البصير
(البصير): اسمٌ من أسماء الله الحسنى، يدل على إثباتِ صفة...
الصُّلْحُ مِنْ الْكُفَّارِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ، مُدَّةً مُعَيَّنَةً بعِوَضٍ، أَوْ غير عوض . ومن شواهده قولهم : "أَمَّا عَقْدُ الْهُدْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْكُفَّارِ فَجَائِزٌ عَلَى مَا مَضَى مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ لِمُدَّةٍ، وَمُطْلَقًا إلَيْهِمْ لِغَيْرِ مُدَّةٍ . "
السكون وانتقاض عزم الرجل لخبر يأتيه، يقال: هدن الشخص، يهدن، هدونا: إذا سكن بعد الهيج. وأصل الكلمة يدل على سكون واستقامة. وتأتي الهدنة بمعنى التصالح بين الشخصين، فيقال: هادنت الرجل، مهادنة، أي: صالحته. ومن معانيها أيضا: المسالمة والموادعة، والمعاهدة.
هدن
عقد إمام أو نائبه صلحا على ترك القتال مع غير المسلمين بعوض أو بغير عوض مدة معلومة بقدر الحاجة.
الهدنة: هي أن يعقد لأهل الحرب عقد على ترك القتال مدة بمال أو بغير مال، وتسمى: مهادنة وموادعة ومعاهدة. ويرى جمهور أهل العلم أنه يجوز موادعة أهل الحرب عشر سنين، كما وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة، ويجوز أن تكون المدة أقل من ذلك أو أكثر أو دون تحديد ما دامت مصلحة المسلمين في ذلك. والمهادنة بين أهل الإسلام وبين أهل الكفر لا تعني محبتهم أو محبة دينهم؛ بل هي من الأمور الجائزة بين المسلمين والكفار لمصلحة الإسلام والمسلمين.
السكون، يقال: هدن الشخص، يهدن، هدونا: إذا سكن بعد الهيج. وتأتي الهدنة بمعنى التصالح بين الشخصين.
الصُّلْحُ مِنْ الْكُفَّارِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ، مُدَّةً مُعَيَّنَةً بعِوَضٍ، أَوْ غير عوض.
* تهذيب اللغة : (6/114)
* مقاييس اللغة : (6/41)
* المحكم والمحيط الأعظم : (4/261)
* مختار الصحاح : (ص 325)
* لسان العرب : (13/434)
* تاج العروس : (36/279)
* الاختيار لتعليل المختار : (4/120)
* مواهب الجليل في شرح مختصر خليل : (3/360)
* مغني الـمحتاج فـي شرح الـمنهاج : (4/260)
* كشاف القناع عن متن الإقناع : (3/111)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 493)
* القاموس الفقهي : (ص 366)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (42/205)
* الفتاوى الهندية : (2/197)
* جواهر الإكليل : (1/269)
* نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج : (8/100)
* مطالب أولي النهى : (2/585) -
التَّعْرِيف:
1 - الْهُدْنَةُ فِي اللُّغَةِ: السُّكُونُ: مَأْخُوذٌ مِنْ هَدَنَ الأَْمْرُ، أَوِ الشَّخْصُ يَهْدِنُ هُدُونًا. سَكَنَ بَعْدَ الْهَيْجِ، وَيُقَال: هَادَنَهُ مُهَادَنَةً: صَالَحَهُ (1) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِتَعَارِيفَ مُتَقَارِبَةٍ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هِيَ الصُّلْحُ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مُدَّةً بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ إِذَا رَأَى الإِْمَامُ مَصْلَحَةً فِي ذَلِكَ (2) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: هِيَ عَقْدُ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَيْسَ هُوَ فِيهَا تَحْتَ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ (3) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهَا مُصَالَحَةُ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مُدَّةً مُعَيَّنَةً بَعِوَضٍ أَوْ غَيْرِ عِوَضٍ، سَوَاءٌ مَنْ يُقَرُّ بِدِينِهِ وَمَنْ لاَ يُقَرُّ بِهِ (4) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ هِيَ: عَقْدُ إِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِقَدْرِ الْحَاجَّةِ (5) .
وَتُسَمَّى الْهُدْنَةُ مُوَادَعَةً، وَمُعَاهَدَةً، وَمُسَالَمَةً وَمُصَالَحَةً.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْمَانُ:
2 - الأَْمَانُ فِي اللُّغَةِ: عَدَمُ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الزَّمَنِ الآْتِي.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: رَفْعُ اسْتِبَاحَةِ دَمِ الْحَرْبِيِّ وَرِقِّهِ وَمَالِهِ حِينَ قِتَالِهِ، أَوِ الْعَزْمُ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ مُدَّةً مَا (6) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهُدْنَةِ وَالأَْمَانِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَأْمِينَ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ.
ب - عَقْدُ الذِّمَّةِ:
3 - عَقْدُ الذِّمَّةِ هُوَ الْتِزَامُنَا لِلْكُفَّارِ صِيَانَةَ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ نَشْتَرِطُهَا عَلَيْهِمْ (7) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهُدْنَةِ وَعَقْدِ الذِّمَّةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفِيدُ الأَْمَانَ إِلاَّ أَنَّ الْهُدْنَةَ أَمَانٌ مُؤَقَّتٌ، وَعَقْدَ الذِّمَّةِ أَمَانٌ مُؤَبَّدٌ.
مَشْرُوعِيَّةُ الْهُدْنَةِ:
4 - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْهُدْنَةِ فِي الْجُمْلَةِ (8) وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهَا: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ، وَإِجْمَاعُ الأُْمَّةِ.
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {فَسِيحُوا فِي الأَْرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَْكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُل مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ} {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (9) } . وَقَوْلُهُ ﷿: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا (10) } .
وَمِنَ السُّنَّةِ: مُهَادَنَتُهُ ﷺ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرَ سِنِينَ (11) .
أَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدَ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمُوَادَعَةِ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجُمْلَةِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ لاَ وَاجِبَةٌ، وَقَدْ تَجِبُ لِضَرُورَةٍ كَأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهَا إِلْحَاقُ ضَرَرٍ بِالْمُسْلِمِينَ لاَ يُتَدَارَكُ (12) . شُرُوطُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ:
يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ شُرُوطٌ وَهِيَ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ:
5 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ لَهُ وِلاَيَةُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ عَلَى رَأْيَيْنِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ لِلْهُدْنَةِ هُوَ الإِْمَامَ أَوْ نَائِبَهُ. فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَعْقِدَهَا غَيْرُ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَادَنَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِنَفْسِهِ (13) وَهَادَنَ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةِ بِنَفْسِهِ (14) ، وَأَمَّنَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ عَامَ الْفَتْحِ بِنَفْسِهِ (15) .
وَلأَِنَّ الإِْمَامَ لإِِشْرَافِهِ عَلَى جَمِيعِ الأُْمُورِ الْعَامَّةِ أَعْرَفُ بِمَصَالِحِهَا مِنْ أَشْتَاتِ النَّاسِ، وَلأَِنَّ تَجْوِيزَهُ لِغَيْرِهِ يَتَضَمَّنُ تَعْطِيل الْجِهَادِ، وَفِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الإِْمَامِ (16) .
وَلأَِنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ بِصِفَةِ الإِْمَامَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ كَالتَّبْلِيغِ، وَالْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَكُل مَا تَصَرَّفَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِصِفَةِ الإِْمَامَةِ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ؛ وَلأَِنَّ سَبَبَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِوَصْفِ الإِْمَامَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ (17) ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرُ الإِْمَامِ بِالْوِلاَيَةِ أَنْفَذَ، وَهُوَ عَلَى التَّدْبِيرِ وَالْحِرَاسَةِ أَقْدَرُ، فَإِنِ اسْتَنَابَ فِي عَقْدِهَا مِنْ أَمْرِهِ صَحَّ لأَِنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ رَأْيِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُبَاشِرَهَا بِنَفْسِهِ لأَِنَّهُ عَامُّ النَّظَرِ، فَلَمْ يَفْرُغْ لِمُبَاشَرَةِ كُل عَمَلٍ، فَإِنِ اسْتَنَابَ فِيهَا مَنْ فَوَّضَ عَقْدَهَا إِلَى رَأْيِهِ جَازَ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ، وَكَانَ عَقْدُهَا مَنْسُوبًا إِلَى الْمُسْتَنَابِ الْمُبَاشِرِ، وَمِنْ قَبْلِهِ مَنْسُوبًا إِلَى الْمُسْتَنِيبِ الآْمِرِ، وَهُمَا فِي اللُّزُومِ سَوَاءٌ، وَلِخَبَرِ: إِنَّمَا الإِْمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَل مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ (18) ، وَقَال الْخَطَّابِيُّ: وَمَعْنَاهُ أَنَّ الإِْمَامَ هُوَ الَّذِي يَعْقِدُ الْعَهْدَ وَالْهُدْنَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْل الشِّرْكِ، فَإِنْ رَأَى ذَلِكَ صَلاَحًا وَهَادَنَهُمْ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيزُوا أَمَانَهُ (19) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَمَّا وُلاَةُ الثُّغُورِ فَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ يَتَضَمَّنُ الْجِهَادَ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْقِدَ هُدْنَةً إِلاَّ قَدْرَ الاِسْتِرَاحَةِ فِي السَّنَةِ: وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سَنَةً؛ لأَِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَ فِي كُل سَنَةٍ.
وَفِيمَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَسَنَةٍ قَوْلاَنِ؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ عَنِ الْجِهَادِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ هُدْنَةٍ فَكَانَ مَعَ الْهُدْنَةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ.
وَإِنْ تَضَمَّنْ تَقْلِيدُ وَالِي الثُّغُورِ الْعَمَل بِرَأْيِهِ فِي الْجِهَادِ وَالْمُوَادَعَةِ جَازَ أَنْ يَعْقِدَ الْهُدْنَةَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا لِدُخُولِهَا فِي وِلاَيَتِهِ، وَالأَْوْلَى أَنْ يَسْتَأْذِنَ الإِْمَامَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنِ انْعَقَدَتْ (20) .
هَذَا فِي مُهَادَنَةِ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا أَوْ أَهْل إِقْلِيمٍ كَبِيرٍ، وَيَجُوزُ لِوَالِي الإِْقْلِيمِ الْمُهَادَنَةُ مَعَ أَهْل بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ فِي إِقْلِيمِهِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَكَأَنَّهُ مَأْذُونٌ. فِيهِ بِتَفْوِيضِ مَصْلَحَةِ الإِْقْلِيمِ إِلَيْهِ (21) .
الرَّأْيُ الثَّانِي - لِلْحَنَفِيَّةِ -: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ إِذْنُ الإِْمَامِ لِلْمُوَادَعَةِ، فَيَجُوزُ عَقْدُ الْمُوَادَعَةِ لِفَرِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يَجُوزُ لِلإِْمَامِ وَنَائِبِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ وُجُودُ الْمَصْلَحَةِ فِي عَقْدِهَا؛ فَحَيْثُ وُجِدَتْ جَازَتْ، وَلأَِنَّ مُوَادَعَةَ الْمُسْلِمِينَ أَهْل الْحَرْبِ جَائِزَةٌ بِالاِتِّفَاقِ كَإِعْطَاءِ الأَْمَانِ مَثَلاً وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْمُوَادَعَةِ (22) .
وَفَرَّعُوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بَعْضَ الأَْحْكَامِ وَقَالُوا: لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا وَادَعَ أَهْل حَرْبٍ سَنَةً عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ جَازَتْ مُوَادَعَتُهُ وَلاَ يَحِل لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْزُوهُمْ، وَإِنْ قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ غَرِمُوا دِيَتَهُ لأَِنَّ مُوَادَعَةَ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ مُوَادِعَتِهِمْ جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الإِْمَامُ حَتَّى مَضَتْ سَنَةٌ أَمْضَى مُوَادَعَتَهُ وَأَخَذَ الْمَال فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَال لأَِنَّ مَنْفَعَةَ الْمُسْلِمِينَ مُتَعَيِّنَةٌ فِي إِمْضَاءِ الْمُوَادَعَةِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ وَلأَِنَّهُ أَخَذَ الْمَال بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ خَوْفَ أَهْل الْحَرْبِ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لاَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِهَذَا يَأْخُذُ الإِْمَامُ الْمَال مِنَ الْعَاقِدِ فَيَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَال.
وَإِنْ عَلِمَ الإِْمَامُ مُوَادَعَتَهُ قَبْل مُضِيِّ السَّنَةِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي إِمْضَاءِ تِلْكَ الْمُوَادَعَةِ أَمْضَاهَا وَأَخَذَ الْمَال فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يُنْشِئَ الْمُوَادَعَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهَا؛ فَلأََنْ يُمْضِيَهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ أَوْلَى. فَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إِبْطَالِهَا رَدَّ الْمَال إِلَيْهِمْ ثُمَّ نَبَذَ إِلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَقَاتَلَهُمْ؛ لأَِنَّ أَمَانَ الْمُسْلِمِ كَانَ صَحِيحًا وَالتَّحَرُّزَ عَنِ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. فَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى نِصْفُ السَّنَةِ فَفِي الْقِيَاسِ: يَرُدُّ نِصْفَ الْمَال وَيُمْسِكُ النِّصْفَ الآْخَرَ لِلْمُسْلِمِينَ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُل، وَقِيَاسًا بِالْمُوَادَعَةِ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَقِيَاسًا عَلَى الإِْجَارَةِ. فَهُنَاكَ إِذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ سَقَطَ مِنَ الأُْجْرَةِ مَا بَقَّى وَيَتَقَرَّرُ بِحِسَابِ مَا مَضَى. وَفِي الاِسْتِحْسَانِ يَرُدُّ الْمَال كُلَّهُ؛ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا الْمَال إِلاَّ بِشَرْطِ أَنْ تُسَلَّمَ الْمُوَادَعَةُ لَهُمْ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَالْجَزَاءُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ جُمْلَةً وَلاَ يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَائِهِ، وَكَلِمَةُ " عَلَى " لِلشَّرْطِ حَقِيقَةً، وَالْمُوَادَعَةُ فِي الأَْصْل لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، قَالُوا: فَجَعَلْنَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِيهَا عَامِلَةً بِحَقِيقَتِهَا. فَإِذَا لَمْ تُسَلَّمْلَهُمُ الْمُوَادَعَةُ سَنَةً كَامِلَةً وَجَبَ رَدُّ الْمَال كُلِّهِ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا لأَِنَّهُمْ رُبَّمَا يَكُونُ خَوْفُهُمْ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ دُونَ بَعْضٍ، قَدْ يَأْمَنُونَ مَثَلاً الشِّتَاءَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ الْعَدُوُّ دُونَ الصَّيْفِ وَيَخَافُونَ ذَلِكَ فِي الصَّيْفِ، فَإِذَا نَبَذَ الْعَهْدَ إِلَيْهِمْ فِي وَقْتِ خَوْفِهِمْ وَمَنَعَ مِنْهُمْ بَعْضَ الْمَال لَمْ يَحْصُل لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ مَقْصُودِهِمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْغُرُورِ فَيَرُدُّ الْمَال كُلَّهُ إِنْ نَبَذَ إِلَيْهِمُ الْعَهْدَ قَبْل مُضِيِّ الْمُدَّةِ.
وَإِنْ كَانُوا وَادَعُوهُ ثَلاَثَ سِنِينَ كُل سَنَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَقُبِضَ الْمَال كُلُّهُ، ثُمَّ أَرَادَ الإِْمَامُ نَقْضَ الْمُوَادَعَةِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمُ الثُّلُثَيْنِ لأَِنَّ الْمُوَادَعَةَ كَانَتْ هُنَا بِحَرْفِ " الْبَاءِ " وَهُوَ يَصْحَبُ الأَْعْوَاضَ فَيَكُونُ الْمَال عِوَضًا فَيَنْقَسِمُ عَلَى الْمُعَوَّضِ بِاعْتِبَارِ الأَْجْزَاءِ (23) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: الْمَصْلَحَةُ:
6 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَكْفِي انْتِفَاءُ الْمَفْسَدَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَادَعَتِهِمْ بِلاَ مَصْلَحَةٍ وَلاَ حَاجَةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَْعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (24) } . وَالْمَصْلَحَةُ الْمُبِيحَةُ عَقْدَ الْمُوَادَعَةِ هِيَ كُل مَا يُحَقِّقُ لِلْمُسْلِمِينَ غَرَضًا مَقْصُودًا شَرْعًا، بِأَنْ يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ مِنْ قِلَّةِ عَدَدٍ أَوْ عُدَّةٍ أَوْ مَالٍ، وَالْعَدُوُّ قَوِيٌّ، أَوْ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ وَفِي الْمُوَادَعَةِ مَصْلَحَةٌ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ: بِأَنْ يُرْجَى إِسْلاَمُهُمْ بِالْمُوَادَعَةِ بِاخْتِلاَطِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُطْمَعَ فِي قَبُولِهِمْ بَذْل الْجِزْيَةِ، أَوْ يَكُفُّوا عَنْ مَعُونَةِ عَدُوٍّ ذِي شَوْكَةٍ، أَوْ يُعِينُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَال غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ، فَإِنْ لَمْ تَدْعُ إِلَى عَقْدِهَا حَاجَةٌ فَلاَ يَجُوزُ عَقْدُهَا بِالاِتِّفَاقِ (25) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: تَعْيِينُ مُدَّةِ الْهُدْنَةِ:
7 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ تَحْدِيدِ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِصِحَّةِ الْهُدْنَةِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهَا لاَ تَنْعَقِدُ مُطْلَقَةً؛ لأَِنَّ إِطْلاَقَهَا بِلاَ تَحْدِيدِ مُدَّتِهَا يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِ الْجِهَادِ (26) . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ لاَ حَدَّ وَاجِبٌ لِمُدَّةِ الْهُدْنَةِ بَل هِيَ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِ الإِْمَامِ وَرَأْيِهِ؛ إِذْ شَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ فِي مُدَّةٍ بِعَيْنِهَا لاَ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلاَ عَلَى الإِْبْهَامِ، ثُمَّ تِلْكَ الْمُدَّةُ لاَ حَدَّ لَهَا بَل يُعَيِّنُهَا الإِْمَامُ بِاجْتِهَادِهِ.
لَكِنْ يُنْدَبُ أَنْ لاَ تَزِيدَ الْمُدَّةُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لاِحْتِمَال حُصُول قُوَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا إِذَا اسْتَوَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَغَيْرِهَا وَإِلاَّ تَعَيَّنَ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ (27) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ إِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ بِقُوَّةٍ وَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي عَقْدِهَا رَجَاءَ إِسْلاَمِهِمْ أَوْ بَذْلِهِمُ الْجِزْيَةَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ، غَيْرَ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ وَمَا دُونَهَا إِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَادَنَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ عَامَ الْفَتْحِ رَجَاءَ إِسْلاَمِهِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي قُوَّةٍ، وَهَادَنَ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَكَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ.
وَقَالُوا: إِنْ زَادَ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَعَلَى الْعَشْرِ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لأَِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ عَنْ حَظْرٍ فَوَجَبَ الاِقْتِصَارُ عَلَى مُدَّةِ الاِسْتِثْنَاءِ وَالتَّخْصِيصِ؛ لأَِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ مُدَّةُ الأَْرْبَعَةِ الأَْشْهُرِ وَمُدَّةُ الْعَشْرِ سِنِينَ، لِمُصَالَحَةِ النَّبِيِّ ﷺ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَقُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ، وَفِيمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ. فَعَلَيْهِ إِنْ زَادَ الإِْمَامُ الْمُدَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى، وَعَلَى الْعَشْرِ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ بَطَل الْعَقْدُ فِي الزَّائِدِ، وَفِي بُطْلاَنِهَا عَلَى الْجَائِزِ قَوْلاً: تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فِي عَقْدِهَا؛ لأَِنَّهُ جَمَعَ فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ بَيْنَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَمَا لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ، أَظْهَرُهُمَا الْمَنْصُوصُ: يَبْطُل بِالزَّائِدِ فَقَطْ، تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ، وَالْقَوْل الآْخَرُ: يَبْطُل الْعَقْدُ كُلُّهُ (28) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى رَأَى الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ الْمَصْلَحَةَ فِي عَقْدِهَا لِضَعْفٍ فِي الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْقِتَال، أَوْ لِمَشَقَّةِ الْغَزْوِ أَوْ لِطَمَعِهِ فِي إِسْلاَمِهِمْ، أَوْ فِي أَدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ جَازَ لَهُ عَقْدُهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً؛ لأَِنَّ مَا وَجَبَ تَقْدِيرُهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَلَوْ فَوْقَ عَشْرِ سِنِينَ؛ لأَِنَّهَا تَجُوزُ فِي أَقَل مِنْ عَشْرٍ، فَجَازَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا كَمُدَّةِ الإِْجَارَةِ، وَلأَِنَّهُ إِنَّمَا جَازَ عَقْدُهَا لِلْمَصْلَحَةِ فَحَيْثُ وُجِدَتْ جَازَتْ تَحْصِيلاً لِلْمَصْلَحَةِ. وَإِنْ هَادَنَهُمْ مُطْلَقًا بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّ الإِْطْلاَقَ يَقْتَضِي التَّأْيِيدَ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (29) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الْمُوَادَعَةِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنِ الْمُدَّةِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِذَا رَأَى الإِْمَامُ أَنْ يُصَالِحَ أَهْل الْحَرْبِ أَوْ فَرِيقًا مِنْهُمْ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الصُّلْحِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلاَ بَأْسَ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ (30) } وَالآْيَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً لَكِنْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَقْيِيدِهَا بِرُؤْيَةِ مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ بِآيَةٍ أُخْرَى هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَْعْلَوْنَ (31) } وَوَادَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَهْل مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَضَعَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَلاَ يَقْتَصِرَ جَوَازُ الْمُوَادَعَةِ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ لِتَعَدِّي الْمَعْنَى - وَهُوَ حَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ - أَوْ ثُبُوتِ مَصْلَحَتِهِمْ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُمْ إِلَى مَا زَادَ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ مُدَّةَ الْمُوَادَعَةِ تَدُورُ مَعَ الْمَصْلَحَةِ، وَهِيَ قَدْ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ (32) .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: خُلُوُّ عَقْدِ الْهُدْنَةِ عَنْ شَرْطٍ فَاسِدٍ:
8 - لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْقِدَ الْهُدْنَةَ عَلَى شُرُوطٍ مَحْظُورَةٍ قَدْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا: كَأَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى خَرَاجٍ يَضْرِبُونَهُ عَلَى بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ الإِْمَامُ إِلَيْهِمْ أَوْ عَلَى رَدِّ مَا غَنِمَ مِنْ سَبِّيِ ذَرَارِيهِمْ؛ لأَِنَّهَا أَمْوَالٌ مَغْنُومَةٌ، أَوْ عَلَى دُخُول الْحَرَمِ أَوِ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ، أَوْ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال أَبَدًا. أَوْ عَلَى أَلاَّ يَسْتَنْقِذَ أَسْرَانَا مِنْهُمْ، فَهَذِهِ وَمَا شَاكَلَهَا شُرُوطٌ مَحْظُورَةٌ قَدْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا فَلاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، فَإِنْ شَرَطَ بَطَلَتِ الشُّرُوطُ وَعَلَى الإِْمَامِ نَقْضُهَا (33) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَْعْلَوْنَ (34) } وَلِقَوْل عُمَرَ ﵁: تُرَدُّ النَّاسُ مِنَ الْجَهَالاَتِ إِلَى السُّنَّةِ (35) . 9 - مِنْ أَمْثِلَةِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ اشْتِرَاطُ رَدِّ مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا مِنَ الْكُفَّارِ.
فَإِنْ شَرَطَ عَدَمَ الرَّدِّ أَوْ أَطْلَقَ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي عِقْدِ الْهُدْنَةِ رَدًّا وَلاَ عَدَمَهُ أَوْ خَصَّ بِالنِّسَاءِ فَلاَ رَدَّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ خَصَّ الرَّدَّ بِالرِّجَال، أَوْ ذَكَرَ الرَّدَّ وَلَمْ يُخَصَّصْ بِنَوْعٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الرَّدِّ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ رَدَّ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ بَطَل الشَّرْطُ وَلاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ (36) } هُوَ دَلِيل النَّسْخِ فِي حَقِّ الرِّجَال أَيْضًا، إِذْ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ، بَل مَفْسَدَةُ رَدِّ الْمُسْلِمِ إِلَيْهِمْ أَكْبَرُ، وَلاَ يَغْرَمُ لأَِزْوَاجِ الْمُسْلِمَاتِ مَا أَنْفَقُوا مِنْ مُهُورِهِنَّ، وَحِينَ شَرَعَ الرَّدَّ كَانَ فِي قَوْمٍ لاَ يُبَالِغُونَ فِي تَعْذِيبِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ؛ لأَِنَّ كُل قَبِيلَةٍ لاَ تَتَعَرَّضُ لِمَنْ فَعَل ذَلِكَ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى؛ وَإِنَّمَا تَتَوَلَّى رَدْعَهُ عَشِيرَتُهُ وَهُمْ لاَ يَبْلُغُونَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنَ الْقَيْدِ وَالسَّبِّ وَالإِْهَانَةِ. وَكَانَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ أَسْلَمُوا مِثْل أَبِي جَنْدَلٍ وَأَبِي بَصِيرٍ إِلَى سَبْعِينَ رَجُلاً وَلَمْ يَبْلُغْ فِيهِمُ الْمُشْرِكُونَ النِّكَايَةَ لِعَشِيرَتِهِمْ، وَالأَْمْرُ الآْنَ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ (37) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَهُ عَشِيرَةٌ تَطْلُبُهُ - إِلَى أَنَّهُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِالشَّرْطِ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال (38) ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُ أَبُو جَنْدَل بْنُ سُهَيْلٍ، فَقَال سُهَيْل بْنُ عَمْرٍو: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّل مَنْ أُقَاضِيكَ أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيَّ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لأَِبِي جَنْدَلٍ: " يَا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّا لاَ نَغْدِرُ، وَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا (39) . ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَرَدَّهُ (40) . ثُمَّ جَاءَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ فَجَاءَ أَخَوَاهَا فِي طَلَبِهَا: عُمَارَةُ وَوَلِيدٌ ابْنَا عُقْبَةَ (41) ، وَجَاءَتْ سَعِيدَةُ زَوْجَةُ الصَّيْفِيِّ الرَّاهِبِ الْمُشْرِكِ مَسْلَمَةً فَجَاءَ فِي طَلَبِهَا زَوْجُهَا، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ قَدْ شَرَطْتَ لَنَا رَدَّ النِّسَاءِ وَطِينُ الْكِتَابِ لَمْ يَجِفَّ بَعْدُ فَارْدُدْ عَلَيْنَا نِسَاءَنَا فَتَوَقَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَدِّهِنَّ تَوَقُّعًا لأَِمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِنَّ حَتَّى نَزَل قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (42) } . فَامْتَنَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ مِنْ رَدِّهِنَّ، وَمِنْ رَدِّ النِّسَاءِ كُلِّهِنَّ، وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ مَنَعَ الصُّلْحَ بِالنِّسَاءِ (43) .
وَتُفَارِقُ الْمَرْأَةُ الرَّجُل فِي ثَلاَثِ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا لاَ تَأْمَنُ أَنْ تَتَزَوَّجَ كَافِرًا يَسْتَحِلُّهَا، أَوْ يُكْرِهُهَا مَنْ يَنَال مِنْهَا.
الثَّانِي: إِنَّهَا رُبَّمَا فُتِنَتْ عَنْ دِينِهَا؛ لأَِنَّهَا أَضْعَفُ قَلْبًا وَأَقَل مَعْرِفَةً مِنَ الرَّجُل.
الثَّالِثُ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ يُمْكِنُهَا عَادَةً الْهَرَبُ وَالتَّخَلُّصُ، وَإِنَّ النِّسَاءَ ذَوَاتِ الأَْزْوَاجِ يُحَرَّمْنَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالإِْسْلاَمِ وَلاَ يَقْدِرْنَ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْهُمْ، فَلِهَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ فِي الرَّدِّ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ. فَإِنْ شَرَطَ رَدَّ النِّسَاءِ فِي الْعَقْدِ فَسَدَ الشَّرْطُ قَطْعًا سَوَاءٌ كَانَ لَهَا عَشِيرَةٌ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُ أَحَل حَرَامًا. وَكَذَا الْعَقْدُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَصِحُّ الْعَقْدُ (44) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ جَوَازَ اشْتِرَاطِ رَدِّ مَنْ جَاءَ مِنَ الرِّجَال مُسْلِمًا لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ بَل يُعْتَبَرُ بِأَحْوَالِهِمْ عِنْدَ قَوْمِهِمْ وَفِي عَشَائِرِهِمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ أَوْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى قَهْرِ طَالِبِيهِمْ وَالْهَرَبِ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانُوا مُسْتَذَلِّينَ فِيهِمْ لَيْسَ لَهُمْ عَشِيرَةٌ تَكُفُّ عَنْهُمُ الأَْذَى وَطَلَبُوهُمْ لِيُعَذِّبُوهُمْ وَيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، لَمْ يَجُزْ رَدُّهُمْ إِلَيْهِمْ. وَكَانَ الشَّرْطُ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ بِرَدِّهِمْ بَاطِلاً كَمَا بَطَل فِي رَدِّ النِّسَاءِ، حَقْنًا لِلدِّمَاءِ وَكَفًّا عَنْ تَعْذِيبِهِمْ وَاسْتِذْلاَلِهِمْ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ (45) ، وَلأَِنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ فَكُّ الأَْسِيرِ الْمُسْلِمِ وَجَبَ أَنْ لاَ يَكُونَ عَوْنًا عَلَى أَسْرِ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ قَدْ أَمِنَ أَنْ يُفْتَنَ عَنْ دِينِهِ أَوْ يَسْتَذِلَّهُ مُسْتَطِيلٌ عَلَيْهِ فَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ وَصَحَّتِ الْهُدْنَةُ بِاشْتِرَاطِ رَدِّهِ، فَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَبَا جَنْدَل بْنَ سُهَيْل بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ، وَرَدَّ أَبَا بَصِيرٍ عَلَى أَبِيهِ؛ لأَِنَّهُمَا كَانَ ذَوِي عَشِيرَةٍ، وَطَلَبَهُمَا أَهْلُوهُمَا إِشْفَاقًا عَلَيْهِمَا فِي زَعْمِهِمْ (46) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الصِّبْيَانَ وَالْمَجَانِينَ لاَ يَجُوزُ الصُّلْحُ بِشَرْطِ رَدِّهِمْ وَلاَ يُرَدُّونَ لِضَعْفِهِمْ وَلاَ غُرْمَ فِي تَرْكِ رَدِّهِمْ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ فَإِنْ وَصَفَا الإِْسْلاَمَ رُدَّا إِنْ كَانَا مُمْتَنِعَيْنِ بِعَشِيرَةٍ وَأَهْلٍ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَضْعَفَيْنِ لَمْ يُرَدَّا، وَإِنْ وَصَفَا كُفْرًا لاَ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمَا وَإِمَّا أَنْ يُرَدَّا إِلَى مَأْمَنِهِمَا، وَإِنْ وَصَفَا كُفْرًا يُقَرُّ أَهْلُهُ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمَا وَإِمَّا أَنْ يَقْبَلاَ الْجِزْيَةَ، وَإِمَّا أَنْ يُرَدَّا إِلَى مَأْمَنِهِمَا (47) .
وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ فِي صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ أَسْلَمَ لأَِنَّهُ مُسْلِمٌ يَضْعُفُ عَنِ التَّخَلُّصِ مِنَ الْكُفَّارِ؛ أَمَّا شَرْطُ رَدِّ الطِّفْل مِنْهُمْ لاَ يَصِحُّ إِسْلاَمُهُ كَكَوْنِهِ دُونَ التَّمْيِيزِ فَيَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ شَرْعًا وَلاَ يَصْحُّ مِنْهُ الإِْسْلاَمُ لَوْ أَتَى بِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ (48) . دَفْعُ مَهْرِ مَنْ جِئْنَ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ لأَِزْوَاجِهِنَّ:
10 - إِذَا شَرَطَ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ رَدَّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا مِنْهُمْ، أَوْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَذْكُرْ رَدًّا وَلاَ عَدَمَهُ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لَمْ يَجِبْ دَفْعُ مَهْرٍ لِزَوْجِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةِ - قَالُوا: لأَِنَّ الْبُضْعَ لَيْسَ بِمَالٍ حَتَّى يَشْمَلَهُ الأَْمَانُ وَلاِرْتِفَاعِ نِكَاحِهَا قَبْل الدُّخُول وَبَعْدَهُ بِالإِْسْلاَمِ، أَمَّا غُرْمُ النَّبِيِّ ﷺ الْمَهْرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِيعِ فَإِنَّهُ كَانَ قَبْل مَنْعِ رَدِّهِنَّ وَدُخُولِهِنَّ فِي عُمُومِ: مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا مِنْكُمْ رَدَدْنَاهُ (49) .
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ شَرَطَ لَهُمْ رَدَّ مَنْ جَاءَتْهُ مُسْلِمَةً ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ (50) } فَغَرِمَ حِينَئِذٍ لاِمْتِنَاعِ رَدِّهَا بَعْدَ الشَّرْطِ بِهِ نَصًّا، أَوْ دُخُولَهُنَّ فِي عُمُوم " مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا ".
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ: إِذَا أُمْسِكَتِ الْمُسْلِمَةُ وَلَمْ يَرُدَّهَا رَدَّ عَلَى زَوْجِهَا مَا أَنْفَقَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَءَاتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا (51) } ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَهْرُ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ، وَقَالُوا: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا أُمْسِكَتِ الزَّوْجَةُ الْمُسْلِمَةُ أَنْ يُرَدَّ عَلَى زَوْجِهَا مَا أَنْفَقَ وَفَاءً بِالْعَهْدِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا مُنِعَ مِنْ أَهْلِهِ بِحُرْمَةِ الإِْسْلاَمِ أُمِرَ بِرَدِّ الْمَال إِلَيْهِ؛ حَتَّى لاَ يَقَعَ عَلَيْهِ خُسْرَانٌ فِي الْوَجْهَيْنِ: الزَّوْجَةِ وَالْمَال؛ وَلأَِنَّ الْعَهْدَ قَدْ أَوْجَبَ الأَْمَانَ عَلَى الأَْمْوَال، وَبُضْعُ الزَّوْجَةِ فِي حُكْمِ الْمَال لِصِحَّةِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ نِكَاحًا وَخُلْعًا؛ فَاقْتَضَى أَنْ يَجِبَ بِالْمَنْعِ مِنْهُ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ وَهُوَ الْمَهْرُ (52) .
شَرْطُ رَدِّ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ مُرْتَدًّا:
11 - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الإِْمَامُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا مَنْ أَتَى إِلَيْهِمْ مُرْتَدًّا لَزِمَهُمُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا، ذَكَرًا كَانَ أَمْ أُنْثَى، عَمَلاً بِالْتِزَامِهِمْ فَإِنْ أَبَوْا فَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ لِمُخَالَفَتِهِمُ الشَّرْطَ.
وَيَجُوزُ شَرْطُ أَنْ لاَ يَرُدُّوا مَنْ جَاءَهُمْ مُرْتَدًّا مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمُشْرِكِينَ اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ ﷺ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ: أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَال الصَّحَابَةُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَال: نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَل اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا (53) ، وَحِينَئِذٍ فَلاَ يَلْزَمُهُمُ الرَّدُّ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ فَلاَ يَلْزَمُهُمُ الرَّدُّ، وَلَكِنْ يُغَرَّمُونَ مَهْرَ الْمُرْتَدَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ فَوَّتُوا عَلَيْنَا الاِسْتِتَابَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْنَا؛ وَكَذَلِكَ يُغَرَّمُونَ قِيمَةَ الرَّقِيقِ الْمُرْتَدِّ (54) .
عَقْدُ الْهُدْنَةِ بِشَرْطٍ مَحْظُورٍ لِلضَّرُورَةِ:
12 - يَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ عَقْدُ الْهُدْنَةِ بِشَرْطٍ مَحْظُورٍ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ بَذْل الْمَال لِلْكُفَّارِ.
فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ عَلَى مَالٍ يَبْذُلُهُ الْمُسْلِمُونَ لأَِهْل الْحَرْبِ مَا لَمْ تَدْعُ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعَزَّ الإِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ وَأَظْهَرَهُ عَلَى الأَْدْيَانِ كُلِّهَا وَجَعَل لَهُمُ الْجَنَّةَ قَاتِلِينَ وَمَقْتُولِينَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (55) } ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ ثَوَابِ الشَّهَادَةِ وَعِزِّ الإِْسْلاَمِ أَنْ يَدْخُلُوا فِي ذُل الْبَذْل وَصَغَارِ الدَّفْعِ، أَمَّا إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ فَيَجُوزُ (56) .
وَمِنْ صُوَرِ الضَّرُورَةِ:
أ - أَنْ يُحَاطَ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالٍ أَوْ وَطْءٍ يَخَافُونَ مَعَهُ الاِصْطِلاَمَ، فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَبْذُلُوا فِي الدَّفْعِ عَنِ اصْطِلاَمِهِمْ مَالاً يَحْقِنُونَ بِهِ دِمَاءَهُمْ، فَقَدَ هَمَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَامَ الْخَنْدَقِ أَنْ يُصَالِحَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ وَشَاوَرَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقَالاَ: إِنْ كُنْتَ أُمِرْتَ بِشَيْءٍ فَامْضِ لأَِمْرِ اللَّهِ، بِأَمْرِ اللَّهِ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ نَقْبَلْهُ (57) .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الْغَطَفَانِيَّ رَئِيسَ غَطَفَانَ قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ، شَاطِرْنَا تَمْرَ الْمَدِينَةِ. فَقَال: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ، فَبَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَسَعْدِ بْنِ خَيْثَمٍ وَسَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَقَال: " إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ الْحَارِثَ سَأَلَكُمْ تُشَاطِرُوهُ تَمْرَ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ عَامَكُمْ هَذَا فِي أَمْرِكُمْ بَعْدُ. فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، أَوَحْيٌ مِنَ السَّمَاءِ فَالتَّسْلِيمُ لأَِمْرِ اللَّهِ، أَوْ عَنْ رَأْيِكَ وَهَوَاكَ فَرَأَيْنَا نَتَّبِعُ هَوَاكَ وَرَأْيَكَ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ الإِْبْقَاءَ عَلَيْنَا فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتَنَا وَإِيَّاهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، مَا يَنَالُونَ مِنَّا تَمْرَةً إِلاَّ شِرَاءً أَوْ قِرًى. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هُوَ ذَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُونَ (58) ، هُوَ - وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِمْ - فَقَدْ نَبَّهَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الأَْنْصَارِ عَلَى جَوَازِ إِعْطَائِهِمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَلأَِنَّ مَا يَنَال الْمُسْلِمِينَ مِنْ نِكَايَةِ الاِصْطِلاَمِ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ ذِلَّةِ الْبَذْل، فَافْتَدَى بِهِ أَعْظَمَ الضَّرَرَيْنِ.
ب - افْتِدَاءُ مَنْ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الأَْسْرَى إِذَا خِيفَ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَكَانُوا يَسْتَذِلُّونَهُمْ بِعَذَابٍ أَوِ امْتِهَانٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَبْذُل لَهُمُ الإِْمَامُ فِي افْتِكَاكِهِمْ مَالاً لِيَسْتَنْقِذَهُمْ بِهِ مِنَ الذُّل، وَإِنِ افْتَدَاهُمْ بِأَسْرَى كَانَ أَوْلَى (59) .
وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَادَى رَجُلاً بِرَجُلَيْنِ (60) .
أَثَرُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ عَلَى عَقْدِ الْهُدْنَةِ:
13 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَسَادِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ عِنْدَ اقْتِرَانِهِ بِشَرْطٍ مِنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ شُرِطَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ شَرْطٌ فَاسِدٌ بَطَل الشَّرْطُ وَلاَ يَجِبِ الْوَفَاءُ بِهِ وَلاَ تَبْطُل الْهُدْنَةُ (61) لأَِنَّهَا لَيْسَتْ كَالْبُيُوعِ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي تَبْطُل بِفَسَادِ الشَّرْطِ؛ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنْ جَهَالَةِ الثَّمَنِ؛ وَلَيْسَتْ بِأَوْكَدَ مِنْ عُقُودِ الْمُنَاكَحَاتِ الَّتِي لاَ تَبْطُل بِفَسَادِ الْمَهْرِ (62) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ إِلَى فَسَادِ الشَّرْطِ وَالْعَقْدِ مَعًا، أَمَّا فَسَادُ الشَّرْطِ فَلأَِنَّهُ أَحَل حَرَامًا؛ وَأَمَّا فَسَادُ الْعَقْدِ فَلاِقْتِرَانِهِ بِشَرْطٍ مُفْسِدٍ (63) .
صِفَةُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ:
14 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ أَهُوَ لاَزِمٌ أَمْ جَائِزٌ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَإِنْ وَقَعَ صَحِيحًا فَلَيْسَ لِلإِْمَامِ الْعَاقِدِ وَلاَ لِلأَْئِمَّةِ بَعْدَهُ نَقَضُهُ، وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، أَوْ يَصْدُرَ مِنْهُمْ مَا يَقْتَضِي الاِنْتِقَاضَ مِنْ قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (64) } ، وَقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ (65) } فَإِذَا مَاتَ الإِْمَامُ الَّذِي عَقَدَ الْعَهْدَ أَوْ عُزِل فَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُ نَقْضُ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ الأَْوَّل عَقَدَهَا بِاجْتِهَادِهِ فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ الْعَقْدُ فَاسِدًا بِاجْتِهَادِ الإِْمَامِ الْجَدِيدِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُ أَحْكَامِ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ قَبْلَهُ بِاجْتِهَادِهِ. وَلأَِنَّهُ إِنْ لَمْ يَفِ بِالْعُهُودِ لَمْ يَسْكُنْ إِلَى عُقُودِهِ وَقَدْ نَحْتَاجُ إِلَيْهَا؛ أَمَّا إِنْ بَانَ فَسَادُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ فَيُلْغَى، وَيُعْلَنُ إِلَيْهِمْ بِفَسَادِ الْهُدْنَةِ وَيُبْلَغُونَ مَأْمَنَهُمْ، فَإِنْ دَخَل بَعْضُهُمْ دَارَ الإِْسْلاَمِ بِهَذَا الصُّلْحِ كَانَ آمِنًا؛ لأَِنَّهُ دَخَل مُعْتَقِدًا بِالأَْمَانِ وَيُرَدُّ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلاَ يُقَرُّ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّ الْهُدْنَةَ لَمْ تَصِحَّ (66) .
15 - وَإِنْ شَرَطَ الإِْمَامُ لِنَفْسِهِ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ مَا يَنْفِي لُزُومَهُ فَقَدْ أَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَمَنَعَهُ الْحَنَابِلَةُ.
فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ تَعْلِيقُ اسْتِدَامَةِ الْهُدْنَةِ عَلَى مَشِيئَةِ الإِْمَامِ يَنْقُضُهَا مَتَى شَاءَ، فَإِنْ عُلِّقَتْ بِمَشِيئَتِهِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُقَدَّرَةِ الْمُدَّةِ؛ لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ وَادَعَ يَهُودَ خَيْبَرَ قَال: " نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا (67) وَيَكُونُ الإِْمَامُ مُخَيَّرًا فِيهَا إِذَا أَرَادَ نَقْضَهَا؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ الَّتِي تُمْنَعُ الْجَهَالَةُ فِيهَا؛ وَإِذَا جَازَ إِطْلاَقُهَا بِغَيْرِ مُدَّةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُول لَهُمْ: أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ، وَإِنْ قَالَهُ الرَّسُول ﷺ لأَِهْل خَيْبَرَ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوحِي إِلَى رَسُولِهِ مُرَادَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَقُول: أُقِرُّكُمْ مَا شِئْتُ أَوْ شَاءَ فُلاَنٌ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى مَشِيئَتِهِ فِيمَا يَرَاهُ صَلاَحًا مِنِ اسْتِدَامَةِ الْهُدْنَةِ أَوْ نَقْضِهَا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى مَشِيئَتِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُتَحَكِّمِينَ عَلَى أَهْل الإِْسْلاَمِ وَقَدْ قَال الرَّسُول ﷺ: الإِْسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى (68) .
وَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطٌ ثَلاَثَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الاِجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ فِي تَدْبِيرِ الدُّنْيَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الأَْمَانَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، فَإِنْ تَكَامَلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مِنْهُ صَحَّ وُقُوفُ الْهُدْنَةِ عَلَى مَشِيئَتِهِ، وَإِنْ أَخَل بِشَرْطٍ مِنْهَا لَمْ تَصِحَّ الْهُدْنَةُ (69) . وَإِنْ أَطْلَقَ الإِْمَامُ الْهُدْنَةَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ صِفَةٍ، بَل قَال: هَادَنْتُكُمْ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ إِطْلاَقَهَا يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ (70) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ: إِنْ شَرَطَ الإِْمَامُ نَقْضَ الْعَهْدِ لِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ. وَكَذَا إِنْ شَرَطَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى ضِدِّ الْمَقْصُودِ فَلَمْ يَصِحَّ (71) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ غَيْرُ لاَزِمٍ مُحْتَمِلٍ لِلنَّقْضِ، فَلِلإِْمَامِ نَبْذُهُ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ رَأَى الإِْمَامُ أَنَّ فِي الْمُوَادَعَةِ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ فَوَادَعَهُمْ، ثُمَّ نَظَرَ فَوَجَدَ أَنَّهَا شَرٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَبَذَ إِلَيْهِمْ؛ لأَِنَّهُ ظَهَرَ فِي الاِنْتِهَاءِ مَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الاِبْتِدَاءِ لَمَنَعَ عَقْدَهَا وَاسْتِدَامَتَهَا؛ وَلأَِنَّ الْمَصْلَحَةَ لَمَّا تَبَدَّلَتْ كَانَ النَّبْذُ جِهَادًا، وَإِبْقَاءُ الْعَهْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَرْكٌ لِلْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَهُوَ أَمْرٌ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ.
فَإِنْ رَأَى نَقْضَهَا فَلاَ بُدَّ مِنَ النَّبْذِ تَحَرُّزًا مِنَ الْغَدْرِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْعُمُومَاتِ: نَحْوَ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: أَرْبَعُ خِلاَلٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ (72) ، وَقَال سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ ﵁ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ، وَكَانَ يَسِيرُ فِي بِلاَدِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ. فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ فَرَسٍ وَهُوَ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَفَاءٌ لاَ غَدْرٌ، وَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ ﵁ فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلاَ يَحُلَّنَّ عَهْدًا وَلاَ يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ (73) .
وَلاَ بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ مُدَّةِ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَى جَمِيعِهِمْ، وَيَكْتَفِي مِنْ ذَلِكَ مُدَّةً يَتَمَكَّنُ رَئِيسُهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالنَّبْذِ مِنْ إِنْفَاذِ الْخَبَرِ إِلَى مَمْلَكَتِهِ؛ لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَنْتَفِي الْغَدْرُ. فَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ حُصُونِهِمْ أَوْ تَفَرَّقُوا، أَوْ خَرَّبُوا حُصُونَهُمُ اتِّكَالاً عَلَى الأَْمَانِ فَحَتَّى يَعُودُوا كُلُّهُمْ إِلَى مَأْمَنِهِمْ وَيُعَمِّرُوا حُصُونَهُمْ مِثْل مَا كَانَتْ تَوَقِّيًا مِنَ الْغَدْرِ.
وَالْمُرَادُ بِالنَّبْذِ إِعْلاَنُهُمْ نَقْضَ الْعَهْدِ. وَيَكُونُ النَّبْذُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ الأَْمَانُ، فَإِنْ كَانَ مُنْتَشِرًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّبْذُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْتَشِرٍ بِأَنْ أَمَّنَهُمْ مُسْلِمٌ وَاحِدٌ سِرًّا يُكْتَفَى بِنَبْذِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ (74) .
آثَارُ الْهُدْنَةِ:
16 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِذَا تَمَّ عَقْدُ الْهُدْنَةِ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ أَمِنَ الْمُوَادِعُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، وَوَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الأَْئِمَّةِ - إِذَا مَاتَ أَوْ عُزِل - حِمَايَتُهُمْ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ أَذَى أَهْل الذِّمَّةِ الْمُقِيمِينَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ لأَِنَّهُ أَمَّنَهُمْ مِمَّا هُوَ تَحْتَ حُكْمِهِ وَفِي قَبْضَتِهِ وَفَاءً بِالْعَهْدِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (75) } ، وَقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ (76) } ، فَلَوْ أَتْلَفَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْل الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
أَمَّا حِمَايَتُهُمْ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، وَكَذَا حِمَايَةُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ فَلاَ تَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّ الْهُدْنَةَ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْهُمْ فَقَطْ لاَ حِفْظُهُمْ، بِخِلاَفِ عَقْدِ الذِّمَّةِ حَيْثُ نَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا نَدْفَعُ عَنْ أَنْفُسِنَا (77) .
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ قَوْمٌ مِنَ الْمُوَادِعِينَ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُوَادَعَةٌ، فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْبَلْدَةَ، فَهَؤُلاَءِ آمِنُونَ لاَ سَبِيل لأَِحَدٍ عَلَيْهِمْ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْمُوَادَعَةِ أَفَادَ الأَْمَانَ لَهُمْ فَلاَ يَنْتَقِضُ بِالْخُرُوجِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ كَمَا فِي الأَْمَانِ الْمُؤَبَّدِ - وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ - أَنَّهُ لاَ يَبْطُل بِدُخُول الذِّمِّيِّ دَارَ الْحَرْبِ كَذَا هَذَا، وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَل فِي دَارِ الْمُوَادَعَةِ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ دَارِهِمْ بِأَمَانٍ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَهُوَ آمِنٌ لأَِنَّهُ لَمَّا دَخَل دَارَ الْمُوَادِعِينَ بِأَمَانِهِمْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنْ جُمْلَتِهِمْ فَلَوْ عَادَ إِلَى دَارِهِ ثُمَّ دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ كَانَ فَيْئًا لَنَا أَنْ نَقْتُلَهُ وَنَأْسِرَهُ لأَِنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل دَارِ الْمُوَادَعَةِ فَبَطَل حُكْمُ الْمُوَادَعَةِ فِي حَقِّهِ.
فَإِذَا دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ فَهَذَا حَرْبِيٌّ دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ أَمَانٍ.
وَلَوْ أَسَرَ أَهْل دَارٍ أُخْرَى وَاحِدًا مِنَ الْمُوَادِعِينَ فَغَزَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ كَانَ الْمَأْسُورُ فَيْئًا، وَلَوْ دَخَل إِلَيْهِمْ تَاجِرٌ فَهُوَ آمِنٌ وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَمَّا أُسِرَ فَقَدِ انْقَطَعَ حُكْمُ دَارِ الْمُوَادَعَةِ فِي حَقِّهِ وَإِذَا دَخَل تَاجِرًا لَمْ يَنْقَطِعْ (78) .
مَنْ تُعْقَدُ لَهُ الْهُدْنَةُ:
أ - أَهْل الْحَرْبِ:
17 - يَجُوزُ عَقْدُ الْهُدْنَةِ لأَِهْل الْحَرْبِ سَوَاءٌ كَانُوا أَهْل كِتَابٍ مِنْ نَصَارَى وَيَهُودٍ أَمْ غَيْرَ أَهْل الْكِتَابِ. وَالأَْصْل فِي هَذَا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {فَسِيحُوا فِي الأَْرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَْكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (79) } ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ (80) } ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَادَنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَهُمْ أَهْل كِتَابٍ، وَهَادَنَ قُرَيْشًا وَقَبَائِل عَرَبِيَّةً أُخْرَى وَكَانَ عَامَّتُهُمْ وَثَنِيِّينَ (81) .
ب - الْمُرْتَدُّونَ:
18 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى جَوَازِ مُوَادَعَةِ الْمُرْتَدِّينَ إِذَا غَلَبُوا عَلَى دَارٍ مِنْ دُورِ الإِْسْلاَمِ وَصَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ، وَخِيفَ مِنْهُمْ وَلَمْ تُؤْمَنْ غَائِلَتُهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ دَفْعِ الشَّرِّ لِلْحَال، وَرَجَاءَ رُجُوعِهِمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ وَتَوْبَتِهِمْ، وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَالٌ، لأَِنَّ الْمَال الْمَأْخُوذَ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال يَكُونُ فِي مَعْنَى الْجِزْيَةِ، وَلاَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ إِلاَّ مِنْ كَافِرٍ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَسْتَوْلُوا عَلَى بَلْدَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِيَانٌ فَلاَ يُعْقَدُ لَهُمْ هُدْنَةٌ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ تَقْرِيرَ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى الرِّدَّةِ (82) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَإِنِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ جَمَاعَةٌ بَعْدَ تَقَرُّرِ إِسْلاَمِهِمْ وَحَارَبُوا بَعْدَ ارْتِدَادِهِمُ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَدَرْنَا عَلَيْهِمْ فَكَالْمُرْتَدِّينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الأَْصْلِيِّينَ؛ فَيُحْكَمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لاَ بِحُكْمِ الْكُفَّارِ النَّاقِضِينَ لِلْعَهْدِ (83) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْمُرْتَدِّينَ إِذَا انْحَازُوا إِلَى دَارٍ يَنْفَرِدُونَ بِهَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَصِيرُوا فِيهَا مُمْتَنِعِينَ يَجِبُ قِتَالُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ بَعْدَ مُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَإِيضَاحِ دَلاَئِلِهِ، وَيَجْرِي عَلَى قِتَالِهِمْ بَعْدَ الإِْنْذَارِ وَالإِْعْذَارِ حُكْمُ قِتَال أَهْل الْحَرْبِ (84) .
ج - الْبُغَاةُ: 19 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مُوَادَعَةُ الْبُغَاةِ بِمَالٍ. فَإِنْ وَادَعَهُمُ الإِْمَامُ بِمَالٍ بَطَلَتِ الْمُوَادَعَةُ، وَإِنْ طَلَبُوهَا أُجِيبُوا إِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ مَالٍ وَكَانَ فِي عَقْدِهَا مَصْلَحَةٌ لأَِهْل الْجَمَاعَةِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بُغَاة ف 22) .
نَقْضُ الْهُدْنَةِ:
20 - عَقْدُ الْهُدْنَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنِ الْوَقْتِ، فَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ يُنْهِي الْعَهْدَ بِانْتِهَاءِ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ الْحَاجَةِ إِلَى النَّبْذِ، حَتَّى كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْزُوَ عَلَيْهِمْ لأَِنَّ الْعَقْدَ الْمُؤَقَّتَ إِلَى غَايَةٍ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ مِنْ غَيْرِ الْحَاجَةِ إِلَى النَّاقِضِ. وَإِذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ بِالْهُدْنَةِ الْمُؤَقَّتَةِ فَمَضَى الْوَقْتُ وَهُوَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَأْمَنِهِ لأَِنَّ التَّعَرُّضَ لَهُ يُوهِمُ الْغَدْرَ وَالتَّغْرِيرَ، فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ مَا أَمْكَنَ (85) .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَقْدُ الْهُدْنَةِ مُطْلَقًا عَنِ الْوَقْتِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ إِطْلاَقَهُ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ أَوْ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ عِنْدَ مَنْ لاَ يُجِيزُ ذَلِكَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ، فَالَّذِي يَنْتَقِضُ بِهِ نَوْعَانِ: تَصْرِيحٌ وَدَلاَلَةٌ.
فَالتَّصْرِيحُ هُوَ النَّبْذُ صَرِيحًا.
وَأَمَّا الدَّلاَلَةُ فَهِيَ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُمْ مَا يَدُل عَلَى النَّبْذِ (86) ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّقْضِ دَلاَلَةً:
أ) خُرُوجُ قَوْمٍ مِنْ دَارِ الْمُوَادَعَةِ بِإِذْنِ مَلِكِهِمْ وَقَطْعُهُمُ الطَّرِيقَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ إِذْنَ مَلِكِهِمْ بِذَلِكَ دَلاَلَةُ النَّبْذِ.
ب) قِتَالُهُمُ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لاَ شُبْهَةَ لَهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شُبْهَةٌ كَأَنْ أَعَانُوا الْبُغَاةَ مُكْرَهِينَ فَلاَ يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ.
ج) مُكَاتَبَتُهُمْ أَهْل الْحَرْبِ بِعَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
د) قَتْلُهُمْ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا بِدَارِ الإِْسْلاَمِ عَمْدًا إِنْ لَمْ يُنْكِرْ غَيْرُ الْقَاتِل عَلَيْهِ بَعْدَ عِلْمِهِ.
هـ) إِيوَاؤُهُمْ عَيْنًا لِلْكُفَّارِ.
و) أَخْذُهُمْ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ.
ز) سَبُّهُمُ اللَّهَ أَوِ الْقُرْآنَ أَوْ رَسُول اللَّهِ ﷺ (87) .
ح) فِعْل شَيْءٍ مِمَّا اخْتُلِفَ فِي نَقْضِ عَقْدِ الذِّمَّةِ بِهِ (88) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ فِعْل شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ نَاقِضٌ لِلْهُدْنَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَهْل الْهُدْنَةِ أَنَّهُ نَاقِضٌ (89) .
وَبِالنَّظَرِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ نَوَاقِضِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ يُمْكِنُنَا إِرْجَاعُهَا إِلَى الأَْسْبَابِ التَّالِيَةِ:
أ - الْعُدُول عَنِ الْمُوَادَعَةِ فِي الظَّاهِرِ.
ب - الْخِيَانَةُ فِي الْبَاطِنِ.
ج - الْعُدُول عَنِ الْمُجَامَلَةِ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل.
د - النَّبْذُ مِنْ قِبَل الإِْمَامِ إِذَا رَأَى نَقْضَ الصُّلْحِ أَصْلَحَ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ.
أَوَّلاً: الْعُدُول عَنِ الْمُوَادَعَةِ فِي الظَّاهِرِ:
21 - مِنْ مُوجِبَاتِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ الْمُوَادَعَةُ فِي الظَّاهِرِ، وَهِيَ الْكَفُّ عَنِ الْقِتَال وَتَرْكُ التَّعَرُّضِ لِلنُّفُوسِ وَالأَْمْوَال، فَيَجِبُ عَلَى أَهْل الْهُدْنَةِ مِثْل مَا يَجِبُ لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ عَدَل أَهْل الْهُدْنَةِ عَنِ الْمُوَادَعَةِ إِلَى ضِدِّهَا فَقَاتَلُوا قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قَتَلُوا قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَخَذُوا مَال قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ انْتَقَضَتْ هُدْنَتُهُمْ بِفِعْلِهِمْ وَلَمْ يُفْتَقَرْ إِلَى حُكْمِ الإِْمَامِ لِنَقْضِهَا، وَجَازَ أَنْ يَبْدَأَ بِقِتَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ وَيَشُنَّ عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ وَيَهْجُمَ عَلَيْهِمْ غِرَّةً وَبَيَاتًا، وَجَرَى ذَلِكَ فِي نَقْضِ الْهُدْنَةِ مَجْرَى تَصْرِيحِهِمْ بِالْقَوْل بِأَنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْهُدْنَةَ (90) .
وَقَدْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ أَهْل مَكَّةَ بَعْدَ الْهُدْنَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ لأَِنَّهُمْ كَانُوا نَقَضُوا الْعَهْدَ بِمُعَاوَنَتِهِمْ بَنِي كِنَانَةَ عَلَى قِتَال خُزَاعَةِ، وَكَانَتْ حُلَفَاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَل النَّبِيَّ ﷺ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ فَلَمْ يُجِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذَلِكَ، فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى النَّبْذِ إِلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا نَقْضَ الْعَهْدِ بِنَصْبِ الْحَرْبِ لِحُلَفَاءِ النَّبِيِّ ﷺ (91) .
ثَانِيًا: الْخِيَانَةُ فِي الْبَاطِنِ:
22 - مِنْ مُوجِبَاتِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ تَرْكُ الْخِيَانَةِ بِأَنْ لاَ يَسْتَسِرَّ أَهْل الْهُدْنَةِ بِفِعْلٍ مَا يَنْقُضُ الْهُدْنَةَ لَوْ أَظْهَرُوهُ، مِثْل أَنْ يُمَايِلُوا فِي السِّرِّ عَدُوًّا أَوْ يَقْتُلُوا فِي السِّرِّ مُسْلِمًا، أَوْ يَأْخُذُوا لَهُ مَالاً، أَوْ يَزْنُوا بِمُسْلِمَةٍ، وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (92) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمُهَادِنَ لَوْ تَجَسَّسَ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ كَرْهًا أَوْ سَرَقَ لاَ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ (93) .
وَإِذَا اسْتَشْعَرَ الإِْمَامُ مِمَّنْ هَادَنَهُ وَظَهَرَتْ أَمَارَةٌ تَدُل عَلَى خِيَانَتِهِمْ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ إِلَى أَنَّهُ جَازَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ بِأَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنْ لاَ عَهْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ (94) } ، يَعْنِي إِذَا خِفْتَ غَدْرَهُمْ وَخُدْعَتَهُمْ وَإِيقَاعَهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَفَعَلُوا ذَلِكَ خَفْيًا وَلَمْ يُظْهِرُوا نَقْضَ الْعَهْدِ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ أَيْ أَلْقِ إِلَيْهِمْ فَسْخَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْعَهْدِ وَالْهُدْنَةِ حَتَّى يَسْتَوِيَ الْجَمِيعُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلَى سَوَاءٍ} لِئَلاَّ يَتَوَهَّمُوا أَنَّكَ نَقَضْتَ الْعَهْدَ بِنَصْبِ الْحَرْبِ (95) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ نَبْذُ عَهْدِهِمْ وَإِنْذَارُهُمْ، فَإِنْ تَحَقَّقَ خِيَانَتُهُمْ نَبَذَهُ بِلاَ إِنْذَارٍ.
قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِذَا ظَهَرَتْ آثَارُ الْخِيَانَةِ وَثَبَتَتْ دَلاَئِلُهَا وَجَبَ نَبْذُ الْعَهْدِ لِئَلاَّ يُوقِعَ التَّمَادِي عَلَيْهِ فِي الْهَلَكَةِ، وَجَازَ إِسْقَاطُ الْيَقِينِ هَهُنَا بِالظَّنِّ لِلضَّرُورَةِ، وَإِذَا كَانَ الْعَهْدُ قَدْ وَقَعَ فَهَذَا الشَّرْطُ عَادَةٌ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لَفْظًا، إِذْ لاَ يُمْكِنُ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا (96) .
وَقَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَنْتَقِضُ عَهْدُ أَهْل الذِّمَّةِ بِمُجَرَّدِ خِيَانَتِهِمْ وَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمِ الإِْمَامِ لِنَقْضِهَا.
وَحُكِيَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَنْبِذُ عَقْدَ الْهُدْنَةِ كَمَا لاَ يَنْبِذُ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِالتُّهْمَةِ (97) .
ثَالِثًا: الْعُدُول عَنِ الْمُجَامَلَةِ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل:
23 - مِنْ مُوجِبَاتِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ الْمُجَامَلَةُ فِي الأَْقْوَال وَالأَْفْعَال، فَهِيَ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ أَغْلَظُ مِنْهَا فِي حُقُوقِ الْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ، فَيَلْزَمُهُمْ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقَبِيحِ مِنَ الْقَوْل وَالْفِعْل وَيَبْذُلُوا لَهُمُ الْجَمِيل فِي الْقَوْل وَالْفِعْل، وَلَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقَبِيحِ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل.
وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْذُلُوا لَهُمُ الْجَمِيل فِي الْقَوْل وَالْفِعْل لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (98) } ، فَإِنْ عَدَل الْكُفَّارُ الْمُهَادِنُونَ عَنِ الْجَمِيل فِي الْقَوْل وَالْفِعْل، فَكَانُوا يُكْرِمُونَ الْمُسْلِمِينَ فَصَارُوا يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ، وَكَانُوا يُضَيِّفُونَ الرُّسُل وَيَصِلُونَهُمْ فَصَارُوا يَقْطَعُونَهُمْ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ كِتَابَ الإِْمَامِ فَصَارُوا يَطْرَحُونَهُ، وَكَانُوا يَزِيدُونَهُ فِي الْخِطَابِ فَصَارُوا يَنْقُصُونَهُ، فَهَذِهِ رِيبَةٌ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ شَكَّيْنِ؛ لأَِنَّهَا تَحْتَمِل أَنْ يُرِيدُوا بِهَا نَقْضَ الْهُدْنَةِ، وَتَحْتَمِل أَنْ لاَ يُرِيدُوا بِهَا نَقْضَهَا، فَيَسْأَلُهُمُ الإِْمَامُ عَنْهَا وَعَنِ السَّبَبِ فِيهَا، فَإِنْ ذَكَرُوا عُذْرًا يَجُوزُ مِثْلُهُ قَبِلَهُ مِنْهُمْ وَكَانُوا عَلَى هُدْنَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا عُذْرًا أَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى عَادَتِهِمْ مِنَ الْمُجَامَلَةِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَإِنْ عَادُوا أَقَامَ عَلَى هُدْنَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعُودُوا نَقَضَهَا بَعْدَ إِعْلاَمِهِمْ بِنَقْضِهَا (99) . ذِكْرُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ بِسُوءٍ:
24 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ هَذَا السَّبِّ عَلَى عَقْدِ الْهُدْنَةِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ مِمَّا يَنْتَقِضُ بِهِ الْعَهْدُ هُوَ سَبُّهُمُ اللَّهَ تَعَالَى أَوِ الْقُرْآنَ أَوِ الرَّسُول ﷺ أَوْ نَبِيًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَنَا (100) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ انْتِقَاضِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ بِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ، لأَِنَّ سَبَّ النَّبِيِّ ﷺ كُفْرٌ مِنَ الْكَافِرِ الْمُهَادِنِ؛ وَالْكُفْرُ الْمُقَارِنُ لِعَقْدِ الْهُدْنَةِ لاَ يَمْنَعُ عَقْدَ الْهُدْنَةِ فِي الاِبْتِدَاءِ فَالْكُفْرُ الطَّارِئُ لاَ يَرْفَعُهُ فِي حَال الْبَقَاءِ (101) ، رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَل رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: " مَهْلاً يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَْمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَقَدْ قُلْتُ: عَلَيْكَ (102) .
وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا سَبٌّ مِنْهُمْ لَهُ ﷺ، وَلَوْ كَانَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ لَقَتَلَهُمْ لِصَيْرُورَتِهِمْ حَرْبِيِّينَ (103) .
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ عَدَمَ الاِنْتِقَاضِ بِمَا إِذَا لَمْ يُعْلِنِ الْمُهَادِنُ السَّبَّ، أَمَّا إِذَا أَعْلَنَ بِالسَّبِّ أَوِ اعْتَادَهُ وَكَانَ مِمَّا لاَ يَعْتَقِدُهُ قُتِل وَلَوِ امْرَأَةً، وَبِهِ يُفْتَى (104) .
رَابِعًا: نَبْذُ الْهُدْنَةِ إِذَا رَآهُ الإِْمَامُ أَصْلَحَ:
25 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ رَأَى الإِْمَامُ الْمُوَادَعَةَ خَيْرًا فَوَادَعَ أَهْل الْحَرْبِ ثُمَّ نَظَرَ فَوَجَدَ مُوَادَعَتَهُمْ شَرًّا لِلْمُسْلِمِينَ نَبَذَ إِلَى مَلِكِهِمُ الْمُوَادَعَةَ وَقَاتَلَهُمْ (105) .
بُلُوغُ الْمُهَادِنِ مَأْمَنَهُ بَعْدَ نَقْضِ الْعَهْدِ:
26 - وَعِنْدَ نَبْذِ الْعَهْدِ يَجِبُ إِبْلاَغُ مَنْ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ مِنْ أَهْل الْهُدْنَةِ إِلَى مَأْمَنِهِ، لَكِنْ مَنْ عَلَيْهِ حَقُّ آدَمِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ حَدِّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٍ يُسْتَوْفَى مِنْهُ أَوَّلاً (106) .
وَالْمُعْتَبَرُ فِي إِبْلاَغِ الْكَافِرِ الْمَأْمَنَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ أَهْل عَهِدِهِمْ ويُلْحِقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَاكْتَفَى ابْنُ كَجٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِإِلْحَاقِهِ بِأَوَّل بِلاَدِ الْكُفْرِ وَقَال: لاَ يَلْزَمُ إِلْحَاقُهُ بِبَلَدِهِ الَّذِي يَسْكُنُهُ فَوْقَ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ أَوَّل بِلاَدِ الْكُفْرِ وَبَلَدِهِ الَّذِي يَسْكُنُهُ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُرُورِ عَلَيْهِ.
وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْبَحْرِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَأْمَنَانِ لَزِمَ الإِْمَامَ إِلْحَاقُهُ بِسَكَنِهِ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ يَسْكُنُ بَلَدَيْنِ فَالاِخْتِيَارُ لِلإِْمَامِ (107) .
أَحْوَال نَقْضِ الْهُدْنَةِ مِنْ قِبَل الْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ:
27 - نَقْضُ الْهُدْنَةِ مِنْ قِبَل الْكُفَّارِ الْمُهَادِنِينَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جَمِيعِهِمْ أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ، فَإِنْ كَانَ النَّقْضُ مِنْ جَمِيعِهِمُ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ جَمِيعًا وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمَانٌ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (108) . وَإِنْ كَانَ النَّقْضُ مِنْ بَعْضِهِمْ فَإِمَّا أَنْ يُظْهِرَ الْبَعْضُ الآْخَرُ الرِّضَا بِهَذَا النَّقْضِ أَوْ يَسْكُتُوا عَنْهُ أَوْ يُظْهِرُوا الْكَرَاهَةَ لَهُ.
فَإِنْ أَظْهَرَ الْبَعْضُ الآْخَرُ الرِّضَا فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَيَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ جَمِيعًا، النَّاقِضُونَ وَالرَّاضُونَ بِهِ، وَيَصِيرُونَ جَمِيعُهُمْ حَرْبًا.
وَكَذَا إِنْ سَكَتَ الْبَعْضُ الآْخَرُ فَلَمْ يُظْهِرُوا رِضًا بِالنَّقْضِ وَلاَ كَرَاهَةً لَهُ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ انْتَقَضَ عَهْدُ الْجَمِيعِ، وَيَكُونُ سُكُوتُهُمْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ (109) .
قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (110) } ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي عَاقِرِ نَاقَةِ صَالِحٍ، بَاشَرَ عَقْرَهَا أُحَيْمِرُ وَهُوَ الْقَدَّادُ بْنُ سَالِفٍ، وَأَمْسَكَ قَوْمُهُ عَنْهُ، فَأَخَذَ اللَّهُ جَمِيعَهُمْ بِذَنْبِهِ، فَقَال تَعَالَى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا (111) } .
وَقَدْ وَادَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ، وَهَمَّ بَعْضُهُمْ بِقَتْلِهِ، فَجَعَلَهُ نَقْضًا مِنْهُمْ لِعَهْدِهِ فَغَزَاهُمْ وَأَجْلاَهُمْ (112) .
وَوَادَعَ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَعَانَ بَعْضُهُمْ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ عَلَى حَرْبِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ، وَقِيل: إِنَّ الَّذِي أَعَانَهُ مِنْهُمْ ثَلاَثَةٌ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطُبَ وَأَخُوهُ وَآخَرُ، فَنَقَضَ بِهِ عَهْدَهُمْ وَغَزَاهُمْ حَتَّى قَتَل رُمَاتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ (113) .
وَهَادَنَ قُرَيْشًا فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ بَنُو بَكْرٍ فِي حِلْفِ قُرَيْشٍ، وَخُزَاعَةُ فِي حِلْفِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَقْضًا لِعَهْدِ جَمِيعِهِمْ فَسَارَ إِلَيْهِمْ مُحَارِبًا، وَأَخْفَى عَنْهُمْ أَثَرَهُ حَتَّى نَزَل بِهِمْ وَفَتَحَ مَكَّةَ (114) .
فَدَل عَلَى أَنَّ الْمُمْسِكَ يَجْرِي عَلَيْهِ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ عَقْدُ بَعْضِهِمْ لِلْهُدْنَةِ مُوجِبًا لأَِمَانِ جَمِيعِهِمْ وَإِنْ أَمْسَكُوا، كَانَ نَقْضُ بَعْضِهِمْ مُوجِبًا لِحَرْبِ جَمِيعِهِمْ إِذَا أَمْسَكُوا (115) .
وَإِنْ كَانَ النَّقْضُ مِنْ بَعْضِهِمْ وَأَظْهَرَ الْبَعْضُ الآْخَرُ الْكَرَاهَةَ لِلنَّقْضِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ انْتَقَضَ الْعَهْدُ فِي حَقِّ النَّاقِضِينَ فَقَطْ (116) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَقَضَ السُّوقَةُ الْعَهْدَ وَلَمْ يَعْلَمِ الرَّئِيسُ وَالأَْشْرَافُ بِذَلِكَ، فَفِي انْتِقَاضِ الْعَهْدِ فِي حَقِّ السُّوقَةِ وَجْهَانِ: وَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِعَقْدِهِمْ فَكَذَا بِنَقْضِهِمْ.
وَلَوْ نَقَضَ الرَّئِيسُ وَامْتَنَعَ الأَْتْبَاعُ وَأَنْكَرُوا، فَفِي الاِنْتِقَاضِ فِي حَقِّهِمْ قَوْلاَنِ. وَجْهُ النَّقْضِ: أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الْعَقْدُ فِي حَقِّ الْمَتْبُوعِ فَكَذَا التَّابِعُ.
قَال النَّوَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ إِنْ أَنْكَرُوا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ بِأَنِ اعْتَزَلُوهُ أَوْ بَعَثُوا إِلَى الإِْمَامِ بِأَنَّا مُقِيمُونَ عَلَى الْعَهْدِ لَمْ يَنْتَقِضْ.
وَإِذَا انْتَقَضَ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ، فَإِنْ تَمَيَّزُوا فَذَاكَ، وَإِلاَّ فَلاَ يُبَيِّتُهُمُ الإِْمَامُ وَلاَ يُغَارُ عَلَيْهِمْ إِلاَّ بَعْدَ الإِْنْذَارِ، وَيَبْعَثُ إِلَى الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا لِيَتَمَيَّزُوا أَوْ يُسَلِّمُوهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا مَعَ الْقُدْرَةِ صَارُوا نَاقِضِينَ أَيْضًا.
وَمَنْ أُخِذَ مِنْهُمْ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ مِنَ النَّاقِضِينَ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَخْفَ حُكْمُهُ، وَإِلاَّ فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُضْ (1) .
__________
(1) لِسَان الْعَرَبِ، والمصباح الْمُنِير
(2) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 2 / 196، والاختيار 4 / 120، وتحفة الفقهاء 3 / 404
(3) جَوَاهِر الإِْكْلِيل 1 / 269، ومواهب الْجَلِيل 3 / 360
(4) مُغْنِي الْمُحْتَاج 4 / 260، ونهاية الْمُحْتَاج 8 / 100، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 304
(5) مَطَالِب أُولِي النُّهَى 2 / 585، وكشاف الْقِنَاع 3 / 111
(6) مَوَاهِب الْجَلِيل 3 / 360، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 236، والسير الْكَبِير 1 / 283، وقواعد الْفِقْه لِلْبَرَكَتِي
(7) تَهْذِيب الْفُرُوق بِهَامِش الْفُرُوق 3 / 23 الْقَاعِدَة (118) ، وانظر جَوَاهِر الإِْكْلِيل 1 / 266
(8) جَوَاهِر الإِْكْلِيل 1 / 266، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 304، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 260، والمغني 8 / 459
(9) سُورَةُ التَّوْبَةِ / 1 - 7
(10) سُورَةُ الأَْنْفَال / 61
(11) حَدِيث مُهَادَنَتِهِ ﷺ قُرَيْشًا عَام الْحُدَيْبِيَةَ عَشْر سِنِينَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (4 / 325 - ط الميمنية) مِنْ حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَان بْن الْحُكْم
(12) الْبَحْر الرَّائِق 5 / 85، والبدائع 7 / 108، شرح الزُّرْقَانِيّ 3 / 148، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2 / 200، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 304، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 260، وروضة الطَّالِبِينَ 10 / 334، والمغني 8 / 460، والحاوي 18 / 406
(13) حَدِيث مُهَادَنَتِهِ ﷺ بَنِي قُرَيْظَة بِنَفْسِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (3 / 406 - ط حِمْص)
(14) حَدِيث مُهَادَنَتِهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةَ، تَقَدَّمَ فِقْرَة (4)
(15) حَدِيث تَأْمِينِهِ ﷺ صَفْوَان بْن أُمَيَّة عَام الْفَتْحِ. أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (2 / 544 - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن شِهَاب مُرْسَلاً
(16) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 427، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 305، والمغني 8 / 461 - 462، وجواهر الإِْكْلِيل 1 / 269
(17) الْفُرُوق للقرافي 1 / 206
(18) حَدِيث: " إِنَّمَا الإِْمَامُ جَنَّة. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح 6 / 116 - ط السَّلَفِيَّة) ، ومسلم (3 / 1471 - ط الْحَلَبِيّ) ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(19) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 427، والخطابي شَرْح سُنَنِ أَبِي دَاوُد 2 / 316
(20) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 427، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 304، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 260 - 261
(21) تُحْفَة الْمُحْتَاج 9 / 304، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 4 / 260، والحاوي الْكَبِير 18 / 427، وروضة الطَّالِبِينَ 10 / 334
(22) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 108، والبحر الرَّائِق 5 / 85
(23) السِّيَر الْكَبِير لِمُحَمَّد بْن الْحَسَن 2 / 582، وَمَا بَعْدَهَا
(24) سُورَةُ مُحَمَّدٍ / 35
(25) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 108، وفتح الْقَدِير 5 / 404، والبحر الرَّائِق 5 / 85، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 305، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 260 - 261، والدسوقي 2 / 206، والمغني 8 / 459، وكشاف الْقِنَاع 3 / 512
(26) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 206، مغني الْمُحْتَاج 4 / 260، والمغني 8 / 410
(27) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 206
(28) مُغْنِي الْمُحْتَاج 4 / 260، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 305، والحاوي الْكَبِير 18 / 406
(29) كَشَّاف الْقِنَاع 3 / 112، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 125،126
(30) سُورَةُ الأَْنْفَال / 61
(31) سُورَةُ مُحَمَّدٍ / 35
(32) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 3 / 245، والبحر الرَّائِق 5 / 85، وفتح الْقَدِير 5 / 371
(33) الْبَدَائِع 7 / 109، والبحر الرَّائِق 5 / 85، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2 / 206، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 306 - 307، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 260 - 261، والمغني 8 / 460 - 461
(34) سُورَةُ مُحَمَّدٍ / 35
(35) قَوْل عُمَر ﵁: " تَرُدُّ النَّاسَ مِنَ الْجَهَالاَتِ. . . " أَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي مِفْتَاحِ الْجَنَّةِ (ص 88 - ط الرَّيَّان) وَعَزَاهُ إِلَى الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَدْخَل إِلَى السُّنَنِ
(36) سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ / 10
(37) فَتْح الْقَدِير 5 / 208 - 209، ومواهب الْجَلِيل وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 3 / 386 - 387، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2 / 206، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة 1 / 498
(38) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 416، والجامع لأَِحْكَامِ الْقُرْآنِ 18 / 54. وَالْمُغْنِي 8 / 465، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2 / 206، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 263 - 264، ومواهب الْجَلِيل 3 / 386، والإنصاف 4 / 213 - 214
(39) حَدِيث: " صَالِح النَّبِيِّ ﷺ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةَ. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي 5 / 329، 330 - ط السَّلَفِيَّة) . وقوله ﷺ لأَِبِي جَنْدَل: " يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ واحستب. . . " أَخْرَجَهُ ابْن إِسْحَاق فِي سِيرَتِهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْبَارِي (5 / 345 - ط السَّلَفِيَّة)
(40) حَدِيث: " رَدَّ الرَّسُول ﷺ لأَِبِي بَصِيرٍ. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي 5 / 332 - ط السَّلَفِيَّة) ، مِنْ حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَان بْن الْحُكْم
(41) حَدِيث: " مَجِيء أُمّ كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي 5 / 329 - ط السَّلَفِيَّة) ، مِنْ حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَان بْن الْحُكم
(42) سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ / 10 - 11
(43) حَدِيث: مَجِيءُ سَعِيدَةِ زَوْجَةٍ الصَّيْفِيّ الرَّاهِب وَنُزُول الآْيَةِ. . . ذَكَرَهُ ابْن حَجَرٍ فِي الإِْصَابَةِ (7 / 700 - نَشْر دَار الْجِيل) ، ثُمَّ قَال: ذَكَرَ ذَلِكَ مُقَاتِل بْن حَيَّانِ فِي تَفْسِيرِهِ. وَأَخْرَجَهَا أَبُو مُوسَى
(44) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 412 - 413، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 262، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 308، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2 / 206، والجامع لأَِحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلْقُرْطُبِيِّ 18 / 55 وَمَا بَعْدَهَا، ومواهب الْجَلِيل 3 / 387، والمغني 8 / 466 وَمَا بَعْدَهَا، والإنصاف 4 / 214
(45) حَدِيث: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي 10 / 463 - ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ ابْن عُمَر
(46) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 412 - 413، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 262، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 308
(47) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 10 / 345، وشرح الْمَحَلِّيّ عَلَى الْمِنْهَاجِ 4 / 239
(48) مَطَالِب أُولِي النُّهَى 2 / 587 - 588
(49) حَدِيث: مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا مِنْكُمْ رَدَدْنَاهُ وَرَدّ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ اشْتِرَاطِ قُرَيْش عَلَى الرَّسُول ﷺ، أَخْرَجَهُ مُسْلِم (3 / 1411 - ط الْحَلَبِيّ)
(50) سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ / 10
(51) سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ / 10
(52) الْجَامِع لأَِحْكَام الْقِرَان 18 / 58، وأحكام الْقُرْآن لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ 4 / 1776 - 1778، والحاوي الْكَبِير 18 / 419، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 263، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 309، والمغني 8 / 464، وفتح الْقَدِير 5 / 208 - 209
(53) حَدِيث: " إِنَّ الْمُشَارِكِينَ اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ ﷺ. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (3 / 1411 - ط الْحَلَبِيّ)
(54) تُحْفَة الْمُحْتَاج 9 / 311، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 463 وَمَا بَعْدَهَا، وشرح رَوَّضَ الطَّالِبُ 4 / 228
(55) سُورَةُ التَّوْبَةِ / 111
(56) الْحَاوِي 18 / 410، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 306، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 2 / 197، وشرح السِّيَر الْكَبِير 5 / 1692، والمغني 8 / 460، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2 / 206، وأحكام الْقُرْآن لِلْجَصَّاصِ 3 / 70 ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ
(57) حَدِيث: " هُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَام الْخَنْدَق أَنْ يُصَالِحَ الْمُشْرِكِينَ. . . ". أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي الْمُصَنَّفِ (5 / 367، 368 - ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ - بُومْبَاي)
(58) حَدِيث: " يَا مُحَمَّد شَاطَرْنَا تَمْر الْمَدِينَةِ. . . " عَزَّاهُ الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (6 / 132، 133 - ط الْقُدْسِيّ) إِلَى الْبَزَّارِ والطبراني، وَقَال: فِيهِمَا مُحَمَّد بْن عَمْرو وَحَدِيثه حَسَن، وَبَقِيَّة رُوَاتِهِ ثِقَات
(59) الْحَاوِي للماوردي 18 / 410، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 306، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2 / 206، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 2 / 197، والمغنى لاِبْنِ قُدَامَةَ 8 / 460 - 461
(60) حَدِيث " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَادَى رَجُلاً بِرَجُلَيْنِ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (3 / 1262 - ط الْحَلَبِيّ)
(61) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 2 / 197، ومطالب أُولِي النُّهَى 2 / 587، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 8 / 466، والحاوي للماوردي 18 / 412، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 261
(62) الْحَاوِي 18 / 412
(63) حَاشِيَة الشَّرْقَاوَيَّ عَلَى التَّحْرِيرِ 2 / 419 ط الْحَلَبِيّ، والمغني 8 / 466، والدسوقي 2 / 206، والخرشي 3 / 150، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 263
(64) سُورَةُ الْمَائِدَةِ / 1
(65) سُورَةُ التَّوْبَةِ / 4
(66) أَسْنَى الْمَطَالِب 4 / 225، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 262، والمغني 8 / 462، وكشاف الْقَاع 3 / 111 - 112، والإنصاف 4 / 213، والدسوقي 2 / 206 وَمَا بَعْدَهَا
(67) حَدِيث: " نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي 5 / 21 - ط السَّلَفِيَّة) ، ومسلم (3 / 1188 - ط الْحَلَبِيّ) ، مِنْ حَدِيثِ ابْن عُمَر
(68) حَدِيث: " الإِْسْلاَم يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (3 / 252 - ط الْمَحَاسِن مِنْ حَدِيثِ عَائِذٍ بْن عَمْرو الْمُزَنِيّ، وحسن إِسْنَاده ابْن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (3 / 220 - ط السَّلَفِيَّة)
(69) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 408 - 409، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 307، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 461، وروض الطَّالِب 4 / 225، والإنصاف 4 / 212 - 213
(70) الْمَرَاجِع السَّابِقَة
(71) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 8 / 459 - 460، والإنصاف 4 / 213
(72) حَدِيث: " أَرْبَع خِلاَل مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي 6 / 279 - ط السَّلَفِيَّة) ، ومسلم (1 / 78 - ط الْحَلَبِيّ) وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(73) حَدِيث: " كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَة وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْد. . . " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (4 / 143 - ط الْحَلَبِيّ) ، وَقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(74) الْبَدَائِع 7 / 109، والبحر الرَّائِق 5 / 86، وفتح الْقَدِير 5 / 457، وأحكام الْقُرْآن لِلْجَصَّاصِ 3 / 67 - 68.
(75) سُورَة الْمَائِدَة / 1.
(76) سُورَة التَّوْبَة / 41.
(77) مُغْنِي الْمُحْتَاج 4 / 260 - 261 - 262، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 307، وشرح رَوَّضَ الطَّالِبُ 4 / 225، والمغني 8 / 463، وشرح السَّيْر الْكَبِير 2 / 82، والبدائع 7 / 109، والدسوقي 2 / 184، جواهر الإِْكْلِيل 1 / 270، وكشاف الْقِنَاع 3 / 115.
(78) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 109.
(79) سُورَة التَّوْبَة / 1 - 4
(80) سُورَة الأَْنْفَال / 61.
(81) مُغْنِي الْمُحْتَاج 4 / 260، وكشاف الْقِنَاع 3 / 111، وجواهر الإِْكْلِيل 1 / 269، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 2 / 196 - 197. وأحاديث الْمُهَادَنَة سَبَقَ تَخْرِيجَهَا ف 5.
(82) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 109، وفتح الْقَدِير 5 / 207.
(83) جَوَاهِر الإِْكْلِيل 1 / 269، ومواهب الْجَلِيل 3 / 1 38 - 386.
(84) الأَْحْكَام السُّلْطَانِيَّة للماوردي ص 56، والحاوي 16 / 425، وكشاف الْقِنَاع 6 / 183، والأحكام السُّلْطَانِيَّة لأَِبِي يُعْلَى ص 52.
(85) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 109 - 110، وشرح السَّيْر الْكَبِير 5 / 1710، ومطالب أُولِي النُّهَى 2 / 591.
(86) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 109، ونهاية الْمُحْتَاج 8 / 102.
(87) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 109، ونهاية الْمُحْتَاج 8 / 102، وروضة الطَّالِبِينَ 9 / 237، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 307.
(88) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ 8 / 102، وروضة الطَّالِبِينَ 10 / 337.
(89) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ 8 / 102، وروضة الطَّالِبِينَ 10 / 337.
(90) الْحَاوِي 18 / 443، والبحر الرَّائِق 5 / 85، والمبسوط لِلسَّرْخَسِيَ 10 / 86 - 88، وأحكام الْقُرْآن لِلْجَصَّاصِ 3 / 67.
(91) حَدِيث: " مَجِيء أَبِي سُفْيَان إِلَى رَسُولٍ ﷺ لِتَجْدِيدِ الْعَهْدِ. . . " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي دَلاَئِل النُّبُوَّةِ (5 / 9 - ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ) مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْن عُقْبَة مُرْسَلاً.
(92) الْحَاوِي 18 / 443، وروضة الطَّالِبِينَ 10 / 337، ومطالب أُولِي النُّهَى 2 / 589، 622، 623.
(93) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 3 / 249.
(94) سُورَة الأَْنْفَال / 58.
(95) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 3 / 67، وعمدة الْقَارِئ 15 / 100 - 101، والدسوقي 2 / 206، وروضة الطَّالِبِينَ 10 / 338، ومطالب أُولِي النُّهَى 2 / 590.
(96) أَحْكَام الْقُرْآنِ لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ 2 / 860 - 861، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2 / 206.
(97) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 10 / 338.
(98) سُورَة الصَّفِّ / 9.
(99) الْحَاوِي للمارودي 18 / 444.
(100) شَرْح الزُّرْقَانِيّ 3 / 147، وجواهر الأكليل 1 / 269، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 302، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 264، ومطالب أُولِي النُّهَى 2 / 622.
(101) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 3 / 278، 249، وفتح الْقَدِير 4 / 381 ط الأَْمِيرِيَّة.
(102) حَدِيث عَائِشَة: " دَخَل رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي 11 / 41، 42 - ط السَّلَفِيَّة) ، ومسلم (4 / 1706 - ط الْحَلَبِيّ) .
(103) فَتْح الْقَدِير 4 / 381 ط الأَْمِيرِيَّة.
(104) ابْن عَابِدِينَ 3 / 278 - 279.
(105) الْمَبْسُوط لِلسَّرْخَسِيَ 10 / 87، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 2 / 197، وشرح السَّيْر الْكَبِير 5 / 1697، تبيين الْحَقَائِق 3 / 246.
(106) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 10 / 338، ومطالب أُولِي النُّهَى 2 / 591.
(107) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 10 / 338 - 339
(108) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 3 / 246، وشرح السَّيْر الْكَبِير 5 / 1696 - 1697، الحاوي 18 / 440 - 441 والمغني 8 / 462، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2 / 204 - 206، وجواهر الإِْكْلِيل 1 / 270.
(109) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 10 / 338، ومطالب أُولِي النُّهَى 2 / 591، والمغني 8 / 4621، والبحر الرَّائِق هـ / 86، وبدائع الصَّنَائِع 7 / 109 - 110.
(110) سُورَة الأَْنْفَال / 25
(111) سُورَة الشَّمْسِ / 14 - 15.
(112) حَدِيث: " مُوَادَعَة الرَّسُول ﷺ يَهُودٌ بَنَى النَّضِير " عَزَاهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (7 / 331 - ط السَّلَفِيَّة) إِلَى ابْن إِسْحَاق فِي سِيرَتِهِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيد بْن رُومَانَ مُرْسَلاً.
(113) حَدِيث: قِصَّة تَحْرِيض حَيّ بْن أَخْطُبُ بَنِي قُرَيْظَة أَوْرَدَهَا ابْن هِشَام فِي السِّيرَةِ (3 / 172 - 173 ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ.
(114) حَدِيث: قِصَّة مُهَادَنَة الرَّسُول ﷺ قُرَيْشًا مَعَهُمْ بَنُو خُزَاعَة وَبَنُو بَكْر. ذَكَرَهَا ابْن هِشَام فِي السِّيرَةِ (3 / 264 - ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ)
(115) الْحَاوِي للماوردي 18 / 440 - 441، وانظر رَوْضَة الطَّالِبِينَ 10 / 337.
(116) بَدَائِع الصَّنَائِع 7 / 109 - 110، والبحر الرَّائِق 5 / 86، وروضة الطَّالِبِينَ 10 / 338، ومطالب أُولِي النُّهَى 2 / 591، المغني 8 / 462.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 205/ 42