَالْعَتَاقَ وَالتَّبَرُّعَاتِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، لأَِنَّ مِنَ الأَْلْفَاظِ مَا صَرَّحَ قَاضِي خَانَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ عَامٌّ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا بِعَدَمِهِ. (126)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: وَكَّلْتُكَ، لأَِنَّهُ لاَ يَدُل عُرْفًا عَلَى شَيْءٍ بَل حَتَّى يُفَوِّضَ لِلْوَكِيل الأَْمْرَ بِأَنْ يَقُول: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً، أَوْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِي، أَوْ: أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي أُمُورِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِذَا فَوَّضَ لَهُ فَيَمْضِي وَيَجُوزُ النَّظَرُ وَهُوَ الصَّوَابُ، أَيْ مَا فِيهِ تَنْمِيَةُ الْمَال لاَ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ تَنْمِيَةُ الْمَال كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، إِلاَّ أَنْ يَقُول الْمُوَكِّل: وَيَمْضِي مِنْكَ غَيْرُ النَّظَرِ، فَيَمْضِي إِنْ وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ابْتِدَاءً فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّل رَدُّهُ، وَلاَ تَضْمِينُ الْوَكِيل. وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ النَّظَرِ مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَلاَ تَبْذِيرٍ. وَقَالُوا: لاَ يَمْضِي عَنِ الْوَكِيل طَلاَقُ زَوْجَةِ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْكَاحُ بِكْرِهِ، وَبَيْعُ دَارِ سُكْنَاهُ فِي كُلٍّ مِنَ النَّظَرِ وَغَيْرِهِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ لاَ تَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْوَكَالَةِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْوَكِيل بِإِذْنٍ خَاصٍّ. (127)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّوْكِيل الْعَامَّ لاَ يَصِحُّ. (128) فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكَّل فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ حَيْثُ يَقِل مَعَهُ الْغَرَرُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَلَوْ قَال: وَكَّلْتُكَ فِي كُل قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لِي، أَوْ فِي كُل أُمُورِي، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُل شَيْءٍ، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فَتَصَرَّفْ كَيْفَ شِئْتَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَعَظِيمِ الْخَطَرِ، وَإِنْ قَال وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَقَبْضِ دُيُونِي وَاسْتِيفَائِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، صَحَّ وَإِنْ جَهِل الأَْمْوَال وَالدُّيُونَ وَمَنْ هِيَ عَلَيْهِ. (129)
الأُْمُورُ الَّتِي تَقَعُ عَلَيْهَا الْوَكَالَةُ:
48 - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ضَابِطًا عَامًّا لِمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِعَقْدِ الْوَكَالَةِ، وَهُوَ: كُل عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ الإِْنْسَانُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّل بِهِ غَيْرَهُ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الأَْحْوَال فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فَيَكُونَ بِسَبِيلٍ مِنْهُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ. (130) إِلاَّ أَنْ هُنَاكَ أُمُورًا يَصِحُّ التَّوْكِيل فِيهَا بِالاِتِّفَاقِ، وَأُمُورًا لاَ يَصِحُّ التَّوْكِيل فِيهَا بِالاِتِّفَاقِ، وَأُمُورًا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا.
أ - الأُْمُورُ الَّتِي يَصِحُّ التَّوْكِيل فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ:
أَوَّلاً الْعُقُودُ:
49 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّوْكِيل فِيهِمَا، فَقَدْ يَكُونُ الْمُوَكِّل مِمَّنْ لاَ يُحْسِنُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، أَوْ لاَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إِلَى السُّوقِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ وَلاَ يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ، وَقَدْ يُحْسِنُهَا وَلَكِنَّهُ لاَ يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، وَقَدْ لاَ تَلِيقُ بِهِ التِّجَارَةُ لِكَوْنِهِ امْرَأَةً، أَوْ مِمَّنْ يَتَعَيَّرُ بِهَا وَيَحُطُّ ذَلِكَ مِنْ مَنْزِلَتِهِ، وَأَبَاحَهَا الشَّرْعُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ وَتَحْصِيلاً لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ. (131) ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّل عُرْوَةَ الْبَارِقِيَّ فِي شِرَاءِ الشَّاةِ (132) .، وَلأَِنَّهُ ﷺ دَفَعَ دِينَارًا إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً " (133) .
50 - وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالإِْجَارَةِ وَالْقَرْضِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْفَسْخِ، وَالإِْبْرَاءِ، وَالْمُصَارَفَةِ، وَالإِْقَالَةِ، وَالشُّفْعَةِ، لأَِنَّ كُل هَذِهِ الْعُقُودِ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى التَّوْكِيل فِيهَا فَيَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُهُ. (134)
وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الضَّمَانِ وَالصُّلْحِ وَالْهِبَةِ، لأَِنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى التَّوْكِيلِ، وَلأَِنَّ الْمُوَكِّل يَمْلِكُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ تَفْوِيضَهَا إِلَى غَيْرِهِ. (135) 51 - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ التَّوْكِيل فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مِنَ الرَّجُل؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّل عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُول النِّكَاحِ لَهُ (136) ، وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ الْمُوَكِّل إِلَى التَّزَوُّجِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ لاَ يُمْكِنُهُ السَّفَرُ إِلَيْهِ. (137) ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ (138) .
ثَانِيًا: الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ 52 - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، كَالزَّكَاةِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَالْمَنْذُورَاتِ، وَالْكَفَّارَاتِ. (139) ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْرِيقِهَا، " وَقَال لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ (140) . .
ثَالِثًا: الطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ وَالْخُلْعِ 53 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الطَّلاَقِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْخُلْعِ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ كَدُعَائِهَا إِلَى التَّوْكِيل فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ. (141)
ب - الأُْمُورُ الَّتِي لاَ يَصِحُّ التَّوْكِيل فِيهَا بِالاِتِّفَاقِ:
أَوَّلاً الشَّهَادَةُ:
54 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الشَّهَادَةِ، فَلَوْ قَال الشَّاهِدُ لِغَيْرِهِ: وَكَّلْتُكَ لِتَشْهَدَ عَنِّي فِي كَذَا، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، لأَِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّاهِدِ لِكَوْنِهَا خَبَرًا عَمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَائِبِهِ، وَلأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّعَبُّدِ وَالْيَقِينِ الَّذِي لاَ تُمْكِنُ النِّيَابَةُ فِيهِ.
فَإِنِ اسْتَنَابَ فِيهَا كَانَ النَّائِبُ شَاهِدًا عَلَى شَهَادَتِهِ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي مَا سَمِعَ مِنْ شَاهِدِ الأَْصْل وَلَيْسَ بِوَكِيلٍ. (142) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (شَهَادَة ف 42) .
ثَانِيًا: الأَْيْمَانُ وَالنُّذُورُ:
55 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الأَْيْمَانِ وَالنُّذُورِ، لأَِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْحَالِفِ وَالنَّاذِرِ فَأَشْبَهَتِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ، وَلأَِنَّ الْيَمِينَ تُفِيدُ صِدْقَ الْحَالِفِ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ اللِّعَانُ، وَالإِْيلاَءُ، وَالْقَسَامَةُ، لأَِنَّهَا أَيْمَانٌ فَلاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ. (143)
ثَالِثًا الْمَعَاصِي:
56 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الْمَعَاصِي كَالْجِنَايَاتِ مِثْل: الْقَتْل وَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ وَالْقَذْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْفْعَال مُحَرَّمَةٌ فَلاَ يَصِحُّ فِعْلُهَا مِنَ الْمُوَكِّل وَلاَ مِنَ الْوَكِيل. (144)
رَابِعًا الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ:
57 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ، أَيِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْمَال، كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ، لأَِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَلاَ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِيهَا. (145) انْظُرْ مُصْطَلَحَ (عِبَادَة ف 7) .
ج - الأُْمُورُ الْمُخْتَلَفُ فِي التَّوْكِيل فِيهَا:
أَوَّلاً الْحَجُّ:
58 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيل فِي الْحَجِّ مِنَ الإِْنْسَانِ الْقَادِرِ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ.
أَمَّا الْعَاجِزُ عَنِ الأَْدَاءِ بِنَفْسِهِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (حَجّ ف 114 وَمَا بَعْدَهَا، وَنِيَابَة ف 13 - 45، أَدَاء ف 16) .
ثَانِيًا الْعُمْرَةُ:
59 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى جَوَازِ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ عَنِ الْغَيْرِ بِالْوَكَالَةِ. (146) وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (عُمْرَة ف 38) .
ثَالِثًا: النِّكَاحُ مِنَ الْمَرْأَةِ:
60 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُوَكِّل وَلاَ أَنْ تَتَوَكَّل فِي الزَّوَاجِ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَعْقِدَهُ بِنَفْسِهَا، فَلاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَوَكَّل وَلاَ أَنْ تُوَكَّل فِيهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، لأَِنَّهَا تَمْلِكُ أَنْ تَعْقِدَهُ بِنَفْسِهَا عِنْدَهُمْ، فَمَلَكَتِ التَّوَكُّل وَالتَّوْكِيل فِيهِ أَيْضًا (نِكَاح ف 107) .
رَابِعًا الظِّهَارُ:
61 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الظِّهَارِ بِأَنْ يَقُول الْوَكِيل: أَنْتِ عَلَى مُوَكِّلِي كَظَهْرِ أُمِّهِ، لأَِنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ فَلاَ يَجُوزُ فِعْلُهُ وَلاَ الاِسْتِنَابَةُ فِيهِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّوْكِيل فِيهِ. وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَال: الأَْقْرَبُ فِي الظِّهَارِ أَنَّهُ كَالطَّلاَقِ لأَِنَّ قَوْل الْوَكِيل: زَوْجَةُ مُوَكِّلِي عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ، كَقَوْلِهِ: امْرَأَةُ مُوَكِّلِي طَالِقٌ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الظِّهَارَ وَالطَّلاَقَ إِنْشَاءٌ مُجَرَّدٌ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ. (147)
خَامِسًا تَحْصِيل الْمُبَاحَاتِ:
62 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيل فِي تَحْصِيل الْمُبَاحَاتِ كَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَإِسْقَاءِ الْمَاءِ، وَالاِصْطِيَادِ، وَالاِحْتِشَاشِ، أَوْ يُوَكِّل مَنْ يَحْفُرُ لَهُ مَعْدِنًا، لأَِنَّهَا تَمَلُّكُ مَالٍ بِسَبَبٍ لاَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَجَازَ التَّوْكِيل فِيهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الْمُبَاحَاتِ، وَالْمَلِكُ فِيهَا لِلْوَكِيل لأَِنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ قَدْ وُجِدَ فَلاَ يَنْصَرِفُ عَنْهُ بِالنِّيَّةِ. (148) سَادِسًا الإِْقْرَارُ:
63 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيل بِالإِْقْرَارِ فِي الْحُقُوقِ، فَلَوْ قَال شَخْصٌ لآِخَرَ: وَكَّلْتُكَ لِتُقِرَّ عَنِّي لِفُلاَنٍ بِكَذَا، جَازَ هَذَا التَّوْكِيلُ، لأَِنَّهُ إِثْبَاتُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ بِالْقَوْل فَجَازَ التَّوْكِيل فِيهِ كَالْبَيْعِ. (149)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ. (150) وَالطَّحَاوِيُّ. (151) إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الإِْقْرَارِ، لأَِنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ فَلَمْ يَقْبَل التَّوْكِيل كَالشَّهَادَةِ.
سَابِعًا الْخُصُومَةُ بِالْمُطَالَبَةِ بِالْحُقُوقِ:
64 - الْخُصُومَةُ هِيَ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ أَوِ الْجَوَابُ الصَّرِيحُ بِنَعَمٍ أَوْ لاَ. (152)
وَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ فِي الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ، حَاضِرًا كَانَ الْمُوَكِّل أَوْ غَائِبًا، صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا، رَضِيَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَرْضَ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَا إِذَا كَانَ الْوَكِيل عَدُوًّا لِلْخَصْمِ فَلاَ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ مَا لَمْ يَرْضَ الْخَصْمُ عَلَيْهِ. (153)
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَكَّل عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَقِيلاً عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَقَال: مَا قَضَى لَهُ فَلِي وَمَا قَضَى عَلَيْهِ فَعَلَيَّ، وَبِأَنَّهُ حَقٌّ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ فَكَانَ لِصَاحِبِهِ الاِسْتِنَابَةُ فِيهِ وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاءِ خَصْمِهِ، كَحَال غَيْبَتِهِ وَمَرَضِهِ وَكَدَفْعِ الْمَال الَّذِي عَلَيْهِ.
وَبِأَنَّ التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ صَادَفَ حَقَّ الْمُوَكِّل فَلاَ يَقِفُ عَلَى رِضَا الْخَصْمِ، كَالتَّوْكِيل بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَدَلاَلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّعْوَى حَقُّ الْمُدَّعِي، وَالإِْنْكَارَ حَقُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَقَدْ صَادَفَ التَّوْكِيل مِنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقَّ نَفْسِهِ فَلاَ يَقِفُ عَلَى رِضَا خَصْمِهِ كَمَا لَوْ كَانَ خَاصَمَهُ بِنَفْسِهِ.
وَأَضَافُوا بِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُوَكِّل قَدْ يَكُونُ لَهُ حَقٌّ، أَوْ يُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَقٍّ وَلاَ يُحْسِنُ الْخُصُومَةَ أَوْ لاَ يُحِبُّ أَنْ يَتَوَلاَّهَا بِنَفْسِهِ. (154) وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ فِي إِثْبَاتِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ إِلاَّ بِرِضَاءِ الْخَصْمِ، حَتَّى يَلْزَمَ الْخَصْمَ جَوَابُ الْوَكِيلِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّل مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، فَلِلْخَصْمِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ مُحَاكَمَةِ الْوَكِيل إِذَا كَانَ الْمُوَكِّل حَاضِرًا، لأَِنَّ حُضُورَ الْمُوَكِّل مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَمُخَاصَمَتَهُ حَقٌّ لِخَصْمِهِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاءِ خَصْمِهِ كَالدَّيْنِ عَلَيْهِ.
وَوَجْهُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الدَّعْوَى الصَّادِقَةُ، وَالإِْنْكَارُ الصَّادِقُ وَدَعْوَى الْمُدَّعِي خَبَرٌ يَحْتَمِل الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَالسَّهْوَ وَالْغَلَطَ، وَكَذَا إِنْكَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلاَ يَزْدَادُ الاِحْتِمَال فِي خَبَرِهِ بِمُعَارَضَةِ خَبَرِ الْمُدَّعِي، فَلَمْ يَكُنْ كُل ذَلِكَ حَقًّا فَكَانَ الأَْصْل أَلاَّ يَلْزَمَ بِهِ جَوَابٌ، إِلاَّ أَنَّ الشَّرْعَ أَلْزَمَ الْجَوَابَ لِضَرُورَةِ فَصْل الْخُصُومَاتِ وَقَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْفَسَادِ وَإِحْيَاءِ الْحُقُوقِ الْمَيِّتَةِ، وَحَقُّ الضَّرُورَةِ يَصِيرُ مَقْضِيًّا بِجَوَابِ الْمُوَكِّل فَلاَ تَلْزَمُ الْخُصُومَةُ عَنْ جَوَابِ الْوَكِيل مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، مَعَ أَنَّ النَّاسَ فِي الْخُصُومَاتِ عَلَى التَّفَاوُتِ، بَعْضُهُمْ أَشَدُّ خُصُومَةً مِنَ الآْخَرِ، فَرُبَّمَا يَكُونُ الْوَكِيل أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ فَيَعْجِزُ مَنْ يُخَاصِمُهُ عَنْ إِحْيَاءِ حَقِّهِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، فَيُشْتَرَطُ رِضَاءُ الْخَصْمِ لِيَكُونَ لُزُومُ الضَّرَرِ مُضَافًا إِلَى الْتِزَامِهِ، أَمَّا إِذَاكَانَ الْمُوَكِّل مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا فَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ الدَّعْوَى وَعَنِ الْجَوَابِ بِنَفْسِهِ، فَلَوْ لَمْ يَمْلِكِ النَّقْل إِلَى غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيل لَضَاعَتِ الْحُقُوقُ وَهَلَكَتْ، وَهَذَا لاَ يَجُوزُ. (155)
وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ أَنَّهُ لاَ فَصْل فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَالْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، لَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتَحْسَنُوا فِي الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ مُخَدَّرَةً غَيْرَ بَرَزَةٍ، فَجَوَّزُوا تَوْكِيلَهَا، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ فِي مَوْضِعِهِ، لأَِنَّهَا تَسْتَحِي عَنِ الْحُضُورِ لِمَحَافِل الرِّجَالِ، وَعَنِ الْجَوَابِ بَعْدَ الْخُصُومَةِ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا فَيَضِيعُ حَقُّهَا.
وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لاَ يَجُوزُ إِلاَّ تَوْكِيل الْبِكْرِ. (156)
ثَامِنًا إِثْبَاتُ الْقِصَاصِ وَاسْتِيفَاؤُهُ:
أ - إِثْبَاتُ الْقِصَاصِ:
65 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّل حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، لأَِنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الآْدَمِيِّ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّوْكِيل فِيهِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيل بِإِثْبَاتِ الْقِصَاصِ وَلاَ تُقْبَل الْبَيِّنَةُ فِيهِ إِلاَّ مِنَ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ التَّوْكِيل إِنَابَةٌ وَشُبْهَةٌ يُتَحَرَّزُ عَنْهَا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. (157)
ب - اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ:
66 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّوْكِيل فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِيهِ، لأَِنَّ كُل مَا جَازَ التَّوْكِيل فِيهِ جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّل وَغَيْبَتِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيل بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّل غَائِبًا، وَيَجُوزُ التَّوْكِيل فِي الاِسْتِيفَاءِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّل حَاضِرًا، لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الاِسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّوْكِيلِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّوْكِيل فِي الاِسْتِيفَاءِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّل غَائِبًا، لأَِنَّ احْتِمَال الْعَفْوِ قَائِمٌ، لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَعَفَى، فَلاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْعَدِمٌ حَالَةَ حَضْرَةِ الْمُوَكِّل. (158) . تَاسِعًا إِثْبَاتُ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاؤُهَا:
67 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّوْكِيل فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَائِهَا عَلَى رَأْيَيْنِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَائِهَا تَفْصِيلٌ، فَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإِْثْبَاتِ وَالاِسْتِيفَاءِ.
أَمَّا فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ لِقَوْلِهِ ﷺ. . وَاغَدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ (159) ، فَقَدْ وَكَّلَهُ فِي إِثْبَاتِ حَدِّ الزِّنَا وَاسْتِيفَائِهِ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنْهُمْ: لاَ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيل فِي إِثْبَاتِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَعَلَّلُوا عَدَمَ جَوَازِ التَّوْكِيل فِي إِثْبَاتِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَدْ أُمِرْنَا فِيهِ بِالدَّرْءِ وَالتَّوَصُّل إِلَى إِسْقَاطِهِ، وَبِالتَّوْكِيل يُتَوَصَّل إِلَى إِيجَابِهِ فَلَمْ يَجُزْ.
وَأَمَّا إِثْبَاتُ التَّوْكِيل فِي إِثْبَاتِ حَدِّ الْقَذْفِ فَقَدْ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَجَازَ التَّوْكِيل فِي إِثْبَاتِهِ كَالْمَال. (160)
وَأَمَّا فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ لِحَدِيثِ أُنَيْسٍ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ فَرَجَمُوهُ (161) .
وَوَكَّل عُثْمَانُ عَلِيًّا فِي إِقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَوَكَّل عَلِيٌّ الْحَسَنَ فِي ذَلِكَ فَأَبَى الْحَسَنُ، فَوَكَّل عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَأَقَامَهُ وَعَلَيٌّ يَعُدُّ (162) .
وَيَجُوزُ التَّوْكِيل فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ كُلِّهَا فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّل وَغَيْبَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ حَدِّ الْقَذْفِ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّل لاِحْتِمَال الْعَفْوِ. (163)
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّوْكِيل بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِالإِْثْبَاتِ،
وَالثَّانِي: بِالاِسْتِيفَاءِ.
أَمَّا التَّوْكِيل بِالإِْثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ حَدًّا لاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْخُصُومَةِ كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلاَ يَجُوزُ التَّوْكِيل فِيهِ بِالإِْثْبَاتِ، لأَِنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الإِْقْرَارِ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْخُصُومَةِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَيَجُوزُ التَّوْكِيل بِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لأَِنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الإِْثْبَاتِ وَالاِسْتِيفَاءِ وَهُوَ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّوْكِيل فِي الاِسْتِيفَاءِ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ فِي التَّوْكِيل بِالإِْثْبَاتِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لاَ يَجُوزُ وَلاَ تُقْبَل الْبَيِّنَةُ فِيهِمَا إِلاَّ مِنَ الْمُوَكِّل؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيل فِيهِ بِالاِسْتِيفَاءِ، فَكَذَا بِالإِْثْبَاتِ، لأَِنَّ الإِْثْبَاتَ وَسِيلَةٌ إِلَى الاِسْتِيفَاءِ.
أَمَّا التَّوْكِيل بِاسْتِيفَاءِ حَدَّيِ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ أَوِ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ حَاضِرًا وَقْتَ الاِسْتِيفَاءِ جَازَ التَّوْكِيلُ، لأَِنَّ وِلاَيَةَ الاِسْتِيفَاءِ إِلَى الإِْمَامِ وَأَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى الاِسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ عَلَى كُل حَالٍ.
أَمَّا إِنْ كَانَ غَائِبًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ: فَقَال بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ، لأَِنَّ عَدَمَ الْجَوَازِلاِحْتِمَال الْعَفْوِ وَالصُّلْحِ وَأَنَّهُ لاَ يَحْتَمِلُهُمَا.
وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ لاَ يَحْتَمِل الْعَفْوَ وَالصُّلْحَ، فَيَحْتَمِل الإِْقْرَارَ وَالتَّصْدِيقَ. (164)
أَحْكَامُ الْوَكَالَةِ:
لِلْوَكَالَةِ أَحْكَامٌ، مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرِ.
الْقِسْمُ الأَْوَّل: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيل مِنْ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ:
68 - تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيل أَحْكَامٌ، مِنْهَا:
الأَْوَّل: أَنْ يَقُومَ الْوَكِيل بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ الَّتِي أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّل بِهَا أَوِ الَّتِي قَيَّدَهُ الشَّرْعُ أَوِ الْعُرْفُ بِالْتِزَامِهَا.
الثَّانِي: مُوَافَاةُ الْمُوَكِّل بِالْمَعْلُومَاتِ الضَّرُورِيَّةِ وَتَقْدِيمُ حِسَابٍ عَنِ الْوَكَالَةِ.
الثَّالِثُ: رَدُّ مَا لِلْمُوَكِّل فِي يَدِ الْوَكِيل وَتَفْصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ فِيمَا يَلِي:
الْحُكْمُ الأَْوَّل: تَنْفِيذُ الْوَكَالَةِ:
69 - سَبَقَ أَنْ بَيَّنَّا بِأَنَّ الْوَكَالَةَ إِمَّا عَامَّةٌ وَإِمَّا خَاصَّةٌ، وَبَيَّنَّا حُكْمَ كُلٍّ، وَنُبَيِّنُ هُنَا أَنَّ الْوَكَالَةَ الْخَاصَّةَ تَارَةً تَصْدُرُ مُطْلَقَةً وَتَارَةً تَصْدُرُ مُقَيَّدَةً.
الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ فِي عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ:
مِنْ صُوَرِ الْوَكَالَةِ الْخَاصَّةِ مَا يَلِي:
الصُّورَة ُالأُْولَى: الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ:
الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ إِِمَّا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً.
أَوَّلاً: إِطْلاَقُ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ:
70 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا َجُوزُ لِلْوَكِيل عِنْدَ تَوْكِيلِهِ بِالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ.
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا عَنِ الْقُيُودِ لاَ يَكُونُ مُقَيَّدًا بِأَيِّ قَيْدٍ إِلاَّ إِذَا كَانَ مُتَّهَمًا.
فَالْوَكِيل فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، وَبِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ، وَبِالْعَرْضِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ أَنْ يُجْرَى عَلَى إِطْلاَقِهِ وَلاَ يَصِحُّ تَقْيِيدُهُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ، وَالْعُرْفُ مُتَعَارِضٌ، فَإِنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لِغَرَضِ التَّوَصُّل بِثَمَنِهِ إِلَى شِرَاءِ مَا هُوَ أَرْبَحُ مِنْهُ مُتَعَارَفٌ أَيْضًا، فَلاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ مَعَ التَّعَارُضِ، مَعَ أَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَارَفًا فِعْلاً، فَهُوَ مُتَعَارَفٌ ذِكْرًا وَتَسْمِيَةً، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَمَّى بَيْعًا، أَوْ هُوَ مُبَادَلَةُ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ بِشَيْءٍ مَرْغُوبٍلُغَةً، وَقَدْ وُجِدَ، وَمُطْلَقُ الْكَلاَمِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْمُتَعَارَفِ ذِكْرًا وَتَسْمِيَةً مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْفِعْل. (165)
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ عِدَّةٍ يَأْتِي بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:
أ - الْبَيْعُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ:
71 - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل بِالْبَيْعِ عِنْدَ إِطْلاَقِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَبِيعَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ؛ لأَِنَّ إِطْلاَقَ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إِلَى نَقْدِ الْبَلَدِ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْوَكِيل لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِغَيْرِ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ إِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ.
وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِي النِّهَايَةِ: أَنَّ الْوَكِيل يَبِيعُ حَالًّا بِنَقْدِ بَلَدِهِ وَبِغَيْرِهِ، لاَ نَسَاءً. (166)
ب - الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْل:
72 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْل مِمَّا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ.
وَأَمَّا مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ كَالدِّرْهَمِ فِي الْعَشْرَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَبِيعُ الْوَكِيل بِثَمَنِ الْمِثْل وَثَمَّ رَاغِبٌ بِأَزْيَدَ.
73 - وَإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْل فَقَدِ اخْتَلَفَ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّل يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقَبُول وَالرَّدِّ إِذَا بَاعَ الْوَكِيل بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْل وَلَوْ يَسِيرًا، وَالْيَسِيرُ عِنْدَهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ فَأَقَل.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْوَكِيل الْمَبِيعَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّسْلِيمِ وَلَوْ مِثْلِيًّا لِتَعَدِّيهِ بِتَسْلِيمِهِ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ، وَيَسْتَرِدُّهُ إِنْ بَقِيَ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَضْمَنُ الْوَكِيل النَّقْصَ، لأَِنَّ مَنْ صَحَّ بَيْعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْل صَحَّ بِدُونِهِ كَالْمَرِيضِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: لاَ يَصِحُّ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَصِحُّ. (167) ج - الْبَيْعُ بِالنُّقُودِ:
74 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّل إِذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ بِالْبَيْعِ لاَ يَصِحُّ لِلْوَكِيل أَنْ يَبِيعَ بِعَرَضٍ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ إِلاَّ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، لأَِنَّ مُطْلَقَ الأَْمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ، لأَِنَّ التَّصَرُّفَاتِ لِدَفْعِ الْحَاجَاتِ فَتَتَقَيَّدُ بِمَوَاقِعِهَا، وَالْمُتَعَارَفُ الْبَيْعُ بِالنُّقُودِ. كَمَا أَنَّ الْمُقَايَضَةَ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ شِرَاءٌ مِنْ وَجْهٍ فَلاَ يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اسْمِ الْبَيْعِ.
وَهَذَا رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا كَانَ الْعَرَضُ مِمَّا لاَ يَتَعَامَل بِهِ أَهْل الْبَلَدِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْمُوجَزِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ احْتِمَالٌ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ بِالْعَرَضِ. (168)
د - الْحُلُول:
75 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً، لأَِنَّ الْمُوَكِّل لَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ وَأَطْلَقَ انْصَرَفَ إِلَى الْحُلُولِ، فَكَذَا وَكَيْلُهُ.
وَيَتَخَرَّجُ - بِنَاءً عَلَى رِوَايَةٍ فِي الْمَضَارِبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّ لِلْوَكِيل بِالْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً لأَِنَّهُ مُعْتَادٌ فَأَشْبَهَ الْحَال. (169)
هـ - الْبَيْعُ بِالْعَيْنِ:
76 - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِمَنْفَعَةٍ. (169)
و عَدَمُ بَيْعِ الْوَكِيل لِنَفْسِهِ:
77 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْقَيْدِ عَلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ، لأَِنَّ الْعُرْفَ فِي الْبَيْعِ بَيْعُ الرَّجُل مِنْ غَيْرِهِ فَحُمِلَتِ الْوَكَالَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَلأَِنَّهُ يَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ.
وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِأَنَّ الْوَاحِدَ لاَ يَكُونُ مُشْتَرِيًا وَبَائِعًا، وَقَالُوا: لَوْ أَمَرَ الْمُوَكِّل الْوَكِيل أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكِيل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ إِذَا أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّل.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الأَْصَحِّ: يَتَوَلَّى الْوَكِيل طَرَفَيِ الْعَقْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا انْتَفَتِ التُّهْمَةُ كَأَبِ الصَّغِيرِ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنَ الْمَنْعِ مَا إِذَا تَنَاهَتِ الرَّغَبَاتُ فِي الْمَبِيعِ أَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّل فَيَجُوزُ.
الرَّأْيُ الثَّانِي: عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ: يَجُوزُ لِلْوَكِيل فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ، أَوْ وَكَّل مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ، لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَحْصُل غَرَضُ الْمُوَكِّل مِنَ الثَّمَنِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ لأَِجْنَبِيٍّ.
وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: أَنَّ الْجَوَازَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ.
الثَّانِي: أَنْ يَتَوَلَّى النِّدَاءَ غَيْرُهُ.
قَال الْقَاضِي: يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الثَّانِي وَاجِبًا، وَهُوَ أَشْبَهُ بِكَلاَمِهِ وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا.
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ إِنْ لَمْ يُحَابِ نَفْسَهُ. (171)
ز - عَدَمُ بَيْعِ الْوَكِيل لِمَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ:
78 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقَيُّدِ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا بِعَدَمِ الْبَيْعِ لِمَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ، مِثْل قَرَابَةِ الأَْوْلاَدِ، وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآْخَرِ، حَسَبَ التَّفْصِيل الآْتِي:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ إِذَا بَاعَ مِمَّنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ إِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْقِيمَةِ يَجُوزُ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ بِأَقَل مِنَ الْقِيمَةِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لاَ يَجُوزُ بِالإِْجْمَاعِ.
وَإِنْ بَاعَ بِمِثْل الْقِيمَةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ.
وَقَال الصَّاحِبَانِ: يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ بِمِثْل الْقِيمَةِ إِلاَّ مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتِبِهِ، لأَِنَّ التَّوْكِيل مُطْلَقٌ وَلاَ تُهْمَةَ فِيهِ، لأَِنَّ الأَْمْلاَكَ مُتَبَايِنَةٌ وَالْمَنَافِعَ مُنْقَطِعَةٌ فَصَارَ الْوَكِيل كَالْمُضَارِبِ بِخِلاَفِ عَبْدِهِ وَمُكَاتِبِهِ، لأَِنَّ الْعَبْدَ مِلْكُهُ، وَلَهُ فِي مَال مُكَاتِبِهِ حَقٌّ.
وَإِنْ أَمَرَهُ الْمُوَكِّل بِالْبَيْعِ مِنْ هَؤُلاَءِ أَوْ أَجَازَ لَهُ مَا صَنَعَ بِأَنْ قَال لَهُ: بِعْ مِمَّنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ هَؤُلاَءِ بِمِثْل الْقِيمَةِ بِالإِْجْمَاعِ، إِلاَّ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ مِنْ عَبْدِهِ وَلاَ دَيْنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَطْعًا.
وَإِنْ كَانَ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَال الصَّاحِبَانِ: يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ. (172)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ: لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَبِيعَ لِمَحْجُورِهِ مِنْ صَغِيرٍ وَسَفِيهٍ وَرَقِيقٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل الْبَيْعِ لِنَفْسِهِ كَمَا لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ شَرِيكِهِ الْمُفَاوِضِ إِنِ اشْتَرَى بِمَال الْمُفَاوَضَةِ، وَكَذَلِكَ شَرِيكُهُ الآْخِذُ بِعِنَانِهِ إِذَا كَانَ الشِّرَاءُ بِمَال الشَّرِكَةِ وَإِلاَّ جَازَ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْوَكِيل مِنْ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ الرَّشِيدِ وَرَقِيقِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِالتِّجَارَةِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يُحَابِيَ لَهُمْ، فَإِنْ حَابَى مُنِعَ وَمَضَى الْبَيْعُ وَغَرِمَ الْوَكِيل مَا حَابَى بِهِ، وَالْعِبْرَةُ بِالْمُحَابَاةِ وَقْتَ الْبَيْعِ.
وَقِيل: يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَبِيعَ لِمَنْ ذُكِرَ. (173)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْوَكِيل بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا لاَ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَحَاجِيرِهِ وَلَوْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ، لِتَضَادِّ غَرَضَيِ الاِسْتِرْخَاصِ لَهُمْ وَالاِسْتِقْصَاءِ لِلْمُوَكِّلِ، وَلأَِنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ لِيَهَبَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنِ انْتَفَتِ التُّهْمَةُ لاِتِّحَادِ الْمُوجِبِ وَالْقَابِل.
أَمَّا بَيْعُهُ لأُِصُولِهِ كَأَبِيهِ أَوْ لِفُرُوعِهِ غَيْرِ الْمَحْجُورِينَ كَابْنِهِ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ لَهُمَا لاِنْتِفَاءِ مَا ذُكِرَ وَهُوَ اتِّحَادُ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ، وَلأَِنَّهُ بَاعَ بِالثَّمَنِ الَّذِي لَوْ بَاعَ بِهِ لأَِجْنَبِيٍّ لَصَحَّ، فَلاَ تُهْمَةَ حِينَئِذٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْ صَدِيقِهِ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ بِالْمَيْل إِلَيْهِمْ كَمَا لَوْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الإِْمَامُ أَنْ يُوَلِّيَ الْقَضَاءَ مَنْ شَاءَ، لاَ يَجُوزُ لَهُ تَفْوِيضُهُ إِلَى أُصُولِهِ وَلاَ فُرُوعِهِ. (174)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَبِيعَ عِنْدَ التَّوْكِيل بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا لِوَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ مُكَاتِبِهِ، لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِمْ وَيَمِيل إِلَى تَرْكِ الاِسْتِقْصَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الثَّمَنِ كَتُهْمَتِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَهُمْ: يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَبِيعَ لِهَؤُلاَءِ الْمَذْكُورِينَ، وَمَحَل الْخِلاَفِ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُوَكِّل فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا إِنْ أَذِنَ لَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَقِيل: لاَ يَصِحُّ أَيْضًا.
قَال الْمَرْدَاوِيُّ: مَفْهُومُ كَلاَمِهِ جَوَازُ بَيْعِ الْوَكِيل لإِِخْوَتِهِ وَسَائِرِ أَقَارِبِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَذَكَرَ الأَْزْجِيُّ فِيهِمْ وَجْهَيْنِ:
قَال الْمَرْدَاوِيُّ: حَيْثُ حَصَلَتْ تُهْمَةٌ فِي ذَلِكَ لاَ يَصِحُّ. (175) ثَانِيًا: الْوَكَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ فِي الْبَيْعِ:
79 - إِذَا قَيَّدَ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِقُيُودٍ مُعَيَّنَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ بِهَا عِنْدَ تَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: التَّوْكِيل بِالْبَيْعِ إِنْ كَانَ مُقَيَّدًا يُرَاعَى فِيهِ الْقَيْدُ بِالإِْجْمَاعِ حَتَّى أَنَّهُ إِذَا خَالَفَ قَيْدَهُ لاَ يَنْفُذُ عَلَى الْمُوكِّلِ، وَلَكِنْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ خِلاَفُهُ إِلَى خَيْرٍ، لأَِنَّ الْوَكِيل يَتَصَرَّفُ بِوِلاَيَةٍ مُسْتَفَادَةٍ مِنْ قِبَل الْمُوَكِّل فَيَلِي مِنَ التَّصَرُّفِ قَدْرَ مَا وَلاَّهُ. وَإِنْ كَانَ الْخِلاَفُ إِلَى خَيْرٍ فَإِنَّمَا نَفَذَ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ خِلاَفًا صُورَةً فَهُوَ وِفَاقٌ مَعْنًى، لأَِنَّهُ آمِرٌ بِهِ دَلاَلَةً فَكَانَ مُتَصَرِّفًا بِتَوْلِيَةِ الْمُوَكِّل فَنَفَذَ.
بَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِذَا قَال لَهُ: بِعْ ثَوْبِي هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَبَاعَهُ بِأَقَل مِنَ الأَْلْفِ لاَ يَنْفُذُ، وَكَذَا إِذَا بَاعَهُ بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ لاَ يَنْفُذُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ لأَِنَّهُ خِلاَفٌ إِلَى شَرٍّ، لأَِنَّ أَغْرَاضَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْجْنَاسِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْخِلاَفِ إِلَى شَرٍّ.
وَإِنْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ نَفَذَ لأَِنَّهُ خِلاَفٌ إِلَى خَيْرٍ فَلَمْ يَكُنْ خِلاَفًا أَصْلاً.
وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حَالَّةً فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ نَسِيئَةً لَمْ يَنْفُذْ بَل يَتَوَقَّفْ.وَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَبِيعَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةً نَفَذَ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِطَ الْخِيَارِ لِلآْمِرِ فَبَاعَهُ وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْخِيَارَ لَمْ يَجُزْ بَل يَتَوَقَّفْ.
وَلَوْ بَاعَ وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِلآْمِرِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُجِيزَ لأَِنَّهُ لَوْ مَلَكَ الإِْجَازَةَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ. (176)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا زَادَ الْوَكِيل فِي الْبَيْعِ كَأَنْ قَال لَهُ الْمُوَكِّل: بِعْ بِعَشَرَةٍ، فَبَاعَ بِأَكْثَرَ، أَوْ نَقَصَ فِي الشِّرَاءِ كَأَنْ قَال لَهُ: اشْتَرِ بِعَشَرَةٍ، فَاشْتَرَى بِأَقَل، فَلاَ خِيَارَ لِمُوَكِّلِهِ فِيهِمَا، لأَِنَّ هَذَا مِمَّا يُرْغَبُ فِيهِ فَكَأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ مُطْلَقُ الْمُخَالَفَةِ تُوجِبُ خِيَارًا وَإِنَّمَا تُوجِبُهُ مُخَالَفَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ. (177)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَمْلِكُ الْوَكِيل مِنَ التَّصَرُّفِ إِلاَّ مَا يَقْتَضِيهِ إِذْنُ الْمُوَكِّل مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ لأَِنَّ تَصَرُّفَهُ بِالإِْذْنِ فَلاَ يَمْلِكُ إِلاَّ مَا يَقْتَضِيهِ الإِْذْنُ، وَالإِْذْنُ يُعْرَفُ بِالنُّطْقِ وَبِالْعُرْفِ، فَإِنْ تَنَاوَل الإِْذْنُ تَصَرُّفَيْنِ وَفِي أَحَدِهِمَا إِضْرَارٌ بِالْمُوَكِّل لَمْ يَجُزْ مَا فِيهِ إِضْرَارٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ، فَإِنْ تَنَاوَل تَصَرُّفَيْنِ وَفِي أَحَدِهِمَا نَظَرٌ لِلْمُوَكِّل لَزِمَهُ مَا فِيهِ النَّظَرُ لِلْمُوَكِّل، لِمَا وَرَدَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَال: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ وَلَيْسَ مِنَ النُّصْحِ أَنْ يَتْرُكَ مَا فِيهِ الْحَظُّ وَالنَّظَرُ لِلْمُوَكِّل. وَإِنْ وَكَّل فِي الْبَيْعِ فِي زَمَانٍ لَمْ يَمْلِكِ الْبَيْعَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ لأَِنَّ الإِْذْنَ لاَ يَتَنَاوَل مَا قَبْلَهُ وَلاَ مَا بَعْدَهُ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ وَلاَ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ لأَِنَّهُ قَدْ يُؤْثِرُ الْبَيْعَ فِي زَمَانٍ لِحَاجَةٍ وَلاَ يُؤْثِرُ فِي زَمَانٍ بَعْدَهُ. وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ فِي مَكَانٍ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِيهِ أَكْثَرَ أَوِ النَّقْدُ فِيهِ أَجْوَدَ لَمْ يَجُزِ الْبَيْعُ فِي غَيْرِهِ لأَِنَّهُ قَدْ يُؤْثِرُ الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لِزِيَادَةِ الثَّمَنِ أَوْ جَوْدَةِ النَّقْدِ فَلاَ يَجُوزُ تَفْوِيتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ وَاحِدًا فَفِيهِ وَجْهَانِ:أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ فِي غَيْرِهِ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِمَا وَاحِدٌ فَكَانَ الإِْذْنُ فِي أَحَدِهِمَا إِذْنًا فِي الآْخَرِ.
وَالثَّانِي: لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَيْهِ دَل أَنَّهُ قَصَدَ عَيْنَهُ لِمَعْنًى هُوَ أَعْلَمُ بِهِ - مِنْ يَمِينٍ وَغَيْرِهَا - فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ. وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ مِنْ غَيْرِهِ لأَِنَّهُ قَدْ يُؤْثِرُ تَمْلِيكَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَلاَ يَكُونُ الإِْذْنُ فِي الْبَيْعِ مِنْهُ إِذْنًا فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ. وَإِنْ قَال: خُذْ مَا لِي مِنْ فُلاَنٍ، فَمَاتَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ وَرَثَتِهِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ مَا لَهُ عِنْدَهُ وَيَرْضَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ وَرَثَتِهِ، فَلاَ يَكُونُ الإِْذْنُ فِي الأَْخْذِ مِنْهُ إِذْنًا فِي الأَْخْذِ مِنْ وَرَثَتِهِ. وَإِنْ قَال: خُذْ مَا لِي عَلَى فُلاَنٍ، فَمَاتَ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ وَرَثَتِهِ لأَِنَّهُ قَصَدَ أَخْذَ مَا لَهُ، وَذَلِكَ يَتَنَاوَل الأَْخْذَ مِنْهُ وَمِنْ وَرَثَتِهِ. وَإِنْ وَكَّل الْعَدْل فِي بَيْعِ الرَّهْنِ فَأَتْلَفَهُ رَجُلٌ فَأُخِذَتْ مِنْهُ الْقِيمَةُ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُ الْقِيمَةِ لأَِنَّ الإِْذْنَ لَمْ يَتَنَاوَل بَيْعَ الْقِيمَةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَمْلِكُ الْوَكِيل مِنَ التَّصَرُّفِ إِلاَّ مَا يَقْتَضِيهِ إِذْنُ مُوَكِّلِهِ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ لأَِنَّ تَصَرُّفَهُ بِالإِْذْنِ فَاخْتُصَّ بِمَا أُذِنَ فِيهِ، وَالإِْذْنُ يُعْرَفُ بِالنُّطْقِ تَارَةً وَبِالْعُرْفِ تَارَةً أُخْرَى،وَلَوْ وَكَّل رَجُلاً فِي التَّصَرُّفِ فِي زَمَنٍ مُقَيَّدٍ لَمْ يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ لأَِنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ إِذْنُهُ نُطْقًا وَلاَ عُرْفًا لأَِنَّهُ قَدْ يُؤْثِرُ التَّصَرُّفُ فِي زَمَنِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا عَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادَتِهِ وَقْتًا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ وَلاَ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ، فَلَوْ قَال لَهُ: بِعْ ثَوْبِي غَدًا، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ الْيَوْمَ وَلاَ بَعْدَ غَدٍ. وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْمَكَانَ وَكَانَ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ مِثْل أَنْ يَأْمُرَهُ بِبَيْعِ ثَوْبِهِ فِي سُوقٍ، وَكَانَ ذَلِكَ السُّوقُ مَعْرُوفًا بِجَوْدَةِ النَّقْدِ أَوْ كَثْرَةِ الثَّمَنِ أَوْ حِلِّهِ، أَوْ بِصَلاَحِ أَهْلِهِ أَوْ بِمَوَدَّةٍ بَيْنَ الْمُوَكِّل وَبَيْنَهُمْ - تَقَيَّدَ الإِْذْنُ بِهِ، لأَِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَمْرٍ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ. وَإِنْ كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءً فِي الْغَرَضِ لَمْ يَتَقَيَّدِ الإِْذْنُ بِهِ وَجَازَ لَهُ الْبَيْعُ فِي غَيْرِهِ لِمُسَاوَاتِهِ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْغَرَضِ، فَكَانَ تَنْصِيصُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا إِذْنًا فِي الآْخَرِ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَوِ اسْتَعَارَ أَرْضًا لِزِرَاعَةِ شَيْءٍ، كَانَ إِذْنًا فِي زِرَاعَةِ مِثْلِهِ فَمَا دُونَهُ، وَلَوِ اشْتَرَى عَقَارًا كَانَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهُ مِثْلَهُ، وَلَوْ نَذَرَ صَلاَةً أَوِ اعْتِكَافًا فِي مَسْجِدٍ جَازَ الاِعْتِكَافُ وَالصَّلاَةُ فِي غَيْرِهِ. وَسَوَاءٌ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يُقَدِّرْهُ، وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْمُشْتَرِيَ فَقَال: بِعْهُ فُلاَنًا، لَمْ يَمْلِكْ بَيْعَهُ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ، سَوَاءٌ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يُقَدِّرْهُ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَمْلِيكِهِ إِيَّاهُ دُونَ غَيْرِهِ، إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ الْوَكِيل بِقَرِينَةٍ أَوْ صَرِيحٍ أَنَّهُ لاَ غَرَضَ لَهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي.
وَقَالُوا: كُل تَصَرُّفٍ كَانَ الْوَكِيل مُخَالِفًا فِيهِلِمُوَكِّلِهِ فَحُكْمُهُ فِيهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ الأَْجْنَبِيِّ. (178)
مُخَالَفَةُ الْوَكِيل لِقُيُودِ الْمُوَكِّل فِي الْبَيْعِ:
مُخَالَفَةُ الْوَكِيل فِي الْبَيْعِ تَكُونُ فِي أُمُورٍ، مِنْهَا:
الأَْمْرُ الأَْوَّل: الْمُخَالَفَةُ فِي الثَّمَنِ:
الْمُخَالَفَةُ فِي الثَّمَنِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي وَصْفِهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي جِنْسِهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي قَدْرِهِ.
أ - الْمُخَالَفَةُ فِي الْوَصْفِ:
قَدْ يَأْمُرُ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِأَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ نَسِيئَةً، فَيَبِيعَهَا حَالَّةً، وَقَدْ يَكُونُ الْعَكْسُ، فَيَأْمُرُهُ بِالْبَيْعِ عَلَى الْحُلُول فَيَبِيعُ نَسِيئَةً.
الْحَالَةُ الأُْولَى: مُخَالَفَةُ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ نَسِيئَةً بِأَنْ بَاعَ حَالًّا.
80 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ كَذَلِكَ، إِلَى جَوَازِ الْبَيْعِ وَنَفَاذِهِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّل؛ لأَِنَّ الْمُوَكِّل حَصَل لَهُ مَقْصُودُهُ وَزَادَهُ الْوَكِيل خَيْرًا بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسَمَّى أَوْ فِي صِفَةِ الْحُلُولِ، فَكَانَ الْوَكِيل مَأْذُونًا فِي هَذَا الْبَيْعِ عُرْفًا. وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلْمُوَكِّل غَرَضٌ مُعَيَّنٌ مِنَ التَّأْجِيل كَأَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مِمَّا يَسْتَضِرُّ بِحِفْظِهِ فِي الْحَال فَلاَ بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الْوَكِيل لِقَيْدِ الأَْجَلِ، فَإِذَا خَالَفَ بِأَنْ بَاعَ حَالًّا بَطَل الْبَيْعُ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَصِحُّ مُطْلَقًا. (179)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: بِعْ مُؤَجَّلاً، فَبَاعَ حَالًّا أَوْ بِأَجَلٍ دُونَ الْمُقَدَّرِ بِقِيمَةِ الْمُؤَجَّلِ، أَوْ بِمَا رَسَمَ بِهِ الْمُوَكِّل وَلاَ غَرَضَ لِلْمُوَكِّل فِيمَا أَمَرَ بِهِ - صَحَّ لأَِنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا.
أَمَّا إِنْ بَاعَ بِهِمَا وَلِلْمُوَكِّل غَرَضٌ كَأَنْ كَانَ فِي وَقْتٍ لاَ يَأْمَنُ مِنْ نَحْوِ نَهْبٍ أَوْ كَانَ لِحِفْظِهِ مُؤْنَةٌ، فَلاَ يَصِحُّ لأَِنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ غَرَضَهُ. (180)
81 - أَمَّا إِذَا أَمَرَ الْمُوَكِّل الْوَكِيل بِأَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ نَسِيئَةً بِثَمَنٍ مُحَدَّدٍ فَخَالَفَ وَبَاعَهَا نَقْدًا بِثَمَنٍ أَقَلَّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ، لأَِنَّ الإِْذْنَ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً يَقْتَضِي الْبَيْعَ بِمَا يُسَاوِي نَسِيئَةً، فَإِذَا بَاعَ بِالأَْقَل لَمْ يَجُزِ الْبَيْعُ لِمُخَالَفَةِ الْوَكِيل مَقْصُودَ الْمُوَكِّل وَمَا سَمَّى لَهُ. (181)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ فِي حَقِّهِ وَلَزِمَهُ وَإِلاَّ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَهُ رَدُّ السِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَقِيمَتِهَا إِنْ فَاتَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِحَوَالَةِ السُّوقِ فَأَعْلَى، هَذَا إِذَا لَمَّ يُسَمِّ. فَإِنْ سَمَّى الْمُوَكِّل الثَّمَنَ وَفَاتَتْ فَلَهُ تَغْرِيمُ الْوَكِيل تَمَامَ التَّسْمِيَةِ وَلَكِنْ إِذَا تَحَمَّل الْوَكِيل النَّقْصَ فِي الثَّمَنِ فَلاَ خِيَارَ لِلْمُوَكِّل لإِِزَالَتِهِ الْمُخَالَفَةَ. (182)
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: مُخَالَفَةُ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ عَلَى الْحُلُول بِأَنْ بَاعَ نَسِيئَةً:
82 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ، لِمُخَالَفَةِ الْوَكِيل مَا أَمَرَ بِهِ مُوَكِّلُهُ، وَلأَِنَّ الأَْغْرَاضَ تَتَعَلَّقُ بِالتَّعْجِيلِ، فَقَدْ يَكُونُ لِلْمُوَكِّل غَرَضٌ مُعَيَّنٌ بِتَعْجِيل الثَّمَنِ فَوَجَبَ عَلَى الْوَكِيل احْتِرَامُ رَغْبَتِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ أَجَازَهُ لَزِمَهُ وَإِلاَّ لاَ يَنْفُذُ فِي حَقِّهِ. (183) وَهَذَا الْقَوْل ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكَاسَانِيُّ فِي بَدَائِعِهِ حَيْثُ قَال: لَوْ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ، فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ نَسِيئَةً، لَمْ يَنْفُذْ، بَل يَتَوَقَّفْ. (184)
ب - الْمُخَالَفَةُ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ:
83 - قَدْ يَأْمُرُ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِأَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً بِجِنْسٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الثَّمَنِ، فَيَبِيعَهَا بِجِنْسٍ آخَرَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَبِيعَهَا بِالدَّنَانِيرِ فَبَاعَهَا بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالْعُرُوضِ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ أَكْثَرَ، لِمُخَالَفَةِ الْوَكِيل مَا أَمَرَ بِهِ مُوَكِّلُهُ، وَلأَِنَّ الإِْذْنَ فِي جِنْسٍ لَيْسَ بِإِذْنٍ فِي جِنْسٍ آخَرَ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِنْ قَال الْمُوَكِّل: بِعْهُ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَهُ الْوَكِيل بِدِينَارٍ صَحَّ الْبَيْعُ، لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِدِرْهَمٍ رَضِيَ بِمَكَانِهِ بِدِينَارٍ.
وَيَرَى الْكَاسَانِيُّ أَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ وَيُخَيَّرُ الْمُوَكِّل بَيْنَ الإِْمْضَاءِ وَالْفَسْخِ. (185)
وَلِلْمَالِكِيَّةِ إِذَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ بِالدَّنَانِيرِ فَبَاعَهَا بِالدَّرَاهِمِ أَوِ الْعَكْسِ قَوْلاَنِ فِي تَخْيِيرِ الْمُوَكِّل وَإِمْضَاءِ الْبَيْعِ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا نَقْدَ الْبَلَدِ وَالسِّلْعَةَ مِمَّا تُبَاعُ بِهِمَا وَاسْتَوَتْ قِيمَةُ الذَّهَبِ وَالدَّرَاهِمِ وَإِلاَّ خُيِّرَ قَوْلاً وَاحِدًا. (186)
84 - أَمَّا إِذَا أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ فَبَاعَهُ بِالثِّيَابِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْعُرُوضِ فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ لأَِنَّ الْعُرُوضَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأَْثْمَانِ، وَبِهَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ. (187)
ج - الْمُخَالَفَةُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ:
85 - إِذَا بَاعَ الْوَكِيل بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الْمُحَدَّدِ لَهُ وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ صَحِيحًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ) لأَِنَّ الْمُخَالَفَةَ هُنَا إِلَى خَيْرٍ فَلاَ تَكُونُ مُخَالَفَةً فِي الْحَقِيقَةِ، وَلأَِنَّ الْمَفْهُومَ عُرْفًا إِنَّمَا هُوَ مَنْعُ النَّقْصِ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلاَّ أَنْ يُصَرِّحَ بِالنَّهْيِ عَنِ الزِّيَادَةِ فَتَمْتَنِعُ، لأَِنَّ النُّطْقَ أَبْطَل حَقَّ الْعُرْفِ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ، لأَِنَّ الْمَالِكَ رُبَّمَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي إِبْرَارِ قَسَمٍ. (188)
86 - أَمَّا إِذَا بَاعَ بِأَقَل مِنَ الثَّمَنِ الْمُحَدَّدِ لَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ فِي حَقِّهِ، وَإِلاَّ لاَ يَلْزَمُهُ، وَلَهُ رَدُّ السِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَقِيمَتُهَا إِنْ فَاتَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي. (189)
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِذَا قَال الْوَكِيل أَوِ الْمُشْتَرِي: أَنَا أُتِمُّ مَا نَقَصَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمُوَكِّل فَفِيهِ قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا نَفَذَ الْبَيْعُ عَلَيْهِ وَلاَ خِيَارَ لَهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُلْتَفِتُ إِلَى قَوْلِهِ، لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْبَيْعِ فَلَهُ الرَّدُّ. (190)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى بُطْلاَنِ الْبَيْعِ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل لَمْ يَرْضَ بِخُرُوجِ مِلْكِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْوَكِيل. (191)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ مَعَ ضَمَانِ الْوَكِيل نُقْصَانَ الثَّمَنِ، وَلَهُمْ فِي تَقْدِيرِ قِيمَةِ النُّقْصَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ الْوَكِيل مَا بَيْنَ ثَمَنِ الْمِثْل وَالثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ السِّلْعَةَ. وَالثَّانِي يَضْمَنُ مَا بَيْنَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ وَمَا لاَ يَتَغَابَنُونَ بِهِ لأَِنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِهِ وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. (192)
الأَْمْرُ الثَّانِي: الْمُخَالَفَةُ فِي الْمَكَانِ:
87 - إِذَا عَيَّنَ الْمُوَكِّل لِوَكِيلِهِ مَكَانًا مُحَدَّدًا لِيَبِيعَ السِّلْعَةَ فِيهِ، فَخَالَفَ وَبَاعَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الْبَيْعِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَابْنُ شَاسٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَكَانِ غَرَضٌ مُعَيَّنٌ لِلْمُوَكِّلِ، مِثْل أَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ فِي سُوقٍ مُعَيَّنَةٍ وَكَانَ ذَلِكَ السُّوقُ مَعْرُوفًا بِجَوْدَةِ النَّقْدِ أَوْ كَثْرَةِ الثَّمَنِ أَوْ حِلِّهِ أَوْ بِصَلاَحِ أَهْلِهِ أَوْ بِمَوَدَّةٍ بَيْنَ الْمُوَكِّل وَبَيْنَهُمْ، وَجَبَ عَلَى الْوَكِيل أَنْ يَتَقَيَّدَ بِهَذَا الْمَكَانِ وَلاَ تَجُوزُ الْمُخَالَفَةُ بِأَنْ يَبِيعَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل نَصَّ عَلَى أَمْرٍ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ مُعَيَّنٌ فَلاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل تَفْوِيتُهُ عَلَيْهِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ مُعَيَّنٌ بِأَنْ كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءً فِي نَظَرِ الْمُوَكِّل. فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْوَكِيل أَنْ يَتَقَيَّدَ بِهَذَا الْمَكَانِ، وَجَازَ لَهُ الْبَيْعُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَذَلِكَ لِمُسَاوَاتِهِ الْمَكَانَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْغَرَضِ، فَكَانَ تَنْصِيصُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا إِذْنًا فِي الآْخَرِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ تَقَيُّدِ الْوَكِيل بِالْمَكَانِ الَّذِي حَدَّدَهُ الْمُوَكِّلُ، فَإِذَا خَالَفَ كَانَ ضَامِنًا، وَلاَ يُلْزِمُ الْمُوَكِّل بِالْبَيْعِ الْمُخَالِفِ، لأَِنَّ مَقْصُودَهُ سِعْرُ الْمَكَانِ الَّذِي قُيِّدَ الْبَيْعُ فِيهِ فَلاَ تَصِحُّ مُخَالَفَةٌ مَقْصُودَةٌ. (193)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ الْمُخَالِفَ لِقَيْدِ الْمَكَانِ يَتَوَقَّفُ نَفَاذُهُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ فِي حَقِّهِ، وَإِلاَّ لاَ يَنْفُذُ، وَلَهُ رَدُّ السِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، وَقِيمَتُهَا إِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ، سَوَاءً كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الأَْغْرَاضُ أَمْ لاَ. (194)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ فِي غَيْرِهِ، لأَِنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَيْهِ دَل عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ عَيْنَهُ لِمَعْنًى هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ يَمِينٍ وَغَيْرِهَا فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ. (195)
الأَْمْرُ الثَّالِثُ: الْمُخَالَفَةُ فِي الزَّمَانِ:
88 - إِذَا حَدَّدَ الْمُوَكِّل لِوَكِيلِهِ زَمَنًا مُعَيَّنًا لِيَبِيعَ لَهُ السِّلْعَةَ فِيهِ، فَخَالَفَ وَبَاعَهَا فِي زَمَنٍ آخَرَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الْبَيْعِ الْمُخَالِفِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَلاَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُوَكِّل قَدْ يُؤْثِرُ التَّصَرُّفَ فِي زَمَنِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَلاَ يُؤْثِرُهُ فِي زَمَنٍ آخَرَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَلأَِنَّ إِذْنَ الْمُوَكِّل لاَ يَتَنَاوَل تَصَرُّفَ الْوَكِيل الْمُخَالِفِ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ وَلاَ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ. (196)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّل مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ، وَلَهُ رَدُّ السِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَقِيمَتُهَا إِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ. (197)
الأَْمْرُ الرَّابِعُ: الْمُخَالَفَةُ فِي الْبَيْعِ لِمُشْتَرٍ مُعَيَّنٍ:
89 - إِذَا حَدَّدَ الْمُوَكِّل لِوَكِيلِهِ مُشْتَرِيًا مُعَيَّنًا وَقَال لَهُ: لاَ تَبِعْ إِلاَّ لَهُ، فَخَالَفَ الْوَكِيل وَبَاعَ لِمُشْتَرٍ آخَرَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الْبَيْعِ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ: (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ سَوَاءٌ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ أَوْ لَمَ يُقَدِّرْهُ. لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَمْلِيكِهِ الْمَبِيعَ دُونَ غَيْرِهِ، فَلاَ يَكُونُ الإِْذْنُ فِي الْبَيْعِ لَهُ إِذْنًا فِي الْبَيْعِ لِغَيْرِهِ. وَرُبَّمَا كَانَ مَالُهُ أَبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ.
غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِذَا عَلِمَ الْوَكِيل بِقَرِينَةٍ أَوْ صَرَاحَةً أَنَّ الْمُوَكِّل لاَ غَرَضَ لَهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي جَازَ لَهُ الْبَيْعُ لِغَيْرِهِ. (198)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّل مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ، وَلَهُ رَدُّ السِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، أَمَّا إِنْ فَاتَتْ فَلَهُ رَدُّ قِيمَتِهَا. (199)
الأَْمْرُ الْخَامِسُ: الْمُخَالَفَةُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ:
إِذَا أَمَرَ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بَأَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً، فَخَالَفَ وَبَاعَ بَعْضَهَا فَقَطْ وَلَمْ يَبِعِ الْبَاقِي، أَوْ بَاعَ الْبَعْضَ ثُمَّ بَاعَ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: الْحَالَةُ الأُْولَى: تَبْعِيضٌ لاَ يَضُرُّ بِالْمُوَكِّل:
90 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لاَ ضَرَرَ فِي تَبْعِيضِهِ كَأَنْ وَكُلَّهُ فِي بَيْعِ عَقَارَيْنِ أَوْ حَيَوَانَيْنِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ صَحِيحًا مَعَ التَّفْرِيقِ، لأَِنَّ التَّفْرِيقَ لاَ يَضُرُّ بِالْمُوَكِّلِ، بَل قَدْ يَكُونُ فِي صَالِحِهِ، لأَِنَّ الْوَكِيل قَدْ لاَ يَسْتَطِيعُ بَيْعَ السِّلْعَةِ كُلِّهَا إِلاَّ بِالتَّفْرِيقِ، وَلأَِنَّ الْعُرْفَ قَدْ يَقْتَضِي أَنْ تُبَاعَ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَا لَمْ يَنْهَهُ الْمُوَكِّل عَنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ. (200) وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ وَهِيَ أَنَّهُ كُلَّمَا خَالَفَ الْوَكِيل مُوَكِّلَهُ فِي الْبَيْعِ أَوْ خَالَفَ مَا قَضَتِ الْعَادَةُ بِهِ فَإِنَّ الْمُوَكِّل يُخَيَّرُ فِي إِجَازَةِ الْبَيْعِ وَالرَّدِّ إِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً وَفِي الإِْجَازَةِ وَالتَّضْمِينِ إِنْ فَاتَتْ. (201)
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: تَبْعِيضٌ يَضُرُّ بِالْمُوَكِّل:
91 - إِذَا كَانَ التَّبْعِيضُ يَضُرُّ بِالْمُوَكِّل كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَقَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي تَبْعِيضِ الْمَبِيعِ إِضْرَارٌ بِالْمُوَكِّل وَقَعَ الْبَيْعُ بَاطِلاً وَلاَ يَنْفُذُ فِي حَقِّهِ. لأَِنَّ التَّوْكِيل تَنَاوَل جَمِيعَ الصَّفْقَةِ، وَفِي التَّبْعِيضِ إِضْرَارٌ بِالْمُوكِّل وَتَشْقِيصٌ لِمِلْكِهِ وَهُوَ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلأَِنَّ الْعُرْفَ فِيهِ أَنْ تُعْقَدَ عَلَى جَمِيعِهِ فَحُمِلَتِ الْوِكَالَةُ عَلَيْهِ. (202)
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبُ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيل بِالسِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَبِقِيمَتِهَا إِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ.
أَمَّا إِذَا قَامَ الْوَكِيل بِبَيْعِ الْبَاقِي مِنَ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَنْفُذُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، لِزَوَال الْمُخَالَفَةِ بِبَيْعِ الْبَاقِي فَتَحَقَّقَ لِلْمُوَكِّل غَرَضُهُ فِي بَيْعِ الْمَبِيعِ كُلِّهِ. (203)
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ وَنَفَاذِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ الْوَكِيل قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّل فِي الْبَيْعِ، وَالْمُوكِّل مَالِكٌ لِبَيْعِ الْبَعْضِ، كَمَا هُوَ مَالِكٌ لِبَيْعِ الْكُلِّ، فَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ، وَلأَِنَّهُ لَوْ بَاعَ الْكُل بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الثَّمَنِ يَجُوزُ فَلأَِنْ يَجُوزَ بَيْعُ الْبَعْضِ بِهِ أَوْلَى، وَلأَِنَّهُ نَفَعَ مُوَكِّلَهُ حَيْثُ أَمْسَكَ الْبَعْضَ عَلَى مِلْكِهِ. (204)
الأَْمْرُ السَّادِسُ: الْمُخَالَفَةُ فِي جِنْسِ الْمَبِيعِ:
92 - إِذَا أَمَرَ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِأَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً، فَخَالَفَ وَبَاعَ سِلْعَةً أُخْرَى مَكَانَهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الْبَيْعِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ إِلَى بُطْلاَنِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ نَفَاذِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ الْوَكِيل خَالَفَ إِذْنَ مُوَكِّلِهُ فَبَاعَ غَيْرَ مَا أُمِرَ بِبَيْعِهِ، وَالْوَكِيل لاَ يَمْلِكُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ إِلاَّ مَا يَقْتَضِيهِ إِذَنُ مُوَكِّلِهِ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ. (205)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّل مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ، وَلَهُ رَدُّ السِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَقِيمَتُهَا إِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ فِي حَالَةِ الرَّدِّ. (206) ثَانِيًا: الْوَكَالَةُ بِالشِّرَاءِ:
الْوَكَالَةُ بِالشِّرَاءِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً.
أ - إِطَلاَقُ الْوَكَالَةِ بِالشِّرَاءِ:
93 - يَجُوزُ إِطْلاَقُ التَّوْكِيل بِالشِّرَاءِ، لأَِّنَهُ مِمَّا يَمْلِكُ الْمَوَكِّل مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ الْتَفْوِيضَ إِلَى غَيْرِهِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَنْ يَقُول الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: اشْتَرِ لِي مَا شِئْتَ، أَوْ مَا رَأَيْتَ، أَوْ أَيَّ ثَوْبٍ شِئْتَ، أَوْ أَيَّ دَارٍ شِئْتَ، أَوْ مَا تَيَسَّرَ لَكَ مِنَ الثِّيَابِ وَمِنَ الدَّوَابِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ النَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالثَّمَنِ، لأَِّنَهُ فَوَّضَ الرَّأْيَ إِلَيْهِ، فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ كَالْبِضَاعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ. بِهَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. (207)
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ إِطْلاَقَ الْوَكَالَةِ بِالشِّرَاءِ - كَأَنْ يَقُول الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: اشْتَرِ لِي مَا شِئْتَ - لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ. (208) شِرَاءُ الْوَكِيل لِمُوَكِّلِهِ سِلْعَةً مِمَّا يَمْلِكُهُ الْوَكِيل أَوْ مِمَّنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ لَهُ:
94 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ شِرَاءِ الْوَكِيل لِمُوَكِّلِهِ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ بِهِ، أَوَ مِنْ مَال الَّذِينَ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ لِلْوَكِيل.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ لاَ يَمْلِكُ الشِّرَاءَ مِنْ نَفْسِهِ لِمُوَكِّلِهِ، حَتَّى وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّل فِي ذَلِكَ، لأَِنَّ الْحُقُوقَ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ تَرْجَعُ إِلَى الْوَكِيلِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى الإِْحَالَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ مُسَلِّمًا وَمُتَسَلِّمًا، مُطَالِبًا وَمُطَالَبًا، وَلأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الشِّرَاءِ مِنْ نَفْسِهِ. (209)
وَاتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ شِرَاؤُهُ مِنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، حَتَّى لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، لأََنَّ ذَلِكَ شِرَاءٌ مِنْ نَفْسِهِ.
أَمَّا الشِّرَاءُ مِنَ الأَْشْخَاصِ الآْخَرِينَ الَّذِينَ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ لَهُ كَأَبِيهِ وَجَدِّهُ وَوَلَدِهِ الْكَبِيرِ وَزَوْجَتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْحَنَفِيَّةُ:
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ أَيْضًا، لِمَا سَبَقَ فِي الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ (ر: ف / 78) .
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ إِذَا اشْتَرَى بِمِثْل الْقِيمَةِ، أَوْ بِأَقَلَّ، أَوْ بِزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا.
وَلَوْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ عَامَّةً، بِأَنْ قَال لَهُ: اعْمَل مَا شِئْتَ، أَوْ قَال لَهُ: بِعْ مِنْ هَؤُلاَءِ، أَوْ أَجَازَ مَا صَنَعَهُ الْوَكِيلُ، جَازَ الشِّرَاءُ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْجَوَازِ التُّهْمَةُ وَقَدْ زَالَتْ بِالأَْمْرِ وَالإِْجَازَةِ. (210)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ شِرَاءُ الْوَكِيل لِلْمُوَكِّل مِمَّا يَمْلِكُهُ الْوَكِيل لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّ الْعُرْفَ فِي الشِّرَاءِ شِرَاءُ الرَّجُل مِنْ غَيْرِهِ فَحُمِلَتِ الْوَكَالَةُ عَلَيْهِ وَكَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَلأَِنَّهُ يَلْحَقُهُ بِهِ تُهْمَةٌ وَيَتَنَافَى الْغَرَضَانِ فِي شِرَائِهِ مِمَّا يَمْلِكُهُ لِمُوَكِّلِهِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ نَهَاهُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا أَذِنَ الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل أَنْ يَشْتَرِيَ مِمَّا يَمْلِكُهُ حَيْثُ قَالُوا بِجَوَازِهِ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، فَيَصِحُّ لِلْوَكِيل أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ. (211)
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: مِثْل الإِْذْنِ لِلْوَكِيل فِي شِرَائِهِ مِمَّا يَمْلِكُهُ الْوَكِيل مَا لَوِ اشْتَرَى الْوَكِيل مِنْ نَفْسِهِ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّل. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ شِرَاءُ الْوَكِيل مِنْ نَفْسِهِ إِنْ لَمْ يُحَابِ نَفْسَهُ. (212)
وَعَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ وَكَل مَنْ يَشْتَرِي حَيْثُ جَازَ التَّوْكِيل. (213)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَشْتَرِيَ لِمُوَكِّلِهِ مِمَّا يَمْلِكُهُ وَلَدُهُ وَوَالِدُهُ وَزَوْجَتُهُ وَسَائِرُ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ لأَِنَّ الْوَكِيل مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِمْ كَتُهْمَتِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَيَجُوزُ شِرَاءُ الْوَكِيل لِلْمُوَكِّل مِمَّا يَمْلِكُهُ هَؤُلاَءِ إِذَا أَذِنَ الْمُوَكِّلُ، لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ. (214)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَشْتَرِيَ لِمُوَكِّلِهِ مِمَّا يَمْلِكُهُ أَحَدُ مَحَاجِيرِهِ كَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَا إِذَا أَذِنَ الْمُوَكِّل لِوَكِيلِهِ بِالشِّرَاءِ مِنْ أَحَدِ مَحَاجِيرِهِ، أَوْ تَمَّ الشِّرَاءُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّل. (215)
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَشْتَرِيَ لِمُوَكِّلِهِ مِمَّا يَمْلِكُهُ مَحْجُورُهُ إِنْ لَمْ يُحَابِهِ. (216)
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ لِلْوَكِيل أَنْ يَشْتَرِيَ لِمُوَكِّلِهِ مِمَّا يَمْلِكُهُ إِخْوَتُهُ وَأَقَارِبُهُ كَعَمِّهِ وَابْنَيْ أَخِيهِ وَعَمِّهِ، وَقَيَّدَ فِي الإِْنْصَافِ جَوَازَ الشِّرَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، وَحَيْثُ حَصَل تُهْمَةٌ فِي ذَلِكَ لاَ يَصِحُّ. (217)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ مُطْلَقًا لاَ يَشْتَرِي لِمُوَكِّلِهِ مِمَّا يَمْلِكُهُ الْوَكِيل أَوْ وَلَدُهُ الصَّغِيرُ أَوْ أَحَدُ مَحَاجِيرِهِ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ اتِّحَادِ الْمُوجِبِ وَالْقَابِل وَإِنِ انْتَفَتِ التُّهْمَةُ، وَلأَِنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ لِيَهَبَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنِ انْتَفَتِ التُّهْمَةُ، لاِتِّحَادِ الْمُوجِبِ وَالْقَابِل.
وَقَالُوا فِي الأْصَحِّ: يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَشْتَرِيَ لِمُوَكِّلِهِ مِمَّا يَمْلِكُهُ أَبُو الْوَكِيل وَابْنُهُ الْبَالِغُ وَسَائِرُ فُرُوعِهِ الْمُسْتَقِلِّينَ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ بِالْمَيْل إِلَيْهِمْ. (218) ب - الْوَكَالَةُ بِالشِّرَاءِ الْمُقَيَّدَةُ:
95 - تَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِالشِّرَاءِ الْمُقَيَّدَةُ بِشَرْطِ خُلُوِّهَا عَنِ الْجَهَالَةِ الْكَثِيرَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الاِسْتِحْسَانِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ، حَيْثُ قَالُوا بِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ بِالشِّرَاءِ الْمُقَيَّدَةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَذْكُرْ نَوْعَ السِّلْعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا. كَأَنْ يَقُول الْمُوَكُّل لِلْوَكِيل: اشْتَرِ لِي ثَوْبًا - وَلَمْ يَذْكُرْ نَوْعَهُ - فِإِنَّهُ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ تَوْكِيلٌ فِي شِرَاءِ ثَوْبٍ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ ذِكْرَ نَوْعِهِ كَالْقِرَاضِ.
وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ عِنْدَ الَحَنَفِيَّةِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَفَعَ دِينَارًا إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً (219) . وَلَوْ كَانَتِ الْجَهَالَةُ الْقَلِيلَةُ مَانِعَةً مِنْ صِحَّةِ الْتَوْكِيل بِالشِّرَاءِ لَمَا فَعَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ، لأَِنَّ جَهَالَةَ الصِّفَةِ لاَ تَرْتَفِعُ بِذِكْرِ الأُْضْحِيَّةِ وَبِقَدْرِ الثَّمَنِ، وَلأََّنَ الْجَهَالَةَ الْقَلِيلَةَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ لاَ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، لأَِنَّ مَبْنَى التَّوْكِيل عَلَى الْفُسْحَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ عِنْدَ قِلَّةِ الْجَهَالَةِ، بِخِلاَفِ الْبَيْعِ لأَِنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُضَايِقَةِ وَالْمُمَاكَسَةِ لِكَوْنِهِ مُعَاوَضَةَ الْمَال بِالْمَالِ، فَالْجَهَالَةُ فِيهِ وَإِنْ قَلَّتْ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَتُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ فَهُوَ الْفَرْقُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ. (220)
مُخَالَفَةُ الْوَكِيل لِقُيُودِ الْمُوَكِّل فِي الشِّرَاءِ:
مُخَالَفَةُ الْوَكِيل فِي الشِّرَاءِ تَكُونُ فِي أُمُورٍ مِنْهَا:
الأَْمْرُ الأَْوَّل: الْمُخَالَفَةُ فِي الثَّمَنِ:
مُخَالَفَةُ وَكَيْل الشِّرَاءِ فِي الثَّمَنِ قَدْ تَكُونُ فِي وَصْفِهِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي جِنْسِهِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي قَدْرِهِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أـ الْمُخَالَفَةُ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ:
وَتَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ فِي حَالَتَيْنِ:
الْحَالَةُ الأُْولَى: مُخَالَفَةُ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ عَلَى الْحُلُول بِأَنِ اشْتَرَى نَسِيئَةً:
96 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُخَالَفَةِ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ عَلَى الْحُلُول بِأَنِ اشْتَرَى نَسِيئَةً عَلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:
الأَْوَّل: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى صِحَّةِ الشِّرَاءِ وَلُزُومِهِ لِلْمُوَكِّل إِذَا لَمَّ يَزِدِ الْوَكِيل فِي الثَّمَنِ الَّذِي حَدَّدَهُ الْمُوَكِّلُ، لأَِنَّ الْمُخَالَفَةَ هُنَا فِي الصُّورَةِ فَقَطْ وَلَكِنَّهَا وِفَاقٌ فِي الْمَعْنَى، وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ بِالْمَعَانِي دُونَ الأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَلَوْ تَضَرَّرَ. (221)
الثَّانِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الشِّرَاءُ لأَِنَّ الْمُوَكِّل قَصَدَ أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَأَنْ لاَ يَشْتَرِيَ الشَّيْءَ إِلاَّ بِمَا مَعَهُ، فَلاَ يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّل وَلاَ لِلْوَكِيل بَل تَبْقَى الْعَيْنُ فِي مِلْكِ مَالِكِهَا. (222)
الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ هَذَا الشِّرَاءُ إِنْ حَصَل ضَرَرٌ لِلْمُوَكِّل وَإِلاَّ يَصِحُّ قَال الْمِرْدَاوِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ. (223) الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: مُخَالَفَةُ الْوَكِيل عَلَى النَّسِيئَةِ بِأَنِ اشْتَرَى حَالًّا:
97 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُخَالَفَةِ الْوَكِيل عَلَى النَّسِيئَةِ بِأَنِ اشْتَرَى حَالًّا فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ لِلْوَكِيل وَلاَ يَلْزَمُ مُوَكِّلَهُ، لأَِنَّهُ خَالَفَ قَيْدَ مُوَكِّلِهِ فَيَلْزَمُهُ هُوَ دُونَ مُوَكِّلِهِ. (224)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا خَالَفَ الْوَكِيل مُخَصَّصَاتِ الْمُوَكِّل فَإِنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّل فَإِنْ شَاءَ أَمْضَى فِعْلَهُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ وَتَلْزَمُ السِّلْعَةُ الْوَكِيل. (225)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَتَى خَالَفَ الْوَكِيل الْمُوَكِّل فِي الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ بِأَنِ اشْتَرَى لَهُ بِعَيْنِ مَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل لَمْ يَرْضَ بِخُرُوجِ مِلْكِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. (226)
وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الشِّرَاءَ لاَ يَقَعُ إِلاَّ إِذَا أَجَازَهُ الْمُوَكِّل لأَِنَّ الْقَاعِدَةَ عِنْدَهُمْ أَنَّ كُل تَصَرُّفٍ خَالَفَ الْوَكِيل مُوَكِّلَهُ فِيهِ فَكَتَصَرُّفٍ فُضُولِيٍّ. (227) ب - الْمُخَالَفَةُ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ:
98 - إِذَا أَمَرَ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِجِنْسٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الثَّمَنِ، فَخَالَفَ وَاشْتَرَى بِجِنْسٍ آخَرَ مِنْهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الشِّرَاءِ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّ الشِّرَاءَ يَكُونُ بَاطِلاً لِمُخَالَفَةِ الْوَكِيل مَا أَمَرَ بِهِ مُوَكِّلُهُ. لأَِنَّ الْمُوَكِّل لَمْ يَرْضَ بِخُرُوجِ مِلْكِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. (228)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِ جَعْل الدَّرَاهِمِ مَكَانَ الدَّنَانِيرِ وَالْعَكْسِ، لأَِنَّ مَنْ رَضِيَ بِدِرْهَمٍ رَضِيَ مَكَانَهُ بِدِينَارٍ، أَمَّا الْعُرُوضُ فَلاَ يَصِحُّ جَعْلُهَا مَكَانَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مُطْلَقًا، لأَِنَّهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأَْثْمَانِ. (229)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَال الْمُوَكِّل لِوَكِيلِهِ: اشْتَرِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَاشْتَرَى بِمَا سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَإِنَّ الشِّرَاءَ لاَ يَلْزَمُ الْمُوكِّل وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَكِيلَ، لأَِنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلِفٌ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِمُوَكِّلِهِ.
أَمَّا لَوْ قَال لَهُ: اشْتَرِهَا لِي بِمِائَةِ دِينَارٍ فَاشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِينَارٍ فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الشِّرَاءَ لاَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل وَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ، لأَِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً فَكَانَ التَّقَيُّدُ بِأَحَدِهِمَا مُفِيدًا (230)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى بِعُرُوضٍ بَدَلاً مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَإِنَّ الشِّرَاءَ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ أَجَازَهُ وَقَعَ الشِّرَاءُ لَهُ وَإِلاَّ وَقَعَ لِلْوَكِيل. (231)
أَمَّا إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيل بِالدَّرَاهِمِ وَقَدْ نَصَّ لَهُ الْمُوَكِّل عَلَى الدَّنَانِيرِ أَوِ اشْتَرَى بِالدَّنَانِيرِ وَقَدْ نَصَّ لَهُ الْمُوَكِّل عَلَى الدَّرَاهِمِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ مَشْهُورَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشِّرَاءَ لاَزِمٌ لِلْمُوَكِّل بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَالثَّانِي: لِلْمُوَكِّل الْخِيَارُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَمَحَل الْقَوْلَيْنِ إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ نَقْدَ الْبَلَدِ وَثَمَنَ الْمِثْلِ، وَالسِّلْعَةُ مِمَّا تُبَاعُ بِهِ وَاسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا، وَإِلاْ خُيِّرَ الْمُوَكِّل قَوْلاً وَاحِدًا. (232) ج ـ الْمُخَالَفَةُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ:
99 - إِذَا خَالَفَ الْوَكِيل فِي قَدْرِ الثَّمَنِ الْمُوكَّل بِالشِّرَاءِ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ إِلَى خَيْرٍ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَتِ الْمُخَالَفَةُ إِلَى خَيْرٍ كَأَنْ أَمْرَهُ بِشِرَاءِ دَابَّةٍ بِأَلْفٍ فَاشْتَرَاهَا بِأَقَل صَحَّ الشِّرَاءُ وَلَزِمَ الْمُوكِّل، لأَِنَّ الْمُخَالَفَةَ إِلَى خَيْرٍ خِلاَفٌ فِي الصُّورَةِ فَقَطْ، فَلاَ تُعَدُّ مُخَالَفَةً حَقِيقِيَّةً.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ هَذَا الأَْصْل مَا إِذَا نَهَى الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ عَنِ النَّقْصِ كَأَنْ يَقُول لَهُ اشْتَرِهِ بِمِائَةٍ وَلاَ تَشْتَرِهِ بِدُونِهَا فَخَالَفَهُ وَاشْتَرَاهُ بِتِسْعِينَ لَمْ يَجُزِ الشِّرَاءُ، لِمُخَالَفَتِهِ مُوَكِّلَهُ، وَلأَِنَّ النُّطْقَ أَبْطَل حَقَّ الْعُرْفِ. (233)
أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمُخَالَفَةُ لَيْسَتْ فِي صَالِحِ الْمُوَكِّلِ، بِأَنِ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الْمُقَدَّرِ لَهُ.
فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيل بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى يَلْزَمُ الْوَكِيل وَلاَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل. (234)
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيل السِّلْعَةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمَبْلَغِ الْمُسَمَّى وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ يَسِيرَةً مِثْل وَاحِدٍ فِي عِشْرِينَ، وَاثْنَيْنِ فِي أَرْبَعِينَ فَيَلْزَمُ الْمُوَكِّل وَلاَ خِيَارَ لَهُ لِيَسَارَةِ الزِّيَادَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَشَأْنُ النَّاسِ التَّغَابُنُ فِي ذَلِكَ. إِمَّا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً فَإِنَّ الشِّرَاءَ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَبُول وَعَدَمِهِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَل الزِّيَادَةَ لَزِمَ الْوَكِيل.
وَلَكِنْ لَوِ الْتَزَمَ الْوَكِيل الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي حَدَّدَهُ لَهُ الْمُوَكِّل فَإِنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ لَهُ وَيَلْزَمُهُ الْعَقْدُ، لِتَصْحِيحِ الْمُخَالَفَةِ. (235)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمَبْلَغِ الْمُقَدَّرِ بَاطِلٌ، لأَِنَّهُ تَصْرِفٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ. (236)
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الشِّرَاءَ صَحِيحٌ وَيَضْمَنُ الْوَكِيل الزِّيَادَةَ. (237) الأَْمْرُ الثَّانِي: الْمُخَالَفَةُ فِي الْمُشْتَرَى:
أـ الْمُخَالَفَةُ فِي جِنْسِ الْمُشْتَرَى:
100 - إِذَا خَالَفَ الْوَكِيل فَاشْتَرَى خِلاَفَ مَا وُكِّل فِي شِرَائِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الشِّرَاءِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشِّرَاءَ لاَ يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّل وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَكِيل، لأَِنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ مُوَكِّلِهِ فَوَقَعَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَلاَ يَلْزَمُ بِهِ الْمُوَكِّلَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ بِهَذَا الشِّرَاءِ. (238)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّل مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَبُول وَعَدَمِهِ، فَإِنْ شَاءَ قَبِل وَإِنْ شَاءَ رَدَّ. فَإِذَا رَدَّهُ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيل لِمُخَالَفَتِهِ مَا أَمَرَ بِهِ مُوَكِّلُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الثَّمَنِ مِنْ مَالِهِ هُوَ. (239)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَكِيل اشْتَرَى غَيْرَ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنِ الْمَال أَوْ يَشْتَرِيَهُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَال كَانَ الشِّرَاءُ بَاطِلاً، وَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّل وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيل وَلاَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّل وَإِنْ نَوَى الْمُوكِّلَ، لأَِنَّ الْخِطَابَ وَقَعَ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ بِالنِّيَّةِ إِلَى الْمُوَكِّل إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لإِِذْنِهِ، فَإِنْ خَالَفَ لَغَتْ نِيَّتُهُ.
وَإِنْ سَمَّاهُ فَقَال الْبَائِعُ: بِعْتُكَ، فَقَال: اشْتَرَيْتُ لِفُلاَنٍ، فَكَذَا يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيل فِي الأَْصَحِّ وَتَلْغُو تَسْمِيَةُ الْمُوَكِّل فِي الْقَبُول لأَِنَّهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الشِّرَاءِ، فَإِذَا سَمَّاهُ وَلَمْ يُمْكِنْ صَرْفُهَا إِلَيْهِ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ.
وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَبْطُل الْعَقْدُ، لأَِنَّهُ صَرَّحَ بِإِضَافَتِهِ إِلَى الْمُوَكِّل وَقَدِ امْتَنَعَ إِيقَاعُهُ لَهُ فَيُلْغَى. (240)
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْوَكِيل فِي جِنْسِ الْمُشْتَرَى لاَ تَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيل قَدِ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ، أَوِ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَال.
فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَ ثَمَنَهُ فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَى بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ.
وَإِذَا ثَبَتَتْ صِحَّةُ الشِّرَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَعَنْ أَحْمَدَ فِي نَفَاذِهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الشِّرَاءُ لاَزِمٌ لِلْمُشْتَرِي، لأَِنَّهُ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إِذَنْ غَيْرِهِ فَكَانَ الشِّرَاءُ لَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَقِفُ نَفَاذُ الشِّرَاءِ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّل فَإِنْ أَجَازَهُ لَزِمَهُ، لأَِنَّهُ اشْتَرَى لَهُ وَقَدْ أَجَازَهُ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى بِإِذْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّل وَلَزِمَ الْوَكِيل؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ الْمُوَكِّلَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي شِرَائِهِ، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ، لأَِنَّ الشِّرَاءَ صَدَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ فَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ.
أَمَّا إِنِ اشْتَرَاهُ الْوَكِيل بِعَيْنِ الْمَالِ، مِثْل أَنْ يَقُول الْوَكِيل: بِعْنِي الدَّابَّةَ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ فَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ صَحِيحٌ وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ بَطَل وَإِنْ أَجَازَهُ صَحَّ. (241)
ب ـ الْمُخَالَفَةُ فِي قَدْرِ الْمُشْتَرَى:
101 - إِذَا أَمَرَ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا، فَاشْتَرَى الْوَكِيل الشَّيْءَ وَزِيَادَةً مِنْ جِنْسِهِ بِنَفْسِ الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرَهُ الْمُوَكِّل أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ هَذَا الشَّيْءَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا التَّصَرُّفِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْقِيمِيَّاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ:
فَأَمَّا الْقِيمِيَّاتُ فَلاَ يَنْفُذُ بِشَيْءٍ عَلَى الْمُوَكِّل (إِجْمَاعًا) فَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ هَرَوِىٍّ بِعَشَرَةٍ، فَاشْتَرَى لَهُ ثَوْبَيْنِ هَرَوِيَّيْنِ بِعَشَرَةٍ مِمَّا يُسَاوِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةً لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّل؛ لأَِنَّ ثَمَنَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ؛ إِذْ لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِالْحَزْرِ.
أَمَّا الْمَوْزُونُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَال لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ، فَاشْتَرَى عِشْرِينَ رِطْلاً بِدِرْهَمٍ مِمَّا يُبَاعُ مِنْهُ عَشَرَةٌ بِدِرْهَمٍ.
فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَكَذَا مُحَمَّدٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل مِنْهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَلاَ يَلْزَمُهُ الْبَاقِي، لأَِنَّ الْوَكِيل يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الأَْمْرِ فَلاَ يَتَعَدَّى تَصَرُّفُهُ مَوْضِعَ الأَْمْرِ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَشْرَةٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشِرَاءِ الزِّيَادَةِ، فَنَفَذَ شِرَاؤُهَا عَلَيْهِ، وَشِرَاءُ الْعَشَرَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَذَلِكَ بِخِلاَفِ مَا إِذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ فَرَسِهِ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ هُنَا بَدَل مِلْكِ الْمُوَكِّل فَتَكُونُ لَهُ.
- وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَلْزَمُ الْمُوَكِّل الْعِشْرُونَ؛ لأَِنَّهُ أَمَرَهُ بِصَرْفِ الدِّرْهَمِ فِي اللَّحْمِ، وَظَنَّ أَنَّ سِعْرَهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ، فَاشْتَرَى بِهِ عِشْرِينَ رِطْلاً فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا، وَصَارَ كَمَا إِذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ فَرَسِهِ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ.
- وَإِذَا كَانَتْ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ مِنَ اللَّحْمِ لاَ تُسَاوِي دِرْهَمًا نَفَذَ الْكُل عَلَى الْوَكِيل بِالاِتِّفَاقِ.
وَلَوِ اشْتَرَى عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَنِصْفَ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍيَلْزَمُ الْمُوَكِّل اسْتِحْسَانًا. (242)
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي مُقَابِل الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْل أَصْبَغَ بِأَنَّهُ لَوْ قَال الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: اشْتَرِ لِي شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ تَسَاوَى كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دِينَارًا صَحَّ، وَيَلْزَمُ الْمُوَكِّل. (243)
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الشِّرَاءَ يَصِحُّ إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الشَّاتَيْنِ تُسَاوِي الدِّينَارَ وَإِنْ لَمْ تُسَاوِهِ الشَّاةُ الأُْخْرَى، أَمَّا إِذَا لَمْ تُسَاوِ إِحْدَاهُمَا دِينَارًا لَمْ يَصِحَّ فِي الْمَذْهَبِ.
وَإِنْ سَاوَتْ كُل وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّاتَيْنِ نِصْفَ دِينَارٍ صَحَّ لِلْمُوَكِّل وَيَلْزَمُهُ لاَ لِلْوَكِيلِ، وَإِنْ كَانَتْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لاَ تُسَاوِي نِصْفَ دِينَارٍ فَرِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّل.
وَقِيل: الزَّائِدُ عَلَى الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ الْمُقَدَّرَيْنِ لِلْوَكِيل. (244)
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا إِذَا وَصَفَ الْمُوَكِّل الشَّاةَ أَوْ لَمَ يَصِفْهَا. وَقَالُوا: إِذَا لَمْ يَصِفِ الْمُوَكِّل الشَّاةَ فَإِنَّ التَّوْكِيل لَمْ يَصِحَّ.
أَمَّا لَوْ قَال الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: اشْتَرِ بِهَذَا الدِّينَارِ شَاةً وَوَصَفَهَا فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ بِالصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ: فَإِنْ لَمْ تُسَاوِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا دِينَارًا لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ لِلْمُوكِّل وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا جَمِيعًا عَلَى الدِّينَارِ لِفَوَاتِ مَا وَكَّل فِيهِ.
وَإِنْ سَاوَتْهُ أَوْ زَادَتْ عَلَيْهِ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَالأَْظْهَرُ صِحَّةُ الشِّرَاءِ وَحُصُول الْمِلْكِ فِيهِمَا لِلْمُوَكِّل.
وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ: لَوِ اشْتَرَى الْوَكِيل فِي الذِّمَّةِ فَلِلْمُوكِّل وَاحِدَةٌ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَالأُْخْرَى لِلْوَكِيل وَيَرُدُّ عَلَى الْمُوَكِّل نِصْفَ دِينَارٍ.
وَأَمَّا لَوِ اشْتَرَى بِعَيْنِ الدِّينَارِ فَقَدِ اشْتَرَى شَاةً بِإِذْنٍ وَشَاةً بِغَيْرِ إِذْنٍ فَيَبْطُل فِي شَاةٍ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. (245)
- أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ الشَّاتَانِ بِالصِّفَةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا بِالصِّفَةِ دُونَ الأُْخْرَى وَتُسَاوِيهِ وَقَعَ شِرَاؤُهُمَا لِلْمُوكِّل وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بِالصِّفَةِ لَمْ يَقَعْ شِرَاؤُهُمَا لِلْمُوَكِّل. (246)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ: لاَ خِيَارَ لِلْمُوكِّل إِنْ قَال لِوَكِيلِهِ اشْتَرِ شَاةً بِدِينَارٍ مَثَلاً دَفَعَهُ لَهُ فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ اثْنَتَيْنِ لَمْ يُمْكِنْ إِفْرَادُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأُْخْرَى بِالشِّرَاءِ لاِمْتِنَاعِ الْبَائِعِ مِنْهُ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِفْرَادُ إِحْدَاهُمَا بِالشِّرَاءِ وَاشْتَرَاهُمَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَزِمَتِ الأُْولَى إِنِ اشْتَرَاهُمَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَإِحْدَاهُمَا إِنِ اشْتَرَاهُمَا مَعًا فَالأُْولَى فِي الصُّورَةِ الأُْولَى وَإِحْدَاهُمَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ تَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، وَيُخَيَّرُ فِي أَخْذِ الشَّاةِ الثَّانِيَةِ، وَتَرْكِهَا لِلْوَكِيل بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. (247)
ج - الْمُخَالَفَةُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ:
102 - إِذَا قَامَ الْوَكِيل بِتَفْرِيقِ مَا وَكَّل بِشِرَائِهِ بِأَنْ قَامَ بِشِرَاءِ بَعْضِ الصَّفْقَةِ فَقَطْ، وَلَمْ يَشْتَرِ الْبَاقِي، أَوْ قَامَ بِشِرَاءِ الْبَعْضِ ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِشِرَاءِ الْبَاقِي، فَالأَْمْرُ لاَ يَخْلُو مِنْ حَالَتَيْنِ:
103 - الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الْمُوَكَّل بِهِ مِمَّا لاَ يَمْتَنِعُ تَبْعِيضُهُ عُرْفًا، وَلاَ يَضُرُّ الْمُوَكِّل تَبْعِيضُهُ.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّبْعِيضِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بَعْضَهَا سَوَاءً أَتْبَعَ ذَلِكَ بِشِرَاءِ الْبَاقِي أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي اشْتَرَاهُ فَقَطْ. فَلَوْ أَمَرَ شَخْصٌ آخَرَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَاتَيْنِ بِمَبْلَغٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْمَالِ، فَاشْتَرَى الْوَكِيل وَاحِدَةً فَقَطْ بِنِصْفِ الْمَبْلَغِ صَحَّ الشِّرَاءُ، وَلَزِمَتِ الْمُوَكِّل الشَّاةُ الْمُشْتَرَاةُ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ النَّفَاذُ عَلَى شِرَاءِ الأُْخْرَى، لأَِنَّ الإِْذْنَ وَإِنْ تَنَاوَلَهُمَا مَعًا لَكِنَّ الْعُرْفَ لاَ يَمْنَعُ التَّبْعِيضَ وَهُوَ لاَ يَضُرُّ بِالْمُوَكِّلِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْوَكِيل إِلاَّ شِرَاءَ وَاحِدَةً فَقَطْ، فَتَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، وَهَكَذَا فِي كُل سِلْعَةٍ لاَ يَضُرُّ تَفْرِيقُهَا بِالْمُوَكِّل.
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ جَوَازَ الشِّرَاءِ مُفَرَّقًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَا إِذَا لَمْ يَقُل الْمُوَكِّل: اشْتَرِ لِي ذَلِكَ صَفْقَةً، لأَِنَّ تَنْصِيصَهُ عَلَى ذَلِكَ يَدُل عَلَى غَرَضِهِ فِيهِ فَلَمْ يَتَنَاوَل إِذْنَهُ سِوَاهُ. (248)
104 - الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَمْنَعَ الْعُرْفُ تَبْعِيضَهُ، أَوْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ بِالْمُوَكِّلِ، كَأَنْ يُوَكِّل شَخْصٌ آخَرَ فِي شِرَاءِ ثَوْبٍ مِنَ الصُّوفِ، فَيَشْتَرِي الْوَكِيل بَعْضَهُ فَقَطْ.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ مُقْتَضَى عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ الإِْذْنَ تَنَاوَل جَمِيعَهُ، وَفِي التَّبْعِيضِ إِضْرَارٌ بِهِ وَهُوَ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُوَكِّل لَزِمَ الْوَكِيل مَا اشْتَرَاهُ لِمُخَالَفَتِهِ إِذَنْ مُوَكِّلِهِ.
غَيْرَ أَنَّ جُمْهُورَ الْحَنَفِيَّةِ قَالُوا: إِذَا قَامَ الْوَكِيل بِشِرَاءِ الْبَاقِي مِنَ الصَّفْقَةِ وَقَعَ الشِّرَاءُ صَحِيحًا وَلَزِمَ الْمُوَكِّل بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يُخَاصِمَهُ الْمُوَكِّل أَمَامَ الْقَضَاءِ، لأَِنَّ شِرَاءَ الْبَعْضِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً لِلاِمْتِثَال كَأَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَوْرُوثًا فَيَشْتَرِيَهُ الْوَكِيل شِقْصًا شِقْصًا يَأْخُذُ مِنْ كُل وَارِثٍ حِصَّتَهُ فَإِنِ اشْتَرَى الْبَاقِيَ قَبْل مُخَاصَمَةِ الْمُوَكِّل تَبَيَّنَ أَنَّ شِرَاءَهُ لِلْبَعْضِ كَانَ وَسِيلَةً لِلاِمْتِثَال فَيَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّل.
وَقَال زُفَرُ: لاَ يَنْفُذُ الشِّرَاءُ عَلَى الْمُوَكِّل بَل يَقَعُ لِلْوَكِيل. (249)
أَمَّا لَوْ خَاصَمَ الْمُوكِّل وَكِيلَهُ إِلَى الْقَاضِي قَبْل أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَكِيل الْبَاقِيَ وَأَلْزَمَ الْقَاضِي الْوَكِيلَ، ثُمَّ قَامَ الْوَكِيل بِشِرَاءِ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَى لاَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَكِيل بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ، لِمُخَالَفَتِهِ لأَِمْرِ مُوَكِّلِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. (250)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى بُطْلاَنِ الشِّرَاءِ مَعَ التَّفْرِيقِ، لأَِنَّ الْوَكِيل خَالَفَ إِذْنَ مُوَكِّلِهِ بِشِرَاءِ الْجَمِيعِ، وَفِي تَبْعِيضِ الْمَبِيعِ إِضْرَارٌ بِالْمُوَكِّل وَتَفْرِيقٌ لِمِلْكِهِ فَلاَ يَلْزَمُهُ هَذَا الشِّرَاءُ. (251)
د - مُخَالَفَةُ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ بِأَنِ اشْتَرَى مَعِيبًا:
105 - إِذَا وَكَّل إِنْسَانٌ شَخْصًا فِي أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً مَوْصُوفَةً لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إِلاَّ سَلِيمَةً خَالِيَةً مِنَ الْعُيُوبِ، لأَِنَّ إِطْلاَقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي السَّلاَمَةَ مِنَ الْعُيُوبِ، وَلِهَذَا لَوِ اشْتَرَى عَيْنًا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا ثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ. (252)
106 - فَإِذَا خَالَفَ وَاشْتَرَاهَا مَعِيبَةً فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الشِّرَاءِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا وَكَّل فِي شِرَاءِ سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ، فَاشْتَرَى سِلْعَةً لاَ تَتَحَقَّقُ فِيهَا هَذِهِ الصِّفَةُ، لَمْ تَلْزَمِ الآْمِرَ (الْمُوَكِّل) .
فَلَوْ قَال لَهُ: اشْتَرِ لِي جَارِيَةً تَخْدُمُنِي أَوْ لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِلْخَبْزِ، أَوْ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِعَمَلٍ مِنَ الأَْعْمَال فَاشْتَرَى جَارِيَةً عَمْيَاءَ، أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ، أَوِ الرِّجْلَيْنِ لاَ يَلْزَمُ الْمُوَكِّل إِجْمَاعًا.
وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ دَابَّةً يَرْكَبُهَا فَاشْتَرَى مُهْرًا، أَوْ عَمْيَاءَ، أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ لَمْ يَلْزَمِ الآْمِرَ.
- وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ثَوْبًا يَقْطَعُهُ قَمِيصًا، فَاشْتَرَى ثَوْبًا لاَ يَكْفِيهِ قَمِيصًا، لاَ يَلْزَمِ الآْمِرَ.
أَمَّا لَوْ وَكَّل رَجُلاً وَقَال لَهُ اشْتَرِ لِي جَارِيَةً أُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِي، فَاشْتَرَى عَمْيَاءَ، أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ، أَوِ الرِّجْلَيْنِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيل بِذَلِكَ، لَزِمَ الآْمِرَ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ. لَوْ عَلِمَ الْوَكِيل بِذَلِكَ لاَ يَلْزَمُ الشِّرَاءُ الآْمِرَ. (253)
وَقَالُوا: إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيل وَقَبَضَ الْمُشْتَرَى ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فِيهِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ مَا دَامَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ، لأَِنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، وَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى الْوَكِيل فِي مِثْل هَذَا الْعَقْدِ. فَإِنَّ سَلَّمَهُ إِلَى الْمُوكِّل لَمْ يَرُدَّهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ لأَِنَّهُ انْتَهَى حُكْمُ الْوَكَالَةِ بِتَسْلِيمِهِ إِلَى الْمُوَكِّل فَخَرَجَ مِنَ الْوَكَالَةِ.
وَلَوْ رَضِيَ الْوَكِيل بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، ثُمَّ الْمُوَكِّل إِنْ شَاءَ قَبِلَهُ وَإِنْ شَاءَ أَلْزَمَ الْوَكِيل. (254)
107 - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيل مَعِيبًا مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ لَزِمَهُ إِذَا كَانَ اشْتَرَاهُ عَلَى الْبَتِّ أَوْ عَلَى الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ وَأَمْضَى الْبَائِعُ الْبَيْعَ.
أَمَّا إِذَا اشْتَرَاهُ الْوَكِيل عَلَى خِيَارٍ لَهُ وَلَمْ يَنْقَضِ زَمَنُهُ فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ، وَلَهُ رَدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ، وَمَحَل هَذَا إِذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُوَكِّل.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ قَلِيلاً يُغْتَفَرُ مِثْلُهُ عَادَةً وَالشِّرَاءُ فُرْصَةً أَيْ غِبْطَةً فَيَلْزَمُ الْمُوَكِّل كَدَابَّةٍ مَقْطُوعَةِ ذَنَبٍ لِغَيْرِ ذِي هَيْئَةٍ وَهِيَ رَخِيصَةٌ، أَمَّا شِرَاءُ دَابَّةٍ مَقْطُوعَةِ ذَنَبٍ لِذِي هَيْئَةٍ فَلاَ تَلْزَمُ وَلَوْ رَخِيصَةً. (255)
108 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: شِرَاءُ الْوَكِيل الْمَعِيبَ لاَ يَخْلُو:
إِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَعِيبَ فِي الذِّمَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُسَاوِيَ الْمَعِيبَ مَعَ الْعَيْبِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ لاَ يُسَاوِيَ.
فَإِذَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَالْمَعِيبُ يُسَاوِي مَعَ الْعَيْبِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَقَعَ الشِّرَاءُ عَنِ الْمُوَكِّل إِنْ جَهِل الْمُشْتَرِي الْمَعِيْبَ، إِذْ لاَ ضَرَرَ عَلَى الْمَالِكِ، لِتَخْيِيرِهِ، وَلاَ تَقْصِيرَ مِنْ جِهَةِ الْوَكِيل لِجَهْلِهِ، وَلاَ خَلَل مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ لإِِطْلاَقِهِ.
وَإِنْ عَلِمَ الْوَكِيل الْعَيْبَ فَلاَ يَقَعُ الشِّرَاءُ عَنِ الْمُوَكِّل فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ سَوَاءٌ سَاوَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ أَمْ زَادَ.
وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ الصِّيغَةَ مُطْلَقَةٌ وَلاَ نَقْصَ فِي الْمَالِيَّةِ.
وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ الْمَعِيبُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ لَمْ يَقَعْ عَنِ الْمُوكِّل إِنْ عَلِمَ الْوَكِيل الْعَيْبَ لِتَقْصِيرِهِ، وَقَدْ يَهْرُبُ الْبَائِعُ فَلاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الرَّدِّ فَيَتَضَرَّرُ.
أَمَّا إِنْ جَهِل الْوَكِيل الْعَيْبَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَعَ لِلْمُوَكِّل فِي الأَْصَحِّ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ جَاهِلاً.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّل لأَِنَّ الْغَبْنَ يَمْنَعُ الْوُقُوعَ عَنِ الْمُوَكِّل مَعَ السَّلاَمَةِ فَعِنْدَ الْعَيْبِ أَوْلَى.
أَمَّا إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيل الْمَعِيبَ بِعَيْنِ مَال الْمُوَكِّل وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ الْعَيْبَ فَإِنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّل.
وَإِذَا عَلِمَ الْوَكِيل الْعَيْبَ وَاشْتَرَى بِعَيْنِ مَال الْمُوَكِّل لاَ يَصِحُّ الشِّرَاءُ.وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَنُصَّ الْمُوَكِّل عَلَى سَلاَمَةِ الْمُشْتَرَى مِنَ الْعَيْبِ، فَإِنْ نَصَّ عَلَى السَّلاَمَةِ فَالْوَجْهُ كَمَا قَال الإِْسْنَوِيُّ: أَنَّهُ لاَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ. (256)
وَإِذَا وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّل فِي صُورَتَيِ الْجَهْل فَلِكُلٍّ مِنَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، أَمَّا الْمُوَكِّل فَلأَِنَّهُ الْمَالِكُ وَالضَّرَرُ لاَحِقٌ بِهِ، وَأَمَّا الْوَكِيل فَلأَِنَّهُ نَائِبُهُ.
أَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَقَعُ لِلْمُوَكِّل فِي صُورَةِ الْعِلْمِ فَيَرُدُّهُ الْمُوَكِّل وَحْدَهُ.
وَلَوْ رَضِيَ الْمُوَكِّل بِالْعَيْبِ أَوْ قَصَّرَ فِي الرَّدِّ فِيمَا إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيل فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَرُدَّ الْوَكِيلُ، إِذْ لاَ حَظَّ لَهُ فِي الْفَسْخِ.
وَلَوْ قَصَّرَ الْوَكِيل فِي الرَّدِّ أَوْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ رَدَّهُ الْمُوَكِّل لِبَقَاءِ حَقِّهِ إِذَا سَمَّاهُ الْوَكِيل فِي الشِّرَاءِ أَوْ نَوَاهُ وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ وَإِلاَّ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيل لأَِنَّهُ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الْمُوَكِّل فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ.
وَلَوْ قَال الْبَائِعُ لِلْوَكِيل: أَخِّرِ الرَّدَّ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّل لَمْ تَلْزَمْهُ إِجَابَتُهُ، وَإِنْ أَخَّرَ فَلاَ رَدَّ لَهُ لِتَقْصِيرِهِ. (257) 109 - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل إِذَا اشْتَرَى سِلْعَةً مَعِيبَةً: إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ الْوَكِيل عَيْبَهَا، وَإِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ.
فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بِهِ، لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّل مَا اشْتَرَاهُ، لأَِنَّهُ اشْتَرَى غَيْرَ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي شِرَائِهِ.
هَذَا إِذَا اشْتَرَاهُ الْوَكِيل فِي الذِّمَّةِ، وَقَالُوا: إِنِ اشْتَرَى الْوَكِيل بِعَيْنِ الْمَال فَكَشِرَاءِ فُضُولِيٍّ فِي الْمَذْهَبِ. (258)
وَقَال الأَْزَجِيُّ: إِنِ اشْتَرَاهُ مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ فَهَل يَقَعُ عَنِ الْمُوَكِّل؟ لأَِنَّ الْعَيْبَ إِنَّمَا يُخَافُ مِنْهُ نَقْصُ الْمَالِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ مُسَاوِيًا لِلثَّمَنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْضَى بِهِ، أَمْ لاَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّل؟ فِيهِ وَجْهَانِ. (259)
أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الشِّرَاءُ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الصَّحِيحِ فِي الظَّاهِرِ لِعَجْزِهِ عَنِ التَّحَرُّزِ عَنْ شِرَاءِ مَعِيبٍ لاَ يَعْلَمُ عَيْبَهُ.
وَقَال الأَْزَجِيُّ: إِنْ جَهِل الْوَكِيل عَيْبَ الْمُشْتَرَى وَقَدِ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَال فَهَل يَقَعُ عَنِ الْمُوَكِّل؟ فِيهِ خِلاَفٌ. (260)
فَإِذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ مَلَكَ الرَّدَّ، لأَِنَّهُ قَائِمٌ فِي الشِّرَاءِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ، وَلِلْمُوَكِّل رَدُّهُ بِالْعَيْبِ أَيْضًا لأَِنَّ الْمِلْكَ لَهُ.
فَإِنْ حَضَرَ قَبْل رَدِّ الْوَكِيل وَرَضِيَ بِالْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيل رَدُّهُ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُ. (261)
هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا أَمَرَ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ وَخَالَفَ الْوَكِيل فَاشْتَرَاهَا مَعِيبَةً.
أَمَّا أَمْرُ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ عَيَّنَهَا لَهُ وَهِيَ مَعِيبَةٌ فَقَدْ قَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ الْوَكِيل بِالْعَيْبِ قَبْل الشِّرَاءِ وَإِمَّا أَنْ لاَ يَعْلَمَ بِهِ.
فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ قَبْل الشِّرَاءِ فَلَيْسَ لَهُ شِرَاؤُهُ، لأَِنَّ الْعَيْبَ إِذَا جَازَ بِهِ الرَّدُّ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلأََنْ يُمْنَعَ مِنَ الشِّرَاءِ أَوْلَى.
فَإِنِ اشْتَرَاهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَزِمَ الْوَكِيل الشِّرَاءُ، لأَِنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَعِيبٍ، إِلاَّ إِذَا رَضِيَهُ الْمُوَكِّل فَلَهُ، لأَِنَّ الْوَكِيل نَوَى الْعَقْدَ لَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَرْضَهُ الْمُوَكِّل لَزِمَ الْمَعِيبُ الْوَكِيل.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيل بِالْعَيْبِ قَبْل الشِّرَاءِ بِحَيْثُ اشْتَرَى السِّلْعَةَ وَوَجَدَهَا مَعِيبَةً فَلَهُ الرَّدُّ لاِقْتِضَاءِ الأَْمْرِ السَّلاَمَةَ. (262)
هَذَا إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيل فِي ذِمَّتِهِ.
أَمَّا إِذَا اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَال الَّذِي وُكِّل فِي الشِّرَاءِ بِهِ فَشِرَاءٌ فُضُولِيٌّ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ شِرَاءَ الْوَكِيل لاَ يَصِحُّ لِلْمُوَكِّل. (263)
وَقَالُوا: لِلْوَكِيل وَلِلْمُوَكِّل رَدُّ مَا اشْتَرَاهُ الْوَكِيل غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ، أَمَّا الْمُوَكِّل فَلأَِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وَأَمَّا الْوَكِيل فَلِقِيَامِهِ مَقَامَهُ.
وَلاَ يَرُدُّ وَكِيلٌ مَا عَيَّنَهُ لَهُ مُوَكِّلٌ كَاشْتَرِ هَذَا الثَّوْبَ أَوِ الْحَيَوَانَ، فَاشْتَرَاهُ بِعَيْبٍ وَجَدَهُ الْوَكِيل فِيهِ قَبْل إِعْلاَمِ الْمُوَكِّل قَال فِي الرِّعَايَتَيْنِ: هَذَا أَوْلَى، وَقَال فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: هَذَا الأَْظْهَرُ، وَقَال فِي الإِْنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِقَطْعِهِ نَظَرَ وَكِيلِهِ بِتَعْيِينِهِ، فَرُبَّمَا رَضِيَهُ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، قَال الْبُهُوتِيُّ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مُعَيَّنٍ، فَاشْتَرَاهُ، وَوَجَدَهُ مَعِيبًا؛ فَلَهُ الرَّدُّ قَبْل إِعْلاَمِهِ مُوَكِّلَهُ.
وَيَرُدُّ الْوَكِيل مَبِيعًا وَجَدَهُ مَعِيبًا مَا لَمْ يُعَيِّنْهُ لَهُ الْمُوَكِّل.
فَإِنِ ادَّعَى بَائِعُ مَعِيبٍ رِضَا مُوَكِّلِهِ بِالْعَيْبِ وَالْمُوَكِّل غَائِبٌ؛ حَلَفَ الْوَكِيل أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ رِضَا مُوَكِّلِهِ، وَرَدَّ الْمَبِيعَ لِلْعَيْبِ، ثُمَّ إِنْ حَضَرَ الْمُوَكِّل فَصَدَّقَ بَائِعًا عَلَى رِضَاهُ بِعَيْبِهِ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ لاِنْعِزَال الْوَكِيل مِنَ الرَّدِّ بِرِضَا الْمُوَكِّل بِالْعَيْبِ، وَالْمَعِيبُ بَاقٍ لِلْمُوَكِل؛ فَلَهُ اسْتِرْجَاعُهُ وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَى الرِّضَا مِنْ قَبْلِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ بَائِعٌ رِضَا مُوَكِّلٍ، وَقَال لَهُ: تَوَقَّفْ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّل فَرُبَّمَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ؛ لَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيل ذَلِكَ؛ لاِحْتِمَال هَرَبِ الْبَائِعِ أَوْ فَوَاتِ الثَّمَنِ بِتَلَفِهِ، وَإِنْ طَاوَعَهُ لَمْ يَسْقُطْ رَدُّ مُوَكِّلٍ.
وَيَتَّجِهُ: لاَ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَعِيبِ الَّذِي ادَّعَى بَائِعٌ رِضَا الْمُوَكِّل بِعَيْبِهِ قَبْل مُرَاجَعَةِ الْمُوَكِّل؛ لاِعْتِرَافِ الْبَائِعِ بِالْمَبِيعِ أَنَّهُ لِلْمُوَكِّل وَحْدَهُ، وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَال الرُّحَيْبَانِيُّ: وَهَذَا الاِتِّجَاهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَيَبْقَى الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ أَمَانَةً إِلَى حُضُورِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ أَخَذَهُ الْمُوَكِّلُ، وَإِنِ ادَّعَى الْبَائِعُ تَلَفَهُ بِلاَ تَعَمُّدٍ وَلاَ تَفْرِيطٍ؛ فَالْقَوْل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ؛ لأَِنَّهُ أَمِينٌ.
وَإِنْ أَسْقَطَ وَكِيلٌ اشْتَرَى مَعِيبًا خِيَارَهُ مِنْ عَيْبٍ وَجَدَهُ، وَلَمْ يَرْضَ مُوَكِّلُهُ بِالْعَيْبِ فَلِلْوَكِيل رَدُّهُ؛ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ. (264)
الأَْمْرُ الثَّالِثُ: مُخَالَفَةُ الْوَكِيل فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ بِأَنْ عَقَدَ عَقْدًا صَحِيحًا:
110 - إِذَا وَكَّل شَخْصٌ آخَرَ فِي أَنْ يَعْقِدَ لَهُ عَقْدًا فَاسِدًا، لَمْ يَمْلِكِ الْوَكِيل أَنْ يَعْقِدَهُ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل لاَ يَمْلِكُهُ، فَالْوَكِيل مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ. (265)
وَلَكِنْ هَل يَمْلِكُ الْوَكِيل أَنْ يَعْقِدَ عَقْدًا صَحِيحًا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ بَدَلاً مِنَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ الَّذِي وُكِّل فِيهِ؟ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ بَيْعِهِمَا، أَوْ بَيْعِ أَيِّهِمَا لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لاَ يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْخَل وَالْخَيْل أَوْ بَيْعَهُمَا بَدَلاً مِنْهُمَا، لأَِنَّ الْمُوَكِّل لَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَذِنَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَهُوَ لاَ يَمْلِكُهُ. (266)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ اسْتِحْسَانًا، فَلَوْ قَال الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: بِعْهُ بَيْعًا فَاسِدًا فَبَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا نَفَذَ عَلَى الآْمِرِ اسْتِحْسَانًا، لأَِنَّهُ مِنْ جِنْسِ التَّصَرُّفِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ خَيْرٌ لِلآْمِرِ مِمَّا أَمَرَهُ بِهِ، فَلاَ يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْمُوَكِّلِ، كَالْوَكِيل بِالْبَيْعِ بِأَلْفٍ إِذَا بَاعَ بِأَلْفَيْنِ. (267) الأَْمْرُ الرَّابِعُ: مُخَالَفَةُ الْوَكِيل اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ فِي الْعَقْدِ:
111 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَمَرَ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا وَيَشْتَرِطُ الْخِيَارَ لِلآْمِرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَبَاعَهُ بِغَيْرِ خِيَارٍ، أَوْ بِخِيَارٍ دُونَ الثَّلاَثَةِ فَدَفَعَهُ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ وَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ، لأَِنَّهُ أَتَى بِعَقْدٍ هُوَ أَضَرُّ عَلَى الآْمِرِ فَإِنَّهُ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ الرَّأْيُ فِي هَذِهِ الثَّلاَثَةِ إِلَى الْمُوَكِّل بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ أَوْ يُمْضِيَهُ، وَقَدْ أَتَى بِعَقْدٍ لاَ يَثْبُتُ فِيهِ هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الرَّأْيِ لِلآْمِرِ، فَكَانَ مُخَالِفًا كَالْغَاصِبِ.
وَلَوْ قَال: بِعْهُ وَاشْتَرِطِ الْخِيَارَ لِي شَهْرًا فَبَاعَهُ وَشَرَطَ الْخِيَارَ لَهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ جَازَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ اسْتِحْسَانًا، وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِهِمَا، لأَِنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ فِي مُدَّةِ الشَّهْرِ وَيَصِحُّ الْبَيْعُ مَعَهُ، فَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِعَقْدٍ يَكُونُ فِيهِ الرَّأْيُ إِلَى الآْمِرِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهُوَ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ فَكَانَ ضَامِنًا، وَإِنَّ مِنْ أَصْل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ لاَ يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّمَا هَذَا وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ عِنْدَهُ، وَالْوَكِيل بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ إِذَا بَاعَ بَيْعًا جَائِزًا نَفَذَ عَلَى الآْمِرِ اسْتِحْسَانًا. فَهَذَا مِثْلُهُ. (268)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال الْمُوَكِّل لِوَكِيلِهِ فِي الْبَيْعِ: بِعْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَبَاعَ مُطْلَقًا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، أَمَّا لَوْ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ وَأَطْلَقَ فَلَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيل شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَا لَيْسَ لِلْوَكِيل بِالشِّرَاءِ شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ.
وَإِذَا شَرَطَ الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ لأَِنْفُسِهِمَا أَوْ لِلْمُوَكِّل فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ. (269)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ لِلْوَكِيل شَرْطُ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ وَيَكُونُ لَهُ وَلِمُوَكِّلِهِ، وَإِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ فَقَطْ لَمْ يَصِحَّ، وَلَهُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِمُوَكِّلِهِ، لأَِنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا.
وَلاَ يَمْلِكُ الْوَكِيل فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ شَرْطَ الْخِيَارِ لِلْعَاقِدِ مَعَهُ، لأَِنَّهُ إِلْزَامٌ لِمُوَكِّلِهِ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَعَقْدُ الْوَكَالَةِ لاَ يَقْتَضِيهِ.
وَمُقْتَضَى عِبَارَاتِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُوَكِّل إِذَا أَمَرَ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ فِي الْعَقْدِ فَإِنَّ الْوَكِيل لَيْسَ لَهُ مُخَالَفَةُ أَمْرِ مُوَكِّلِهِ. (270)
التَّوْكِيل فِي الْخُصُومَةِ:
إِقْرَارُ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ:
112 - لَوْ وَكَّل شَخْصٌ آخَرَ فِي خُصُومَةٍ، فَهَل يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يُقِرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِيهَا؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْبَل إِقْرَارُ وَكِيل الْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لاَ بِقَبْضِ الْحَقِّ وَلاَ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْقْرَارَ مَعْنًى يَقْطَعُ الْخُصُومَةَ وَيُنَافِيهَا فَلاَ يَمْلِكُهُ الْوَكِيل كَالإِْبْرَاءِ، وَلأَِنَّ الْوَكِيل مَأْمُورٌ لاَ يَمْلِكُ الإِْنْكَارَ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ الْمُوَكِّل مِنَ الإِْقْرَارِ فَلَوْ مَلَكَ الإِْقْرَارَ لاَمْتَنَعَ عَلَى الْمُوَكِّل الإِْنْكَارُ فَافْتَرَقَا، وَلأَِنَّ الْوَكِيل مَأْمُورٌ بِالْخُصُومَةِ وَهِيَ مُنَازَعَةٌ، وَالإِْقْرَارُ ضِدُّهَا لأَِنَّهُ مُسَالَمَةٌ، وَالأَْمْرُ بِالشَّيْءِ لاَ يَتَنَاوَل ضِدَّهُ. (271)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى جَوَازِ إِقْرَارِ الْوَكِيل عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي الْخُصُومَةِ عِنْدَ الْقَاضِي فَقَطْ، بِاسْتِثْنَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي فَلاَ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ مُطْلَقًا اسْتِحْسَانًا.
وَوَجْهُ عَدَمِ قَبُول إِقْرَارِهِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عَلَى الْمُوَكِّل أَنَّ فِي الإِْقْرَارِ هُنَا شُبْهَةً فَامْتَنَعَ، أَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَيَجُوزُ الإِْقْرَارُ فِيهِ، لأَِنَّ التَّوْكِيل صَحِيحٌ وَصِحَّتُهُ تَتَنَاوَل مَا يَمْلِكُهُ، وَذَلِكَ مُطْلَقُ الْجَوَابِ بِالإِْقْرَارِ وَالإِْنْكَارِ دُونَ أَحَدِهِمَا عَيْنًا فَيَنْصَرِفُ إِلَيْهِ تَحَرِّيًا لِلصِّحَّةِ، وَقَدْ خَصَّصَا ذَلِكَ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ دُونَ غَيْرِهِ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل إِنَّمَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَحَقِيقَتُهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ عِنْدَ الْقَاضِي فَلَمْ يَكُنْ وَكِيلاً فِي غَيْرِهِ، لأَِنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْخُصُومَةِ الَّتِي هُوَ وَكِيلٌ فِيهَا.
وَالْقِيَاسُ عِنْدَهُمَا قَبُول الإِْقْرَارِ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي أَيْضًا، لأَِنَّ الْوَكِيل قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ، وَإِقْرَارُهُ لاَ يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَكَذَلِكَ نَائِبُهُ. (272)
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى قَبُول إِقْرَارِ وَكِيل الْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَمْ فِي غَيْرِهِ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل أَقَامَ الْوَكِيل مَقَامَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا فَيَقْتَضِي أَنْ يَمْلِكَ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ، وَهُوَ مَالِكٌ لِلإِْقْرَارِ بِنَفْسِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ، وَهَذَا لأَِنَّهُ إِنَّمَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ مَا لاَ يَكُونُ مُوجِبًا إِلاَّ بِانْضِمَامِ الْقَضَاءِ إِلَيْهِ. (273)
أَمَّا لَوِ اسْتَثْنَى الْمُوَكِّل الإِْقْرَارَ بِأَنْ قَال لِلْوَكِيل: وَكَّلْتُكَ بِالْخُصُومَةِ غَيْرَ جَائِزِ الإِْقْرَارِ صَحَّ التَّوْكِيل وَالاِسْتِثْنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ، فَلَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ غَيْرِهِ لاَ يَصِحُّ الإِْقْرَارُ وَيَخْرُجْ بِهِ عَنِ الْوَكَالَةِ فَلاَ تُسْمَعُ خُصُومَتُهُ. (274) (: ف63)
تَصَرُّفُ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ فِي الْحَقِّ:
113 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ لاَ يَمْلِكُ الْمُصَالَحَةَ عَنِ الْحَقِّ، وَلاَ الإِْبْرَاءَ مِنْهُ، لأَِنَّ الإِْذْنَ فِي الْخُصُومَةِ لاَ يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (275)
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ أَنَّ يَبِيعَ وَلاَ أَنْ يَهِبَ، لأَِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَيْسَتْ مِنَ الْخُصُومَةِ، بَل هِيَ ضِدُّ الْخُصُومَةِ قَاطِعَةٌ لَهَا، وَالأَْمْرُ بِالشَّيْءِ لاَ يَتَضَمَّنُ ضِدَّهُ.
كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيل أَنْ يُؤَجِّل الْحَقَّ. (276)
حَقُّ الْوَكِيل بِالْقَبْضِ فِي الْخُصُومَةِ:
114 - إِذَا وَكَّل شَخْصٌ آخَرَ فِي قَبْضِ حَقٍّ لَهُ قِبَل فُلاَنٍ فَجَحَدَ مَنْ عَلَيْهِ هَذَا الْحَقُّ، فَهَل يَمْلِكُ الْوَكِيل إِثْبَاتَ هَذَا الْحَقِّ الْمَأْذُونِ فِي قَبْضِهِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل فِي قَبْضِ الْحَقِّ يَكُونُ وَكِيلاً فِي الْخُصُومَةِ إِذَا جَحَدَهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، لأَِنَّهُ لاَ يَتَوَصَّل إِلَى الْقَبْضِ إِلاَّ بِإِثْبَاتِ الْحَقِّ فَكَانَ إِذْنًا فِيهِ عُرْفًا.
وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَقِّ الْمَأْذُونِ فِي قَبْضِهِ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، كَمَا لاَ فَرْقَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ رَبُّ الْحَقِّ عَالِمًا بِبَذْل الْغَرِيمِ مَا عَلَيْهِ، أَوْ جَحْدِهُ أَوْ مَطْلِهُ. (277)
وَقَيَّدَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ - كَمَا جَاءَ فِي الْفُنُونِ - صِحَّةَ خُصُومَةِ الْوَكِيل بِالْقَبْضِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْوَكِيل يَعْلَمُ ظُلْمَ مُوَكِّلِهِ فِي الْخُصُومَةِ، وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْل - كَمَا قَال ابْنُ مُفْلِحٍ - صِحَّةُ الْخُصُومَةِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ ظُلْمَ الْمُوَكِّلِ، فَلَوْ ظَنَّ ظُلْمَهُ جَازَ وَيَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ، وَمَعَ الشَّكِّ يَتَوَجَّهُ احْتِمَالاَنِ: قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: لَعَل الْجَوَازَ أَوْلَى. (278)
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل بِالْقَبْضِ لاَ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ كَانَ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا لأَِنَّ الإِْذْنَ فِي الْقَبْضِ لَيْسَ إِذْنًا فِي الْخُصُومَةِ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ وَلاَ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعُرْفِ أَنَّ مَنْ يَرْضَاهُ لِلْقَبْضِ يَرْضَاهُ لِلْخُصُومَةِ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ كُل مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَال يَهْتَدِي فِي الْخُصُومَاتِ، فَلَمْ يَكُنِ الرِّضَا بِالْقَبْضِ رِضًا بِالْخُصُومَةِ. (279)
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْوَكِيل بِقَبْضِ الْعَيْنِ، لاَ يَكُونُ خَصْمًا فِيمَا يَدَّعِي عَلَى الْمُوَكِّل مِنْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ خَصْمٌ فِي قَصْرِ يَدِهِ عَنْهُ، فَتُقْبَل الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ، فَأَقَامَ الْغَرِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ أَوْفَاهُ الطَّالِبُ، قُبِل ذَلِكَ مِنْهُ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّ الْوَكِيل بِقَبْضِ الدَّيْنِ عِنْدَهُ يَمْلِكُ خُصُومَتَهُ فَيَكُونُ خَصْمًا عَنِ الْوَكِيل فِيهِ. (280)
وَقَال: إِنَّ التَّوْكِيل بِقَبْضِ الدَّيْنِ تَوْكِيلٌ بِالْمُبَادَلَةِ، وَالْحُقُوقُ فِي مُبَادَلَةِ الْمَال بِالْمَال تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ، وَدَلاَلَةُ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِيفَاءَ عَيْنِ الدَّيْنِ لاَ يُتَصَوَّرُ؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنِ الْفِعْل وَهُوَ فِعْل تَسْلِيمِ الْمَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ مَالٍ حُكْمِيٍّ فِي الذِّمَّةِ، وَكُل ذَلِكَ لاَ يُتَصَوَّرُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَلَكِنَّ اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ نَوْعِ مُبَادَلَةٍ، وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَأْخُوذِ الْعَيْنِ بِمَا فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ، وَتَمْلِيكُهُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنَ الْمَالِ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ وَالْخُصُومَةَ فِي حُقُوقِ مُبَادَلَةِ الْمَال بِالْمَال فَيَمْلِكُهُ الْوَكِيل بِخِلاَفِ الْوَكِيل بِقَبْضِ الثَّمَنِ، لأَِنَّ ذَلِكَ تَوْكِيلٌ بِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ الْحَقِّ لاَ بِالْمُبَادَلَةِ، لأَِنَّ عَيْنَهُ مَقْدُورُ الاِسْتِيفَاءِ فَلاَ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ فِيهَا إِلاَّ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَمْلِكِ الْخُصُومَةَ لاَ تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الشِّرَاءِ مِنَ الْمُوَكَّل بِالْقَبْضِ، لأَِنَّهَا بَيِّنَةٌ قَامَتْ لاَ عَلَى خَصْمٍ، وَلَكِنَّهَا تُسْمَعُ فِي دَفْعِ قَبْضِ الْوَكِيل. (281)
حَقُّ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ فِي قَبْضِ الْمَال الْمُوَكَّل بِهِ:
115 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ فِي قَبْضِ مَا وُكِّل بِالْمُخَاصَمَةِ فِيهِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَقُّ عَيْنًا أَمْ دَيْنًا.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَالْفَتْوَى عَلَيْهِ - وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل فِي الْخُصُومَةِ لاَ يَمْلِكُ قَبْضَ الْحَقِّ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل قَدْ يَرْضَى لِلْخُصُومَةِ مَنْ لاَ يَرْضَاهُ لِلْقَبْضِ. (282)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا زُفَرَ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ قَطَعَ بِهِ ابْنُ أِبِي الْبَنَّا فِي تَعْلِيقِهِ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل يَمْلِكُ الْقَبْضَ، لأَِنَّ الْوَكِيل بِالشَّيْءِ وَكِيلٌ بِإِتْمَامِهِ، وَإِتْمَامُ الْخُصُومَةِ وَالتَّقَاضِي يَكُونُ بِالْقَبْضِ، وَلأَِنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. (283)
أَمَّا لَوِ اسْتَثْنَى الْمُوَكِّل الْقَبْضَ فَإِنَّ الْوَكِيل لاَ يَمْلِكُهُ، لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلاَ يَمْلِكُ الْمُخَالَفَةَ. أَمَّا إِذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْضِ مَعًا فَيَكُونُ لَهُ الْخِلاَفُ بِالاِتِّفَاقِ.
وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ يَكُونُ لَهُ الْقَبْضُ إِذَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ. (284)
تَوْكِيل الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ غَيْرَهُ فِيهَا:
116 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّل إِنْ أَذِنَ لِلْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ فِي تَوْكِيل غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِيهَا.
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُوَكِّل إِذَا نَهَى الْوَكِيل عَنْ تَوْكِيل غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ مَعَ النَّهْيِ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ. (285)
117 - وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ تَوْكِيل الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ غَيْرَهُ عِنْدَ إِطْلاَقِ التَّوْكِيل:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ) إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِيهَا، لأَِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْخُصُومَةِ فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: لَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ (286) .
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ هَذَا الْحُكْمَ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْخُصُومَةُ مِمَّا يَلِيقُ أَنْ يَتَوَلاَّهَا الْوَكِيل بِنَفْسِهِ؛ فَأَمَّا إِذَا وَكَّلَهُ فِي أَمْرٍ لاَ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يُبَاشِرَهُ، أَوْ لاَ يُحْسِنُهُ، فَإِنَّهُ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِيهِ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ قَيْدًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ لاَ تَكْثُرَ الْخُصُومَةُ الْمُوَكَّل بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ، فَإِذَا كَثُرَتْ فَيُوَكِّل مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْكَثِيرِ الَّذِي وُكِّل فِيهِ لِيُعِينَهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ اسْتِقْلاَلاً. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَثُرَتِ التَّصَرُّفَاتُ الْمُوَكَّل فِيهَا، وَلَمْ يُمْكِنِ الإِْتْيَانُ بِجَمِيعِهَا لِكَثْرَتِهَا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُوَكِّل فِيمَا يَزِيدُ عَلَى الْمُمْكِنِ، وَلاَ يُوَكِّل فِي الْمُمْكِنِ، وَفِي وَجْهٍ يُوَكِّل فِي الْجَمِيعِ.
وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيل غَيْرِهِ فِيهَا. (287)
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَخْلُو التَّوْكِيل مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْهَى الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ عَنِ التَّوْكِيلِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلاَفٍ، لأَِنَّ مَا نَهَاهُ عَنْهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي إِذْنِهِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ لَمْ يُوَكِّلْهُ.
الثَّانِي: أَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيل فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ عَقْدٌ أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَكَانَ لَهُ فِعْلُهُ كَالتَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَيْنِ خِلاَفًا، وَإِنْ قَال لَهُ: وَكَّلْتُكَ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ، فَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ، لأَِنَّ لَفْظَ الْمُوَكِّل عَامٌّ فِيمَا شَاءَ فَيَدْخُل فِي عُمُومِهِ التَّوْكِيل.
الثَّالِثُ: أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ فَلاَ يَخْلُو مِنْ أَقْسَامٍ ثَلاَثَةٍ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الْعَمَل مِمَّا يَرْتَفِعُ الْوَكِيل عَنْ مِثْلِهِ كَالأَْعْمَال الدَّنِيَّةِ فِي حَقِّ أَشْرَافِ النَّاسِ الْمُرْتَفِعِينَ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْعَادَةِ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْ عَمَلِهِ لِكَوْنِهِ لاَ يُحْسِنُهُ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيل فِيهِ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ مِمَّا لاَ يَعْمَلُهُ الْوَكِيل عَادَةً انْصَرَفَ الإِْذْنُ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنَ الاِسْتِنَابَةِ فِيهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَعْمَلُهُ بِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ لِكَثْرَتِهِ وَانْتِشَارِهِ فَيَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيل فِي عَمَلِهِ أَيْضًا، لأَِنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ جَوَازَ التَّوْكِيل فَجَازَ التَّوْكِيل فِي فِعْل جَمِيعِهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي التَّوْكِيل بِلَفْظِهِ.
وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: عِنْدِي أَنَّهُ إِنَّمَا لَهُ التَّوْكِيل فِيمَا زَادَ عَلَى مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَمَلِهِ بِنَفْسِهِ، لأَِنَّ التَّوْكِيل إِنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ فَاخْتَصَّ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، بِخِلاَفِ وُجُودِ إِذْنِهِ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ وَهُوَ مَا يُمْكِنُهُ عَمَلُهُ بِنَفْسِهِ وَلاَ يَتَرَفَّعُ عَنْهُ، فَهَل يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيل فِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: لاَ يَجُوزُ، نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ، لأَِنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّوْكِيل وَلاَ تَضَمَّنَهُ إِذْنُهُ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ نَهَاهُ، وَلأَِنَّهُ اسْتِئْمَانٌ فِيمَا يُمْكِنُهُ النُّهُوضُ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ لِمَنْ لَمْ يَأْمَنْهُ عَلَيْهِ كَالْوَدِيعَةِ.
وَالأُْخْرَى: يَجُوزُ، نَقَلَهَا حَنْبَلٌ. (288) 118 ـ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَكَّل شَخْصَانِ شَخْصًا وَاحِدًا بِالْخُصُومَةِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا يُخَاصِمُ صَاحِبَهُ، كَانَ ذَلِكَ التَّوْكِيل غَيْرَ صَحِيحٍ وَلاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يَتَوَلَّى الْخُصُومَةَ عَنِ الضِّدَّيْنِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الأَْحْكَامِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُدَّعِيًا مِنْ جَانِبٍ، وَجَاحِدًا مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ، وَالتَّضَادُّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَفِي الْخُصُومَةِ أَوْلَى.
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْخُصُومَةُ لِرَجُلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مَعَ شَخْصٍ آخَرَ فَوَكَّلُوا جَمِيعًا وَكِيلاً وَاحِدًا فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ جَائِزًا، لأَِنَّ الْوَكِيل مُعَبِّرٌ عَنِ الْمُوَكِّلِ، وَالْوَاحِدُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَبِّرًا عَنِ اثْنَيْنِ فَمَا زَادَ، كَمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَبِّرًا عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ. (289)
التَّوْكِيل بِقَضَاءِ الدَّيْنِ:
119 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ وَكَّل غَيْرَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَقَال: اقْضِهِ وَلاَ تَشْهَدْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيل إِذَا أَنْكَرَهُ رَبُّ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ حَضَرَ الْمُوَكِّل أَوْ غَابَ، لأَِنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ. (290)
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَكَّل غَيْرَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ عَلَى الْمُوَكِّل وَأَمَرَ الْوَكِيل بِالإِْشْهَادِ فَقَضَاهُ وَلَمْ يَشْهَدْ وَأَنْكَرَ الْغَرِيمُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ. (291)
120 - وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمَانِ الْوَكِيل إِذَا أَمَرَهُ الْمُوَكِّل بِقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِْشْهَادِ فَقَضَاهُ وَلَمْ يُشْهِدْ وَأَنْكَرَ رَبُّ الدَّيْنِ الْقَضَاءَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل يَضْمَنُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينِهِ، فَلَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ عَلَيْهِ فِي الدَّفْعِ إِلَيْهِ كَمَا لَوِ ادَّعَى الْمُوَكِّل ذَلِكَ، وَضَمِنَ الْوَكِيل لِمُوَكِّلِهِ مَا أَنْكَرَ رَبُّ الدَّيْنِ قَضَاءَهُ، لأَِنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الإِْشْهَادِ. (292)
121 - وَهُنَاكَ أَحْوَالٌ لاَ يَضْمَنُ فِيهَا الْوَكِيل بِتَرْكِ الإِْشْهَادِ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، مِنْهَا:
أ - أَنْ يَقْضِيَ الْوَكِيل الدَّيْنَ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّل وَلَمْ يُشْهِدْ، لَمْ يَضْمَنْ، لأَِنَّ تَرْكَهُ الإِْشْهَادَ رِضًا مِنَ الْمُوَكِّل بِمَا فَعَل وَكِيلُهُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الآْخَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ الْوَكِيل يَضْمَنُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ السَّاكِتَ لاَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَوْلٌ، وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِأَنَّ تَرْكَ الإِْشْهَادِ يُثْبِتُ الضَّمَانَ، فَلاَ يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِحُضُورِ الْمُوَكِّل كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ. (293)
ب - أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الْقَضَاءِ عُدُولاً فَمَاتُوا أَوْ غَابُوا أَوْ فَسَقَوْا، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّل الْقَضَاءَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنَّ الْوَكِيل لاَ يَضْمَنُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ أَطْلَقُوا الْقَوْل بِعَدَمِ الضَّمَانِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَدَمُ ضَمَانِ الْوَكِيل مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَحْلِفِ الْمُوَكِّلُ، أَمَّا إِذَا حَلَفَ الْمُوَكِّل قُضِيَ لَهُ بِالضَّمَانِ، لأَِنَّ الأَْصْل مَعَهُ.
وَعَدَمُ تَضْمِينِ الْوَكِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا حَلَفَ الْوَكِيل عَلَى الإِْشْهَادِ فَيَكُونُ بَرِيئًا حِينَئِذٍ. (294)
وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: لاَ يَضْمَنُ الْوَكِيل سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الإِْشْهَادُ أَوْ لاَ.
وَقِيل: يَضْمَنُ إِنْ أَمْكَنَهُ الإِْشْهَادُ وَلَمْ يُشْهِدْ وَإِلاَّ فَلاَ، وَقَال فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَضْمَنُهُ إِنْ كَذَّبَهُ الْمُوَكِّل وَإِلاَّ فَلاَ. (295)
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - حُكِيَ بِقِيل - لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيل عِنْدَ عَدَمِ الإِْشْهَادِ إِذَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِعَدَمِ الإِْشْهَادِ. (296)
التَّوْكِيل بِاقْتِضَاءِ الدَّيْنِ:
122 - إِذَا وَجَبَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ بِأَيِّ وَجْهٍ وَجَبَ، فَوَكَّل وَكِيلاً بِقَبْضِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِذَا أَقْبَضَهُ الْوَكِيل بَرِئَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَكَانَ مَا قَبَضَهُ الْوَكِيل مِلْكًا لِلْمُوَكِّلِ، وَأَمَانَةً فِي يَدِ الْوَكِيل يَضْمَنُهُ بِمَا يَضْمَنُ بِهِ الْوَدِيعَةَ.
وَلَيْسَ لِلْوَكِيل بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَنْ يَهَبَ الدَّيْنَ لِلْغَرِيمِ، أَوْ أَنْ يُؤَخِّرَهُ، أَوْ أَنْ يُبْرِئَهُ. (297) وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيل أَنْ يَأْخُذَ رَهْنًا بِهِ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلاً بِالْمَال جَازَ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَ الْكَفِيل عَلَى أَنْ يَبْرَأَ الْغَرِيمُ لَمْ تَجُزِ الْبَرَاءَةُ، وَلَوْ أَخَذَ الطَّالِبُ مِنْهُ كَفِيلاً لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيل أَنْ يَتَقَاضَى الدَّيْنَ مِنَ الْكَفِيل. (298)
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَيْسَ لِلْوَكِيل أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الدَّيْنِ إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُوَكِّل. (299)
حُكْمُ دَفْعِ الْحُقُوقِ إِلَى مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْ صَاحِبِ الْحَقِّ الْغَائِبِ:
123 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ لآِدَمِيٍّ فَادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ وَكِيل رَبِّهِ فِي قَبْضِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الدَّفْعِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا. (300)
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ دَفْعِ الْحَقِّ إِلَى مُدِّعِي الْوَكَالَةِ إِذَا لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً عَلَى التَّوْكِيلِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنَّ الْحَقَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحَقَّ إِنْ كَانَ دَيْنًا وَلَمْ يُقِمْ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ الْبَيِّنَةَ عَلَى التَّوْكِيل، فَإِمَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمَدِينُ وَإِمَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ.
فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَدِينُ عَلَى التَّوْكِيل فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَدِينَ لاَ يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إِلَى مُدِّعِي الْوَكَالَةِ، لأَِنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لاَ يَبْرَأُ بِهَذَا الدَّفْعِ لِجَوَازِ أَنْ يُنْكِرَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْوَكَالَةَ. (301)
وَإِنْ دَفَعَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِاخْتِيَارِهِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ إِلَى مَنِ ادَّعَى وَكَالَةَ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَأَنْكَرَ الدَّائِنُ ذَلِكَ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُوَكِّل الْمَدْفُوعَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ لاِحْتِمَال صِدْقِ الْمُدَّعِي الْوَكَالَةَ.
وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى الدَّافِعِ وَحْدَهُ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ بِتَسْلِيمِهِ إِلَى غَيْرِ وَكِيلِهِ.
وَيَرْجِعُ الدَّافِعُ عَلَى الْوَكِيل مَعَ بَقَائِهِ أَوْ تَعَدِّيهِ فِي تَلَفٍ، أَوْ تَفْرِيطِهِ حَتَّى تَلِفَ، لاِسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ.
قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَ الدَّافِعُ الْوَكِيل بَرِئَ الدَّافِعُ.
أَمَّا إِذَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ فَإِنَّ الدَّافِعَ لاَ يَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ، لأَِنَّ الدَّافِعَ صَدَّقَهُ فِي دَعْوَى الْوَكَالَةِ وَالْوَكِيل لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّفْرِيطِ. (302)
أَمَّا إِذَا كَانَ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ لَمْ يُقِمِ الْبَيِّنَةَ عَلَى التَّوْكِيل وَكَذَّبَهُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي أَنَّهُ وَكِيلُهُ فَلاَ يَلْزَمُهُ دَفْعُ الدَّيْنِ إِلَى مُدَّعِي الْوَكَالَةِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ الْحَلِفُ، لِعَدَمِ فَائِدَةِ اسْتِحْلاَفِهِ وَهُوَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَرَجَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى الدَّافِعِ وَحْدَهُ، لأَِنَّ الْحَقَّ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ بِدَفْعِهِ لِغَيْرِ رَبِّهِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَلَمْ تَثْبُتْ وَكَالَةُ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ. (303)
وَإِذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ عَيْنًا فَالأَْمْرُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ يُصَدِّقُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ عَلَى التَّوْكِيل وَإِمَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ: فَإِنْ صَدَّقَهُ فَإِنَّ الأَْمْرَ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ قَائِمَةً وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ تَالِفَةً.
أَمَّا إِذَا صَدَّقَهُ الدَّافِعُ وَكَانَ الْمَدْفُوعُ عَيْنًا وَوَجَدَهَا صَاحِبُهَا قَائِمَةً، أَخَذَهَا مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ لأَِنَّهَا عَيْنُ حَقِّهِ.
وَإِنْ تَلِفَتْ فَلَهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنَ الدَّافِعِ وَالْقَابِضِ، لأَِنَّ الدَّافِعَ ضَمِنَهَا بِالدَّفْعِ، وَالْقَابِضَ قَبْضَ مَا لاَ يَسْتَحِقُّهُ. (304)
وَأَيُّهُمَا ضَمَّنَهُ الْمَالِكُ لاَ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى غَيْرِ مُتْلِفٍ أَوْ مُفَرِّطٍ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ ظُلْمٌ وَيُقِرُّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ صَاحِبِهِ تَعَدٍّ فَلاَ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِظُلْمِ غَيْرِهِ. (305)
وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ تَصْدِيقِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ بِمَا دَفَعَهُ مُطْلَقًا؛ أَيْ سَوَاءٌ بَقِيَ الْمَدْفُوعُ بِيَدِ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ أَوْ تَلِفَ. (306)
هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا حَضَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ، أَمَّا إِذَا صَدَّقَ التَّوْكِيل فَإِنَّهُ لاَ يَبْقَى مَحَلٌّ لِلنِّزَاعِ أَصْلاً.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيُفَرِّقُونَ كَذَلِكَ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ.
أـ أَمَّا الدَّيْنُ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيل الْغَائِبِ بِقَبْضِ دَيْنِهِ فَصَدَّقَهُ الْغَرِيمُ أُمِرَ بِدَفْعِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ، لأَِنَّ مَا يَقْبِضُهُ خَالِصُ حَقِّهِ؛ إِذِ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيَكُونُ مُقِرًّا بِوُجُوبِ دَفْعِ مَالِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَوْفَى الدَّيْنَ إِلَى صَاحِبِهِ (الطَّالِبِ) لاَ يُصَدَّقُ لأَِنَّهُ لَزِمَهُ الدَّفْعُ إِلَى الْوَكِيل بِإِقْرَارِهِ وَثَبَتَتِ الْوَكَالَةُ بِهِ، وَلَمْ يَثْبُتِ الإِْيفَاءُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ فَلاَ يُؤَخَّرُ حَقُّهُ.
وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ رَبَّ الْمَال وَيَسْتَحْلِفَهُ، وَلاَ يَسْتَحْلِفُ الْوَكِيل بِاللَّهِ تَعَالَى مَا يَعْلَمُ أَنَّ الطَّالِبَ قَدِ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ، لأَِنَّ النِّيَابَةَ لاَ تَجْرِي فِي الأَْيْمَانِ.
فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ فَصَدَّقَ الْوَكِيل بَرِئَ الْغَرِيمُ وَإِلاَّ دَفَعَ إِلَيْهِ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ ثَانِيًا، لأَِنَّهُ إِذَا صَدَّقَهُ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ وَكِيلاً لَهُ، وَقَبْضُ الْوَكِيل قَبْضُ الْمُوَكِّل فَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَدِينِ بِهِ. وَإِنْ كَذَّبَ الْغَائِبُ مُدَّعِيَ الْوَكَالَةِ لَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيًا بِالْقَبْضِ، لأَِنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ وَكَالَتُهُ، وَالْقَوْل قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ، وَلاَ يَكُونُ قَوْل الدَّافِعِ وَمُدَّعِي الْوَكَالَةِ حُجَّةً عَلَيْهِ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ الدَّيْنَ ثَانِيًا إِنْ لَمْ يَجْرِ اسْتِيفَاؤُهُ.
وَرَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَكِيل بِمَا قَبَضَهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ، لأَِنَّهُ مِلْكُهُ وَانْقَطَعَ حَقُّ الطَّالِبِ عَنْهُ، وَلَمْ يَبْقَ الاِحْتِمَال فِيهِ حَيْثُ قَبَضَ دَيْنَهُ مِنْهُ ثَانِيًا.
وَإِنْ ضَاعَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِ الْوَكِيل لاَ يَرْجِعُ الْغَرِيمُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْغَرِيمَ بِإِقْرَارِهِ صَارَ مُحِقًّا فِي تَسْلِيمِهِ الدَّيْنَ، وَإِنَّمَا ظَلَمَهُ الطَّالِبُ بِالأَْخْذِ مِنْهُ ثَانِيًا، وَالْمَظْلُومُ لاَ يَظْلِمُ غَيْرَهُ، إِلاَّ أَنْ يَضْمَنَ الْغَرِيمُ الْوَكِيل فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَكِيلِ، لأَِنَّ الضَّمَانَ مُوجِبٌ لِلرُّجُوعِ. (307)
وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مُدَّعِيَ الْوَكَالَةِ وَدَفَعَ الدَّيْنَ إِلَيْهِ عَلَى ادِّعَائِهِ، فَإِنَّ الْغَرِيمَ يَضْمَنُ الْوَكِيل فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا لأَِنَّهُ دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى احْتِمَال أَنْ يَكُونَ وَكِيلاً وَلَمْ يَرْضَ بِقَبْضِهِ إِلاَّ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ تَحْصِيلاً لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُل وَانْقَطَعَ الرَّجَاءُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُكَذِّبَهُ صَرِيحًا أَوْ يَسْكُتَ، لأَِنَّ عَدَمَ التَّصْدِيقِ يَشْمَل الصُّورَتَيْنِ وَزَعْمَهُ فِيمَا إِذَا كَذَّبَهُ أَنَّهُ قَبَضَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَأَنَّ قَبْضَهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
وَكَذَا إِذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ التَّصْدِيقِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَدْفُوعَ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا قَبْل أَنْ يَحْضُرَ الطَّالِبُ، لأَِنَّ الْمُؤَدَّى صَارَ حَقًّا لِلطَّالِبِ.
أَمَّا إِذَا صَدَّقَهُ فَظَاهِرٌ، لأَِنَّهُمَا لاَ يَتَصَادَقَانِ ظَاهِرًا إِلاَّ عَلَى حَقٍّ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ فَلاِحْتِمَال أَنَّهُ وَكَّلَهُ، وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُ يَحْتَمِل الإِْجَازَةَ مِنْهُ فَلاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَعَ بَقَاءِ هَذَا الاِحْتِمَالِ، وَلأَِنَّ مَنْ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ لِغَرَضٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ مَا لَمْ يَقَعِ الْيَأْسُ مِنْهُ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ إِذَا دَفَعَهُ إِلَى فُضُولِيٍّ عَلَى رَجَاءِ الإِْجَازَةِ لَمْ يَمْلِكِ اسْتِرْدَادَهُ لاِحْتِمَال أَنْ يُجِيزَ.
وَكَذَا لَوْ أَقَامَ الْغَرِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلٍ، أَوْ عَلَى إِقْرَارِهِ بِذَلِكَ لاَ تُقْبَل بَيِّنَتُهُ وَلاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، وَلَوْ أَرَادَ اسْتِحْلاَفَهُ عَلَى ذَلِكَ لاَ يُسْتَحْلَفُ، لأَِنَّ كُل ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ لِكَوْنِهِ سَاعِيًا فِي نَقْضِ مَا أَوْجَبَهُ لِلْغَائِبِ.وَلَوْ أَقَامَ الْغَرِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الطَّالِبَ جَحَدَ الْوَكَالَةَ وَأَخَذَ مِنِّي الْمَال تُقْبَلُ، لأَِنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْوَكِيل بِنَاءً عَلَى إِثْبَاتِ سَبَبِ انْقِطَاعِ حَقِّ الطَّالِبِ عَنِ الْمَدْفُوعِ وَهُوَ قَبْضُهُ الْمَال بِنَفْسِهِ مِنْهُ فَانْتَصَبَ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنِ الْغَائِبِ فِي إِثْبَاتِ السَّبَبِ فَيُثْبِتُ قَبْضَ الْمُوَكِّل فَتَنْتَقِضُ يَدُ الْوَكِيل ضَرُورَةً، وَجَازَ أَنْ يُثْبِتَ الشَّيْءَ ضِمْنًا وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ مَقْصُودًا. (308)
ب ـ أَمَّا إِذَا كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا كَالْوَدِيعَةِ وَقَال مُدَّعِي الْوَكَالَةِ: إِنِّي وَكِيلٌ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ فَصَدَّقَهُ الْمُودِعُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لأَِنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِقَبْضِ مَال الْغَيْرِ فَلاَ يَصِحُّ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَال حَقِّهِ فِي الْعَيْنِ بِخِلاَفِ مَا إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلٌ بِقَبْضِ الدَّيْنِ فَصَدَّقَهُ حَيْثُ يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لأَِنَّهُ أَقَرَّ بِمَال نَفْسِهِ إِذِ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لاَ بِأَعْيَانِهَا.
وَلَوْ هَلَكَتِ الْوَدِيعَةُ عِنْدَهُ بَعْدَمَا مَنَعَ، قِيل: لاَ يَضْمَنُ، وَقِيل: يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ، لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْ وَكِيل الْمُودِعِ فِي زَعْمِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْعِ مِنَ الْمُودِعِ وَهُوَ يُوجِبُ الضَّمَانَ، فَكَذَا هَذَا.
وَلَوْ سَلَّمَ الْوَدِيعَةَ إِلَيْهِ فَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ وَأَنْكَرَ الْمُودِعُ الْوَكَالَةَ يَضْمَنُ الْمُودَعَ، لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُوَدِعُ أَنَّهُ مَا وَكَّلَهُ، فَإِذَا نَكَل بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَإِذَا حَلَفَ ضَمِنَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَكِيلِ، لأَِنَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْمُودِعَ ظَالِمٌ فِي تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ وَهُوَ مَظْلُومٌ وَالْمَظْلُومُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ إِلاَّ إِذَا ضَمِنَهُ وَقْتَ الدَّفْعِ لَهُ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ لَهُ عَلَى الْوَكَالَةِ رَجَعَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا.
وَلَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ بَاقِيَةً أَخَذَهَا فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا، لأَِنَّهُ مَلَكَهَا بِأَدَاءِ الضَّمَانِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْهُ بَعْدَ مَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ لاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ سَاعٍ فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ. (309)
تَعَدُّدُ الْوُكَلاَءِ 124 ـ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُوَكِّل أَنْ يُوَكِّل أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ لِلْقِيَامِ بِتَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ عَدَا الْخُصُومَةِ.
أَمَّا فِي غَيْرِ الْخُصُومَةِ فَإِنَّهُ إِذَا وَكَّلَهُمْ بِكَلاَمٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدِ الْوُكَلاَءِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِمُفْرَدِهِ فِي مَحَل الْوَكَالَةِ دُونَ اجْتِمَاعِ الآْخَرِينَ مَعَهُ مَا لَمْ يَجُزْ لأَِحَدِهِمُ التَّصَرُّفُ بِمُفْرَدِهِ، فَإِنْ أَجَازَهُ فَيَجُوزُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِمُفْرَدِهِ. (310) 125 ـ وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَطَ الْمُوَكِّل اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى التَّصَرُّفِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدِهِمُ الاِنْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ. (311)
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّصَرُّفُ مَحَل الْوَكَالَةِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدِ الْوَكِيلَيْنِ الاِنْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل رَضِيَ بِرَأْيِهِمَا لاَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا، إِذْ لاَ يَنَال بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا مَا يَنَال بِرَأْيِهِمَا.
وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى إِطْلاَقِ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (312)
وَعَلَى ذَلِكَ فَالْوَكِيلاَنِ بِالْبَيْعِ لاَ يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا التَّصَرُّفَ بِدُونِ صَاحِبِهِ، وَإِذَا فَعَل لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُجِيزَ صَاحِبُهُ أَوِ الْمُوَكِّلُ، لأَِنَّ الْبَيْعَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ، وَالْمُوَكِّل إِنَّمَا رَضِيَ بِرَأْيِهِمَا لاَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا، وَاجْتِمَاعُهُمَا عَلَى ذَلِكَ مُمْكِنٌ فَلَمْ يَمْتَثِل أَمْرَ الْمُوَكِّل فَلاَ يَنْفُذُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الْوَكِيلاَنِ بِالشِّرَاءِ سَوَاءٌ أَكَانَ الثَّمَنُ مُسَمًّى أَمْ لَمْ يَكُنْ، لأَِنَّ الْبَدَل وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ لاَ يَمْنَعُ اسْتِعْمَال الرَّأْيِ فِي الزِّيَادَةِ وَاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَكِيل الآْخَرُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا.
غَيْرَ أَنَّهُ فِي الشِّرَاءِ إِذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِدُونِ صَاحِبِهِ يَنْفُذُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلاَ يَقِفُ عَلَى الإِْجَازَةِ، وَفِي الْبَيْعِ يَقِفُ عَلَى الإِْجَازَةِ. (313)
وَكَذَلِكَ الْوَكِيلاَنِ بِالنِّكَاحِ، وَالطَّلاَقِ عَلَى مَالٍ، وَالْخُلْعِ، وَكُل عَقْدٍ فِيهِ بَدَلٌ هُوَ مَالٌ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرَّأْيِ، وَالْمُوَكِّل لَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا بِانْفِرَادِهِ، وَكَذَلِكَ كُل مَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّمْلِيكِ بِأَنْ قَال لِرَجُلَيْنِ: جَعَلَتُ أَمَرَ امْرَأَتِي بِيَدِكُمَا، أَوْ قَال لَهُمَا: طَلِّقَا امْرَأَتِي إِنْ شِئْتُمَا، لاَ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّطْلِيقِ، لأَِنَّهُ جَعَل أَمْرَ الْيَدِ تَمْلِيكًا، وَالتَّمْلِيكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَشْرُوطٌ بِالْمَشِيئَةِ كَأَنَّهُ قَال: طَلِّقَا امْرَأَتِي إِنْ شِئْتُمَا. (314) وَكَذَا الْوَكِيلاَنِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لاَ يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقْبِضَ دُونَ صَاحِبِهِ، لأَِنَّ قَبْضَ الدَّيْنِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى الرَّأْيِ وَالأَْمَانَةِ، وَقَدْ فَوَّضَ الرَّأْيَ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا لاَ إِلَى أَحَدِهِمَا وَرَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا جَمِيعًا لاَ بِأَمَانَةِ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُبَرِّئْهُ الْغَرِيمُ حَتَّى يَصِل مَا قَبَضَهُ إِلَى صَاحِبِهِ فَيَقَعَ فِي أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا أَوَ يَصِل إِلَى الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّهُ لَمَّا وَصَل الْمَقْبُوضُ إِلَى صَاحِبِهِ أَوْ إِلَى الْمُوَكِّل فَقَدْ حَصَل الْمَقْصُودُ بِالْقَبْضِ فَصَارَ كَأَنَّهُمَا قَبَضَاهُ جَمِيعًا ابْتِدَاءً. (315)
وَكَذَلِكَ الْوَكِيلاَنِ بِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ لاَ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا. لأَِنَّ حِفْظَ الاِثْنَيْنِ أَنْفَعُ فَلَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا بِدُونِ إِذْنِ الآْخَرِ ضَمِنَ. (316)
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّصَرُّفُ مَحَل الْوَكَالَةِ مِمَّا لاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ كَتَسْلِيمِ الْهِبَةِ وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنَ الْوُكَلاَءِ الاِنْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، لأَِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِمَّا لاَ تَحْتَاجُ إِلَى رَأْيٍ فَكَانَ إِضَافَةُ التَّوْكِيل إِلَى الْوُكَلاَءِ تَفْوِيضًا لِلتَّصَرُّفِ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمُفْرَدِهِ. (317)
أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) فَإِنَّ إِطْلاَقَ عِبَارَاتِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدِ الْوُكَلاَءِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. (318)
126 ـ أَمَّا إِذَا وَكَّل الْمُوَكِّل الْوَكِيلَيْنِ بِكَلاَمَيْنِ مُرَتَّبَيْنِ كَمَا إِذَا وَكَّل أَحَدَهُمَا بِتَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ وَكَّل آخَرَ بِالتَّصَرُّفِ نَفْسِهِ أَيْضًا فَأَيُّهُمَا تَصَرَّفَ جَازَ، لأَِنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الاِنْفِرَادِ حَيْثُ وَكَّلَهُمَا مُتَعَاقِبًا.
وَهَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ.
وَأَطْلَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْقَوْل فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي الْحُكْمِ بَيْنَ مَا إِذَا وَكَّل الْمُوَكِّل الْوَكِيلَيْنِ بِكَلاَمٍ أَوْ كَلاَمَيْنِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ إِلاَّ أَنْ يَجْعَل لَهُمَا ذَلِكَ. (319) 127 ـ أَمَّا الْوَكِيلاَنِ بِالْخُصُومَةِ فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - عَدَا زُفَرَ - وَالْحَنَابِلَةِ فِي قَوْلٍ - قَال عَنْهُ الْمِرْدَاوِيُّ: هُوَ الصَّوَابُ - وَالشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِذَا رَضِيَ بِهِمَا الْخَصْمُ وَتَرَتَّبَا. (320) لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْخُصُومَةِ إِعْلاَمُ الْقَاضِي بِمَا يَمْلِكُهُ الْمُخَاصِمُ وَاسْتِمَاعُهُ، وَاجْتِمَاعُ الْوَكِيلَيْنِ عَلَى ذَلِكَ يُخِل بِالإِْعْلاَمِ وَالاِسْتِمَاعِ، لأَِنَّ ازْدِحَامَ الْكَلاَمِ يُخِل بِالْفَهْمِ فَكَانَ إِضَافَةُ التَّوْكِيل إِلَيْهِمَا تَفْوِيضًا لِلْخُصُومَةِ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَيُّهُمَا خَاصَمَ كَانَ تَمْثِيلاً، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا الْقَبْضَ دُونَ صَاحِبِهِ، لأَِنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْقَبْضِ مُمْكِنٌ فَلاَ يَكُونُ رَاضِيًا بِقَبْضِ أَحَدِهِمَا بِانْفِرَادِهِ، وَالرَّأْيُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ سَابِقًا لِتَقْوِيمِ الْخُصُومَةِ. (321)
وَذَهَبَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِالْخُصُومَةِ، وَعَلَّل زُفَرُ هَذَا الْحُكْمَ بِأَنَّ الْخُصُومَةَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ، وَالْمُوَكِّل لَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا فَلاَ يَمْلِكُهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الآْخَرِ.
وَهَذَا رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا رَضِيَ الْخَصْمُ بِهِمَا وَلَمْ يَتَرَتَّبَا فَقَدْ قَالُوا: جَازَ تَوْكِيل وَاحِدٍ لاَ أَكْثَرَ إِلاَّ بِرِضَا الْخَصْمِ. (322) .
تَوْكِيل الْوَكِيل فِيمَا وُكِّل فِيهِ:
قَدْ يَقُومُ الْوَكِيل بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ بِمُفْرَدِهِ، وَقَدْ يَقُومُ بِتَوْكِيل شَخْصٍ آخَرَ لِيُسَاعِدَهُ فِي تَنْفِيذِهَا أَوْ يَقُومَ بِتَنْفِيذِهَا بَدَلاً مِنْهُ.
وَتَوْكِيل الْوَكِيل قَدْ يَكُونُ بِإِذْنٍ مِنَ الْمُوَكِّل أَوْ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَقَدْ يُطْلِقُ الْمُوَكِّل الْوَكَالَةَ فَلاَ يَأْذَنُ بِالتَّوْكِيل وَلاَ يَنْهَى عَنْهُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - حَالَةُ الإِْذْنِ بِالتَّوْكِيل:
128 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْكِيل الْوَكِيل غَيْرَهُ إِذَا أَذِنَ الْمُوَكِّل لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ أَذِنَ لَهُ فِيهِ بِالتَّوْكِيل فَجَازَ لَهُ فِعْلُهُ، كَأَيِّ تَصَرُّفٍ مَأْذُونٍ فِيهِ (323) . ب - حَالَةُ النَّهْيِ عَنِ التَّوْكِيل:
129 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ إِذَا نَهَاهُ الْمُوَكِّل عَنْ ذَلِكَ، لأَِنَّ مَا نَهَاهُ عَنْهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي إِذْنِهِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّوْكِيل كَمَا لَوْ لَمْ يُوَكِّلْهُ مُطْلَقًا وَالْمُوَكِّل لَمْ يَرْضَ إِلاَّ بِأَمَانَتِهِ هُوَ فَقَطْ (324) .
جـ - حَالَةُ التَّفْوِيضِ:
130 - حَالَةُ التَّفْوِيضِ هِيَ كَأَنْ يَقُول الْمُوَكِّل لِلْوَكِيل: اصْنَعْ مَا شِئْتَ، أَوْ تَصَرَّفْ كَيْفَ شِئْتَ أَوِ اعْمَل بِرَأْيِكَ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيل الْوَكِيل غَيْرَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَكِيل أَنْ يُوَكِّلَ، وَذَلِكَ لإِِطْلاَقِ التَّفْوِيضِ إِلَى رَأْيِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّفْوِيضَ بِهَذِهِ الأَْلْفَاظِ لاَ يَكُونُ إِذْنًا بِالتَّوْكِيل فَلاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيل إِذَنْ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ، لأَِنَّ مِثْل هَذِهِ الأَْلْفَاظِ يَحْتَمِل مَا شِئْتَ مِنَ التَّوْكِيلِ، وَمَا شِئْتَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فَلاَ يُوَكِّل بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ كَمَا لاَ يَهَبُ (325) .
د - حَالَةُ الإِْطْلاَقِ:
131 - إِذَا صَدَرَتِ الْوَكَالَةُ مُطْلَقَةً دُونَ إِذْنِهِ لِلْوَكِيل بِالتَّوْكِيل أَوْ نَهْيِهِ عَنْهُ وَدُونَ تَفْوِيضِهِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى رَأْيَيْنِ: الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِيمَا وُكِّل بِهِ، لأَِنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفَ دُونَ التَّوْكِيل بِهِ، وَلأَِنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِرَأْيِهِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الآْرَاءِ فَلاَ يَكُونُ رَاضِيًا بِغَيْرِهِ (2) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيل أَنْ يُوَكِّل مَا وُكِّل بِهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمُوَكِّل أَوْ يُفَوِّضَ لَهُ بِأَنْ يَقُول لَهُ: اعْمَل بِرَأْيِكَ، أَوِ اصْنَعْ مَا شِئْتَ، لإِِطْلاَقِ التَّفْوِيضِ إِلَى رَأْيِهِ (326) .
فَإِنْ وَكَّل بِغَيْرِ إِذْنِ مُوَكِّلِهِ فَعَقَدَ وَكِيل الْوَكِيل بِحَضْرَةِ الْوَكِيل الأَْوَّل جَازَ لاِنْعِقَادِهِ بِرَأْيِهِ، وَكَذَا إِنْ عَقَدَ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ فَأَجَازَهُ الْوَكِيل الأَْوَّل جَازَ أَيْضًا لِنُفُوذِهِ بِرَأْيِهِ (327) .
وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ صُورَتَيْنِ حَيْثُ أَجَازُوا لِلْوَكِيل أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ، وَهُمَا:
الصُّورَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الْعَمَل مَحَل الْوَكَالَةِ يَتَرَفَّعُ الْوَكِيل عَنِ الْقِيَامِ بِمِثْلِهِ، كَالأَْعْمَال الدَّنِيئَةِ فِي حَقِّ أَشْرَافِ النَّاسِ الْمُرْتَفِعِينَ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْعَادَةِ كَبَيْعِ دَابَّةٍ فِي سُوقٍ، أَوْ يَعْجِزُ الْوَكِيل عَنِ الْعَمَل الَّذِي وُكِّل فِيهِ لِكَوْنِهِ لاَ يُحْسِنُهُ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لأَِنَّ الإِْذْنَ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَلأَِنَّ التَّفْوِيضَ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ إِنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهُ الاِسْتِنَابَةُ.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُوَكِّل يَعْلَمُ بِوَجَاهَةِ الْوَكِيلِ، أَوِ اشْتَهَرَ الْوَكِيل بِهَا، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ الْمُوَكِّل بِهَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيل أَنَّ يُوَكِّلَ، وَيَضْمَنُ إِنْ وَكَل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِتَعَدِّيهِ (328) .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْعَمَل الَّذِي فِيهِ التَّوْكِيل مِمَّا يَعْمَلُهُ الْوَكِيل بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ لِكَثْرَتِهِ وَانْتِشَارِهِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَدَى حَقِّ الْوَكِيل فِي التَّوْكِيلِ، بِمَعْنَى هَل يَحِقُّ لَهُ التَّوْكِيل فِي فِعْل الْعَمَل كُلِّهِ أَوْ فِيمَا زَادَ عَلَى مَقْدِرَتِهِ فَقَطْ؟ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ الْقَاضِي إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيل إِلاَّ فِي الْعَمَل الزَّائِدِ فَقَطْ، لأَِنَّ التَّوْكِيل إِنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ فَاخْتَصَّ بِمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ فَقَطْ، بِخِلاَفِ وُجُودِ إِذْنِهِ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ.
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: يُوَكِّل مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْكَثِيرِ الَّذِي وُكِّل فِيهِ لِيُعِينَهُ عَلَيْهِ لاَ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ اسْتِقْلاَلاً (329) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الْعَمَل كُلِّهِ، لأَِنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ جَوَازَ التَّوْكِيلِ، فَصَحَّ التَّوْكِيل فِي فِعْل الْعَمَل كُلِّهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي التَّوْكِيل بِلَفْظِهِ (330) . الرَّأْيُ الثَّانِي الْمُتَعَلِّقُ بِالْوَكَالَةِ فِي حَالَةِ الإِْطْلاَقِ: ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ أِبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّ الْوَكِيل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ بِمُطْلَقِ الْوَكَالَةِ (331) .
اشْتِرَاطُ الأَْمَانَةِ فِيمَنْ يُوَكِّلُهُ الْوَكِيل:
132 - كُل وَكِيلٍ جَازَ لَهُ التَّوْكِيل فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّل إِلاَّ أَمِينًا، رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الْمُوَكِّل إِلاَّ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ الْمُوَكِّل الأَْوَّل غَيْرَ أَمِينٍ فَيَتَّبِعَ الْوَكِيل تَعْيِينَهُ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل قَطَعَ نَظَرَ الْوَكِيل بِتَعْيِينِهِ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا عَلِمَ الْوَكِيل أَنَّ مَنْ عَيَّنَهُ لَهُ الْمُوَكِّل فَاسِقٌ وَأَنَّ الْمُوَكِّل لاَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْوَكِيل لاَ يُعَيِّنُهُ (332) .
133 - وَلَوْ وَكَّل الْوَكِيل رَجُلاً أَمِينًا وَلَكِنَّهُ صَارَ خَائِنًا، فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ عَلَى الْوَكِيل عَزْل وَكِيلِهِ الْخَائِنِ، لأَِنَّ تَرْكَهُ يَتَصَرَّفُ مَعَ خِيَانَتِهِ تَضْيِيعٌ وَتَفْرِيطٌ، وَالْوَكَالَةُ تَقْتَضِي اسْتِئْمَانَ أَمِينٍ، وَهَذَا أَصْبَحَ غَيْرَ أَمِينٍ فَوَجَبَ عَزْلُهُ مِنَ الْوَكَالَةِ (333) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ عَزْلَهُ، لأَِنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيل دُونَ الْعَزْل (334) .
تَكْيِيفُ وَكَالَةِ مَنْ يُوَكِّلُهُ الْوَكِيل:
134 - تَوْكِيل الْوَكِيل لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنٍ مِنَ الْمُوَكِّل صَرَاحَةً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ أَصْلاً.
135 - فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيل بِالإِْذْنِ صَرَاحَةً فَإِنَّهُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيل بِقَوْل الْمُوَكِّل: (وَكِّل عَنِّي) ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَوْلِهِ: (وَكِّل عَنْكَ) ، أَوْ بِقَوْلِهِ: (وَكِّل) .
فَإِنْ قَال الْمُوَكِّل لِوَكِيلِهِ: وَكِّل عَنِّي، أَوْ وَكِّل وَلِيِّ أَوْ فَوِّضْ إِلَيْهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْمُوَكِّلِ، لِوُجُودِ الرِّضَا حِينَئِذٍ بِرَأْيِ غَيْرِهِ أَيْضًا، فَلاَ يَنْعَزِل الْوَكِيل الثَّانِي بِعَزْل الْوَكِيل الأَْوَّل وَلاَ بِمَوْتِهِ لأَِنَّ وَكِيل الْمُوَكِّل لَيْسَ وَكِيلاً لِلْوَكِيلِ، وَيَنْعَزِلاَنِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّل.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل الأَْوَّل لاَ يَمْلِكُ عَزْل الْوَكِيل الثَّانِي.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ يَمْلِكُ الْوَكِيل الأَْوَّل عَزْل الْوَكِيل الثَّانِي. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: يَكُونُ الثَّانِي وَكِيل الْوَكِيل (335) .
أَمَّا إِنْ قَال الْمُوَكِّل: " وَكِّل عَنْكَ " فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْوَكِيل عَمَلاً بِإِذْنِ الْمُوَكِّل فَيَنْعَزِل بِعَزْل الْوَكِيل الأَْوَّل وَمَوْتِهِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ لِلْوَكِيل الأَْوَّل عَزْل الْوَكِيل الثَّانِي نَظَرًا لِجِهَةِ وَكَالَتِهِ لَهُ. َنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ لِلْمُوَكِّل عَزْل الْوَكِيل الثَّانِي لأَِنَّهُ فَرْعُ فَرْعِهِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ الْمُوَكِّل لَيْسَ لَهُ عَزْل وَكِيل وَكِيلِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْمُوَكِّل فَيَأْخُذُ حُكْمَ الصُّورَةِ السَّابِقَةِ (336) .
أَمَّا إِنْ قَال الْمُوَكِّل: " وَكِّل " وَلَمْ يَقُل عَنِّي وَلاَ عَنْكَ، أَوْ " فَوِّضْ ".
فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلَهُ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْمُوَكِّل لاَ يَنْعَزِل بِعَزْل الْوَكِيل وَلاَ بِمَوْتِهِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْوَكِيل (337) .
136 - أَمَّا التَّوْكِيل بِغَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ مِنَ الْمُوَكِّل فَيُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا وَكَّل الْوَكِيل فِيمَا لاَ يَتَوَلاَّهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ لاَ يُحْسِنُهُ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل الثَّانِيَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ وَكِيل الْمُوَكِّل.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكِيل الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيل الْوَكِيل (338) .
137 - أَمَّا التَّوْكِيل بِغَيْرِ إِذْنٍ أَصْلاً فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ لأَِنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفَ دُونَ التَّوْكِيل بِهِ، وَلأَِنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الآْرَاءِ.
وَيَرَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - فِيمَا نَقَل عَنْهُ حَنْبَلٌ - وَابْنُ أِبِي لَيْلَى صِحَّةَ التَّوْكِيل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَيَكُونُ الْوَكِيل الثَّانِي وَكِيل الْوَكِيل (339) .
الْوَكِيل أَمِينٌ:
138 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل أَمِينٌ عَلَى مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ أَمْوَالٍ لِمُوَكِّلِهِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيل لِمَا يَهْلَكُ مِنْهَا إِلاَّ إِذَا تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ.
وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ يَعْمَل بِالأَْجْرِ أَوْ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِالْعَمَلِ، لأَِنَّ الْوَكِيل نَائِبُ الْمُوَكِّل - الْمَالِكِ - فِي الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ فَكَانَ الْهَلاَكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلاَكِ فِي يَدِ الْمَالِكِ - الْمُوَكَّل - وَلأَِنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَمَعُونَةٍ، وَفِي تَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِهَا مَا يُخْرِجُهَا عَنْ مَقْصُودِ الإِْرْفَاقِ وَالْمَعُونَةِ فِيهَا (340) .
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ الْوَكِيل أَمِينًا:
139 - يَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ الْوَكِيل أَمِينًا أَنَّ الْقَوْل يَكُونُ قَوْلَهُ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى الْمُوَكِّل عَلَيْهِ التَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطَ، فَأَنْكَرَ الْوَكِيل ذَلِكَ، كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، لأَِنَّ مَبْنَى الْوَكَالَةِ عَلَى التَّسَامُحِ وَالْيُسْرِ وَالإِْرْفَاقِ بِالنَّاسِ فَيُقْبَل فِيهَا قَوْل الأَْمِينِ مَعَ يَمِينِهِ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلاَّ امْتَنَعَ النَّاسُ عَنِ الدُّخُول فِي الأَْمَانَاتِ وَفِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ مَا فِيهِ (341) .
اشْتِرَاطُ الضَّمَانِ أَوَ نَفْيُهُ عَلَى الْوَكِيل:
140 - نَصَّ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ كُل مَا كَانَ أَمَانَةً لاَ يَصِيرُ مَضْمُونًا بِشَرْطِهِ، لأَِنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَوْنُهُ أَمَانَةً، فَإِذَا شَرَطَ ضَمَانَهُ فَقَدِ الْتَزَمَ ضَمَانَ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ ضَمَانِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ، أَوْ ضَمَانَ مَالٍ فِي يَدِ مَالِكِهِ.
وَمَا كَانَ مَضْمُونًا لاَ يَنْتَفِي ضَمَانُهُ بِشَرْطِهِ، لأَِنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الضَّمَانُ، فَإِذَا شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِهِ لاَ يَنْتَفِي مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِ مَا يَتَعَدَّى فِيهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَال: الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، وَهَذَا يَدُل عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ، وَالأَْوَّل ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (342) .
ضَمَانُ الْوَكِيل مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ أَمْوَالٍ:
141 ـ الْوَكِيل أَثْنَاءَ قِيَامِهِ بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا يَقْضِي بِهِ الشَّرْعُ مِنْ عَدَمِ الإِْضْرَارِ بِالْمُوَكِّل لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (343) ، وَمُقَيَّدٌ بِمَا يَأْمُرُهُ بِهِ مُوَكِّلُهُ، كَمَا أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا يَقْضِي بِهِ الْعُرْفُ إِذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ مُطْلَقَةً عَنِ الْقُيُودِ، فَإِذَا خَالَفَ كَانَ مُتَعَدِّيًا وَوَجَبَ الضَّمَانُ (344) .
وَلِتَوْضِيحِ ذَلِكَ نَذْكُرُ فِيمَا يَلِي بَعْضَ حَالاَتِ التَّعَدِّي وَالتَّفْرِيطِ:
142 ـ إِذَا تَعَدَّى الْوَكِيل فِيمَا تَحْتَ يَدِهِ مَنْ مَالٍ لِمُوَكِّلِهِ أَوْ فَرَّطَ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ، كَانَ ضَامِنًا لِمَا يَتْلَفُ مِنْهُ، فَلَوْ حَمَل عَلَى الدَّابَّةِ فَوْقَ طَاقَتِهَا، أَوْ حَمَل عَلَيْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ، أَوْ لَبَسَ الثَّوْبَ بِدُونِ إِذْنِ الْمُوَكِّل وَلَمْ يَقْضِ الْعُرْفُ بِمِثْل هَذَا الاِسْتِعْمَالِ، أَوْ ضَيَّعَ الْمَال الَّذِي تَحْتَ يَدِهِ مِنْ مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ وَلاَ يَعْرِفُ كَيْفَ ضَاعَ أَوْ وَضَعَهُ فِي مَحَلٍّ فَنَسِيَهُ كَانَ ضَامِنًا (345) .
143 ـ إِذَا خَلَطَ الْوَكِيل مَال مُوَكِّلِهِ بِمَالِهِ خَلْطًا لاَ يَتَمَيَّزُ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ بِدُونِ إِذْنِ الْمُوَكِّل وَضَاعَ الْمَال كُلُّهُ كَانَ ضَامِنًا لِمَال مُوَكِّلِهِ، وَكَذَا إِذَا ضَاعَ أَحَدُهُمَا كَانَ ضَامِنًا لَهُ (346) .
(ر: خَلْط ف 4) .
144 ـ إِذَا طَلَبَ الْمُوَكِّل مِنَ الْوَكِيل أَنْ يَرُدَّ مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ مَالٍ لَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ بِدُونِ عُذْرٍ كَانَ ضَامِنًا لَهُ.
أَمَّا إِذَا امْتَنَعَ بِعُذْرٍ بِأَنْ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّدِّ حَائِلٌ كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، فَإِذَا زَال الْعُذْرُ وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ الرَّدَّ كَانَ ضَامِنًا (347) .
145 ـ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إِلَى إِنْسَانٍ مَالاً لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ فَقَضَاهُ الْمُوَكِّل بِنَفْسِهِ ثُمَّ قَضَاهُ الْوَكِيلُ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيل لَمْ يَعْلَمْ بِمَا فَعَلَهُ الْمُوَكِّل فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيل وَيَرْجِعُ الْمُوَكِّل عَلَى الطَّالِبِ بِمَا قَبَضَ مِنَ الْوَكِيلِ، وَإِنْ عَلِمَ بِأَنَّ الْمُوَكِّل قَدْ قَضَاهُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل لَمَّا قَضَاهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ عَزَل الْوَكِيلَ، إِلاَّ أَنَّ عَزْل الْوَكِيل لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ، فَإِذَا عَلِمَ بِفِعْل الْمُوَكِّل فَقَدْ عَلِمَ بِالْعَزْل فَصَارَ مُتَعَدِّيًا فِي الدَّفْعِ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّعَدِّي فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْوَكِيل بِدَفْعِ الزَّكَاةِ إِذَا أَدَّى الْمُوَكِّل بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَدَّى الْوَكِيل أَنَّهُ يَضْمَنُ الْوَكِيل عَلِمَ بِأَدَاءِ الْمُوَكِّل أَوْ لَمْ يَعْلَمْ عِنْدَ أِبِي حَنِيفَةَ ﵀، لأَِنَّ الْوَكِيل بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَدَاءُ الزَّكَاةِ هُوَ إِسْقَاطُ الْفَرْضِ بِتَمْلِيكِ الْمَال مِنَ الْفَقِيرِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ مِنَ الْوَكِيل لِحُصُولِهِ مِنَ الْمُوَكِّلِ، فَبَقِيَ الدَّفْعُ مِنَ الْوَكِيل تَعَدِّيًا مَحْضًا فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ.
فَأَمَّا قَضَاءُ الدَّيْنِ فَعِبَارَةٌ عَنْ أَدَاءِ مَالٍ مَضْمُونٍ عَلَى الْقَابِضِ، وَالْمَدْفُوعُ إِلَى الطَّالِبِ مَقْبُوضٌ عَنْهُ، وَالْمَقْبُوضُ بِجِهَةِ الضَّمَانِ مَضْمُونٌ، كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ لِكَوْنِهِ مَقْبُوضًا بِجِهَةِ الْقَضَاءِ، وَالْمَقْبُوضُ بِجِهَةِ الْقَضَاءِ مَضْمُونٌ عَلَى الْقَابِضِ، وَيُقَال: إِنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ نَوْعِ مُعَاوَضَةٍ، وَهُوَ نَوْعُ شِرَاءِ الدَّيْنِ بِالْمَالِ، وَالْمَقْبُوضُ مِنَ الْوَكِيل مَقْبُوضٌ بِجِهَةِ الشِّرَاءِ مَضْمُونٌ عَلَىالْمُشْتَرِي بِخِلاَفِ مَا إِذَا دَفَعَهُ عَلَى عِلْمِهِ بِدَفْعِ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ هُنَاكَ لَمْ يُوجَدِ الْقَبْضُ بِجِهَةِ الضَّمَانِ لاِنْعِدَامِ الْقَبْضِ بِجِهَةِ الْقَضَاءِ، فَبَقَى تَعَدِّيًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ التَّعَدِّي، وَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيل فِي أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِدَفْعِ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ الْقَوْل قَوْل الأَْمِينِ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ.
وَعَلَى هَذَا إِذَا مَاتَ الْمُوَكِّل وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيل بِمَوْتِهِ حَتَّى قَضَى الدَّيْنَ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَوْتِهِ ضَمِنَ (348) .
146 ـ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ عَلَى الْحُلُول لاَ يُسَلِّمُ الْمَبِيعَ إِلَى الْمُشْتَرِي قَبْل أَنْ يَقْبِضَ ثَمَنَهُ، لِمَا فِي التَّسْلِيمِ قَبْلَهُ مِنَ الْخَطَرِ، فَلَوْ سَلَّمَهُ بِاخْتِيَارِهِ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ فَجَحَدَهُ الْمُشْتَرِي كَانَ ضَامِنًا لِلْمُوَكِّل قِيمَةَ الْمَبِيعِ وَلَوْ مِثْلِيًّا وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثَّمَنِ يَوْمَ التَّسْلِيمِ (349) .
147 ـ إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيل شَيْئًا وَقَبَضَهُ وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى هَلَكَ فِي يَدِهِ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، لأَِنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي إِمْسَاكِهِ بِدُونِ عُذْرٍ، أَمَّا لَوْ أَمْسَكَهُ بِعُذْرٍ: كَأَنْ ذَهَبَ لِيَدْفَعَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي وَلَكِنْ حَال دُونَ ذَلِكَ حَائِلٌ فَهَلَكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ فِي الإِْمْسَاكِ (350) .
148 ـ لَوْ وَكَّل شَخْصٌ آخَرَ بِأَنْ يَذْبَحَ لَهُ بَقَرَةً أَوْ جَامُوسَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ فَأَخْطَأَ فِي الذَّبْحِ وَصَارَتْ مَيْتَةً لاَ تُؤْكَلُ، كَانَ الذَّابِحُ ضَامِنًا لَهَا، لأَِنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي أَمْوَال النَّاسِ سَوَاءٌ (351) .
149 ـ إِذَا أَمَرَ الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ بِعَدَمِ قَبْضِ الْوَدِيعَةِ إِلاَّ جَمِيعَهَا وَلَكِنَّهُ قَبَضَ بَعْضَهَا فَقَطْ، كَانَ ضَامِنًا وَبَطَل قَبْضُهُ، فَإِنْ قَبَضَ الْبَاقِيَ قَبْل أَنْ يَهْلَكَ الأَْوَّل يَسْقُطُ الضَّمَانُ (352) .
كَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ:
150 ـ الْوَكِيل يَضْمَنُ مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ مَالٍ لِمُوَكِّلِهِ إِذَا تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ. فَإِنْ كَانَ الْمَال مِثْلِيًّا كَانَ الْوَكِيل ضَامِنًا مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ قِيَمِيًّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مِثْلِيًّا وَتَعَذَّرَ الْحُصُول عَلَى الْمِثْل فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ.
وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ الَّتِي يَضْمَنُهَا الْوَكِيل بِقِيمَةِ الشَّيْءِ يَوْمَ التَّعَدِّي وَالتَّلَفِ أَوِ الْهَلاَكِ، لاَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ آخَرَ، فَلاَ عِبْرَةَ بِمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فِيهَا عَنْ هَذَا الْوَقْتِ (353) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (ضَمَان ف 54، 91) .
الْحُكْمُ الثَّانِي مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيل مِنْ أَحْكَامٍ: تَقْدِيمُ الْوَكِيل لِلْمُوَكِّل الْبَيَانَاتِ الَّتِي يَطْلُبُهَا عَمَّا وُكِّل فِيهِ:
151 ـ يَلْتَزِمُ الْوَكِيل أَثْنَاءَ قِيَامِهِ بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ بِأَنْ يُقَدِّمَ لِلْمُوَكِّل الْبَيَانَاتِ الَّتِي يَطْلُبُهَا الْمُوَكِّل عَمَّا قَامَ بِهِ أَثْنَاءَ تَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ.
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لاِبْنِ حَجَرٍ: وَسُئِل عَنِ الْمُوَكِّل إِذَا طَلَبَ مِنْ وَكِيلِهِ بَيَانًا لِتَصَرُّفَاتِهِ فِيمَا وُكِّل فِيهِ هَل يَلْزَمُهُ الْبَيَانُ؟ وَهَل تُعْتَبَرُ دَفَاتِرُهُ؟ وَهَل تُقْبَل دَعْوَاهُ زِيَادَةً عَلَى مَصْرُوفِ كُتُبِهِ أَوْ لاَ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: أَطْلَقَ بَعْضُ الأَْئِمَّةِ أَنَّهُ كُل أَمِينٍ طَلَبَ مِنْهُ الْبَيَانَ وَالْحِسَابَ لَزِمَهُ، وَلاَ عِبْرَةَ بِمَا فِي الْخَطِّ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَا يَقَعُ فِي الْجَوَابِ وَالدَّعْوَى (354) .
الْحُكْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَكِيل: رَدُّ مَا لِلْمُوَكِّل فِي يَدِ الْوَكِيل:
151 ـ يَجِبُ عَلَى الْوَكِيل أَنْ يَرُدَّ مَا فِي يَدِهِ لِمُوَكِّلِهِ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ عَنِ الرَّدِّ مَعَ مُطَالَبَةِ الْمُوَكِّل لَهُ بِهِ بِدُونِ عُذْرٍ فِي التَّأْخِيرِ حَتَّى هَلَكَ الْمَال أَوْ تَلِفَ كَانَ ضَامِنًا، وَكَذَا إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الرَّدِّ بِعُذْرٍ وَلَكِنْ زَال الْعُذْرُ، فَأَخَّرَ الرَّدَّ حَتَّى تَلِفَ الْمَال أَوْ هَلَكَ كَانَ ضَامِنًا أَيْضًا، لأَِنَّ مَا فِي يَدِ الْوَكِيل لِلْمُوَكِّل أَمَانَةٌ، وَالْوَكِيل أَمِينٌ، وَهُوَ مُلْزَمٌ بِرَدِّ الأَْمَانَةِ إِلَى صَاحِبِهَا (355) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (356) } .
153 ـ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ الإِْشْهَادِ عَلَى الرَّدِّ عُذْرًا فِي تَأْخِيرِ الرَّدِّ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيل أَنْ يَقُول بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ رَدَّ مَالِهِ: لاَ أَرُدُّ حَتَّى أُشْهِدَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ قَوْلَهُ فِي الرَّدِّ مَقْبُولٌ بِيَمِينِهِ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى تَأْخِيرِ الرَّدِّ لِلإِْشْهَادِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهُ لِلْوَكِيل أَنْ يُؤَخِّرَ الرَّدَّ إِلَى الْمُوَكِّل لِلإِْشْهَادِ عَلَيْهِ حَتَّى لاَ يَحْتَاجَ إِلَى يَمِينٍ، لأَِنَّ الأَْخْيَارَ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الْيَمِينِ مَا أَمْكَنَ (357) . الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّل مِنْ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ:
تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّل أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أَوَّلاً ـ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ:
154 ـ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَقَدْ تَكُونُ بِأَجْرٍ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الأَْمْرَانِ، حَيْثُ وَكَّل ﷺ أُنَيْسًا فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ (358) ، وَعُرْوَةَ فِي شِرَاءِ شَاةٍ (359) ، وَعَمْرًا (360) وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُول النِّكَاحِ لَهُ بِغَيْرِ جُعْلٍ، (361) وَأَيْضًا كَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَيَجْعَل لَهُمْ عِمَالَةً، وَلِهَذَا قَال لَهُ ابْنَا عَمِّهِ ﷺ: لَوْ بَعَثْتَنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّي إِلَيْكَ مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَنُصِيبُ مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ (362) يَعْنِيَانِ الْعِمَالَةَ أَيِ الأُْجْرَةَ. وَإِذَا اتَّفَقَ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل عَلَى الأَْجْرِ وَجَبَ الأَْجْرُ اتِّفَاقًا (363) .
أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَّفِقِ الطَّرَفَانِ عَلَى الأَْجْرِ فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لاَ يَعْمَل بِالأَْجْرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْمِهَنِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالأَْجْرِ.
فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى تَكُونُ الْوَكَالَةُ تَبَرُّعًا، لأَِنَّ الأَْصْل فِيهَا ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ تُشْتَرَطِ الأُْجْرَةُ حُمِل عَلَى الأَْصْل (364) .
نَصَّتِ الْمَادَةُ (1467) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ: " إِذَا اشْتُرِطَتِ الأُْجْرَةُ فِي الْوَكَالَةِ وَأَوْفَاهَا الْوَكِيل اسْتَحَقَّ الأُْجْرَةَ، وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ وَلَمْ يَكُنِ الْوَكِيل مِمَّنْ يَخْدُمُ بِالأُْجْرَةِ كَانَ مُتَبَرِّعًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالأُْجْرَةِ ".
أَمَّا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيل مِنْ أَصْحَابِ الْمِهَنِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالأَْجْرِ لأَِنَّ طَبِيعَةَ مُهِمَّتِهِمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ كَالسِّمْسَارِ وَالدَّلاَّل فَيَسْتَحِقُّ الْوَكِيل الأُْجْرَةَ حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهَا وَقْتَ التَّعَاقُدِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ لَهُ أَجْرُ الْمِثْل (365) .
وَقْتُ اسْتِحْقَاقِ الأُْجْرَةَ:
155 ـ يَسْتَحِقُّ الْوَكِيل الأُْجْرَةَ بِتَسْلِيمِ مَا عُهِدَ إِلَيْهِ بِتَنْفِيذِهِ إِلَى الْمُوَكِّل إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ كَثَوْبٍ يَنْسِجُهُ أَوْ يَخِيطُهُ فَمَتَى سَلَّمَهُ إِلَى الْمُوَكِّل فَلَهُ الأُْجْرَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَ الْخَيَّاطُ فِي دَارِ الْمُوَكِّل فَكُلَّمَا فَرَغَ مِنْ عَمَل شَيْءٍ وَقَعَ مَقْبُوضًا فَيَسْتَحِقُّ الْوَكِيل الأُْجْرَةَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْخِيَاطَةِ.
وَإِنْ وَكَّل رَجُلٌ آخَرَ فِي أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً أَوْ يَشْتَرِيَ لَهُ أَوْ يَحُجَّ عَنْهُ، اسْتَحَقَّ الأُْجْرَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا إِذَا أَتَمَّ الْعَمَل حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ، وَلَكِنْ لَوِ اشْتَرَطَ الْمُوَكِّل عَلَى الْوَكِيل تَسْلِيمَ الثَّمَنِ حَتَّى يُعْطِيَهُ الأَْجْرَ، وَلَمْ يَقُمِ الْوَكِيل بِالتَّسْلِيمِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنَ الأَْجْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ (366) .
شُرُوطُ اسْتِحْقَاقِ الأُْجْرَةِ:
156 ـ إِذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِأَجْرٍ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الأَْجْرِ مَا يَلِي:
أـ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل الْمُوَكَّل بِهِ مَعْلُومًا عِلْمًا يُمْكِنُ مَعَهُ إِيفَاءُ الْوَكَالَةِ (367) .
ب ـ أَنْ تَكُونَ الأُْجْرَةُ مَعْلُومَةَ الْمِقْدَارِ (368) .
جـ ـ أَلاَّ تَكُونَ الأُْجْرَةُ جُزْءًا مِنَ الْمُوَكَّل بِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، فَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَسَدَتِ التَّسْمِيَةُ وَاسْتَحَقَّ الْوَكِيل أَجْرَ الْمِثْل.
قَال الْمَاوَرْدِيُّ: الْوَكَالَةُ تَجُوزُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِ جُعْلٍ، وَلاَ يَصِحُّ الْجُعْل إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَلَوْ قَال: قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الثَّوْبِ عَلَى أَنَّ جُعْلَكَ عُشْرُ ثَمَنِهِ، أَوْ مِنْ كُل مِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِهِ دِرْهَمٌ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهْل بِمَبْلَغِ الثَّمَنِ، وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل (369) .
(ر: إِجَارَة ف 42) .
د ـ أَنْ يَقُومَ الْوَكِيل بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ تَنْفِيذًا صَحِيحًا.
وَعَلَى ذَلِكَ تَسْقُطُ الأُْجْرَةُ إِذَا خَالَفَ الْوَكِيل مُوَكِّلَهُ مُخَالَفَةً تَجْعَل الْوَكَالَةَ فَاسِدَةً فَلَوْ أَعْطَاهُ حَبًّا لِبَيْعِهِ وَيَشْتَرِي أَجْوَدَ مِنْهُ، فَقَامَ الْوَكِيل بِإِبْدَالِهِ بِمَا هُوَ أَجْوَدُ مِنْهُ مِنْ نَفْسِ الصِّنْفِ، كَانَ عَمَل الْوَكِيل رِبًا فَيَكُونُ قَدْ قَامَ بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ تَنْفِيذًا فَاسِدًا فَلاَ يَسْتَحِقُّ أَجْرًا، لأَِنَّ مُطْلَقَ الإِْذْنِ بِالْبَيْعِ يَقْتَضِي الصَّحِيحَ فَقَطْ، أَمَّا الْفَاسِدُ فَغَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ أَجْرًا عَلَيْهِ، جَاءَ فِي الْحَاوِي: لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ بِجُعْلٍ مَعْلُومٍ فَبَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا فَلاَ جُعْل لَهُ، لأَِنَّ مُطْلَقَ الإِْذْنِ بِالْبَيْعِ يَقْتَضِي مَا صَحَّ مِنْهُ، فَصَارَ الْفَاسِدُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ جُعْلاً عَلَيْهِ.
فَلَوْ بَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا وَقَبَضَ ثَمَنَهُ وَتَلِفَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْوَكِيل فَلَهُ الأُْجْرَةُ لِوُجُودِ الْعَمَل (370) .
وَيَسْتَحِقُّ الْوَكِيل فِي الإِْجَارَةِ الصَّحِيحَةِ الأَْجْرَ الْمُسَمَّى، وَإِذَا فَسَدَتِ الإِْجَارَةُ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْل (371) .
رُجُوعُ الْوَكِيل عَلَى الْمُوَكِّل بِمَا دَفَعَهُ تَنْفِيذًا لِلْوَكَالَةِ:
157 ـ إِذَا أَمَرَ شَخْصًا بِقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ فَأَدَّاهُ الْمُأْمُورُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الآْمِرِ، شَرَطَ الآْمِرُ الرُّجُوعَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ (372) . وَإِذَا وَكَّلَهُ بِالشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ الثَّمَنِ إِلَيْهِ فَدَفَعَ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ ثَمَنَ الْمَبِيعِ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ ـ عَدَا زُفَرَ ـ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَكِيل حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يُسْتَوْفَى الثَّمَنُ مِنَ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ الْوَكِيل عَاقِدٌ وَجَبَ الثَّمَنُ لَهُ عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ حُكْمُ الْبَيْعِ ضَمَانًا لِلْمَبِيعِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ لاِسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي (373) .
وَذَهَبَ زُفَرُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْحَبْسِ، لأَِنَّ الْمَبِيعَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ، فَالْهَلاَكُ عَلَى الْمُوَكِّل حَتَّى لاَ يَسْقُطَ الثَّمَنُ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِلأَْمِينِ حَبْسُ الأَْمَانَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا مِنْ أَهْلِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:؟ {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ؟ (374) فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ (375) .
وَلَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ الْمُوَكِّل فَحَبَسَهُ الْوَكِيل حَتَّى هَلَكَ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ (376) وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ:
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْبَيْعِ، لأَِنَّ هَذِهِ عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ بِدَيْنٍ هُوَ ثَمَنٌ فَكَانَتْ مَضْمُونَةً ضَمَانَ الْبَيْعِ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ، لأَِنَّ هَذِهِ عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ بِدَيْنٍ يَسْقُطُ بِهَلاَكِهَا فَكَانَتْ مَضْمُونَةً بِالأَْقَل مِنْ قِيمَتِهَا وَمِنَ الدَّيْنِ كَالرَّهْنِ.
وَذَهَبَ زُفَرُ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْغَصْبِ، لأَِنَّ الْمَبِيعَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَالأَْمِينُ لاَ يَمْلِكُ حَبْسَ الأَْمَانَةِ عَنْ صَاحِبِهَا، فَإِذَا حَبَسَهَا فَقَدْ صَارَ غَاصِبًا، وَالْمَغْصُّوبُ مَضْمُونٌ بِقَدْرِهِ مِنَ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ (377) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرِ مِنْ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ:
الْجِهَةُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا حُقُوقُ الْعَقْدِ الَّذِي يَعْقِدُهُ الْوَكِيل:
158 - بِاسْتِقْرَاءِ عِبَارَاتِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي يَعْقِدُهَا الْوُكَلاَءُ نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: عُقُودٌ تَجُوزُ إِضَافَتُهَا إِلَى الْوَكِيل كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: عُقُودٌ لاَ تَجُوزُ إِضَافَتُهَا إِلَى الْوَكِيل كَالنِّكَاحِ وَصُلْحِ الدَّمِ، بَل يَلْزَمُ إِضَافَتُهَا إِلَى الْمُوَكِّل (378) .
فَقَدْ نَصَّتِ الْمَادَةُ (1460) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ " يَلْزَمُ أَنْ يُضِيفَ الْوَكِيل الْعَقْدَ إِلَى مُوَكِّلِهِ فِي الْهِبَةِ وَالإِْعَارَةِ وَالإِْيدَاعِ وَالرَّهْنِ وَالإِْقْرَاضِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ إِنْكَارٍ، وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إِلَى مُوَكِّلِهِ فَلاَ يَصِحُّ " (379) .
159 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْجِهَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا حُقُوقُ الْعُقُودِ الَّتِي يَعْقِدُهَا الْوَكِيل.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا تَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْوَكِيل أَوْ لاَ تَجُوزُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيل عُهْدَةُ الثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ إِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا (380) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُوَكِّلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا تَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْوَكِيل كَالإِْجَارَةِ، أَوْ لاَ تَجُوزُ كَالنِّكَاحِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِّ الْعَمْدِ (381) .
وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ حَيْثُ قَالُوا: كُل عَقْدٍ يَصِحُّ إِضَافَتُهُ إِلَى الْوَكِيل - كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ - وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ فَحُقُوقُ ذَلِكَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيل دُونَ الْمُوَكِّلِ، فَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ وَيَقْبَضُ الثَّمَنَ وَيُطَالَبُ بِالثَّمَنِ إِذَا اشْتَرَى وَيَقْبِضُ الْمَبِيعَ وَيُخَاصَمُ بِالْعَيْبِ.
وَكُل عَقْدٍ يَلْزَمُ الْوَكِيل إِضَافَتُهُ إِلَى الْمُوَكِّل - كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ - فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّل دُونَ الْوَكِيلِ، فَلاَ يُطَالَبُ وَكِيل الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ، وَلاَ يَلْزَمُ وَكِيل الْمَرْأَةِ تَسْلِيمُهَا (382) .
قَال الْكَاسَانِيُّ: أَمَّا التَّوْكِيل بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَحُقُوقُهَا تَرْجِعُ إِلَى الْوَكِيلِ، فَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ وَيَقْبِضُهُ وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ وَيُطَالَبُ بِهِ وَيُخَاصَمُ فِي الْعَيْبِ وَقْتَ الاِسْتِحْقَاقِ.
وَالأَْصْل أَنَّ كُل عَقْدٍ لاَ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِضَافَتِهِ إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَيَكْتَفِي فِيهِ بِالإِْضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ فَحُقُوقُهُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَاقِدِ، كَالْبِيَاعَاتِ وَالأَْشْرِبَةِ وَالإِْجَارَاتِ وَالصُّلْحِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، فَحُقُوقُ هَذِهِ الْعُقُودِ تَرْجِعُ لِلْوَكِيل وَعَلَيْهِ، وَيَكُونُ الْوَكِيل فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ كَالْمَالِكِ، وَالْمَالِكُ كَالأَْجْنَبِيِّ، حَتَّى لاَ يَمْلِكَ الْمُوَكِّل مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي مِنَ 91.
وَلَوْ طَالَبَهُ فَأَبَى لاَ يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إِلَيْهِ، وَلَوْ أَمَرَهُ الْوَكِيل بِقَبْضِ الثَّمَنِ مَلَكَ الْمُطَالَبَةَ، وَأَيُّهُمَا طَلَبَ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَلَوْ نَهَاهُ الْوَكِيل عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ صَحَّ نَهْيُهُ.
وَلَوْ نَهَى الْمُوَكِّل الْوَكِيل عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ لاَ يُعْمَل نَهْيُهُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا نَقَدَ الثَّمَنَ إِلَى الْمُوَكِّل يَبْرَأُ عَنِ الثَّمَنِ اسْتِحْسَانًا، وَكَذَا الْوَكِيل هُوَ الْمُطَالَبُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إِذَا نَقَدَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ وَلاَ يُطَالَبُ بِهِ الْمُوَكِّل.
وَإِذَا اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيل إِنْ كَانَ نَقَدَ الثَّمَنَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ نَقَدَهُ إِلَى الْمُوَكِّل يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْوَكِيل.
وَإِذَا أَثْبَتَ الْعَيْبَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَخَذَ الثَّمَنَ مِنَ الْوَكِيل إِنْ كَانَ نَقَدَهُ الثَّمَنَ، وَإِنْ كَانَ نَقَدَهُ إِلَى الْمُوَكِّل أَخَذَهُ مِنْهُ، وَكَذَا الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ هُوَ الْمُطَالَبُ بِالثَّمَنِ دُونَ الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْبِضُ الْمَبِيعَ دُونَ الْمُوَكِّلِ، وَإِذَا اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ فَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ دُونَ الْمُوَكِّل.
وَلَوْ وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا: إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَى الْمُوَكِّل بَعْدُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِه بِالْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَّمَهُ إِلَى مُوَكِّلِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِرِضَا مُوَكِّلِهِ.
وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الإِْجَارَةِ وَالاِسْتِئْجَارِوَأَخَوَاتِهِمَا، وَكُل عَقْدٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِضَافَتِهِ إِلَى الْمُوَكِّل فَحُقُوقُهُ تَرْجِعُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ عَلَى مَالٍ وَالْعَتَاقِ عَلَى مَالٍ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالْكِتَابَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ إِنْكَارِ الْمُدَعَّى عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ، فَحُقُوقُ هَذِهِ الْعُقُودِ تَكُونُ لِلْمُوَكِّل وَعَلَيْهِ. وَالْوَكِيل فِيهَا يَكُونُ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا مَحْضًا، حَتَّى إِنَّ وَكِيل الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ لاَ يُطَالَبُ بِالْمَهْرِ وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِهِ الزَّوْجُ، إِلاَّ إِذَا ضَمِنَ الْمَهْرَ فَحِينَئِذٍ يُطَالَبُ بِهِ لَكِنْ بِحُكْمِ الضَّمَانِ، وَوَكِيل الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ لاَ يَمْلِكُ قَبْضَ الْمَهْرِ.
وَكَذَا الْوَكِيل بِالْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ لاَ يَمْلِكُ قَبْضَ بَدَل الْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ إِنْ كَانَ وَكِيل الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ وَكِيل الْمَرْأَةِ لاَ يُطَالَبُ بِبَدَل الْخُلْعِ إِلاَّ بِالضَّمَانِ، وَكَذَا الْوَكِيل بِالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ (383) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا وَكَّلَهُ عَلَى بَيْعٍ فَعَلَيْهِ طَلَبُ الثَّمَنِ وَقَبْضُهُ، لأَِنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْبَيْعِ.
وَإِذَا وَكَّلَهُ عَلَى اشْتِرَاءٍ فَعَلَيْهِ قَبْضُ الْمَبِيعِ مِنَ الْبَائِعِ وَتَسْلِيمُهُ لِلْمُشْتَرِي.
وَعَلَيْهِ رَدُّ الْمَعِيبِ إِذَا كَانَ لاَ يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ حَال شِرَائِهِ.
وَالْوَكِيل مُطَالَبٌ بِثَمَنٍ لِسِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا لِمُوَكِّلِهِ وَمُثَمَّنٍ اشْتَرَاهُ لَهُ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ، فَإِنْ صَرَّحَ بِأَنْ قَال: لاَ أَتَوَلَّى ذَلِكَ لَمْ يُطَالَبْ وَإِنَّمَا يُطَالَبُ مُوَكِّلُهُ (384) .
وَقَالُوا: الْوَكِيل مُطَالَبٌ بِالْعُهْدَةِ مِنْ عَيْبٍ أَوِ اسْتِحْقَاقٍ مَا لَمْ يَعْلَمِ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وَكِيلٌ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وَكِيلٌ فَإِنَّهُ يُطَالِبُ الْمُوَكِّل لاَ الْوَكِيلَ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْوَكِيل مُفَوَّضًا فَيُطَالِبُ أَيَّهُمَا شَاءَ (385) .
كَيْفِيَّةُ انْصِرَافِ حُكْمِ الْعَقْدِ إِلَى الْمُوَكِّل:
160 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ انْصِرَافِ حُكْمِ الْعَقْدِ إِلَى الْمُوَكِّل:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ - وَهُوَ قَوْل أَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ - وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ كَذَلِكَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ يَنْتَقِل إِلَى الْمُوَكِّل مُبَاشَرَةً، لأَِنَّ الْعَقْدَ لَهُ فَوَقَعَ الْمِلْكُ لَهُ كَمَا لَوْ عَقَدَهُ بِنَفْسِهِ.
وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْوَجْهُ الْمُقَابِل لِلصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ لِلْوَكِيل أَوَّلاً، ثُمَّ يَنْتَقِل إِلَى الْمُوَكِّل لأَِنَّ الْخِطَابَ جَرَى مَعَهُ، فَلَوْ وَكَّل رَجُلٌ آخَرَ لِيَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً فَاشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ، فَإِنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِل إِلَى الْوَكِيل أَوَّلاً، وَلَكِنَّهُ مِلْكٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، لأَِنَّهُ يَعُودُ وَيَنْتَقِل إِلَى الْمُوَكِّل (386) .
وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ، إِلَى أَنَّ الْوَكِيل نَائِبٌ عَنِ الْمُوَكِّل فِي حَقِّ الْحُكْمِ، أَصِيلٌ فِي حَقِّ الْحُقُوقِ، فَإِنَّ الْحُقُوقَ تَثْبُتُ لَهُ ثُمَّ تَنْتَقِل إِلَى الْمُوَكِّل (387) .
اخْتِلاَفُ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل
ِلاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل صُوَرٌ نُبَيِّنُهَا فِيمَا يَلِي:
أ - الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْل الْوَكَالَةِ:
161 - إِذَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ فِي أَصْل الْوَكَالَةِ، فَقَال الْوَكِيل: وَكَّلْتَنِي فِي كَذَا، وَلَكِنَّ الْمُوَكِّل أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَال لَهُ: لَمْ أُوَكِّلْكَ.
فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ اخْتِلاَفٌ فِي أَصْل الْوَكَالَةِ كَانَ الْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل. لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْوَكَالَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ أَمِينُهُ لِيُقْبَل قَوْلُهُ عَلَيْهِ (388) .
ب - الاِخْتِلاَفُ فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ:
162 - إِذَا اخْتَلَفَ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ، كَأَنْ يَقُول الْمُوَكِّل: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الْبَعِيرِ، وَيَقُول الْوَكِيل: بَل وَكَّلْتَنِي فِي بَيْعِ هَذِهِ النَّاقَةِ. أَوْ قَال الْمُوَكِّل: وَكَّلْتُكَ فِي الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ، وَقَال الْوَكِيل: بَل بِأَلْفٍ، أَوْ قَال الْمُوَكِّل: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِهِ نَقْدًا، وَقَال الْوَكِيل: بَل نَسِيئَةً.
فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ مَنْ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي تُمَثِّل الاِخْتِلاَفَ بَيْنَ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ - اخْتَارَهُ الْقَاضِي - إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل فِي التَّوْكِيل الَّذِي يَدَّعِيهِ الْوَكِيل - وَالأَْصْل عَدَمُهُ - فَكَانَ الْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل الَّذِي يَنْفِيهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُوَكِّل بِتَوْكِيلِهِ فِي غَيْرِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ قَوْل الْمُوَكِّلِ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ فِي صِفَةِ كَلاَمِهِ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي صِفَةِ الطَّلاَقِ.
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ صُورَتَيْنِ، حَيْثُ قَالُوا بِقَبُول قَوْل الْوَكِيل بِيَمِينِهِ فِيهِمَا، وَهُمَا:
الصُّورَةُ الأُْولَى: وَكَّل شَخْصٌ غَيْرَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ وَدَفَعَ لِلْوَكِيل الثَّمَنَ فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً، فَزَعَمَ الْمُوَكِّل أَنَّهُ أَمَرَ الْوَكِيل بِشِرَاءِ غَيْرِهَا، فَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيل مَعَ يَمِينِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِذَا حَلَفَ الْوَكِيل لَزِمَتِ السِّلْعَةُ الْمُوَكِّل.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا وَكَّل شَخْصٌ آخَرَ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ، فَبَاعَهَا الْوَكِيل بِعَشَرَةٍ مَثَلاً وَادَّعَى أَنَّ الْمُوَكِّل أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَقَال الْمُوَكِّل: بَل أَمَرْتُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيل بِيَمِينِهِ إِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ بِزَوَال عَيْنِهِ وَأَشْبَهَ قَوْل ذَلِكَ الْوَكِيلِ، سَوَاءٌ أَشْبَهَ الْمُوَكِّل أَمْ لاَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَفُتْ وَالْحَال أَنَّهُ لَمْ يَحْلِفِ الْمُوَكِّلُ، فَإِنْ حَلَفَ الْمُوَكِّل كَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ.
وَالْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل بِيَمِينِهِ إِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ وَأَشْبَهَ قَوْلَهُ وَحْدَهُ، أَوْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَفُتْ وَحَلَفَ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْقَوْل عِنْدَ الاِخْتِلاَفِ فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ قَوْل الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ أَمِينٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ (389) . جـ - اخْتِلاَفُ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل فِي تَلَفِ الْمُوَكَّل فِيهِ:
163 - إِذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل حَوْل تَلَفِ مَا بِيَدِ الأَْوَّل لِلثَّانِي مِنْ ثَمَنٍ وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ.
فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَكِيل مَعَ يَمِينِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَكِيل أَمِينٌ، وَمَا بِيَدِهِ يُعْتَبَرُ أَمَانَةً، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، فَلاَ يُكَلَّفُ ذَلِكَ كَالْمُودَعِ لَدَيْهِ.
وَلأَِنَّهُ لَوْ كَلَّفَ الْوَكِيل إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ مَعَ تَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لاَمْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الدُّخُول فِي الأَْمَانَاتِ مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا، فَيَلْحَقُهُمُ الضَّرَرُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الْحُكْمَ بِمَا إِذَا كَانَ الْوَكِيل مُتَّهَمًا.
وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ هَذَا الْحُكْمَ بِمَا إِذَا ادَّعَى الْوَكِيل التَّلَفَ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ كَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا (390) .
أَمَّا إِذَا ادَّعَى الْوَكِيل التَّلَفَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَالْحَرِيقِ وَالنَّهْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ عَلَى الْوَكِيل إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى وُجُودِ هَذَا الأَْمْرِ الظَّاهِرِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي التَّلَفِ بِذَلِكَ الأَْمْرِ الظَّاهِرِ فِي رِوَايَةٍ، وَلاَ يُطَالَبُ الْوَكِيل بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى كَوْنِ الْمُوَكَّل فِيهِ بِعَيْنِهِ حُرِقَ أَوْ نُهِبَ لأَِنَّهُ مُتَعَذِّرٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا أَثْبَتَ الْحَادِثُ الظَّاهِرُ وَلَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ أَنَّ الْوَكِيل لاَ يَحْلِفُ (391) .
د - الاِخْتِلاَفُ فِي تَعَدِّي الْوَكِيل وَتَفْرِيطِهِ فِي الْحِفْظِ:
164 - إِذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل فِي تَعَدِّي الْوَكِيل وَتَفْرِيطِهِ فِي حِفْظِ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ لِمُوَكِّلِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ أَمْرَ مُوَكِّلِهِ، كَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُوَكِّل عَلَى الْوَكِيل أَنَّهُ حَمَل عَلَى الدَّابَّةِ فَوْقَ طَاقَتِهَا، أَوْ حَمَل عَلَيْهَا شَيْئًا لِنَفْسِهِ، أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، أَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ بِدُونِ إِذْنِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَكِيل مَعَ َيَمِينِهِ، لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْل قَوْل الْمُنْكِرِ (392) . هـ - الاِخْتِلاَفُ فِي التَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالْقَبْضِ:
لِلْفُقَهَاءِ فِي مُعَالَجَةِ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل فِي التَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ اتِّجَاهَاتٌ نَتَنَاوَلُهَا فِيمَا يَلِي:
165 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل يَبِيعُ الشَّيْءَ إِذَا قَال: بِعْتُ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ، هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
إِمَّا إِنْ كَانَ الْمُوَكِّل سَلَّمَ الْمَبِيعَ إِلَى الْوَكِيل أَوْ كَانَ لَمْ يُسَلِّمْ إِلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ إِلَيْهِ فَقَال الْوَكِيل: بِعْتُهُ مِنْ هَذَا الرَّجُل وَقَبَضْتُ مِنْهُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِي، أَوْ قَال: دَفَعْتُهُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، فَهَذَا لاَ يَخْلُو إِمَّا إِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّل فِي ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنْ كَذَّبَهُ بِالْبَيْعِ، أَوْ صَدَّقَهُ بِالْبَيْعِ وَكَذَّبَهُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، أَوْ صَدَّقَهُ فِيهِمَا وَكَذَّبَهُ فِي الْهَلاَكِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَهْلَكُ الثَّمَنُ مِنْ مَال الْمُوَكِّل وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْوَكِيل لأَِنَّهُ يَهْلَكُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنْ كَذَّبَهُ بِالْبَيْعِ، أَوْ صَدَّقَهُ بِالْبَيْعِ وَكَذَّبَهُ فِي قْبَضٍ، فَإِنَّ الْوَكِيل يُصَدَّقُ فِي الْبَيْعِ وَلاَ يُصَدَّقُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ إِقْرَارَ الْوَكِيل فِي حَقِّ نَفْسِهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ.
وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ نَقَدَ الثَّمَنَ ثَانِيًا إِلَىالْمُوَكِّل وَأَخَذَ مِنْهُ الْمَبِيعَ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا عَلَى الْوَكِيل بِمَا نَقَدَهُ.
وَلَوْ أَقَرَّ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ وَزَعَمَ أَنَّ الْمُوَكِّل قَبَضَ مِنَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّل ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَكِيل يُصَدَّقُ فِي الْبَيْعِ وَلاَ يُصَدَّقُ فِي إِقْرَارِهِ عَلَى الْمُوَكِّل بِالْقَبْضِ، وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا، إِلاَّ أَنَّهُ هُنَاكَ لاَ يَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيل بِشَيْءٍ، لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الإِْقْرَارُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ.
وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّل فِي الْبَيْعِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، وَكَذَّبَهُ فِي الْهَلاَكِ أَوِ الدَّفْعِ إِلْيَهِ، فَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيل فِي دَعْوَى الْهَلاَكِ أَوِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ لأَِنَّهُ أَمِينٌ، وَيُجْبَرُ الْمُوَكِّل عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي، لأَِنَّهُ ثَبَتَ الْبَيْعُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهُ، وَلاَ يُؤْمَرُ الْمُشْتَرِي بِنَقْدِ الثَّمَنِ ثَانِيًا إِلَى الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّهُ ثَبَتَ وُصُول الثَّمَنِ إِلَى يَدِ وَكِيلِهِ بِتَصْدِيقِهِ، ِ وَوُصُول الثَّمَنِ إِلَى يَدِ وَكِيلِهِ كَوُصُولِهِ إِلَى يَدِهِ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَبِيعُ مُسَلِّمًا إِلَى الْوَكِيلِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُسَلِّمًا إِلَيْهِ فَقَال الْوَكِيل: بِعْتُهُ مِنْ هَذَا الرَّجُل وَقَبَضْتُ مِنْهُ الثَّمَنَ فَهَلَكَ عِنْدِي، أَوْ قَال: دَفَعْتُهُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، أَوْ قَال: قَبَضَ الْمُوَكِّل الثَّمَنَ مِنَ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْوَكِيل يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَيُسَلَّمُ الْمَبِيعُ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَيَبْرَأُ الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ وَلاَ يَمِينَ عَلَيْهِ.أَمَّا إِذَا صَدَّقَهُ الْمُوَكِّل فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَلاَ يُشْكَلُ، وَكَذَا إِذَا كَذَّبَهُ فِي الْبَيْعِ، أَوْ صَدَّقَهُ فِيهِ وَكَذَّبَهُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، لأَِنَّ الْوَكِيل أَقَرَّ بِبَرَاءَةِ الْمُشْتَرِي عَنِ الثَّمَنِ فَلاَ يُحَلَّفُ وَيُحَلَّفُ الْوَكِيلُ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ بَرِئَ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ ضَمَانُ الثَّمَنِ لِلْمُوَكِّل.
فَإِنِ اسْتُحِقَ الْمَبِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيل إِذَا أَقَرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهُ، وَالْوَكِيل لاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّل بِمَا ضَمِنَ مِنَ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي، لأَِنَّ الْمُوَكِّل لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ، فَإِقْرَارُ الْوَكِيل فِي حَقِّهِ جَائِزٌ، وَلاَ يَجُوزُ فِي حَقِّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُوَكِّل عَلَى الْعِلْمِ بِقَبْضِ الْوَكِيلِ، فَإِنْ نَكَل رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا ضَمِنَ.
وَلَوْ أَقَرَّ الْمُوَكِّل بِقَبْضِ الْوَكِيل الثَّمَنَ لَكِنَّهُ كَذَّبَهُ فِي الْهَلاَكِ أَوِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْوَكِيل يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ يَدَ وَكِيلِهِ كَيَدِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْوَكِيل لَمْ يُقِرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ الْمُوَكِّل قَبَضَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي لاَ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ الثَّمَنَ، وَلاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّل أَيْضًا، لأَِنَّ إِقْرَارَهُمَا عَلَى الْمُوَكِّل لاَ يَجُوزُ.
وَلَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمَبِيعَ، وَلَكِنَّهُ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْوَكِيلَ، فَإِذَا رُدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي رَجَعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ إِنْ أَقَرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْهُ، وَلِلْوَكِيل أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّل بِمَا ضَمِنَ إِذَاأَقَرَّ الْمُوَكِّل بِقَبْضِ الْوَكِيل الثَّمَنَ، وَيَكُونُ الْمَبِيعُ لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ الْمُوَكِّل بِقَبْضِ الْوَكِيل الثَّمَنَ لاَ يَرْجِعُ الْوَكِيل بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُوَكِّل عَلَى الْعِلْمِ بِقَبْضِهِ، فَإِنْ نَكَل رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَلَفَ لاَ يَرْجِعُ، وَلَكِنَّهُ يَبِيعُ الْمَبِيعَ فَيَسْتَوْفِي مَا ضَمِنَ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ فَلاَ يُرْجَعُ بِالنُّقْصَانِ عَلَى أَحَدٍ.
وَلَوْ كَانَ الْوَكِيل لَمْ يُقِرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِ الْمُوَكِّلِ، لاَ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهِ، وَلاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّل أَيْضًا لأَِنَّهُمَا لاَ يُصَدَّقَانِ عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ، وَعَلَى الْمُوَكِّل الْيَمِينُ عَلَى الْبَتَاتِ، فَإِنْ نَكَل رَجَعَ عَلَيْهِ وَالْمَبِيعُ لَهُ، وَإِنْ حَلَفَ لاَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَكِنَّ الْمَبِيعَ يُبَاعُ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْوَكِيل يَبِيعُهُ فِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَفِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لاَ يَبِيعُهُ، وَجَعَل هَذَا كَبَيْعِ مَال الْمَدْيُونِ الْمُفْلِسِ، وَلَكِنَّ الْوَكِيل لَوْ بَاعَهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، لأَِنَّهُ لَمَّا رَدَّهُ عَلَيْهِ فَسْخًا عَادَتِ الْوَكَالَةُ، فَإِذَا بِيعَ الْمَبِيعُ يَسْتَوْفِي الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ مِنْهُ إِنْ أَقَرَّ الْوَكِيل بِقَبْضِ الْمُوَكِّل وَلَمْ يُقِرَّ بِقَبْضِ نَفْسِهِ. وَإِنْ أَقَرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ وَضَمِنَ الْمُشْتَرِي يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَنِ مِقْدَارَ مَا غَرِمَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ لاَ يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ (393) . 166 - وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل إِذَا قَال لِلْمُوَكِّل: تَصَرَّفْتُ كَمَا أَذِنْتَ لِي مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَال الْمُوَكِّل بَعْدُ: لَمْ تَتَصَرَّفْ، فَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيل لأَِنَّهُ أَمِينٌ، وَيَلْزَمُ الآْمِرَ التَّصَرُّفُ لأَِنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِالْوَكَالَةِ.
وَلَوْ قَال قَبَضْتُ الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِي، فَالْقَوْل قَوْلُهُ إِنْ ثَبَتَ الْقَبْضُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّل فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَمْ يَبْرَأِ الْغَرِيمُ مِنَ الدَّعْوَى إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْقَابِضُ وَكِيلاً مُفَوِّضًا أَوْ وَصِيًّا فَيَبْرَأُ بِاعْتِرَافِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ بِخِلاَفِ الْوَكِيل الْمَخْصُوصِ، وَفِي كِلاَ الْوَجْهَيْنِ لاَ غُرْمَ عَلَى الْوَكِيل (394) .
167 - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صُلْحٍ، أَوْ طَلاَقٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ، أَوْ إِبْرَاءٍ، فَقَال الْوَكِيل: تَصَرَّفْتُ كَمَا أَذَنْتَ، وَقَال الْمُوَكِّل: لَمْ تَتَصَرَّفْ بَعْدُ، نُظِرَ: إِنْ جَرَى هَذَا الاِخْتِلاَفُ بَعْدَ انْعِزَال الْوَكِيلِ، لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلتَّصَرُّفِ حِينَئِذٍ. وَإِنْ جَرَى قَبْل الاِنْعِزَالِ، فَهَل الْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل أَمِ الْوَكِيل؟ قَوْلاَنِ: أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ: الأَْوَّلُ، وَقِيل: مَا يَسْتَقِل بِهِ الْوَكِيلُ، كَالطَّلاَقِ وَالإِْعْتَاقِ وَالإِْبْرَاءِ يُقْبَل قَوْلُهُ فِيهِ بِيَمِينِهِ، وَمَا لاَ كَالْبَيْعِ فَلاَ. وَلَوْ قَال الْمُوَكِّل: بَاعَ الْوَكِيلُ، فَقَال: لَمْ أَبِعْ. فَإِنْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِي الْمُوَكِّلَ، حُكِمَ بِانْتِقَال الْمِلْكِ إِلَيْهِ، وَإِلاَّ فَالْقَوْل قَوْلُهُ.
وَإِذَا وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنٍ، فَقَال: قَبَضْتُهُ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، نُظِرَ: إِنْ قَال: قَبَضْتُهُ وَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِي فَخُذْهُ، لَزِمَهُ أَخْذُهُ، وَلاَ مَعْنَى لِهَذَا الاِخْتِلاَفِ. وَإِنْ قَال: قَبَضْتُهُ وَتَلِفَ فِي يَدِي، فَالْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّل مَعَ يَمِينِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِقَبْضِ الْوَكِيلِ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ حَقِّهِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيل: بِطَرْدِ الْخِلاَفِ فِي اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، إِذَا حَلَفَ الْمُوَكِّلُ، أَخَذَ حَقَّهُ مِمَّنْ كَانَ عَلَيْهِ، وَلاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ، لاِعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ مَظْلُومٌ.
وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، أَوْ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا، وَجَوَّزْنَا لَهُ قَبْضَ الثَّمَنِ، فَاتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، فَقَال الْوَكِيل: قَبَضْتُهُ وَتَلِفَ فِي يَدِي، أَوْ دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، فَفِي الْمُصَدَّقِ مِنْهُمَا طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُمَا إِنِ اخْتَلَفَا قَبْل تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَالْقَوْل قَوْل الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْل الْمُوَكِّل.وَأَصَحُّهُمَا: قَوْل الْوَكِيلِ، وَبِهِ قَال ابْنُ الْحَدَّادِ، لأَِنَّ الْمُوَكِّل يَدَّعِي تَقْصِيرَهُ وَخِيَانَتَهُ بِالتَّسْلِيمِ بِلاَ قَبْضٍ، وَالأَْصْل عَدَمُهُ.
وَهَذَا التَّفْصِيل فِيمَا إِذَا أَذِنَ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا. فَإِذَا أَذِنَ فِي التَّسْلِيمِ قَبْل قَبْضِ الثَّمَنِ، أَوْ فِي الْبَيْعِ بِمُؤَجَّلٍ وَفِي الْقَبْضِ بَعْدَ الأَْجَلِ، لَمْ يَكُنْ خَائِنًا بِالتَّسْلِيمِ بِلاَ قَبْضٍ، فَالاِخْتِلاَفُ كَالاِخْتِلاَفِ قَبْل التَّسْلِيمِ، فَإِذَا صَدَّقْنَا الْوَكِيل فَحَلَفَ، فَفِي بَرَاءَةِ الْمُشْتَرِي وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الإِْمَامِ: يَبْرَأُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: لاَ (395) .
168 - وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَوْ قَال الْوَكِيل: بِعْتُ الثَّوْبَ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ فَتَلِفَ فَالْقَوْل قَوْل الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالْقَبْضَ فَيُقْبَل قَوْلُهُ فِيهِمَا، كَمَا يُقْبَل قَوْل وَلِيِّ الْمَرْأَةِ الْمُجْبَرَةِ عَلَى النِّكَاحِ فِي تَزْوِيجِهَا.
وَقِيل: لاَ يُقْبَل قَوْل الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ لِغَيْرِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ (396) .
و الاِخْتِلاَفُ فِي دَعْوَى رَدِّ مَا بِيَدِ الْوَكِيل:
169 - قَدْ يَخْتَلِفُ الْمُوَكِّل مَعَ الْوَكِيل فِي دَعْوَى رَدِّ مَا بِيَدِ الْوَكِيل لِمُوَكِّلِهِ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، بِأَنْ يَدَّعِيَ الْوَكِيل الرَّدَّ فَيُنْكِرُهُ الْمُوَكِّل: َيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَكِيل مَعَ يَمِينِهِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَ الْوَكِيل يَعْمَل بِدُونِ أَجْرٍ، أَوْ بِأَجْرٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ ثَانٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، إِلَى أَنَّ الْوَكِيل إِذَا كَانَ يَعْمَل بِالأَْجْرِ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْوَكِيل لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَطَوِّعًا أَوْ بِأَجْرٍ (397) .
انْتِهَاءُ الْوَكَالَةِ:
تَنْتَهِي الْوَكَالَةُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:
أَوَّلاً: الْعَزْل:
170 - لَمَّا كَانَتِ الْوَكَالَةُ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لأَِيٍّ مِنَ الطَّرَفَيْن إِنْهَاؤُهَا، فَلِلْمُوَكِّل أَنْ يَعْزِل الْوَكِيل مِنْهَا وَيَنْهَاهُ عَنِ التَّصَرُّفِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، كَمَا أَنَّ لِلْوَكِيل أَنْ يَعْزِل نَفْسَهُ مِنْهَا أَيْضًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ (398) .
غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَزْل الْوَكِيل مِنَ الْمُوَكِّل الشُّرُوطُ التَّالِيَةُ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: عِلْمُ الْوَكِيل بِالْعَزْل:
171 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيل بِالْعَزْل.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيل بِالْعَزْلِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعَزْل فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، فَلاَ يَلْزَمُ حُكْمُهُ إِلاَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِنَّهُ لَوِ انْعَزَل قَبْل عِلْمِهِ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، لأَِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً. وَبِأَنَّ الْوَكِيل يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ مُوَكِّلِهِ، وَلاَ يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ قَبْل عِلْمِهِ كَالْفَسْخِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيل بِالْعَزْلِ، فَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَكِيل بَعْدَ الْعَزْل فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ، لأَِنَّ الْعَزْل رَفْعُ عَقْدٍ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى رِضَا صَاحِبِهِ، فَلاَ يَفْتَقِرُ عَلَى عِلْمِهِ كَالطَّلاَقِ (399) .
172 - وَيَتِمُّ عِلْمُ الْوَكِيل بِالْعَزْل - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - بِأُمُورٍ مِنْهَا:
أ - أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا الْعَزْل.
ب - إِذَا كَانَ الْوَكِيل غَائِبًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُوَكِّل كِتَابَ الْعَزْلِ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ وَعَلِمَ بِمَا فِيهِ. لأَِنَّ الْكِتَابَ مِنَ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنَ الْحَاضِرِ.
جـ - لَوْ أَرْسَل إِلَيْهِ الْمُوَكِّل رَسُولاً فَبَلَّغَهُ الرِّسَالَةَ، وَقَال لَهُ: فُلاَنٌ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَيَقُول: إِنِّي عَزَلْتُكَ عَنِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ، كَائِنًا مَا كَانَ الرَّسُولُ، عَدْلاً كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. لأَِنَّ الرَّسُول قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسَل مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ عَنْهُ، فَتَصِحُّ سِفَارَتُهُ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ.
د - لَوْ أَخْبَرَ الْوَكِيل بِالْعَزْل رَجُلاَنِ عَدْلاَنِ كَانَا أَوْ غَيْرُ عَدْلَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ يَنْعَزِل بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ. سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْوَكِيل أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إِذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ، لأَِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلاَتِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلاً فَخَبَرُ الْعَدْلَيْنِ أَوِ الْعَدْل أَوْلَى.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ يَنْعَزِل بِاتِّفَاقِهِمْ أَيْضًا.
أَمَّا إِنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِل حَتَّى وَإِنْ ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ. لأَِنَّ الإِْخْبَارَ عَنِ الْعَزْل لَهُ شَبَهُ الشَّهَادَةِ، لأَِنَّ فِيهِ الْتِزَامَ حُكْمِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَهُوَ الْعَزْلُ، وَهُوَ لُزُومُ الاِمْتِنَاعِ عَنِ التَّصَرُّفِ وَلُزُومُ الْعُهْدَةِ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُ أَحَدِ شُرُوطِهَا وَهُوَ الْعَدَالَةُ أَوِ الْعَدَدُ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الإِْخْبَارَ عَنِ الْعَزْل مِنْ بَابِ الْمُعَامَلاَتِ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَلاَ الْعَدَالَةُ كَمَا فِي الإِْخْبَارِ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ (400) .
وَقَال النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قُلْنَا لاَ يَنْعَزِل الْوَكِيل حَتَّى يَبْلُغَهُ خَبَرُ عَزْلِهِ فَالْمُعْتَبَرُ خَبَرُ مَنْ تُقْبَل رِوَايَتِهِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْفَاسِقِ (401) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: عَدَمُ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِالْوَكَالَةِ:
173 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ عَزْل الْوَكِيل إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ.
فَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقُّ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعَزْل بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ، لأَِنَّ فِي الْعَزْل إِبْطَال حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَلاَ سَبِيل إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَنْ رَهَنَ مَالَهُ عِنْدَ رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَجَعَل الْمُرْتَهِنَ أَوِ الْعَدْل مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ عِنْدَ حِل الأَْجَلِ، فَعَزْل الرَّاهِنِ الْمُسَلَّطِ عَلَى الْبَيْعِ لاَ يَصِحُّ بِهِ عَزْلُهُ.
وَكَذَلِكَ إِذَا وَكَّل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَكِيلاً بِالْخُصُومَةِ مَعَ الْمُدَّعِي بِالْتِمَاسِ الْمُدَّعِي فَعَزَلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمُدَّعِي لاَ يَنْعَزِل.
وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَنْ وَكَّل رَجُلاً بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ إِنْ غَابَ، ثُمَّ عَزَلَهُ الزَّوْجُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ غَابَ، قَال بَعْضُهُمْ: لاَ يَصِحُّ عَزْلُهُ، لأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْوَكَالَةِ حَقُّ الْمَرْأَةِ فَأَشْبَهَ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ عَزْلُهُ لأَِنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الطَّلاَقِ وَلاَ عَلَى التَّوْكِيل بِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَيَمْلِكُ عَزْلَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْوَكَالاَتِ (402) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا قَال الْمُوَكِّل: عَزَلْتُ الْوَكِيل أَوْ رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ أَخْرَجْتُهُ عَنْهَا، فَيَنْعَزِلُ، سَوَاءٌ ابْتَدَأَ تَوْكِيلَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ بِسُؤَال الْخَصْمِ، بِأَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا أَنْ يُوَكِّل فِي الطَّلاَقِ أَوِ الْخُلْعِ، أَوْ سَأَل الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يُوَكِّل بِبَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ سَأَلَهُ خَصْمُهُ أَنْ يُوَكِّل فِي الْخُصُومَةِ (403) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمُوَكِّل لَيْسَ لَهُ عَزْل وَكِيلِهِ إِذَا قَاعَدَ الْوَكِيل الْخَصْمَ ثَلاَثًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّوْكِيل لِعُذْرٍ أَمْ لاَ (404) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَلاَّ تَقَعَ الْوَكَالَةُ عَلَى وَجْهِ الإِْجَارَةِ:
174 - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِصِحَّةِ عَزْل الْمُوَكِّل وَكِيلَهُ أَنْ لاَ تَكُونَ الْوَكَالَةُ قَدْ وَقَعَتْ عَلَى سَبِيل الإِْجَارَةِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى سَبِيل الإِْجَارَةِ فَهِيَ لاَزِمَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. أَمَّا إِذَا وَقَعَتِ الْوَكَالَةُ عَلَى سَبِيل الْجَعَالَةِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي لُزُومِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ وَعَدَمِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (فَقْرَةِ 30) .
أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْوَكَالَةُ عَلَى سَبِيل الإِْجَارَةِ أَوِ الْجَعَالَةِ فَيَرَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا لاَزِمَةٌ مِنْ جَانِبِ الْوَكِيل فَقَطْ، خِلاَفًا لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَبَق تَفْصِيلُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ صِفَةِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ (405) . الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَلاَّ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْعَزْل مَفْسَدَةٌ:
175 - قَال الشَّرَوَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ عَلِمَ الْمُوَكِّل أَنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَزْل مَفْسَدَةٌ، كَمَا لَوْ وَكَّل فِي مَال الْمُوَلَّى عَلَيْهِ حَيْثُ جَوَّزْنَاهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا عَزَل الْوَكِيل اسْتَوْلَى عَلَى مَال الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ظَالِمٌ، أَوْ وَكَّل فِي شِرَاءِ مَاءٍ لِطُهْرِهِ، أَوْ ثَوْبٍ لِلسَّتْرِ بِهِ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ، أَوْ شِرَاءِ ثَوْبٍ لِدَفْعِ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ اللَّذَيْنِ يَحْصُل بِسَبَبِهِمَا عِنْدَ عَدَمِ السَّتْرِ مَحْذُورٌ، تَيَمَّمَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا عَزَل الْوَكِيل لاَ يَتَيَسَّرُ لَهُ ذَلِكَ، فَيَحْرُمُ الْعَزْل وَلاَ يَنْفُذُ (406) .
عِلْمُ الْمُوَكِّل بِعَزْل الْوَكِيل نَفْسَهُ:
176 - لَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عِلْمَ الْمُوَكِّل بِعَزْل الْوَكِيل نَفْسَهُ مِنَ الْوَكَالَةِ، لأَِنَّ فَسْخَ عَقْدِ الْوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَحْتَاجُ لِلرِّضَا فِيهِ، وَمَا لاَ يَحْتَاجُ لِلرِّضَا فِيهِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ فِيهِ كَذَلِكَ.
وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَزْل الْوَكِيل لِنَفْسِهِ عِلْمُ الْمُوَكِّل بِالْعَزْل (407) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ الْوَكِيل أَنَّهُ لَوْ عَزَل نَفْسَهُ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ اسْتَوْلَى عَلَى الْمَال جَائِرٌ حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَزْل عَلَى الأَْوْجَهِ كَالْمُوصِي، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ (408) .
ثَانِيًا: الْوَفَاةُ:
177 - تَبْطُل الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَوْتَ مُبْطِلٌ لأَِهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل بَطَلَتْ أَهْلِيَّتُهُ بِالْمَوْتِ فَتَبْطُل الْوَكَالَةُ.
وَلأَِنَّ الْوَكِيل نَائِبٌ عَنِ الْمُوَكِّل فِي مَالِهِ، وَقَدِ انْتَقَل هَذَا الْمَال بِالْوَفَاةِ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَلاَ يَلْزَمُهُمْ مَا بَاعَ أَوِ اشْتَرَى (409) .
عِلْمُ الْوَكِيل بِمَوْتِ الْمُوَكِّل:
178 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيل بِمَوْتِ الْمُوَكِّل حَتَّى تَبْطُل الْوَكَالَةُ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّل حَتَّى يَصِحَّ الْعَزْلُ، لأَِنَّهُ لَوِ انْعَزَل قَبْل عِلْمِهِ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، لأَِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَتَى تَصَرَّفَ قَبْل عِلْمِهِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ (410) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُتَعَاقِدُ مَعَ الْوَكِيل حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهَا الْمُوَكِّلُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَتَعَاقَدُ مَعَ وَكِيلٍ بِأَنْ أَعْلَمَهُ الْوَكِيل بِذَلِكَ، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَزِل إِلاَّ إِذَا عَلِمَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ لِصِحَّةِ الْعَزْلِ، وَلَكِنَّ الأَْوَّل هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُتَعَاقِدُ مَوْجُودًا بِالْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْمُوَكِّلُ، أَوْ كَانَ مَوْجُودًا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِالْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَزِل الْوَكِيل إِلاَّ إِذَا عَلِمَ بِوَفَاةِ مُوَكِّلِهِ (411) .
ثَالِثًا: الْجُنُونُ:
179 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ طُرُوءِ الْجُنُونِ عَلَى الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِالْجُنُونِ الْمُطْبَقِ، سَوَاءٌ طَرَأَ عَلَى الْوَكِيل أَوِ الْمُوَكِّل.
وَإِذَا جُنَّ الْوَكِيل أَوِ الْمُوَكِّل جُنُونًا مُطْبَقًا ثُمَّ أَفَاقَ لاَ تَعُودُ الْوَكَالَةُ.
وَحَدُّ الْجُنُونِ الْمُطْبَقِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِيهِ:
فَحَدَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِمَا يَسْتَوْعِبُ الشَّهْرَ وَبِهِ يُفْتِي، وَعَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِسُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِهِ، فَقُدِّرَ بِهِ احْتِيَاطًا، وَقِيل: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَلِكَ. وَوَجْهُ قَوْل أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشَّهْرَ أَدْنَى مَا يَسْقُطُ بِهِ عِبَادَةُ الصَّوْمِ فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ أَوْلَى، أَمَّا وَجْهُ حَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلِسُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِهِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا كَمَا ذَكَرْنَا.
وَحَدَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِمَا يَسْتَوْعِبُ السَّنَةَ، لأَِنَّ الْمُسْتَوْعِبَ لِلسَّنَةِ هُوَ الْمُسْقِطُ لِلْعِبَادَاتِ كُلِّهَا فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ أَوْلَى.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِالْجُنُونِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمُمْتَدِّ وَغَيْرِهِ.
قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: يَنْعَزِل الْوَكِيل بِخُرُوجِ الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ وَإِنْ زَال عَنْ قُرْبٍ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَنْعَزِل الْوَكِيل بِجِنُونِهِ أَوْ جِنُونِ مُوَكِّلِهِ إِلاَّ أَنْ يَطُولجُنُونُ مُوَكِّلِهِ جِدًّا فَيَنْظُرَ لَهُ الْحَاكِمُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ: لاَ يَنْعَزِل الْوَكِيل بِجِنُونٍ لاَ يَمْتَدُّ بِحَيْثُ تَتَعَطَّل الْمُهِمَّاتُ وَيَخْرُجُ إِلَى نَصْبِ قَوَّامٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَرَدَ بِلَفْظِ قِيل: إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِالْجُنُونِ (412) .
رَابِعًا: الإِْغْمَاء:
180 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ الإِْغْمَاءِ عَلَى الْوَكَالَةِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِالإِْغْمَاءِ، لأَِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الإِْنْسَانُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ (413) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِإِغْمَاءِ الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيلِ، إِلْحَاقًا لَهُ بِالْجُنُونِ، لأَِنَّ الإِْغْمَاءَ يَجْعَل الإِْنْسَانَ غَيْرَ أَهْلٍ لِلْقِيَامِ بِالتَّصَرُّفَاتِ، فَتَبْطُل بِهِ الْوَكَالَةُ لِذَلِكَ (414) .
خَامِسًا: الْحَجْرُ:
181 - الْحَجْرُ مِنْ أَسْبَابِ بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَلِلْفُقَهَاءِ مَنَاهِجُ مُخْتَلِفَةٌ فِي بَيَانِ آثَارِ الْحَجْرِ عَلَى الْوَكَالَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل يُبْطِل الْوَكَالَةَ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ وَكَّل إِنْسَانًا فَحَجَرَ عَلَيْهِ بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ، لأَِنَّ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ أَمْرِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَال فَيَبْطُل الأَْمْرُ فَتَبْطُل الْوَكَالَةُ.
وَخَصَّصَ الْحَنَفِيَّةُ بُطْلاَنَ الْوَكَالَةِ بِالْحَجْرِ عَلَى الْمُوَكِّل إِذَا كَانَ الْوَكِيل وَكِيلاً فِي الْعُقُودِ وَالْخُصُومَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَ وَكِيلاً فِي قَضَاءِ دَيْنٍ وَاقْتِضَائِهِ وَقَبْضِ وَدِيعَتِهِ فَلاَ يَنْعَزِل بِالْحَجْرِ.
وَقَالُوا: تَبْطُل وَكَالَةُ الوَكِيل بِالْحَجْرِ، عَلِمَ الْوَكِيل بِالْحَجْرِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ (415)
َصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِالْحَجْرِ لِسَفَهٍ، سَوَاءٌ طَرَأَ عَلَى الْوَكِيل أَوْ عَلَى الْمُوَكِّلِ، لأَِنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى الْعَقْل وَعَدَمِ الْحَجْرِ، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ انْتَفَتْ صِحَّتُهُ لاِنْتِفَاءِ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ.
وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِبُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ حَيْثُ كَانَتْ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي اعْتُبِرَ لَهَا الرُّشْدُ، بِأَنْ كَانَتْ فِي شَيْءٍ لاَ يَتَصَرَّفُ فِي مِثْلِهِ السَّفِيهُ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ يَتَصَرَّفُ فِي مِثْلِهِ السَّفِيهُ بِدُونِ إِذْنٍ، أَوْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ فِي طَلاَقٍ أَوْ رَجْعَةٍ أَوْ فِي تَمَلُّكٍ مُبَاحٍ كَاسْتِقَاءِ مَاءٍ أَوِ احْتِطَابٍ، وَالَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ الْمُوَكِّل فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَلاَ تَنْفَسِخُ (416) .
وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِفَلَسِ الْمُوَكِّل فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ كَالتَّصَرُّفِ فِي عَيْنِ مَالِهِ لاِنْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي تَصَرُّفٍ فِي الذِّمَّةِ (417) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ حَجَرَ عَلَى الْوَكِيل لِفَلَسٍ فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا، لأَِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلاً لِلتَّصَرُّفِ.
وَإِنْ حَجَرَ عَلَى الْمُوَكِّل وَكَانَتِ الْوَكَالَةُ بِأَعْيَانِ مَالِهِ بَطَلَتْ لاِنْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِي أَعْيَانِ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَتْ فِي الْخُصُومَةِ أَوِ الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ أَوِ الطَّلاَقِ أَوِ الْخُلْعِ أَوِ الْقِصَاصِ فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا، لأَِنَّ الْمُوَكِّل أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ، فَلاَ تَنْقَطِعُ الاِسْتِدَامَةُ (418) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِالْحَجْرِ عَلَى الْوَكِيل أَوْ عَلَى الْمُوَكِّل بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ فِي كُل تَصَرُّفٍ لاَ يَنْفُذُ مِنْهُمَا. وَاعْتَبَرُوا الْحَجْرَ فِي كِلاَ الْحَالَيْنِ فِي مَعْنَى الْجُنُونِ (419) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِفَلَسِ الْمُوَكِّل الأَْخَصِّ، لاِنْتِقَال الْمَال لِلْغُرَمَاءِ. (420)
وَالْمُرَادُ بِالْفَلَسِ الأَْخَصِّ: هُوَ حُكْمُ الْحَاكِمُ بِخَلْعِ مَا بِيَدِ الْمُفْلِسِ لِغُرَمَائِهِ بِشُرُوطِهِ، بِأَنْ يَطْلُبَ الْغُرَمَاءُ تَفْلِيسَ الْمَدِينِ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ حَالًّا، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّيْنُ الْحَال يَزِيدُ عَلَى مَا بِيَدِ الْمَدِينِ مِنَ الْمَال.
وَالْفَلَسُ الأَْخَصُّ يَخْتَلِفُ عَنِ الْفَلَسِ الأَْعَمِّ الَّذِي هُوَ مَنْعُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ وَلَوْ مُؤَجَّلاً - بِمَالِهِ مِنْ تَبَرُّعِهِ بِعِتْقٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ حِمَالَةٍ (421) .
وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِفَلَسِ الْمُوَكِّل الأَْعَمِّ (422) . سَادِسًا: الرِّدَّةُ:
182 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِرِدَّةِ الْوَكِيل أَوِ الْمُوَكِّل.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ إِذَا حُكِمَ بِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، سَوَاءٌ كَانَ مُوَكِّلاً أَوْ وَكِيلاً، بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ، ثُمَّ لاَ تَعُودُ بِعَوْدِهِ مُسْلِمًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ: أَنَّ الْوَكِيل إِنْ عَادَ مُسْلِمًا بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا وَالْقَضَاءِ بِهِ، تَعُودُ الْوَكَالَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلاَ تَعُودُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَلَوْ عَادَ الْمُوَكِّل مُسْلِمًا بَعْدَ اللُّحُوقِ وَالْقَضَاءِ بِه لاَ تَعُودُ الْوَكَالَةُ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايِةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَعُودُ كَمَا فِي الْوَكِيل.
أَمَّا تَصَرُّفَاتُ الْمُرْتَدِّ قَبْل لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمِنْهَا الْوَكَالَةُ، فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ، وَإِنْ قُتِل أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ.
وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ نَافِذَةٌ، فَلاَ تَبْطُل وَكَالَتُهُ إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ، أَوْ يُقْتَل عَلَى رِدَّتِهِ، أَوْ يُحْكَمَ بِلِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ (423) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَنْعَزِل الْوَكِيل بِرِدَّتِهِ أَيَّامَ الاِسْتِتَابَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ فَإِنْ قُتِل فَوَاضِحٌ، وَإِنْ أُخِّرَ لِمَانِعٍ كَالْحَمْل فَقَدْ تَرَدَّدَ الْعُلَمَاءُ فِي عَزْلِهِ، وَكَذَا يَنْعَزِل الْوَكِيل بِرِدَّةِ مُوَكِّلِهِ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ الاِسْتِتَابَةِ وَلَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يُقْتَل لِمَانِعٍ (424) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ عَزْل الْوَكِيل بِرِدَّةِ الْمُوَكِّل يَنْبَنِي عَلَى الْخِلاَفِ الْجَارِي فِي زَوَال مِلْكِ الْمُوَكِّل الْمُرْتَدِّ عَنْ مِلْكِهِ (425) .
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي زَوَال مِلْكِ الْمُرْتَدِّ عَنْ مَالِهِ أَقْوَالاً:
أَحَدُهَا: يَزُول مِلْكُ الْمُرْتَدِّ عَنْ مَالِهِ لِزَوَال عِصْمَةِ الإِْسْلاَمِ، وَقِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ. وَعَلَيْهِ يَنْعَزِل الْوَكِيل.
وَالثَّانِي: لاَ يَزُول مِلْكُ الْمُرْتَدِّ عَنْ مَالِهِ كَالزَّانِي الْمُحْصِنِ فَلا يَنْعَزِل.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ أَظْهَرُ الأَْقْوَال: أَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا بَانَ زَوَالُهُ بِالرِّدَّةِ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ، لأَِنَّ بُطْلاَنَ أَعْمَالِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَوْتِهِ مُرْتَدًّا فَكَذَا مِلْكُهُ، فَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْوَكِيل مَوْقُوفًا.
وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَطَعَ بِاسْتِمْرَارِ مِلْكِهِ، وَجَعَل الْخِلاَفَ فِي أَنَّهُ هَل يَصِيرُ بِالرِّدَّةِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ؟ (426) . وَقَالُوا: رِدَّةُ الْوَكِيل لاَ تُوجِبُ انْعِزَالَهُ، وَعَلَيْهِ فَتَصِحُّ تَصَرُّفَاتُهُ فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ عَنِ الْمُوَكِّل (427) .
وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِرِدَّةِ الْوَكِيلِ، أَوْ رِدَّةِ الْمُوَكِّل. وَلَهُمْ رَأْيَانِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: لاَ تَبْطُل بِرِدَّةِ الْوَكِيل وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَذَا بِرِدَّةِ الْمُوَكِّل فِي الْوَجْهِ الثَّانِي عِنْدَهُمْ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُوَكِّل بَعْدَ رِدَّتِهِ.
وَالرَّأْيُ الثَّانِي: تَبْطُل بِرِدَّةِ الْوَكِيل وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْمَذْهَبِ، وَكَذَا بِرِدَّةِ الْمُوَكِّل وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَهَل يَنْعَزِل الْوَكِيل بِرِدَّةِ الْمُوَكِّل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؟ وَجْهَانِ فِي الْمَذْهَبِ أَصْلُهُمَا هَل يَنْقَطِعُ مِلْكُهُ وَتَصَرُّفُهُ أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا.
كَمَا أَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ الْخِلاَفَ فِي بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ إِذَا وَكَّلَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل مَعًا.
قَال الْمِرْدَاوِيُّ: إِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُعْطَى حُكْمَهُ لَوِ انْفَرَدَ بِالاِرْتِدَادِ (428) .
(ر: رِدَّة ف43) . سَابِعًا: الْفِسْقُ:
183 - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِفِسْقِ الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل التَّصَرُّفِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ فِيمَا يُنَافِيِه الْفِسْقُ فَحِينَئِذٍ تَبْطُل. فَالْوَكِيل بِالإِْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ إِذَا فَسَقَ انْعَزَل بِفِسْقِهِ، أَوْ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ، لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيِّةِ التَّصَرُّفِ. أَمَّا إِذَا كَانَ وَكِيلاً فِي الْقَبُول لِلْمُوَكِّل فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَزِل بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ. لأَِنَّهُ لاَ يُنَافِي جَوَازَ قَبْولِهِ. وَفِي عَزْلِهِ بِفِسْقِ نَفْسِهِ وَجْهَانِ عِنْدَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الأَْمَانَةُ، كَوَكِيل وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَوَلِيِّ الْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَنَحْوِ هَذَا، انْعَزَل بِفِسْقِ نَفْسِهِ وَفِسْقِ مُوَكِّلِهِ، لِخُرُوجِهِمَا بِذَلِكَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنَّ الْوَكِيل فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لاَ يَنْعَزِل بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً لِوَكِيل مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي مَال نَفْسِهِ انْعَزَل بِفِسْقِهِ. لأَِنَّ الْوَكِيل لَيْسَ لَهُ تَوْكُيل فَاسِقٍ، وَلاَ يَنْعَزِل بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ لأَِنَّ مُوَكِّلَهُ وَكِيلٌ لِرَبِّ الْمَال وَلاَ يُنَافِيِه الْفِسْقُ (429) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِفِسْقِ الْمُوَكِّل فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ السَّلاَمَةُ مِنَ الْفِسْقِ (430) .
ثَامِنًا: السُكْرُ:
184 - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَكِرَ الْوَكِيل أَوِ الْمُوَكِّل بِلاَ تَعَدٍّ (أَيْ بِمُبَاحٍ) انْعَزَل الْوَكِيل.
أَمَّا إِذَا سَكِرَ أَحَدُهُمَا بِتَعَدٍّ (أَيْ بِمُحَرَّمٍ) فَيُحْتَمَل أَنَّهُ يَنْعَزِل الْوَكِيل لِذَلِكَ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ، لأَِنَّ الْمُتَعَدِّيَ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّاحِي. (431)
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِالسُّكْرِ الَّذِي يُفَسَّقُ بِهِ فِي غَيْرِ مَا يُنَافِيهِ، لأَِنَّهُ لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وَأَمَّا مَا يُنَافِي الْفِسْقَ كَالإِْيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل فِيهِ بِالسُّكْرِ (432) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِالسُّكْرِ، سَوَاءٌ طَرَأَ عَلَى الْمُوَكِّل أَوْ عَلَى الْوَكِيلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ مُبَاحٍ أَوْ مِنْ مُحَرَّمٍ.
وَقَالُوا: الْوَكِيل بِالطَّلاَقِ صَاحِيًا إِذَا سَكِرَ فَطَلَّقَ لَمْ يَقَعْ، وَالْوَكِيل بِالْبَيْعِ لَوْ سَكِرَ فَبَاعَ لَمْ يَنْفُذْ عَلَى مُوَكِّلِهِ (433) .
تَاسِعًا: خُرُوجُ مَحَل التَّصَرُّفِ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّل:
185 - تَبْطُل الْوَكَالَةُ إِذَا تَصَرَّفَ الْمُوَكِّل بِنَفْسِهِ فِي مَحَل الْوَكَالَةِ تَصَرُّفًا يَعْجَزُ الْوَكِيل عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَهُ.
فَلَوْ وَكَّل شَخْصٌ شَخْصًا آخَرَ فِي أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً، وَلَكِنْ قَبْل أَنْ يَبِيعَهَا الْوَكِيل قَامَ الْمُوَكِّل بِبَيْعِهَا بِنَفْسِهِ، أَوِ اسْتُحِقَّتْ لِشَخْصٍ آخَرَ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، لأَِنَّ الْوَكِيل عَجَزَ عَنِ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ فِي مَحَل الْوَكَالَةِ، لِزَوَال مِلْكِ الْمُوَكِّل فَيَنْتَهِي حُكْمُ الْوَكَالَةِ. وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ فَتَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ (434) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ وَكَّل شَخْصًا عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ، ثُمَّ بَاعَهَا الْمُوَكِّل لِشَخْصٍ، وَبَاعَهَا الْوَكِيل لآِخَرَ، فَالأَْوَّل مِنَ الْبَيْعَتَيْنِ هُوَ اللاَّزِمُ، وَالثَّانِي بَيْعٌ فُضُولِيٌّ لاِنْتِقَال السِّلْعَةِ لِلْمُشْتَرِي الأَْوَّل بِالْبَيْعِ فِي كُل حَالٍ، إِلاَّ حَال تَلَبُّسِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِقَبْضِ السِّلْعَةِ مِنَ الْبَائِعِ الثَّانِي، فَيَمْضِي الْبَيْعُ الثَّانِي وَيُرَدُّ الْبَيْعُ الأَْوَّلُ، إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْبَائِعُ الثَّانِي وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ الْبَيْعَ الأَْوَّلَ، وَإِلاَّ فَهِيَ لِلأَْوَّل كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ (435) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِإِقْرَارِ الْوَكِيل عَلَى مُوَكِّلِهِ بِقَبْضِ شَيْءٍ وَكَّل الْوَكِيل فِي قَبْضِهِ أَوِ الْخُصُومَةَ فِيهِ لاِعْتِرَافِ الْوَكِيل بِذَهَابِ مَحَل الْوَكَالَةِ بِالْقَبْضِ (436) .
186 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَوْدَةِ الْوَكَالَةِ إِذَا عَادَ مَحَل التَّصَرُّفِ إِلَى الْمُوَكِّل.
فَقَال مُحَمَّدٌ: تَعُودُ، لأَِنَّ الْعَائِدَ بِالْفَسْخِ عَيْنُ الْمِلْكِ الأَْوَّل فَيَعُودُ بِحُقُوقِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ: لاَ تَعُودُ، لأَِنَّ تَصَرُّفَ الْمُوَكِّل نَفْسِهِ يَتَضَمَّنُ عَزْل الْوَكِيلِ، لأَِنَّهُ أَعْجَزَهُ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيمَا وَكَّلَهُ بِهِ، وَالْوَكِيل بَعْد عَزْلِهِ لاَ يَعُودُ وَكِيلاً إِلاَّ بِتَجْدِيدِ الْوَكَالَةِ.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْمُوَكِّل لَهُ وَعَادَ إِلَيْهِ مِلْكُهُ الْقَدِيمُ بِمَا هُوَ فَسْخٌ عَادَتِ الْوَكَالَةُ، أَمَّا إِنْ رَدَّ إِلَيْهِ لاَ يَكُونُ فَسْخًا، فَإِنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَعُودُ، فَلَوْ وَكَّل شَخْصٌ آخَرَ فِي هِبَةِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ وَهَبَهُ الْمُوَكِّل بِنَفْسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي هِبَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيل الْهِبَةُ (437) .
عَاشِرًا: تَعَدِّي الْوَكِيل فِيمَا وُكِّل فِيهِ:
187 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ
فِي بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِتَعَدِّي الْوَكِيل فِيمَا وُكِّل فِيهِ عَلَى آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِتَعَدِّي الْوَكِيل فِيمَا وُكِّل عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَكِيل إِذَا تَصَرَّفَ فَقَدْ تَصَرَّفَ بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَدَّ.
كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ يَتَضَمَّنُ أَمَانَةً وَتَصَرُّفًا، فَإِذَا تَعَدَّى الْوَكِيل فِيهِ بَطَلَتِ الأَْمَانَةُ، وَبَقِيَ التَّصَرُّفُ. كَالرَّهْنِ يَتَضَمَّنُ أَمَانَةً وَوَثِيقَةً، فَإِذَا تَعَدَّى فِيهِ بَطَلَتِ الأَْمَانَةُ وَبَقِيَتِ الْوَثِيقَةُ.
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَرَدَ بِلَفْظِ قِيل. إِلَى بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِالتَّعَدِّي مِنَ الْوَكِيلِ، لأَِنَّهَا عَقْدُ أَمَانَةٍ فَتَبْطُل بِالتَّعَدِّي كَالْوَدِيعَةِ (438) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ هَذَا الْخِلاَفَ يَجْرِي فِيمَا إِذَا كَانَ التَّعَدِّي بِالْفِعْلِ، بِأَنْ كَانَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ أَوْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا.
أَمَّا إِذَا كَانَ التَّعَدِّي بِالْقَوْل كَمَا لَوْ بَاعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ - وَلَوْ بِسَلَمٍ - فَلاَ تَبْطُل الْوَكَالَةُ جَزْمًا، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَعَدَّ فِيمَا وُكِّل فِيهِ.
وَقَال الْمِرْدَاوِيُّ بَعْدَ سَرْدِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ: مُلَخَّصُهُ: إِنْ أَتْلَفَ الْوَكِيل بِتَعَدِّيهِ عَيْنَ مَا وُكِّل فِيهِ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُ مَا تَعَدَّى فِيهِ بَاقِيَةً لَمْ تَبْطُل (439) .
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: تَفْسُدُ الْوَكَالَةُ فِي الأَْصَحِّ بِتَعَدِّي الْوَكِيل فِيمَا وُكِّل فِيهِ، وَبِهَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِيمَا جَاءَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.
وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ اسْتِئْمَانٍ، فَإِذَا زَال أَحَدُهُمَا لَمْ يَزُل الآْخَرُ.
قَال ابْنُ رَجَبٍ: ظَاهِرُ كَلاَمِ كَثِيرٍ مِنَ الأَْصْحَابِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنَ الْوَكِيل تَقْتَضِي فَسَادَ الْوَكَالَةِ لاَ بُطْلاَنَهَا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَيَصِيرُ مُتَصَرِّفًا بِمُجَرَّدِ الإِْذْنِ (440) . الْحَادِي عَشَرَ: إِنْكَارُ الْوَكَالَةِ:
188 - يَرَى الْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُل بِجُحُودِ الْوَكِيل أَوِ الْمُوَكِّل الْوَكَالَةَ، لأَِنَّ الْجُحُودَ مِنْهُمَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَدُل عَلَى دَفْعِ الإِْذْنِ السَّابِقِ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ثُمَّ قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلاَقًا.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ عَلَيْهِ الْفَتْوَى - وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ - إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِالْجُحُودِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ إِنْكَارَ الْوَكِيل أَوِ الْمُوَكِّل الْوَكَالَةَ لِنِسْيَانٍ أَوْ لِغَرَضٍ فِي الإِْخْفَاءِ لَيْسَ بِعَزْلٍ، وَمَثَّلُوا لَهُ بِخَوْفِ أَخْذِ ظَالِمٍ الْمَال الْمُوَكَّل فِيهِ، فَإِنْ تَعَمَّدَ أَحَدُهُمَا إِنْكَارَ الْوَكَالَةِ وَلا غَرَضَ لَهُمَا انْعَزَل بِذَلِكَ، لأَِنَّ الْجَحْدَ حِينَئِذٍ رَدٌّ لِلْوَكَالَةِ. (441)
الثَّانِي عَشَرَ: تَلَفُ مَا تَعَلَّقَتِ الْوَكَالَةُ بِهِ:
189 - تَبْطُل الْوَكَالَةُ بِتَلَفِ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ. فَلَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ الَّتِي وُكِّل فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ أَوِ بِغَيْرِهِ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ. وَكَذَلِكَ تَبْطُل الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمَرْأَةِ الْمُوَكَّل بِطَلاَقِهَا، لِهَلاَكِ مَحَل الْوَكَالَةِ. فَالتَّصَرُّفُ فِي الْمَحَل لاَ يُتَصَوَّرُ بَعْدَ هَلاَكِهِ، وَالْوَكَالَةُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَا لاَ يَحْتَمِل التَّصَرُّفَ مُحَالٌ فَبَطَل (442) .
الثَّالِثَ عَشَرَ: افْتِرَاقُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ:
190 - إِذَا وَكَّل الشَّرِيكَانِ شَخْصًا فَافْتَرَقَا أَوِ افْتَرَقَ أَحَدُهُمَا انْعَزَل الْوَكِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، لأَِنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ، وَلأَِنَّهُ وُكِّل مِنْ قِبَل الشَّرِكيَيْنِ لِغَرَضِ الشَّرِكَةِ، فَإِذَا تَفَرَّقَا بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ، فَبَطَل التَّوْكِيل الْحَاصِل بِسَبَبِهَا (443) .
الرَّابِعَ عَشَرَ: إِنْجَازُ التَّصَرُّفِ الْمُوَكَّل فِيهِ:
191 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَنْعَزِل الْوَكِيل بِلاَ عَزْلٍ بِنِهَايَةِ الشَّيْءِ الْمُوَكَّل فِيهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنٍ فَقَبَضَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ فَزَوَّجَهُ (444) . الْخَامِسَ عَشَرَ: الرُّجُوعُ عَنِ الْوَكَالَةِ دَلاَلَةً:
192 - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُل بِدَلاَلَةِ رُجُوعِ الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل.
وَمِنْ صُوَرِ رُجُوعِ الْمُوَكِّل دَلاَلَةً عَنِ التَّوْكِيل وَطْءُ الْمُوَكِّل زَوْجَةً وَكَّل فِي طَلاَقِهَا.
وَمِنْ صُوَرِ دَلاَلَةِ رُجُوعِ الْوَكِيل مَا إِذَا قَبِل الْوَكَالَةَ مِنْ مَالِكِ عَبْدٍ فِي عِتْقِهِ وَكَانَ قَدْ وَكَّلَهُ إِنْسَانٌ فِي شِرَائِهِ، فَإِنَّ قَبُول الْوَكَالَةِ فِي عِتْقِهِ يَدُل عَلَى رُجُوعِهِ عَنِ الْوَكَالَةِ الأُْولَى فِي شِرَائِهِ (445) .
__________
(1) لسان العرب والنهاية لابن الاثير.
(2) حديث: " لا تكلني إلى نفسي طرفة عين " أخرجه أحمد (5 / 42) من حديث أبي بكرة.
(3) حاشية ابن عابدين 4 / 400، واللباب شرح الكتاب 2 / 138.
(4) مواهب الجليل 5 / 181 وجواهر الإكليل شرح مختصر خليل 2 / 125.
(5) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 5 / 14، مغني المحتاج 2 / 217، حاشية الجمل على شرح المنهج 2 / 400.
(6) كشاف القناع 3 / 461 وانظر الإنصاف 5 / 353.
(7) المعجم الوسيط، والمصباح المنير ولسان العرب.
(8) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 17و3 / 377، وقواعد الفقه للبركتي ص 519.
(9) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 377.
(10) لسان العرب، والقاموس المحيط.
(11) حاشية ابن عابدين 2 / 296 ط بولاق.
(12) المعجم الوسيط وتهذيب الأسماء واللغات.
(13) فتاوى قاضيخان 3 / 513 بهامش الفتاوى الهندية، ومغني المحتاج 3 / 73.
(14) المعجم الوسيط.
(15) بدائع الصنائع 4 / 16، ابن عابدين 3 / 431، الفتاوى الهندية 6 / 214، القليوبي 3 / 177، تفسير القرطبي 5 / 169.
(16) حاشية ابن عابدين 5 / 509، وتبيين الحقائق 4 / 254، وتكملة فتح القدير 8 / 3، وحاشية الدسوقي 3 / 339، ونهاية المحتاج 5 / 15، والمغنى لابن قدامة 5 / 201.
(17) سورة الكهف / 19
(18) المغني 5 / 87 وتكملة فتح القدير 8 / 3 ـ 4.
(19) سورة النساء / 35
(20) تفسير ابن كثير 1 / 493، ومغني المحتاج 2 / 217و3 / 261.
(21) حديث عروة بن أبي الجعد " أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً. . " أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 632 ـ ط السلفية) .
(22) تكملة فتح القدير 8 / 4 ونيل الأوطار للشوكاني 6 / 5، ومغني المحتاج 2 / 217 والمغني 5 / 87.
(23) حديث حكيم بن حزام " أن النبي ﷺ بعثه. . . " أخرجه الترمذي (3 / 549) وأعله بالانقطاع بين حكيم بن حزام والراوي عنه.
(24) تكملة فتح القدير 8 / 4، ونيل الأوطار للشوكاني 6 / 5 ـ 6.
(25) حديث جابر بن عبد الله: " أردت الخروج إلى خيبر. . " أخرجه أبو داود (4 / 47 ـ 48) ، وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص (3 / 51) .
(26) المغني لابن قدامة 5 / 87.
(27) حديث أبي رافع " تزوج رسول الله ﷺ ميمونة. . " أخرجه الترمذي (3 / 19) وقال حديث حسن.
(28) تكملة فتح القدير 8 / 4، والمغني 5 / 87، ومغني المحتاج 2 / 217 ونيل الأوطار 6 / 3.
(29) تكملة فتح القدير 8 / 4، والمغني 5 / 87، ومغني المحتاج 2 / 217.
(30) المغني 5 / 87، ومغني المحتاج 2 / 217.
(31) تكملة فتح القدير 8 / 5.
(32) سورة الحج / 78.
(33) بدائع الصنائع 6 / 20، والشرح الصغير 2 / 3، ونهاية المحتاج 5 / 16، وشرح منتهى الإرادات 2 / 141، وكشاف القناع 3 / 461.
(34) بدائع الصنائع 6 / 20، والشرح الصغير 2 / 3، ونهاية المحتاج 5 / 16، وشرح منتهى الإرادات 2 / 141، وكشاف القناع 3 / 461.
(35) البحر الرائق 7 / 54، ونهاية المحتاج 5 / 27، والمغني 5 / 8، وشرح منتهى الإرادات 2 / 461، وحاشية الدسوقي 3 / 380، والخرشي 6 / 70.
(36) سورة الكهف / 19
(37) المغني مع الشرح الكبير 5 / 209.
(38) نهاية المحتاج 5 / 27، ومغني المحتاج 2 / 22.
(39) الفتاوى الهندية 3 / 564 ـ 565، وبدائع الصنائع 6 / 20، ونهاية المحتاج 5 / 27، والحاوي للمارودي 8 / 187، وكشاف القناع 3 / 461، والإنصاف 5 / 353، وشرح الخرشي 6 / 70.
(40) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 527، والإنصاف 5 / 353، وروضة الطالبين 4 / 300، والخرشي 6 / 70.
(41) تكملة فتح القدير 8 / 4، والفتاوى الهندية 3 / 564 ـ 565.
(42) الحاوي للماوردي 8 / 186 ـ 187، ومغني المحتاج 2 / 222.
(43) شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر 3 / 527، والخرشي 6 / 70، ومغني المحتاج 2 / 223، وروضة الطالبين 4 / 300.
(44) شرح المجلة لعلي حيدر 3 / 527، وانظر الفتاوى الهندية 3 / 561، وحاشية ابن عابدين 4 / 399.
(45) درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر 3 / 527، نشر مكتبة النهضة، والشرح الصغير 3 / 505، ومغني المحتاج 2 / 223، ومطالب أولي النهى 3 / 429، وروضة الطالبين 4 / 300.
(46) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 343، وما بعدها وتنقيح الفتاوى الحامدية 1 / 346، ومواهب الجليل 5 / 190، وروضة الطالبين 8 / 39، وما بعدها، وإعانة الطالبين 3 / 87.
(47) مطالب أولي النهى 3 / 429، والمبدع 4 / 355.
(48) الفروع 4 / 340 ط عالم الكتب، وكشاف القناع 3 / 461.
(49) الخرشي 6 / 70.
(50) الشرح الصغير 3 / 505 ـ 506، وحاشية الدسوقي 3 / 380، ومواهب الجليل 5 / 191.
(51) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 154 ـ 155، وللسيوطي ص142، وحاشية الحموي على الاشباه 1 / 184، والمنثور في القواعد 2 / 205، ومغني المحتاج 2 / 15 / 100.
(52) شرح المجلة لعلي حيدر 3 / 526 ـ 527، المادة (1451) ، ومواهب الجليل 5 / 190، ومغني المحتاج 2 / 222، وإعانة الطالبين 3 / 87، وكشاف القناع 3 / 461 ـ 462.
(53) شرح المجلة لعلي حيدر 3 / 529، والفتاوى الهندية 3 / 560، ومغني المحتاج 2 / 223، وروضة الطالبين 4 / 300.
(54) شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر 3 / 528، والفتاوى الهندية 3 / 560، والمغني لابن قدامة 5 / 93، ومواهب الجليل 5 / 190، وكشاف القناع 3 / 461 ـ 462، والخرشي 6 / 70، وأسنى المطالب 2 / 266، وروضة الطالبين 4 / 300، ومغني المحتاج 2 / 222.
(55) روضة الطالبين 4 / 300، والإنصاف 5 / 354، وروضة القضاة للسمناني 2 / 140.
(56) روضة الطالبين 4 / 300، ومغني المحتاج 2 / 222.
(57) شرح المجلة لمحمد خالد الأتاسي 1 / 190 المادة (69) ، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 339، والأشباه والنظائر للسيوطي 308 ـ 309، وروضة الطالبين 4 / 300، والإنصاف 5 / 354، ومطالب أولي النهى 3 / 429.
(58) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 343، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 213، ومواهب الجليل 4 / 229، والمغني 3 / 566.
(59) حاشية ابن عابدين 3 / 445، والأشباه والنظائر لأبن نجيم ص 154.
(60) روضة القضاة للسمناني 2 / 641، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 678 ـ 679، ومواهب الجليل 5 / 190 ـ 191، والحاوي للماوردي 8 / 189، والمهذب 1 / 357، وكشاف القناع 3 / 462، والمغني 5 / 93.
(61) عقد الجواهر الثمينة 2 / 679، والحاوي 8 / 189، والمهذب 1 / 357.
(62) عقد الجواهر الثمينة 2 / 679، ومواهب الجليل 5 / 191.
(63) مجلة الأحكام العدلية المادة (1456) .
(64) قواعد الفقه للبركتي ص 238.
(65) الدر المختار 2 / 492.
(66) شرح المجلة لعلي حيدر 3 / 534 ـ 535.
(67) مطالب أولي النهى 3 / 428، وبدائع الصنائع 6 / 20، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 534 ـ 535، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج 3 / 55، والذخيرة 8 / 5.
(68) حديث عبد الله بن عمر: " أمّر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة. . .: أخرجه البخاري (فتح الباري 7 / 510) .
(69) بدائع الصنائع 6 / 20، وروضة القضاة للسمناني 2 / 643، والمغني 5 / 93 ط الرياض، ومطالب أولي النهى 3 / 428 ـ 429، والإنصاف 5 / 355، ومغني المحتاج 2 / 223، والوسيط في المذهب للغزالي 3 / 284 ط دار السلام.
(70) مغني المحتاج 2 / 223، والوسيط في المذهب للغزالي 3 / 284، والحاوي للماوردي 8 / 190، والإنصاف 5 / 355.
(71) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 535، وحاشية ابن عابدين 4 / 416، وكشاف القناع 3 / 468.
(72) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 535، وحاشية ابن عابدين 4 / 416، وتبيين الحقائق 6 / 224، وكشاف القناع 3 / 468، والإنصاف 5 / 368، ومعونة أولي النهى 4 / 636.
(73) الإنصاف 5 / 368.
(74) روضة الطالبين 4 / 301 ـ 302، ومغني المحتاج 2 / 243، وتحفة المحتاج 5 / 312، والوسيط في المذهب للغزالي 3 / 284 ط دار السلام.
(75) مجلة الأحكام العدلية المادة (1456) ، وبدائع الصنائع 6 / 20.
(76) بدائع الصنائع 6 / 20، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 535، ومطالب أولي النهى 3 / 428 ـ 429.
(77) نهاية المحتاج 5 / 28، والحاوي للماوردي 8 / 190.
(78) الحاوي للماوردي 8 / 190، وكشاف القناع 3 / 462.
(79) بدائع الصنائع 6 / 20، ومطالب أولي النهى 3 / 428 ـ 429، وكشاف القناع 3 / 462، ونهاية المحتاج 5 / 28، والحاوي للماوردي 8 / 190.
(80) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 536.
(81) كشاف القناع 3 / 462، والإنصاف 5 / 355، وأسنى المطالب 1 / 267، وروضة الطالبين 4 / 302، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 83، وفتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية 3 / 5، وفتاوى الهندية 3 / 567، ومنحة الخالق على البحر الرائق 7 / 141.
(82) الفتاوى الهندية 3 / 567، والبحر الرائق 5 / 191، ومجموع فتاوى ابن تيمية 29 / 339.
(83) أسنى المطالب 2 / 269، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 377.
(84) المنثور في القواعد للزركشي 2 / 409 ـ 410.
(85) المنثور في القواعد للزركشي 1 / 116.
(86) الوسيط للغزالي 3 / 284.
(87) القواعد لابن رجب ص 65.
(88) القواعد لابن رجب ص 65.
(89) الوسيط للغزالي 3 / 284.
(90) الفتاوى الهندية 3 / 567 وابن عابدين4 / 416، والشرح الصغير 3 / 523، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 688، وروضة الطالبين 4 / 332، ومغني المحتاج 2 / 231 ـ 232، وكشاف القناع 3 / 468، والإنصاف 5 / 368، والمبدع 4 / 362، ودرر الحكام 3 / 528.
(91) ابن عابدين 4 / 416، ومواهب الجليل 5 / 188، ودرر الحكام 3 / 658 ـ 659.
(92) ابن عابدين4 / 416، ودرر الحكام 3 / 658 - 659.
(93) الشرح الكبير 3 / 379 والخرشي 6 / 69.
(94) مغني المحتاج 2 / 231 - 232.
(95) درر الحكام شرح مجلة الأحكام3 / 528، وحاشية ابن عابدين 4 / 416 والفتاوى الهندية 3 / 567.
(96) حاشية ابن عابدين 3 / 416 ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 528.
(97) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 528.
(98) عقد الجواهر الثمينة 2 / 688، وروضة الطالبين 4 / 332.
(99) عقد الجواهر الثمينة 2 / 688.
(100) المرجع السابق.
(101) عقد الجواهر الثمينة 2 / 688 والشرح الصغير مع حاشية الصاوي 3 / 523.
(102) عقد الجواهر الثمينة 2 / 688 والشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه 3 / 523 طبعة دار المعارف.
(103) تكملة فتح القدير 8 / 6، وانظر حاشية ابن عابدين 4 / 400، والبحر الرائق 7 / 140، والفتاوى الهندية ج3 ص561، والإنصاف 5 / 355، وكشاف القناع 3 / 462، ومغني المحتاج 2 / 217، ومواهب الجليل5 / 118، ونهاية المحتاج ج5 ص16، المغني مع الشرح الكبير 5 / 202.
(104) حاشية ابن عابدين 4 / 400، والبدائع 6 / 20، والفتاوى الهندية 3 / 561، ونهاية المحتاج 5 / 16، والمغني 5 / 202.
(105) الفتاوى الهندية 3 / 561، وكشاف القناع 3 / 463، والإنصاف 5 / 355، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي3 / 384، ومغني المحتاج 2 / 217.
(106) نهاية المحتاج 5 / 15، وحاشية الجمل 3 / 403، المغني 5 / 808، ومغني المحتاج 2 / 217، والبحر الرائق 7 / 149، والمبدع 4 / 356.
(107) بداية المجتهد 2 / 10، ونهاية المحتاج 6 / 219 - 220، والمغني 7 / 337، والبدائع 2 / 247.
(108) ابن عابدين 4 / 400، والبدائع 7 / 20، والخرشي 8 / 66، جواهر الإكليل 2 / 279، وحاشية الشبراملسي، ونهاية المحتاج 5 / 17، وروضة الطالبين 4 / 299.
(109) تبيين الحقائق 4 / 254، وحاشية ابن عابدين 4 / 400 ط بولاق، ومطالب أولي النهى 3 / 434، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 678، ومغني المحتاج 2 / 11، 217 - 218، والإنصاف 3 / 434.
(110) المراجع السابقة.
(111) مطالب أولي النهى 3 / 430، كشاف القناع 3 / 462، الإنصاف 5 / 355.
(112) المغني 5 / 88.
(113) البدائع 6 / 20، والبحر الرائق 7 / 142، وكشاف القناع 3 / 463، والإنصاف 5 / 355.
(114) البدائع 7 / 3447، وتبيين الحقائق 4 / 254، وتكملة فتح القدير 8 / 14
(115) كشاف القناع 3 / 463، والإنصاف 5 / 355، والمغني 5 / 88.
(116) البدائع 6 / 20.
(117) حديث أن رسول الله ﷺ " خطب أم سلمة. . . " أخرجه النسائي (6 / 81 ـ 82) .
(118) حاشية الجمل 3 / 403.
(119) نهاية المحتاج 5 / 18، وتحفة المحتاج 5 / 297، ومطالب أولي النهى 3 / 429 - 430، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص251، وحاشية الدسوقي 3 / 378، وروضة القضاة للسمناني 2 / 641.
(120) الفتاوى الهندية 3 / 562 ـ 563.
(121) بدائع الصنائع 7 / 3448.
(122) كشاف القناع 3 / 462 طبعة دار الفكر، وشرح المنتهى 2 / 185 طبعة عالم الكتب، والمغني لابن قدامة 5 / 145.
(123) حاشية الجمل 3 / 32 مغني المحتاج 2 / 15.
(124) نهاية المحتاج 5 / 23 وما بعدها - ومغني المحتاج 2 / 217 ـ 219 وما بعدها.
(125) فتح القدير 7 / 501، والبحر الرائق7 / 140، الفتاوى الهندية 3 / 565، وابن عابدين 4 / 399 - 400، وبداية المجتهد 2 / 272.
(126) حاشية ابن عابدين 4 / 399 - 400، وفتح القدير 7 / 500 - 501.
(127) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 380
(128) نهاية المحتاج 5 / 25، والمهذب 1 / 350، والمغني 5 / 211 - 212.
(129) نهاية المحتاج 5 / 25، والمغني 5 / 211 ـ 212، وشرح المنتهى 2 / 302.
(130) الهداية مع فتح القدير 7 / 501، وابن عابدين 4 / 401، والبحر الرائق7 / 140، بداية المجتهد2 / 329، وشرح الخرشي4 / 285، ونهاية المحتاج5 / 21، والمغني5 / 87، وحاشية الدسوقي3 / 377، ومغني المحتاج2 / 219.
(131) البدائع 6 / 21، والبحر الرائق7 / 140، والفتاوى الهندية3 / 564، وحاشية الدسوقي3 / 377، وجواهر الإكليل2 / 125، والتاج والإكليل5 / 181، ومواهب الجليل5 / 182، ونهاية المحتاج5 / 22 - 25، والمغني5 / 88 - 89، ومغني المحتاج2 / 220، وروضة القضاة للسمناني2 / 634.
(132) حديث: توكيله ﷺ عروة البارقي في شراء الشاة. . تقدم تخريجه ف 6
(133) حديث: دفعه ﷺ ديناراً إلى حكيم بن حزام. . تقدم تخريجه ف 6.
(134) البدائع6 / 21، والفتاوى الهندية3 / 564، وحاشية الدسوقي3 / 377، وجواهر الإكليل2 / 125، ونهاية المحتاج5 / 23، وكشاف القناع3 / 461، والمغني مع الشرح الكبير5 / 203، ومغني المحتاج2 / 222، وروضة القضاة للسمناني2 / 634.
(135) المراجع السابقة.
(136) حديث: توكيل النبي ﷺ عمرو بن أمية في قبول النكاح له أخرجه البيهقي في السنن (7 / 139) من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلاً. وحديث توكيل النبي ﷺ أبا رافع في قبول النكاح له. أخرجه الترمذي (3 / 191) وقال: حديث حسن.
(137) البدائع 6 / 21، والفتاوى الهندية3 / 564، وحاشية الدسوقي3 / 377، وبداية المجتهد2 / 349، وشرح الخرشي 6 / 68، وجواهر الإكليل2 / 125، ونهاية المحتاج5 / 23، والمغني5 / 204، ومغني المحتاج 2 / 220.
(138) حديث: " تزوج النبي ﷺ أم حبيبة وهي يومئذ في أرض الحبشة ". أخرجه أبو داود (2 / 583) .
(139) المراجع السابقة، وكشاف القناع2 / 445.
(140) حديث: " أخبرهم أن الله قد فرض عليهم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 8 / 64) ، ومسلم (1 / 50) من حديث ابن عباس ﵄.
(141) البدائع6 / 21، وحاشية الدسوقي3 / 377، وجواهر الإكليل2 / 125، ونهاية المحتاج5 / 23، والمغني مع الشرح 5 / 204.
(142) نهاية المحتاج 5 / 22، والمغني مع الشرح الكبير5 / 205، وكشاف القناع3 / 461 - 464، ومغني المحتاج2 / 220، وتبيين الحقائق4 / 238، والفتاوى الهندية3 / 523، بدائع الصنائع3 / 239، والفروق للقرافي 4 / 26 ـ 27، وجواهر الإكليل 2 / 125، والإنصاف 5 / 358.
(143) روضة القضاة للسمناني 2 / 636، وجواهر الاكليل 2 / 125، والفروق للقرافي 4 / 26، ونهاية المحتاج 5 / 23، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 205، ومغني المحتاج 2 / 220، والإنصاف 5 / 358.
(144) الخرشي6 / 70، المغني5 / 205، ونهاية المحتاج5 / 23، ومغني المحتاج 2 / 220، وحاشية الدسوقي 3 / 380، وجواهر الإكليل 2 / 126.
(145) البدائع2 / 212، وابن عابدين2 / 238، والمجموع7 / 116، ونهاية المحتاج 5 / 22، القليوبي وعميرة 3 / 76، ومطالب أولي النهى 2 / 273.
(146) فتح القدير3 / 144ط دار الفكر، وبدائع الصنائع2 / 213، والشرح الصغير2 / 308 - 309ط الحلبي، ومغني المحتاج1 / 428 و2 / 219، والمغني لابن قدامة3 / 243ط الرياض.
(147) نهاية المحتاج5 / 23، مغني المحتاج2 / 220، جواهر الإكليل2 / 125، الإنصاف5 / 358، المغني مع الشرح الكبير5 / 205، روضة القضاة للسمناني2 / 636.
(148) الفتاوى الهندية 3 / 564، وروضة القضاة 2 - 635، ونهاية المحتاج 5 / 24، ومغني المحتاج 2 / 221، والإنصاف 5 / 357 ـ 358، وكشاف القناع 3 / 464، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 204، ومواهب الجليل5 / 181.
(149) حاشية الدسوقي3 / 379، وشرح الخرشي6 / 70، والبدائع 6 / 22، وروضة القضاة 2 / 639، ومطالب أولي النهى3 / 438، وحاشية الجمل3 / 404، ومغني المحتاج 2 / 221.
(150) نهاية المحتاج 5 / 25.
(151) البدائع 7 / 3452.
(152) قرة عيون الأخيار1 / 280.
(153) حاشية الدسوقي3 / 378، والخرشي6 / 69،77، ونهاية المحتاج 5 / 24، ومغني المحتاج2 / 222، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 205، ومطالب أولي النهى3 / 442، وحاشية ابن عابدين5 / 512، والبدائع6 / 22.
(154) المراجع السابقة، والهداية 7 / 507، والبحر الرائق7 / 143 - 144، والفتاوى الهندية 3 / 564.
(155) البدائع 6 / 22.
(156) بدائع الصنائع 6 / 22.
(157) بدائع الصنائع 7 / 3449 ـ 34450، وفتح القدير 6 / 105 ط ـ بولاق ـ بداية المجتهد، وابن رشد 2 / 302، ومغني المحتاج 2 / 221، ونهاية المحتاج 5 / 25، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 207، والمبدع 4 / 359، والإنصاف 5 / 361، وكشاف القناع 3 / 465 - 466، والمهذب 1 / 355.
(158) المراجع السابقة.
(159) حديث: " اغد يا أنيس إلى امرأة هذا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 12 / 160) ومسلم (3 / 1325) .
(160) الإنصاف 5 / 360، وكشاف القناع 3 / 465، وحاشية القليوبي وعميرة 2 / 339، والمهذب 1 / 356.
(161) حديث " أن النبي ﷺ أمر برجم ماعز. . . " أخرجه مسلم (3 / 1322) من حديث بريدة.
(162) أثر عثمان حين جلد الوليد بن عقبة. أخرجه مسلم (3 / 1331 ـ 1332 ط الحلبي) .
(163) الإنصاف 5 / 360، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 206، المهذب 1 / 356، ومغني المحتاج 2 / 221، جواهر الإكليل 2 / 125.
(164) البدائع 6 / 21 - 22، والفتاوى الهندية 3 / 564، والبحر الرائق 7 / 147.
(165) بدائع الصنائع 6 / 27، والبحر الرائق 7 / 166 - 167، ابن عابدين 4 / 406، والفتاوى الهندية 3 / 588.
(166) حاشية الدسوقي 3 / 382، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 254، والإنصاف 5 / 378 - 379، والمبدع 4 / 368، وحاشية الجمل 3 / 408، مغني المحتاج 2 / 223 - 224.
(167) الإنصاف 5 / 379 - 380، والمبدع 4 / 369، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 255 - 256، وحاشية الجمل 3 / 408 - 409، وحاشية الدسوقي 3 / 382 - 383، بدائع الصنائع 6 / 27، البحر الرائق 7 / 167.
(168) القوانين الفقهية ص333، والإنصاف 5 / 379، وبدائع الصنائع 6 / 27، وحاشية الجمل 3 / 408.
(169) المبدع 4 / 368، والإنصاف 5 / 378، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 254، وحاشية الجمل 3 / 408.
(170) المبدع 4 / 368، والإنصاف 5 / 378، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 254، وحاشية الجمل 3 / 408.
(171) حاشية ابن عابدين 4 / 406، والفتاوى الهندية 3 / 589، الإنصاف 5 / 375، المبدع 4 / 367 - 368، مطالب أولي النهى 3 / 463 - 464، عقد الجواهر الثمينة 2 / 681، القوانين الفقهية ص333، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 387، مغني المحتاج 2 / 224 - 225، تحفة المحتاج 5 / 318 - 319.
(172) الفتاوى الهندية 3 / 589، والبحر الرائق 7 / 166، وتبيين الحقائق 4 / 369 - 370.
(173) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 387 - 388، عقد الجواهر الثمينة 2 / 681.
(174) مغني المحتاج 2 / 224 - 225، وتحفة المحتاج 5 / 318 - 319.
(175) الإنصاف 5 / 377 - 378، والمبدع 4 / 368.
(176) بدائع الصنائع 6 / 27.
(177) الزرقاني 6 / 81، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 385.
(178) المغني مع الشرح الكبير 5 / 251 - 256، وانظر المغني المحقق 13 / 520 ط هجر.
(179) المبسوط 19 / 56، وبدائع الصنائع 6 / 27، والفتاوى البزازية 3 / 476، والمغني 5 / 254، والإنصاف 5 / 382 - 383، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 685، والتاج والإكليل بهامش مذاهب الجليل 5 / 198.
(180) أسنى المطالب 2 / 273.
(181) المبسوط 19 / 56، والمبدع 4 / 371، والمهذب 1 / 361، وأسنى المطالب 2 / 273.
(182) حاشية الدسوقي 3 / 384.
(183) المبسوط 19 / 56، والفتاوى الهندية 3 / 588، والمادة 1498 من المجلة، والفتاوى الكبرى لابن حجر 3 / 85، والمبدع 4 / 368 - 369، والحاوي للماوردي 8 / 241، والخرشي 6 / 74، والزرقاني 6 / 80، وحاشية الدسوقي 3 / 384.
(184) البدائع 6 / 27.
(185) المبدع 4 / 370، الإنصاف 5 / 382، شرح الزرقاني 6 / 80، البدائع 6 / 27، والفتاوى الهندية 3 / 590، المهذب 1 / 360.
(186) حاشية الدسوقي 3 / 386، والزرقاني 6 / 81.
(187) المغني مع الشرح الكبير 5 / 257، والزرقاني 6 / 80.
(188) البدائع 7 / 3462، والفتاوى الهندية 3 / 590، وتكملة ابن عابدين 7 / 329، والزرقاني 6 / 80، والمهذب 1 / 362، وحاشية الجمل 3 / 413، ومغني المحتاج 2 / 228، ومعونة أولي النهى 4 / 647، والمبدع 4 / 370، وروضة الطالبين 4 / 316.
(189) البدائع 6 / 27، الفتاوى الهندية 3 / 590، المادة 1495 من المجلة، والشرح الكبير 3 / 345، مواهب الجليل 5 / 196، وشرح الخرشي 4 / 289 - 290، والمدونة الكبرى 4 / 244.
(190) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 385، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 684.
(191) المهذب 1 / 355، ومغني المحتاج 2 / 228، والمغني 5 / 255.
(192) المغني 5 / 255، والإنصاف 5 / 379.
(193) المبسوط 19 / 54 - 55، وتكملة ابن عابدين 7 / 366.
(194) شرح الخرشي 7 / 73، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل 5 / 196، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 684، وحاشية الدسوقي 3 / 383.
(195) حاشية الجمل 3 / 413، ومغني المحتاج 2 / 227 ـ 228، والمغني 5 / 257، وشرح منتهى الإرادات 2 / 311، والمبدع شرح المقنع 4 / 375، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 684.
(196) مغني المحتاج 2 / 227، والمغني 5 / 251، والفتاوى الهندية 3 / 567، والبدائع 7 / 3462، وتكملة ابن عابدين 7 / 336.
(197) شرح الخرشي 6 / 73، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 383.
(198) المبسوط 19 / 37، والفتاوى الهندية 3 / 590، والمهذب 1 / 352، ومغني المحتاج 2 / 227، والمغني 5 / 252.
(199) شرح الخرشي 4 / 290 - 291، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل 5 / 196.
(200) المبسوط 19 / 53، والبدائع 7 / 3463 - 3464، والمادة 1499 من المجلة، والفتاوى الهندية 3 / 593، والبحر الرائق 7 / 170، والمهذب 1 / 353، والمغني 5 / 252.
(201) الخرشي 6 / 74، والزرقاني 6 / 80 وعقد الجواهر الثمينة 2 / 687، والتاج والإكليل 5 / 196.
(202) المهذب 1 / 353، والمغني 5 / 252.
(203) البدائع 7 / 3464، والمبسوط 19 / 53، والفتاوى البزازية 3 / 476، وتكملة فتح القدير 8 / 85.
(204) البدائع 7 / 3464، والمبسوط 19 / 53، وتكملة فتح القدير 8 / 85، وتكملة ابن عابدين 7 / 339، وشرح الخرشي 4 / 290 - 291.
(205) شرح المنهج 3 / 414 - 415، والمغني 5 / 249 - 250.
(206) شرح الخرشي 4 / 290 - 291، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 3 / 345، والبدائع 7 / 3462، والمغني 5 / 250.
(207) بدائع الصنائع 6 / 23، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 212، والدسوقي3 / 344.
(208) المغني مع الشرح الكبير 5 / 212، ومغني المحتاج 2 / 221 - 222.
(209) البدائع 6 / 37، والمادة 1488 من المجلة
(210) البدائع 7 / 3472، والبحر الرائق 7 / 166، وتكملة فتح القدير 8 / 33، 74.
(211) كشاف القناع 3 / 473، والإنصاف 5 / 375 - 377، وحاشية الدسوقي 3 / 387، والقوانين الفقهية ص 333، والزرقاني 6 / 83، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 681.
(212) حاشية الدسوقي 3 / 387، والزرقاني 6 / 83، وعقد الجواهر الثمينة 3 / 681، القوانين الفقهية 333.
(213) الإنصاف 5 / 375 - 377.
(214) كشاف القناع 3 / 474.
(215) حاشية الدسوقي 3 / 387، وعقد الجواهر الثمينة 3 / 681.
(216) عقد الجواهر الثمينة 2 / 681، والقوانين الفقهية 333.
(217) كشاف القناع 3 / 474، والإنصاف 5 / 378، وحاشية الدسوقي 3 / 387.
(218) مغني المحتاج 2 / 244 - 245، وانظر نهاية المحتاج 5 / 35 - 36.
(219) حديث: دفع ديناراً إلى حكيم ". . . سبق تخريجه ف 6.
(220) بدائع الصنائع 6 / 23، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 213 ط المنار، ومغني المحتاج 2 / 222.
(221) البدائع 7 / 3468، والفتاوى الهندية 3 / 575، وجواهر الإكليل 2 / 128، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 346، والخرشي وحاشية العدوى عليه 4 / 291، والإنصاف 5 / 383 - 385، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 685، والمغني 5 / 255، والروض المربع 2 / 249 طبعة الرياض، وكشاف القناع 2 / 449، والمهذب 1 / 361، والفتاوى الكبرى لابن حجر 3 / 82، ومغني المحتاج 2 / 229.
(222) المهذب 1 / 361، والفتاوى الكبرى للحجر الهيثمي 3 / 85. 210) الإنصاف 5 / 383 - 385.
(223) الإنصاف 5 / 383 - 385.
(224) البدائع 7 / 3467 - 3468، والفتاوى الهندية 3 / 575.
(225) التاج والإكليل 5 / 196، والزرقاني 6 / 79 والخرشي 6 / 73.
(226) مغني المحتاج 2 / 229، وروضة الطالبين 4 / 324.
(227) شرح منتهى الإرادات 2 / 310، وكشاف القناع 3 / 450.
(228) مغني المحتاج 2 / 229، والمغني 5 / 257 - 258، ومطالب أولي النهى 3 / 468، والإنصاف 5 / 382.
(229) المغني 5 / 257، منتهى الإرادات 2 / 476، وبدائع الصنائع 7 / 3467.
(230) البدائع 7 / 3467، والبحر الرائق 7 / 159، وتكملة ابن عابدين 7 / 330، وتكملة فتح القدير 8 / 46.
(231) حاشية الدسوقي 3 / 344، وجواهر الإكليل 2 / 127، شرح الخرشي 6 / 76، ومواهب الجليل 5 / 196.
(232) الخرشي 6 / 76.
(233) البدائع 7 / 3467، البحر الرائق 7 / 159، وتكملة ابن عابدين 7 / 311، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 3 / 344، ومواهب الجليل 5 / 196، والوجيز 1 / 193، ومغني المحتاج 2 / 228 - 229، المغني 5 / 255، ومطالب أولي النهى 3 / 468.
(234) البدائع 7 / 3467، والبحر الرائق 7 / 159، الفتاوى الهندية 3 / 575.
(235) الشرح الكبير 3 / 383، ومواهب الجليل 5 / 196، وجواهر الإكليل 2 / 127، وشرح الخرشي 6 / 74.
(236) مغني المحتاج 2 / 228 - 229، والوجيز 1 / 193، والمبدع 4 / 371.
(237) المبدع 4 / 371، والإنصاف 5 / 383 - 384.
(238) البدائع 7 / 3467، والفتاوى الهندية 3 / 575، والمادة 1470 من المجلة.
(239) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 3 / 383، وجواهر الإكليل 2 / 127، والخرشي 6 / 73.
(240) مغني المحتاج 2 / 229 - 230، وحاشية الجمل 3 / 414.
(241) المغني 5 / 249 - 250.
(242) البحر الرائق 7 / 158، والبدائع 7 / 3470، واللباب2 / 49.
(243) المبدع 4 / 272، وجواهر الإكليل 2 / 128.
(244) مطالب أولي النهى 3 / 471، والمبدع 4 / 372، والإنصاف 5 / 386، وانظر كشاف القناع 3 / 477 - 478.
(245) مغني المحتاج 2 / 229.
(246) حاشية الجمل 3 / 414.
(247) جواهر الإكليل 2 / 128.
(248) حاشية الشلبي على الكنز 4 / 272، البدائع 7 / 3470، المادة 1480من المجلة، المهذب 1 / 360، والمغني 5 / 252 - 253، ومعونة أولي النهى 4 / 648 - 649، ومطالب أولي النهى 3 / 469 - 470.
(249) اللباب 2 / 148، والبدائع 7 / 3469، تكملة الفتح 8 / 86، المادة 1480 من المجلة، مواهب الجليل 5 / 196 - 197، وجواهر الإكليل 2 / 127.
(250) اللباب 2 / 148، وابن عابدين 7 / 339، وتكملة فتح القدير 8 / 86.
(251) المغني 5 / 252، ومعونة أولي النهى 4 / 648 - 649، ومطالب أولي النهى 3 / 470، والمهذب 1 / 360.
(252) البحر الرائق 7 / 155، والفتاوى الهندية 3 / 575، وتكملة فتح القدير 8 / 34، مغني المحتاج 2 / 225، ونهاية المحتاج 5 / 37 - 38، والمغني 5 / 260، ومطالب أولي النهى 3 / 473، كشاف القناع 3 / 478.
(253) الفتاوى الهندية 3 / 575، والفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية 3 / 35.
(254) البحر الرائق 7 / 155، وتكملة فتح القدير 8 / 34.
(255) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير 3 / 384.
(256) مغني المحتاج 1 / 225 - 226، ونهاية المحتاج 5 / 37 - 38.
(257) مغني المحتاج 2 / 226، ونهاية المحتاج 5 / 37 - 38.
(258) المغني 5 / 260 - 261، الروض المربع 1 / 207، والإنصاف 5 / 387، كشاف القناع 3 / 478.
(259) الإنصاف 5 / 387.
(260) الإنصاف 5 / 387.
(261) المغني 5 / 261.
(262) مطالب أولي النهى 3 / 473.
(263) مطالب أولي النهى 3 / 473.
(264) مطالب أولي النهى 3 / 473 ـ 475.
(265) المغني 5 / 252، والروض المربع 1 / 208، وروضة الطالبين 4 / 323، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 676.
(266) المبسوط 19 / 56، والفتاوى البزازية 3 / 476، وروضة الطالبين 4 / 323، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 676، والمغني 5 / 252، والانصاف 5 / 392.
(267) المبسوط 19 / 56، والفتاوى البزازية 3 / 476.
(268) المبسوط 19 / 55 ـ 56.
(269) روضة الطالبين 4 / 332.
(270) كشاف القناع 3 / 478، والمبدع 4 / 370.
(271) تكملة ابن عابدين 7 / 365، تكملة فتح القدير 8 / 114، وجواهر الاكليل 2 / 125، ومواهب الجليل 5 / 188، وبداية المجتهد 2 / 272، وقوانين الأحكام الشرعية ص 357، ورضة الطالبين 4 / 320، والإنصاف 5 / 393، والمغني 5 / 218.
(272) حاشية قرة عيون الأخيار 7 / 365، والمبسوط 19 / 6، والمادة 1517 من المجلة، والفتاوى الهندية، 3 / 617، والفتاوى البزازية 3 / 467، وتكملة فتح القدير 8 / 114.
(273) تكملة ابن عابدين 7 / 365، والمبسوط 19 / 6، والفتاوى الهندية 3 / 617.
(274) تكملة ابن عابدين 7 / 366، والمادة (1518) من مجلة الأحكام العدلية.
(275) المبسوط 19 / 12، وقرة عيون الأخيار 1 / 282، وتكملة فتح القدير 8 / 114، والمهذب 1 / 358، والمغني 5 / 218، ومطالب أولي النهى 3 / 484، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 686.
(276) المبسوط 19 / 10 - 12، وتكملة حاشية ابن عابدين 7 / 361.
(277) المغني مع الشرح الكبير 5 / 219، والإنصاف 5 / 394، ومعونة أولي النهى 4 / 663، والمهذب 1 / 358.
(278) الانصاف 5 / 394.
(279) المبسوط 19 / 17، وتكملة فتح القدير 8 / 112، والإنصاف 5 / 394، والمغني 5 / 219، والمهذب 1 / 358، ومواهب الجليل 5 / 194، وأسنى المطالب 2 / 259.
(280) المبسوط 19 / 17، وتكملة فتح القدير 8 / 112، وبدائع الصنائع 6 / 25، ط. الجمالية.
(281) بدائع الصنائع 6 / 25.
(282) تكملة ابن عابدين 1 / 280، والبحر الرائق، 7 / 178، والفتاوى الهندية3 / 620، وتكملة فتح القدير 8 / 106، والإنصاف 5 / 393، وكشاف القناع 3 / 483، وأسنى المطالب 2 / 259.
(283) تكملة ابن عابدين 1 / 280، والبحر الرائق، 7 / 178، والفتاوى الهندية3 / 620، وتكملة فتح القدير 8 / 106، والإنصاف 5 / 393.
(284) الإنصاف 5 / 393 - 394.
(285) المبسوط للسرخسي 9 / 10 ـ 11، والحاوي للماوردي 8 / 210 ـ 211، والمغني مع الشرح 5 / 215، وحاشية الدسوقي 3 / 388.
(286) حديث: لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 157) ومسلم (3 / 1337) من حديث أم سلمة.
(287) المبسوط 9 / 10 ـ 11، والإنصاف 5 / 362، وكشاف القناع 3 / 466، وحاشية الدسوقي 3 / 388، وروضة الطالبين 4 / 318.
(288) المغني 5 / 215 ـ 216.
(289) المبسوط 13 / 15، والفتاوى الهندية 3 / 627.
(290) معونة أولي النهى 4 / 662، وحاشية الدسوقي 3 / 391، والفتاوى الهندية 3 / 627.
(291) المهذب 1 / 363، والإنصاف 5 / 395، والفتاوى الهندية 3 / 627، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 692، وحاشية الدسوقي 3 / 391.
(292) المهذب 1 / 363، ومغني المحتاج 2 / 236، والإنصاف 5 / 395، والمغني مع الشرح 5 / 232، ومعونة أولي النهى 4 / 662.
(293) المغني مع الشرح 5 / 233، والإنصاف 5 / 396، والمهذب 1 / 363، ومغني المحتاج 2 / 236، وفتح العزيز بذيل المجموع 11 / 83.
(294) شرح الزرقاني 6 / 85، والفتاوى الهندية 3 / 627، والمهذب 1 / 363، وفتح العزيز بذيل المجموع 11 / 83، ومطالب أولي النهى 3 / 480، والمغني 5 / 233.
(295) الإنصاف 5 / 396.
(296) حاشية الدسوقي 3 / 391.
(297) الفتاوى الهندية 3 / 621، وروضة القضاة 2 / 659، وجواهر الإكليل 2 / 125، ومغني المحتاج 2 / 220، والمبدع 4 / 379 ـ 381.
(298) الفتاوى الهندية 3 / 621.
(299) البيان والتحصيل 8 / 188، ومطالب أولي النهى 3 / 484، ومعونة أولي النهى 4 / 665.
(300) المغني مع الشرح الكبير 5 / 233، والمبدع 4 / 386، والإنصاف 5 / 204، مغني المحتاج 2 / 237، وروضة الطالبين 4 / 345، وتكملة ابن عابدين (قرة عيون الأخيار) 1 / 288، والحاوي 8 / 255، والمعونة للقاضي عبد الوهاب 2 / 207.
(301) المغني مع الشرح الكبير 5 / 233 ـ 234، ومعونة أولي النهى 4 / 680، وكشاف القناع 3 / 490 ـ 491، ومغني المحتاج 2 / 237، وروضة الطالبين 4 / 345.
(302) معونة أولي النهى 4 / 680 ـ 681، وكشاف القناع 3 / 490 ـ 491، والمبدع 4 / 386، ومغني المحتاج 2 / 237، وروضة الطالبين 4 / 345، والزرقاني 6 / 87.
(303) كشاف القناع 3 / 491، والمبدع 4 / 376، ومعونة أولي النهى 4 / 681، وروضة الطالبين 4 / 345، والمعونة للقاضي عبد الوهاب 2 / 207.
(304) المبدع 4 / 386، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 234.
(305) معونة أولي النهى 4 / 682، وروضة الطالبين 4 / 345، ومغني المحتاج 2 / 237، والحاوي 8 / 249 ـ 250، والمعونة للقاضي عبد الوهاب 2 / 207.
(306) معونة أولي النهى 4 / 682 وانظر كشاف القناع 4 / 680 ـ 681، والمبدع 4 / 386، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 233 ـ 234، وروضة الطالبين 4 / 345، والمعونة للقاضي عبد الوهاب 2 / 27.
(307) تبيين الحقائق 4 / 281 ـ 282، ومغني المحتاج 2 / 237، والحاوي 8 / 250.
(308) تبيين الحقائق 4 / 283.
(309) تبيين الحقائق 4 / 284.
(310) الفتاوى الهندية 3 / 634، تكملة ابن عابدين 7 / 344، وبدائع الصنائع 7 / 3374، واللباب 2 / 144، والمغني 5 / 214، والمبدع 4 / 366، والإنصاف 5 / 374 ـ 375، ومواهب الجليل والتاج والإكليل 5 / 211،، والخرشي 6 / 69، 82، والمهذب 1 / 358، وروضة الطالبين 4 / 321.
(311) المراجع السابقة.
(312) تكملة فتح القدير 8 / 95، والزرقاني 6 / 87، والخرشي 6 / 73، وحاشية الدسوقي 3 / 392، والمغني 5 / 214، والإنصاف 5 / 374، والمبدع 4 / 366 ـ 367.
(313) البدائع 7 / 3474، واللباب 2 / 144، والبحر الرائق 7 / 173، وتكملة فتح القدير 8 / 96، والفتاوى الهندية 3 / 598، وحاشية الدسوقي 3 / 392، ومواهب الجليل والتاج والإكليل 5 / 211، والإنصاف 5 / 374، وروضة الطالبين 4 / 321، والمهذب 1 / 358.
(314) البدائع 7 / 3475، واللباب 2 / 144، والفتاوى الهندية 3 / 598، والمبدع 4 / 366 ـ 367، والمغني مع الشرح 5 / 214، وحاشية الدسوقي 3 / 392، وروضة الطالبين 4 / 321.
(315) البدائع 7 / 3475، واللباب 2 / 144، والفتاوى البزازية 3 / 469، وتكملة فتح القدير 8 / 97، والإنصاف 5 / 374 ـ 375، والمغني 5 / 214، وروضة الطالبين 4 / 321، وحاشية الدسوقي 3 / 392.
(316) اللباب 2 / 144، وتكملة ابن عابدين 7 / 345، والفتاوى الهندية 3 / 634، وحاشية الدسوقي 3 / 392، والمهذب 1 / 358، والإنصاف 5 / 374 ـ 375، والمغني 2 / 214.
(317) البدائع 7 / 3475.
(318) حاشية الدسوقي 3 / 392، وروضة الطالبين 4 / 321، والمهذب 1 / 358، والإنصاف 5 / 374 ـ 375، والمغني 5 / 214.
(319) الإنصاف 5 / 374 ـ 375، والمبدع 4 / 366 ـ 367، ومواهب الجليل 5 / 211، والخرشي 6 / 69، تكملة فتح القدير 8 / 95، والفتاوى الهندية 3 / 634.
(320) البدائع 7 / 3475، والبحر الرائق 7 / 174، وتكملة ابن عابدين 7 / 345، وتكملة فتح القدير 8 / 96، وحاشية الدسوقي 3 / 392، والخرشي 6 / 82، والإنصاف 5 / 375، وروضة الطالبين 4 / 321.
(321) البدائع 7 / 3475، واللباب 2 / 144، والإنصاف 5 / 374 ـ 375، وروضة الطالبين 4 / 321.
(322) البدائع 7 / 3475، وحاشية الدسوقي 3 / 378، وشرح الخرشي 4 / 285، ومواهب الجليل 5 / 211، وروضة الطالبين 4 / 321، والإنصاف 5 / 375.
(323) حاشية ابن عابدين 7 / 527، اللباب 2 / 144، والبدائع 4 / 3474، وشرح الخرشي 4 / 294، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 349، ومغني المحتاج 2 / 226، والمغني 5 / 215، كشاف القناع 3 / 466،
(324) المراجع السابقة.
(325) اللباب 2 / 144، والبدائع 4 / 3474، وحاشية الدسوقي 3 / 388، الخرشي 6 / 87، وروضة الطالبين 4 / 314، أسنى المطالب 2 / 271، المغني مع الشرح 5 / 215، وكشاف القناع 3 / 466.
(326) اللباب 2 / 144، البحر الرائق 7 / 175، البدائع 7 / 3474.
(327) اللباب 2 / 144، والهداية وشروحها 6 / 100 ط دار الفكر.
(328) كشاف القناع 3 / 466، ومغني المحتاج 2 / 226، وأسنى المطالب2 / 270، وحاشية الدسوقي 3 / 388.
(329) حاشية الدسوقي 3 / 388، وشرح الخرشي 6 / 78، وشرح المنهج 3 / 411، ومغني المحتاج 2 / 226، والمغني 5 / 216، والإنصاف 5 / 364، وكشاف القناع 3 / 466.
(330) مغني المحتاج 2 / 226، والمغني 5 / 215.
(331) المغني 5 / 215 ـ 216، والإنصاف 5 / 362، وروضة القضاة للسمناني 2 / 660.
(332) الخرشي 6 / 78، مواهب الجليل 5 / 202، أسنى المطالب 2 / 227، ومغني المحتاج 2 / 227، وكشاف القناع 3 / 466، المغني 5 / 216، والإنصاف 5 / 364.
(333) المغني 5 / 216، وكشاف القناع 2 / 466، ومغني المحتاج 2 / 227.
(334) شرح المنهج 3 / 412.
(335) روضة القضاة للسمناني 2 / 660، والبحر الرائق 7 / 175، وحاشية الدسوقي 3 / 388، ومواهب الجليل 5 / 202، والخرشي 6 / 78، ومغني المحتاج 2 / 227، وكشاف القناع 3 / 466، والإنصاف 3 / 364 - 365.
(336) المراجع السابقة.
(337) البحر الرائق 7 / 175، والخرشي 6 / 78، ومغني المحتاج 2 / 227، والإنصاف 5 / 365، وكشاف القناع 3 / 466 - 467.
(338) حاشية الدسوقي 3 / 388، مغني المحتاج 2 / 226 - 227، والإنصاف 5 / 365.
(339) تكملة فتح القدير 8 / 99، والشرح الصغير 3 / 513، ومغني المحتاج 2 / 226، والمغني 5 / 216، والإنصاف 5 / 365.
(340) الفتاوى الهندية 3 / 567، وروضة القضاة للسمناني 2 / 658، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 687، ومغني المحتاج 2 / 230، وروضة الطالبين 4 / 325، وكشاف القناع 3 / 484، والقواعد لابن رجب ص 61.
(341) البدائع 7 / 3479، وروضة القضاة للسمناني 2 / 658، والفتاوى الهندية 3 / 567، وبداية المجتهد 2 / 273، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 692، وحاشية الجمل 3 / 416، والفتاوى الكبرى لابن حجر 3 / 86، وروضة الطالبين 4 / 342، والمغني 5 / 221، والروض المربع 1 / 208، وكشاف القناع 2 / 452.
(342) المغني مع الشرح 5 / 366 ـ 367.
(343) حديث: " لا ضرر ولا ضرار ". (تقدم تخريجه فقرة 79)
(344) المهذب 1 / 350، وشرح المنهج مع حاشية الجمل 3 / 409، ومغني المحتاج 2 / 224، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج 5 / 48.
(345) الفتاوى الهندية 3 / 630، ومجمع الضمانات ص 360، وفتح العلي المالك 2 / 322، ونهاية المحتاج 5 / 48، 49، ومغني المحتاج 2 / 230، وحاشية الجمل 3 / 417، والمغني 5 / 222، وكشاف القناع 3 / 484.
(346) المغني 5 / 231.
(347) البدائع 7 / 3485، والفتاوى الهندية 3 / 587، وتكملة ابن عابدين 7 / 347، وتكملة فتح القدير 8 / 40، ومجمع الضمانات ص 243، ومغني المحتاج 2 / 230، ونهاية المحتاج 5 / 49، والمغني 5 / 229، والمدونة الكبرى 4 / 253.
(348) البدائع 7 / 3482.
(349) مواهب الجليل 5 / 194، ونهاية المحتاج 5 / 36، 37، وشرح المنهج 3 / 410.
(350) الفتاوى الهندية 3 / 596، والمغني 5 / 220.
(351) فتح العلي المالك 2 / 323.
(352) تكملة ابن عابدين 7 / 364، مجمع الضمانات ص 250.
(353) نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي 5 / 48 ـ 51، ومغني المحتاج 2 / 231، والفتاوى الكبرى لابن حجر 3 / 93.
(354) الفتاوى الكبرى لابن حجر 3 / 87.
(355) البدائع 7 / 3485، وحاشية الدسوقي 3 / 392، وأسنى المطالب 2 / 276، ومغني المحتاج 2 / 236، ونهاية المحتاج 5 / 49، والفتاوى الكبرى لابن حجر 3 / 87، والمغني لابن قدامة 5 / 229، وما بعدها.
(356) سورة النساء / 58.
(357) مغني المحتاج 2 / 236، وحاشية الدسوقي 3 / 392، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 692 والفروع لابن مفلح 4 / 231.
(358) حديث: " توكيل الرسول ﷺ أنيساً في إقامة الحد. . أخرجه البخاري (فتح الباري 12 / 160) ، ومسلم (3 / 1325) .
(359) حديث: " توكيل الرسول ﷺ عروة في شراء شاة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 632) .
(360) حديث: " توكيل الرسول ﷺ عمرو بن أمية الضمري في قبول النكاح له. . . " أخرجه البيهقي في السنن (7 / 139) من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلاً.
(361) حديث: " توكيل الرسول ﷺ أبا رافع في قبول النكاح له. . أخرجه الترمذي (3 / 191) ، وقال الترمذي: حديث حسن.
(362) حديث: " مجيء ابني عم رسول الله ﷺ. . . " أخرجه مسلم (2 / 753) . بهذا المعنى
(363) المغني 5 / 211، ومعونة أولي النهى 4 / 678 ـ 679، والحاوي 8 / 225، وروضة الطالبين 4 / 332، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 593، وتكملة ابن عابدين 1 / 189، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 688، والقوانين الفقهية ص 334، وحاشية الدسوقي 3 / 397.
(364) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 593.
(365) درر الحكام شرح المجلة 3 / 593.
(366) المادة 1467من المجلة، ومادة 903 من مرشد الحيران، والقوانين الفقهية لابن جزي 257، والمغني مع الشرح 5 / 210، 211.
(367) المادة (1468) من مجلة الأحكام العدلية، ومطالب أولي النهى 3 / 582 ـ 583، والقوانين الفقهية ص 280، ومغني المحتاج 2 / 339 ـ 340.
(368) كشاف القناع 2 / 453.
(369) الحاوي للماوردي 8 / 224.
(370) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 593، وكشاف القناع 3 / 555، والقوانين الفقهية ص 283، والحاوي للماوردي 8 / 224 ـ 225.
(371) الماوردي 8 / 224 ـ 225.
(372) البدائع 7 / 3484 ـ 3485، وتكملة فتح القدير 8 / 38، وتكملة ابن عابدين 7 / 377، والفتاوى الهندية 3 / 586، 587، والمادة 1506 و 1508 من مجلة الأحكام العدلية.
(373) البدائع 7 / 3485، تكملة ابن عابدين 7 / 303، وما بعدها، وتكملة فتح القدير 8 / 40، والفتاوى الهندية 3 / 587.
(374) سورة النساء / 58.
(375) البدائع 7 / 3485، تكملة ابن عابدين 7 / 303، وما بعدها، وتكملة فتح القدير 8 / 40، والفتاوى الهندية 3 / 587.
(376) البدائع 7 / 3485، والمادة 1492 من مجلة الأحكام العدلية.
(377) البدائع 7 / 3485، تكملة ابن عابدين 7 / 303، وما بعدها، وتكملة فتح القدير 8 / 40، والفتاوى الهندية 3 / 587.
(378) اللباب شرح الكتاب 2 / 141، 142، والبحر الرائق، وحاشية ابن عابدين عليه 7 / 147، ومعونة أولي النهى 4 / 639.
(379) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 571.
(380) مغني المحتاج 2 / 230، 231، ومعونة أولي النهى 4 / 693.
(381) معونة أولي النهى 4 / 639.
(382) اللباب شرح الكتاب 2 / 141، 142.
(383) بدائع الصنائع 7 / 3476، 3477.
(384) الدسوقي 2 / 381 والخرشي 6 / 72.
(385) الدسوقي 3 / 382.
(386) بداية المجتهد 2 / 372، والمهذب 1 / 356، وروضة الطالبين 4 / 326، والمغني 5 / 263، وتكملة ابن عابدين 7 / 291، 292، والبحر الرائق 7 / 151، وتكملة فتح القدير 8 / 16 - 18، والفتاوى البزازية 3 / 488.
(387) تكملة ابن عابدين 7 / 191، 292، والبحر الرائق 7 / 151، وتكملة فتح القدير 8 / 16 - 18، والفتاوى البزازية بهامش الهندية 3 / 488.
(388) وروضة الطالبين 4 / 338، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 691، والدسوقي 3 / 393، ومعونة أولي النهى 4 / 672.
(389) البحر الرائق 7 / 171، وتكملة فتح القدير 8 / 64، وروضة الطالبين 4 / 338، والإنصاف 5 / 399، 400، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 226، 227، وحاشية الدسوقي 3 / 521 - 522.
(390) البدائع 6 / 84، وبداية المجتهد 2 / 303، ومغني المحتاج 2 / 235، ونهاية المحتاج 5 / 60 والمغني 5 / 221، ومعونة أولي النهى 4 / 667، والإنصاف 5 / 396، وروضة القضاة 2 / 659، والكافي لابن عبد البر 2 / 789، وروضة الطالبين 4 / 342، والمهذب 1 / 365.
(391) المغني 5 / 221، والإنصاف 5 / 369، 397، ومعونة أولي النهى 4 / 671.
(392) بداية المجتهد 2 / 274، والمغنى 5 / 22، ومعونة أولي النهى 4 / 667، والإنصاف 5 / 369، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 582.
(393) بدائع الصنائع 6 / 47 - 49.
(394) عقد الجواهر 2 / 692.
(395) روضة الطالبين 4 / 342 - 343.
(396) الإنصاف 5 / 397، والمغني 5 / 222، ومعونة أولي النهى 4 / 668.
(397) تكملة ابن عابدين 2 / 230، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 583، وروضة القضاة 2 / 659، والشرح الكبير للدردير 3 / 392، والإنصاف 5 / 397 - 398، وروضة الطالبين 4 / 342، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 223.
(398) البدائع 6 / 51، وتكملة ابن عابدين 7 / 382، وحاشية الدسوقي 3 / 396، ومغني المحتاج 2 / 231، وروضة الطالبين 4 / 330، 332، والمغني 5 / 242.
(399) البدائع 6 / 51، وتكملة ابن عابدين 7 / 382، والفتاوى الهندية 3 / 637، واللباب 2 / 145، والشرح الكبير للدردير 3 / 396، والمهذب 1 / 357، وروضة الطالبين 4 / 330، ومغني المحتاج 2 / 232، والمغني 5 / 242، 243، والإنصاف 5 / 372، 373.
(400) البدائع 6 / 51، والفتاوى الهندية 3 / 637.
(401) روضة الطالبين 4 / 330.
(402) بدائع الصنائع 6 / 52 - 53، وانظر المادة من مجلة الأحكام العدلية. ص 105.
(403) روضة الطالبين 4 / 330.
(404) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 379.
(405) حاشية الدسوقي 3 / 357، وفتح العلي المالك 2 / 327، وشرح الخرشي 4 / 302، وجواهر الإكليل 2 / 132، وعقد الجواهر الثمينة 2 / 688، وروضة الطالبين 4 / 332.
(406) حاشية الشرواني مع تحفة المحتاج 5 / 337.
(407) الدسوقي 3 / 356، ومغني المحتاج 2 / 232، وتكملة ابن عابدين 1 / 274، 275، والشرح الكبير مع المغني 5 / 213، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 661.
(408) تحفة المحتاج 5 / 337، ونهاية المحتاج 5 / 52.
(409) البدائع 6 / 54، وتكملة ابن عابدين 1 / 276ـ277، والخرشي 6 / 86، وحاشية الدسوقي 3 / 396، والمهذب 1 / 364، ومغني المحتاج2 / 232، وروضة الطالبين 4 / 330، والمغني 5 / 242، والإنصاف 5 / 368.
(410) البدائع 6 / 54، وتكملة ابن عابدين 1 / 276ـ277، والمغي 5 / 242، 243، والإنصاف 5 / 372،373، ومغني المحتاج 2 / 232.
(411) الشرح الكبير 3 / 396، وشرح الخرشي 6 / 86، وجواهر الإكليل 2 / 132.
(412) تكملة ابن عابدين 1 / 276،277، وبدائع الصنائع 6 / 54، والفتاوى الهندية 3 / 628، والبحر الرائق 7 / 189، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام 3 / 665 المادة (1530) والزرقاني 6 / 91، والدسوقي 3 / 369، وروضة الطالبين 4 / 330، ومغني المحتاج 2 / 232، والإنصاف 5 / 368،369، ومغني المحتاج 2 / 232، والإنصاف 5 / 368،369، ومعونة أولي النهى 4 / 627، والمغني مع الشرح 5 / 242، 243.
(413) الإنصاف 5 / 369، وكشاف القناع 3 / 469، ومغني المحتاج 2 / 232، وتكملة ابن عابدين 1 / 277.
(414) مغني المحتاج 2 / 232، ونهاية المحتاج 5 / 55.
(415) بدائع الصنائع 6 / 54، وتكملة ابن عابدين 1 / 279.
(416) معونة أولي النهى 4 / 627، وانظر كشاف القناع 3 / 469.
(417) كشاف القناع 3 / 468، 469.
(418) المغني مع الشرح 5 / 243.
(419) روضة الطالبين 4 / 330.
(420) حاشية الدسوقي 3 / 396.
(421) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 261، 264.
(422) حاشية الدسوقي 3 / 369، والشرح الصغير 3 / 346ـ350، 523.
(423) تكملة حاشية ابن عابدين 1 / 277ـ 278.
(424) حاشية الدسوقي 3 / 396.
(425) نهاية المحتاج 5 / 56.
(426) روضة الطالبين 10 / 78.
(427) نهاية المحتاج 5 / 56، وحاشية الجمل 3 / 403.
(428) تصحيح الفروع 4 / 343ـ344 طـ عالم الكتب، وانظر الإنصاف 5 / 370ـ371، ومطالب أولي النهى 3 / 454.
(429) المغني 5 / 244، وانظر كشاف القناع 3 / 469، ومطالب أولي النهى 3 / 454، والإنصاف 5 / 369.
(430) تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني 5 / 340، ونهاية المحتاج 5 / 56.
(431) حاشية الشرواني مع تحفة المحتاج 5 / 340، ونهاية المحتاج 5 / 55، وإعانة الطالبين 3 / 96.
(432) كشاف القناع 3 / 469، والإنصاف 5 / 369، والمغني مع الشرح الكبير 5 / 244.
(433) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص311.
(434) البدائع 6 / 55، وتكملة ابن عابدين 1 / 280، والفتاوى الهندية 3 / 636، والبحر الرائق 7 / 190، ومغني المحتاج 2 / 223، وكشاف القناع 3 / 470، ومعونة أولي النهى 4 / 628.
(435) جواهر الإكليل 2 / 130، وانظر الخرشي 6 / 82.
(436) مطالب أولي النهى 3 / 456، ومعونة أولي النهى 4 / 629.
(437) تكملة ابن عابدين 1 / 280، والفتاوى الهندية 3 / 636، ومغني المحتاج 2 / 233.
(438) المهذب 1 / 364، ومغني المحتاج 2 / 230، والمغني 5 / 244، وكشاف القناع 3 / 469، ومعونة أولي النهى 4 / 630، والإنصاف 5 / 369ـ 370.
(439) مغني المحتاج 2 / 230، ونهاية المحتاج 5 / 48، والإنصاف 5 / 370.
(440) الإنصاف 5 / 369ـ370، ومعونة أولي النهى 4 / 630 وانظر كشاف القناع 3 / 469، والقواعد لابن رجب ص64ـ65 القاعدة (45) .
(441) حاشية ابن عابدين 4 / 417، ومطالب أولي النهى 3 / 458، ومعونة أولي النهى 4 / 633، ومغني المحتاج 2 / 233، ونهاية المحتاج 5 / 56.
(442) معونة أولي النهى 4 / 629، والمغني مع الشرح 5 / 246، وكشاف القناع 3 / 469، وبدائع الصنائع 6 / 56، والفتاوى الهندية 3 / 628، وقليوبي وعميرة 2 / 345.
(443) الفتاوى الهندية 3 / 938، وحاشية ابن عابدين 4 / 418.
(444) ابن عابدين 4 / 417.
(445) مطالب أولي النهى 3 / 460، ومعونة أولي النهى 4 / 629.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 5/ 45