الكبير
كلمة (كبير) في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، وهي من الكِبَر الذي...
هي الإيمان، والتقوى المتضمنة للتقرب بالفرائض، والنوافل . وهي عبارة عن موافقة الله في محابه، ومساخطه . والمواظبة على الطاعات، وتجنب المعاصي، والولي هو المؤمن التقي . قال تعالى : ﱫﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﱪيونس :62-63. والولاية تنقسم إلى قسمين : ولاية من الله للعبد، وولاية من العبد لله . فمن الأولى قوله تعالى : ﱫﭑ ﭒ ﭓ ﭔﱪالبقرة :257، ومن الثانية قوله تعالى : ﱫﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﱪالمائدة :56. والولاية التي من الله للعبد تنقسم إلى عامة وخاصة؛ فالولاية العامة؛ هي الولاية على العباد بالتدبير والتصريف، وهذه تشمل المؤمن، والكافر، وجميع الخلق؛ فالله هو الذي يتولى عباده بالتدبير، والتصريف، والسلطان، وغير ذلك . ومنه قوله تعالى : ﱫﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﴾ ﴿ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﱪالأنعام :62. والولاية الخاصة هي أن يتولى الله العبد بعنايته، وتوفيقه، وهدايته، وهذه خاصة بالمؤمنين؛ لقوله تعالى : ﱫﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﱪالبقرة :257، وقوله تعالى : ﱫﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﱪ يونس :62-63. وقول ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - في قوله تعالى : ﱫﮨ ﮩ ﮪﱪ البقرة :166 قال : "المودة ". يشير إلى قوله تعالى : ﱫﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﱪالبقرة :166.
الوِلايةُ: القِيَامُ عَلَى شأنِ الآخَرِ، وَالوَلِيُّ: القَائِمُ وَالمُتَصَرِّفُ فِي أَمْرِ النَّاسِ كَالسَيِّدِ وَالمَالِكِ وَالحَاكِمِ، وَتَأْتِي الوِلاَيَةُ بِمَعْنَى: الإِمَارَةُ وَالسُّلْطَةُ، مِنْهُ قَوْلُهُمْ: وَلِيَ البَلَدَ وَتَوَلَّاهُ إِذَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَتَمَّتْ الوِلاَيَةُ لِفُلاَنٍ أَيْ الإِمَارَةُ، وَأصْلُ كَلِمَةِ الوِلاَيَةِ مِنَ الوَلْيِ وَهُوَ: القُرْبُ وَالـمَحَبَّةُ، يُقَالُ: وَلِيَهُ وَلْيًا وَوَلاَيَةً أَيْ اقْتَرَبَ وَدَنا مِنْهُ، وَسُمِّيَتْ الإِمَارَةُ وَالقِيَامُ عَلَى غَيْرِه وِلاَيَةً؛ لِقُرْبِ القَائِمِ بِذَلِكَ مِنَ رَعِيَّتِهِ، وَالوَلِيُّ: القَرِيبُ وَالــمُحِبُّ، وَضِدُّ الوَلاَيَةِ: البُغْضُ وَالبُعْدُ، وَمِنْ مَعَانِي الوِلاَيَةِ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا: المُلْكُ والقَرَابَةُ والبَلْدَةُ والوِرَاثَةُ.
يَرِدُ مُصْطَلَحُ (الوِلاَيَةِ) فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ فِي بَابِ شُرُوطِ الإِمَامَةِ، وَكِتَابِ الحَجْرِ فِي بَابِ أَحْكَامِ الحَجْرِ، وَكِتَابِ الوَقْفِ، وَكِتَابِ الجِهَادِ فِي بَابِ شُرُوطِ الجِهَادِ، وَكِتَابِ القَضَاءِ فِي بَابِ صِفَةِ القَاضِي، وَكِتَابِ السِّياسَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي بَابِ الإِمَامَةِ العُظْمَى، وَغَيْرِهَا. وَاسْتَعْمَلَهَا فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ فِي كِتَابِ المَوَارِيثِ عِنْدَ بَيَانِ أَسْبَابِ الإِرْثِ بِمَعْنَى: (العَلاَقَةُ المُوجِبَةِ لِلإِرْثِ كَالإِسْلاَمِ وَالعِتْقِ وَالحِلْفِ وَنَحْوِهَا). وَيُطْلَقُ لَفْظُ الوِلاَيَةِ فِي العَقِيدَةِ وَيُرادُ بِهِ نَوْعانِ مِنَ الوِلاَيَةِ: وِلاَيَةُ العَبْدِ لِرَبِّهِ وَهِيَ دَرَجَةٌ ومنزلةٌ لِلْعَبْدِ دُونَ النُّبُوَّةِ، وَثَانِيًا وِلاَيَةُ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ وَهِيَ قِسْمَانِ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ وَهِيَ قِيَامُهُ مَصَالِحِ جَمِيعِ الخَلْقِ وَشُؤُونِهِمْ، وَوِلاَيَةٌ خَاصَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ وَهِيَ وِلاَيَةُ مَحَبَّةٍ وَقُرْبٍ وَنُصْرَةٍ.
ولي
سُلْطَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَتَمَكَّنُ بِهَا صَاحِبُهَا مِنَ الْقِيَامِ عَلَى غَيْرِه فِي أَمْرِيٍّ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ.
الوِلاَيَةُ حَقٌّ شَرْعِيٌّ يُمَكِّنُ الشَّخْصَ مِنْ تَنْفِيذِ قَوْلِهِ عَلَى غَيْرِه وَالقِيامِ بِمَصَالِحِهِ، وَهِيَ قِسْمَانِ: الأَوَّلُ: وِلَايَةٌ خَاصَّةٌ، وَهِيَ الوِلَايَةُ عَلَى أَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ سَواءً كَانَتْ وِلاَيَةً عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، كَسُلطَةِ الوَالِدِ فِي تَزْويجِ ابْنَتِهِ، وَسُلْطَةِ الزَّوْجِ فِي تَأْدِيبِ زَوْجَتِهِ النَّاشِزِ، وَالْوَالِدِ فِي تَأْدِيبِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَكَالسُّلْطَةُ الَّتِي جَعَلَهَا الشَّرْعُ بِيَدِ أَهْل المَقْتولِ فِي طَلَبِ الْقِصَاصِ مِنْ قَاتِلِهِ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُ. الثَّانِي: وِلَايَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ الوِلَايَةُ عَلَى أَشْخَاصٍ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ، تَقُومُ عَلَى إِلْزَامِ الْغَيْرِ وَإِنْفَاذِ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ بِدُونِ تَفْوِيضٍ مِنْهُ، كَوِلَايَةِ القَضَاءِ وَالشُّرْطَةِ، وَوِلَايَةِ الحَاكِمِ، وَغَيْرِهَا.
الإِمَارَةُ وَالسُّلْطَةُ وَالقِيَامُ عَلَى شأنِ الآخَرِ، وَالوَلِيُّ: السَيِّدُ وَالمَالِكُ وَالحَاكِمُ، وَأصْلُ الوِلاَيَةِ مِنَ الوَلْيِ وَهُوَ: القُرْبُ وَالـمَحَبَّةُ، وَضِدُّ الوَلْيِ: البُغْضُ وَالبُعْدُ، وَمِنْ مَعَانِي الوِلاَيَةِ أَيْضًا: المُلْكُ والقَرَابَةُ والبَلْدَةُ والوِرَاثَةُ.
سُلْطَةٌ شَرْعِيَّةٌ تخول صَاحِبهَا الْقِيَام عَلَى شُؤُونِ المول عليهم.
* معجم مقاييس اللغة : (6/ 141)
* تاج العروس : (242/40)
* المعجم الوسيط : (1058/2)
* أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء : (ص99)
* التعريفات للجرجاني : (ص254)
* معجم مقاييس اللغة : 141/6 - شرح حدود ابن عرفة : 159/1 - الكليات : (ص940)
* القوانين الفقهية : ص382 - كشاف القناع : 461/3 - إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين : 101/3 - الطرق الحكمية : ص99 - الأشباه والنظائر : ص154 - شرح الطحاوية : 345/1 - لوامع الأنوار البهية : 396/2 -
التَّعْرِيفُ:
1 ـ الْوِلاَيَةُ بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْوَلْيِ، وَهُوَ الْقُرْبُ. يُقَال: وَلِيَهُ وَلْيًا، أَيْ دَنَا مِنْهُ. وَأَوْلَيْتُهُ إِيَّاهُ: أَدْنَيْتَهُ مِنْهُ. وَوَلِيَ الأَْمْرَ: إِذَا قَامَ بِهِ، وَتَوَلَّى الأَْمْرَ؛ أَيْ تَقَلَّدَهُ، وَتَوَلَّى فُلاَنًا: اتَّخَذَهُ وَلِيًّا.
وَالْوَلِيُّ - فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ - مِنْ وَلِيَهُ: إِذَا قَامَ بِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} . (1)
وَبِمَعْنَى مَفْعُولٍ فِي حَقِّ الْمُطِيعِ. وَمِنْهُ قِيل: الْمُؤْمِنُ وَلِيُّ اللَّهِ. وَالْمَصْدَرُ الْوِلاَيَةُ. وَكَذَلِكَ تَأْتِي بِمَعْنَى السَّلْطَنَةِ، وَمِنْهُ قِيل: الْعِلْمُ مِنْ أَشْرَفِ الْوِلاَيَاتِ، يَأْتِي إِلَيْهِ الْوَرَى وَلاَ يَأْتِي، أَمَّا الْوَلاَيَةُ - بِالْفَتْحِ - فَتَعْنِي النُّصْرَةَ وَالْمَحَبَّةَ.
وَقَال ابْنُ فَارِسٍ: وَكُلٌّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ آخَرَ فَهُوَ وَلِيُّهُ. وَمِنْهُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ وَوَلِيُّ الْقَتِيل وَوَلِيُّ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِهِمْ وَالْمُتَصَرِّفُ فِي أَمْرِهِمْ. وَوَالِي الْبَلَدِ: وَهُوَ نَاظِرُ أُمُورِ أَهْلِهِ الَّذِي يَلِي الْقَوْمَ بِالتَّدْبِيرِ وَالأَْمْرِ وَالنَّهْيِ. (1)
وَالْوِلاَيَةُ اصْطِلاَحًا: اسْتَعْمَل جُل الْفُقَهَاءِ كَلِمَةَ الْوِلاَيَةِ بِمَعْنَى تَنْفِيذِ الْقَوْل عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى (2) فَتَشْمَل الإِْمَامَةَ الْعُظْمَى وَالْخُطَّةَ كَالْقَضَاءِ، وَالْحِسْبَةِ وَالْمَظَالِمِ وَالشُّرَطَةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا تَشْمَل قِيَامَ شَخْصٍ كَبِيرٍ رَاشِدٍ عَلَى شَخْصٍ قَاصِرٍ فِي تَدْبِيرِ شُؤُونِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَيُقَال لِلْمَحْجُورِ فِيهَا مَوْلِيٌّ عَلَيْهِ (3) وَمُوَلًّى عَلَيْهِ (4) ، كَذَلِكَ وَرَدَتْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ بِمَعْنَى إِقَامَةِ الْغَيْرِ مَقَامَ النَّفْسِ فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ، فَتَنَاوَلَتِ الْوَكَالَةَ وَنِظَارَةَ الْوَقْفِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَبِمَعْنَى أَحَقِّيَّةِ الْمُطَالَبَةِ بِدَمِ الْقَتِيل فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَسَمَّوْا صَاحِبَهَا " وَلِيَّ الدَّمِ ". كَمَا عَبَّرُوا عَنْ سُلْطَةِ الزَّوْجِ فِي تَأْدِيبِ زَوْجَتِهِ النَّاشِزِ، وَالْوَالِدِ فِي تَأْدِيبِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَالْمُعَلِّمِ فِي تَأْدِيب تَلاَمِيذِهِ بِالْوِلاَيَةِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. (5)
وَاسْتَعْمَلَهَا فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ بِمَعْنَى الآْصِرَةِ الْمُوجِبَةِ لِلإِْرْثِ. فَقَال ابْنُ جُزَيٍّ: الْوِلاَيَةُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: وِلاَيَةُ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يُورَثُ بِهَا إِلاَّ مَعَ عَدَمِ غَيْرِهَا. وَوِلاَيَةُ الْحِلْفِ، وَوِلاَيَةُ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ يُتَوَارَثُ بِهِمَا أَوَّل الإِْسْلاَمِ ثُمَّ نُسِخَ. وَوِلاَيَةُ الْقَرَابَةِ، وَوِلاَيَةُ الْعِتْقِ، وَالْمِيرَاثُ بِهِمَا ثَابِتٌ. (6)
2 - وَقَدْ أَوْضَحَ الْقَاضِي ابْنُ رُشْدٍ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ فَقَال:
فَأَمَّا وِلاَيَةُ الإِْسْلاَمِ وَالإِْيمَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَّ عَلَيْهَا فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ فَقَال: ( {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ) (7) وَهِيَ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ.
وَأَمَّا وِلاَيَةُ الْحِلْفِ (وَلاَءُ الْمُوَالاَةِ، فَقِيل: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهَا فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ بِدَلِيل قَوْل اللَّهِ ﷿: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} (8) ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ( {وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} . (2)
وَقِيل: إِنْ ذَلِكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِْسْلاَمُ أُمِرُوا أَنْ يُؤْتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالنَّصِيحَةِ وَالْمَعُونَةِ وَالْمَشُورَةِ، وَلاَ مِيرَاثَ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ الآْيَةَ مُحْكَمَةٌ عَلَى ظَاهِرِهَا فِي الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ.
(ر: مَوْلَى الْمُوَالاَةِ) .
وَأَمَّا وِلاَيَةُ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهَا فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ. قَال تَعَالَى: ( {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيل اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . (3) فَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَْنْصَارُ يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ وَالْمُؤَاخَاةِ الَّتِي آخَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِهَا بَيْنَهُمْ دُونَ ذَوِي الأَْرْحَامِ حَتَّى أَنْزَل اللَّهُ ( {وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} ) (9) يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: (فِي كِتَابِ اللَّهِ) عَلَى مَا قَال أَهْل التَّأْوِيل: أَيْ فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ، فَالْمُرَاد بِأُولِي الأَْرْحَامِ فِي هَذِهِ الآْيَةِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ أَوْ دَخَل فِيهَا بِالْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ.
وَأَمَّا وِلاَيَةُ النَّسَبِ، فَمَوْجُودَةٌ أَيْضًا فِي الْقُرْآنِ. قَال تَعَالَى: ( {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَْقْرَبُونَ} . (2) وَقَال حَاكِيًا عَنْ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ( {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} . (3)
يَقُول: وَإِنِّي خِفْتُ بَنِي عَمِّي وَعَصَبَتِي مِنْ بَعْدِي أَنْ يَرِثُونِي ( {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آل يَعْقُوبَ} . (4) أَيْ وَلَدًا وَارِثًا مُعِينًا يَرِثُ مَالِي وَيَرِثُ مِنْ آل يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ مَنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ يَحْيَى.
وَأَمَّا وِلاَيَةُ الْعِتْقِ، فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْمِيرَاثَ عِنْدَ انْقِطَاعِ النَّسَبِ بِحَقِّ الإِْنْعَامِ بِالْعِتْقِ وَالْمَنِّ بِهِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ. (10)
(ر: مَوْلَى الْعَتَاقَةِ) 3 - أَمَّا " وَلاَيَةُ اللَّهِ تَعَالَى " لِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَدْلُولُهُ أَنَّهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، فَقَرُبَ مِنْهُمْ بِالْمَحَبَّةِ وَالْهِدَايَةِ وَالنُّصْرَةِ، وَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ فَلَمْ يَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ لَحْظَةً، وَكَفَل مَصَالِحَهُمْ وَرَعَاهُمْ بِحِفْظِهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ قَال الشَّرِيفُ الْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُ: الْوَلِيُّ - فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ - هُوَ مَنْ تَوَالَتْ طَاعَتُهُ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّل عِصْيَانٍ. أَوْ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَهُوَ مَنْ يَتَوَالَى عَلَيْهِ إِحْسَانُ اللَّهِ وَإِفْضَالُهُ. (11)
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وِلاَيَةُ اللَّه تَعَالَى نَوْعَانِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ.
فَالْعَامَّةُ: وِلاَيَةُ كُل مُؤْمِنٍ. فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا لِلَّهِ تَقِيًّا، كَانَ اللَّهُ لَهُ وَلِيًّا، وَفِيهِ مِنَ الْوِلاَيَةِ بِقَدْرِ إِيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ.
وَالْخَاصَّةُ: وِلاَيَةُ الْقَائِمِ لِلَّهِ بِجَمِيعِ حُقُوقِهِ، الْمُؤْثِرِ لَهُ عَلَى كُل مَا سِوَاهُ فِي جَمِيعِ حَالاَتِهِ، الَّذِي صَارَتْ مَرَاضِي اللَّهِ وَمَحَابِّهِ هَمَّهُ وَمُتَعَلَّقَ خَوَاطِرِهِ، يُصْبِحُ وَيُمْسِي وَهَمُّهُ مَرْضَاةُ رَبِّهِ وَإِنْ سَخِطَ الْخَلْقُ. (12) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ
أـ النِّيَابَةُ:
4 ـ النِّيَابَةُ فِي اللُّغَةِ: جَعْل الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ نَائِبًا عَنْهُ فِي الأَْمْرِ، يُقَال: نَابَ عَنْهُ فِي الأَْمْرِ: إِذَا قَامَ مَقَامَهُ.
وَالنِّيَابَةُ فِي الاصْطِلاِحِ: قِيَامُ الإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ بِفِعْل أَمْرٍ. (13)
وَعَلَى ذَلِكَ فَالْوِلاَيَةُ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنَ النِّيَابَةِ، وَالأَْخَصُّ يَسْتَلْزِمُ دَائِمًا مَعْنَى الأَْعَمِّ وَلاَ عَكْسَ، فَكُل نِيَابَةٍ وِلاَيَةٌ وَلاَ عَكْسَ. (14)
ب ـ الْعِمَالَةُ:
5 ـ يُقَال فِي اللُّغَةِ: عَمِلْتُهُ عَلَى الْبَلَدِ، أَيْ وَلَّيْتُهُ عَمَلَهُ. وَعَمِلْتُ عَلَى الصَّدَقَةِ: أَيْ سَعَيْتُ فِي جَمْعِهَا. وَاسْتَعْمَلْتُهُ: أَيْ جَعَلْتُهُ عَامِلاً. وَالْجَمْعُ عُمَّالٌ وَعَامِلُونَ. وَالْعُمَالَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ: أُجْرَةُ الْعَامِلِ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ، وَأَصْل الْعُمَالَةِ أُجْرَةُ مَنْ يَلِي الصَّدَقَةَ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا حَتَّى أُجْرِيَتْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوِلاَيَةِ وَالْعُمَالَةِ: أَنَّ الْوِلاَيَةَ أَعَمُّ مِنَ الْعُمَالَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُل مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ عَمِل السُّلْطَانِ فَهُوَ وَالٍ، فَالْقَاضِي وَالٍ، وَالأَْمِيرُ وَالٍ وَالْعَامِل وَالٍ، وَلَيْسَ الْقَاضِي عَامِلاً وَلاَ الأَْمِيرُ، وَإِنَّمَا الْعَامِل مَنْ يَلِي جِبَايَةَ الْمَال فَقَطْ. فَكُل عَامِلٍ وَالٍ، وَلَيْسَ كُل وَالٍ عَامِلاً. . (15)
جـ ـ الْقِوَامَةُ:
6 ـ الْقِوَامَةُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذَةٌ مَنْ قَامَ عَلَى الشَّيْءِ يَقُومُ قِيَامًا، أَيْ حَافَظَ عَلَيْهِ وَرَاعَى مَصَالِحَهُ. وَمِنْ ذَلِكَ: الْقَيِّمُ، وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَى شَأْنِ شَيْءٍ وَيَلِيهِ وَيُصْلِحُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( {الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} . (2) وَكُلُّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْقِيَامِ الْمَجَازِيِّ، لأَِنَّ شَأْنَ الَّذِي يَهْتَمُّ بِالأَْمْرِ وَيَعْتَنِي بِهِ أَنْ يَقِفَ لِيُدَبِّرَ أَمْرَهُ وَيَرْعَاهُ.
وَلاَ يَخْرُجُ الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ لِلْكَلِمَةِ عَنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ " الْقَيِّمِ " بِمَعْنَى الْمُتَوَلِّي وَالنَّاظِرِ، فَيَقُولُونَ: الْقَيِّمُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ، وَالْقَيِّمُ عَلَى مَال الْوَقْفِ. وَيُرِيدُونَ بِهِ الأَْمِينَ الَّذِينَ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ وَيَقُومُ بِمَصَالِحِهِ قِيَامَ الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ. (16)
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقِوَامَةَ أَخَصُّ مِنَ الْوِلاَيَةِ.
د ـ الْوِصَايَةُ:
7 ـ الْوِصَايَةُ لُغَةً مَصْدَرُ وَصَّى، تَعْنِي طَلَبَ شَخْصٍ شَيْئًا مِنْ غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ عَلَى غَيْبٍ مِنْهُ حَال حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ.
أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ فَهِيَ: إِقَامَةُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِيَنْظُرَ فِي شُؤُونِ تَرِكَتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ دُيُونٍ وَوَصَايَا وَفِي شُؤُونِ أَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ وَرِعَايَتِهِمْ. وَيُسَمَّى ذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُقَامُ وَصِيًّا. أَمَّا إِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ فِي الْقِيَامِ بِبَعْضِ أُمُورِهِ فِي حَال حَيَاتِهِ، فَلاَ يُقَال لَهُ فِي اصْطِلاَحِهِمْ وِصَايَةٌ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى وِكَالَةً. (17)
وَالْوِصَايَةُ عَلَى ذَلِكَ أَخَصُّ مِنَ الْوِلاَيَةِ.
هـ الْوَكَالَةُ:
8 ـ الْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ: التَّفْوِيضُ إِلَى الْغَيْرِ وَرَدُّ الأَْمْرِ إِلَيْهِ. وَمَعْنَاهَا فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: تَفْوِيضُ شَخْصٍ مَا لَهُ فِعْلُهُ مِمَّا يَقْبَل النِّيَابَةَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ إِلَى غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَقَدْ عَرَّفَهَا الْمَنَاوِيُّ بِأَنَّهَا: اسْتِنَابَةُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ مِثْلَهُ فِيمَا لَهُ عَلَيْهِ تَسَلُّطٌ أَوْ وِلاَيَةٌ لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ. وَقَال التَّهَانَوِيُّ: هِيَ إِقَامَةُ أَحَدٍ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ شَرْعِيٍّ مَعْلُومٍ مُوَرِّثٍ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ. كَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ الْمُوَرِّثَيْنِ لِلْحِل وَالْحُرْمَةِ. (18)
وَعَلَى ذَلِكَ فَالْوِكَالَةُ أَخَصُّ مِنَ الْوِلاَيَةِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوِلاَيَةِ
الْوِلاَيَةُ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَامَّةً أَوْ خَاصَّة وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا:
أَوَّلاً: الْوِلاَيَةُ الْعَامَّةُ:
9 ـ الْوِلاَيَةُ الْعَامَّةُ: سُلْطَةٌ عَلَى إِلْزَامِ الْغَيْرِ وَإِنْفَاذِ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ بِدُونِ تَفْوِيضٍ مِنْهُ، تَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالنَّفْسِ وَالْمَالِ، وَتُهَيْمِنُ عَلَى مَرَافِقِ الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ وَشُؤُونِهَا، مِنْ أَجْل جَلْبِ الْمَصَالِحِ لِلأُْمَّةِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَنْهَا.
وَهِيَ مَنْصِبٌ دِينِيٌّ وَدُنْيَوِيٌّ، شُرِعَ لِتَحْقِيقِ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ: الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَدَاءُ الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَالْحُكْمُ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْل. (19) قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَالْمَقْصُودُ الْوَاجِبُ بِالْوِلاَيَاتِ: إِصْلاَحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُمْ خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِصْلاَحُ مَا لاَ يَقُومُ الدِّينُ إِلاَّ بِهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ. (20)
10 - وَلِلْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ مَرَاتِبُ وَاخْتِصَاصَاتٌ تَتَفَاوَتُ فِيمَا بَيْنَهَا وَتَتَدَرَّجُ مِنْ وِلاَيَةِ الإِْمَامِ الأَْعْظَمِ إِلَى وِلاَيَةِ نُوَّابِهِ وَوُلاَتِهِ وَنَحْوِهِمْ، وَبِهَا يُنَاطُ تَجْهِيزُ الْجُيُوشِ، وَسَدُّ الثُّغُورِ، وَجِبَايَةُ الأَْمْوَال مِنْ حِلِّهَا، وَصَرْفُهَا فِي مَحِلِّهَا، وَتَعْيِينُ الْقُضَاةِ وَالْوُلاَةِ، وَإِقَامَةُ الْحَجِّ وَالْجَمَاعَاتِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ، وَقَمْعُ الْبُغَاةِ وَالْمُفْسِدِينَ وَحِمَايَةُ بَيْضَةِ الدِّينِ، وَفَصْل الْخُصُومَاتِ، وَقَطْعُ الْمُنَازَعَاتِ، وَنَصْبُ الأَْوْصِيَاءِ وَالنُّظَّارِ وَالْمُتَوَلِّينَ وَمُحَاسَبَتِهِمْ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي يَسْتَتِبُّ بِهَا الأَْمْنُ، وَيُحَكَّمُ شَرْعُ اللَّهِ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَأَصْل ذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ الْوِلاَيَاتِ فِي الإِْسْلاَمِ مَقْصُودُهَا أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِذَلِكَ، وَبِهِ أَنْزَل الْكُتُبَ، وَلَهُ أَرْسَل الرُّسُلَ، وَعَلَيْهِ جَاهَدَ الرَّسُول وَالْمُؤْمِنُونَ. (21)
11 - وَلِهَذَا اعْتَبَرَتِ الشَّرِيعَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ وِلاَيَةَ أَمْرِ النَّاسِ مِنْ أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ، بَل لاَ قِيَامَ لِلدِّينِ إِلاَّ بِهَا، لأَِنَّ بَنِي آدَمَ لاَ تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُمْ إِلاَّ بِالاِجْتِمَاعِ، لِحَاجَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَلاَ بُدَّ لَهُمْ عِنْدَ الاِجْتِمَاعِ مِنْ رَأْسٍ، حَتَّى قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ. (22) فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الاِجْتِمَاعِ الْقَلِيل الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ، تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الاِجْتِمَاعِ. . . كَذَلِكَ أَوْجَبَ اللَّهُ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلاَ يَتِمُّ ذَلِكَ إِلاَّ بِقُوَّةٍ وَسُلْطَانٍ، وَكَذَا سَائِرُ مَا أَوْجَبَهُ مِنَ الْجِهَادِ وَالْعَدْل وَإِقَامَةِ الْحَجِّ وَالْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَهِيَ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِالْقُوَّةِ وَالإِْمَارَةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ. (23) الشُّرُوطُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ:
يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِتَوَلِّي الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ تَوَفُّرَ الشُّرُوطِ التَّالِيَةِ:
أـ الإِْسْلاَمُ:
12 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الإِْسْلاَمِ لِصِحَّةِ تَوَلِّي جَمِيعِ الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} . (1) حَيْثُ دَل عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لاَ يَسْتَحِقُّ الْوِلاَيَةَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِوَجْهٍ. (24) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ} . (3) قَال الشَّوْكَانِيُّ: أُولُو الأَْمْرِ هُمُ الأَْئِمَّةُ وَالسَّلاَطِينُ وَالْقُضَاةُ وَكُل مَنْ كَانَتْ لَهُ وِلاَيَةٌ شَرْعِيَّةٌ. (25) فَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّ مُسْتَحِقِّي الطَّاعَةِ أُولُو الأَْمْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ، فَلاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ وَلاَ طَاعَةَ. (26)
ب ـ الْبُلُوغُ:
13 - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ لِصِحَّةِ تَوَلِّي جَمِيعِ الْوِلاَيَاتِ، لأَِنَّ الصَّغِيرَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ يَلِي أَمْرَهُ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَلِيَ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ. يَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل أَوَيُفِيقَ. (27) حَيْثُ أَفَادَ عَدَمَ تَكْلِيفِ الصَّغِيرِ لأَِنَّهُ لاَ يَعْقِل الأُْمُورَ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالَهُ لَمْ يَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، (28) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السَّبْعِينَ وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ. (29)
جـ ـ الْعَقْل:
14 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ الْعَقْل لِصِحَّةِ تَوَلِّي الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، فَالْمَجْنُونُ الَّذِي لاَ يَعْقِل لاَ تَجُوزُ وِلاَيَتُهُ فِي قَوْل أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ شَرْعًا، وَالتَّكْلِيفُ مِلاَكُ الأَْمْرِ، وَلأَِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَلِي أَمْرَهُ، فَلاَ يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ. (30) د ـ الْحُرِّيَّةُ:
15 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ صِحَّة تَوَلِّي الْعَبْدِ الْوِلاَيَةَ الْعَامَّةَ، لأَِنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ مَالِكِهِ، وَلأَِنَّ نَقْصَ الْعَبْدِ عَنْ وِلاَيَةِ نَفْسِهِ يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ وِلاَيَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ. (31)
هـ ـ الذُّكُورَةُ:
16 - ذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْل الْعِلْمِ إِلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ لِصِحَّةِ تَوَلِّي الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ، (32) وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّل اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ) (33) حَيْثُ دَل عَلَى أَنَّ الرَّجُل هُوَ الْقَائِمُ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَكَيْفَ تَقُومُ هِيَ عَلَى شُؤُونِ الأُْمَّةِ؟ وَلِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً. (34) فَقَدْ قَرَنَ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَدَمَ الْفَلاَحِ لِلأُْمَّةِ بِتَوَلِّي الْمَرْأَةِ شُؤُونَهَا. وـ الْعَدَالَةُ:
17 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ لِصِحَّةِ تَوَلِّي الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ. (35) وَالْعَدَالَةُ: هِيَ الصَّلاَحُ فِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةُ، فَالصَّلاَحُ فِي الدِّينِ هُوَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكُ الْمَنْهِيَّاتِ بِعَدَمِ ارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ وَعَدَمِ الإِْصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَأَنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْ مَوَاطِنِ الرِّيَبِ، مَأْمُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ.
وَأَمَّا الْمُرُوءَةُ فَهِيَ: اسْتِعْمَال مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ مِنَ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال.
وَإِنَّمَا اشْتُرِطَتِ الْعَدَالَةُ هَهُنَا لأَِنَّ الْفَاسِقَ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ، وَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، وَلاَ يُوثَقُ بِتَصَرُّفَاتِهِ وَلاَ يُؤْمَنُ مَعَهُ مِنَ الْحَيْفِ فِي الأَْحْكَامِ، فَلاَ يَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ. (36)
ز ـ الْعِلْمُ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ
18 - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِتَوَلِّي الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ الْعِلْمَ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. قَال السِّمْنَانِيُّ: يُشْتَرَطُ فِي الإِْمَامِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأُصُول الدِّينِ وَمِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ فِي فُرُوعِهِ لِيُمْكِنَهُ حَل الشُّبَهِ وَإِرْشَادُ الضَّال وَفُتْيَا الْمُسْتَفْتِي وَالْحُكْمُ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَهَذَا شَرْطٌ عَلَيْهِ سَائِرُ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ فِي اعْتِبَارِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَسَائِرِ الْمُخْتَلِفِينَ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ فِرَقِ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى اخْتِلاَفِ مَذَاهِبِهِمْ، لاَ يُعْرَفُ بَيْنَهُمْ خِلاَفٌ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ نَقَل السِّمْنَانِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْل الْعِلْمِ فِي عَصْرِهِ وَهُوَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّ اعْتِبَارَ الْعِلْمِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لاَ يَصِحَّ لإِِمَامٍ إِمَامَةٌ فِي الْعَصْرِ، بَل يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَصَرٌ وَعَقْلٌ وَرَأْيٌ وَيُقَوِّي كُل فَرِيقٍ فِي الأُْصُول وَالْفُرُوعِ " وَيَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُ " كَمَا يَتَوَلاَّهُ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَلَّفْنَاهُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ مَعَ ضِيقِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةِ الأَْشْغَال لأََدَّى ذَلِكَ إِلَى انْقِطَاعِ زَمَانِهِ وَفَوَاتِ تَدْبِيرِ أُمُورِ الْخَلْقِ، لأَِنَّ الْعِلْمَ كَثِيرٌ وَالْمَسَائِل صَعْبَةٌ، وَلاَ يَكَادُ يَجْتَمِعُ جَمِيعُ الْعُلُومِ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ إِلاَّ نَادِرًا شَاذًّا، وَيَجْتَمِعُ مَجْمُوعُ الْعُلُومِ فِي الأَْشْخَاصِ، فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَقَاسَ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ. (37) ح ـ الْكِفَايَةُ الْجِسْمِيَّةُ
19 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّة تَوَلِّي الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ كَوْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا نَاطِقًا، لأَِنَّ الاِخْتِلاَل الْوَاقِعَ فِي تِلْكَ الأَْعْضَاءِ أَوِ الْحَوَاسِّ يُؤَدِّي إِلَى الْعَجْزِ عَنْ كَمَال التَّصَرُّفِ، وَيُفْضِي إِلَى الْخَلَل فِي قِيَامِ ذِي الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ بِمَا جُعِل وَأُسْنِدَ إِلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ. (38)
وَقَدْ ذَكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ فَقْدَ الْحَوَاسِّ كَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَالْكَلاَمِ يَحُول دُون الاِنْتِهَاضِ فِي الْمُلِمَّاتِ وَالْحُقُوقِ، وَيَجُرُّ إِلَى الْمُعْضِلاَتِ عِنْد مَسِيسِ الْحَاجَاتِ. وَالْوِلاَيَةُ الْعَامَّةُ تَسْتَدْعِي كَمَال الأَْوْصَافِ، وَالأَْعْمَى وَالأَْصَمُّ وَالأَْبْكَمُ وَمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ. (39)
ط ـ الرَّأْيُ وَالْكِفَايَةُ:
20 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ تَوَلِّي الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ الرَّأْيُ وَالْكِفَايَةُ. وَهَذِهِ الصِّفَةُ تَخْتَلِفُ مُتَطَلَّبَاتُهَا بِحَسْبِ الْوِلاَيَةِ الَّتِي يُرَادُ إِسْنَادُهَا، فَمَا يَلْزَمُ تَوَفُّرُهُ فِي الْخَطِيرِ مِنْهَا كَالإِْمَامَةِ الْعُظْمَى مِنَ الْمَقْدِرَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْحَرْبِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ وَالصَّرَامَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالْمَضَاءِ وَالدَّهَاءِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيمَا دُونَهَا مِنَ الْوِلاَيَاتِ، وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي كُل وِلاَيَةٍ بِحَسْبِهَا. (40)
وَقَدْ نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ ﵁ قَال: " قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَال: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَال: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا " (41) فَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي عَدَمِ جَوَازِ إِسْنَادِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ عَنِ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِهَا وَأَعْبَائِهَا وَمُوجِبَاتِهَا، لأَِنَّهَا أَمَانَةٌ. (42) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا ضُيِّعَتِ الأَْمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ. قِيل: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَال: إِذَا وُسِّدَ الأَْمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ. (43)
هَذِهِ هِيَ الشُّرُوطُ الْمُشْتَرَكَةُ لِتَوَلِّي الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ، وَهُنَاكَ شُرُوطٌ أُخْرَى فَوْقَهَا تُضَافُ لِبَعْضِ أَنْوَاعِهَا، مِثْل شَرْطِ الْقُرَشِيَّةِ لِلْخِلاَفَةِ. ر: الإِْمَامَةُ الْعُظْمَى ف 11، وَقَضَاء ف 18.
تَقْدِيمُ الأَْمْثَل عِنْدَ الاِضْطِرَارِ:
21 - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُ كُل هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي النَّاسِ، وَفُقِدَ مُكْتَمِل هَذِهِ الأَْوْصَافِ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَْوْقَاتِ، فَلاَ يُعَطَّل إِسْنَادُ الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ فِي الدَّوْلَةِ، بَل يَجِبُ تَقْدِيمُ الأَْصْلَحِ وَالأَْمْثَل فِي كُل وِلاَيَةٍ بِحَسْبِهَا، إِذِ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، وَلأَِنَّ حِفْظَ بَعْضِ الْمَصَالِحِ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِهَا كُلِّهَا، فَلاَ يَجُوزُ تَعْطِيل أَصْل الْمَصَالِحِ لِوُجُودِ بَعْضِ الْفِسْقِ فِي وُلاَةِ الأَْمْرِ، وَلأَِنَّ الْبَعِيدَ مَعَ الأَْبْعَدِ قَرِيبٌ، وَأَهْوَنَ الشَّرَّيْنِ خَيْرٌ بِالإِْضَافَةِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ( {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ) (44) فَعَلَّقَ تَحْصِيل التَّقْوَى عَلَى الاِسْتِطَاعَةِ، فَكَذَا الْمَصَالِحُ كُلُّهَا.
وَقَال سُبْحَانَهُ: ( {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ) (45) فَدَل عَلَى أَنَّهُ لاَ تَكْلِيفَ إِلاَّ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَأَنَّ الأَْمْرَ يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ. (46) وَفِي ذَلِكَ يَقُول الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لَوْ تَعَذَّرَتِ الْعَدَالَةُ فِي جَمِيعِ النَّاسِ لَمَا جَازَ تَعْطِيل الْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُضَاةِ وَالْخُلَفَاءِ وَالْوُلاَةِ، بَل قَدَّمْنَا أَمْثَل الْفَسَقَةِ فَأَمْثَلَهُمْ، وَأَصْلَحَهُمْ لِلْقِيَامِ بِذَلِكَ فَأَصْلَحَهُمْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّا إِذَا أُمِرْنَا بِأَمْرٍ أَتَيْنَا مِنْهُ بِمَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنَّا مَا عَجَزْنَا عَنْهُ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ حِفْظَ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِ الْكُل. (47)
22 - وَمَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الأَْهْل لِلضَّرُورَةِ إِذَا كَانَ أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ، فَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ السَّعْيُ فِي إِصْلاَحِ الأَْحْوَال حَتَّى يَكْمُل فِي النَّاسِ مَا لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ أُمُورِ الْوِلاَيَاتِ وَالإِْمَارَاتِ وَنَحْوِهَا، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْسِرِ السَّعْيُ فِي وَفَاءِ دِينِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَال لاَ يُطْلَبُ مِنْهُ إِلاَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَمَا يَجِبُ الاِسْتِعْدَادُ لِلْجِهَادِ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَرِبَاطِ الْخَيْل فِي وَقْتِ سُقُوطِهِ لِلْعَجْزِ، فَإِنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. (48) وَاجِبَاتُ صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ:
23 - تَخْتَلِفُ وَاجِبَاتُ أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ بِحَسْبِ الْوِلاَيَةِ الَّتِي يَتَقَلَّدُهَا كُلٌّ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ لِتَبَايُنِ الْوَظَائِفِ وَالأَْعْبَاءِ وَالاِخْتِصَاصَاتِ وَالْمَسْئُولِيَّاتِ الْمَنُوطَةِ بِكُل ذِي وِلاَيَةٍ، فَوَاجِبَاتُ الْخَلِيفَةِ مَثَلاً مُخْتَلِفَةٌ عَنْ وَاجِبَاتِ وَالِي الشُّرَطَةِ، وَوَاجِبَاتُ الْوَزِيرِ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ وَاجِبَاتِ الْقَاضِي، وَوَاجِبَاتُ أَمِيرِ الْجَيْشِ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ وَاجِبَاتِ الْمُحْتَسِبِ، وَهَذِهِ الْوَاجِبَاتُ هِيَ كَمَا يَلِي:
أـ الاِلْتِزَامُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ:
24 - الاِلْتِزَامُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ عَلَى صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ، وَذَلِكَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَأَخْلاَقِهِ، فَإِنَّهُ مِلاَكُ الأَْمْرِ وَجِمَاعُ الْخَيْرِ فِيهِ. فَمُتَقَلِّدُ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قُدْوَةً حَسَنَةً لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ، بِأَنْ يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى قَبْل أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ مِنَ الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى امْتِثَالِهِمْ، وَأَقْوَى أَثَرًا فِي صَلاَحِهِمْ وَفَلاَحِهِمْ.
ب ـ أَدَاءُ الأَْمَانَةِ:
25 - وَمِنْ وَاجِبَاتِ صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ أَدَاءُ الأَْمَانَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواالأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ، (49) حَيْثُ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي وُلاَةِ الأُْمُورِ. (50)
وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. (51)
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنِ اسْتَعْمَل رَجُلاً مِنْ عِصَابَةٍ، وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَخَانَ رَسُولَهُ وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ. (52)
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدًا مُحَابَاةً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، لاَ يَقْبَل اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلاَ عَدْلاً حَتَّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ. (53)
وَعَلَى ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَى كُل مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَعْمِل فِيمَا تَحْتَ يَدِهِ فِي كُل مَوْضِعٍ أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَمْثَلَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ، أَدَاءً لِلأَْمَانَةِ وَبُعْدًا عَنِ الْخِيَانَةِ. (54) قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: فَإِنْ عَدَل عَنِ الأَْحَقِّ الأَْصْلَحِ إِلَى غَيْرِهِ لأَِجْل قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ وَلاَءِ عَتَاقَةٍ، أَوْ صَدَاقَةٍ، أَوْ مُوَافَقَةٍ فِي بَلَدٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ طَرِيقَةٍ أَوْ جِنْسٍ، كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ، أَوْ لِرِشْوَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْهُ مِنْ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْسْبَابِ، أَوْ لِضِغْنٍ فِي قَلْبِهِ عَلَى الأَْحَقِّ، أَوْ عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَدَخَل فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ( {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . (2)
وَأَدَاءُ أَوْلِيَاءِ الأُْمُورِ لِلأَْمَانَةِ - كَمَا قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ - مَبْنِيٌّ عَلَى ثَلاَثِ شُعَبٍ: خَشْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَلاَّ يَشْتَرِيَ بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً، وَتَرْكُ خَشْيَةِ النَّاسِ. (55)
(ر: أَمَانَةُ ف3)
جـ ـ الْعَدْل بَيْنَ النَّاسِ:
26 - الْعَدْل مِيزَانُ اللَّهِ فِي الأَْرْضِ، وَهُوَ قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَسَبَبُ صَلاَحِ الْخَلْقِ، وَبِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَْرْضُ. قَال تَعَالَى: ( {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} . (1) وَوَرَدَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (56)
وَلِهَذَا نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوِلاَيَةَ إِذَا شَمِلَهَا الْعَدْل كَانَتْ مِنْ أَفْضَل الطَّاعَاتِ، وَأَنَّ الْعَادِل مِنَ الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ وَالْقُضَاةِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ جَمِيعِ الأَْنَامِ. (57)
قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ إِقَامَةِ الْحَقِّ وَدَرْءِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمْ يَقُول الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا مِائَةَ أَلْفِ مَظْلِمَةٍ فَمَا دُونَهَا، أَوْ يَجْلِبُ بِهَا مِائَةَ أَلْفِ مَصْلَحَةٍ فَمَا دُونَهَا، فَيَا لَهُ مِنْ كَلاَمٍ يَسِيرٍ وَأَجْرٍ كَبِيرٍ.
أَمَّا وُلاَةُ الْجَوْرِ وَقُضَاةُ السُّوءِ فَأَعْظَمُ النَّاسِ وِزْرًا، وَأَحَطُّهُمْ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ﷿، لِعُمُومِ مَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ جَلْبِ الْمَفَاسِدِ وَدَرْءِ الْمَصَالِحِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُول الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَأْثَمُ بِهَا أَلْفَ إِثْمٍ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى حَسَبِ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَا لَهَا مِنْ صَفْقَةٍ خَاسِرَةٍ وَتِجَارَةٍ بَايِرَةٍ. (58)
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ جِمَاعَ السِّيَاسَةِ الْعَادِلَةِ وَالْوِلاَيَةِ الصَّالِحَةِ: أَدَاءُ الأَْمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَالْحُكْمُ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْل. (59) وَحَكَى: إِنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَلاَ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً. (60)
د ـ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ:
27 - إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوِلاَيَاتِ فِي الإِْسْلاَمِ: إِصْلاَحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُمْ خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِصْلاَحُ مَا لاَ يَقُومُ الدِّينُ إِلاَّ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا. (61) وَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. (62)
- 16 - قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَإِذَا كَانَ جِمَاعُ الدِّينِ وَجَمِيعِ الْوِلاَيَاتِ هُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ، فَالأَْمْرُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ هُوَ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ هُوَ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذَا نَعْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَال تَعَالَى: ( {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . (1)
وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ قَادِرٍ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَيَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ، وَالْقُدْرَةُ هِيَ السُّلْطَانُ وَالْوِلاَيَةُ، فَذَوُو السُّلْطَانِ أَقْدَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ مِنَ الْوُجُوبِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ مَنَاطَ الْوُجُوبِ هُوَ الْقُدْرَةُ، وَيَجِبُ عَلَى كُل إِنْسَانٍ بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ.
وَجَمِيعُ الْوِلاَيَاتِ إِنَّمَا مَقْصُودُهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وِلاَيَةُ الْحَرْبِ الْكُبْرَى مِثْل نِيَابَةِ السَّلْطَنَةِ، وَالصُّغْرَى مِثْل وِلاَيَةِ الشُّرَطَةِ، وَوِلاَيَةِ الْحُكْمِ، وَوِلاَيَةِ الْمَال - وَهِيَ وِلاَيَةُ الدَّوَاوِينِ الْمَالِيَّةِ - وَوِلاَيَةِ الْحِسْبَةِ. لَكِنَّ مِنَ الْمُتَوَلِّينَ مَنْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ الْمُؤْتَمَنِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ الصِّدْقُ، مِثْل الشُّهُودِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِثْل صَاحِبِ الدِّيوَانِ الَّذِي وَظِيفَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ الْمُسْتَخْرَجَ وَالْمَصْرُوفَ، وَالنَّقِيبِ وَالْعَرِيفِ الَّذِي وَظِيفَتُهُ إِخْبَارُ ذِي الأَْمْرِ بِالأَْحْوَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الأَْمِينِ الْمُطَاعِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْعَدْلُ، مِثْل الأَْمِيرِ وَالْحَاكِمِ وَالْمُحْتَسِبِ. وَبِالصِّدْقِ فِي كُل الأَْخْبَارِ، وَالْعَدْل فِي الإِْنْشَاءِ مِنَ الأَْقْوَال وَالأَْعْمَال تَصْلُحُ جَمِيعُ الأَْحْوَال. (63)
هـ ـ مَشُورَةُ أَهْل الْعِلْمِ وَذَوِي الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ:
28 - مَشُورَةُ أَهْل الْعِلْمِ وَذَوِي الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ، وَذَلِكَ لِظَاهِرِ وَعُمُومِ الأَْمْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ( {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ} . (2)
قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمُشَاوَرَةُ أَصْل الدِّينِ، وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي الْعَالَمِينَ، وَهِيَ حَقٌّ عَلَى عَامَّةِ الْخَلِيقَةِ مِنَ الرَّسُول إِلَى أَقَل خَلْقٍ بَعْدَهُ فِي دَرَجَاتِهِمْ، وَهِيَ اجْتِمَاعٌ عَلَى أَمْرٍ يُشِيرُ كُل وَاحِدٍ بِرَأْيِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإِْشَارَةِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَيَلْزَمُ ذَا الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ اسْتِشَارَةُ أَهْل الْعِلْمِ وَالْخِبْرَةِ فِيمَا خَفِيَ عَنْهُ أَوْ أَشْكَل عَلَيْهِ مِنَ الأُْمُورِ وَالْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِوِلاَيَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، فَالشُّورَى أُلْفَةٌ لِلْجَمَاعَةِ، وَمِسْبَارٌ لِلْعُقُولِ، وَسَبَبٌ إِلَى الصَّوَابِ، وَمَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إِلاَّ هُدُوا. (64)
قَال ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادَ: وَاجِبٌ عَلَى الْوُلاَةِ مُشَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا لاَ يَعْلَمُونَ، وَفِيمَا أَشْكَل عَلَيْهِمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَوُجُوهِ الْجَيْشِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرُوبِ، وَوُجُوهِ النَّاسِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ، وَوُجُوهِ الْكُتَّابِ وَالْعُمَّال وَالْوُزَرَاءِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْبِلاَدِ وَعِمَارَتِهَا. (65)
وَقَدْ مَدَحَ اللَّه مَنْ عَمِل بِهَا فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، فَقَال جَل وَعَلاَ: ( {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} . (3) قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَيْ لاَ يَسْتَبِدُّونَ بِأَمْرٍ، وَيَتَّهِمُونَ رَأْيَهُمْ حَتَّى يَسْتَعِينُوا بِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّ عِنْدَهُ مَدْرَكًا لِغَرَضِهِ. وَهَذِهِ سِيرَةٌ أَوَّلِيَّةٌ، وَسُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ، وَخَصْلَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الأُْمَمِ مَرَضِيَّةٌ. (66)
(ر: شُورَى ف 5ـ8)
وـ تَعَهُّدُ حَاجَاتِ الأُْمَّةِ وَرِعَايَةُ مَصَالِحِهَا:
29 - وَذَلِكَ فِي كُل وِلاَيَةٍ بِحَسْبِهَا، فَمَنِ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَهُ الْقِيَامُ فِيمَا جُعِل إِلَيْهِ النَّظَرُ فِيهِ وَأُسْنِدَ إِلَيْهِ الْقِوَامَةُ عَلَيْهِ دُونَ تَوَانٍ أَوْ تَقْصِيرٍ أَوْ إِهْمَالٍ. فَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَْزْدِيِّ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ. (67)
وَقَال الْقَرَافِيُّ: كُل مَنْ وَلِيَ وِلاَيَةَ الْخِلاَفَةِ فَمَا دُونَهَا إِلَى الْوَصِيَّةِ، لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا إِلاَّ بِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءِ مَفْسَدَةٍ. . . . فَالْوِلاَيَةُ إِنَّمَا تَتَنَاوَل جَلْبَ الْمَصْلَحَةِ الْخَالِصَةِ أَوِ الرَّاجِحَةِ وَدَرْءَ الْمَفْسَدَةِ الْخَالِصَةِ أَوِ الرَّاجِحَةِ. (68)
حُقُوقُ صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ:
أـ طَاعَتُهُ فِي الْمَعْرُوفِ:
30 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ بَذْل الطَّاعَةِ لأَِوْلِيَاءِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُل مَا يَأْمُرُونَ بِهِ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ} . (3)
وَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ. (69)
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى حُرْمَةِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ عَادِلاً، أَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ جَائِرًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ.
وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى ف 12، 21، طَاعَة ف7، أُولُو الأَْمْرِ ف5.
ب ـ نَصِيحَتُهُ:
31 - وَذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ بِالْحَقِّ، وَإِعْلاَمِهِ بِمَا غَفَل عَنْهُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ إِنَّ نُصْحَ أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. (2)
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَال: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ. (70)
قَال النَّوَوِيُّ: وَالْمُرَادُ بِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْخُلَفَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ. (71) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاَثًا، يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ قِيل وَقَال وَإِضَاعَةَ الْمَال وَكَثْرَةَ السُّؤَال. (72)
وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ النَّصِيحَةَ لَمَّا كَانَتْ إِحْسَانًا يَصْدُرُ عَنْ رَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ، وَيُقْصَدُ بِهِ صَلاَحُ الْمَنْصُوحِ، لَزِمَ أَنْ تَقَعَ بِالرِّفْقِ وَاللُّطْفِ وَاللِّينِ وَالْحُسْنَى، لاَ بِالذَّمِّ وَالْهَتْكِ وَالْقَدْحِ وَالتَّعْيِيرِ، (73) وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلاَ يُبْدِ لَهُ عَلاَنِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُو بِهِ، فَإِنْ قَبِل مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلاَّ كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ. (74)
ج ـ جَعْل رِزْقِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال:
32 - نَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ لِمُتَقَلِّدِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ، بِحَيْثُ يُرَتَّبُ لَهُ رِزْقٌ مِنْهُ يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ مَكَانَتِهِ وَحَاجَتِهِ، وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى عَامِل الصَّدَقَةِ الَّذِي نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ الرِّزْقَ - مَعَ غِنَاهُ - مِنْ مَال الزَّكَاةِ لِقِيَامِهِ عَلَى مَصَالِحِهَا، كَذَلِكَ أَهْل الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ يَسْتَحِقُّونَ رِزْقَهُمْ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ لِتَفَرُّغِهِمْ بِالْقِيَامِ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَاحْتِبَاسِهِمْ بِحَقِّ الْعَامَّةِ.
فَلَوْ لَمْ يُفْرَضْ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَال لَتَعَطَّلَتِ الْمَصَالِحُ وَضَاعَتِ الْحُقُوقُ لاِنْشِغَالِهِمْ عَنْهَا بِالسَّعْيِ فِي الاِكْتِسَابِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ لأَِخْذِهِمُ الرِّشْوَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْمَال الْحَرَامِ. فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ إِلَى ذَلِكَ بِكِفَايَتِهِمْ وَمَنْ يَعُولُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَال. (75)
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلاً فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا. (76)
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَال: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَؤُونَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُل آل أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ. (77)
أَنْوَاعُ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ
33 - تَنَوَّعَتْ صُوَرُ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ وَأَشْكَالُهَا وَاخْتِصَاصَاتُهَا فِي الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ بِحَسْبَ اخْتِلاَفِ الأَْقَالِيمِ وَالأَْمْصَارِ وَالأَْعْصَارِ وَالأَْعْرَافِ السَّائِدَةِ، قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: عُمُومُ الْوِلاَيَاتِ وَخُصُوصُهَا، وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلاَيَةِ يُتَلَقَّى مِنَ الأَْلْفَاظِ وَالأَْحْوَال وَالْعُرْفِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، فَقَدْ يَدْخُل فِي وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ مَا يَدْخُل فِي وِلاَيَةِ الْحَرْبِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ آخَرَ، وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَلِكَ الْحِسْبَةُ وَوِلاَيَةُ الْمَال. . . . . (78)
وَعَلَى ذَلِكَ بَلَغَ تَعْدَادُ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ وَمَاصَدْقَاتُهَا فِي تَقْسِيمَاتِ الْفُقَهَاءِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ نَوْعًا نَعْرِضُهَا فِيمَا يَلِي:
أـ الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى:
34 - وَهِيَ الرِّئَاسَةُ الْعُظْمَى فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا خِلاَفَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ " كُبْرَى " تَمْيِيزًا لَهَا عَنِ الإِْمَامَةِ الصُّغْرَى، وَهِيَ إِمَامَةُ الصَّلاَةِ. وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَال ابْنُ خَلْدُونٍ: حَمْل الْكَافَّةِ عَلَى مُقْتَضَى النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ فِي مَصَالِحِهِمُ الأُْخْرَوِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ الرَّاجِعَةِ إِلَيْهَا، إِذْ أَحْوَال الدُّنْيَا تَرْجِعُ كُلُّهَا عِنْدَ الشَّارِعِ إِلَى اعْتِبَارِهَا بِمَصَالِحِ الآْخِرَةِ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلاَفَةٌ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا بِهِ. (79)
(ر: الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى ف 6 وَمَا بَعْدَهَا)
ب - وِلاَيَةُ الْوِزَارَةِ:
35 - وِلاَيَةُ الْوِزَارَةِ هِيَ وِلاَيَةٌ شَرْعِيَّةٌ يُخَوِّلُهَا الإِْمَامُ لِشَخْصٍ مَوْثُوقٍ بِدِينِهِ وَعَقْلِهِ وَعِلْمِهِ وَأَمَانَتِهِ وَنُصْحِهِ، لِيَكُونَ عَوْنًا لَهُ فِي تَدْبِيرِ أُمُورِ الدَّوْلَةِ.
قَال ابْنُ خَلْدُونَ: وَاسْمُهَا يَدُل عَلَى مُطْلَقِ الإِْعَانَةِ، فَإِنَّ الْوِزَارَةَ مَأْخُوذَةٌ إِمَّا مِنَ الْمُؤَازَرَةِ، وَهِيَ الْمُعَاوَنَةُ، أَوْ مِنَ الْوِزْرِ وَهُوَ الثِّقْل.
وَقَدْ قَسَّمَهَا الْفُقَهَاءُ إِلَى قِسْمَيْنِ: وِزَارَةُ تَفْوِيضٍ، وَوِزَرَاةُ تَنْفِيذٍ.
فَالأُْولَى: هِيَ الَّتِي يُفَوِّضُ الإِْمَامُ إِلَى الْوَزِيرِ فِيهَا تَدْبِيرَ الأُْمُورِ بِرَأْيِهِ وَإِمْضَاءَهَا بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَهِيَ الَّتِي يَكُونُ الْوَزِيرُ فِيهَا مُجَرَّدَ وَاسِطَةٍ بَيْنَ الإِْمَامِ وَالرَّعِيَّةِ، فَيُبَلِّغُ وَيُنَفِّذُ مَا دَبَّرَهُ الإِْمَامُ وَحَكَمَ بِهِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا حَدَثَ مِنَ الأُْمُورِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ مُخَوَّلاً سُلْطَةَ التَّدْبِيرِ وَالْحُكْمِ. (80)
(ر: وِزَارَة ف 5 وَمَا بَعْدَهَا
ج - وِلاَيَةُ الْقَضَاءِ:
36 - حَقِيقَةُ الْقَضَاءِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَعَ الإِْلْزَامِ بِهِ، وَفَصْل الْخُصُومَاتِ. (2)
وَيَتَفَرَّعُ مِنْ وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ وِلاَيَةٌ جُزْئِيَّةٌ كَمُتَوَلِّي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ فِي الأَْنْكِحَةِ فَقَطْ، وَالْمُتَوَلِّي لِلنَّظَرِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْيْتَامِ فَقَطْ، فَيُفَوَّضُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ النَّقْضُ وَالإِْبْرَامُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الأَْوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ، فَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ شُعْبَةٌ مِنْ وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ، فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ، وَلاَ يَنْفُذُ لَهُ حُكْمٌ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. (81)
(ر: قَضَاء ف 7 وَمَا بَعْدَهَا
د - وِلاَيَةُ الْمَظَالِمِ:
37 - وِلاَيَةُ الْمَظَالِمِ كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ هِيَ قَوْدُ الْمُتَظَالِمِينَ إِلَى التَّنَاصُفِ بِالرَّهْبَةِ، وَزَجْرُ الْمُتَنَازِعِينَ عَنِ التَّجَاحُدِ بِالْهَيْبَةِ. وَمِنْ شَرْطِ النَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَكُونَ جَلِيل الْقَدْرِ، نَافِذَ الأَْمْرِ، عَظِيمَ الْهَيْبَةِ، ظَاهِرَ الْعِفَّةِ، قَلِيل الطَّمَعِ، كَثِيرَ الْوَرَعِ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي نَظَرِهِ إِلَى سَطْوَةِ الْحُمَاةِ، وَتَثَبُّتِ الْقُضَاةُ، فَاحْتَاجَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ صِفَتَيِ الْفَرِيقَيْنِ. فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الأُْمُورَ الْعَامَّةَ كَالْوُزَرَاءِ وَالأُْمَرَاءِ، لَمْ يَحْتَجِ النَّظَرُ فِيهَا إِلَى تَقْلِيدٍ، وَكَانَ لَهُ بِعُمُومِ وِلاَيَتِهِ النَّظَرُ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُفَوَّضْ إِلَيْهِمْ عُمُومُ الأَْمْرِ احْتَاجَ إِلَى تَقْلِيدٍ وَتَوْلِيَةٍ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ. (2)
(ر. مَظَالِم ف 5 وَمَا بَعْدَهَا
هـ - وِلاَيَةُ الإِْمَارَةِ:
38 - تَنْقَسِمُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِلَى قِسْمَيْنِ: إِمَارَةُ اسْتِكْفَاءٍ، وَإِمَارَةُ اسْتِيلاَءٍ.
فَأَمَّا إِمَارَةُ الاِسْتِكْفَاءِ: فَهِيَ الَّتِي تَنْعَقِدُ عَنِ اخْتِيَارِ الإِْمَامِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ: أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ إِمَارَةَ بَلَدٍ أَوْ إِقْلِيمٍ وِلاَيَةً عَلَى جَمِيعِ أَهْلِهِ، وَنَظَرًا فِي الْمَعْهُودِ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ. وَالْخَاصَّةُ: هِيَ مَا كَانَ الأَْمِيرُ فِيهَا مَقْصُورَ الإِْمَارَةِ عَلَى تَدْبِيرِ الْجَيْشِ وَسِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ وَحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَالذَّبِّ عَنِ الْحَرِيمِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْقَضَاءِ وَالأَْحْكَامِ وَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا إِمَارَةُ الاِسْتِيلاَءِ: فَهِيَ الَّتِي يَعْقِدُهَا الإِْمَامُ عَنِ اضْطِرَارٍ، كَأَنْ يَسْتَوْلِيَ الأَْمِيرُ بِالْقُوَّةِ عَلَى بِلاَدٍ، فَيُقَلِّدُهُ الْخَلِيفَةُ إِمَارَتَهَا وَيُفَوِّضُ إِلَيْهِ تَدْبِيرَهَا وَسِيَاسَتَهَا. (82)
(ر. إِمَارَة ف 4 وَمَا بَعْدَهَا
و وِلاَيَةُ الشُّرْطَةِ:
39 - تُطْلَقُ كَلِمَةُ " الشُّرْطَةِ " فِي اللُّغَةِ عَلَى الْجُنْدِ، وَالْجَمْعُ شُرَطٌ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ أَعْوَانُ السُّلْطَانِ. سُمُّوا بِذَلِكَ لأَِنَّهُمْ جَعَلُوا لأَِنْفُسِهِمْ عَلاَمَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا لِلأَْعْدَاءِ. وَالْوَاحِدُ شُرْطَةٌ، مِثْل غُرَفٍ جَمْعِ غُرْفَةٍ. وَالشُّرْطِيُّ: مَنْسُوبٌ إِلَى الشُّرْطَةِ. (83)
قَال ابْنُ خَلْدُونَ: وَيُسَمَّى صَاحِبُهَا لِهَذَا الْعَهْدِ بِإِفْرِيقِيَّةَ: الْحَاكِمُ. وَفِي دَوْلَةِ أَهْل الأَْنْدَلُسِ: صَاحِبُ الْمَدِينَةِ. وَفِي دَوْلَةِ التُّرْكِ: الْوَالِي. وَهِيَ وَظِيفَةٌ مَرْؤُوسَةٌ لِصَاحِبِ السَّيْفِ فِي الدَّوْلَةِ، وَحُكْمُهُ نَافِذٌ فِي صَاحِبِهَا فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ. (84)
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأَْمِينِ الْقُرْطُبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ وُضِعَ لأَِمْرَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) مَعُونَةُ الْحُكَّامِ مِنْ أَصْحَابِ الْمَظَالِمِ وَأَصْحَابِ الدَّوَاوِينِ فِي حَبْسِ مَنْ أَمَرُوهُ بِحَبْسِهِ، وَإِطْلاَقِ مَنْ أَمَرُوهُ بِإِطْلاَقِهِ، وَإِشْخَاصِ مَنْ كَاتَبُوهُ بِإِشْخَاصِهِ، وَإِخْرَاجِ الأَْيْدِي مِمَّا دَخَلَتْ فِيهِ وَإِقْرَارِهَا.
(وَالثَّانِي) النَّظَرُ فِي الْجِنَايَاتِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ إِقَامَتُهَا عَلَيْهِ. (85)
وَقَال الْقَاضِي ابْنُ رِضْوَانَ الْمَالِقِيُّ: وَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ ذَلِكَ رَجُلاً ثِقَةً دَيِّنًا صَارِمًا فِي الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ، مُتَيَقِّظًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ. (86) وَذَكَرَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مِنْ حَقِّ وَالِي الشُّرْطَةِ الْفَحْصَ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ مِنَ الْخَمْرِ وَالْحَشِيشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَسَدَّ الذَّرِيعَةِ فِيهِ، وَالسِّتْرَ عَلَى مَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَرْبَابِ الْمَعَاصِي، وَإِقَالَةَ ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَى النَّاسِ، وَيَبْحَثَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ مُنْكَرٍ، وَلاَ كَبْسَ بُيُوتِهِمْ بِمُجَرَّدِ الْقِيل وَالْقَال. . . بَل حُقَّ عَلَيْهِ إِذَا تَيَقَّنَ أَنْ يَبْعَثَ سِرًّا رَجُلاً مَأْمُونًا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ بِقَدْرِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَلاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ إِخْرَاجِ النَّاسِ مِنْ بُيُوتِهِمْ وَإِرْعَابِهِمْ وَإِزْعَاجِهِمْ وَهَتْكِهِمْ، كُل ذَلِكَ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَالظُّلْمِ الْقَبِيحِ. (87)
40 - وَقَدْ سَمَّى ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذِهِ الْوِلاَيَةَ " وِلاَيَةَ الْحَرْبِ الصُّغْرَى "، تَمْيِيزًا لَهَا عَنْ " وِلاَيَةِ الْحَرْبِ الْكُبْرَى " الَّتِي تَعْنِي عِنْدَهُ مِثْل " نِيَابَةِ السَّلْطَنَةِ ". (88)
وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ مُعْتَمِدَهَا الْمَنْعُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ، وَقَمَعُ أَهْل الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ، وَذَكَرَ أَنَّهَا فِي عُرْفِ زَمَانِهِ فِي الْبِلاَدِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ تَخْتَصُّ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ الَّتِي فِيهَا إِتْلاَفٌ، مِثْل قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَعُقُوبَةِ الْمُحَارِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ يَدْخُل فِيهَا مِنَ الْعُقُوبَاتِ مَا لَيْسَ فِيهِ إِتْلاَفٌ، كَجَلْدِ السَّارِقِ، وَيَدْخُل فِيهَا الْحُكْمُ فِي الْمُخَاصَمَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَدَعَاوَى التُّهَمِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا كِتَابٌ وَشُهُودٌ. . أَمَّا فِي بِلاَدٍ أُخْرَى كَبِلاَدِ الْمَغْرِبِ فَلَيْسَ لِوَالِيهَا حُكْمٌ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ مُتَوَلِّي الْقَضَاءِ. وَأَسَاسُ ذَلِكَ أَنَّ عُمُومَ الْوِلاَيَاتِ وَخُصُوصَهَا، وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلاَيَةِ يُتَلَقَّى مِنَ الأَْلْفَاظِ وَالأَْحْوَال وَالْعُرْفِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، وَلِهَذَا قَدْ يَدْخُل فِي وِلاَيَةِ الْحَرْبِ فِي بَعْضِ الأَْمْكِنَةِ وَالأَْزْمِنَةِ مَا يَدْخُل فِي وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ فِي مَكَانٍ وَزَمَانٍ آخَرَ وَبِالْعَكْسِ.
وَقَدْ تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ. (89)
ز - وِلاَيَةُ الْحِسْبَةِ:
41 - الْحِسْبَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هِيَ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ، وَهِيَ مِنَ الْخُطَطِ الدِّينِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ كَالصَّلاَةِ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ وَالْجِهَادِ. .
وَوِلاَيَةُ الْحِسْبَةِ نَوْعَانِ: وِلاَيَةٌ أَصْلِيَّةٌ مُسْتَحْدَثَةٌ مِنَ الشَّارِعِ، وَهِيَ الْوِلاَيَةُ الَّتِي اقْتَضَاهَا التَّكْلِيفُ بِهَا لِتَثْبُتَ لِكُل مَنْ طُلِبَتْ مِنْهُ. وَوِلاَيَةٌ مُسْتَمَدَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي يَسْتَمِدُّهَا مَنْ عُهِدَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَل الْخَلِيفَةِ أَوِ الأَْمِيرِ، وَهُوَ الْمُحْتَسِبُ. (90) (ر. حِسْبَة ف 6 وَمَا بَعْدَهَا
ح - وِلاَيَةُ الإِْمَارَةِ عَلَى الْجِهَادِ:
42 - وِلاَيَةُ الإِْمَارَةِ عَلَى الْجِهَادِ مُخْتَصَّةٌ بِقَتْل الْمُشْرِكِينَ. وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ.
(أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مَقْصُورَةً عَلَى سِيَاسَةِ الْجَيْشِ وَتَدْبِيرِ الْحَرْبِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الإِْمَارَةِ الْخَاصَّةِ.
(وَالضَّرْبُ الثَّانِي) أَنْ يُفَوَّضَ إِلَى الأَْمِيرِ فِيهَا جَمِيعُ أَحْكَامِهَا مِنْ قَسْمِ الْغَنَائِمِ وَعَقْدِ الصُّلْحِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا شُرُوطُ الإِْمَارَةِ الْعَامَّةِ.
وَهَذِهِ الإِْمَارَةُ إِذَا عُقِدَتْ عَلَى غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَكُنْ لأَِمِيرِهَا أَنْ يَغْزُوَ غَيْرَهَا، سَوَاءٌ غَنِمَ فِيهَا أَوْ لَمْ يَغْنَمْ. وَإِذَا عُقِدَتْ عُمُومًا عَامًا بَعْدَ عَامٍ لَزِمَهُ مُعَاوَدَةُ الْغَزْوِ فِي كُل وَقْتٍ يَقْدِرُ فِيهِ، وَلاَ يَفْتُرُ عَنْهُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ إِلاَّ قَدْرَ الاِسْتِرَاحَةِ، وَأَقَل مَا يُجْزِئُهُ أَنْ لاَ يُعَطِّل عَامًا مِنْ جِهَادٍ.
وَلِهَذَا الأَْمِيرِ إِذَا فُوِّضَتْ إِلَيْهِ الإِْمَارَةُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِهِمْ، وَيُقِيمَ الْحُدُودَ عَلَيْهِمْ وَلاَ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِ غَيْرِهِمْ مَا كَانَ سَائِرًا إِلَى ثَغْرِهِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الثَّغْرِ الَّذِي تَقَلَّدَهُ، جَازَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِ جَمِيعِ أَهْلِهِ مِنْ مُقَاتِلَةٍ وَرَعِيَّةٍ. وَإِنْ كَانَتْ إِمَارَتُهُ خَاصَّةً أُجْرِيَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْخُصُوصِ. (91)
(ر: جِهَاد ف 7 وَمَا بَعْدَهَا
ط - الْوِلاَيَةُ عَلَى حُرُوبِ الْمَصَالِحِ:
43 - وِلاَيَةُ الإِْمَارَةِ عَلَى حُرُوبِ الْمَصَالِحِ مُخْتَصَّةٌ بِقَتْل غَيْرِ الْمُشْرِكِينَ، فَتَشْمَل قِتَال أَهْل الرِّدَّةِ، وَقِتَال أَهْل الْبَغْيِ، وَقِتَال الْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ. (2)
(ر. رِدَّة ف 2 وَمَا بَعْدَهَا، بَغْي ف 4 وَمَا بَعْدَهَا، حِرَابَة ف 6 وَمَا بَعْدَهَا.
ي - وِلاَيَةُ السِّعَايَةِ وَجِبَايَةِ الصَّدَقَةِ
44 - يُعْهَدُ لِمُتَوَلِّيهَا إِنْشَاءُ الْحُكْمِ فِي الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ خَاصَّةً، فَإِنْ حَكَمَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لِعَدَمِ الْوِلاَيَةِ. (3) قَال الْقَاضِي ابْنُ رِضْوَانَ الْمَالِقِيُّ: وَلاَ يَكُونُ مَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ إِلاَّ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الصَّدَقَاتِ وَمَقَادِيرِهَا وَنِصَابِهَا وَصِفَاتِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهَا، وَمِمَّنْ تُؤْخَذُ، وَكَيْفَ تُؤْخَذُ، حَلِيمًا غَيْرَ عَانِفٍ، مُتَيَقِّظًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ. (92)
(ر: زَكَاة ف 141 وَمَا بَعْدَهَا، وَسِعَايَة ف 4، وَجِبَايَة ف 7 - 15.
ثَانِيًا: الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ
45 - تُطْلَقُ الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ فِي الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيِّ عَلَى ثَلاَثَةِ ضُرُوبٍ مِنَ السُّلْطَةِ، وَهِيَ:
أ - النِّيَابَةُ الْجَبْرِيَّةُ الَّتِي يُفَوِّضُ فِيهَا الشَّرْعُ أَوِ الْقَضَاءُ شَخَصًا كَبِيرًا رَاشِدًا بِأَنْ يَتَصَرَّفَ لِمَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ فِي تَدْبِيرِ شُؤُونِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ.
وَبِمُقْتَضَاهَا يُعْتَبَرُ الْوَلِيُّ هُوَ الْمُمَثِّل الشَّرْعِيُّ لِذَلِكَ الْقَاصِرِ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ الَّتِي تَقْبَل النِّيَابَةَ مِنْ عُقُودٍ وَأَفْعَالٍ وَمُخَاصَمَاتٍ فِي الْحُقُوقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَتَكُونُ تَصَرُّفَاتُهُ نَافِذَةً عَلَيْهِ جَبْرًا إِذَا كَانَتْ مُسْتَوْفِيَةً لِشَرَائِطِهَا الشَّرْعِيَّةِ، بِحَيْثُ لاَ يَكُونُ لِلْقَاصِرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَاشِدًا الْحَقُّ فِي نَقْضِ شَيْءٍ مِنْهَا. (2) َهَذِهِ الْوِلاَيَةُ تَتَضَمَّنُ سُلْطَةً ذَاتَ فَرْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: سُلْطَةٌ عَلَى شُؤُونِ الْقَاصِرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِشَخْصِهِ وَنَفْسِهِ، كَالتَّزْوِيجِ وَالتَّأْدِيبِ وَالتَّطْبِيبِ. وَتُسَمَّى: الْوِلاَيَةُ عَلَى النَّفْسِ.
وَالثَّانِي: سُلْطَةٌ عَلَى شُؤُونِهِ الْمَالِيَّةِ مِنْ عُقُودٍ وَتَصَرُّفَاتٍ وَحِفْظٍ وَإِنْفَاقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتُسَمَّى الْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال.
ب - وِلاَيَةُ الْمُتَوَلِّي عَلَى الْوَقْفِ. وَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ لَيْسَتْ نَاشِئَةً عَنْ نَقْصِ أَهْلِيَّةٍ وَلاَ عَلاَقَةَ لَهَا بِالنَّفْسِ أَصْلاً، وَإِنَّمَا هِيَ وِلاَيَةٌ مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ، يُفَوَّضُ صَاحِبُهَا بِحِفْظِ الْمَال الْمَوْقُوفِ وَالْعَمَل عَلَى إِبْقَائِهِ صَالِحًا نَامِيًا بِحَسَبِ شَرْطِ الْوَاقِفِ.
جـ - السُّلْطَةُ الَّتِي جَعَلَهَا الشَّرْعُ بِيَدِ أَهْل الْقَتِيل فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ قَاتِلِهِ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ أَوْ مُطْلَقًا، وِفْقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {وَمَنْ قُتِل مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} ، (1) وَقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ قُتِل لَهُ قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْل. (93) َيْرَ أَنَّ الضَّرْبَ الأَْوَّل هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمُتَبَادِرُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فِي لُغَةِ الْفُقَهَاءِ.
انْتِقَال الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ لِلْوَلِيِّ الْعَامِّ:
46 - الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ لِلأَْهْل وَالأَْوْلِيَاءِ وَالأَْوْصِيَاءِ وَالنُّظَّارِ تَنْتَقِل إِلَى السُّلْطَانِ بِمُقْتَضَى وِلاَيَتِهِ الْعَامَّةِ عِنْدَ عَدَمِهِمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ. (94)
فَيُمَارِسُهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَحَدِ نُوَّابِهِ مِنْ وُلاَةٍ وَقُضَاةٍ وَنَحْوِهِمْ لِمَصْلَحَةِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ. قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لأَِنَّهُ مَنُوطٌ بِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَعَارَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ نُوَّابَهُ بِمَثَابَتِهِ. (95)
مَنْزِلَةُ الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ مِنَ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ:
47 - الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ عِنْدَ وُجُودِهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ، لأَِنَّهَا أَقْوَى مِنْهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ أَقْوَى مِنَ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ. (96)
فَمَثَلاً: مُتَوَلِّي الْوَقْفِ وَوَصِيُّ الْيَتِيمِ وَوَلِيُّ الصَّغِيرِ وِلاَيَتُهُمْ خَاصَّةٌ، وَوِلاَيَةُ الْقَاضِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ عَامَّةٌ، وَأَعَمُّ مِنْهَا وِلاَيَةُ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، فَوِلاَيَةُ الْمُتَوَلِّي وَالْوَصِيِّ أَقْوَى مِنْ وِلاَيَةِ الْقَاضِي، وَوِلاَيَةُ الْقَاضِي أَقْوَى مِنْ وِلاَيَةِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّ كُل مَا كَانَ أَقَل اشْتِرَاكًا كَانَ أَقْوَى تَأْثِيرًا وَامْتِلاَكًا. فَكُلَّمَا كَانَتِ الْوِلاَيَةُ الْمُرْتَبِطَةُ بِشَيْءٍ أَخَصَّ مِمَّا فَوْقَهَا بِسَبَبِ ارْتِبَاطِهَا بِهِ وَحْدَهُ، كَانَتْ أَقْوَى تَأْثِيرًا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ مِمَّا فَوْقَهَا فِي الْعُمُومِ، فَتَكُونُ الْوِلاَيَةُ الْعَامَّةُ كَأَنَّهَا انْفَكَّتْ عَمَّا خُصِّصَتْ لَهُ الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا إِلاَّ الإِْشْرَافُ، إِذِ الْقُوَّةُ بِحَسَبِ الْخُصُوصِيَّةِ لاَ الرُّتْبَةِ. (97) وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الأَْصْل قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَلِهَذَا لاَ يَتَصَرَّفُ الْقَاضِي مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ وَأَهْلِيَّتِهِ. (98)
48 - وَقَدْ فَرَّعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الأَْصْل الْمَسَائِل التَّالِيَةَ:
أ - أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ مُتَوَلٍّ عَلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ قِبَلِهِ، حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ إِيجَارٍ أَوِ اسْتِئْجَارٍ أَوْ جِبَايَةٍ لاَ يَنْفُذُ، إِذْ لاَ تَدْخُل وِلاَيَةُ السُّلْطَانِ عَلَى وِلاَيَةِ الْمُتَوَلِّي فِي الْوَقْفِ.
ب - لاَ يَمْلِكُ الْقَاضِي التَّصَرُّفَ فِي مَال الْيَتِيمِ مَعَ وُجُودِ وَصِيِّ الأَْبِ أَوْ وَصِيِّ الْجَدِّ أَوْ وَصِيِّ الْقَاضِي نَفْسِهِ.
ج - لاَ يَمْلِكُ الْقَاضِي تَزْوِيجَ الْيَتِيمِ أَوِ الْيَتِيمَةِ إِلاَّ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ أَوْ عَضْلِهِ.
د - لِلْوَلِيِّ الْخَاصِّ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ وَمَجَّانًا، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ الْعَفْوُ مَجَّانًا.
هـ - لَوْ زَوَّجَ الإِْمَامُ الْمَرْأَةَ لِغَيْبَةِ الْوَلِيِّ، وَزَوَّجَهَا الْوَلِيُّ الْغَائِبُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، قُدِّمَ الْوَلِيُّ.
و إِذَا أَجَّرَ الْقَاضِي حَانُوتَ الْوَقْفِ مِنْ زَيْدٍ، وَأَجَّرَهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ بَكْرٍ، فَإِنَّ إِجَارَةَ الْمُتَوَلِّي هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ.
وَالْحَاصِل: أَنَّهُ إِذَا وُجِدَتِ الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ فِي شَيْءٍ، فَلاَ تَأْثِيرَ لِلْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ فِيهِ، وَأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ الْعَامِّ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ غَيْرُ نَافِذٍ. (99)
49 - غَيْرَ أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْعَامِّ عِنْدَ الاِقْتِضَاءِ حَقَّ التَّدَخُّل فِي الشُّؤُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ، كَمَا إِذَا لَحَظَ خِيَانَةً أَوْ تَقْصِيرًا أَوْ تَضْيِيعًا، لأَِنَّهُ مَنُوطٌ بِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ حَقٌّ الإِْشْرَافِ الْعَامِّ عَلَى سَائِرِ الْوِلاَيَاتِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُحَاسِبَ الأَْوْصِيَاءَ وَالنُّظَّارَ وَالْمُتَوَلِّينَ، وَيَعْزِل الْخَائِنَ مِنْهُمْ، حَتَّى لَوْ شَرَطَ الْمُوصِي أَوِ الْوَاقِفُ عَدَمَ مُدَاخَلَتِهِ. (100)
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْقَاعِدَةِ مَا ذَكَرُوا:
- مِنْ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لاَ يَمْلِكُ الْعَزْل وَالنَّصْبَ لأَِرْبَابِ الْجِهَاتِ بِدُونِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ لَهُ ذَلِكَ، وَيَمْلِكُهُ الْقَاضِي بِدُونِ شَرْطٍ.
- وَأَنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ إِقْرَاضَ مَال الصَّغِيرِ دُونَ الأَْبِ وَالْوَصِيِّ. (101)
وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَا إِذَا زَوَّجَ السُّلْطَانُ الْبَالِغَةَ مَعَ وُجُودِ وَلِيِّهَا، وَقَال بِنَفَاذِ النِّكَاحِ وَعَدَمِ رَدِّهِ. (102)
الشُّرُوطُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ
50 - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِتَوَلِّي الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ شُرُوطًا اتَّفَقُوا فِي بَعْضِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ.
وَالتَّفْصِيل فِي (نِكَاح ف 6674، وَإِيصَاء ف 11، وَمُتَوَلِّي ف 6، وَقِصَاص ف 29 وَوَقَفَ أَنْوَاعُ الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ
51 - الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ نَوْعَانِ: وِلاَيَةٌ عَلَى الْمَال: وَهِيَ سُلْطَةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَوِلاَيَةٌ عَلَى النَّفْسِ: وَهِيَ سُلْطَةُ التَّزْوِيجِ وَالتَّرْبِيَةِ.
وَالْكَلاَمُ عَلَيْهِمَا فِي الْفَرْعَيْنِ التَّالِيَيْنِ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: الْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال
52 - الْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال نَوْعَانِ: قَاصِرَةٌ، وَمُتَعَدِّيَةٌ.
فَالْقَاصِرَةُ: هِيَ سُلْطَةُ الْمَرْءِ عَلَى مَال نَفْسِهِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ لِكُل مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ الْكَامِلَةُ، وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِل الرَّشِيدُ مِنَ الذُّكُورِ وَالإِْنَاثِ، فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَال نَفْسِهِ بِمَا يَشَاءُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ السَّائِغَةِ شَرْعًا.
وَالْوِلاَيَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ: هِيَ سُلْطَةُ الْمَرْءِ عَلَى مَال غَيْرِهِ. وَهِيَ قِسْمَانِ:
أ - سُلْطَةٌ أَصْلِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي تَثْبُتُ بِإِثْبَاتِ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مُثْبِتٍ مِنَ الْبَشَرِ، وَلاَ يَمْلِكُ صَاحِبُهَا عَزْل نَفْسِهِ مِنْهَا، لأَِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ لَهُ بِإِرَادَتِهِ، وَتَنْحَصِرُ فِي وِلاَيَةِ الأَْبِ وَالْجَدِّ عَلَى مَال وَلَدِهِمَا الْقَاصِرِ.
ب - وَسُلْطَةٌ نِيَابِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي يَسْتَمِدُّهَا صَاحِبُهَا مِنْ شَخْصٍ آخَرَ، كَالْوَصِيِّ الَّذِي يَسْتَمِدُّ وِلاَيَتَهُ مِنَ الأَْبِ أَوِ الْجَدِّ أَوِالْقَاضِي، وَالْوَكِيل الَّذِي يَسْتَمِدُّ وِلاَيَتَهُ مِنْ مُوَكِّلِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
مَنْ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلاَيَةُ؟
53 - تَثْبُتُ الْوِلاَيَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ شَرْعًا فِي غَيْرِ الْوَكَالَةِ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ، وَهُمُ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ وَالسَّفِيهُ وَذُو الْغَفْلَةِ، وَتَسْتَمِرُّ مَا دَامَ الْوَصْفُ الْمُوجِبُ لَهَا قَائِمًا، فَإِنْ زَال انْقَطَعَتْ.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: حَجَرَ ف 2 وَمَا بَعْدَهَا.
فَأَمَّا الصَّغِيرُ: فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. فَإِذَا مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَهُوَ يَتِيمٌ أَيْضًا، وَإِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ زَال عَنْهُ وَصْفُ الصِّغَرِ وَالْيُتْمِ مَعًا.
وَالصَّغِيرُ نَوْعَانِ: مُمَيِّزٌ، وَغَيْرُ مُمَيِّزٍ.
فَالْمُمَيِّزُ هُوَ الَّذِي يَعْقِل مَعْنَى الْعَقْدِ وَيَقْصِدُهُ، وَيَسْتَطِيعُ إِلَى حَدٍّ مَا أَنْ يَعْرِفَ الضَّارَّ مِنَ النَّافِعِ، وَالْمَصْلَحَةَ مِنْ غَيْرِهَا فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ.
وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ: هُوَ الَّذِي لَمْ يَصِل إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ الَّذِي يُدْرِكُ فِيهِ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. (ر: تَمْيِيز ف 1، صِغَر ف 1، 6، 19، 22، حَجْر ف 6 وَمَا بَعْدَهَا
وَأَمَّا الْمَجْنُونُ: فَهُوَ مَنْ زَال عَقْلُهُ بِحَيْثُ يَمْنَعُ جَرَيَانَ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال عَلَى نَهْجِهِ إِلاَّ نَادِرًا.فَإِنِ اسْتَوْعَبَ جُنُونُهُ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ فَهُوَ الْمَجْنُونُ جُنُونًا مُطْبِقًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، لاِنْعِدَامِ صَلاَحِيَتِهِ لِلأَْدَاءِ، فَهُوَ كَالصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ. وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ تَارَةً وَيُفِيقُ أُخْرَى فَهُوَ الْمَجْنُونُ جُنُونًا مُتَقَطِّعًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ حَال جُنُونِهِ بَاطِلَةٌ، وَحَال إِفَاقَتِهِ صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ.
(ر: جُنُون ف 1، و7، وَحَجْر ف 9
وَأَمَّا الْمَعْتُوهُ: فَهُوَ مَنْ كَانَ قَلِيل الْفَهْمِ، مُخْتَلِطَ الْكَلاَمِ، فَاسِدَ التَّدْبِيرِ، لَكِنَّهُ لاَ يَضْرِبُ وَلاَ يَشْتُمُ كَمَا يَفْعَل الْمَجْنُونُ. وَقَدْ يَكُونُ بِحَالَةٍ لاَ يَعْقِل فِيهَا أَلْفَاظَ التَّصَرُّفَاتِ وَآثَارَهَا، فَيَكُونُ كَالصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، أَوْ يَكُونُ بِحَالَةٍ يَعْقِل فِيهَا أَلْفَاظَ التَّصَرُّفَاتِ وَآثَارَهَا، فَيَكُونُ كَالصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ.
(ر: عَتَه ف 5، وَحَجْر ف 10
وَأَمَّا السَّفِيهُ: فَهُوَ مَنْ يُسْرِفُ فِي إِنْفَاقِ مَالِهِ، وَيُضَيِّعُهُ عَلَى خِلاَفِ مُقْتَضَى الْعَقْل أَوِ الشَّرْعِ فِيمَا لاَ مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ، وَبَاعِثُهُ خِفَّةٌ تَعْتَرِي الإِْنْسَانَ مِنَ الْفَرَحِ وَالْغَضَبِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَى الإِْنْفَاقِ مِنْ غَيْرِ مُلاَحَظَةِ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ وَالدِّينِيِّ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ.
(ر: سَفَه ف 4 وَمَا بَعْدَهَا، وَحَجْر ف 11، 14وَأَمَّا ذُو الْغَفْلَةِ: فَهُوَ مَنْ لاَ يَهْتَدِي إِلَى التَّصَرُّفَاتِ الْمُوَفَّقَةِ أَوِ الرَّابِحَةِ، فَيَغِبْنُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِسَلاَمَةِ قَلْبِهِ، فَهُوَ لاَ يَتَّبِعُ هَوَاهُ، وَلاَ يَقْصِدُ الْفَسَادَ كَالسَّفِيهِ. وَحُكْمُهُ مِنْ حَيْثُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ حُكْمُ السَّفِيهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَادَّةِ 946 مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: وَالَّذِينَ لاَ يَزَالُونَ يَغْفُلُونَ فِي أَخْذِهِمْ وَعَطَائِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ تِجَارَتِهِمْ وَتَمَتُّعِهِمْ بِحَسَبِ بَلاَهَتِهِمْ وَخُلُوِّ قُلُوبِهِمْ يُعَدُّونَ مِنَ السُّفَهَاءِ.
(ر. غَفْلَة ف 4 وَمَا بَعْدَهَا، وَحَجْر ف 15.
مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى مَال الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ:
54 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى مَال الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَوْلَى الأَْوْلِيَاءِ الأَْبُ، ثُمَّ وَصِيُّهُ، ثُمَّ وَصِيُّ وَصِيِّهِ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ وَصِيُّهُ، ثُمَّ وَصِيُّ وَصِيِّهِ، ثُمَّ الْقَاضِي، ثُمَّ مَنْ نَصَّبَهُ الْقَاضِي وَهُوَ وَصِيُّ الْقَاضِي، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْوِلاَيَةُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ عَلَى الصِّغَارِ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ لَهُمْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ التَّصَرُّفِ بِأَنْفُسِهِمْ وَالنَّظَرِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الشَّفَقَةِ، وَشَفَقَةُ الأَْبِ فَوْقَ شَفَقَةِ الْكُل، وَشَفَقَةُ وَصِيِّهِ فَوْقَ شَفَقَةِ الْجَدِّ، لأَِنَّهُ مَرْضِيُّ الأَْبِ وَمُخْتَارُهُ فَكَانَ خَلَفَ الأَْبِ فِي الشَّفَقَةِ، وَخَلَفُ الشَّيْءِ قَائِمٌ مَقَامَهُ، كَأَنَّهُ هُوَ وَشَفَقَةُالْجَدِّ فَوْقَ شَفَقَةِ الْقَاضِي، لأَِنَّ شَفَقَتَهُ تَنْشَأُ عَنِ الْقَرَابَةِ وَالْقَاضِي أَجْنَبِيٌّ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ شَفَقَةَ الْقَرِيبِ عَلَى قَرِيبِهِ فَوْقَ شَفَقَةِ الأَْجْنَبِيِّ، وَكَذَا شَفَقَةُ وَصِّيهِ لأَِنَّهُ مَرْضِيُّ الْجَدِّ وَخَلَفُهُ، فَكَانَ شَفَقَتُهُ مِثْل شَفَقَتِهِ، وَإِذَا كَانَ مَا جُعِل لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ كَانَتِ الْوِلاَيَةُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ضَرُورَةً، لأَِنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِ الْعِلَّةِ.
وَلَيْسَ لِمَنْ سِوَى هَؤُلاَءِ مِنَ الأُْمِّ وَالأَْخِ وَالْعَمِّ وَغَيْرِهِمْ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ عَلَى الصَّغِيرِ فِي مَالِهِ، لأَِنَّ الأَْخَ وَالْعَمَّ قَاصِرَا الشَّفَقَةِ، وَفِي التَّصَرُّفَاتِ تَجْرِي جِنَايَاتٌ لاَ يَهْتَمُّ لَهَا إِلاَّ ذُو الشَّفَقَةِ الْوَافِرَةِ، وَالأُْمُّ وَإِنْ كَانَتْ لَهَا وُفُورُ الشَّفَقَةِ لَكِنْ لَيْسَ لَهَا كَمَال الرَّأْيِ لِقُصُورِ عَقْل النِّسَاءِ عَادَةً فَلاَ تَثْبُتُ لَهُنَّ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَال، وَلاَ لِوَصِيِّهِنَّ لأَِنَّ الْوَصِيَّ خَلَفَ الْمُوصِي قَائِمٌ مَقَامَهُ، فَلاَ يَثْبُتُ لَهُ إِلاَّ قَدْرُ مَا كَانَ لِلْمُوصِي، وَهُوَ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَالْحِفْظُ لَكِنْ عِنْدَ عَدَمِ هَؤُلاَءِ. (103)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هِيَ لِلأَْبِ ثُمَّ وَصِيِّهِ ثُمَّ وَصِيِّ الْوَصِيِّ وَإِنْ بَعُدَ، ثُمَّ لِلْحَاكِمِ أَوْ وَصِيَّهِ، وَلاَ وِلاَيَةَ لِلْجَدِّ وَلاَ لِلأَْخِ وَلاَ لِلْعَمِّ إِلاَّ بِإِيصَاءٍ مِنَ الأَْبِ. (104) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الْوِلاَيَةُ لِلأَْبِ ثُمَّ لِلْجَدِّ، ثُمَّ لِمَنْ يُوصِي إِلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا، ثُمَّ لِلْقَاضِي أَوْ أَمِينِهِ لِخَبَرِ: السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ، (105) وَلاَ تَلِي الأُْمُّ فِي الأَْصَحِّ كَوِلاَيَةِ النِّكَاحِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ تَلِي بَعْدَ الأَْبِ وَالْجَدِّ وَتُقَدَّمُ عَلَى وَصِّيهِمَا لِكَمَال شَفَقَتِهَا، وَلاَ وِلاَيَةَ لِسَائِرِ الْعَصَبَاتِ كَالأَْخِ وَالْعَمِّ.
وَإِذَا فُقِدَ الأَْوْلِيَاءُ تَصَرَّفَ صُلَحَاءُ بَلَدِ الْمَحْجُورِ فِي مَالِهِ كَالْقَاضِي (106) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَالْوِلاَيَةُ تَكُونُ لِلأَْبِ لِكَمَال شَفَقَتِهِ، ثُمَّ لُوَصِيِّهِ لأَِنَّهُ نَائِبُ الأَْبِ، أَشْبَهَ وَكِيلَهُ فِي الْحَيَاةِ، ثُمَّ بَعْدَ الأَْبِ وَوَصِيِّهِ فَالْوِلاَيَةُ لِلْحَاكِمِ لاِنْقِطَاعِ الْوِلاَيَةِ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ، فَتَكُونُ لِلْحَاكِمِ كَوِلاَيَةِ النِّكَاحِ، لأَِنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ، فَإِنْ عُدِمَ حَاكِمٌ أَهْلٌ فَأَمِينٌ يَقُومُ مَقَامَ الْحَاكِمِ. وَلاَ وِلاَيَةَ لِلْجَدِّ وَالأُْمِّ وَبَاقِي الْعَصَبَاتِ. (107)
مَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَمَا لاَ يَجُوزُ:
55 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَال الْمَحْجُورِ إِلاَّ عَلَى النَّظَرِ وَالاِحْتِيَاطِ، وَبِمَا فِيهِ حَظٌّ لَهُ وَاغْتِبَاطٌ (108) لِحَدِيثِ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ. (109)
وَقَدْ فَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ:
56 - إِنَّ مَا لاَ حَظَّ لِلْمَحْجُورِ فِيهِ كَالْهِبَةِ بِغَيْرِ الْعِوَضِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْمُحَابَاةِ فِي الْمُعَاوَضَةِ لاَ يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ، وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَا تَبَرَّعَ بِهِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ عِتْقٍ، أَوْ حَابَى بِهِ أَوْ مَا زَادَ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ أَوْ دَفَعَهُ لِغَيْرِ أَمِينٍ، لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ ضَرَرًا مَحْضًا. (110)
أَمَّا الْهِبَةُ بِعِوَضٍ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ بِهَا، لأَِنَّهَا هِبَةٌ ابْتِدَاءً، بِدَلِيل أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا يَقِفُ عَلَى الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُعَاوَضَهً فِي الاِنْتِهَاءِ وَهُوَ لاَ يَمْلِكُ فَلَمْ تَنْعَقِدْ هِبَتُهُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ لَهُ أَنْ يَهَبَ بَعِوَضٍ، لأَِنَّهَا مُعَاوَضَةُ الْمَال بِالْمَال فَكَانَتْ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ. (111)
57 - لِلْوَلِيِّ مُطْلَقًا الاِتِّجَارُ بِمَال الْمَحْجُورِ، وَلَهُ دَفْعُهُ لِغَيْرِهِ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ رِبْحِهِ، وَكَذَا بَيْعُهُ نَسِيئَةً لِمَصْلَحَتِهِ، وَإِيدَاعُهُ عِنْدَ أَمِينٍ ثِقَةٍ عِنْدَ قِيَامِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ. وَلَهُ شِرَاءُ عَقَارٍ لَهُ بِمِثْل الْقِيمَةِ أَوْ بِأَقَل لاِسْتِغْلاَلِهِ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، كَمَا أَنَّ لَهُ بَيْعَ عَقَارِهِ وَمَنْقُولِهِ وَإِجَارَتَهُ لِلْغَيْرِ بِثَمَنِ الْمِثْل أَوْ بِمَا فِيهِ حَظٌّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يُوَكِّل الْغَيْرَ بِذَلِكَ. (112)
58 - أَمَّا إِقْرَاضُ مَالِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إِقْرَاضُهُ لِلْغَيْرِ وَلاَ اقْتِرَاضُهُ لِنَفْسِهِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْرِضَ مَالَهُ، لأَِنَّ الْقَرْضَ إِزَالَةُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لِلْحَال، بِخِلاَفِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يُقْرِضُ مَال الْيَتِيمِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ الإِْقْرَاضَ مِنَ الْقَاضِي مِنْ بَابِ حِفْظِ الدَّيْنِ، لأَِنَّ تَوَى الدَّيْنِ بِالإِْفْلاَسِ أَوْ بِالإِْنْكَارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَخْتَارُ أَمْلَى النَّاسِ وَأَوْثَقَهُمْ، وَلَهُ وِلاَيَةُ التَّفَحُّصِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، فَيَخْتَارُ مَنْ لاَ يَتَحَقَّقُ إِفْلاَسُهُ ظَاهِرًا أَوْ غَالِبًا، وَكَذَا الْقَاضِي يَقْضِي بِعِلْمِهِ فَلاَ يَتَحَقَّقُ الْتَوَى بِالإِْنْكَارِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْقَاضِي هَذِهِ الْوِلاَيَةُ، فَبَقِيَ الإِْقْرَاضُ مِنَ الْوَلِيِّ إِزَالَةُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَابِلَهُ عِوَضٌ لِلْحَال فَكَانَ ضَرَرًا فَلاَ يَمْلِكُهُ. (113)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لَهُ إِقْرَاضُ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ خَافَ مِنْ نَهْبٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ غَرَقٍ، أَوْ أَرَادَ سَفَرًا وَخَافَ عَلَيْهِ، جَازَ لَهُ إِقْرَاضُهُ مِنْ ثِقَةٍ مَلِيءٍ، لأَِنَّ غَيْرَ الثِّقَةِ يَجْحَدُ، وَغَيْرَ الْمَلِيءِ لاَ يُمْكِنُ أَخْذُ الْبَدَل مِنْهُ.
فَإِنْ أَقْرَضَ وَرَأَى أَخْذَ الرَّهْنِ عَلَيْهِ أَخَذَ، وَإِنْ رَأَى تَرْكَ الرَّهْنِ لَمْ يَأْخُذْ. وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الإِْيدَاعِ وَالإِْقْرَاضِ فَالإِْقْرَاضُ أَوْلَى، لأَِنَّ الْقَرْضَ مَضْمُونٌ بِالْبَدَل، وَالْوَدِيعَةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَكَانَ الْقَرْضُ أَحْوَطَ.
وَقَالُوا: أَمَّا الْحَاكِمُ فَيَجُوزُ لَهُ إِقْرَاضُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَخِلاَفًا لِلسُّبْكِيِّ بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُقْتَرِضِ وَأَمَانَتِهِ وَعَدَمِ الشُّبْهَةِ فِي مَالِهِ إِنْ سَلِمَ مِنْهَا مَال الْمَحْجُورِ، وَالإِْشْهَادِ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ رَهْنًا إِنْ رَأَى ذَلِكَ. (114) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ لَهُ قَرْضُهُ وَلَوْ بِلاَ رَهْنٍ لِمَصْلَحَةٍ، بِأَنْ أَقْرَضَهُ لِمَلِيءٍ يَأْمَنُ جُحُودَهُ، خَوْفًا عَلَى الْمَال لِسَفَرٍ وَنَحْوِهِ. وَالأَْوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهِ كَفِيلاً أَوْ رَهْنًا إِنْ أَمْكَنَهُ احْتِيَاطًا. (115)
59 - كَذَلِكَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُطَالِبَ بِحُقُوقِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ، فَيَدَّعِي بِهَا وَيُقِيمُ الْبَيِّنَاتِ، وَيَحْلِفُ الْخَصْمُ إِنْ أَنْكَرَهَا، وَيُصَالِحُ بِدَفْعِ بَعْضِ مَا عَلَى الْمَحْجُورِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ إِذَا كَانَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَيَقْبِضُ بَعْضَ مَا لِلْمَحْجُورِ إِنْ لَمْ تَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ. (116)
60 - أَمَّا شِرَاءُ الْوَلِيِّ مَال الْمَحْجُورِ لِنَفْسِهِ أَوْ بَيْعُ مَالِهِ لَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأَْبِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ نَفْسِهِ لاِبْنِهِ الصَّغِيرِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا لِلْوَلَدِ. (117)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لِلأَْبِ وَالْجَدِّ فَقَطْ بَيْعُ مَال الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ وَبَيْعُ مَالِهِ لِلصَّغِيرِ، لأَِنَّهُمَا لاَ يُتَّهَمَانِ فِي ذَلِكَ لِكَمَال شَفَقَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا لَمْ يَجُزْ، لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي طَلَبِ الْحَظِّ لَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُجْعَل ذَلِكَ إِلَيْهِ. (118) وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ وَلِيُّ الْمَحْجُورِ مِنْ مَال الْمَحْجُورِ لِنَفْسِهِ أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِ لِنَفْسِهِ لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ التُّهْمَةِ، إِلاَّ الأَْبُ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَيَلِي طَرَفَيِ الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ يَلِي بِنَفْسِهِ، وَالتُّهْمَةُ مُنْتَفِيَةٌ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، إِذْ مِنْ طَبْعِهِ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَالْمَيْل إِلَيْهِ، وَتَرْكُ حَظِّ نَفْسِهِ لِحَظِّهِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِ. (119)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلأَْبِ شِرَاءُ مَال وَلَدِهِ لِنَفْسِهِ وَبَيْعُ مَالِهِ لِوَلَدِهِ بِمِثْل الْقِيمَةِ أَوْ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فَإِنِ اشْتَرَى مَال وَلَدِهِ فَلاَ يَبْرَأُ عَنِ الثَّمَنِ حَتَّى يُنَصِّبَ الْقَاضِي لِوَلَدِهِ وَصِيًّا يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ أَبِيهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَهُ لِلصَّغِيرِ، دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ عَنِ الأَْبِ. وَإِنْ بَاعَ مَال نَفْسِهِ لِوَلَدِهِ، فَلاَ يَصِيرُ قَابِضًا لَهُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهِ حَقِيقَةً، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْل التَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهِ بِأَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَلَمْ يَحْضُرْ لِتَسَلُّمِهِ بِالنِّيَابَةِ عَنْ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَهْلِكُ عَلَى الأَْبِ لاَ عَلَى الْوَلَدِ. وَيَجُوزُ لِوَصِيِّ الأَْبِ أَنْ يَبِيعَ مَال نَفْسِهِ لِلْيَتِيمِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مَال الْيَتِيمِ إِنْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَجُوزُ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ خَيْرًا لَهُ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ ظَاهِرٌ، فَلاَ يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْخَيْرِيَّةُ فِي الْعَقَارِ: فِي الشِّرَاءِ التَّضْعِيفُ، وَفِي الْبَيْعِ التَّنْصِيفُ، وَفِي غَيْرِ الْعَقَارِ أَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ بِعَشَرَةٍ مِنَ الصَّغِيرِ، وَيَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال الصَّغِيرِ.
وَلاَ يَجُوزُ لِوَصِيِّ الْقَاضِي أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ مَال الْيَتِيمِ، وَلاَ أَنْ يَبِيعَ مَال نَفْسِهِ لِلْيَتِيمِ مُطْلَقًا. (120)
61 - أَمَّا أَكْل الْوَلِيِّ مِنْ مَال مُوَلِّيهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ إِذَا عَمِل أُجْرَةَ مِثْل عَمَلِهِ إِنْ كَانَ مُحْتَاجًا اسْتِحْسَانًا، وَإِلاَّ فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ. وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ إِذَا كَانَ غَنِيًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} ) (121) أَمَّا إِذَا كَانَ فَقِيرًا فَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُ كِفَايَتِهِ مِنْهُ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ( {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ} ) (122) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَسْتَحِقُّ الْوَلِيُّ فِي مَال مَحْجُورِهِ نَفَقَةً وَلاَ أُجْرَةً، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَشُغِل بِسَبَبِهِ عَنِ الاِكْتِسَابِ أَخَذَ أَقَل الأَْمْرَيْنِ مِنَ الأُْجْرَةِ وَالنَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ} ) (123) .
وَلأَِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَال مَنْ لاَ تُمْكِنُ مُوَافَقَتُهُ، فَجَازَ لَهُ الأَْخْذُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَعَامِل الصَّدَقَاتِ. وَكَالأَْكْل غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمُؤَنِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَلِيِّ غَيْرِ الْحَاكِمِ، أَمَّا هُوَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ وِلاَيَتِهِ بِالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لِلْوَلِيِّ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَأَمِينِهِ الأَْكْل لِحَاجَةٍ مِنْ مَال مُوَلِّيهِ: الأَْقَل مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ أَوْ كِفَايَتُهُ، أَمَّا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ إِذَا فَرَضَ الْحَاكِمُ لَهُ شَيْئًا. أَمَّا الْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ فَلاَ يَأْكُلاَنِ شَيْئًا مِنْهُ لاِسْتِغْنَائِهِمَا بِمَا لَهُمَا فِي بَيْتِ الْمَال.
وَمَنَعَ الْجَصَّاصُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْوَلِيَّ مِنَ الأَْكْل مِنْ مَال الْيَتِيمِ مَطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} ) (124) وَحَمَل الأَْكْل بِالْمَعْرُوفِ الْوَارِدَ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ فِي الآْيَةِ السَّابِقَةِ عَلَى أَكْلِهِ مِنْ مَال نَفْسِهِ بِالْمَعْرُوفِ لِئَلاَّ يَحْتَاجَ إِلَى مَال الْيَتِيمِ. (125)
62 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ الْمُجِيزُونَ لِلْوَلِيِّ الْفَقِيرِ الأَْكْل مِنْ مَال الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ هَل يَلْزَمُهُ رَدُّ بَدَل مَا أَكَل عِنْدَ يَسَارِهِ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ، لأَِنَّهُ عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ بَدَلِهِ مُطْلَقًا، كَالأَْجِيرِ وَالْمُضَارِبِ وَكَالرِّزْقِ الَّذِي يَأْكُلُهُ الإِْمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَال.
وَقَال أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ: يَضْمَنُ عِوَضَهُ فِي ذِمَّتِهِ، لأَِنَّهُ مَالٌ لِغَيْرِهِ أُجِيزَ لَهُ أَكْلُهُ لِلْحَاجَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، كَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى مَال غَيْرِهِ فِي مَخْمَصَةٍ. (126)
63 - وَهَل يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ قَضَاءُ دَيْنِهِ بِمَال الْمَحْجُورِ؟ قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَضَى الْوَصِيُّ دَيْنَ نَفْسِهِ بِمَال الْيَتِيمِ لاَ يَجُوزُ، وَالأَْبُ لَوْ فَعَل ذَلِكَ جَازَ، لأََنَّ الأَْبَ لَوْ بَاعَ مَال الصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ بِمِثْل الْقِيمَةِ جَازَ، وَالْوَصِيُّ لاَ يَمْلِكُ الْبَيْعَ مِنْ نَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ. (127)
64 - وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عَلَى الْوَلِيِّ الإِْنْفَاقَ مِنْ مَالِهِ عَلَى مُوَلِّيهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ تَقْتِيرٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} ) (128) .
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: فَإِنْ قَتَّرَ أَثِمَ، وَإِنْ أَسْرَفَ أَثِمَ وَضَمِنَ لِتَفْرِيطِهِ. (129)
تَنْمِيَةُ الْوَلِيِّ مَال الْيَتِيم
65 - تَعَرَّضَ الْفُقَهَاءُ لِحُكْمِ تَثْمِيرِ مَال الْيَتِيمِ وَتَنْمِيَتِهِ مِنْ قِبَل الْوَلِيِّ عَلَى مَالِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَال الْيَتِيمِ وَيُنَمِّيَهُ لَهُ، لأَِنَّ ذَلِكَ أَصْلُحُ لِلْيَتِيمِ، إِذْ لاَ فَائِدَةَ فِي إِبْقَاءِ أَمْوَالِهِ بِدُونِ اسْتِثْمَارٍ، أَمَّا أَنْ يَتَسَلَّفَهَا وَيَتَّجِرَ فِيهَا لِنَفْسِهِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي تَصَرُّفَاتِ الْوَلِيِّ فِي مَال الْيَتِيمِ أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَصْلَحَتِهِ، وَعَلَى مِحْوَرِ هَذَا الأَْصْل تَدُورُ جَمِيعُ تَصَرُّفَاتِ الْوَلِيِّ.
قَال مَالِكٌ: لاَ بَأْسَ بِالتِّجَارَةِ فِي أَمْوَال الْيَتَامَى لَهُمْ، إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ مَأْذُونًا، فَلاَ أَرَى عَلَيْهِ ضَمَانًا. (130) وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَال: ابْتَغَوْا فِي أَمْوَال الْيَتَامَى، لاَ تَأْكُلْهَا الصَّدَقَةُ. (131)
قَال الْبَاجِيُّ: فَهَذَا إِذْنٌ مِنْهُ فِي إِدَارَتِهَا وَتَنْمِيَتِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاظِرَ لِلْيَتِيمِ إِنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ الأَْبِ لَهُ، فَمِنْ حُكْمِهِ أَنْ يُنَمِّيَ مَالَهُ وَيُثْمِرَهُ لَهُ، وَلاَ يُثْمِرَهُ لِنَفْسِهِ، لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ لاَ يَنْظُرُ لِلْيَتِيمِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَل فِيهِ لِلْيَتِيمِ، وَإِلاَّ فَلْيَدْفَعْهُ إِلَى ثِقَةٍ يَعْمَل فِيهِ. (132)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: كَمَا أَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَال الْيَتِيمِ، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ لِغَيْرِهِ مُضَارَبَةً، وَلَهُ أَنْ يَعْمَل بِهِ مُضَارَبَةً أَيْضًا بِحِصَّةٍ شَائِعَةٍ مِنَ الرِّبْحِ. فَإِنْ جَعَل مَالَهُ مُضَارَبَةً عِنْدَ نَفْسِهِ، فَيَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الاِبْتِدَاءِ، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ يَحِل لَهُ الرِّبْحُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يُصَدِّقُهُ فِي ذَلِكَ. وَكَذَا إِذَا شَارَكَهُ وَرَأْسُ مَالِهِ أَقَل مِنْ مَال الصَّغِيرِ، فَإِنْ أَشْهَدْ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ يَحُل لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يُصَدِّقُهُ، وَيَجْعَل الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمَا. (133)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لِلْوَلِيِّ مُطْلَقًا الاِتِّجَارُ بِمَال الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال أَلاَ مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ (134) ، وَلأَِنَّهُ أَحَظُّ لَهُ، وَيَكُونُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ رِبْحُهُ كُلُّهُ، لأَِنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، فَلاَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ إِلاَّ بِعَقْدٍ. وَلاَ يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ. غَيْرَ أَنَّ لِلْوَلِيِّ دَفْعَ مَالِهِ إِلَى أَمِينٍ يَتَّجِرُ بِهِ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا " كَانَتْ تُعْطِي أَمْوَال الْيَتَامَى الَّذِينَ فِي حِجْرِهَا مَنْ يَتَّجِرُ لَهُمْ فِيهَا "، (135) وَلِنِيَابَةِ الْوَلِيِّ عَنْ مَحْجُورِهِ فِي كُل مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، وَهَذَا مَصْلَحَةٌ لَهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِبْقَاءِ مَالِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلِلْعَامِل مَا شُورِطَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّبْحِ. (136)
وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مَال الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً لِنَفْسِهِ، لأَِنَّهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِذَلِكَ لِغَيْرِهِ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُهُ. (137)
الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ: وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ تَنْمِيَةُ مَال الصَّبِيِّ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا إِنْ أَمْكَنَ، وَلاَ تَلْزَمُهُ الْمُبَالَغَةُ. (138)
الْقَوْل الثَّالِثُ لِلْجَصَّاصِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ: وَهُوَ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَاسْتَدَل الْجَصَّاصُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} . (4) قَال ﵀: فَدَل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِالتِّجَارَةِ، لأَِنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَدُل عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ النَّدْبُ وَالإِْرْشَادُ.
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَيُسْتَحَبُّ التِّجَارَةُ بِمَال الْيَتِيمِ لِقَوْل عُمَرَ وَغَيْرِهِ " اتَّجِرُوا بِأَمْوَال الْيَتَامَى، كَيْلاَ تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ " (139) النَّوْعُ الثَّانِي: الْوِلاَيَةُ عَلَى النَّفْسِ
66 الولاية عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: سُلْطَةٌ عَلَى شُؤُونِ الْقَاصِرِ وَنَحْوِهِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِشَخْصِهِ وَنَفْسِهِ، كَالتَّزْوِيجِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّطْبِيبِ وَالتَّشْغِيل وَنَحْوِ ذَلِكَ، تَقْتَضِي تَنْفِيذَ الْقَوْل عَلَيْهِ شَاءَ أَمْ أَبَى. (140)
وَعَلَى ذَلِكَ قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ أَسْبَابَ الْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ ثَلاَثَةٌ: الصِّغَرُ، وَالْجُنُونُ وَيَلْحَقُ بِهِ الْعَتَهُ وَالأُْنُوثَةُ.
السَّبَبُ الأَْوَّل الصِّغَرُ:
مِحْوَرُ الْوِلاَيَةِ عَلَى نَفْسِ الصَّغِيرِ يَدُورُ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْقِيَامُ عَلَى شُؤُونِهِ بِالتَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ وَالتَّطْبِيبِ وَالتَّشْغِيل وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثَانِيهُمَا: وِلاَيَةُ التَّزْوِيجِ.
الأَْمْرُ الأَْوَّل: وِلاَيَةُ التَّرْبِيَةِ وَالتَّأْدِيبِ
67 - إِنَّ مَنْشَأَ الْوِلاَيَةِ عَلَى تَرْبِيَةِ الصِّغَارِ وَتَأْدِيبِهِمْ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا مَسْؤُولِيَّةُ الأَْبَوَيْنِ عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِهِمْ وَرِعَايَةِ حَالِهِمْ فِي شُؤُونِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُْخْرَوِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} ، (1) وَقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (141) . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: أَلاَّ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. . . وَالرَّجُل رَاعٍ عَلَى أَهْل بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ. (142)
قَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ عَلَى الأَْبِ تَأْدِيبَ وَلَدِهِ وَتَعْلِيمَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ وَظَائِفِ الدِّينِ، وَهَذَا التَّعْلِيمُ وَاجِبٌ عَلَى الأَْبِ وَسَائِرِ الأَْوْلِيَاءِ قَبْل بُلُوغِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ. (143)
فَالطِّفْل كَمَا قَال الْغَزَالِيُّ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ سَاذَجَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ كُل نَقْشٍ وَصُورَةٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِكُل نَقْشٍ، وَقَابِلٌ لِكُل مَا يُمَال بِهِ إِلَيْهِ، فَإِنْ عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ، وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، يُشَارِكُهُ فِي ثَوَابِهِ أَبَوَاهُ وَكُل مُعَلِّمٍ لَهُ وَمُؤَدِّبٍ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِل إِهْمَال الْبَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ، وَكَانَ الْوِزْرُ فِي رَقَبَةِ الْقَيِّمِ عَلَيْهِ وَالْوَالِي لَهُ. (144) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَا نَحَل وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَل مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ، (145) وَقَال ابْنُ عُمَرَ ﵁: أَدِّبِ ابْنَكَ فَإِنَّكَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ: مَاذَا أَدَّبْتَهُ، وَمَاذَا عَلَّمْتَهُ؟ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ بِرِّكَ وَطَوَاعِيَتِهِ لَكَ. (146) بَل ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَسْأَل الْوَالِدَ عَنْ وَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَبْل أَنْ يَسْأَل الْوَلَدَ عَنْ وَالِدِهِ. (147)
وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ وَالاِعْتِبَارِ أَنَّهُ مَا أَفْسَدَ الأَْبْنَاءَ مِثْل إِهْمَال الآْبَاءِ فِي تَأْدِيبِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ مَا يُصْلِحُ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتَهُمْ، وَتَفْرِيطِهِمْ فِي حَمْلِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَزَجْرِهِمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَإِعَانَتِهِمْ عَلَى شَهَوَاتِهِمْ، يَحْسَبُ الْوَالِدُ أَنَّهُ يُكْرِمُهُ بِذَلِكَ وَقَدْ أَهَانَهُ، وَأَنَّهُ يَرْحَمُهُ وَقَدْ ظَلَمَهُ وَحَرَمَهُ، فَفَاتَهُ انْتِفَاعُهُ بِوَلَدِهِ، وَفَوَّتَ عَلَيْهِ حَظَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ. (148)
وَقَدْ أَكَّدَ ثُبُوتَ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ. (149) قَال النَّوَوِيُّ: وَالاِسْتِدْلاَل بِهِ وَاضِحٌ، لأَِنَّهُ يَتَنَاوَل الصَّبِيَّ وَالصَّبِيَّةَ فِي الأَْمْرِ بِالصَّلاَةِ وَالضَّرْبِ عَلَيْهَا. (150)
وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَمْرُهُ بِهَا لِتَمَامِ سَبْعِ سِنِينَ، وَتَعْلِيمُهُ إِيَّاهَا، وَضَرْبُهُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، لِيَتَخَلَّقَ بِفِعْلِهَا وَيَعْتَادَهَا - لاَ لاِفْتِرَاضِهَا عَلَيْهِ - كَمَا يَلْزَمُهُ كَفُّهُ عَنِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا، لِيَنْشَأَ عَلَى الْكَمَال وَكَرِيمِ الْخِلاَل. (151)
وَمِنْ ثَمَّ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى ثُبُوتِ وِلاَيَةِ الأَْبِ وَالأُْمِّ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي عَلَى تَأْدِيبِ الصَّغِيرِ، وَذَلِكَ بِأَمْرِهِ بِفِعْل الطَّاعَاتِ كَالصَّلاَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالصِّيَامِ وَنَحْوِهَا، وَنَهْيِهِ عَنِ اقْتِرَافِ الْمَحْظُورَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لِحَقِّ الْعِبَادِ، وَتَأْدِيبِهِ عَلَى الإِْخْلاَل بِذَلِكَ تَعْوِيدًا لَهُ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرِّ، ثُمَّ بِزَجْرِهِ عَنْ سَيِّءِ الأَْخْلاَقِ وَقَبِيحِ الْعَادَاتِ - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَعْصِيَةٌ - اسْتِصْلاَحًا (152) قَال النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا: وَيَأْمُرُهُ الْوَلِيُّ بِحُضُورِ الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَةِ وَبِالسِّوَاكِ وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ، وَيُعَرِّفُهُ تَحْرِيمَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالْخَمْرِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَشِبْهِهَا. قَال الرَّافِعِيُّ: قَال الأَْئِمَّةُ: يَجِبُ عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلاَدِهِمُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلاَةَ وَالشَّرَائِعَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، وَضَرْبُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ. (153)
وَعِلَّةُ ذَلِكَ - كَمَا قَال ابْنُ الْقَيِّمِ - أَنَّ الصَّبِيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا، فَوَلِيُّهُ مُكَلَّفٌ، لاَ يَحِل لَهُ تَمْكِينُهُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَإِنَّهُ يَعْتَادُهُ، وَيَعْسُرُ فِطَامُهُ، وَهَذَا أَصَحُّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. (154)
68 - عَلَى أَنَّ تَأْدِيبَ الصَّغِيرِ إِنَّمَا يَبْدَأُ بِالْقَوْل، ثُمَّ بِالْوَعِيدِ، ثُمَّ بِالتَّعْنِيفِ، ثُمَّ بِالضَّرْبِ. وَهَذَا التَّرْتِيبُ تَلْزَمُ مُرَاعَاتُهُ، فَلاَ يَرْقَى إِلَى مَرْتَبَةٍ إِذَا كَانَ مَا قَبْلَهَا يَفِي بِالْغَرَضِ، وَهُوَ الإِْصْلاَحُ.
وَفِي ذَلِكَ يَقُول الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَمَهْمَا حَصَل التَّأْدِيبُ بِالأَْخَفِّ مِنَ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال، لَمْ يُعْدَل إِلَى الأَْغْلَظِ، إِذْ هُوَ مَفْسَدَةٌ لاَ فَائِدَةَ فِيهِ، لِحُصُول الْغَرَضِ بِمَا دُوْنَهُ. (155) كَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي الضَّرْبِ عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ اللُّجُوءِ إِلَيْهِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ تَحْقِيقُهُ لِلْمَصْلَحَةِ الْمَرْجُوَّةِ مِنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلاَ شَاقٍّ، وَأَنْ يَتَوَقَّى فِيهِ الْوَجْهَ وَالْمَوَاضِعَ الْمُهْلِكَةَ. (156)
قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَمِنْ أَمْثِلَةِ الأَْفْعَال الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مَعَ رُجْحَانِ مَصَالِحِهَا عَلَى مَفَاسِدِهَا: ضَرْبُ الصِّبْيَانِ عَلَى تَرْكِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ. فَإِنْ قِيل: إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ لاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ الضَّرْبُ الْمُبَرِّحُ، فَهَل يَجُوزُ ضَرْبُهُ تَحْصِيلاً لِمَصْلَحَةِ تَأْدِيبِهِ؟ قُلْنَا: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ. بَل لاَ يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، لأَِنَّ الضَّرْبَ الَّذِي لاَ يُبْرِّحُ مَفْسَدَةٌ، وَإِنَّمَا جَازَ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى مَصْلَحَةِ التَّأْدِيبِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُل التَّأْدِيبُ بِهِ، سَقَطَ الضَّرْبُ الْخَفِيفُ كَمَا يَسْقُطُ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ، لأَِنَّ الْوَسَائِل تَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَقَاصِدِ. (157)
ثُمَّ إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوا جَوَازَ ضَرْبِ الْوَلَدِ حَيْثُ لَزِمَ ضَرْبُهُ بِأَنْ يَكُونَ بِالْيَدِ فَقَطْ، فَلاَ يَضْرِبُهُ الْوَلِيُّ بِغَيْرِهَا مِنْ سَوْطٍ أَوْ عَصًا. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَ بِضَرْبِهِ الثَّلاَثَ. (158)
69 - وَإِذَا ضَرَبَ الأَْبُ أَوِ الْجَدُّ أَوِ الْوَصِيُّ الصَّبِيَّ تَأْدِيبًا، فَهَلَكَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِهِمْ عَلَى أَقْوَالٍ. (159)
وَيُنْظَرُ فِي تَفْصِيلِهَا فِي مُصْطَلَحِ (تَأْدِيب ف911.
70 - وَمِنْ مُوجِبَاتِ وِلاَيَةِ تَرْبِيَةِ الصِّغَارِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ: مُدَاوَاةُ الصَّغِيرِ وَرِعَايَتُهُ الصِّحِّيَّةُ، وَنَظْمُهُ فِي سِلْكِ تَعْلِيمِ مَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ أَوِ الْحَرْفِ وَالصَّنَائِعِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْ مَالِهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِهِ، فَأَشْبَهَ ثَمَنَ مَأْكُولِهِ وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ بِمَالِهِ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ، مِنْ أَجْل تَهْيِئَتِهِ وَتَأْهِيلِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (3)
وَالتَّفْصِيل فِي (إِجَارَة ف 24، وَصِغَر ف 39. الأَْمْرُ الثَّانِي وِلاَيَةُ التَّزْوِيجِ
71 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلأَْبِ وِلاَيَةَ تَزْوِيجِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ، إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ.
وَأَمَّا هَل يُزَوِّجُ الْوَلِيُّ غَيْرُ الأَْبِ الصَّغِيرَ أَوِ الصَّغِيرَةَ؟ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ لِغَيْرِ الأَْبِ وَالْجَدِّ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ تَزْوِيجَهُمَا إِلاَّ أَنَّ لَهُمَا الْخِيَارَ إِذَا بَلَغَا، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ، الَّذِي يَرَى أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهُمَا لَوْ زَوَّجَهُمَا الأَْبُ وَالْجَدُّ.
وَإِنْ زَوَّجَهُمَا غَيْرُ الأَْبِ وَالْجَدِّ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ أَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، فَقَدْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ لِلْوَصِيِّ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لِغَيْرِ الأَْبِ وَالْجَدِّ عِنْدَ عَدَمِهِ إِنْكَاحُهُمَا.
وَسَبَبُ اخْتِلاَفِهِمْ: قِيَاسُ غَيْرِ الأَْبِ فِي ذَلِكَ عَلَى الأَْبِ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ الاِجْتِهَادَ الْمَوْجُودَ فِيهِ الَّذِي جَازَ لِلأَْبِ بِهِ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَ مِنْ وَلَدِهِ لاَ يُوجَدُ فِي غَيْرِ الأَْبِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ أَجَازَ ذَلِكَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَيْسَ لِغَيْرِ الأَْبِ وِلاَيَةَ تَزْوِيجِالصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ. (160) وَالتَّفْصِيل فِي (نِكَاح ف 81 85
السَّبَبُ الثَّانِي الْجُنُونُ
72 - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ وَالْمَجْنُونَةِ تَدْبِيرُ شُئُونِهِ وَرِعَايَةُ أُمُورِهِ بِمَا فِيهِ حَظُّ الْمَجْنُونِ، وَبِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَتَهُ، فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي كُل حَوَائِجِهِ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُدَاوِيهِ وَيَرْعَى صِحَّتَهُ، وَيُقَيِّدُهُ وَيَحْجِزُهُ عَنْ أَنْ يَنَال النَّاسَ بِالأَْذَى أَوْ يَنَالُوهُ بِهِ إِنْ خِيفَ ذَلِكَ مِنْهُ، صَوْنًا لَهُ، وَحِفْظًا لِلْمُجْتَمَعِ مِنْ ضَرَرِهِ. (2)
73 - وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الْمَجْنُونِ تَزْوِيجَهُ إِذَا اقْتَضَتْ مُصْلِحَتُهُ ذَلِكَ. (161)
قَال الشِّيرَازِيُّ: وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَإِنْ كَانَ لَهُ حَال إِفَاقَةٍ لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِئْذَانُهُ فَلاَ يَجُوزُ الاِفْتِيَاتُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَال إِفَاقَةٍ وَرَأَى الْوَلِيُّ تَزْوِيجَهُ لِلْعِفَّةِ أَوِ الْخِدْمَةِ زَوَّجَهُ، لأَِنَّ لَهُ فِيهِ مَصْلَحَةً. (162) وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، اُنْظُرْ مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 81 وَمَا بَعْدَهَا.
السَّبَبُ الثَّالِثُ الأُْنُوثَةُ
74 - مِنْ أَسْبَابِ الْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ: الأُْنُوثَةُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُرْتَبِطَةً بِصِغَرٍ أَوْ آفَةٍ مِنَ آفَاتِ الْعَقْل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} . (1)
وَتَنْحَصِرُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ فِي أَمْرَيْنِ: فِي تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ، وَفِي تَأْدِيبِ الزَّوْجَةِ عِنْدَ النُّشُوزِ.
أولا: وِلاَيَةُ التَّزْوِيجُ
وَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ تَنْقَسِمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِلَى قِسْمَيْنِ: وِلاَيَةُ إِجْبَارٍ، وَوِلاَيَةُ اخْتِيَارٍ.
(163) - وِلاَيَةُ الإِْجْبَارِ:
75 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عِلَّةِ وِلاَيَةِ الاِخْتِيَارِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
(الأَْوَّل) لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ: وَهُوَ أَنَّ عِلَّةَ وِلاَيَةِ الإِْجْبَارِ هِيَ الْبَكَارَةُ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ إِجْبَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ عَلَى النِّكَاحِ، وَتَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا كَالصَّغِيرَةِ.
(الثَّانِي) لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ عِلَّةَ الإِْجْبَارِ هِيَ الصِّغَرُ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ إِجْبَارُ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ إِنَّمَا ثَبَتَتْ لِقُصُورِ الْعَقْل، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ يَكْمُل الْعَقْل بِدَلِيل تَوَجُّهِ الْخِطَابِ إِلَيْهِمَا، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ قَيَّمٍ الْجَوْزِيَّةِ. (164) (ر: نِكَاح ف 80 85
(ب) وِلاَيَةُ الاِخْتِيَارِ:
76 - وِلاَيَةُ الاِخْتِيَارِ هِيَ وِلاَيَةُ النَّدْبِ وَالاِسْتِحْبَابِ عَلَى الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ.
وَالتَّفْصِيل فِي (نِكَاح ف 86 90
وِلاَيَةُ الْمَرْأَةِ فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا:
77 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وِلاَيَةِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ الْعَامِلَةِ فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، وَلاَ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا وَلاَ غَيْرِهَا، وَلاَ تَوْكِيل غَيْرِ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا، فَإِنْ فَعَلَتْ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ.
الثَّانِي: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ نِكَاحِ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ، فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا بِنَفْسِهَا، وَأَنَّ تُوَكِّل بِهِ مَنْ تَشَاءُ إِذَا كَانَ حُرًّا عَاقِلاً بَالِغًا، وَهُوَ صَحِيحٌ نَافِذٌ بِلاَ وَلِيٍّ.
الثَّالِثُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذَنِ الْوَلِيِّ، فَإِنْ فَعَلَتْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَتِهِ. (165) (ر. نِكَاح ف 71
عَضْل الْوَلِيِّ:
78 - الْمُرَادُ بِالْعَضْل: مَنْعُ الْوَلِيِّ الْمَرْأَةَ مِنَ التَّزْوِيجِ بِكُفْئِهَا إِذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَرَغِبَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ.
وَمُوجِبُهُ انْتِقَال الْوِلاَيَةِ مِنَ الْوَلِيِّ الْعَاضِل إِلَى غَيْرِهِ.
وَالتَّفْصِيل فِي (عَضَل ف 25، وَنِكَاح ف 96
غَيْبَةُ الْوَلِيِّ:
79 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِقَال وِلاَيَةِ التَّزْوِيجِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَلِيِّ. وَالتَّفْصِيل فِي (نِكَاح ف 97101.
تَرْتِيبُ الأَْوْلِيَاءِ:
80 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَرْتِيبِ الأَْوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 9195.
ثَانِيًا: وِلاَيَةُ الزَّوْجِ التَّأْدِيبِيَّةِ:
81 - ذَهَبَ أَهْل الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ مِنْ أَحْكَامِ عَقْدِ النِّكَاحِ وِلاَيَةَ الزَّوْجِ عَلَى تَأْدِيبِ زَوْجَتِهِ إِذَا اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ وَتَرَفَّعَتْ عَنْ مُطَاوَعَتِهِ وَمُتَابَعَتِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} ) . (166)
فَيَعِظُهَا أَوَّلاً بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ، لَعَلَّهَا تَقْبَل الْمَوْعِظَةَ فَتَدَعُ النُّشُوزَ، فَإِنْ لَمْ يَنْفَعْ مَعَهَا ذَلِكَ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ، فَإِنْ أَصَرَّتْ عَلَى الْبُغْضِ وَالْعِصْيَانِ ضَرَبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ بِالْقَدْرِ الَّذِي يُصْلِحُهَا لَهُ وَيَحْمِلُهَا عَلَى تَوْفِيَةِ حَقِّهِ.
وَالتَّفْصِيل فِي (نُشُوز ف 1219.
وِلاَيَةُ نَاظِرِ الْوَقْفِ:
82 - النِّظَارَةُ عَلَى الْوَقْفِ ضَرْبٌ مِنَ الْوِلاَيَةِ الْخَاصَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي تَنْفِيذَ الْقَوْل عَلَى الْغَيْرِ، شَاءَ الْغَيْرُ أَمْ أَبَى، وَهِيَ حَقٌّ مُقَرَّرٌ شَرْعًا عَلَى كُل عَيْنٍ مَوْقُوفَةٍ، إِذْ لاَ بُدَّ لِلْمَوْقُوفِ مِنْ يَدٍ تَرْعَاهُ وَتَتَوَلاَّهُ، وَتَعْمَل عَلَى إِبْقَائِهِ صَالِحًا نَامِيًا مُحَقِّقًا لِلْغَرَضِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْوَقْفِ، وَذَلِكَ بِعِمَارَتِهِ وَصِيَانَتِهِ، وَإِجَارَتِهِ وَزِرَاعَةِ أَرْضِهِ، وَاسْتِغْلاَل مُسْتَغَلاَّتِهِ، وَصَرْفِ رِيعِهَا إِلَى الْجِهَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ، ثُمَّ أَدَاءِ دُيُونِهِ، وَالْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ وَالدِّفَاعِ عَنْهَا، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، كُل ذَلِكَ بِحَسَبِ شُرُوطِ الْوَاقِفِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا.
وَهَذَا لاَ يَتَأَتَّى إِلاَّ بِوِلاَيَةٍ صَالِحَةٍ تَحْفَظُ الأَْعْيَانَ الْمَوْقُوفَةَ وَتَرْعَى شُؤُونَهَا بِأَمَانَةٍ، وَتُوَصِّل الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا بِلاَ تَوَانٍ أَوْ خِيَانَةٍ، وَلِهَذَا لاَ يُوَلَّى نِظَارَةَ الْوَقْفِ إِلاَّ الأَْمِينُ الْقَادِرُ، لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ، وَلَيْسَ مِنَ النَّظَرِ تَوْلِيَةُ الْخَائِنِ أَوِ الْعَاجِزِ.
وَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ عَلَى الْوَقْفِ تَنْقَسِمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
(أ - وِلاَيَةٌ أَصْلِيَّةٌ: وَتَثْبُتُ لِلْوَاقِفِ أَوْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ لِلْقَاضِي.
(ب - وِلاَيَةٌ فَرْعِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي تَثْبُتُ بِمُوجِبِ شَرْطٍ أَوْ تَفْوِيضٍ أَوْ تَوْكِيلٍ أَوْ إِيصَاءٍ أَوْ إِقْرَارٍ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ. وَالتَّفْصِيل فِي (وَقْف.وِلاَيَةُ اللَّهِ تَعَالَى
مَفْهُومُ وِلاَيَةِ اللَّهِ تَعَالَى
83 - ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ وِلاَيَةَ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَانِ: عَامَّةٌ، وَخَاصَّةٌ:
فَأَمَّا الْوِلاَيَةُ الْعَامَّةُ فَهِيَ وِلاَيَةُ كُل مُؤْمِنٍ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا، لِلَّهِ تَقِيًّا، كَانَ اللَّهُ لَهُ وَلِيًّا. وَفِيهِ مِنَ الْوِلاَيَةِ بِقَدْرِ إِيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ. (167)
يَدُل عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى ( {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} ، (2) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ( {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} . (3)
وَفِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْوِلاَيَةِ قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: فَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنْ أَهْل الإِْيمَانِ مَعَهُ مِنْ وِلاَيَةِ اللَّهِ بِقَدْرِ إِيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ، كَمَا مَعَهُ مِنْ ضِدِّ ذَلِكَ بِقَدْرِ فُجُورِهِ، إِذِ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ تَجْتَمِعُ فِيهِ الْحَسَنَاتُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلثَّوَابِ وَالسَّيِّئَاتُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْعِقَابِ، حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ يُثَابَ وَيُعَاقَبَ، وَهَذَا قَوْل جَمِيعِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَئِمَّةِ الإِْسْلاَمِ وَأَهْل السُّنَّةِ. (168) وَأَمَّا الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ فَهِيَ الْقِيَامُ لِلَّهِ بِجَمِيعِ حُقُوقِهِ، وَإِيثَارُهُ عَلَى كُل مَا سِوَاهُ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال، حَتَّى تَصِيرَ مَرَاضِي اللَّهِ وَمَحَابُّهُ هِيَ هَمَّهُ وَمُتَعَلِّقَ خَوَاطِرِهِ، يُصْبِحُ وَيُمْسِي وَهَمُّهُ مَرْضَاةُ رَبِّهِ وَإِنْ سَخِطَ الْخَلْقُ. (169)
وَفِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْوِلاَيَةِ يَقُول الشَّوْكَانِيُّ: الْوَلِيُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَرِيبُ. وَالْمُرَادُ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ: خُلَّصُ الْمُؤْمِنِينَ، لأَِنَّهُمْ قَرُبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ. (170)
وَقَدْ تَنَوَّعَتْ تَعْرِيفَاتُ الْعُلَمَاءِ لِهَذِهِ الْوِلاَيَةِ، فَقَال الْغُنَيْمِيُّ الْمَيْدَانِيُّ: الأَْوْلِيَاءُ جَمْعُ وَلِيٍّ، بِوَزْنِ فَعِيلٍ (بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَقَتِيلٍ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ، أَوْ (بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَعَلِيمٍ بِمَعْنَى عَالَمٍ. قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَكَوْنُهُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَرْجَحَ، لأَِنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُمْدَحُ إِلاَّ عَلَى فِعْل نَفْسِهِ، وَقَدْ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
- فَعَلَى الأَْوَّل يَكُونُ الْوَلِيُّ مَنْ تَوَلَّى اللَّهُ ﷿ رِعَايَتَهُ وَحِفْظَهُ، فَلاَ يَكِلُهُ إِلَى نَفْسِهِ، كَمَا قَال سُبْحَانَهُ: ( {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} . (3) - وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْوَلِيُّ مَنْ تَوَلَّى عِبَادَةَ اللَّهِ وَطَاعَتَهِ، فَهُوَ يَأْتِي بِهَا عَلَى التَّوَالِي، آنَاءَ اللَّيْل وَأَطْرَافَ النَّهَارِ. وَيَجْنَحُ إِلَى هَذَا مَا عَرَّفَهُ بِهِ السَّعْدُ فِي " شَرْحِ الْعَقَائِدِ " حَيْثُ قَال: هُوَ الْعَارِفُ بِاللَّهِ حَسَبَ مَا يُمْكِنُ، الْمُوَاظِبُ عَلَى الطَّاعَاتِ، الْمُجْتَنِبُ لِلْمَعَاصِي، الْمُعْرِضُ عَنِ الاِنْهِمَاكِ بِاللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ. (171) وَكَذَا تَعْرِيفُ الْهَيْتَمِيِّ لِلأَْوْلِيَاءِ بِأَنَّهُمُ: الْقَائِمُونَ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، بِجَمْعِهِمْ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَل، وَسَلاَمَتِهِمْ مِنَ الْهَفَوَاتِ وَالزَّلَل. (172)
وَلاَ يَخْفَى أَنَّ سَلاَمَتَهُمْ مِنَ الْهَفَوَاتِ وَالزَّلَل لاَ تَعْنِي الْعِصْمَةَ، إِذْ لاَ عِصْمَةَ إِلاَّ لِنَبِيٍّ، وَلَكِنْ كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ الْوَلِيَّ مِنْ تَمَادِيهِ فِي الزَّلَل وَالْخَطَأِ إِنْ وَقَعَ فِيهِمَا، بِأَنْ يُلْهِمَهُ التَّوْبَةَ فَيَتُوبَ مِنْهُمَا، وَإِلاَّ فَهُمَا لاَ يَقْدَحَانِ فِي وِلاَيَتِهِ. (173) الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالنَّبِيِّ:
ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِمَّا يَفْتَرِقُ الْوَلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ فِيهِ: (174) أ - الْعِصْمَةُ:
84 - فَالأَْنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ وُجُوبًا، وَلَيْسَ الأَْوْلِيَاءُ كَذَلِكَ، فَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا يَجُوزُ عَلَى سَائِرِ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ اقْتِرَافِ الذُّنُوبِ. قَال الشَّوْكَانِيُّ: لَكِنَّهُمْ قَدْ صَارُوا إِلَى رُتْبَةٍ رَفِيعَةٍ وَمَنْزِلَةٍ عَلِيَّةٍ، فَقَل أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ مَا يُخَالِفُ الصَّوَابَ وَيُنَافِي الْحَقَّ، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فَلاَ يُخْرِجُهُمْ عَنْ كَوْنِهِمْ أَوْلِيَاءَ لِلَّهِ. (175)
وَقَال النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ مَحْفُوظًا، فَلاَ يُصِرُّ عَلَى الذُّنُوبِ، وَإِنْ حَصَلَتْ مِنْهُ هَفَوَاتٌ فِي أَوْقَاتٍ أَوْ زَلاَّتٌ، فَلاَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ. (176)
ب - الإِْيمَانُ بِهِ وَوُجُوبُ الاِتِّبَاعِ:
85 - الأَْنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَجِبُ لَهُمُ الإِْيمَانُ بِجَمِيعِ مَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ ﷿ وَتَجِبُ طَاعَتُهُمْ فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ، بِخِلاَفِ الأَْوْلِيَاءِ فَإِنَّهُمْ لاَ تَجِبُ طَاعَتُهُمْ فِي كُل مَا يَأْمُرُونَ وَلاَ الإِْيمَانُ بِجَمِيعِ مَا يُخْبِرُونَ بِهِ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: بَل يُعْرَضُ أَمْرُهُمْ وَخَبَرُهُمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَمَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَجَبَ قَبُولُهُ، وَمَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ كَانَ مَرْدُودًا. ثُمَّ قَال: ذَلِكَ أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنُّةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَعْصُومٌ يُسَوَّغُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ اتِّبَاعُ مَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنُّةِ. (177)
ج - الْوَحْيُ:
86 - الأَْنْبِيَاءُ مُكَرَّمُونَ بِتَلَقِّي الْوَحْيِ وَمُشَاهَدَةِ الْمَلَكِ، وَلَيْسَ الأَْوْلِيَاءُ كَذَلِكَ. فَالْوَلِيُّ لاَ يَسَعُهُ إِلاَّ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ، حَتَّى إِنَّ الْوَلِيَّ لَوِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ صَارَ عَدُوًّا لِلَّهِ، لاَ وَلِيًّا لَهُ.
د) وُجُوبُ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ:
87 - الأَْنْبِيَاءُ مَأْمُورُونَ بِتَبْلِيغِ الأَْحْكَامِ وَسَائِرِ مَا يُوحَى إِلَيْهِمْ بِهِ مِنَ اللَّهِ وَإِرْشَادِ الأَْنَامِ لِدِينِهِ، وَلَيْسَ الأَْوْلِيَاءُ كَذَلِكَ، لأَِنَّهُمْ لاَ يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ، وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ الأَْنْبِيَاءَ.
هـ - الأَْمْنُ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ:
88 - فَالأَْنْبِيَاءَ مَأْمُونُونَ عَنْ خَوْفِ سُوءِ الْخَاتِمَةِ، أَمَّا الْوَلِيُّ فَلاَ يَعْلَمُ هُوَ وَلاَ غَيْرُهُ مَا دَامَ حَيًّا هَل سَيُخْتَمُ لَهُ بِالْمُوَافَاةِ عَلَى الإِْيمَانِ، أَمْ أَنَّهُ سَيَلْقَى اللَّهَ غَيْرَ ذَلِكَ.
و) خَتْمُ النُّبُوَّةِ:
89 - فَالنُّبُوَّةَ مَخْتُومَةٌ مِنْ حَيْثُ الإِْنْبَاءُ وَالإِْخْبَارُ عَنِ اللَّهِ ﷿ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، إِذْ لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا الْوِلاَيَةُ فَدَائِمَةٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
ز) حُكْمُ السَّبِّ:
90 - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنَ الأَْوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ فَإِنَّهُ لاَ يَكْفُرُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ سَبُّهُ مُخَالِفًا لأَِصْلٍ مِنْ أَصُول الإِْيمَانِ، مِثْل أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ السَّبَّ دِينًا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِدِينٍ. (178)
فَضْل النَّبِيِّ عَلَى الْوَلِيِّ:
91 - اتَّفَقَ سَلَفُ الأُْمَّةِ وَخَلَفُهَا مِنْ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ الأَْنْبِيَاءَ أَفْضَل مِنَ الأَْوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَفْضِيل أَحَدٍ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ. قَال الْقُشَيْرِيُّ: رُتْبَةُ الأَْوْلِيَاءِ لاَ تَبْلُغُ رُتْبَةَ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لِلإِْجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى ذَلِكَ. (179)
أَمَّا مَا نُقِل عَنْ بَعْضِ الْكَرَّامِيَّةِ وَغُلاَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ مِنْ جَوَازِ كَوْنِ الْوَلِيِّ أَفْضَل مِنَ النَّبِيِّ فَهُوَ بَاطِلٌ. قَال الْغُنَيْمِيُّ الْمَيْدَانِيُّ: هُوَ كُفْرٌ وَضَلاَلٌ. (180)
92 - أَمَا أَفْضَل الأَْوْلِيَاءِ وَالأَْنْبِيَاءِ، فَقَدْ قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: أَفْضَل أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى هُمْ أَنْبِيَاؤُهُ، وَأَفْضَل أَنْبِيَائِهِ هُمُ الْمُرْسَلُونَ، وَأَفْضَل الرُّسُل هُمْ أُولُو الْعَزْمِ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ ﷺ. وَأَفْضَل الرُّسُل: نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ. (181) ثُمَّ قَال: وَإِذَا كَانَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ ﷿ هُمُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ، فَبِحَسَبِ إِيمَانِ الْعَبْدِ وَتَقْوَاهُ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ كَانَ أَكْمَل إِيمَانًا وَتَقْوَى، كَانَ أَكْمَل وِلاَيَةً لِلَّهِ، فَالنَّاسُ مُتَفَاضِلُونَ فِي وِلاَيَةِ اللَّهِ ﷿ بِحَسَبِ تَفَاضُلِهِمْ فِي الإِْيمَانِ وَالتَّقْوَى. (182)
مِعْيَارُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أَوْلِيَاءَ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ
93 - نَبَّهَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يُمَيَّزُونَ عَمَّنْ سِوَاهُمْ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، لأَِنَّ هَذِهِ الْخَوَارِقَ كَمَا تَقَعُ لأَِوْلِيَاءِ اللَّهِ، فَقَدْ تَظْهَرُ عَلَى أَيْدِي أَعْدَائِهِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُونَ وَيُمَيَّزُونَ بِصِفَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمُ الَّتِي دَل عَلَى خَبَرِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. (183) وَفِي ذَلِكَ يَقُول الشَّوْكَانِيُّ: وَالْحَاصِل أَنَّ مَنْ كَانَ مِنَ الْمَعْدُودِينَ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، إِنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللَّهِ، مُقِيمًا لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَارِكًا لِمَا نَهَاهُ عَنْهُ، مُسْتَكْثِرًا مِنْ طَاعَاتِهِ، فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَامَاتِ الَّتِي لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعَ، فَهِيَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ ﷿ لاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يُنْكِرَهَا.
وَمَنْ كَانَ بِعَكْسِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَيْسَتْ وِلاَيَتُهُ رَحْمَانِيَّةً، بَل شَيْطَانِيَّةً، وَخَوَارِقُهُ مِنْ تَلْبِيسِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاسِ. وَلَيْسَ هَذَا بِغَرِيبٍ وَلاَ مُسْتَنْكَرٍ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ مَخْدُومًا بِخَادِمٍ مِنَ الْجِنِّ أَوْ بِأَكْثَرَ، فَيَخْدِمُونَهُ فِي تَحْصِيلٍ مَا يَشْتَهِيهِ وَرُبَّمَا كَانَ مُحَرَّمًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ. وَالْمِعْيَارُ الَّذِي لاَ يَزِيغُ، وَالْمِيزَانُ الَّذِي لاَ يَجُورُ هُوَ مِيزَانُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لَهُمَا مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا، فَكَرَامَاتُهُ وَجَمِيعُ أَحْوَالِهِ رَحْمَانِيَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِهِمَا وَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ حُدُودِهِمَا فَأَحْوَالُهُ شَيْطَانِيَّةٌ. (184) وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ ضَابِطَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ مَا يَتَلَبَّسُ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَحَالٍ، فَإِنْ كَانَ وَفْقَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ فِي الأُْمُورِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي فِي الْقُلُوبِ وَفِي الأَْعْمَال الظَّاهِرَةِ الَّتِي عَلَى الْجَوَارِحِ، كَانَ صَاحِبُهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْرِضًا فِي ذَلِكَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهَدْيِ رَسُولِهِ ﷺ، مُخَالِفًا لَهُمَا إِلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ.
ثُمَّ قَال: فَإِنِ اشْتَبَهَ عَلَيْكَ، فَاكْشِفْهُ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ: فِي صَلاَتِهِ، وَمَحَبَّتِهِ لِلسُّنَّةِ وَأَهْلِهَا أَوْ نَفْرَتِهُ عَنْهُمْ، وَدَعْوَتِهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ وَالْمُتَابَعَةِ وَتَحْكِيمِ السُّنَّةِ، فَزِنْهُ بِذَلِكَ، وَلاَ تَزِنْهُ بِحَالٍ وَلاَ كَشْفٍ وَلاَ خَارِقٍ، وَلَوْ مَشَى عَلَى الْمَاءِ وَطَارَ فِي الْهَوَاءِ. (185)
كَرَامَاتُ الأَْوْلِيَاءِ
94 - الْكَرَامَاتُ جَمْعُ كَرَامَةٍ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الشَّرَفُ. مِنَ الْكَرَمِ: الَّذِي يَعْنِي شَرَفَ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي خُلُقٍ مِنَ الأَْخْلاَقِ. أَوِ الإِْكْرَامُ: الَّذِي هُوَ إِيصَال نَفْعٍ إِلَى الإِْنْسَانِ، لاَ يَلْحَقُهُ فِيهِ غَضَاضَةٌ، أَوْ أَنْ يَجْعَل مَا يُوَصَل إِلَيْهِ شَيْئًا كَرِيمًا، أَيْ شَرِيفًا. (186) أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ، فَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ عَابِدِينَ الْكَرَامَةَ بِأَنَّهَا: ظُهُورُ أَمْرٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ، عَلَى يَدِ عَبْدٍ ظَاهِرِ الصَّلاَحِ، مُلْتَزِمٍ لِمُتَابَعَةِ نَبِيٍّ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ، مُقْتَرِنًا بِصَحِيحِ الاِعْتِقَادِ وَالْعَمَل الصَّالِحِ غَيْرِ مُقَارِنٍ لِدَعْوَى النُّبُوَّةِ. (187)
فَامْتَازَتِ الْكَرَامَةُ بِعَدَمِ الاِقْتِرَانِ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ عَنِ الْمُعْجِزَةِ، وَبِكَوْنِهَا عَلَى يَدِ ظَاهِرِ الصَّلاَحِ وَهُوَ الْوَلِيُّ عَمَّا يُسَمُّونَهُ مَعُونَةً وَهِيَ الْخَارِقُ الظَّاهِرُ عَلَى أَيْدِي عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ، تَخَلُّصًا لَهُمْ مِنَ الْمِحَنِ وَالْمَكَارِهِ، وَبِمُقَارَنَةِ صَحِيحِ الاِعْتِقَادِ وَالْعَمَل الصَّالِحِ عَنِ الاِسْتِدْرَاجِ، وَبِمُتَابَعَةِ نَبِيٍّ قَبْلَهُ عَنْ خَوَارِقِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ لِكَذِبِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِالإِْهَانَةِ كَبَصْقِ مُسَيْلِمَةَ فِي بِئْرٍ عَذْبَةِ الْمَاءِ لِيَزْدَادَ مَاؤُهَا حَلاَوَةً، فَصَارَ مِلْحًا أُجَاجًا. (188)
95 - وَقَدْ ذَهَبَ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ - خِلاَفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ - إِلَى أَنَّ ظُهُورَ الْكَرَامَةِ عَلَى الأَْوْلِيَاءِ جَائِزٌ عَقْلاً، لأَِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُمْكِنَاتِ، وَأَنَّهَا وَاقِعَةٌ نَقْلاً مُفِيدًا لِلْيَقِينِ مِنْ جِهَةٍ مَجِيءِ الْقُرْآنِ بِهَا، وَوُقُوعِ التَّوَاتُرِ عَلَيْهَا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَجِيلاً بَعْدَ جِيلٍ. وَبَعْدَ ثُبُوتِ الْوُقُوعِ لاَ حَاجَةَ إِلَى إِثْبَاتِ الْجَوَازِ (189) قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَكَرَامَاتُ الأَْوْلِيَاءِ حَقٌّ بِاتِّفَاقِ أَهْل الإِْسْلاَمِ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَدْ دَل عَلَيْهَا الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَالأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَالآْثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَهَا أَهْل الْبِدَعِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَدَّعِيهَا أَوْ تُدَّعَى لَهُ يَكُونُ كَذَّابًا أَوْ مَلْبُوسًا عَلَيْهِ. (190)
الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَرَامَةِ وَالْمُعْجِزَةِ:
96 - الْمُعْجِزَةُ اسْمُ فَاعِلٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَجْزِ الْمُقَابِل لِلْمَقْدِرَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ إِعْجَازِ الْخَصْمِ عِنْدَ التَّحَدِّي، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ.
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ: مَا خَرَقَ الْعَادَةَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، إِذَا وَافَقَ دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَقَارَنَهَا وَطَابَقَهَا، عَلَى جِهَةِ التَّحَدِّي ابْتِدَاءً، بِحَيْثُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَيْهَا وَلاَ عَلَى مِثْلِهَا وَلاَ عَلَى مَا يُقَارِبُهَا. (191)
وَتَسْمِيَةُ دَلاَئِل النُّبُوَّةِ وَأَعْلاَمِهَا " مُعْجِزَاتٍ " إِنَّمَا هُوَ اصْطِلاَحُ النُّظَّارِ، إِذْ لَمْ يَرِدْ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْكِتَابِ وَلاَ فِي السُّنَّةِ، وَالَّذِي فِيهِ لَفْظُ الآْيَةِ وَالْبَيِّنَةِ وَالْبُرْهَانِ. (192)
97 - أَمَّا وُجُوهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْكَرَامَةِ وَالْمُعْجِزَةِ فَهِيَ:
أَوَّلاً: أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَقْتَرِنُ بِالتَّحَدِّي، وَهُوَ طَلَبُ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُقَابَلَةِ يُقَال تَحَدَّيْتُ فُلاَنًا: إِذَا بَارَيْتَهُ فِي فِعْلٍ وَنَازَعْتَهُ لِلْغَلَبَةِ أَمَّا الْكَرَامَةُ فَلاَ تَقْتَرِنُ بِذَلِكَ.
وَلاَ شَكَّ أَنَّ كُل مَا وَقَعَ مِنْهُ ﷺ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مِنْ مُعْجِزَاتٍ كَنُطْقِ الْحَصَى وَحَنِينِ الْجِذْعِ وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي، لأَِنَّ قَرَائِنَ أَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ نَاطِقَةٌ بِدَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ وَتَحَدِّيهِ لِلْمُخَالِفِينَ وَإِظْهَارِهِ مَا يَقْمَعُهُمْ وَيَقْطَعُهُمْ، فَكَانَ كُل مَا ظَهَرَ مِنْهُ ﷺ يُسَمَّى آيَاتٍ وَمُعْجِزَاتٍ، وَلأَِنَّ الْمُرَادَ مِنَ اقْتِرَانِهَا بِالتَّحَدِّي الاِقْتِرَانُ بِالْقُوَّةِ أَوِ الْفِعْل. (193)
ثَانِيًا: أَنَّ الأَْنْبِيَاءَ مَأْمُورُونَ بِإِظْهَارِ مُعْجِزَاتِهِمْ، لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِهِمْ وَاتِّبَاعِهِمْ، وَلاَ يُعْرَفُ النَّبِيُّ إِلاَّ بِمُعْجِزٍ. أَمَّا الْكَرَامَةُ فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إِظْهَارُهَا، بَل يَسْتُرُ كَرَامَتَهُ وَيُسِرُّهَا وَيَجْتَهِدُ عَلَى إِخْفَاءِ أَمْرِهِ. (194)
ثَالِثًا: أَنَّ دَلاَلَةَ الْمُعْجِزَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ قَطْعِيَّةٌ، وَأَنَّ النَّبِيَّ يَعْلَمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، بَيْنَمَا دَلاَلَةُ الْكَرَامَةِ عَلَى الْوِلاَيَةِ ظَنِّيَّةٌ، وَلاَ يَعْلَمُ مُظْهِرُهَا أَوْ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ أَنَّهُ وَلِيٌّ، وَلاَ غَيْرُهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ مَمْكُورًا بِهِ. (195) قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَالدَّلاَلَةُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا وَلِيٌّ لِلَّهِ ﷿ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالْقَطْعِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَمُوتُ إِلاَّ مُؤْمِنًا، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنَّا أَنْ نَقْطَعَ عَلَى أَنَّهُ وَلِيٌّ لِلَّهِ، لأَِنَّ الْوَلِيَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ يُوَافِي إِلاَّ بِالإِْيمَانِ، وَلَمَّا اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَقْطَعَ عَنْهُ أَنَّهُ لاَ يُوَافِي إِلاَّ بِالإِْيمَانِ، عُلِمَ أَنَّ الْفِعْل الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ لاَ يَدُل عَلَى وِلاَيَتِهِ. (196)
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَدُل عَلَى عِصْمَةِ صَاحِبِهَا وَعَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ، أَمَّا الْكَرَامَةُ فَلاَ تَدُل عَلَى عِصْمَةِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ، وَلاَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ فِي كُل مَا يَقُول، وَلاَ عَلَى وِلاَيَتِهِ، لِجَوَازِ سَلْبِهَا أَوْ أَنْ تَكُونَ اسْتِدْرَاجًا لَهُ. (197)
رابِعًا: أَنَّ الْكَرَامَةَ لاَ يَجُوزُ بُلُوغُهَا مَبْلَغَ الْمُعْجِزَةِ فِي جِنْسِهَا وَعِظَمِهَا، كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَانْفِلاَقِ الْبَحْرِ وَقَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً وَخُرُوجِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الأَْصَابِعِ، وَبِذَلِكَ قَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عُلَمَاءَ الْمَذْهَبَيْنِ وَغَيْرِهِمْ: كُل مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ جَازَ أَنْ يَكُونَ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ، غَيْرَ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَقْتَرِنُ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَالْكَرَامَةُ لاَ تَقْتَرِنُ بِذَلِكَ، بَل إِنَّ الْوَلِيَّ لَوِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ صَارَ عَدُوًّا لِلَّهِ، لاَ يَسْتَحِقُّ الْكَرَامَةَ بَل اللَّعْنَةَ وَالإِْهَانَةَ. (198) خَوَارِقُ الأَْنْبِيَاءِ قَبْل الْبَعْثَةِ:
98 - مِنْ جُمْلَةِ الْكَرَامَاتِ الْخَوَارِقُ الَّتِي وَقَعَتْ لِلأَْنْبِيَاءِ قَبْل النُّبُوَّةِ، كَإِظْلاَل الْغَمَامِ وَشَقِّ الصَّدْرِ الْوَاقِعَيْنِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْل الْبَعْثَةِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِمُعْجِزَاتٍ لِتَقَدُّمِهَا عَلَى التَّحَدِّي وَدَعْوَى النُّبُوَّةِ، بَل كَرَامَاتٍ، وَتُسَمَّى " إِرْهَاصًا " أَيْ تَأْسِيسًا لِلنُّبُوَّةِ، ذَكَرَ ذَلِكَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الأُْصُول وَغَيْرُهُمْ. (199)
كَرَامَةُ الْوَلِيِّ مُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ:
99 - قَال ابْنُ عَابِدِينَ: اعْلَمْ أَنَّ كُل خَارِقٍ ظَهَرَ عَلَى يَدِ أَحَدٍ مِنَ الْعَارِفِينَ فَهُوَ ذُو جِهَتَيْنِ: جِهَةُ كَرَامَةٍ، مِنْ حَيْثُ ظُهُورِهِ عَلَى يَدِ ذَلِكَ الْعَارِفِ. وَجِهَةُ مُعْجِزَةٍ لِلرَّسُول مِنْ حَيْثُ أَنَّ الَّذِي ظَهَرَتْ هَذِهِ الْكَرَامَةُ عَلَى يَدِهِ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ أُمَّتِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَظْهَرُ بِتِلْكَ الْكَرَامَةِ الآْتِي بِهَا وَلِيٌّ إِلاَّ وَهُوَ مُحِقٌّ فِي دِيَانَتِهِ، وَدِيَانَتُهُ هِيَ التَّصْدِيقُ وَالإِْقْرَارُ بِرِسَالَةِ ذَلِكَ الرَّسُول مَعَ الإِْطَاعَةِ لأَِوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، حَتَّى لَوِ ادَّعَى هَذَا الْوَلِيُّ الاِسْتِقْلاَل بِنَفْسِهِ وَعَدَمَ الْمُتَابَعَةِ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا. (200) الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَرَامَاتِ وَخَوَارِقِ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ:
100 - ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْخَارِقَ غَيْرَ الْمُقْتَرِنِ بِتَحَدِّي النُّبُوَّةِ إِذَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ عَبْدٍ صَالِحٍ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ خَلْقِهِ فَهُوَ الْكَرَامَةُ. أَمَّا إِذَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ مُطَابِقًا لِدَعْوَاهُ فَهُوَ " الاِسْتِدْرَاجُ " وَقَدْ يُسَمَّى " سِحْرًا وَشَعْوَذَةً ".
وَإِنْ ظَهَرَ عَلَى يَدِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ مِنْ أَهْل الضَّلاَل فَهُوَ " الإِْهَانَةُ "، كَنُطْقِ الْجَمَادِ بِأَنَّهُ مُفْتَرٍ كَذَّابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لأَِنَّ خَارِقَ الْعَادَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَكُونُ مُوَافِقًا لِلدَّعْوَى، بَل مُثْبِتًا لِكَذِبِهَا. (201)
وَأَسَاسُ ذَلِكَ أَنَّ كَرَامَاتِ الأَْوْلِيَاءِ لاَ يَكُونُ سَبَبُهَا إِلاَّ الإِْيمَانَ وَالتَّقْوَى، أَمَّا خَوَارِقُ أَعْدَاءِ اللَّهِ فَسَبَبُهَا الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ. (202) وَفِي ذَلِكَ يَقُول ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ لاَ تَدُل عَلَى عِصْمَةِ صَاحِبِهَا، وَلاَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ فِي كُل مَا يَقُول، لأَِنَّ بَعْضًا مِنْهَا قَدْ يَصْدُرُ عَنِ الْكُفَّارِ وَالسَّحَرَةِ بِمُؤَاخَاتِهِمْ لِلشَّيَاطِينِ، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الدَّجَّال أَنَّهُ يَقُول لِلسَّمَاءِ: أَمْطِرِي فَتُمْطِرُ، وَلِلأَْرْضِ: أَنْبِتِي فَتُنْبِتُ، وَأَنَّهُ يَقْتُل وَاحِدًا ثُمَّ يُحْيِيهِ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ خَلْفَهُ كُنُوزُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. (1) وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى أَنَّ الرَّجُل لَوْ طَارَ فِي الْهَوَاءِ وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ، لَمْ تَثْبُتْ لَهُ وِلاَيَةٌ، بَل وَلاَ إِسْلاَمٌ حَتَّى يُنْظَرَ وُقُوفُهُ عِنْدَ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ. (2)
__________
(1) معجم مقاييس اللغة 6 141، أساس البلاغة ص 509، حلية الفقهاء لابن فارس ص 165، وأنيس الفقهاء للقرنوي ص 262، والمصباح المنير والمغرب والمفردات للراغب، بصائر ذوي التمييز، والكليات للكفوي 5 4،43، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص 724، كشاف اصطلاحات الفنون 2 1528.
(2) التعريفات للجرجاني.
(3) بفتح الميم وإسكان الواو وكسر اللام وتشديد الياء.
(4) بضم الميم وفتح الواو وتشديد اللام المفتوحة، مثل المصلى عليه. تهذيب الأسماء واللغات 2 196، غرر المقالة في شرح غريب الرسالة للمغراوي ص 226.
(5) التعريفات للجرجاني، والمصباح المنير، وتهذيب الأسماء واللغات 2 196، والتوقيف للمناوي ص 734، وطلبة الطلبة للنسفي ص 98، وبدائع الصنائع 2 334.
(6) القوانين الفقهية ص 382.
(7) سورة التوبة 71.
(8) سورة النساء 33.
(9) سورة الانفال 75.
(10) المقدمات الممهدات 3 127 ـ 132 باختصار.
(11) تعريفات الجرجاني، والتوقيف للمناوي ص 734، وكشاف اف اصطلاحات الفنون 2 1529، وتفسير الطبري 3 21، وتفسير النيسابوري 2 22.
(12) بدائع الفوائد لابن القيم 3 106، 107.
(13) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 17، وانظر قواعد الفقه للبركتي.
(14) لسان العرب، وتاج العروس، ومعجم متن اللغة، وقواعد الفقه للبركتي.
(15) المصباح المنير، والفروق لهلال العسكري ص183.
(16) الكليات 4 53،54، وبصائر ذوي التمييز 4 307، 309، 7، 309، والتسهيل لابن جزئ 1 140، والكشاف للزمخشري 1 266، والتعريفات الفقهية للمجددي ص 438، ورد المحتار 3 431.
(17) تهذيب الأسماء واللغات 2 192، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 1511، وفتاوى قاضيخان 3 512.
(18) المغرب، والتوقيف للمناوي ص 732، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 1511، ومغني المحتاج 2 217، وبدائع الصنائع 6 19، تحفة المحتاج 5 16، وانظر المادة (915) من مرشد الحيران والمادة (1449) من المجلة العدلية.
(19) مجموع فتاوى ابن تيمية 28 68،81،246، والطرق الحكمية ص 199، والحسبة لابن تيمية ص 16،28.
(20) السياسة الشرعية لابن تيمية ص 39، ومجموع فتاوى ابن تيمية 28 262.
(21) الحسبة ص 8، مجموع فتاوى ابن تيمية 28 61.
(22) حديث: " إذا خرج ثلاثة في سفر. . . " أخرجه أبو داود (3 81 ـ ط حمص) من حديث أبي سعيد الخدري، وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص 375 ـ ط المكتب الإسلامي) .
(23) السياسة الشرعية لابن تيمية ص 217، ومجموع فتاوى ابن تيمية 28 390.
(24) أحكام القرآن للجصاص 2 291.
(25) فتح القدير للشوكاني 1 481.
(26) البحر الرائق 6 299، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 20، ونهاية المحتاج 7 409، وتفسير القرطبي 1 270، وكشاف القناع 6 159.
(27) حديث: " رفع القلم عن ثلاث. . . " أخرجه النسائي (6 156 ـ ط المكتبة التجارية) ، والحاكم (2 59 ـ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة، واللفظ للنسائي، وصححه الحاكم على شرط مسلم.
(28) مغني المحتاج 4 130، وكشاف القناع 6 159.
(29) حديث: " تعوذوا بالله من رأس السبعين. . . " أخرجه أحمد في المسند (2 326 ـ ط الميمنية) .
(30) مراتب الإجماع ص 126، ومغني المحتاج 4 130، وكشاف القناع 6 159.
(31) فتح الباري 13 122، ومغني المحتاج 4 130، والبحر الرائق 6 299، وروضة القضاة 1 63، وغياث الأمم ص 65، وشرح منتهى الإرادات 3 381.
(32) مراتب الإجماع ص 126، جواهر الإكليل 2 221، والبحر الرائق 6 299، وكشاف القناع 6 159، ومغني المحتاج 4 130.
(33) سورة النساء 34.
(34) حديث: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. . . " أخرجه البخاري (الفتح 13 53 ـ ط السلفية) من حديث أبي بكرة.
(35) مجموع فتاوى ابن تيمية 15 356، وتفسير القرطبي 1 271، وغياث الأمم ص 68، والأحكام السلطانية للماوردي ص 73، وكشاف القناع 6 413.
(36) روضة القضاة للسمناني 1 62، وتبيين الحقائق 4 175، 175، وشرح منتهى الإرادات 3 381، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 61.
(37) روضة القضاة للسمناني 1 62.
(38) كشاف القناع 6 159، ومغني المحتاج 4 130، ونهاية المحتاج 7 409، والأحكام السلطانية للماوردي ص 6، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 21، وتفسير القرطبي 1 270، ومقدمة ابن خلدون ص 193.
(39) غياث الأمم ص 77ـ89.
(40) غياث الأمم ص 89، وتبيين الحقائق 6 299، والأحكام لأحكام السلطانية للماوردي ص 6، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 20، والسياسة الشرعية ص 15، وشرح صحيح مسلم للنووي 12 209.
(41) حديث: " يا أبا ذر إنك ضعيف. . . " أخرجه مسلم (3 1457 ـ ط الحلبي) .
(42) صحيح البخاري مع فتح الباري 1 142، والمقدمة لابن خلدون ص 193.
(43) حديث: " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 142 ـ السلفية) .
(44) سورة التغابن 16.
(45) سورة البقرة 286.
(46) غياث الأمم ص 228، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام 2 37، ومغني المحتاج 4 130، وكشاف القناع 6 291، والسياسة الشرعية لابن تيمية ص 25، 29.
(47) قواعد الأحكام 2 37.
(48) السياسة الشرعية لابن تيمية ص 36.
(49) سورة النساء 58.
(50) السياسة الشرعية لابن تيمية ص 13.
(51) حديث: " ما من عبد يسترعيه الله رعية. . . " أخرجه البخاري (الفتح 13 127 ـ ط السلفية) ، ومسلم (3 1460 ـ ط الحلبي) من حديث معقل بن يسار، واللفظ لمسلم.
(52) حديث: " من استعمل رجلاً من عصابة. . . " أخرجه الحاكم (4 92 ـ 93 ـ ط دائرة المعارف العثمانية) ، وذكر المنذري في الترغيب والترهيب (3 118 ـ ط دار ابن كثير) أن في إسناده راوياً واهياً.
(53) حديث: " من ولى من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة. . . أخرجه الحاكم (4 93 ـ ط دائرة المعارف العثمانية) ، وذكر الذهبي في تلخيصه أن في إسناده راوياً قال عنه الدارقطني: متروك.
(54) السياسة الشرعية ص 17، 18.
(55) السياسة الشرعية ص 20، 27.
(56) حديث: " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات. . . " أخرجه مسلم (4 1996 ـ ط الحلبي) .
(57) تحرير المقال فيما يحل ويحرم من بيت المال للبلاطنسي ص 277، وقواعد الأحكام للعز 1 120.
(58) قواعد الأحكام 1 120.
(59) السياسة الشرعية ص 13.
(60) الحسبة ص 9، 10.
(61) السياسة الشرعية ص 39.
(62) الحسبة ص 8، 27.
(63) الحسبة ص 12،13.
(64) بدائع السلك في طبائع الملك 1 294 ط الدار العربية للكتاب، وأحكام القرآن لابن العربي 4 1656.
(65) مواهب الجليل 3 395.
(66) بدائع السلك 1 294.
(67) حديث: " من ولاه الله شيئاً من أمر المسلمين. . " أخرجه أبو داود (3 357 ـ ط حمص) ، والحاكم (4 94 ـ ط إدارة المعارف العثمانية) ، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. 79) الفروق 4 39.
(68) الفروق 4 39.
(69) حديث: " السمع والطاعة على المرء المسلم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 13 121 ـ 122) .
(70) حديث: " الدين النصيحة. . . " أخرجه مسلم (1 74 ـ ط الحلبي) من حديث تميم الداري.
(71) شرح النووي على مسلم 2 38.
(72) حديث: " إن الله رضي لكم ثلاثا. . . " أخرجه أحمد (2 367 ـ ط الميمنية) .
(73) النووي على مسلم 2 38.
(74) حديث: " من أراد أن ينصح لسلطان بأمر. . . " أخرجه أحمد (3 404 ـ ط الميمنية) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5 229 ـ ط القدسي) رجاله ثقات.
(75) شرح أدب القاضي للصدر الشهيد 2 11، روضة القضاة 1 85، وروضة الطالبين 11 137، والمهذب 2 290، والمبسوط 16 102، وشرح منتهى الإرادات 3 462، وتحرير المقال فيما يحل ويحرم من بيت المال ص 149، والسياسة الشرعية ص 74، وأحكام القرآن للجصاص 2 363، وأحكام القرآن لابن العربي 1 326.
(76) حديث: " من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة. . . " أخرجه أبو داود (3 354 ـ ط حمص) والحاكم (1 406 ـ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم.
(77) أثر عائشة: لما استخلف أبو بكر. . أخرجه البخاري (الفتح 4 303 ـ ط السلفية) .
(78) الحسبة لابن تيمية ص 15 وما بعدها، وانظر الطرق الحكمية لابن القيم ص 201.
(79) مقدمة ابن خلدون 2 578، والأحكام السلطانية للماوردي ص 5.
(80) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 29، 31، ومقدمة ابن خلدون 2 665، وغياث الأمم ص 113، والولايات للونشريسي ص 3، تبصرة الحكام 1 15.
(81) تبصرة الحكام 1 14، ومعين الحكام ص 12.
(82) الأحكام السلطانية للماوردي ص 31 وما بعدها، ولأبي يعلى ص 34 وما بعدها، وتحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة ص 79.
(83) المصباح المنير، وانظر التعريفات الفقهية ص 336.
(84) مقدمة ابن خلدون 2 687، وانظر معيد النعم للتاج السبكي ص 43، وتخريج الدلالات السمعية للخزاعي ص 311.
(85) الولايات للونشريسي ص 3.
(86) الشهب اللامعة في السياسة النافعة لأبي القاسم ابن رضوان المالقي ص 328.
(87) معيد النعم ومبيد النقم لابن السبكي ص 43،44.
(88) الحسبة ص 13، ومجموع فتاوى ابن تيمية 28 66.
(89) الحسبة لابن تيمية ص 15،16، ومجموع فتاوى ابن تيمية 28 68،69، وانظر الطرق الحكمية ص 201.
(90) الأحكام السلطانية للماوردي ص 272، ولأبي يعلى ص 286، 86، والشهب اللامعة لابن رضوان ص 327، والطرق الحكمية لابن القيم ص 199.
(91) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 15، ومعين الحكام للطرابلسي ص 13، والولايات ص 4، والأحكام السلطانية للماوردي ص 35،54،55، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 39، 51،54،57.
(92) الشهب اللامعة للسياسة النافعة ص332.
(93) حديث: " من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين. . . " أخرجه الترمذي (4 21 ـ ط الحلبي) من حديث أبي شريح الكعبي. وقال: حديث حسن صحيح.
(94) حديث: " السلطان ولي من لا ولي له " أخرجه الترمذي (3 399 ـ ط الحلبي) من حديث عائشة، وقال: قال: حديث حسن.
(95) فتاوى العز بن عبد السلام ص 152.
(96) المادة 59 من المجلة العدلية، والقواعد للزركشي 3 345، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 186، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 154، وشرح الخرشي على خليل 3 181.
(97) شرح المجلة للأتاسي 1 147.
(98) القواعد للزركشي 3 345، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 154.
(99) الأشباه والنظائر لابن نجيم ومعه حاشية ابن عابدين عليه نزهة النواظر ص 186 وما بعدها، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 154، وشرح المجلة للأتاسي 1 147 وما بعدها، ودرر الحكام 1 52،53، والحموي على الأشباه والنظائر 1 191، والخرشي 3 181، والقوانين الفقهية ص 204، والمغني 9 360.
(100) جامع أحكام الصغار للأستروشني 4 140.
(101) جامع أحكام الصغار 2 274، 4 111، 158.
(102) المقدمات الممهدات 1 473.
(103) بدائع الصنائع 5 155.
(104) المنتقى للباجي 6 106،107، والشرح الصغير 2 389 ـ 391.
(105) حديث: " السلطان ولي من لا ولي له " تقدم تخريجه فقرة (44) .
(106) مغني المحتاج 2 173، وتحفة المحتاج 5 179، وكفاية الأخيار 1 166.
(107) شرح منتهى الإرادات 2 291، وكشاف القناع 3 334.
(108) المهذب 1 335، وشرح منتهى الإرادات 2 292، والقوانين الفقهية ص 327، وانظر م (1479) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، والمبدع 4 337، والبدائع 5 153.
(109) حديث: " لا ضرر ولا ضرار " أخرجه مالك في الموطأ (2 745 ـ ط الحلبي) من حديث يحيى المازني مرسلاً، وذكر ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحلم (ص 286 ـ 287) شواهد يتقوى بها) وحسنه النووي.
(110) المهذب 1 335، وشرح المنتهى 2 292، والقوانين الفقهية ص 326، وانظر م (1479) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، وجامع أحكام الصغار 2 305، ومغني المحتاج 2 174.
(111) البدائع 5 153.
(112) شرح منتهى الإرادات 2 292، والمهذب 1 335، والقوانين الفقهية ص 326، 327، وانظر م (1483) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، وجامع أحكام الصغار 2 307، والمنتقى للباجي 2 111.
(113) بدائع الصنائع 5 153،154، وجامع أحكام الصغار 4 104، وم (801) من (801) من مرشد الحيران، ورد المحتار 4 340، والمنتقى للباجي 2 111.
(114) المهذب 1 336، ونهاية المحتاج، وحاشية الشبراملسي عليه 4 219، 219، وتحفة المحتاج، وحاشية الشرواني عليه 5 41.
(115) شرح منتهى الإرادات 2 293، وانظر م (1483) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد.
(116) شرح منتهى الإرادات 2 293، 296، م (1480) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد.
(117) القوانين الفقهية ص 326.
(118) المهذب 1 337، والأشباه والنظائر لابن السبكي 1 259، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 281، وقواعد الأحكام للعز 1 67.
(119) شرح منتهى الإرادات 2 292، وبدائع الصنائع 5 136.
(120) جامع أحكام الصغار 2 261،262،267،311، والبدائع5 136.
(121) سورة النساء 6.
(122) سورة النساء 6.
(123) سورة النساء 6.
(124) سورة النساء 9.
(125) المهذب 1 337، ومغني المحتاج 2 176، ونهاية المحتاج 4 78، وشرح منتهى الإرادات 2 295، وأحكام القرآن لابن العربي 1 325، 326، وأحكام القرآن للجصاص 2 361، وم (1486) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، والاختيار 5 69 ـ 70، ورد المحتار مع حاشية ابن عابدين 5 455 ـ 456.
(126) المراجع السابقة.
(127) جامع أحكام الصغار 2 274، والفتاوى الخانية بهامش الهندية 3 521.
(128) سورة الفرقان 67.
(129) شرح منتهى الإرادات 2 292، والمهذب 1 337، وجامع أحكام الصغار 4 147، وم (1484) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، وكشاف القناع 3 435، ومغني المحتاج 2 176، وأحكام القرآن لابن العربي 1 324، وتفسير القرطبي 5 40.
(130) الموطأ 1 251، والمنتقى للباجي 2 111، وجامع أحكام الصغار 2 305،3، 95ـ97، وشرح المنتهى 2 292.
(131) أثر عمر: " ابتغوا في. . . " رواه البيهقي، والسنن الكبرى (4 107 ـ ط ـ ط دائرة العثمانية) ، وصحح إسناده.
(132) المنتقى 2 110.
(133) المبسوط للسرخسي 22 18، 186، 187، وأحكام القرآن للجصاص 2 13، 362، وجامع أحكام الصغار 3 96 ـ 98، وحاشية ابن عابدين 5 455.
(134) حديث: " ألا من ولي يتيما له مال. . . . " أخرجه الترمذي (3 24 ـ ط الحلبي) ثم قال: في إسناده مقال. ثم ذكر تضعيف أحد رواته.
(135) أثر عائشة في الاتجار بأموال اليتامى رواه مالك في الموطأ 1 251 بلاغاً.
(136) كشاف القناع 3 437، والمبدع 4 338، وشرح منتهى الإرادات 2 292.
(137) المبدع 4 338.
(138) فتاوى العز بن عبد السلام ص 122.
(139) أحكام القرآن للجصاص 2 13، 14، وفتاوى السبكي 1 326، ومعيد النعم ومبيد النقم لابن السبكي ص 64، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ص 138.
(140) التعريفات للجرجالي 132، والتوقيف للمناوي ص 734، وأنيس الفقهاء للقونوي 148.
(141) حديث: " إن لولدك عليك حقا " أخرجه مسلم (2 814 ـ ط الحلبي) .
(142) حديث: " ألا كلكم راع. . . " أخرجه البخاري (الفتح 13 111 ـ ط السلفية) وسلم (3 1459 ـ ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
(143) شرح النووي على صحيح مسلم 8 44.
(144) إحياء علوم الدين 3 62، وانظر المدخل لابن الحاج 4 295.
(145) حديث: " ما نحل والد ولداً من نحل. . . " أخرجه الترمذي (4 338 ـ ط الحلبي) ، وقال: هذا حديث غريب، وهذا عندي حديث مرسل.
(146) تحفة المودود لابن القيم ص 137.
(147) تحفة المودود ص 139.
(148) تحفة المودود ص 147.
(149) حديث: مروا أولادكم بالصلاة. . . " أخرجه أبو داود (1 334 ـ ط حمص) من حديث عبد الله بن عمرو، وحسنه النووي في المجموع (3 10) .
(150) المجموع شرح المهذب 3 11.
(151) رد المحتار 1 235، والمغني 2 350، والمجموع 3 11، وشرح منتهى الإرادات 1 119.
(152) الفروق للقرافي 4 180، والآداب الشرعية لابن مفلح 1 451، وروضة الطالبين 10 175، ورد المحتار 1 235، وتحفة المحتاج 9 180، وأسنى المطالب 4 162.
(153) المجموع 3 11.
(154) تحفة المودود ص 147، والمدخل لابن الحاج 4 295.
(155) قواعد الأحكام 2 75.
(156) جامع أحكام الصغار 1 138، وتحفة المحتاج 9 179، وروضة الطالبين 10 175.
(157) قواعد الأحكام 1 102، وانظر أيضاً روضة الطالبين 10 175.
(158) رد المحتار 1 235، وجامع أحكام الصغار 1 138، والمغني لابن قدامة 12 528.
(159) المغني 12 528، 1 615 ـ 616، وروضة الطالبين 10 175، ورد المحتار 5 363، وجامع أحكام الصغار 4 45.
(160) بداية المجتهد 2 6، 7، والمهذب 2 41، والمبدع 7 22، وابن عابدين 2 304، ومغني المحتاج 3 168، والبدائع 2 240، والمغني 9 398.
(161) شرح منتهى الإرادات 3 14.
(162) المهذب 2 4، وانظر روضة الطالبين 7 94، والمبدع لبرهان ع لبرهان الدين ابن مفلح 7 22.
(163)
(164) المهذب 2 38، والقوانين الفقهية ص 203، والمبدع 7 23، 7 23، وبدائع الصنائع 2 241، وشرح منتهى الإرادات 3 14، والمغني 9 398، 402، وزاد المعاد 5 97،98، والفتاوى الكبرى لابن تيمية (ط. الريان) 3 135، والأشراف للقاضي عبد الوهاب 2 90.
(165) المغني 9 345، كفاية الأخيار 2 30، والمبسوط 5 12، والبدائع 2 247، وكفاية الطالب الرباني 2 35، والخرشي 3 172، والقوانين الفقهية ص 203، والمقدمات الممهدات 1 471، وشرح منتهى الإرادات 3 16، والمبدع 7 27، والمهذب 2 36، وأحكام القرآن للجصاص 2 100 وما بعدها.
(166) سورة النساء 34.
(167) بدائع الفوائد 3 106، وانظر حاشية المدابغي على فتح المعين لابن حجر المكي ص 269، وشرح العقيدة الطحاوية للغنيمي ص 103.
(168) مختصر الفتاوى المصرية ص 588، والتحفة العراقية في أعمال القلوب ص 15 وما بعدها.
(169) بدائع الفوائد 3 107.
(170) فتح القدير 2 436.
(171) شرح العقيدة الطحاوية للميداني ص 103، وانظر لوامع الأنوار ار البهية للسفاريني 2 392، والمحلي على جمع الجوامع وحاشية العطار عليه 2 481، وتعريفات الجرجاني ص 132، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 1528، وفتح الباري 11 342، وبستان العارفين للنووي ص 171، ومجموعة رسائل ابن عابدين 2 277، وحاشية المدابغي على فتح المعين ص 269.
(172) الفتاوى الحديثة لابن حجر الهيثمي ص 301.
(173) مجموعة رسائل ابن عابدين 2 277.
(174) مجموع فتاوى ابن تيمية 11 208،221، 223، ولوامع الأنوار البهية 2 301، وقطر الولي للشوكاني ص 248، وشرح العقيدة الطحاوية للغنيمي الميداني ص 139، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 1529.
(175) قطر الولي ص 248.
(176) بستان العارفين ص 173.
(177) مجموع فتاوى ابن تيمية 11 208 ـ209.
(178) مختصر الفتاوى المصرية ص 560، ومغني المحتاج 4 135.
(179) بستان العارفين ص 169.
(180) شرح العقيدة الطحاوية للميداني الحنفي ص 139.
(181) مجموع فتاوى ابن تيمية 11 161، وانظر قطر الولي ص 238.
(182) مجموع فتاوى ابن تيمية 11 175.
(183) مجموع فتاوى ابن تيمية 10 431، 11 214،271،274.
(184) قطر الولي للشوكاني ص 272.
(185) الروح لابن القيم ص 359.
(186) معجم مقاييس اللغة 5 172، ومفردات الراغب ص 707.
(187) مجموعة رسائل ابن عابدين 2 278.
(188) المحلي على جمع الجوامع مع حاشية العطار 2 481، وشرح العقيدة الطحاوية للغنيمي الميداني ص 139، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 975، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني 2 392، ومجموعة رسائل ابن عابدين 2 278، وتعريفات الجرجاني ص 115.
(189) قطر الولي للشوكاني ص 257 وما بعدها، وبستان العارفين للنووي ص 141 ـ 155، والمعتمد لأبي يعلى ص 161، والفتاوى الحديثية لابن حجر المكي ص 301، وشرح الطحاوية للغنيمي ص 139، ولوامع الأنوار البهية 2 394، والمحلي على جمع الجوامع وحاشية العطار عليه 2 481.
(190) مختصر الفتاوى المصرية ص 600.
(191) التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص 665،، والتعريفات للجرجاني ص 115، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 975، ولوامع الأنور البهية للسفاريني 2 290.
(192) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية 4 67.
(193) الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص 308.
(194) لوامع الأنوار البهية 2 396، وبستان العارفين للنووي ص 161، 165.
(195) الفتاوى الحديثية ص 305، وبستان العارفين ص 161.
(196) المعتمد لأبي يعلي ص 165.
(197) مختصر الفتاوى المصرية ص 600، ولوامع الأنوار البهية 2 393.
(198) قطر الولي للشوكاني ص 258، ورد المحتار 3 308، ومجموعة رسائل ابن عابدين 2 279، وبستان العارفين ص 156،162، والفتاوى الحديثية ص 301، 302، والمحلي على جمع الجوامع وحاشية العطار 2 481، ولوامع الأنوار البهية 2 396.
(199) الفتاوى الحديثية ص 307، بستان العارفين ص 157، ومجموعة رسائل ابن عابدين 2 278، ولوامع الأنوار البهية 2 392.
(200) مجموعة رسائل ابن عابدين 2 279، وانظر مجموعة فتاوى ابن ابن تيمية 11 275.
(201) بستان العارفين ص 157، ولوامع الأنوار 2 290، وشرح العقيدة الطحاوية للميداني ص 139، والفتاوى الحديثية ص 304، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 975.
(202) مجموع فتاوى ابن تيمية 11 302.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 135/ 45