الخبير
كلمةُ (الخبير) في اللغةِ صفة مشبَّهة، مشتقة من الفعل (خبَرَ)،...
العَيْبُ: النَّقْصُ والقُبْحُ، ورَجُلٌ عَيَّابٌ وعَيْبٌ: كَثِيرُ العَيْبِ، ورَجْلٌ عَيَّابَةٌ: وَقّاعٌ في النَّاسِ. يُقال: عَيَّبَ الشَّيْءَ فَعابَ: إذا صار ذا عَيْبٍ، فهو مَعِيبٌ. والعَيْبُ أيضًا: ما يُخالفُ أَصْلَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ. وجَمْعُهُ: أَعْيابٌ، وعُيوبٌ.
يَرِد مُصْطلَح (عَيْب) في الفقه في عِدَّةِ أَبْوابٍ، منها: كتاب الهَدْيِ والأَضاحِي، باب: شُروط الأُضْحِيَّةِ، وفي كِتابِ النِّكاحِ، باب: العُيوب في النِّكاحِ. ويُطلَق في كتاب البيوع، باب: الإجارَة، ويُراد به: ما يُوثِّر في المَنْفَعَةِ تَأثِيرًا يَظْهَر بِه تَفاوُت الأُجرَةِ، مثل: فَوات المَنافِعِ المَقصودَةِ مِن الدّارِ بِالكُلِّيَّة بِانهِدامِها، أو بِإخلالِها بِهُبوطِ سَطْحِ الدّارِ، أو تَشَقُّقِ الجُدْرانِ أو نحو ذلك.
عيب
* العين : (2/263)
* تهذيب اللغة : (3/150)
* مقاييس اللغة : (4/189)
* المحكم والمحيط الأعظم : (2/260)
* مختار الصحاح : (ص 222)
* لسان العرب : (1/633)
* تاج العروس : (3/448)
* فتح القدير لابن الهمام : (5/151)
* بداية المجتهد ونهاية المقتصد : (2/173)
* الـمغني لابن قدامة : (4/201)
* القاموس الفقهي : (ص 268)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 325)
* دستور العلماء : (2/278)
* القاموس الفقهي : (ص 268)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (31/83) -
التَّعْرِيفُ:
1 - الْعَيْبُ لُغَةً: الْوَصْمَةُ وَالنَّقِيصَةُ، وَالْجَمْعُ أَعْيَابٌ وَعُيُوبٌ، وَرَجُلٌ عَيَّابٌ وَعَيَّابَةٌ وَعَيْبٌ: كَثِيرُ الْعَيْبِ، يُقَال: عَيَّبَ الشَّيْءَ فَعَابَ: إِذَا صَارَ ذَا عَيْبٍ فَهُوَ مَعِيبٌ، أَوْ هُوَ: مَا يَخْلُو عَنْهُ أَصْل الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ. (1)
وَاصْطِلاَحًا يَخْتَلِفُ تَعْرِيفُ الْعَيْبِ بِاخْتِلاَفِ أَقْسَامِهِ، قَال النَّوَوِيُّ: حُدُودُهَا مُخْتَلِفَةٌ، فَالْعَيْبُ الْمُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ الَّذِي يَثْبُتُ بِسَبَبِهِ الْخِيَارُ: هُوَ مَا نَقَصَتْ بِهِ الْمِلْكِيَّةُ أَوِ الرَّغْبَةُ أَوِ الْغَبْنُ، وَالْعَيْبُ فِي الْكَفَّارَةِ: مَا أَضَرَّ بِالْعَمَل ضَرَرًا بَيِّنًا، وَالْعَيْبُ فِي الأُْضْحِيَّةِ: هُوَ مَا نَقَصَ بِهِ اللَّحْمُ، وَالْعَيْبُ فِي النِّكَاحِ: مَا يُنَفِّرُ عَنِ الْوَطْءِ وَيَكْسِرُ ثَوْرَةَ التَّوَاقِ، وَالْعَيْبُ فِي الإِْجَارَةِ: مَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْفَعَةِ تَأْثِيرًا يَظْهَرُ بِهِ تَفَاوُتُ الأُْجْرَةِ (2)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْغِشُّ:
2 - الْغِشُّ نَقِيضُ النُّصْحِ، يُقَال: غَشَّهُ يَغُشُّهُ غِشًّا إِذَا تَرَكَ نُصْحَهُ وَزَيَّنَ لَهُ غَيْرَ الْمَصْلَحَةِ، وَالْغِشُّ يَكُونُ عَيْبًا قَدْ يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ (3) .
ب - الْكَذِبُ:
3 - الْكَذِبُ: هُوَ الإِْخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا. (4) وَالْكَذِبُ أَخَصُّ مِنَ الْعَيْبِ. ج - الْغَبْنُ:
4 - الْغَبْنُ الْوَكْسُ وَالْخَدِيعَةُ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، قَال الرَّاغِبُ: الْغَبْنُ أَنْ تَبْخَسَ صَاحِبَكَ فِي مُعَامَلَةٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ بِضَرْبٍ مِنَ الإِْخْفَاءِ (5) .
وَالْغَبْنُ إِذَا كَانَ فَاحِشًا يَكُونُ عَيْبًا يُؤَثِّرُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ.
د - الْعَاهَةُ:
5 - الْعَاهَةُ: هِيَ مَا يُصِيبُ الإِْنْسَانَ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ مِنَ الْبَلاَيَا وَالآْفَاتِ (6) . وَالْعَيْبُ أَعَمُّ مِنَ الْعَاهَةِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ بِالْعَاهَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا
. الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَيْبِ:
يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْبِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَبْوَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ. حَصَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي سِتَّةِ أَقْسَامٍ. وَالْقَلْيُوبِيُّ فِي ثَمَانِيَةٍ
الْعَيْبُ فِي الْمَبِيعِ:
6 - ضَابِطُ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ مَا أَوْجَبَ نُقْصَانَ الثَّمَنِ فِي عَادَةِ التُّجَّارِ؛ لأَِنَّ التَّضَرُّرَ بِنُقْصَانِ الْمَالِيَّةِ، وَذَلِكَ بِانْتِقَاصِ الْقِيمَةِ (7)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: هُوَ كُل مَا يُنْقِصُ الْعَيْنَ أَوِ الْقِيمَةَ نَقْصًا يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ إِذَا غَلَبَ فِي جِنْسِ الْمَبِيعِ عَدَمُهُ، سَوَاءٌ قَارَنَ الْعَقْدَ أَمْ حَدَثَ بَعْدَهُ قَبْل الْقَبْضِ. (8)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ وُجُودُ نَقْصٍ فِي الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ، الْعَادَةُ السَّلاَمَةُ مِنْهُ (9)
الْعُيُوبُ الَّتِي يُرَدُّ بِهَا الْمَبِيعُ:
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ جُمْلَةً مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي يُرَدُّ بِهَا الْمَبِيعُ نَذْكُرُ مِنْهَا:
أَوَّلاً - الْعُيُوبُ الظَّاهِرَةُ:
أ - عُيُوبُ الدَّوَابِّ:
7 - عُيُوبُ الدَّوَابِّ هِيَ الَّتِي تُزَهِّدُ فِيهَا، وَتُنْقِصُ مِنْ أَثْمَانِهَا، وَهِيَ كَالْعَوَرِ وَالْحَرَدِ وَالرَّمَصِ وَالدَّبَرِ وَالْفَحَجِ وَالْمَشَشِ وَالدَّخَسِ وَالْعَضِّ وَالْجَفْل (10) وَالْجِمَاحِ وَمَقْطُوعَةِ الأُْذُنِ لِلأُْضْحِيَّةِ، وَإِنِ اشْتَرَاهَا لِغَيْرِ الأُْضْحِيَّةِ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ.
ب - عُيُوبُ الأَْرْضِ:
8 - مِنْ عُيُوبِ الأَْرْضِ وَمَا اتَّصَل بِهَا كَالْبِئْرِ: مَا يَضُرُّ بِالزَّرْعِ كَغَوْرِ مَاءِ الْبِئْرِ أَوْ زُعَاقِ مَائِهَا وَفِقْدَانِ الْمَسِيل وَتَعَذُّرِ الإِْنْبَاتِ فِيهَا، وَالْخَرَاجِ إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ الْمُجَاوِرَةُ لَيْسَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ، وَمِلْحِ مَاءِ الْبِئْرِ. (11)
ج - عُيُوبُ الدُّورِ:
9 - مِنْ عُيُوبِ الدُّورِ، تَصَدُّعُ الْجُدْرَانِ أَوِ انْكِسَارُ الأَْخْشَابِ أَوْ سُوءُ جَارِهَا أَوْ شُؤْمُهَا أَوْ جِنُّهَا، أَوْ أَنَّهُ لاَ مِرْحَاضَ لَهَا أَوْ عَدَمُ الطَّرِيقِ أَوِ الْمَسِيل أَوْ مُجَاوَرَةُ مَوْضِعِ صَنْعَةٍ تَضُرُّ بِالْبِنَاءِ أَوِ السَّاكِنِ.
وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ عُيُوبَ الدَّارِ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ تَسْتَغْرِقَ الْعُيُوبُ مُعْظَمَ الثَّمَنِ فَيَرُدُّ بِهِ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ
الثَّانِي: أَنْ لاَ يَنْقُصَ مِنَ الثَّمَنِ، فَهَذَا لاَ يُرَدُّ بِهِ وَلاَ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، كَسُقُوطِ شُرَافَةٍ أَوْ كَسْرِ عَتَبَةٍ أَوْ رَفٍّ أَوْ خَلْعِ بَلاَطَةِ أَرْضٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الثَّمَنِ، وَلاَ يَنْقُصَ مُعْظَمُهُ، فَهَذَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَلاَ تُرَدُّ بِهِ الدَّارُ - وَعِنْدَ بَعْضِ الأَْنْدَلُسِيِّينَ أَنَّهُ تُرَدُّ بِهِ - وَهُوَ مَا دُونَ الثُّلُثِ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَهُوَ الرَّاجِحُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الدَّارَ تُخَالِفُ سَائِرَ الْمَبِيعَاتِ، بِدَلِيل أَنَّهُ إِذَا اسْتَحَقَّ مِنْهَا الْيَسِيرَ لَزِمَ الْبَاقِي بِالثَّمَنِ.
وَلَوِ اسْتَحَقَّ مِنَ الْعَبْدِ الْيَسِيرَ لَمْ يَلْزَمِ الْبَاقِي.
وَوَجْهُ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الدَّارِ وَغَيْرِهَا: أَنَّ هَذَا مَبِيعٌ وُجِدَ بِهِ عَيْبٌ يُنْقِصُ الثَّمَنَ فَيَثْبُتُ فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ مَا لَمْ يَفُتْ. (12)
د - عُيُوبُ الْكُتُبِ:
10 - مِنْ عُيُوبِ الْكُتُبِ تَلَفُ الْوَرَقِ وَاخْتِلاَفُهُ وَكَثْرَةُ الْخَطَأِ فِيهِ. (13)
عُيُوبُ الثِّيَابِ:
11 - مِنْ عُيُوبِ الثِّيَابِ: الْخَرْقُ وَاخْتِلاَفُ النُّسَخِ، وَتَنَجُّسُ مَا يُفْسِدُهُ الْغُسْل أَوْ يَنْقُصُ مِنْ ثَمَنِهِ، وَثَوْبُ الأَْجْرَبِ وَوُجُودُ الدُّهْنِ بِالثَّوْبِ وَنَحْوُهَا.
ثَانِيًا - الْعُيُوبُ الْخَفِيَّةُ فِي الْمَبِيعِ:
12 - مِنَ الْعُيُوبِ الْخَفِيَّةِ مَا يَكُونُ فِي جَوْفِ الْمَبِيعِ، وَلِلْفُقَهَاءِ فِيهَا التَّفْصِيل التَّالِي:
إِذَا اشْتَرَى إِنْسَانٌ مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ كَالرَّانَجِ وَالْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ وَاللَّوْزِ وَالْبَيْضِ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا، فَإِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ لِفَاسِدِهِ قِيمَةٌ، أَوْ يَكُونَ لَهُ قِيمَةٌ، أَوْ وُجِدَ بَعْضُهُ فَاسِدًا وَالْبَعْضُ صَحِيحًا.
13 - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِفَاسِدِهِ مَكْسُورًا قِيمَةٌ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، لأَِنَّ هَذَا تَبَيَّنَ بِهِ فَسَادُ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ، لِكَوْنِهِ وَقَعَ عَلَى مَا لاَ نَفْعَ فِيهِ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ مَا لاَ نَفْعَ فِيهِ كَالْحَشَرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ إِلَى الْبَائِعِ؛ لأَِنَّهُ لاَ فَائِدَةَ فِيهِ. إِذْ لاَ قِيمَةَ لَهُ. (14)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ: إِلَى أَنَّ مَا لاَ يُمْكِنُ الاِطِّلاَعُ عَلَى عَيْبِهِ إِلاَّ بِتَغَيُّرٍ فِي ذَاتِ الْمَبِيعِ كَسُوسِ الْخَشَبِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ الْمُرِّ، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ عَيْبًا، وَلاَ قِيمَةَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الرَّدَّ فَيَعْمَل بِهِ؛ لأَِنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ غَرَضٌ وَمَالِيَّةٌ، وَالْعَادَةُ فِي الرَّدِّ كَالشَّرْطِ (15) .
14 - وَإِنْ كَانَ لِفَاسِدِهِ قِيمَةٌ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ مَا دَامَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ؛ لأَِنَّ شَرْطَ الرَّدِّ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ وَقْتَ الرَّدِّ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْقَبْضِ، وَلَمْ يُوجَدْ؛ لأَِنَّهُ تَعَيَّبَ بِعَيْبٍ زَائِدٍ بِالْكَسْرِ، فَلَوْ رُدَّ لَرُدَّ مَعِيبًا بِعَيْبَيْنِ، فَانْعَدَمَ شَرْطُ الرَّدِّ. (16)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّ الْعَيْبَ إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ الاِطِّلاَعُ عَلَيْهِ قَبْل التَّغَيُّرِ كَالْبَيْضِ، فَكَسَرَهُ وَوَجَدَهُ فَاسِدًا مُنْتِنًا لاَ يُؤْكَل فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي كَسْرِهِ، دَلَّسَ الْبَائِعُ أَمْ لاَ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ كَالْبَيْضِ الْمَمْرُوقِ إِنْ دَلَّسَ الْبَائِعُ - كَسَرَهُ الْمُشْتَرِي أَمْ لاَ - أَوْ لَمْ يُدَلِّسِ الْبَائِعُ وَلَمْ يَكْسِرْهُ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَسَرَهُ رَدَّهُ وَمَا نَقَصَهُ، مَا لَمْ يَفُتْ بِنَحْوِ قَلْيٍ فَلاَ رَدَّ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، فَيُقَوَّمُ سَالِمًا يَوْمَ الْبَيْعِ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ غَيْرُ مَعِيبٍ وَصَحِيحٌ مَعِيبٌ، فَإِذَا قِيل: قِيمَتُهُ صَحِيحًا غَيْرَ مَعِيبٍ عَشْرَةٌ، وَصَحِيحًا مَعِيبًا ثَمَانِيَةٌ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ مِنَ الثَّمَنِ وَهُوَ الْخُمُسُ، وَهَذَا إِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ يَوْمَ الْبَيْعِ بَعْدَ الْكَسْرِ وَإِلاَّ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ. قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: هَذَا إِذَا كَسَرَهُ بِحَضْرَةِ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ لَمْ يَرُدَّهُ، إِذْ لاَ يَدْرِي أَفَسَدَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوِ الْمُبْتَاعِ، قَالَهُ مَالِكٌ، قَال ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُهَا وَلَوْ بَيْضَ النَّعَامِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يُرَدُّ بَيْضُ النَّعَامِ لِكَثَافَةِ قِشْرِهِ، فَلاَ يُعْرَفُ فَسَادُهُ وَصِحَّتُهُ. (17)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: فِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَهُ الرَّدُّ قَهْرًا كَالْمُصَرَّاةِ إِنْ كَانَ لاَ يُوقَفُ عَلَى ذَلِكَ الْفَسَادِ إِلاَّ بِكَسْرِهِ، وَلاَ يَغْرَمُ أَرْشَ الْكَسْرِ عَلَى الأَْظْهَرِ؛ لأَِنَّهُ مَعْذُورٌ.
وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ: يَغْرَمُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ. صَحِيحًا فَاسِدَ اللُّبِّ، وَمَكْسُورًا فَاسِدَ اللُّبِّ، وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى الثَّمَنِ.
وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ الْفَسَادِ بِأَقَل مِنْ ذَلِكَ الْكَسْرِ فَلاَ رَدَّ عَلَى الْمَذْهَبِ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ وَقِيل: يَطَّرِدُ الْقَوْلاَنِ، وَعَلَى هَذَا فَكَسْرُ الْجَوْزِ وَنَحْوِهِ وَثَقْبُ الرَّانَجِ مِنْ صُوَرِ الْحَال الأَْوَّل، وَكَسْرُ الرَّانَجِ وَتَرْضِيضُ بَيْضِ النَّعَامِ مِنْ صُوَرِ الْحَال الثَّانِي. (18)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِمَعِيبِهِ قِيمَةٌ مَكْسُورًا، فَإِنْ كَانَ لاَ يُمْكِنُ اسْتِعْلاَمُ الْمَبِيعِ بِدُونِ الْكَسْرِ فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ أَرْشِ الْكَسْرِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ عَيْبِهِ وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ صَحِيحِهِ وَمَعِيبِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ؛ لأَِنَّهُ نَقْصٌ لَمْ يَمْنَعِ الرَّدَّ، فَلَزِمَ رَدُّ أَرْشِهِ؛ كَلَبَنِ الْمُصَرَّاةِ إِذَا حَلَبَهَا، وَالْبِكْرِ إِذَا وَطِئَهَا.
وَقَال الْقَاضِي: لاَ أَرْشَ عَلَيْهِ لِكَسْرِهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ حَصَل بِطَرِيقِ اسْتِعْلاَمِ الْعَيْبِ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لاَ تُعْلَمُ صِحَّتُهُ مِنْ فَسَادِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ كَسْرًا يُمْكِنُ اسْتِعْلاَمُ الْمَبِيعِ بِدُونِهِ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَتْلَفُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ فِي قَوْل الْخِرَقِيِّ وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي أَيْضًا، فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَأَرْشِ الْكَسْرِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ وَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ. وَإِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا لاَ يَبْقَى لَهُ قِيمَةٌ فَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ لاَ غَيْرُ هَذَا إِذَا كَانَ كُل الْمَبِيعِ فَاسِدًا. (19)
15 - أَمَّا إِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الْمَبِيعِ فَاسِدًا دُونَ الْبَعْضِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْفَاسِدُ كَثِيرًا رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ فِي الْقَدْرِ الْفَاسِدِ بَاطِلاً، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِذَا بَطَل فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ يَفْسُدُ فِي الْبَاقِي.
وَإِنْ كَانَ الْفَاسِدُ قَلِيلاً فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ، وَفِي الاِسْتِحْسَانِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْكُل، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ وَلاَ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ لأَِنَّ قَلِيل الْفَسَادِ فِيهِ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ.
وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ فَصَّل تَفْصِيلاً آخَرَ فَقَال: إِذَا وُجِدَ الْبَيْعُ كُلُّهُ فَاسِدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنْ كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ كَالرُّمَّانِ وَنَحْوِهِ. فَالْبَيْعُ لاَ يَبْطُل؛ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ كَانَ الْقِشْرُ مَالاً، وَلَكِنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ نَاقِصًا وَقَبِل قِشْرَهُ وَرَدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَل؛ لأَِنَّهُ تَعَيَّبَ بِعَيْبٍ زَائِدٍ، وَرَدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الْمَعِيبِ جَبْرًا لِحَقِّهِ.
وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُ فَاسِدًا فَعَلَى هَذَا التَّفْصِيل أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ لِقِشْرِهِ قِيمَةٌ رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ دُونَ الْقِشْرِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُل، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْفَاسِدُ مِنْهُ قَلِيلاً قَدْرَ مَا لاَ يَخْلُو مِثْلُهُ عَنْ مِثْلِهِ فَلاَ يَرُدُّ وَلاَ يَرْجِعُ بِشَيْءٍ. (20)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ لِبَعْضِهِ قِيمَةٌ - كَالْبَيْضِ الْمَمْرُوقِ - فَإِنْ دَلَّسَ بَائِعُهُ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، كَسَرَهُ الْمُشْتَرِي أَمْ لاَ، أَوْ لَمْ يُدَلِّسْ وَلَمْ يَكْسِرْهُ.
فَإِنْ كَسَرَهُ فَلَهُ رَدُّهُ وَمَا نَقَصَهُ، مَا لَمْ يَفُتْ بِنَحْوِ قَلْيٍ، وَإِلاَّ فَلاَ رَدَّ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ سَالِمًا وَمَعِيبًا. فَيَقُومُ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ غَيْرُ مَعِيبٍ وَصَحِيحٌ مَعِيبٌ. (21) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْفَاسِدُ مِنْ بَيْضٍ وَجَوْزٍ وَلَوْزٍ وَنَحْوِهِ فِي بَعْضِهِ دُونَ كُلِّهِ رَجَعَ بِقِسْطِ الْفَاسِدِ مِنَ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ الْفَاسِدُ النِّصْفَ رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الرُّبُعَ رَجَعَ بِرُبُعِهِ (22) .
أَثَرُ الْعَيْبِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ:
16 - إِذَا وُجِدَ الْعَيْبُ بِشُرُوطِهِ ثَبَتَ حَقُّ الرَّدِّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (23) وَيُرْجَعُ فِي مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ إِلَى أَهْل الْخِبْرَةِ وَالْعُرْفِ، وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (24) وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلاً ابْتَاعَ غُلاَمًا فَاسْتَغَلَّهُ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ بِالْعَيْبِ، فَقَال الْبَائِعُ: غَلَّةُ عَبْدِي، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ (25) وَفِي رِوَايَةٍ - الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (26) وَمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا فَأَدْخَل يَدَهُ فِيهِ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ، فَقَال: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي (27)
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي رَدِّ السِّلْعَةِ الْمُبَاعَةِ لِلْعَيْبِ وَكَانَ الْعَيْبُ مُنْقِصًا لِلْقِيمَةِ أَوْ مُفَوِّتًا غَرَضًا صَحِيحًا شَرْعًا.
وَقَدْ قَاسَ الْفُقَهَاءُ الْعَيْبَ عَلَى الْمُصَرَّاةِ، لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ (28)
وَهَذَا يَدُل عَلَى ثُبُوتِ الْعَيْبِ وَالرَّدِّ بِهِ؛ وَلأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ بَذَل الثَّمَنَ لِيُسَلِّمَ لَهُ الْمَبِيعَ سَلِيمًا وَلَمَّا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرَّدُّ، وَلأَِنَّ السَّلاَمَةَ فِي الْمَبِيعِ مَطْلُوبَةُ الْمُشْتَرِي عَادَةً؛ لأَِنَّ غَرَضَ الْمُشْتَرِي الاِنْتِفَاعُ بِالْمَبِيعِ، وَلاَ يَتَكَامَل الاِنْتِفَاعُ إِلاَّ بِسَلاَمَتِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ جَمِيعَ الثَّمَنِ إِلاَّ لِيُسَلِّم لَهُ جَمِيعَ الْمَبِيعِ، فَكَانَتِ السَّلاَمَةُ مَشْرُوطَةً فِي الْعَقْدِ دَلاَلَةً، فَهِيَ كَالْمَشْرُوطَةِ نَصًّا، فَإِذَا فَاتَتِ الْمُسَاوَاةُ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ. (29) إِعْلاَمُ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ:
17 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ إِذَا عَلِمَ شَيْئًا بِالْمَبِيعِ يَكْرَهُهُ الْمُشْتَرِي أَنْ يُبَيِّنَهُ بَيَانًا مُفَصَّلاً، وَأَنْ يَصِفَهُ وَصْفًا شَافِيًا زِيَادَةً عَلَى الْبَيَانِ، إِنْ كَانَ شَأْنُهُ الْخَفَاءَ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُغْتَفَرُ فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ الْبَيَانِ وَيَكُونُ آثِمًا عَاصِيًا لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلاَّ بَيَّنَهُ لَهُ (30) وَلِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا (31) وَكِتْمَانُ الْعَيْبِ غِشٌّ وَالْغِشُّ حَرَامٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا (32) 18 - وَلاَ يَقْتَصِرُ الإِْعْلاَمُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ، بَل يَمْتَدُّ إِلَى كُل مَنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ، وَيَتَأَكَّدُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهِ إِذَا انْفَرَدَ بِعِلْمِ الْعَيْبِ دُونَ الْبَائِعِ.
وَوَقْتُ الإِْعْلاَمِ بِالْعَيْبِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَالأَْجْنَبِيِّ قَبْل الْبَيْعِ، لِيَكُونَ الْمُشْتَرِي عَلَى عِلْمٍ وَبَيِّنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الأَْجْنَبِيُّ حَاضِرًا أَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَبَعْدَ الْعَقْدِ، لِيَتَمَكَّنَ الْمُشْتَرِي مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. (33)
وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ مَعَ كِتْمَانِ الْعَيْبِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ مَعَ الإِْثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّصْرِيَةِ (34) وَصَحَّحَ الْبَيْعَ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (35) . شُرُوطُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَيْبِ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ مَا يَلِي:
أ - أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ قَدِيمًا:
19 - وَذَلِكَ بِمَعْنَى: أَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَ الْبَائِعِ سَوَاءٌ حَدَثَ قَبْل الْعَقْدِ أَوْ مَعَهُ، أَوْ بَعْدَهُ قَبْل الْقَبْضِ وَتَسَلُّمِ الْمَبِيعِ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِزَالَتِهِ بِلاَ مَشَقَّةٍ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ إِزَالَتِهِ فَلاَ رَدَّ. (36)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ كُل عَيْبٍ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةٍ لاَحِقَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَضَمَانُهُ مِنَ الْبَائِعِ لاَ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَيُسَمَّى هَذَا عِنْدَهُمْ بِالْعُهْدَةِ. وَقَدْ عَرَّفَهَا الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا: تَعَلُّقُ الْمَبِيعِ بِضَمَانِ بَائِعِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَهُوَ بِمَثَابَةِ قَيْدٍ عَلَى شَرِيطَةِ قِدَمِ الْعَيْبِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ الْعَيْبَ لَمْ يَبِنْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ إِلاَّ بَعْدَ إِبْرَامِ الْعَقْدِ وَتَمَامِهِ بِالْقَبْضِ، فَكَانَ الأَْصْل أَنْ يَضْمَنَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ الْعَيْبَ الْحَادِثَ فِي مِلْكِهِ وَتَحْتَ يَدِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَبِيعَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ إِلاَّ فِي الْعُهْدَةِ وَالْجَوَائِحِ (37) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (عُهْدَة)
- عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ:
20 - وَصُورَةُ الْبَرَاءَةِ أَنْ يَقُول: بِعْتُ عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُل عَيْبٍ، وَفِيهَا مَذَاهِبُ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ مَالِكٍ، وَالْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُل عَيْبٍ جَائِزٌ. وَيَبْرَأُ مِنْ كُل عَيْبٍ، وَلاَ يُرَدُّ بِحَالٍ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمُشْتَرِي قِبَل الْبَائِعِ. فَإِذَا أَسْقَطَهُ سَقَطَ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الْقَوْل الثَّالِثُ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَبْرَأُ سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْبَائِعُ، وَمِنْ بَابِ الْغَبْنِ وَالْغِشِّ إِذَا عَلِمَهُ وَذَلِكَ لأَِثَرِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَقَدْ بَاعَ غُلاَمًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ، فَقَال الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: بِالْغُلاَمِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ، وَقَال عَبْدُ اللَّهِ: بِعْتُهُ بِالْبَرَاءَةِ. فَقَضَى عُثْمَانُ ﵁ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ: لَقَدْ بَاعَهُ الْعَبْدَ بِالْبَرَاءَةِ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ،فَصَحَّ الْعَبْدُ عِنْدَهُ، فَبَاعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَالْقَوْل الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَبْرَأُ الْبَائِعُ مِنْ كُل عَيْبٍ فِي الْحَيَوَانِ لاَ يَعْلَمُهُ دُونَ مَا لاَ يَعْلَمُهُ، وَلاَ يَبْرَأُ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ بِحَالٍ (38) .
رِضَا الْبَائِعِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ:
21 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى رِضَا الْبَائِعِ وَلاَ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِإِرَادَةِ الْمُشْتَرِي الْمُنْفَرِدَةِ (39) وَذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الطَّلاَقِ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا الزَّوْجَةِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلرَّدِّ بِالْعَيْبِ رِضَا الْبَائِعِ أَوْ حُكْمُ حَاكِمٍ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَمَّا إِذَا كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِ الْبَائِعِ فَهُمْ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي حُصُول الرَّدِّ بِقَوْل الْمُشْتَرِي دُونَ حَاجَةٍ إِلَى قَضَاءِ قَاضٍ أَوْ تَرَاضٍ.
تَمَسُّكُ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ مَعَ الأَْرْشِ:
22 - إِذَا تَمَسَّكَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ وَالْمُطَالَبَةِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ. دُونَ أَنْ يَطْرَأَ عَلَى الْمَبِيعِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ أَوْ تَصَرُّفٌ يَمْنَعُ الرَّدَّ وَيُعْطِي لِلْمُشْتَرِي الْحَقَّ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالأَْرْشِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:
أَوَّلاً - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ وَيَأْخُذَ نُقْصَانَ الْعَيْبِ؛ لأَِنَّ الْفَائِتَ وَصْفٌ، وَالأَْوْصَافُ لاَ تُقَابَل بِشَيْءٍ مِنَ الثَّمَنِ فِي مُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ وَلأَِنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَرْضَ بِزَوَال الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِهِ بِأَقَل مِنَ الْمُسَمَّى فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الْمُشْتَرِي أَيْضًا مُمْكِنٌ بِالرَّدِّ بِدُونِ تَضَرُّرِهِ، وَلأَِنَّ التَّمَسُّكَ بِالْمَعِيبِ دَلاَلَةٌ عَلَى الرِّضَا بِهِ وَيُمْتَنَعُ الرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل لِمُشْتَرِي الْمُصَرَّاةِ الْخِيَارَ بَيْنَ الإِْمْسَاكِ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ أَوِ الرَّدِّ (40) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ بِبَعْضِ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ لِشَيْءٍ مِنْهُ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ رَضِيَ بِالْكُل وَلَزِمَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْكُل وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّ الصَّفْقَةَ لاَ تَمَامَ لَهَا قَبْل الْقَبْضِ، وَتَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْل تَمَامِهَا بَاطِلٌ.
وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا وَاحِدًا حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِنْ شَاءَ رَضِيَ بِالْكُل بِكُل الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْكُل وَاسْتَرَدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ قَدْرَ الْمَعِيبِ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَإِنْ كَانَ أَشْيَاءَ حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْكُل إِلاَّ عِنْدَ التَّرَاضِي، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ. (41)
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِمُشْتَرِي شَيْئَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ رَدُّ الْبَعْضِ إِنْ كَانَ الْبَاقِي مَا زَال مِلْكَهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشْقِيصِ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ جَازَ عَلَى الأَْصَحِّ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي زَال عَنْ مِلْكِهِ بِأَنْ عَرَفَ الْعَيْبَ بَعْدَ بَيْعِ بَعْضِ الْمَبِيعِ، فَفِي رَدِّ الْبَاقِي طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا فِي مِلْكِهِ. (42)
ثَانِيًا: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا وَجَدَ عَيْبًا فِي الْمَبِيعِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعُيُوبِ عِنْدَهُ. فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَقَارًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا
فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي الْحَيَوَانِ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ أَوْ يُمْسِكَ وَلاَ شَيْءَ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ عَقَارًا فَمَالِكٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَيْبِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ، فَيَقُول: إِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَجِبِ الرَّدُّ وَوَجَبَتْ قِيمَةُ الْعَيْبِ وَهُوَ الأَْرْشُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَجَبَ الرَّدُّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَتَمَسَّكُ بِإِسْقَاطِ الْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَإِمَّا الْعُرُوضِ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الأُْصُول، وَقِيل: إِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الأُْصُول فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ رِزْقٍ، وَكَانَ يَقُول: إِنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ الأُْصُول وَالْعُرُوضِ، وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعَيْبِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيل فِي الأُْصُول أَنْ يُفَرِّقَ فِي الْعُرُوضِ. (43)
وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ أَوْ يُمْسِكَ وَلاَ شَيْءَ لَهُ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُمْسِكَ الْمُشْتَرِي سِلْعَتَهُ وَيُعْطِيَهُ الْبَائِعُ قِيمَةَ الْعَيْبِ فَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَ ذَلِكَ إِلاَّ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَال: لَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ الْمَعِيبُ الأَْكْثَرَ وَالسَّالِمُ الأَْقَل بَاقِيًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَفُتْ فَالْجَمِيعُ يَرُدُّهُ، وَيَأْخُذُ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّمَسُّكُ بِالأَْقَل السَّالِمِ وَرَدُّ الأَْكْثَرِ الْمَعِيبِ، وَلَوْ فَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَكَانَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ مُطْلَقًا، قَل أَوْ كَثُرَ، وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَنِ إِلَى جَمِيعِ الْمَبِيعِ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ إِنْ وَقَعَتْ ثَمَنًا، أَوْ بِنِسْبَةِ قِيمَةِ الْمَعِيبِ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ.
وَقَال أَشْهَبُ: يَرْجِعُ شَرِيكًا فِي الثَّمَنِ الْمُقَوَّمِ بِمَا يُقَابِل الْمَعِيبَ.
وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ يَرْجِعُ شَرِيكًا فِي الثَّمَنِ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ، وَشَبَّهَ فِي رَدِّ الْجَمِيعِ أَوِ التَّمَسُّكِ بِالْجَمِيعِ، أَوْ يَتَمَسَّكُ بِالْبَعْضِ السَّالِمِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الأَْكْثَرَ كَأَحَدِ مُزْدَوِجَيْنِ مِنْ خُفَّيْنِ وَنَعْلَيْنِ وَسِوَارَيْنِ وَقُرْطَيْنِ وَمِصْرَاعَيْ بَابٍ - مِنْ كُل مَا لاَ يُسْتَغْنَى بِأَحَدِهِمَا عَنِ الآْخَرِ - فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ إِلاَّ أَنْ يَتَرَاضَيَا بِذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ الْمَعِيبُ أُمًّا وَوَلَدَهَا، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ مِنْهُمَا وَالتَّمَسُّكُ بِالسَّلِيمِ وَلَوْتَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأُْمِّ وَوَلَدِهَا، مَا لَمْ تَرْضَ الأُْمُّ بِذَلِكَ.
كَمَا لاَ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالأَْقَل إِنِ اسْتَحَقَّ الأَْكْثَرَ إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مُقَوَّمًا مُتَعَدِّدًا مُعَيَّنًا فِي صَفْقَةٍ وَالْبَاقِي لَمْ يَفُتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ فَاتَ فَلَهُ التَّمَسُّكُ بِهِ، وَيَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّ مَا اسْتُحِقَّ مِنَ الثَّمَنِ.
وَإِذَا مَنَعَ التَّمَسُّكَ بِالأَْقَل إِذَا اسْتَحَقَّ الأَْكْثَرَ تَعَيَّنَ الْفَسْخُ بِرَدِّ الأَْقَل وَالرُّجُوعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، أَوْ يَتَمَسَّكُ بِالْبَعْضِ الْبَاقِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ وَالأَْوْزَاعِيُّ؛ لأَِنَّهُ كَإِنْشَاءِ عَقْدٍ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الأَْوَّل انْحَل مِنْ أَصْلِهِ حَيْثُ اسْتَحَقَّ الأَْكْثَرَ أَوْ تَعَيَّبَ، لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَ الأَْكْثَرِ كَاسْتِحْقَاقِ الْكُل، وَإِذَا تَعَيَّبَ الأَْكْثَرُ وَرَدَّهُ كَانَ كَرَدِّ الْكُل، فَكَانَ تَمَسُّكُ الْمُشْتَرِي بِالأَْقَل السَّالِمِ كَإِنْشَاءِ عَقْدٍ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ الآْنَ، بِخِلاَفِ رَدِّ غَيْرِ الأَْكْثَرِ أَوِ اسْتِحْقَاقِهِ.
وَأَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ رَدَّ الأَْكْثَرِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ بِالتَّقْدِيرِ قَائِلاً: هَذِهِ جَهَالَةٌ طَارِئَةٌ (44) وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمَّى لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْنْوَاعِ قِيمَةً، فَإِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى لِكُل وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الأَْنْوَاعِ قِيمَةً فَلاَ خِلاَفَ فِي رَدِّ الْمَعِيبِ بِعَيْنِهِ فَقَطْ وَكُل مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَوَّمِ الْمُعَيَّنِ الْمُتَعَدِّدِ.
وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ وَالْمُقَوَّمُ الْمُتَّحِدُ وَالْمَوْصُوفُ فَحُكْمُهُ مُغَايِرٌ لِذَلِكَ، فَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ عَشْرَةَ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةً أَوْ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ أَوْ أَوْسُقَ مِنْ قَمْحٍ فَاسْتَحَقَّ أَكْثَرَهَا أَوْ أَقَلَّهَا أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلاَ يَنْقُضُ الْبَيْعَ، بَل يَرْجِعُ بِمِثْل الْمَوْصُوفِ أَوِ الْمِثْلِيِّ، وَلَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ فِي الاِسْتِحْقَاقِ، وَبِالسَّالِمِ وَالْمَعِيبِ فِي الْعَيْبِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مُتَّحِدًا كَدَارٍ وَغَيْرِهِ فَاسْتَحَقَّ الْبَعْضَ قَل أَوْ كَثُرَ فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَسُّكِ وَالرَّدِّ. (45)
وَجَازَ رَدُّ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ غَيْرَ الشَّرِكَةِ نَصِيبَهُ مِنْ بَيْعٍ مُتَّحِدٍ أَوْ مُتَعَدِّدٍ، اشْتَرَيَاهُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَاطَّلَعَا فِيهِ عَلَى عَيْبٍ وَلَوْ أَبَى الْبَائِعُ فَقَال: لاَ أَقْبَل إِلاَّ جَمِيعَهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِ.
وَأَمَّا الشَّرِيكَانِ فِي التِّجَارَةِ إِذَا اشْتَرَيَا مَعِيبًا فِي صَفْقَةٍ وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّدَّ فَلِصَاحِبِهِ مَنْعُهُ وَقَبُول الْجَمِيعِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلٌ عَنِ الآْخَرِ.
وَجَازَ لِمُشْتَرٍ مِنْ بَائِعَيْنِ غَيْرِ شَرِيكَيْنِ رَدُّ نَصِيبِهِ دُونَ الرَّدِّ عَلَى الآْخَرِ. (46) ثَالِثًا: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا أَرَادَ إِمْسَاكَ الْمَعِيبِ وَأَخْذَ أَرْشِ النَّقْصِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَتَعَذَّرِ الرَّدُّ، رَضِيَ الْبَائِعُ بِدَفْعِ الأَْرْشِ أَوْ سَخِطَ بِهِ؛ لأَِنَّهُ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَكَانَ لَهُ الأَْرْشُ كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ. وَلأَِنَّهُ فَاتَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنَ الْمَبِيعِ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ فَبَانَتْ تِسْعَةً، وَلأَِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَرَاضَيَا عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعَوَّضِ، فَكُل جُزْءٍ مِنَ الْعِوَضِ يُقَابِلُهُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَوَّضِ، وَمَعَ الْعَيْبِ فَاتَ جُزْءٌ مِنْهُ فَيَرْجِعُ بِبَدَلِهِ وَهُوَ الأَْرْشُ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الرِّبَا، كَشِرَاءِ حُلِيٍّ بِفِضَّةٍ بِزِنَتِهِ. (47)
وَإِنِ اشْتَرَى رَجُلٌ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، أَوِ اشْتَرَى طَعَامًا أَوْ نَحْوَهُ فِي وِعَاءَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ رَدُّهُمَا مَعًا أَوْ إِمْسَاكُهُمَا وَالْمُطَالَبَةُ بِالأَْرْشِ؛ لأَِنَّ فِي رَدِّ أَحَدِهِمَا تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ مَعَ إِمْكَانِ أَنْ لاَ يُفَرِّقَهَا - أَشْبَهَ رَدَّ بَعْضِ الْمَعِيبِ الْوَاحِدِ - فَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَعِيبَيْنِ وَبَقِيَ الآْخَرُ فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْبَاقِي بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ لِتَعَذُّرِ رَدِّ التَّالِفِ، وَالْقَوْل قَوْل الْمُشْتَرِي فِي قِيمَةِ التَّالِفِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ مِنْ زِيَادَةِ قِيمَتِهِ.
وَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا وَالآْخَرُ سَلِيمًا، وَأَبَى الْمُشْتَرِي أَخْذَ الأَْرْشِ عَنِ الْعَيْبِ فَلَهُ رَدُّهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّهُ رَدٌّ لِلْمَبِيعِ الْمَعِيبِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْبَائِعِ، وَلاَ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي رَدَّ السَّلِيمِ لِعَدَمِ عَيْبِهِ إِلاَّ أَنْ يَنْقُصَهُ تَفَرُّقٌ كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ وَزَوْجَيْ خُفٍّ، أَوْ يَحْرُمُ تَفْرِيقٌ كَجَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا وَنَحْوِهِ كَأَخِيهَا، فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، بَل لَهُ رَدُّهُمَا مَعًا أَوِ الأَْرْشُ دَفْعًا لِضَرَرِ الْبَائِعِ أَوْ لِتَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ. (48)
وَأَمَّا طُرُقُ إِثْبَاتِ الْعَيْبِ وَمَوَانِعُ الرَّدِّ بِهِ فَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ
(خِيَارُ الْعَيْبِ ف 6 وَمَا بَعْدَهَا)
الْعَيْبُ فِي الصَّرْفِ:
23 - الصَّرْفُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا بِمُعَيَّنٍ أَوْ فِي الذِّمَّةِ.
وَالْعَيْبُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَالْعِوَضَانِ إِمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَفِي كُلٍّ: إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ الْعَيْبُ قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ: أَرْبَعَةٌ فِي الصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ، وَمِثْلُهَا فِي الصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ.
أَوَّلاً - الْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ، اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوِ اخْتَلَفَ، قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ:
24 - إِذَا كَانَ الصَّرْفُ مُعَيَّنًا وَالْعَيْبُ فِي جَمِيعِ الْعِوَضِ، كَأَنْ يَقُول بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، أَوْ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ، وَيُشِيرُ إِلَى الْعِوَضَيْنِ. فَهَذَا هُوَ الْمُعَيَّنُ بِمُعَيَّنٍ، وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ هَذَا الْقِسْمِ بِشُرُوطِهِ وَهُوَ الْحُلُول وَالتَّقَابُضُ.
ثُمَّ إِذَا ظَهَرَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ مَعِيبًا، مِثْل كَوْنِ الْفِضَّةِ سَوْدَاءَ أَوْ خَشِنَةً تَنْفَطِرُ عِنْدَ الضَّرْبِ، أَوْ كَانَتْ سِكَّتُهَا تُخَالِفُ سِكَّةَ السُّلْطَانِ، أَوْ وُجِدَتِ الدَّرَاهِمُ زُيُوفًا، فَهَل يَصِحُّ الْعَقْدُ وَلاَ شَيْءَ لِوَاجِدِ الْعَيْبِ إِذَا رَضِيَ بِهِ، أَمْ لَهُ الْبَدَل؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْجَمِيعَ وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ، وَلَيْسَ لَهُالْبَدَل، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا يُعَيَّنُ عِنْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَفِي الْمَبْسُوطِ: لَوْ كَانَتِ الْفِضَّةُ سَوْدَاءَ أَوْ حَمْرَاءَ فِيهَا رَصَاصٌ أَوْ صُفْرٌ - وَهُوَ الَّذِي أَفْسَدَهَا - فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا؛ لأَِنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى. فَإِنَّ مِثْلَهُ يُسَمَّى إِنَاءَ فِضَّةٍ فِي النَّاسِ، إِلاَّ أَنَّهُ مَعِيبٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغِشِّ، فَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي لِلْعَيْبِ.
وَإِنْ كَانَ رَدِيئَةً مِنْ غَيْرِ غِشٍّ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا؛ لأَِنَّ الرَّدَاءَةَ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ.
وَفِي تَكْمِلَةِ الْمَجْمُوعِ: وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَخُشُونَةِ الْفِضَّةِ وَرَدَاءَةِ الْمَعْدِنِ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، فَإِنْ ظَهَرَ الْعَيْبُ وَالْمَبِيعُ بَاقٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ وَيَسْتَرْجِعَ الثَّمَنَ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالأَْصْحَابُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِبَدَلِهِ، سَوَاءٌ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنَّ مَوْرِدَ الْعَقْدِ مُعَيَّنٌ، اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الأَْصْحَابِ عَلَى ذَلِكَ، وَلاَ يَأْخُذُ أَرْشَ الْمَعِيبِ؛ لأَِنَّ الأَْرْشَ لاَ يُسْتَحَقُّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ (49) الْمَذْهَبُ الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ: فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَغْشُوشَ الْمُعَيَّنَ مِنَ الْجِهَتَيْنِ كَهَذَا الدِّينَارِ بِهَذِهِ الْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ، فِيهِ طَرِيقَانِ (50) :
الأَْوَّل أَنَّ الْمَذْهَبَ كُلَّهُ عَلَى إِجَازَةِ الْبَدَل. وَالثَّانِي أَنَّهُ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ. فَيَكُونُ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْهُمَا النَّقْضُ، (51) وَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَكُونُ مُتَّفِقًا مَعَ الْمَذْهَبِ الأَْوَّل. وَالْقَوْل الثَّانِي: جَوَازُ الْبَدَل وَهُوَ لاِبْنِ وَهْبٍ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (52) ، عَلَى أَسَاسِ أَنَّ النُّقُودَ لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُصْطَرِفَيْنِ لَمْ يَفْتَرِقَا وَفِي ذِمَّةِ أَحَدِهِمَا لِلآْخَرِ شَيْءٌ وَلَمْ يَزَل الْمُعَيَّنُ مَقْبُوضًا لِوَقْتِ الْبَدَل، فَلَمْ يَلْزَمْ عَلَى الْبَدَل صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ بِخِلاَفِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَيَفْتَرِقَانِ وَذِمَّةُ أَحَدِهِمَا مَشْغُولَةٌ لِصَاحِبِهِ، فَفِي الْبَدَل صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ.
ثَانِيًا - أَخْذُ الأَْرْشِ عَنِ الْمَعِيبِ:
أ - إِذَا كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ:
25 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى الْقَوْل بِرُجُوعِهِ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ إِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ حَدَثَ فِيهِ عَيْبٌ آخَرُ، مَا لَمْ يَقُل الْبَائِعُ: أَنَا أَقْبَلُهُ كَذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ أَخْذُ الأَْرْشِ قَبْل التَّفَرُّقِ، أَوْ كَانَ الأَْرْشُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ.
فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَوِ اشْتَرَى قَلْبَ فِضَّةٍ بِذَهَبٍ، فَوَجَدَ فِيهِ عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ حَدَثَ فِيهِ عَيْبٌ آخَرُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَقُول: أَنَا أَقْبَلُهُ كَذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِضَّةً لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ (53) .
وَفِي الْمُغْنِي: وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَلَهُ أَخْذُ الأَْرْشِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لأَِنَّ الْمُمَاثَلَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَتَخَلُّفُ قَبْضِ بَعْضِ الْعِوَضِ عَنْ بَعْضٍ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ لاَ يَضُرُّ، فَجَازَ كَمَا فِي سَائِرِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى حُصُول التَّفَرُّقِ قَبْل الْقَبْضِ لأَِحَدِ الْعِوَضَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يَجْعَلاَ الأَْرْشَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ كَأَنَّهُ أَخَذَ أَرْشَ عَيْبِ الْفِضَّةِ قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَيَجُوزُ. (54)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى الْقَوْل بِعَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ الأَْرْشِ (55) ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ أَخْذُ الأَْرْشِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الأَْرْشِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ وَيَسْتَرْجِعَ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَهُ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْقَوْل بِأَخْذِ الأَْرْشِ، فَإِمَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِمَّا أَنْ يَفْسَخَ.
ب - إِذَا كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ:
26 - وَذَلِكَ كَدَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ، أَوْ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ، أَوْ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ فَهَل يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الأَْرْشِ فِي مُتَّحِدَيِ الْجِنْسِ؟
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى الْقَوْل بِعَدَمِ أَخْذِ الأَْرْشِ عَنِ الْمَعِيبِ فِي مُتَّحِدَيْ الْجِنْسِ؛ لأَِنَّ الأَْرْشَ يُؤَدِّي إِلَى حُصُول الزِّيَادَةِ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدَةِ، فَيَتَحَقَّقُ رِبَا الْفَضْل. وَهُوَ لاَ يَجُوزُ (56) . وَذَهَبَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى تَخْرِيجِ وَجْهٍ بِجَوَازِ أَخْذِ الأَْرْشِ فِي الْمَجْلِسِ، لأَِنَّ الزِّيَادَةَ طَرَأَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ (57) ، وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَخْذُ الْبَدَل فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْقَوْل بِالأَْرْشِ.
ثَالِثًا - الصَّرْفُ مُعَيَّنٌ وَالْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ وَالْمَعِيبُ الْبَعْضُ:
27 - لَقَدْ سَبَقَ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي جَمِيعِ الْعِوَضِ، فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ الإِْمْسَاكُ أَوِ الرَّدُّ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَخْذِ الأَْرْشِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مُتَّحِدَيِ الْجِنْسِ أَوْ مُخْتَلِفَيْهِ.
وَأَيْضًا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي بَعْضِ الْعِوَضِ فَلَهُ إِمَّا رَدُّ الْكُل أَوْ إِمْسَاكُ الْكُل،
وَهُنَا نَتَنَاوَل الْحُكْمَ فِي إِمْسَاكِ الْجَيِّدِ وَرَدِّ الْمَعِيبِ
فَإِذَا وُجِدَ الْبَعْضُ مَعِيبًا، فَهَل لَهُ إِمْسَاكُ الْجَيِّدِ وَرَدُّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ؟ أَوْ يَرُدُّ الْجَمِيعَ؟ أَوْ يُمْسِكُ الْجَمِيعَ وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:
الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كُلَّهُ أَوْ يَأْخُذَهُ كُلَّهُ، وَذَلِكَ فِيمَا لَوْ كَانَ حُلِيُّ ذَهَبٍ فِيهِ جَوْهَرٌ مُفَضَّضٌ، فَوَجَدَ بِالْجَوْهَرِ عَيْبًا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ دُونَ الْحُلِيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الْكُل كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، لِمَا فِي تَمْيِيزِ الْبَعْضِ مِنَ الْبَعْضِ مِنَ الضَّرَرِ.
وَمَنْعُ الْحَنَفِيَّةِ رَدَّ الْبَعْضِ هُنَا، لَيْسَ عَلَى أَسَاسِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَإِنَّمَا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ غَيْرُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ كَالْحُلِيِّ وَالتِّبْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ لاَ يُمْكِنُ فَصْلُهُ (58) .
وَقَدْ وَافَقَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا لَوْ كَانَتِ الدَّنَانِيرُ مُخْتَلِفَةَ الأَْجْنَاسِ وَالْقِيَمِ، فَفِي الْمُنْتَقَى: وَإِنْ كَانَتِ الدَّنَانِيرُ مُخْتَلِفَةَ الأَْجْنَاسِ وَالْقِيَمِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنِ اشْتَرَى حُلِيًّا مَصُوغًا: أَسْوِرَةً وَخَلاَخِل وَغَيْرَ ذَلِكَ بِدَرَاهِمَ فَوَجَدَ بِهَا دِرْهَمًا زَائِفًا، أَنَّهُ يُنْتَقَضُ الصَّرْفُ كُلُّهُ (59) .
ثُمَّ قَال: وَلَوْ وَجَدَ فِي جَمِيعِ الْحُلِيِّ مِسْمَارَ نُحَاسٍ فَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي سِوَارَيْنِ مِنَ الْحُلِيِّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي السِّوَارَيْنِ جَمِيعًا؛ لأَِنَّ السِّوَارَيْنِ جَمِيعًا بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ. فَإِذَا انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي أَحَدِهِمَا انْتَقَضَ فِيهِمَا، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ بَاعَهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ، وَلأَِنَّ النَّقْضَ لَمَّا طَرَأَ مِنْ جِهَتِهِمَا وَالْعِوَضُ الَّذِي يُقَارِبُ مُسَاوٍ لَمْ يَدْخُلْهُ التَّقْسِيطُ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ بَعْضَ الْعِوَضِ مَعِيبًا فَلَهُ إِمَّا إِمْسَاكُ الْكُل أَوْ رَدُّ الْكُل، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ، فَإِذَا صَرَفَ الرَّجُل مِنَ الرَّجُل دِينَارًا بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، فَوَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا، فَإِنْ كَانَ زَافَ مِنْ قِبَل السِّكَّةِ أَوْ قُبْحِ الْفِضَّةِ فَلاَ بَأْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَهُ، وَلَهُ رَدُّهُ، فَإِنْ رَدَّهُ رَدَّ الْبَيْعَ كُلَّهُ؛ لأَِنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ رَدَّهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَذَلِكَ لَهُ شَرَطَهُ أَوْ لَمْ يَشْرِطْهُ.
وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ الصَّرْفَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ إِذَا عَقَدَ عَلَى هَذَا عُقْدَةَ الْبَيْعِ.
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى عَدَمِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ لأَِنَّ الصَّفْقَةَ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُهَا فِي جَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَطَلَتْ فِي الْكُل، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ وَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ إِمْسَاكُ الْكُل أَوْ فَسْخُ الْكُل (60) . وَيَقُول السُّبْكِيّ: وَهَذَا الْكَلاَمُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّفْرِيقُ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ، وَأَكْثَرُ الأَْصْحَابِ أَطْبَقُوا عَلَى تَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الدَّرَاهِمِ (61) .
وَفِي الْمُغْنِي: وَهَل لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ وَإِمْسَاكُ الصَّحِيحِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (62) .
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - أَنَّ الصَّرْفَ يُنْقَضُ فِي الْمَعِيبِ بِقَدْرِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَيُمْسِكُ الْجَيِّدَ، وَقِيل بِالنَّقْضِ بَعْدَ الطُّول، فَإِذَا كَانَ الصَّرْفُ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، فَوَجَدَ بِالدَّرَاهِمِ زَيْفًا فَأَصْغَرُ دِينَارٍ، مَا لَمْ يَكُنِ الزَّيْفُ يَزِيدُ عَنْ أَصْغَرِ دِينَارٍ فَأَكْبَرُ دِينَارٍ، وَهَكَذَا كُلَّمَا زَادَ الزَّيْفُ يُنْقِصُ مِنَ الصَّرْفِ مَا يُقَابِلُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ السَّابِقِ. لأَِنَّ كُل دِينَارٍ كَأَنَّهُ مُفْرَدٌ بِنَفْسِهِ، إِذْ لاَ تَخْتَلِفُ قِيمَتُهُ عَنْ قِيمَةِ مُصَاحِبِهِ.
وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ الْجَمِيعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَجْمُوعَ مُقَابِل الْمَجْمُوعِ، وَلَكِنْ يَسْتَوِي فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ يُسَمُّوا عِنْدَ الْعَقْدِ لِكُل دِينَارٍ عَدَدًا مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوْ لَمْ يُسَمُّوا لِكُل دِينَارٍ عَدَدًا، بَل جَعَلُوا كُل الدَّرَاهِمِ فِي مُقَابَلَةِ كُل الدَّنَانِيرِ.
وَإِنْ تَسَاوَتِ الدَّنَانِيرُ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فَوَاحِدٌ مِنْهَا يُنْتَقَضُ، مَا لَمْ يَزِدْ مُوجِبُ النَّقْضِ فَآخَرُ وَهَكَذَا (63) .
وَالْقَوْل بِجَوَازِ رَدِّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ حُكْمٌ لَوْ كَانَ مُفْرَدًا، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا ثَبَتَ لِكُل وَاحِدٍ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا؛ وَلأَِنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ اقْتَضَى الْحُكْمَ فِي مَحَلَّيْنِ فَامْتَنَعَ حُكْمُهُ فِي أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ فَيَصِحُّ فِي الآْخَرِ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ لآِدَمِيٍّ وَبَهِيمَةٍ (64) .
رَابِعًا إِذَا تَلِفَ الْعِوَضُ بَعْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ:
إِذَا تَلِفَ الْعِوَضُ بَعْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ، وَالصَّرْفُ مُعَيَّنٌ وَالْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْعَيْبَ إِلاَّ بَعْدَ تَلَفِ الْعِوَضِ الْمَعِيبِ، فَهَل يَصِحُّ الْعَقْدُ أَوْ يُفْسَخُ وَيَرُدُّ مِثْل التَّالِفِ؟ وَلَوْ أَمْسَكَ هَل لَهُ أَخْذُ الأَْرْشِ؟ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - حُكْمُ الْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ الإِْمْضَاءُ أَوِ الْفَسْخُ
28 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْعِوَضَ فِي الصَّرْفِ إِذَا تَلِفَ بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ فُسِخَ الْعَقْدُ وَرَدَّ الْمَوْجُودَ، وَتَبْقَى قِيمَةُ الْمَعِيبِ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ. سَوَاءٌ كَانَ الصَّرْفُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، كَمَا إِذَا صَارَفَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقًا بِوَرِقٍ. وَلاَ يَأْخُذُ الأَْرْشَ؛ لأَِنَّهُ يَحْصُل مَعَهُ فِي الْبَيْعِ تَفَاضُلٌ، وَلاَ يُمْكِنُ الرَّدُّ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ تَالِفٌ لاَ يُمْكِنُ رَدُّهُ، يُمْكِنُ أَنْ يُقَال: إِنَّهُ يُقِرُّ الْعَقْدَ وَلاَ شَيْءَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ، فَلاَ بُدَّ لَهُ مِنَ اسْتِدْرَاكِ ظِلاَمَتِهِ، فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى فَسْخِ الْعَقْدِ وَرَدِّ الْمَوْجُودِ، وَتَبْقَى قِيمَةُ الْمَعِيبِ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَيَرُدُّ مِثْلَهَا أَوْ عِوَضَهَا (65) .
وَفِي الْمُغْنِي إِنْ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ، فُسِخَ الْعَقْدُ وَرَدَّ الْمَوْجُودَ، وَتَبْقَى قِيمَةُ الْمَعِيبِ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ. فَيَرُدُّ مِثْلَهَا أَوْ عِوَضَهَا إِنِ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّرْفُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (66)
الْمَذْهَبُ الثَّانِي لأَِبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ عَلَى الْبَائِعِ، فَلَوِ اشْتَرَى دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَتَقَابَضَا وَالدَّرَاهِمُ زُيُوفٌ فَأَنْفَقَهَا الْمُشْتَرِي وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، فَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يَرُدُّ مِثْل مَا قَبَضَ وَيَرْجِعُ بِالْجِيَادِ.
وَذَكَرَ فَخْرُ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرُهُ أَنَّ قَوْلَهُمَا قِيَاسٌ، وَقَوْل أَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانٌ (67) .
وَحَيْثُ إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ ذَكَرُوا الأَْمْثِلَةَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَهِيَ لاَ تَتَعَيَّنُ عِنْدَهُمْ، وَالْكَلاَمُ فِي الْمُعَيَّنِ، لَمْ نَجِدْ لَهُمْ نَصًّا صَرِيحًا فِي هَذَا، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ لاَ يَخْتَلِفُ؛ لأَِنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَبِالتَّلَفِ تَسَاوَيَا فِي عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ أَوِ الاِسْتِبْدَال إِنْ قِيل بِهِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ طَرِيقٌ آخَرُ يُمْكِنُ الْقَوْل بِهِ غَيْرَ هَذَا. ب - حُكْمُ أَخْذِ الأَْرْشِ فِي الْمَعِيبِ التَّالِفِ بَعْدَ الْقَبْضِ:
29 - إِذَا كَانَ الصَّرْفُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ، فَفِيهِ مَذْهَبَانِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل لِلْحَنَفِيَّةِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالأَْوْلَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأَْرْشِ أَوْ نُقْصَانُ الْعَيْبِ فِي مُتَّحِدَيِ الْجِنْسِ لأَِنَّ أَخْذَ الأَْرْشِ فِي مُتَّحِدَيِ الْجِنْسِ يُؤَدِّي إِلَى التَّفَاضُل فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ (68) .
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا فَسَخَ الْعَقْدَ فِي الْمَعِيبِ التَّالِفِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ، مِثْل أَنْ يَكُونَ التَّالِفُ مَعِيبًا بِعُشْرِ قِيمَتِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّ مِنْهُ عُشْرَ الْقِيمَةِ؛ لأَِنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي مَال الرِّبَا تُشْتَرَطُ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَاسْتِرْجَاعُ بَعْضِ الثَّمَنِ حَقٌّ ثَبَتَ لَهُ ابْتِدَاءً، فَلاَ يُرَاعَى فِيهِ مَعْنَى الرِّبَا.
وَالْقَوْل بِأَخْذِ الأَْرْشِ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَإِنْ كَانَتْ خِلاَفَ الأَْوْلَى (69) .
30 - إِذَا كَانَ الصَّرْفُ مِنْ جِنْسَيْنِ، كَدَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ فَفِيهِ مَذْهَبَانِ. الْمَذْهَبُ الأَْوَّل لِلْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ أَخْذُ الأَْرْشِ.
وَأَجَازَ ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَأْخِيرٌ فِي قَبْضِ الْعِوَضِ، بَل يَتِمُّ الْقَبْضُ قَبْل التَّفَرُّقِ، وَلأَِنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فَلاَ مَانِعَ مِنْ أَخْذِ الأَْرْشِ مَعَ عَدَمِ إِمْكَانِ الرَّدِّ لِتَلَفِ الْعِوَضِ (70) .
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِأَرْشِ عَيْبِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، قَال السُّبْكِيُّ: هَذَا قَوْل الشُّيُوخِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ وَالْجُمْهُورِ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّ الصَّرْفَ أَضْيَقُ مِنَ الْبِيَاعَاتِ، فَلَمْ يَتَّسِعْ لِدُخُول الأَْرْشِ فِيهِ (71) .
خَامِسًا - الْعَيْبُ عَنْ غَيْرِ الْجِنْسِ:
31 - الصَّرْفُ هُنَا مُعَيَّنٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَدَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ، أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَدَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، وَالْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَأَنْ يَجِدَ الدَّنَانِيرَ نُحَاسًا أَوْ يَجِدَ الدَّرَاهِمَ رَصَاصًا أَوْ سُتُّوقًا، وَسَوَاءٌ وَجَدَ ذَلِكَ قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، فَهَل يَبْطُل الصَّرْفُ مُطْلَقًا؟ أَوْ يَجُوزُ. لَهُ الإِْبْدَال فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ؟ أَوْ يَجُوزُ لَهُ الرِّضَا بِهِ؟ وَهَل لَهُ الرَّدُّ وَالإِْبْدَال لَوْ كَانَ عَلِمَ بِهَذَا الْعَيْبِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ عِنْدَ الْقَبْضِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّ الصَّرْفَ بَاطِلٌ وَيَسْتَرْجِعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُعْظَمُ الأَْصْحَابِ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَغْشُوشُ عِنْدَهُمْ نَقْصَ عَدَدٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ خَالِصَيْنِ أَوْ مَغْشُوشَيْنِ.
فَالْمَغْشُوشُ الْمُعَيَّنُ فِيهِ قَوْلاَنِ: الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا نَقْضُ الصَّرْفِ وَعَدَمُ إِجَازَةِ الْبَدَل؛ لأَِنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى وَالْعَقْدُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى. لأَِنَّ انْعِقَادَهُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَالْمُسَمَّى مَعْدُومٌ، فَلاَ بَيْعَ بَيْنَهُمَا، قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. وَلأَِنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى لَهُ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ هَذِهِ الْبَغْلَةَ فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ الْقَزَّ فَوَجَدَهُ كَتَّانًا (72) .
الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الإِْمْسَاكِ وَالرَّدِّ وَأَخْذِ الْبَدَل. وَيَصِحُّ أَيْضًا إِذَا رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ مَجَّانًا، سَوَاءٌ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِإِبْدَالِهِ، قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الإِْفْصَاحِ فَقَدْ قَال: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَال: الْبَيْعُ صَحِيحٌ يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى عَيْنِهِ. وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَحْمَدَ؛ لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَرْضَ فَالْعَقْدُ وَارِدٌ عَلَى عَيْنِهِ. وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الإِْمْسَاكِ أَوِ الرَّدِّ وَأَخْذِ الْبَدَل (73) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: يُفَرِّقُ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بَيْنَ مَا إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ فِي الْمَجْلِسِ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.
فَإِذَا كَانَ قَبْل التَّفَرُّقِ كَانَ لَهُ الْبَدَل أَوِ الْفَسْخُ، وَبَعْدَهُ لاَ يَجُوزُ وَيَبْطُل الصَّرْفُ وَلَوْ بَدَّل بَعْدَ الْمَجْلِسِ، قَال بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَتِمُّ بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالتَّفَرُّقِ بِالأَْبْدَانِ أَوِ التَّخْيِيرِ، فَإِذَا رَدَّهَا فِي الْمَجْلِسِ وَقَبَضَ الْجِيَادَ جَازَ، وَجُعِل كَأَنَّهُ أَخَّرَ الْقَبْضَ إِلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ. أَمَّا بَعْدَ التَّفْرِيقِ فَلاَ يَجُوزُ وَالصَّرْفُ بَاطِلٌ (74) .
الْقَوْل الرَّابِعُ: أَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ وَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ وَلاَ إِبْدَالٌ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ بِشَرْطِ عِلْمِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْقَبْضِ بِالْعَيْبِ، وَكَذَا عِنْدَ الْعَقْدِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَأْخُذَ الدَّرَاهِمَ الْجِيَادَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَقْدُ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ وَلاَ إِبْدَالُهُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَارِدٌ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَقَدْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِعَيْنِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِعَيْبِهَا وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لاَ يَعْلَمُ أَحَدُهُمَا، أَوْ لاَ يَعْلَمَانِ بِعَيْبِهَا لاَ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهَا وَلأَِنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَعَيَّنَ، فَهُوَ مُطْلَقُ بَيْعٍ إِنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ الرَّدُّ إِلاَّ إِذَا كَانَ جَاهِلاً بِالْعَيْبِ (75) .
حُكْمُ الْعَيْبِ فِي الصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ وَأَخْذِ الْبَدَل وَالأَْرْشِ فِيهِ:
32 - الْعَيْبُ إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ قَبْل الاِفْتِرَاقِ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
وَالْحُكْمُ هُنَا بِالنِّسْبَةِ لأَِخْذِ الْبَدَل يَخْتَلِفُ فِيمَا إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ قَبْل الاِفْتِرَاقِ أَوْ بَعْدَهُ وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي ثَلاَثِ مَسَائِل:
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى:
إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ قَبْل التَّفَرُّقِ وَالْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
33 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ فِي الْمَجْلِسِ قَبْل التَّفَرُّقِ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَدَل سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَنْ إِتْمَامِ الصَّرْفِ بِدَفْعِ الْبَدَل.
كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ وَاجِدُ الْعَيْبِ بِهِ صَحَّ الصَّرْفُ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ لاَ يُخْرِجُهُ عَنِ الْجِنْسِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ يُخْرِجُهُ عَنِ الْجِنْسِ فَلَيْسَ لَهُ الرِّضَا بِهِ، إِلاَّ مَا قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْضَى بِهِ.
وَفِي حَالَةِ مَا إِذَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ الَّذِي لَمْ يُخْرِجْهُ عَنِ الْجِنْسِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ إِذَا كَانَ الصَّرْفُ مُتَّحِدَ الْجِنْسِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَإِذَا كَانَ الصَّرْفُ فِي مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ جَازَ أَخْذُ الأَْرْشِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ (76)
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى مُطْلَقٍ لاَ عَيْبَ فِيهِ. فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَبِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَا فِي الذِّمَّةِ - وَقَدْ قَبَضَ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوْ كَأَنَّهُ أَخَّرَ الْقَبْضَ إِلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ. وَبِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ صَحِيحٌ لاَ عَيْبَ فِيهِ، فَإِذَا قَبَضَ مَعِيبًا كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِمَا فِي ذِمَّتِهِ مِمَّا يَتَأَوَّلُهُ الْعَقْدُ، كَمَا إِذَا قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِبَدَلِهِ، وَبِأَنَّ شَرْطَ الْمُمَاثَلَةِ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِ الأَْرْشِ لِمَا يُؤَدِّي إِلَى الْمُفَاضَلَةِ غَيْرِ الْجَائِزَةِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي مُخْتَلِفِ الْجِنْسِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ قَبْل التَّفَرُّقِ لأَِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَأْخِيرٌ فِي قَبْضِ بَعْضِ الْعِوَضِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَالْعَيْبُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ وَالْفَرْضُ أَنَّ الصَّرْفَ فِي الذِّمَّةِ فَهَل لَهُ أَخْذُ الْبَدَل كَمَا كَانَ قَبْل التَّفَرُّقِ؟ أَوْ يَبْطُل الصَّرْفُ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ؟
34 - لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَانِ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل لأَِبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِهِ جَازَ سَوَاءٌ كَانَ قَبْل الاِفْتِرَاقِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ.
وَإِنِ اسْتَبْدَلَهَا فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ جَازَ أَيْضًا، لأَِنَّ اسْتِبْدَالَهَا قَبْل الاِفْتِرَاقِ جَائِزٌإِجْمَاعًا
وَالْقَوْل بِجَوَازِ أَخْذِ الْبَدَل هُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ اخْتَارَهَا الْخَلاَّل وَالْخِرَقِيُّ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ: بِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الزُّيُوفِ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لأَِنَّهُ قَبَضَ جِنْسَ حَقِّهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَجَوَّزَ بِهَا جَازَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ لَمَا جَازَ كَالسَّتُّوقِ، إِلاَّ أَنَّهُ فَاتَتْهُ صِفَةُ الْجَوْدَةِ بِالزِّيَافَةِ فَكَانَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَصْلاً لاَ وَصْفًا فَكَانَتِ الزِّيَافَةُ فِيهَا عَيْبًا، وَالْعَيْبُ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ، كَمَا فِي بَيْعِ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا.
وَبِالرَّدِّ يُنْتَقَضُ الْقَبْضُ لَكِنْ مَقْصُورًا عَلَى حَالَةِ الرَّدِّ. وَلاَ يَسْتَنِدُ الاِنْتِقَاضُ إِلَى وَقْتِ الْقَبْضِ فَيَبْقَى الْقَبْضُ صَحِيحًا.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُشْتَرَطَ قَبْضُ بَدَلِهِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِعَقْدِ السَّلَمِ الْقَبْضُ مَرَّةً وَاحِدَةً. إِلاَّ أَنَّهُ شَرْطٌ؛ لأَِنَّ لِلرَّدِّ شَبَهًا بِالْعَقْدِ، حَيْثُ لاَ يَجِبُ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ إِلاَّ بِالرَّدِّ، كَمَا لاَ يَجِبُ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ إِلاَّ بِالْعَقْدِ، فَأُلْحِقَ مَجْلِسُ الرَّدِّ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَهَذَا وَجْهُ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ (77) . كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ مَا جَازَ إِبْدَالُهُ قَبْل التَّفَرُّقِ جَازَ إِبْدَالُهُ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ كَالسَّلَمِ، وَكَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَجُزْ إِبْدَالُهُ قَبْل التَّفَرُّقِ مِنَ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَجُزْ إِبْدَالُهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِأَنَّهُ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ، فَجَازَ إِبْدَال مَعِيبِهِ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ اعْتِبَارًا بِمَا قَبْل التَّفَرُّقِ؛ وَلأَِنَّ قَبْضَ الثَّانِي يَدُل عَلَى الأَْوَّل قَال بِهَذَا الْوَجْهِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (78) .
الْمَذْهَبُ الثَّانِي لأَِبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِهِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ بَطَل الصَّرْفُ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ.
الْوَجْهُ الأَْوَّل: أَنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ حَقِّ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ لَكِنْ أَصْلاً لاَ وَصْفًا. وَلِهَذَا ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ بِفَوَاتِ حَقِّهِ عَنِ الْوَصْفِ، فَكَانَ حَقُّهُ فِي الأَْصْل وَالْوَصْفِ جَمِيعًا، فَصَارَ بِقَبْضِ الزُّيُوفِ قَابِضًا حَقَّهُ مِنْ حَيْثُ الأَْصْل لاَ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِهِ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ عَنِ الْوَصْفِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ قَبْضُ الأَْصْل دُونَ الْوَصْفِ لإِِبْرَائِهِ عَنِ الْوَصْفِ، فَإِذَا قَبَضَهُ. فَقَدْ قَبَضَ حَقَّهُ فَيَبْطُل الْمُسْتَحَقُّ.
وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ حَقَّهُ؛ لأَِنَّ حَقَّهُ فِي الأَْصْل وَالْوَصْفِ جَمِيعًا فَتَبَيَّنَ أَنَّ الاِفْتِرَاقَ حَصَل لاَ عَنْ قَبْضِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ (أَوْ يُقَال تَفَرَّقَ لاَ عَنْ قَبْضِ بَدَل الصَّرْفِ) قَال بِهَذَا الْوَجْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرٌ (79)
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْل بِالْبَدَل فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتَرِقَا وَذِمَّةُ أَحَدِهِمَا مَشْغُولَةٌ لِصَاحِبِهِ، فَفِي الْبَدَل صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ، قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ (80) .
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الصَّرْفَ يَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ كَمَا يَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْدِل مَا تَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْدِل مَا تَعَيَّنَ بِالْقَبْضِ. لأَِنَّهُ لَوْ أَبْدَل بَعْدَ التَّفَرُّقِ لَبَطَل الْقَبْضُ قَبْل التَّفَرُّقِ، وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ الْقَبْضُ قَبْل التَّفَرُّقِ بَطَل الصَّرْفُ، فَكَانَ فِي إِثْبَاتِ الْبَدَل إِبْطَال الْعَقْدِ، فَمُنِعَ مِنَ الْبَدَل لِيَصِحَّ الْعَقْدُ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ الصَّرْفُ الْمُعَيَّنُ وَمَا فِي الذِّمَّةِ يَسْتَوِيَانِ فِي الْفَسَادِ بِالتَّفَرُّقِ قَبْل الْقَبْضِ وَيَسْتَوِيَانِ فِي الصِّحَّةِ بِالْقَبْضِ قَبْل التَّفَرُّقِ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي حُكْمِ الْعَيْبِ. فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْدَل مَعِيبُ مَا كَانَ مَعِيبًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبْدَل مَعِيبُ مَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (81) .
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إِذَا تَمَّ الإِْبْدَال بَعْدَ التَّفَرُّقِ صَارَ الْقَبْضُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ فِي الصَّرْفِ، قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (82)
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
إِذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَكَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ:
35 - سَبَقَ أَنَّ الصَّرْفَ فِي الذِّمَّةِ إِذَا ظَهَرَ مَعِيبًا فِي الْمَجْلِسِ كَانَ لَهُ إِبْدَالُهُ. سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مِنَ الْجِنْسِ أَوْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
أَمَّا بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِنَ الْجِنْسِ وَقَدْ مَرَّتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِيهِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، كَأَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ نُحَاسًا أَوِ الْفِضَّةُ رَصَاصًا.
فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى الْقَوْل بِبُطْلاَنِ الصَّرْفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا وُجِدَ الْعِوَضُ كُلُّهُ مَعِيبًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (83) . وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَوْل ابْنِ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ (84) : إِذَا طَالَبَ بِالْبَدَل، أَوْ تَتْمِيمِ النَّاقِصِ وَأَخَذَ الْبَدَل بِالْفِعْل، نُقِضَ الصَّرْفُ.
وَإِذَا رَضِيَ بِهِ مَجَّانًا صَحَّ. وَقِيل عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ الْبَدَل فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ لَمْ يُبْطِلْهُ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ، وَدَلِيل الْبُطْلاَنِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَنَّ السَّتُّوقَ - وَكَذَا الرَّصَاصُ - لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ. لأَِنَّهَا لاَ تَرُوجُ فِي مُعَامَلاَتِ النَّاسِ، فَلَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَصْلاً وَوَصْفًا، فَكَانَ الاِفْتِرَاقُ عَنِ الْمَجْلِسِ لاَ عَنْ قَبْضٍ حَتَّى لَوْ رَضِيَ بِهِ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ اسْتِبْدَالاً قَبْل الْقَبْضِ، وَهُوَ لاَ يَجُوزُ.
كَمَا أَنَّهُمَا إِنِ افْتَرَقَا قَبْل رَدِّهِ فَالصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّهُمَا تَفَرَّقَا قَبْل قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْبِضْ مَا يَصْلُحُ عِوَضًا عَنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الَّذِي قَبَضَهُ غَيْرُ الْعِوَضِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعُقْدَةُ وَلاَ يَجُوزُ لَهُ إِمْسَاكُهُ.
كَذَلِكَ اسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الصَّرْفُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّفَاضُل فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ لاَ يَجُوزُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي جَمِيعِ الْعِوَضِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي بَعْضِهِ بَطَل الصَّرْفُ فِي هَذَا الْبَعْضِ وَصَحَّ فِي الْبَاقِي، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ يُخَرِّجُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (85) .
الاِسْتِحْقَاقُ فِي الصَّرْفِ:
36 - تَعَرَّضَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِمَسْأَلَةِ الاِسْتِحْقَاقِ فِي الصَّرْفِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ فِيهَا تَفْصِيلٌ يَحْسُنُ مَعَهُ إِفْرَادُ كُل مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ.
وَحَاصِل مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا لَوِ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ فِي الصَّرْفِ أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ جَازَ، سَوَاءٌ كَانَتِ الإِْجَازَةُ قَبْل التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَهُ وَالْمُسْتَحَقُّ قَائِمٌ إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُسْتَحَقُّ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل الْقَبْضِ فَوُجُودُ الإِْجَازَةِ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ، لأَِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ عِنْدَهُمْ لاَ تَتَعَيَّنُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَهَا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَطَل الصَّرْفُ فِي الْمُسْتَحَقِّ.
فَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ وَارِدًا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالْمُسْتَحَقُّ الْبَعْضُ، صَحَّ الصَّرْفُ فِي الْبَاقِي وَلاَ خِيَارَ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَعِيبًا - كَالإِْنَاءِ الْمَصُوغِ أَوْ قَلْبُ فِضَّةٍ بِذَهَبٍ - فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي إِمْسَاكَ الْبَاقِي كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِلاَّ فَلَهُ الرِّدَّةُ؛ لأَِنَّ الشَّرِكَةَ فِي الإِْنَاءِ أَوِ الْقَلْبِ عَيْبٌ (86) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَقَعَ الصَّرْفُ عَلَى غَيْرِ الْمَصُوغِ - وَهُوَ يَشْمَل الْمَسْكُوكَ وَغَيْرَهُ عَدَا الصَّوْغَ - فَإِنْ كَانَ الاِسْتِحْقَاقُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا الْمَجْلِسَ أَوْ بَعْدَ طُولٍ فَإِنَّ عَقْدَ الصَّرْفِ يُنْقَضُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مُعَيَّنًا حَال الْعَقْدِ أَمْ لاَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْعَقْدِ صَحَّ عَقْدُ الصَّرْفِ، سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا أَمْ لاَ، إِلاَّ أَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ يُجْبَرُ فِيهِ عَلَى الْبَدَل مَنْ أَرَادَ نَقْضَ الصَّرْفِ، وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَإِنَّ صِحَّةَ الْعَقْدِ فِيهِ بِمَا إِذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْبَدَل، وَلاَ جَبْرَ فِيهِ، وَقِيل: غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ.
أَمَّا الْمَصُوغُ، فَإِنِ اسْتَحَقَّ نَقْضَ الصَّرْفِ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ بِحَضْرَةِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ طُولٍ، مُعَيَّنًا أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الصَّوْغَ يُرَادُ لِعَيْنِهِ وَغَيْرُهُ لاَ يَقُومُ مَقَامَهُ. هَذَا إِذَا لَمْ يُجِزِ الْمُسْتَحِقُّ أَمَّا إِذَا أَجَازَهُ فَلَهُ إِجَازَتُهُ، وَيَأْخُذُ مُقَابِلَهُ وَلَوْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يُنْقَضُ فِيهَا فِي الْمَصُوغِ مُطْلَقًا، وَفِي غَيْرِهِ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ أَوِ الطُّول (87) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرُوا أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ هَل تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ أَمْ لاَ؟ أَنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ. وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَانَ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا فَعَلَى الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ تُبْطِل الْعَقْدَ لأَِنَّهُ وَقَعَ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ (88) .
الْعَيْبُ فِي السَّلَمِ:
37 - إِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي رَأْسِ مَال السَّلَمِ بِأَنْ وَجَدَ فِي الثَّمَنِ زُيُوفًا بَعْدَ التَّفَرُّقِ رَدَّهُ وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُعَجِّل لَهُ الْبَدَل، وَإِلاَّ فَسَدَ مَا يُقَابِلُهُ.
وَيُغْتَفَرُ التَّأْخِيرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَوْ بِالشَّرْطِ، وَأَمَّا التَّأْخِيرُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا فَلاَ يَجُوزُ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: فَفِي الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى: إِنْ أَسْلَمْتَ فِي حِنْطَةٍ. فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا أَصَابَ رَأْسُ الْمَال نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ زُيُوفًا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ فَجَاءَ لِيُبَدِّل فَيُبَدَّل وَلاَ يُنْتَقَضُ السَّلَفُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمْتَ دَرَاهِمَ فِي عُرُوضٍ أَوْ طَعَامٍ. فَأَتَى الْبَائِعُ بِبَعْضِ الدَّرَاهِمِ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ أَيَّامٍ فَقَال: أَصَبْتُهَا زُيُوفًا، فَقُلْتَ: دَعْهَا فَأَنَا أُبْدِلُهَا لَكَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ (89) .
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَهُوَ الْوَجْهُ الأَْوَّل لِلْحَنَابِلَةِ بِشَرْطِ قَبْضِ الْبَدَل فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، لأَِنَّ الْقَبْضَ الأَْوَّل كَانَ صَحِيحًا. وَلأَِنَّ لِلرَّدِّ شَبَهًا بِالْعَقْدِ حَيْثُ لاَ يَجِبُ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ إِلاَّ بِالرَّدِّ. كَمَا لاَ يَجِبُ الْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ إِلاَّ بِالْعَقْدِ، فَأُلْحِقَ مَجْلِسُ الرَّدِّ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ وَجَدَ فِي الثَّمَنِ زُيُوفًا بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَرَدَّهُ بَطَل السَّلَمُ سَوَاءٌ اُسْتُبْدِل فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ أَوْ لاَ؛ لأَِنَّ الزُّيُوفَ مِنْ جِنْسِ حَقِّ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ. لَكِنْ أَصْلاً لاَ وَصْفًا، وَلِهَذَا ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ بِفَوَاتِ حَقِّهِ عَنِ الْوَصْفِ. فَكَانَ حَقُّهُ فِي الأَْصْل وَالْوَصْفِ جَمِيعًا، فَصَارَ بِقَبْضِ الزُّيُوفِ قَابِضًا حَقَّهُ مِنْ حَيْثُ الأَْصْل لاَ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِهِ، فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ عَنِ الْوَصْفِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ قَبْضُ الأَْصْل دُونَ الْوَصْفِ لإِِبْرَائِهِ إِيَّاهُ عَنِ الْوَصْفِ فَإِذَا قَبَضَهُ فَقَدْ قَبَضَ حَقَّهُ، فَيَبْطُل الْمُسْتَحَقُّ.
وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ حَقَّهُ؛ لأَِنَّ حَقَّهُ فِي الأَْصْل وَالْوَصْفِ جَمِيعًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الاِفْتِرَاقَ حَصَل لاَ عَنْ قَبْضِ رَأْسِ مَال السَّلَمِ (90) .
الْعَيْبُ فِي الإِْجَارَةِ:
38 - لَوْ اطَّلَعَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى عَيْبٍ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ فِي مُدَّةِ الْعَقْدِ، وَكَانَ هَذَا الْعَيْبُ يُخِل بِالاِنْتِفَاعِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، فَلَهُ الْفَسْخُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَيْبُ قَدِيمًا أَمْ حَدِيثًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل الْقَبْضِ أَمْ بَعْدَهُ.
فَكُل مَا يَحُول بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمَنْفَعَةِ مِنْ تَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ غَصْبِهَا أَوْ تَعَيُّبِهَا كَجُمُوحِ الدَّابَّةِ وَحُدُوثِ خَوْفٍ عَامٍّ يَمْنَعُ مِنْ سُكْنَى الدَّارِ أَوْ كَانَ الْجَارُ سُوءًا تُفْسَخُ بِهِ الإِْجَارَةُ (91) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِجَارَة ف 74) الْعَيْبُ فِي الْقِسْمَةِ:
39 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) : إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ عَيْبًا فِي نَصِيبِهِ فَلَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ.
وَفِي قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الإِْجَارَةِ.
وَكَذَلِكَ فِي الاِسْتِحْقَاقِ، بِأَنْ يَسْتَحِقَّ بَعْضَ مُعَيَّنٍ مِنْ نَصِيبٍ وَاحِدٍ فَقَطْ فَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ شَاءَ رَجَعَ بِقِسْطِهِ وَإِنْ شَاءَ نَقَضَ الْقِسْمَةَ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ تَوَسَّعُوا فِي مَبْدَأِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ، أَوْ قِسْمَةِ إِجْبَارٍ أَوْ قِسْمَةِ اخْتِيَارٍ، ثُمَّ فَرَّقُوا فِي الرَّدِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ فِي أَكْثَرِ نَصِيبِهِ أَوْ أَقَلِّهِ.
وَيَرَوْنَ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنْهُ إِنْ شَاءَ تَمَسَّكَ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَيْهِ شَرِيكًا فِي نَصِيبِهِ بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهُ هُوَ فِيمَا اسْتَحَقَّ مِنْهُ (92) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قِسْمَة) . الْعَيْبُ فِي بَدَل الصُّلْحِ:
40 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ بِبَدَل الصُّلْحِ عَيْبًا ثَبَتَ الرَّدُّ مِنَ الْجَانِبَيْنِ إِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ إِنْكَارٍ يَثْبُتُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي وَلاَ يَثْبُتُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لأَِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ فِي حَقِّهِ، لاَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
وَلَوْ وَجَدَ بِبَدَل الصُّلْحِ عَيْبًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ لِمَانِعٍ كَالْهَلاَكِ أَوِ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ فِي هَذَا الْبَدَل فِي يَدِ الْمُدَّعِي، فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ يَرْجِعُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ فِي الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ عَنْ إِنْكَارٍ رَجَعَ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَاهُ (أَيْ فَيَرْجِعُ إِلَى دَعْوَاهُ الأُْولَى) ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَخَذَ حِصَّةَ الْعَيْبِ، وَكَذَلِكَ إِذَا حَلَّفَهُ فَنَكَل، وَإِنْ حَلَفَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (93) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ وَجَدَ الْمُصَالِحُ فِيمَا صَالَحَ بِهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ تُرْسٍ أَوْ ثَوْبٍ عَيْبًا ظَهَرَ فِيهِ بَعْدَ الصُّلْحِ، أَوِ اسْتَحَقَّ الصُّلْحَ بِهِ، أَوْ أَخَذَ بِشُفْعَةٍ ثَبَتَ حَقُّ الرَّدِّ، وَرَجَعَ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ عَقْدِ الصُّلْحِ (94) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الصُّلْحَ قَدْ يَجْرِي بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ عَنْ إِقْرَارٍ عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ الْمُدَّعَاةِ، فَيَكُونُ بَيْعًا بِلَفْظِ الصُّلْحِ تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ. وَمِنْهَا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ.
وَقَدْ يَجْرِي بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالأَْجْنَبِيِّ، فَيُصَالِحُ الأَْجْنَبِيَّ عَنِ الْعَيْنِ لِنَفْسِهِ بِعَيْنِ مَالِهِ أَوْ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَصِحُّ الصُّلْحُ لِلأَْجْنَبِيِّ وَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ (95) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ صَالَحَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ بِعِوَضٍ فَبَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا. أَوْ بَانَ الْعَبْدُ حُرًّا، رَجَعَ الْمُدَّعِي فِي الدَّارِ الْمُصَالَحِ عَنْهَا إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ تَالِفًا. وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَبِمِثْلِهِ؛ لأَِنَّ الصُّلْحَ هُنَا بَيْعٌ حَقِيقَةً إِذَا كَانَ عَنْ إِقْرَارٍ. فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِنْكَارٍ وَظَهَرَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا رَجَعَ الْمُدَّعِي بِالدَّعْوَى قَبْل الصُّلْحِ لِتَبَيُّنِ بُطْلاَنِ الصُّلْحِ (96) .
الْعَيْبُ فِي الْمَال الْمَغْصُوبِ:
41 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَيَّبَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ بِمَا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي قِيمَتِهِ أَوْ يُفَوِّتُ جُزْءًا مِنْهُ، أَوْ يُفَوِّتُ صِفَةً مَرْغُوبًا فِيهَا أَوْ مَعْنًى مَرْغُوبًا فِيهِ ضَمِنَ ذَلِكَ كُلَّهُ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا غَصَبَ الرَّجُل ثَوْبًا فَلَبِسَهُ فَأَبْلاَهُ، فَنَقَصَ نِصْفُ قِيمَتِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ، فَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، فَنَقَصَهُ لَبِسَهُ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةً ثُمَّ زَادَتْ قِيمَتُهُ فَصَارَتْ عَشْرَةً رَدَّهُ وَرَدَّ خَمْسَةً؛ لأَِنَّ مَا تَلِفَ قَبْل غَلاَءِ الثَّوْبِ ثَبَتَتْ قِيمَتُهُ فِي الذِّمَّةِ خَمْسَةً، فَلاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِغَلاَءِ الثَّوْبِ وَلاَ رُخْصِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَخُصَتِ الثِّيَابُ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ ثَلاَثَةً لَمْ يَلْزَمِ الْغَاصِبَ إِلاَّ خَمْسَةٌ مَعَ رَدِّ الثَّوْبِ.
وَلَوْ تَلِفَ الثَّوْبُ كُلُّهُ وَقِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، ثُمَّ غَلَتِ الثِّيَابُ فَصَارَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عِشْرِينَ، لَمْ يَضْمَنْ إِلاَّ عَشْرَةً؛ لأَِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ عَشْرَةً فَلاَ تَزْدَادُ بِغَلاَءِ الثِّيَابِ وَلاَ تَنْقُصُ بِرُخْصِهَا (97) .
الْعَيْبُ فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ:
42 - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى جَوَازِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجِ لِلْعُيُوبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ (98) وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيل ذَلِكَ وَفِي تَعْيِينِ الْعُيُوبِ الَّتِي يُفْسَخُ بِهَا النِّكَاحُ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف 93 وَمَا بَعْدَهَا)
الْعَيْبُ فِي الأُْضْحِيَّةِ:
43 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّضْحِيَةِ مِنْ جَمِيعِ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الأَْفْضَل مِنْهَا.
كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الْمُصَابَ بِعَيْبٍ مِنَ الْعُيُوبِ الأَْرْبَعَةِ لاَ يَجُوزُ ذَبْحُهُ فِي الأُْضْحِيَّةِ، وَهِيَ الْعُيُوبُ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا حَدِيثُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَرْبَعٌ لاَ تَجُوزُ فِي الأَْضَاحِيِّ، الْعَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا. وَالْعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ظَلَعُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لاَ تَنْقَى (99) ، وَنَقَل النَّوَوِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَْرْبَعَ لاَ تُجْزِي فِي الأُْضْحِيَّةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ أَخَفَّ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ الأَْرْبَعَةِ لاَ يُؤَثِّرُ، وَمَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ الأَْرْبَعَةِ فَهِيَ أَحْرَى أَنْ تُمْنَعَ كَالْعَمَى وَكَسْرِ السَّاقِ مَثَلاً.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ مُسَاوِيًا لَهَا فِي نَقْصِ اللَّحْمِ (100) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أُضْحِيَّة ف 24 وَمَا بَعْدَهَا)
الْعَيْبُ فِي الْهَدْيِ:
44 - الْهَدْيُ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا غَيْرَ وَاجِبٍ فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَيَّبَ بِعَيْبٍ يَمْنَعُ الإِْجْزَاءَ أَوْ عَطَبٍ أَوْ ضَل لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ نَوَى الصَّدَقَةَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ (101) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا ثُمَّ ضَلَّتْ، فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نَذْرٍ فَلْيُبْدِل وَفِي رِوَايَةٍ قَال: مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً تَطَوُّعًا فَعَطِبَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلٌ، وَإِنْ كَانَ نَذْرًا فَعَلَيْهِ الْبَدَل (102) . وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا بِالنَّذْرِ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ وَاجِبًا بِغَيْرِهِ، كَهَدْيِ التَّمَتُّعِ، أَوْ بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْل مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَتَعَيَّبَ أَوْ عَطِبَ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَبْحُهُ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (هَدْي) .
الْعَيْبُ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْخُوذِ فِي الزَّكَاةِ:
45 - الْحَيَوَانُ الْمُصَابُ بِعَيْبٍ كَالْعَمَى وَالْعَوَرِ وَالْهَرَمِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُيُوبِ، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَخْذِهِ فِي الزَّكَاةِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ حَيَوَانَاتِ النِّصَابِ إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا مَعِيبَةً فَإِنَّ فَرْضَ الزَّكَاةِ يُؤْخَذُ مِنَ الْمَعِيبِ، وَيُرَاعَى الْوَسَطُ، وَلاَ يُكَلَّفُ رَبُّ الْمَال شِرَاءَ صَحِيحَةٍ لإِِخْرَاجِهَا فِي الزَّكَاةِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا بِقَوْل الرَّسُول ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ - إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَال لَهُ إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ (103) وَقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْغَاضِرِيِّ مِنْ غَاضِرَةِ قَيْسٍ ﵁ وَفِيهِ: وَلاَ يُعْطِي الْهَرِمَةَ وَلاَ الدَّرَنَةَ، وَلاَ الْمَرِيضَةَ، وَلاَ الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ (104) .
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَخْذَ الصَّحِيحَةِ عَنِ الْمِرَاضِ إِخْلاَلٌ بِالْمُوَاسَاةِ، وَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُوَاسَاةِ (105) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُجْزِئُ إِلاَّ صَحِيحَةٌ، فَفِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ: وَلاَ يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الْحَيَوَانِ مَعِيبَةً كَتَيْسٍ وَهَرِمَةٍ وَلاَ ذَاتِ عَوَارٍ - بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْعَيْبُ - وَإِنَّمَا يَأْخُذُ فِي الزَّكَاةِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةُ النَّسْل، فَمَا كَانَ مِنَ الأَْنْعَامِ مَرِيضًا أَوْ جَرِبًا أَوْ أَعْوَرَ فَلَيْسَ عَلَى الْمُصَدِّقِ أَخْذُهُ، إِلاَّ أَنْ يَرَى الْمُصَدِّقُ أَنَّهَا أَغْبَطُ وَأَفْضَل مِمَّا يُجْزِئُ عَنْهُ مِنَ الصَّحِيحِ فَإِنَّ لَهُ أَخْذَهَا، وَيُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتِ الْغَنَمُ كُلُّهَا تُيُوسًا أَوْ هَرِمَةً أَوْ ذَاتَ عَوَارٍ فَإِنَّ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمَا يُجْزِئُ.
وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ عَلَى عَدَمِ الأَْخْذِ مِنَ الأَْنْعَامِ الْمَعِيبَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} (106) .
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ السَّلاَمَةُ كَالضَّحَايَا (107) .
وَنُقِل عَنْ الإِْمَامِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَوْلُهُ: يُحْسَبُ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ كُل ذَاتِ عَوَارٍ، وَلاَ يَأْخُذُ مِنْهَا، وَالْعَمْيَاءُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ، وَلاَ تُؤْخَذُ مِنْهَا وَلاَ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ (108) .
وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَتْ حَيَوَانَاتُ النِّصَابِ كُلُّهَا مَرِيضَةً مَعِيبَةً، أَمَّا إِذَا كَانَتْ صَحِيحَةً فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْمَعِيبَةِ عَنِ الصَّحِيحَةِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مَعِيبًا وَبَعْضُهَا صَحِيحًا لاَ يُقْبَل إِلاَّ الصَّحِيحُ عَنْهَا فِي الزَّكَاةِ (109) .
__________
(1) لسان العرب، القاموس المحيط، وأحكام القرآن للقرطبي 11 / 34.
(2) تهذيب الأسماء واللغات 4 / 53.
(3) لسان العرب، بلغة السالك لأقرب المسالك 2 / 81.
(4) لسان العرب، المصباح المنير، وصحيح مسلم بشرح النووي 1 / 56.
(5) لسان العرب، تهذيب الأسماء واللغات 4 / 58 والمفردات للراغب. .
(6) لسان العرب، وسبل السلام 3 / 46.
(7) رد المحتار 4 / 71، والمغني لابن قدامة 4 / 168.
(8) حاشية القليوبي 2 / 198، 199.
(9) الشرح الصغير 3 / 152.
(10) الحرد: الغضب، والرمص: جمود الوسخ في موق العين، والدبر: قرحة الدابة والبعير، والفحج: تباعد ما بين أوساط ساقي الحيوان، والمشش: ورم يأخذ في مقدم عظم باطن الساق، والدخس: داء يأخذ في حافر الدابة، والجفل: شرود الدابة (لسان العرب) .
(11) الفتاوى الهندية 3 / 72، 73، وفتاوى قاضي خان على الهندية 2 / 194، حاشية الدسوقي 3 / 104، والمنتقى للباجي 4 / 188، ومغني المحتاج 2 / 51، وروضة الطالبين 3 / 460.
(12) المنتقى للباجي 4 / 189، 190 ط بيروت، ومواهب الجليل 4 / 434، وحاشية الدسوقي 3 / 102، 103.
(13) الفتاوى الهندية 3 / 73، 74، وروضة الطالبين 3 / 463.
(14) بدائع الصنائع 5 / 284، وروضة الطالبين 3 / 484، والمغني لابن قدامة 4 / 185، 186، والخرشي 5 / 130، 131.
(15) الخرشي 5 / 131.
(16) بدائع الصنائع 5 / 184، وروضة الطالبين 3 / 484، 485، والمغني لابن قدامة 4 / 186.
(17) الخرشي 5 / 131، حاشية الدسوقي 3 / 113، 114.
(18) روضة الطالبين 3 / 485.
(19) المغني لابن قدامة 4 / 186.
(20) بدائع الصنائع 5 / 284.
(21) الدسوقي 3 / 113، 114.
(22) كشاف القناع 3 / 224.
(23) تبيين الحقائق 4 / 231، 232، الدسوقي 3 / 108، مغني المحتاج 2 / 63، والمغني لابن قدامة 4 / 159.
(24) سورة النساء / 29.
(25) حديث: " الغلة بالضمان ". . أخرجه الحاكم (2 / 15) من حديث عائشة، وصححه ووافقه الذهبي.
(26) حديث: " الخراج بالضمان ". . أخرجه أبو داود (3 / 780) من حديث عائشة، وصححه ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (3 / 22) .
(27) حديث: " من غش فليس مني ". . أخرجه مسلم (1 / 99) .
(28) حديث: " من اشترى شاة محفلة فردها ". . أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 361) .
(29) المراجع السابقة. ونيل الأوطار 5 / 241.
(30) حديث: " لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا. . . ". . أخرجه ابن ماجه (2 / 755) والحاكم (2 / 10) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(31) حديث: " البيعان بالخيار. . . ". . أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 328) ومسلم (3 / 1164) .
(32) حديث: " من غشنا فليس منا ". . أخرجه مسلم (1 / 99) .
(33) تبيين الحقائق 4 / 31، حاشية الدسوقي 3 / 119، والمغني لابن قدامة 4 / 159، نيل الأوطار للشوكاني 5 / 239، ومغني المحتاج 2 / 63.
(34) حديث: " نهى عن التصرية ". . أخرجه مسلم (3 / 1155) من حديث أبي هريرة.
(35) تبيين الحقائق 2 / 31، حاشية الدسوقي 2 / 119، 120، وحاشية عميرة على المحلي 2 / 197، والمغني لابن قدامة 4 / 159. .
(36) رد المحتار 4 / 72، ترتيب الأشباه ص 263، الفتاوى الهندية 3 / 66، الدسوقي 3 / 129، المهذب 1 / 425، والمغني لابن قدامة 6 / 30، 31.
(37) بداية المجتهد 2 / 177، 184، والدسوقي 3 / 142، والحطاب 4 / 473.
(38) بدائع الصنائع 5 / 171، 172، والقوانين الفقهية ص270، وبداية المجتهد 2 / 160، وروضة الطالبين 3 / 470، 471، وشرح الروض 2 / 63، والمغني لابن قدامة 4 / 197.
(39) حاشية الدسوقي 3 / 91، والمهذب للشيرازي 1 / 284، والمغني لابن قدامة 4 / 273.
(40) فتح القدير 6 / 403، بدائع الصنائع 5 / 288، روضة الطالبين 3 / 478. . وحديث: " جعل مشتري المصراة بالخيار ". . أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 361) ومسلم (3 / 1155) من حديث أبي هريرة.
(41) بدائع الصنائع 5 / 287.
(42) روضة الطالبين 3 / 486.
(43) حاشية الدسوقي 3 / 121 - 123، بداية المجتهد 2 / 155، والشرح الصغير 3 / 182، 183.
(44) حاشية الدسوقي 3 / 121، الشرح الصغير 3 / 182، 183، بداية المجتهد لابن رشد 2 / 155.
(45) الشرح الصغير 3 / 184.
(46) حاشية الدسوقي 3 / 122، 123.
(47) المغني 4 / 162، 163، وكشاف القناع 3 / 218، 225.
(48) المغني لابن قدامة 4 / 162، 163، كشاف القناع 3 / 218، 225.
(49) المبسوط 14 / 68، والفتاوى الهندية 3 / 238، وتكملة المجموع 10 / 121، والمغني لابن قدامة 4 / 166 - 167.
(50) شرح الخرشي 5 / 45، والشرح الصغير4 / 72.
(51) شرح الخرشي 5 / 45، حاشية الصاوي على الشرح الصغير 4 / 72 - 73.
(52) المغني لابن قدامة 4 / 167.
(53) الفتاوى الهندية 3 / 238.
(54) المغني لابن قدامة 4 / 168.
(55) تكملة المجموع 10 / 121، والمغني 4 / 168.
(56) الفتاوى الهندية 3 / 238، تكملة المجموع 10 / 126 - 127، المغني لابن قدامة 4 / 168.
(57) المغني لابن قدامة 4 / 168.
(58) المبسوط 14 / 67.
(59) المنتقى للباجي 4 / 275.
(60) الأم 3 / 43، الشرح الكبير لابن قدامة بذيل المغني 4 / 31.
(61) تكملة المجموع 10 / 121.
(62) المغني لابن قدامة 4 / 167.
(63) حاشية الدسوقي 3 / 38، والشرح الصغير 4 / 73 - 74.
(64) الشرح الكبير لابن قدامة بذيل المغني 4 / 38.
(65) تكملة المجموع شرح المهذب 10 / 125.
(66) المغني لابن قدامة 4 / 169.
(67) الفتاوى الهندية 3 / 238، الجامع الكبير لمحمد بن الحسن ص228.
(68) الفتاوى الهندية 3 / 238، تكملة المجموع 10 / 127، المغني لابن قدامة 4 / 169.
(69) تكملة المجموع 10 / 126، المغني لابن قدامة 4 / 169.
(70) الفتاوى الهندية 3 / 138، تكملة المجموع 10 / 125، المغني لابن قدامة 4 / 169
(71) تكملة المجموع 10 / 127.
(72) المبسوط للسرخسي 14 / 68، حاشية الصاوي على الشرح الصغير 4 / 71، الأم للشافعي 3 / 43، تكملة المجموع 10 / 119، المغني لابن قدامة 4 / 165.
(73) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 4 / 71، تكملة المجموع 10 / 119، المغني لابن قدامة 4 / 165.
(74) الفتاوى الهندية 3 / 238.
(75) الفتاوى الهندية 3 / 237، المغني لابن قدامة 4 / 265.
(76) بدائع الصنائع 7 / 3156، 3157، حاشية الدسوقي 3 / 36، المهذب 1 / 276، تكملة المجموع 10 / 107، المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير 4 / 170 - 171.
(77) بدائع الصنائع 5 / 205 ط بيروت.
(78) المهذب 2 / 279، المغني لابن قدامة 4 / / 170.
(79) بدائع الصنائع 5 / 205.
(80) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 4 / 72، 73.
(81) المهذب 1 / 279.
(82) المهذب 1 / 279، والمغني 4 / 170.
(83) بدائع الصنائع 5 / 205.
(84) حاشية الدسوقي 3 / 37.
(85) المراجع السابقة.
(86) الفتاوى الهندية 3 / 236، بدائع الصنائع 5 / 206.
(87) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 38 - 39 والشرح الصغير 4 / 75، 76.
(88) القواعد لابن رجب ص383، شرح منتهى الإرادات 2 / 206.
(89) حاشية الدسوقي 3 / 197، المدونة الكبرى 9 / 30.
(90) بدائع الصنائع 5 / 205 ط بيروت، فتح العزيز 9 / 245، المغني لابن قدامة 4 / 337.
(91) رد المحتار 4 / 63، المغني لابن قدامة 5 / 435، بداية المجتهد لابن رشد 2 / 193.
(92) الفتاوى الهندية 5 / 225، الخرشي 4 / 414، نهاية المحتاج 8 / 276، المغني لابن قدامة 11 / 509.
(93) بدائع الصنائع 6 / 5335، الفتاوى الهندية 4 / 261.
(94) جواهر الإكليل 2 / 105.
(95) مغني المحتاج 2 / 177.
(96) كشاف القناع 3 / 400.
(97) بدائع الصنائع 7 / 155، وحاشية الدسوقي 3 / 152، ومغني المحتاج 2 / 287، والمهذب 1 / 369، والمغني لابن قدامة 5 / 260.
(98) رد المحتار 2 / 123، والخرشي 3 / 73، ومغني المحتاج 3 / 202، والمهذب 2 / 48، والمغني والشرح الكبير 7 / 582، ونيل الأوطار للشوكاني 6 / 176 ط الحلبي.
(99) حديث:: " " أربع لا تجوز في الأضاحي. . . " ". أخرجه أبو داود 3 / 235، والترمذي 4 / 86، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي:: حديث حسن صحيح.
(100) بدائع الصنائع 5 / 75، حاشية الدسوقي 2 / 125، بداية المجتهد لابن رشد 1 / 430، القوانين الفقهية ص 127، وروضة الطالبين 3 / 216، المغني لابن قدامة 3 / 553.
(101) فتح القدير 3 / 83، والدسوقي 2 / 882، وروضة الطالبين 3 / 211، وكشاف القناع 3 / 15.
(102) حديث:: " " من أهدى تطوعًا. . . " ". أخرجه البيهقي 5 / 244 بروايتيه، وصوب وقفه على ابن عمر.
(103) حديث:: " " إياك وكرائم أموالهم " ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 357) ، ومسلم (11 / 50) .
(104) حديث:: " " ولا يعطي الهرمة. . . " " أخرجه أبو داود (3 / 240) .
(105) فتح القدير 2 / 247، الأم 2 / 5، المغني لابن قدامة 2 / 600.
(106) سورة البقرة / 267.
(107) المنتقى للباجي 2 / 130، 134، حاشية الدسوقي 2 / 435.
(108) المدونة الكبرى 1 / 312.
(109) المغني لابن قدامة 2 / 600.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 81/ 31