البحث

عبارات مقترحة:

المنان

المنّان في اللغة صيغة مبالغة على وزن (فعّال) من المَنّ وهو على...

المقتدر

كلمة (المقتدر) في اللغة اسم فاعل من الفعل اقْتَدَر ومضارعه...

الجواد

كلمة (الجواد) في اللغة صفة مشبهة على وزن (فَعال) وهو الكريم...

مَسْجِدٌ


من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف اللغوي

المَسْجِدُ: مَوْضِعُ السُّجُودِ مِن الأَرْضِ، والسُّجُودُ: وَضْعُ الجَبْهَةِ على الأَرْضِ، يُقال: سَجَد، يسجُدُ، سُجُودًا، أيْ: وَضَعَ جَبْهَتَهُ على الْأَرْضِ. وأَصْلُه: الخُضُوعُ والانْحِناءُ، وسَجَدَ الرَّجُلُ، أيْ: طَأْطَأَ رَأْسَهُ وانْحَنَى، والمَسْجَدُ: جَبْهَةُ الرَّجُلِ حين يُصِيبُهُ أَثَرُ السُّجُودِ.

إطلاقات المصطلح

يَرِد مُصْطلَح (مَسْجِد) في الفقه في عِدَّة مَواطِنَ، مِنها: كتاب الطَّهارَةِ، باب: الحَيْض والنِّفاس، وكتاب الاعْتِكافِ، باب: شُرُوط الاعْتِكافِ، وفي كتاب الحَجِّ، باب: صِفَة الحَجِّ، وكتاب النِّكاحِ، باب: عَقْد النِّكاحِ، وكتاب الوَقْفِ، والجِناياتِ، والحُدود، وغَيْر ذلك. ويُطْلَق أيضًا في كتاب الصَّلاةِ، باب: صَلاة المُسافِرِ، ويُراد بِه: كُلُّ مَوْضِعٍ مِن الأَرْضِ يُسْجَدُ للهِ فيه.

جذر الكلمة

سَجَدَ

المراجع

* تحرير ألفاظ التنبيه : (ص 40)
* الكليات : (ص 871)
* إعلام الساجد باحكام المساجد : (ص 8)
* إعلام الساجد باحكام المساجد : (ص 28)
* حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : (4/91)
* العين : (6/49)
* تهذيب اللغة : (10/301)
* المحكم والمحيط الأعظم : (7/261)
* القاموس المحيط : (ص 287)
* لسان العرب : (3/204)
* دستور العلماء : (3/182)
* القاموس الفقهي : (ص 166)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 428)
* التعريفات الفقهية : (ص 204) -

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الْمَسْجِدُ فِي اللُّغَةِ: بَيْتُ الصَّلاَةِ، وَمَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ بَدَنِ الإِْنْسَانِ وَالْجَمْعُ مَسَاجِدُ (1) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عُرِّفَ بِتَعْرِيفَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: أَنَّهَا الْبُيُوتُ الْمَبْنِيَّةُ لِلصَّلاَةِ فِيهَا لِلَّهِ فَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ وَلِعِبَادَتِهِ (2) .
وَكُل مَوْضِعٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ فِيهِ وَيُسْجَدَ لَهُ (3) ، لِقَوْلِهِ ﷺ: جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا (4) .
وَخَصَّصَهُ الْعُرْفُ بِالْمَكَانِ الْمُهَيَّأِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، لِيَخْرُجَ الْمُصَلَّى الْمُجْتَمَعِ فِيهِ لِلأَْعْيَادِ وَنَحْوِهَا، فَلاَ يُعْطَى حُكْمَهُ، وَكَذَلِكَ الرُّبُطُ وَالْمَدَارِسُ فَإِنَّهَا هُيِّئَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ (5) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْجَامِعُ
2 - مِنْ مَعَانِي الْجَامِعِ فِي اللُّغَةِ: أَنَّهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ جَمَعَ النَّاسَ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ (6) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (7) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا هِيَ أَنَّ الْجَامِعَ أَخَصُّ مِنَ الْمَسْجِدِ.

ب - الْمُصَلَّى
3 - الْمُصَلَّى فِي اللُّغَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُول: مَوْضِعُ الصَّلاَةِ أَوِ الدُّعَاءِ (8) .
وَيُرَادُ بِهِ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفَضَاءُ وَالصَّحْرَاءُ (9) ، وَهُوَ الْمُجْتَمَعُ فِيهِ لِلأَْعْيَادِ وَنَحْوِهَا (10) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى أَنَّ الْمُصَلَّى أَخَصُّ مِنَ الْمَسْجِدِ.

ج - الزَّاوِيَةُ
4 - الزَّاوِيَةُ فِي اللُّغَةِ: وَاحِدَةُ الزَّوَايَا، وَزَاوِيَةُ الْبَيْتِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ ذَلِكَ لأَِنَّهَا جَمَعَتْ قُطْرَيْنِ مِنْهُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَسْجِدِ غَيْرِ الْجَامِعِ لَيْسَ فِيهِ مِنْبَرٌ (11) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (12) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ أَعَمُّ.

بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ وَعِمَارَتُهَا وَوَظَائِفُهَا
5 - يَجِبُ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ فِي الأَْمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْمَحَال - جَمْعُ مَحَلَّةٍ - وَنَحْوِهَا حَسَبَ الْحَاجَةِ وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ (13) .
وَالْمَسَاجِدُ هِيَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الأَْرْضِ وَهِيَ بُيُوتُهُ الَّتِي يُوَحَّدُ فِيهَا وَيُعْبَدُ، يَقُول سُبْحَانَهُ: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} ، قَال ابْنُ كَثِيرٍ: أَيْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَعَاهُدِهَا وَتَطْهِيرِهَا مِنَ الدَّنَسِ وَاللَّغْوِ وَالأَْقْوَال وَالأَْفْعَال الَّتِي لاَ تَلِيقُ فِيهَا، كَمَا قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ اللَّغْوِ فِيهَا، وَقَال قَتَادَةُ: هِيَ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِبِنَائِهَا وَعِمَارَتِهَا وَرَفْعِهَا وَتَطْهِيرِهَا، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُول: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ بُيُوتِي فِي الأَْرْضِ الْمَسَاجِدُ وَأَنَّهُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي أَكَرَمْتُهُ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ كَرَامَةُ الزَّائِرِ (14) .
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثٌ كَثِيرَةٌ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَاحْتِرَامِهَا وَتَوْقِيرِهَا وَتَطْيِيبِهَا وَتَبْخِيرِهَا.
فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ (15) .
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالْمَسَاجِدِ أَنْ تُبْنَى فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُطَهَّرَ وَتُطَيَّبَ (16) . وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَْسْقَعِ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَل سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ - الْمَرَاحِيضَ - وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ (17) .
وَقَدْ بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَلِلصَّلاَةِ فِيهَا كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ لِلأَْعْرَابِيِّ الَّذِي بَال فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لاَ تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْل وَلاَ الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ ﷿ وَالصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (18) فَهِيَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَمَوَاطِنُ عِبَادَتِهِ وَشُكْرِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَتَنْزِيهِهِ (19) .
وَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآْصَال رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَْبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
وَلِذَا يُسْتَحَبُّ لُزُومُهَا وَالْجُلُوسُ فِيهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِحْيَاءِ الْبُقْعَةِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَةِ، وَفِعْلِهَا فِي أَوْقَاتِهَا عَلَى أَكْمَل الأَْحْوَال (20) ، قَال أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ لاِبْنِهِ: يَا بُنَيَّ لِيَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ الْمُتَّقِينَ وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ ﷿ لِمَنْ كَانَ الْمَسَاجِدُ بُيُوتَهُ الرَّوْحَ وَالرَّحْمَةَ وَالْجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ (21) . فَضْل الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ
6 - تَفْضُل الْمَسَاجِدُ الثَّلاَثَةُ (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ بِمَكَّةَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ بِالْمَدِينَةِ، الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى بِالْقُدْسِ) غَيْرَهَا مِنَ الْمَسَاجِدِ الأُْخْرَى بِأَنَّهَا الَّتِي تُشَدُّ إِلَيْهَا الرِّحَال دُونَ غَيْرِهَا، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى (22) .
وَلِذَا قَال الْعُلَمَاءُ: مَنْ نَذَرَ صَلاَةً فِي مَسْجِدٍ لاَ يَصِل إِلَيْهِ إِلاَّ بِرِحْلَةِ وَرَاحِلَةٍ فَلاَ يَفْعَل وَيُصَلِّي فِي مَسْجِدِهِ إِلاَّ فِي الثَّلاَثَةِ الْمَسَاجِدِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ مَنْ نَذَرَ صَلاَةً فِيهَا خَرَجَ إِلَيْهَا، وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَسْجِدٍ غَيْرِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ لاِعْتِكَافٍ أَوْ صَوْمٍ فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الإِْتْيَانُ لِذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَيَفْعَل تَلِكَ الْعِبَادَةَ بِمَحَلِّهِ، أَمَّا مَنْ نَذَرَ الإِْتْيَانَ لِمَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ لأَِجْل صَوْمٍ أَوْ صَلاَةٍ أَوِ اعْتِكَافٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الإِْتْيَانُ إِلَيْهِ (23) . أَمَّا أَنَّ الرِّحَال لاَ تُشَدُّ لِغَيْرِهَا مِنَ الْمَسَاجِدِ فَلأَِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الْمَسَاجِدِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا، إِذْ هِيَ مُتَمَاثِلَةٌ، وَلاَ بَلَدَ إِلاَّ وَفِيهِ مَسْجِدٌ وَلاَ مَعْنَى لِلرِّحْلَةِ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَعَلَى هَذَا وَكَمَا قَال الْعُلَمَاءُ لَوْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ لأَِدَاءِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِبَعْضِهَا فَضْلٌ عَلَى بَعْضٍ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لأَِجْل ذَلِكَ مِنْهَا مَا عَيَّنَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (24) .
كَمَا تَفْضُل هَذِهِ الْمَسَاجِدُ الثَّلاَثَةُ بِزِيَادَةِ ثَوَابِ الصَّلاَةِ فِيهَا عَنْهُ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَتْ تَتَفَاضَل فِي هَذَا الثَّوَابِ فِيمَا بَيْنَهَا.
فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: فَضْل الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلاَةٍ وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلاَةٍ (25) .
قَال الزَّرْكَشِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ فِي الْمَسْجِدَيْنِ لاَ تَخْتَصُّ بِالْفَرِيضَةِ، بَل تَعُمُّ النَّفْل وَالْفَرْضَ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِنَّهُ الْمَذْهَبُ، قُلْتُ: وَهُوَ لاَزِمٌ لِلأَْصْحَابِ مِنَ اسْتِثْنَائِهِمُ النَّفْل بِمَكَّةَ مِنَ الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ لأَِجْل زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ.
وَقَال الطّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي شَرْحِ الآْثَارِ: وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْفَرْضِ وَأَنَّ فِعْل النَّوَافِل فِي الْبَيْتِ أَفَضْل مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَال ابْنُ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيِّ: هَذَا التَّضْعِيفُ فِي الصَّلَوَاتِ يَحْتَمِل أَنْ يَعُمَّ الْفَرْضَ وَالنَّفَل، وَهُوَ ظَاهِرُ الأَْخْبَارِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ الْفَرْضُ دُونَ النَّفْل، لأَِنَّ النَّفْل دُونَهُ (26) .
وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُوَ أَوَّل مَسْجِدٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ فِي الأَْرْضِ لِلتَّعَبُّدِ فِيهِ، قَال تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} ، وَلِذَلِكَ كَانَ أَفَضْل الْمَسَاجِدِ، فَهُوَ قِبْلَةُ الْمُصَلِّينَ وَكَعْبَةُ الزَّائِرِينَ وَفِيهِ الأَْمْنُ وَالأَْمَانُ (27) .
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَْرْضِ أَوَّل؟ قَال: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ قَال: الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَال: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْل فِيهِ (28) .
وَأَمَّا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ فَقَال الزَّرْكَشِيُّ: أَنْشَأَ أَصْلَهُ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُهَاجِرُونَ الأَْوَّلُونَ وَالأَْنْصَارُ الْمُتَقَدِّمُونَ خِيَارُ هَذِهِ الأُْمَّةِ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ مَزِيدِ الشَّرَفِ عَلَى غَيْرِهِ مَا لاَ يَخْفَى، وَاشْتِمَالُهَا عَلَى بُقْعَةٍ هِيَ أَفَضْل بِقَاعِ الأَْرْضِ بِالإِْجْمَاعِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي ضَمَّ أَعْضَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، حَكَى الإِْجْمَاعَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَفِي ذَلِكَ قَال: بَعْضُهُمْ - وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبِسْكَرِيُّ الْمَغْرِبِيُّ -:

جَزَمَ الْجَمِيعُ بِأَنَّ خَيْرَ الأَْرْضِ مَا

قَدْ حَاطَ ذَاتَ الْمُصْطَفَى وَحَوَاهَا

وَنَعَمْ لَقَدْ صَدَقُوا بِسَاكِنِهَا عَلَتْ

كَالنَّفْسِ حَيْنَ زَكَتْ زَكَا مَأْوَاهَا (29)

وَلِذَا نَدَبَ الشَّارِعُ إِلَى زِيَارَتِهِ وَالصَّلاَةِ فِيهِ وَلِلْمَسْجِدِ الأَْقْصَى قَدَاسَتُهُ وَعَرَاقَتُهُ وَلَهُ مَكَانَتُهُ فِي الإِْسْلاَمِ حَيْثُ كَانَ قِبْلَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَكَانَ إِلَيْهِ مَسْرَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَيْهِ، قَال تَعَالَى: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
فَهَذِهِ الآْيَةُ تُعَظِّمُ قَدْرَهُ بِإِسْرَاءِ سَيِّدِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَكَّةَ، وَصَلاَتُهُ فِيهِ بِالأَْنْبِيَاءِ إِمَامًا قَبْل عُرُوجِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَبَعْدَ أَنْ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، هَذَا إِلَى إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَرَكَةِ حَوْلَهُ، إِمَّا بِأَنْ جَعَل حَوْلَهُ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ الأَْخْيَارِ، وَإِمَّا بِكَثْرَةِ الثِّمَارِ وَمَجَارِي الأَْنْهَارِ (30) ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: إِنَّ الْجَنَّةَ تَحِنُّ شَوْقًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَصَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ، وَهِيَ صُرَّةُ الأَْرْضِ (31) .

آدَابُ الدُّخُول إِلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلاَثَةِ وَغَيْرِهَا
7 - إِذَا عَايَنَ دَاخِل الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْبَيْتَ وَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَال: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَكَرَمِهِ وَعِظَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا (32) . وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُول إِذَا لَقِيَ الْبَيْتَ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْبَيْتِ مِنَ الدَّيْنِ وَالْفَقْرِ وَضِيقِ الصَّدْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُول: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلاَمِ (33) .
وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَبْدَأَ حَيْنَ دُخُولِهِ بِتَقْدِيمِ الرِّجْل الْيُمْنَى وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ، بَل بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسَاجِدِ كُلِّهَا.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَيَقُول كَذَلِكَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ جِئْتُ لأُِؤَدِّيَ فَرْضَكَ وَأَطْلُبَ رَحْمَتَكَ وَأَلْتَمِسَ رِضَاكَ، مُتَّبِعًا لأَِمْرِكَ رَاضِيًا بِقَضَائِكَ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمُضْطَرِّينَ الْمُشْفِقِينَ مِنْ عَذَابِكَ أَنْ تَسْتَقْبِلَنِي الْيَوْمَ بِعَفْوِكَ تَحْفَظُنِي بِرَحْمَتِكَ وَتَتَجَاوَزُ عَنِّي بِمَغْفِرَتِكَ وَتُعِينُنِي عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِكَ، اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَأَدْخِلْنِي فِيهَا وَأَعِذْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
وَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِكُل لَفْظٍ فِيهِ التَّضَرُّعُ وَالْخُشُوعُ. وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَدْخُل الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ الْمَعْرُوفِ الآْنَ بِبَابِ السَّلاَمِ إِذْ مِنْهُ دَخَل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ (34) ، هَذَا مَا انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الأَْئِمَّةِ عَلَيْهِ (35) .
8 - وَلاَ يَخْتَلِفُ دُخُول مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ عَنْ دُخُول غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ مِنْ حَيْثُ تَقْدِيمُ الدَّاخِل رِجْلَهُ الْيُمْنَى قَائِلاً: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَيَدْخُل مِنْ بَابِ جِبْرِيل أَوْ غَيْرِهِ وَيَقْصِدُ الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ وَهِيَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلاً السَّارِيَةَ الَّتِي تَحْتَهَا الصُّنْدُوقُ بِحَيْثُ يَكُونُ عَمُودُ الْمِنْبَرِ حِذَاءَ مَنْكِبِهِ الأَْيْمَنِ إِنْ أَمْكَنَهُ وَتَكُونُ الْحَنِيَّةُ الَّتِي فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَذَلِكَ مَوْقِفُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِيمَا قِيل قَبْل أَنْ يُغَيَّرَ الْمَسْجِدُ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيَسْتَقْبِل جِدَارَهُ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ مِنَ السَّارِيَةِ الَّتِي عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ فِي زَاوِيَةِ جِدَارِهِ، ثُمَّ يَقُول فِي مَوْقِفِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا خِيرَةَ اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدَ وَلَدِ آدَمِ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ يَا رَسُول اللَّهِ قَدْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْتَ الأَْمَانَةَ وَنَصَحْتَ الأُْمَّةَ وَكَشَفْتَ الْغُمَّةَ فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا، جَازَاكَ اللَّهُ عَنَّا أَفَضْل مَا جَازَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، اللَّهُمَّ أَعْطِ سَيِّدَنَا عَبْدَكَ وَرَسُولَكَ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدَّتْهُ، وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِل الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ إِنَّكَ سُبْحَانَكَ ذُو الْفَضْل الْعَظِيمِ، وَيَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ (36) .
هَذَا مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ مَعَ اخْتِلاَفٍ يَسِيرٍ فِي صِيَغِ بَعْضِ الأَْدْعِيَةِ.
9 - وَآدَابُ دُخُول بَيْتِ الْمَقْدِسِ لاَ تَخْتَلِفُ عَنْ آدَابِ دُخُول غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَقَدْ دَخَلَهُ الرَّسُول ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَأَمَّ الأَْنْبِيَاءَ (37) .
10 - ثُمَّ آدَابُ دُخُول الْمَسَاجِدِ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ أَنْ يُقَدِّمَ الدَّاخِل رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُول وَالْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُسْرَى (38) . قَال الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى (39) ، وَذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَامُنُ وَمَا كَانَ بِضَدِّهِ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَاسُرُ، وَإِذَا أَخْرَجَ يُسْرَاهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَضَعَهَا عَلَى ظَاهِرِ نَعْلِهِ، وَيُخْرِجُ يُمْنَاهُ وَيُقَدِّمُهَا فِي اللُّبْسِ، وَعِنْدَ الدُّخُول يَخْلَعُ يُسْرَاهُ وَيَضَعُهَا عَلَى ظَاهِرِ نَعْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْيُمْنَى وَيُقَدِّمُهَا دُخُولاً (40) .
وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا دَخَل أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ (41) .
وَعَنْ أَبِي هَرِيرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا دَخَل أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ وَلْيَقُل: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (42) .
وَعَنْ فَاطِمَةَ ﵂ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَل الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَال: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ (43) } .

تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ
11 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسَنُّ لِكُل مَنْ يَدْخُل مَسْجِدًا غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - يُرِيدُ الْجُلُوسَ بِهِ وَكَانَ مُتَوَضِّئًا - أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ قَبْل الْجُلُوسِ.
أَمَّا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهِيَ عِنْدَهُمُ الطَّوَافُ لِلْقَادِمِ لِمَكَّةَ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَحِيَّةٌ ف 5 وَمَا بَعْدَهَا) .

الْبِنَاءُ لِلسَّكَنِ فَوْقَ الْمَسْجِدِ وَتَحْتَهُ وَبِنَاؤُهُ عَلَى الْقَبْرِ وَالدَّفْنُ فِيهِ:
12 - أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ اتِّخَاذَ مَنْزِلٍ لِلسَّكَنِ فِيهِ تَحْتَ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُجِيزُوا اتِّخَاذَهُ فَوْقَهُ (44) .
وَلَمْ يُجِيزُوا الدَّفْنَ فِيهِ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي لِنَبْشِهِ إِلاَّ لِمَصْلَحَةِ تَعُودُ عَلَى الْمَيِّتِ (45) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ - كَمَا نَقَل ابْنُ مُفْلِحٍ عَنِ الْمُسْتَوْعِبِ - إِنْ جَعَل أَسْفَل بَيْتِهِ مَسْجِدًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَطْحِهِ، وَإِنْ جَعَل سَطْحَهُ مَسْجِدًا انْتَفَعَ بِأَسْفَلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَال أَحْمَدُ: لأَِنَّ السَّطْحَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى أَسْفَل (46) .
وَحَرَّمُوا الدَّفْنَ بِالْمَسَاجِدِ وَكَذَا بِنَاءَ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقَبْرِ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ (47) .
وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا جَعَل السُّفْل مَسْجِدًا وَعَلَى ظَهْرِهِ مَسْكَنٌ فَهُوَ مَسْجِدٌ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مِمَّا يَتَأَبَّدُ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي السُّفْل دُونَ الْعُلْوِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ عَلَى عَكْسُ هَذَا لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مُعَظَّمٌ، وَإِذَا كَانَ فَوْقَهُ مَسْكَنٌ أَوْ مُسْتَغَلٌّ يَتَعَذَّرُ تَعْظِيمُهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ جَوَّزَ فِي الْوَجْهَيْنِ حَيْنَ قَدِمَ بَغْدَادَ وَرَأَى ضِيقَ الْمَنَازِل فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ حِينَ دَخَل الرَّيَّ أَجَازَ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا جَعَل السُّفْل مَسْجِدًا دُونَ الْعُلُوِّ جَازَ لأَِنَّهُ يَتَأَبَّدُ بِخِلاَفِ الْعُلُوِّ (48) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ جَعَل تَحْتَهُ سِرْدَابًا لِمَصَالِحِهِ جَازَ (49) .
وَكَرِهَ الشَّافِعِيَّةُ بِنَاءَ مَسْجِدٍ عَلَى الْقَبْرِ (50) ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَل قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ (51) ، قَال الشَّافِعِيُّ ﵀: وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَظَّمَ مَخْلُوقٌ حَتَّى يُجْعَل قَبْرُهُ مَسْجِدًا مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ (52) ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ (53) .
وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَتَّخِذَ فَوْقَهُ مَسْكَنًا يَسْكُنَ فِيهِ بِأَهْلِهِ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ مَا يَقْتَضِي مَنْعَ مُكْثِ الْجُنُبِ فِيهِ لأَِنَّهُ جَعَل ذَلِكَ هَوَاءَ الْمَسْجِدِ وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ (54) . بِنَاءُ الْمَسْجِدِ بِمُتَنَجِّسٍ
13 - نَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ قَوْلَهُ: لاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ بِاللَّبِنِ الْمَعْجُونِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَتِهِ وَيَطْهُرُ بِالْغَسْل ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ عَلَى الْجَدِيدِ الأَْصَحِّ (55) .

تَرْمِيمُ الْمَسَاجِدِ
14 - لِلتَّرْمِيمِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ، مِنْهَا: الإِْصْلاَحُ، يُقَال: رَمَّمْتُ الْحَائِطَ وَغَيْرَهُ تَرْمِيمًا: أَصْلَحْتُهُ، وَيُقَال: رَمَمْتُ الشَّيْءَ أَرُمُّهُ وَأَرُمُّهُ رُمًّا وَمَرَمَّةً إِذَا أَصْلَحْتَهُ (56) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالتَّرْمِيمُ قَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ التَّقْوِيَةِ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مُعَرَّضًا لِلتَّلَفِ، وَقَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ التَّحْسِينِ.
وَتَرْمِيمُ الْمَسَاجِدِ لاَ يَخْرُجُ فِي مَعْنَاهُ أَوِ الْغَرَضِ مِنْهُ عَمَّا سَبَقَ.
15 - وَتَرْمِيمُ الْمَسَاجِدِ مِنْ عِمَارَتِهَا الْمَأْمُورِ بِهَا شَرْعًا، وَالْعِمَارَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِنْ قَامَ بِهَا بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ الإِْثْمُ عَنِ الْبَاقِينَ.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} .
قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَثْبَتَ الإِْيمَانَ فِي الآْيَةِ لِمَنْ عَمَّرَ الْمَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ فِيهَا وَتَنْظِيفِهَا وَإِصْلاَحِ مَا وَهِيَ مِنْهَا وَآمَنَ بِاللَّهِ (57) .
وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ هِيَ الْبِنَاءُ وَالتَّرْمِيمُ وَالتَّجْصِيصُ لِلإِْحْكَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأُجْرَةُ الْقَيِّمِ وَمَصَالِحُهُ تَشْمَل ذَلِكَ.
وَقَال: لَوْ زَادَ رِيعُ مَا وَقَفَ عَلَى الْمَسْجِدِ لِمَصَالِحِهِ أَوْ مُطْلَقًا ادَّخَرَ لِعَمَارَتِهِ، وَلَهُ شِرَاءُ شَيْءٍ بِهِ مِمَّا فِيهِ زِيَادَةُ غَلَّتِهِ وَلَوْ زَادَ رِيعُ مَا وَقَفَ لِعَمَارَتِهِ وَلَمْ يُشْتَرَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيُقَدِّمُ عِمَارَةَ عَقَارِهِ عَلَى عِمَارَتِهِ وَعَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْوَاقِفُ، كَذَا فِي الْعُبَابِ (58) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: وَقْفٌ)

تَزْوِيقُ الْمَسَاجِدِ
16 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِنَقْشِ الْمَسْجِدِ خَلاَ مِحْرَابَهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لأَِنَّهُ يُلْهِي الْمُصَلِّيَ، وَكَرِهُوا التَّكَلُّفَ بِدَقَائِقِ النُّقُوشِ وَنَحْوِهَا خُصُوصًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ.
وَقِيل: يُكْرَهُ فِي الْمِحْرَابِ دُونَ السَّقْفِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِحْرَابِ جِدَارُ الْقِبْلَةِ. وَالْمُرَادُ بِالنَّقْشِ هُنَا مَا كَانَ بِالْجِصِّ وَمَاءِ الذَّهَبِ لَوْ كَانَ بِمَال النَّاقِشِ، أَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ مَال الْوَقْفِ فَهُوَ حَرَامٌ وَيَضْمَنُ مُتَوَلِّيهِ لَوْ فَعَلَهُ.
وَإِنِ اجْتَمَعَتْ أَمْوَال الْمَسْجِدِ وَخَافَ الْمُتَوَلِّي الضَّيَاعَ بِطَمَعِ الظَّلَمَةِ لاَ بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ.
وَلَيْسَ بِمُسْتَحْسَنِ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْمَحَارِيبِ وَالْجُدَرَانِ مِمَّا يَخَافُ مِنْ سُقُوطِ الْكِتَابَةِ وَأَنْ تُوطَأَ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْقَيِّمِ شِرَاءُ الْمُصَلَّيَاتِ لِتَعْلِيقِهَا بِالأَْسَاطِينِ وَيَجُوزُ لِلصَّلاَةِ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لاَ تُعَلَّقُ بِالأَْسَاطِينِ وَلاَ يَجُوزُ إِعَارَتُهَا لِمَسْجِدٍ آخَرَ، قَال فِي الْقُنْيَةِ: هَذَا إِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَال الْوَاقِفِ، أَمَّا إِذَا أَمَرَ بِتَعْلِيقِهَا وَأَمَرَ بِالدَّرْسِ فِيهِ وَبَنَاهُ لِلدَّرْسِ وَعَايَنَ الْعَادَةَ الْجَارِيَةَ فِي تَعْلِيقِهَا بِالأَْسَاطِينِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُدَرَّسُ فِيهَا فَلاَ بَأْسَ بِشِرَائِهَا بِمَال الْوَقْفِ فِي مَصْلَحَتِهِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهَا وَلاَ يَضْمَنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (59) .
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ تَزْوِيقَ حِيطَانِ الْمَسْجِدِ وَسَقْفِهِ وَخَشْبِهِ وَالسَّاتِرِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَشْغَل الْمُصَلِّيَ وَإِلاَّ فَلاَ، كَمَا يُكْرَهُ كَذَلِكَ عِنْدَهُمْ تَزْوِيقُ الْقِبْلَةِ بِالذَّهَبِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ فِيهَا، وَأَمَّا إِتْقَانُ الْمَسْجِدِ بِالْبِنَاءِ وَالتَّجْصِيصِ فَمَنْدُوبٌ (60) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: قَال الزَّرْكَشِيُّ: يُكْرَهُ نَقْشُ الْمَسْجِدِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صَرْفُ غَلَّةِ مَا وَقَفَ عَلَى عَمَارَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ: لاَ يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى التَّجْصِيصِ وَالتَّزْوِيقِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ مَرَّ بِمَسْجِدٍ مُزَخْرَفٍ فَقَال: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ زَخْرَفَهُ، أَوْ قَال: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَل هَذَا، الْمَسَاكِينُ أَحْوَجُ مِنَ الأَْسَاطِينِ.
وَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ النُّظَّارِ مِنْ ذَلِكَ سَفَهٌ مُضَمِّنٌ أَمْوَالَهُمْ.
وَقَال الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لاَ يَجُوزُ تَنْقِيشُ الْمَسْجِدِ بِمَا لاَ إِحْكَامَ فِيهِ، وَقَال فِي الْفَتَاوَى فَإِنْ كَانَ فِي إِحْكَامٍ فَلاَ بَأْسَ، فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ بَنَى الْمَسْجِدَ بِالْقَصَّةِ - الْجِصِّ وَالْجِيرِ - وَالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ (61) ، قَال الْبَغَوِيُّ: وَمَنْ زَوَّقَ مَسْجِدًا أَيْ تَبَرُّعًا لاَ يُعَدُّ مِنَ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي يُبَالَغُ فِيهَا كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، لأَِنَّهُ يَفْعَلُهُ تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، وَقَدْ سَامَحَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَأَبَاحَهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ قَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لاَ يَجُوزُ نَقْشُ الْمَسْجِدِ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ وَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ إِنْ فَعَلَهُ، فَلَوْ فَعَلَهُ رَجُلٌ بِمَالِهِ كُرِهَ، وَلأَِنَّهُ يَشْغَل قَلْبَ الْمُصَلِّينَ.
وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ عَدَمَ الْجَوَازِ، لأَِنَّهُ بِدْعَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلأَِنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالْكُفَّارِ، فَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا " { مَا سَاءَ عَمَل قَوْمٍ قَطُّ إِلاَّ زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ (62) .
وَإِذَا وَقَفَ عَلَى النَّقْشِ وَالتَّزْوِيقِ لاَ يَصِحُّ عَلَى الأَْصَحِّ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلأَِنَّهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، لأَِنَّهُ مِمَّا يُلْهِي عَنِ الصَّلاَةِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَقِيل: يَصِحُّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ وَإِعْزَازِ الدِّينِ.
وَيُكْرَهُ زَخْرَفَتُهَا، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفَنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى (63) ، وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ (64) .
وَوَرَدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ وَقَال: " أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ (65) "، وَقَال أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِذَا حَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ، وَزَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ فَالدَّبَارُ - الْهَلاَكُ - عَلَيْكُمْ، وَقَال عَلِيٌّ ﵁: إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا رَفَعُوا مَسَاجِدَهُمْ فَسَدَتْ أَعْمَالُهُمْ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَقَال: لاَ بَأْسَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ} الآْيَةَ، وَلِمَا رُوِيَ مِنْ فِعْل عُثْمَانَ ذَلِكَ بِمَسْجِدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ.
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي تَحْلِيَةِ الْمَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَتَعْلِيقِ قَنَادِيلِهَا وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنِ السَّلَفِ،
وَالثَّانِي: الْجِوَازُ كَمَا يَجُوزُ سَتْرُ الْكَعْبَةِ بِالدِّيبَاجِ، وَيَحِل الْحَرِيرُ لإِِلْبَاسِ الْكَعْبَةِ، وَأَمَّا بَاقِي الْمَسَاجِدِ فَقَال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لاَ بَأْسَ بِسَتْرِ الْمَسْجِدِ بِالثِّيَابِ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ، وَأَمَّا الْحَرِيرُ فَيَحْتَمِل أَنْ يَلْحَقَ بِالتَّزْيِينِ بِقَنَادِيل الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ قَوْلاً وَاحِدًا لأَِنَّ أَمْرَهُ أَهْوَنُ، وَلَمْ تَزَل الْكَعْبَةُ تُسْتَرُ بِالْحَرِيرِ فَلاَ يَبْعُدُ إِلْحَاقُ غَيْرِهَا بِهَا. قُلْتُ: وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ: لاَ فَرْقَ فِي الإِْبَاحَةِ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا، لأَِنَّ الْحَرِيرَ إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَى الرِّجَال لاَ عَلَى النِّسَاءِ فَكَيْفَ الْجَمَادَاتُ وَالْمَسَاجِدُ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي فَتَاوَى قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي بَكْرٍ الشَّامِيِّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسْجِدِ سُتُورًا مِنْ حَرِيرٍ وَلاَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلاَ يَصِحُّ وَقْفُهَا عَلَيْهِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ.
وَيُسْتَحَبُّ فَرْشُ الْمَسَاجِدِ وَتَعْلِيقُ الْقَنَادِيلوَالْمَصَابِيحِ (66) ، وَيُقَال: أَوَّل مَنْ فَعَل ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، وَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ﵁ اجْتِمَاعَ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الصَّلاَةِ وَالْقَنَادِيل تُزْهِرُ وَكِتَابُ اللَّهِ يُتْلَى: قَال: نَوَّرْتَ مَسَاجِدَنَا، نَوَّرَ اللَّهُ قَبْرَكَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ، وَرُوِيَ عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَال: أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلاَةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّل إِلَيْهِ؟ قَال: فَتُهْدِي لَهُ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ، فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ (67) .
وَيَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فَقَدْ قَالُوا: تَحْرُمُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ إِنْ تَحَصَّل مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، وَأَوَّل مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ فِي الإِْسْلاَمِ وَزَخْرَفَهَا وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَخْرَفَ الْمَسْجِدُ بِنَقْشٍ وَصَبْغٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّي عَنْ صَلاَتِهِ غَالِبًا، وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ مِنْ مَال الْوَقْفِ حَرُمَ فِعْلُهُ، وَوَجَبَ ضَمَانُ مَال الْوَقْفِ الَّذِي صَرَفَهُ فِيهِ، لأَِنَّهُ لاَ مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ، وَفِي الْغُنْيَةِ: لاَ بَأْسَ بِتَجْصِيصِهِ، أَيْ يُبَاحُ تَجْصِيصُ حِيطَانِهِ أَيْ تَبْيِيضُهَا، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ، وَلَمْ يَرَهُ أَحْمَدُ، وَقَال: هُوَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا، قَال فِي الشَّرْحِ: وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْمَسَاجِدِ وَزَخْرَفَتُهَا، فَعَلَيْهِ يَحْرُمُ مِنْ مَال الْوَقْفِ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ لاَ عَلَى الأَْوَّل.
وَيُصَانُ عَنْ تَعْلِيقِ مُصْحَفٍ وَغَيْرِهِ فِي قِبْلَتِهِ دُونَ وَضْعِهِ بِالأَْرْضِ، قَال أَحْمَدُ: يُكْرَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَحُول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يُكْرَهْ أَنْ يُوضَعَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُصْحَفُ أَوْ نَحْوُهُ (68) .

تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ
17 - قَال ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: هَؤُلاَءِ الْمُكَتِّبُونَ الَّذِينَ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمُ الصِّبْيَانُ فِي الْمَسَاجِدِ لِلتَّعْلِيمِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُمْ، إِذْ هُمْ لاَ يَقْصِدُونَ الْعِبَادَةَ بَل الاِرْتِزَاقُ، وَمُعَلِّمُ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ كَالْكَاتِبِ إِنْ كَانَ بِالأَْجْرِ لاَ يَجُوزُ وَحِسْبَةً لِلَّهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّل هَذَا، إنْ كَانَ لِضَرُورَةِ الْحَرِّ وَغَيْرِهِ لاَ يُكْرَهُ وَإِلاَّ فَيُكْرَهُ، وَسَكَتَ عَنْ كَوْنِهِ بِأَجْرِ أَوْ غَيْرِهِ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ حِسْبَةً، فَأَمَّا إنْ كَانَ بِأَجْرِ فَلاَ شَكَّ فِي الْكَرَاهَةِ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ حِسْبَةً وَلاَ ضَرُورَةَ يُكْرَهُ، لأَِنَّ نَفْسَ التَّعْلِيمِ وَمُرَاجَعَةُ الأَْطْفَال لاَ تَخْلُو عَمَّا يُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ (69) .
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَفِي الْخُلاَصَةِ تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ لاَ بَأْسَ بِهِ (70) .
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ تَعْلِيمَ الصَّبِيِّ فِي الْمَسْجِدِ إِلاَّ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى إِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ مَبْلَغَ الأَْدَبِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ الْمَسْجِدَ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لاَ يَقِرُّ فِيهِ وَيَعْبَثُ فَلاَ أُحِبُّ ذَلِكَ (71) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ مَنْعُ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ فِيهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَظِنَّةً لِلْعَبَثِ وَالتَّقْدِيرِ أَمْ لاَ، لأَِنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ تَحَفُّظِهِمْ مِنَ النَّجَاسَةِ (72) .
وَأَمَّا إِحْضَارُ الصَّبِيِّ الْمَسْجِدَ فَأَجَازُوهُ حَيْثُ لاَ يَعْبَثُ بِهِ وَيَكُفُّ عَنِ الْعَبَثِ إِذَا نُهِيَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الْعَبَثُ أَوْ عَدَمُ الْكَفِّ فَلاَ يَجُوزُ إِحْضَارُهُ فِيهِ (73) ، لِحَدِيثِ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ مَجَانِينَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ (74) .
وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنِ الْقَفَّال أَنَّهُ سُئِل عَنْ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَال: الأَْغْلَبُ مِنَ الصِّبْيَانِ الضَّرَرُ بِالْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ مَنْعُهُمْ (75) .
وَقَال الْجِرَاعِيُّ الْحَنْبَلِيُّ: يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ عَنْ عَمَل صَنْعَةٍ، وَنُقِل عَنِ السَّامِرِيِّ قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يُرَاعِي الْمَسْجِدَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقَال فِي رِوَايَةِ الأَْثْرَمِ: مَا يُعْجِبُنِي مِثْل الْخَيَّاطِ وَالإِْسْكَافِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَسَهَّل فِي الْكِتَابَةِ فِيهِ.
وَقَال الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ: خَصَّ الْكِتَابَةَ لأَِنَّهَا نَوْعُ تَحْصِيلٍ لِلْعِلْمِ فَهِيَ فِي مَعْنَى الدِّرَاسَةِ، وَهَذَا يُوجِبُ التَّقَيُّدَ مِمَّا لاَ يَكُونُ تَكَسُّبًا.
وَنَقَل الْجِرَاعِيُّ عَنِ ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ قَال فِي النَّوَادِرِ: لاَ يَجُوزُ التَّعْلِيمُ فِي الْمَسَاجِدِ.
وَقَال أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ - وَقَدْ سُئِل عَنْهَا - يُصَانُ الْمَسْجِدُ مِمَّا يُؤْذِيهِ وَيُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ حَتَّى رَفْعِ الصِّبْيَانِ أَصْوَاتَهُمْ فِيهِ، كَذَلِكَ تَوْسِيخُهُمْ لِحُصْرِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لاَ سِيَّمَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ وَقْتَ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا: وَأَمَّا تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يُؤْذُونَ الْمَسْجِدَ فَيَكُونُونَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ وَيَشْغَلُونَ الْمُصَلِّيَ فِيهِ فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ وَالْمَنْعُ مِنْهُ.
وَأَضَافَ الْجِرَاعِيُّ: وَقَال صَاحِبُ الْفُرُوعِ - ابْنُ مُفْلِحٍ - عَقِيبَ كَلاَمِ الْقَاضِي سَعْدِ الدِّينِ الْمُتَقَدِّمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى هَذَا تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ لِلْكِتَابَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِالأُْجْرَةِ، وَتَعْلِيمُهُمْ تَبَرُّعًا جَائِزٌ كَتَلْقِينِ الْقُرْآنِ، وَتَعْلِيمِ الْعِلْمِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَحْصُل ضَرَرٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (76) .

رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْجَهْرُ فِيهِ
18 - قَال الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِذِكْرٍ فِي الْمَسْجِدِ إِلاَّ لِلْمُتَفَقِّهِ، وَفِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ عَنِ الشَّعْرَانِيِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى اسْتِحْبَابِ ذِكْرِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، إِلاَّ أَنْ يُشَوِّشَ جَهْرُهُمْ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ قَارِئٍ.
وَصَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ الْكَلاَمِ الْمُبَاحِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنْ يُجْلَسَ لأَِجْلِهِ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مَا بُنِيَ لأُِمُورِ الدُّنْيَا.
وَفِي صَلاَةِ الْجَلاَّبِيِّ - كَمَا نَقَل عَنْهُ ابْنُ عَابِدِينَ - الْكَلاَمُ الْمُبَاحُ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا يَجُوزُ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِنْ كَانَ الأَْوْلَى أَنْ يَشْتَغِل بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى قَوْل الْجَلاَّبِيِّ: فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْمَنْعَ خَاصٌّ بِالْمُنْكَرِ مِنَ الْقَوْل أَمَّا الْمُبَاحُ فَلاَ (77) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِذِكْرٍ وَقُرْآنٍ وَعِلْمٍ فَوْقَ إِسْمَاعِ الْمُخَاطَبِ وَلَوْ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ، وَمَحَل كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَمْ يُخَلِّطْ عَلَى مُصَلٍّ وَإِلاَّ حَرُمَ، بِخِلاَفِ مَسْجِدِ مَكَّةَ وَمِنَى فَيَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ (78) .
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: يُكْرَهُ اللَّغَطُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ (79) .
وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ لَغَطٍ وَكَثْرَةِ حَدِيثٍ لاَغٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ مُبَاحًا أَوْ مُسْتَحَبًّا.
وَنُقِل عَنِ الْغُنْيَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ إِلاَّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَنُقِل عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي مَسَائِل الْفِقْهِ وَالاِجْتِهَادِ فِي الْمَسَاجِدِ إِذَا كَانَ الْقَصْدُ طَلَبَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مُغَالَبَةً وَمُنَافَرَةً دَخَل فِي حَيِّزِ الْمُلاَحَاةِ وَالْجِدَال فِيمَا لاَ يَعْنِي وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْمُلاَحَاةُ فِي غَيْرِ الْعُلُومِ فَلاَ تَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَنُقِل عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يُكْرَهُ كَثْرَةُ الْحَدِيثِ وَاللَّغَطُ فِي الْمَسَاجِدِ (80) . التَّقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ
19 - أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ التَّقَاضِيَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ لِلْفَصْل فِي الْخُصُومَاتِ جُلُوسًا ظَاهِرًا فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْصِل بَيْنَ الْخُصُومِ فِي الْمَسْجِدِ (81) ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِئَلاَّ يَشْتَبِهَ عَلَى الْغُرَبَاءِ مَكَانُهُ فَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ خَرَجَ الْقَاضِي إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَنَظَرَ فِي خُصُومَتِهَا أَوْ أَمَرَ مَنْ يَفْصِل بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ فِي دَابَّةٍ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لاِسْتِمَاعِ الدَّعْوَى وَالإِْشَارَةِ إِلَيْهَا فِي الشَّهَادَةِ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ طَرِيقَتَانِ: الأُْولَى اسْتِحْبَابُ الْجُلُوسِ فِي الرِّحَابِ وَكَرَاهَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِيَةُ اسْتِحْبَابُ جُلُوسِهِ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ (82) .
وَكَرِهَ الشَّافِعِيَّةُ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ لِلْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ (83) ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاذًا ﵁ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَحُدُودَكُمْ وَسَل سُيُوفِكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ (84) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ ف 38) .

إِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ فِيهِ:
20 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ قَال: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَجَمِّرُوهَا فِي جُمَعِكُمْ وَضَعُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ (85) .
وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنَ الْمَحْدُودِ فَيَجِبُ نَفْيُهُ عَنِ الْمَسْجِدِ إِذْ بِالضَّرْبِ قَدْ يَنْشَقُّ الْجِلْدُ فَيَسِيل مِنْهُ الدَّمُ فَيَتَنَجَّسُ الْمَسْجِدُ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حُدُودٌ ف 44) .

الأَْكْل وَالنَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ
21 - كَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ الأَْكْل فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّوْمَ فِيهِ وَقِيل: لاَ بَأْسَ لِلْغَرِيبِ أَنْ يَنَامَ فِيهِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَكِفِ فَلَهُ أَنْ يَشْرَبَ وَيَأْكُل وَيَنَامَ فِي مُعْتَكَفِهِ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَأْوِي فِي اعْتِكَافِهِ إِلاَّ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ قَضَاءُ هَذِهِ الْحَاجَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَلاَ ضَرُورَةَ إِلَى الْخُرُوجِ (86) .
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ إِنْزَال الضَّيْفِ بِمَسْجِدِ بَادِيَةٍ وَإِطْعَامَهُ فِيهِ الطَّعَامَ النَّاشِفَ كَالتَّمْرِ لاَ إِنْ كَانَ مُقَذِّرًا كَبِطِّيخِ أَوْ طَبِيخٍ فَيَحْرُمُ إِلاَّ بِنَحْوِ سُفْرَةٍ تُجْعَل تَحْتَ الإِْنَاءِ فَيُكْرَهُ، وَمِثْل مَسْجِدِ الْبَادِيَةِ مَسْجِدُ الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ وَأَمَّا التَّصْنِيفُ فِي مَسْجِدِ الْحَاضِرَةِ فَيُكْرَهُ وَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ نَاشِفًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ.
كَمَا أَجَازُوا النَّوْمَ فِيهِ بِقَائِلَةٍ أَيْ نَهَارًا وَكَذَا بِلَيْلٍ لَمِنْ لاَ مَنْزِل لَهُ أَوْ عَسُرَ الْوُصُول إِلَيْهِ (87) .
أَمَّا الْمُعْتَكِفُ: فَاسْتَحَبُّوا لَهُ أَنْ يَأْكُل فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي صَحْنِهِ أَوْ فِي مَنَارَتِهِ وَكَرِهُوا أَكْلَهُ خَارِجَهُ، وَأَمَّا النَّوْمُ فِيهِ مُدَّةَ الاِعْتِكَافِ فَمِنْ لَوَازِمِهِ، إِذْ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ بِعَدَمِ النَّوْمِ فِيهِ (88) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ أَكْل الْخُبْزِ وَالْفَاكِهَةِ وَالْبِطِّيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ قَال: كُنَّا نَأْكُل عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ (89) .
قَال: وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْسُطَ شَيْئًا خَوْفًا مِنَ التَّلَوُّثِ وَلِئَلاَّ يَتَنَاثَرَ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ فَتَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الْهَوَامُّ، هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ كَالثُّومِ وَالْبَصَل وَالْكُرَّاثِ وَنَحْوِهِ فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ فِيهِ وَيُمْنَعُ آكِلُهُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ، فَإِنْ دَخَل الْمَسْجِدَ أُخْرِجَ مِنْهُ لِحَدِيثِ: مَنْ أَكَل ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِل مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ (90) .
وَقَالُوا أَيْضًا بِجِوَازِ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ، فَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لاَ أَهْل لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ (91) ، وَأَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ قَال: كُنَّا نَبِيتُ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَعَطَاءً وَالشَّافِعِيَّ رَخَّصُوا فِيهِ (92) . أَمَّا الْمُعْتَكِفُ فَأَكْلُهُ وَمَبِيتُهُ فِي مَسْجِدِ اعْتِكَافِهِ، وَأُجِيزَ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْبَيْتِ لِيَأْكُل فِيهِ، وَلاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّ الأَْكْل فِي الْمَسْجِدِ يَنْقُصُ مِنَ الْمُرُوءَةِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ (93) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: لاَ يَجُوزُ دُخُول الْمَسْجِدِ لِلأَْكْل وَنَحْوِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ الأَْكْل فِي الْمَسْجِدِ وَغَسْل يَدِهِ فِي طَسْتٍ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ فِي آخِرِ بَابِ الأَْذَانِ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالاِجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ وَالأَْكْل فِيهِ وَالاِسْتِلْقَاءِ فِيهِ.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَأْكُل الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَضَعَ سُفْرَةً يَسْقُطُ عَلَيْهَا مَا يَقَعُ مِنْهُ كَيْلاَ يُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ (94) .

الْغِنَاءُ وَالتَّصْفِيقُ وَالرَّقْصُ فِي الْمَسْجِدِ
22 - قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ عَنِ الْغِنَاءِ فِيهِ وَالتَّصْفِيقِ (95) .
وَأَمَّا لَعِبُ الْحَبَشَةِ بِدَرَقِهِمْ وَحِرَابِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ عِيدٍ وَجَعْل النَّبِيِّ ﷺ يَسْتُرُ عَائِشَةَ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ لَهُمْ: دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفَدَةَ (96) (بَنُو أَرْفَدَةَ: جِنْسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ يَرْقُصُونَ) ، فَقَدْ قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ جَوَازُ اللَّعِبِ بِالسِّلاَحِ وَنَحْوِهِ مِنْ آلاَتِ الْحَرْبِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْجِهَادِ، وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: " جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ (أَيْ يَرْقُصُونَ) فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ (97) "، وَنَقَل ابْنُ مُفْلِحٍ عَنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ: حَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى التَّوَثُّبِ بِسِلاَحِهِمْ وَلَعِبِهِمْ بِحِرَابِهِمْ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ هَيْئَةِ الرَّاقِصِ لأَِنَّ مُعْظَمَ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا فِيهَا لَعِبُهُمْ بِحِرَابِهِمْ فَتَتَأَوَّل هَذِهِ اللَّفْظَةُ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِحِرَابِهِمْ إِذْ دَخَل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: دَعْهُمْ يَا عُمَرُ (98) ، قَال فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا لاَ يَلِيقُ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ (99) .
قَال الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ: الْمَسْجِدُ مَوْضُوعٌ لأَِمْرِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكُل مَا كَانَ مِنَ الأَْعْمَال الَّتِي تَجْمَعُ مَنْفَعَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَاللَّعِبُ بِالْحِرَابِ مِنْ تَدْرِيبِ الْجَوَارِحِ عَلَى مَعَانِي الْحُرُوبِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ (100) .

الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَْذَانِ
23 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ دَخَل مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ إِلاَّ لِعُذْرِ كَانْتِقَاضِ طَهَارَةٍ أَوْ خَوْفِ فَوَاتِ رُفْقَةٍ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ جَمَاعَةٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: لاَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلاَّ مُنَافِقٌ، إِلاَّ رَجُلٌ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إِلَى الصَّلاَةِ (101) وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ أَدْرَكَهُ الأَْذَانُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لاَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ (102) ، وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَال: كُنَّا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ فَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ (103) .
وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَتِ الظُّهْرُ أَوِ الْعِشَاءُ فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ لأَِنَّهُ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ مَرَّةً، إِلاَّ إِذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الإِْقَامَةِ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ بِمُخَالَفَةِ الْجَمَاعَةِ عِيَانًا، وَإِنْ كَانَتِ الْعَصْرَ أَوِ الْمَغْرِبَ أَوِ الْفَجْرَ خَرَجَ وَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فِيهَا لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّل بَعْدَهَا (104) .
وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ دَخَل مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَّى أَوْ لاَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَلَّى، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَسْجِدَ حَيِّهِ أَوْ لاَ، فَإِنْ كَانَ مَسْجِدَ حَيِّهِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ قَبْل الصَّلاَةِ لأَِنَّ الْمُؤَذِّنَ دَعَاهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدَ حَيِّهِ فَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ فَكَذَلِكَ لأَِنَّهُ صَارَ بِالدُّخُول فِيهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَل فِيهِ وَهُوَ يَخْرُجُ لأَِنْ يُصَلِّيَ فِيهِ لاَ بَأْسَ بِهِ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَتِ الظُّهْرَ أَوِ الْعِشَاءَ فَلاَ بَأْسَ بِالْخُرُوجِ (105) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَْذَانِ بِلاَ عُذْرٍ أَوْ نِيَّةِ رُجُوعٍ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ أَدْرَكَهُ الأَْذَانُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةِ وَهُوَ لاَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ (106) ، وَقَال صَالِحٌ: لاَ يَخْرُجُ، وَنَقَل أَبُو طَالِبٍ: لاَ يَنْبَغِي، وَنَقَل ابْنُ الْحَكَمِ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لاَ يَخْرُجَ، وَكَرِهَهُ أَبُو الْوَفَاءِ وَأَبُو الْمَعَالِي وَقَال ابْنُ تَمِيمٍ: يَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ أَذَانِ الْفَجْرِ، قَال الشَّيْخُ: إِنْ كَانَ التَّأْذِينُ لِلْفَجْرِ قَبْل الْوَقْتِ لَمْ يُكْرَهِ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ قَبْل الصَّلاَةِ (107) .

صَلاَةُ النَّوَافِل فِي الْمَسْجِدِ
24 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ النَّوَافِل فِي الْبَيْتِ أَفَضْل مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (108) وَقَال: اجْعَلُوا مِنْ صَلاَتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا (109) ، وَقَال: أَفْضَل صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (110) . وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا شُرِعَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ كَالتَّرَاوِيحِ فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الرَّوَاتِبَ أَيْضًا (111) .

الصَّلاَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ
25 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَكَرِهَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ فِيهِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ بِجِوَازِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَقَيَّدَ الْحُكْمَ بِأَمْنِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، وَإِلاَّ كُرِهَ (112) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (جَنَائِزٌ ف 38) .

السَّكَنُ وَالْبِنَاءُ فِي الْمَسْجِدِ
26 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِقَيِّمِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَجْعَلَهُ سَكَنًا لأَِنَّهُ إِنْ فَعَل ذَلِكَ تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ.
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ حَوَانِيتَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي فِنَائِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَل، لأَِنَّ الْفِنَاءَ تَبَعٌ لِلْمَسْجِدِ (113) . وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةِ لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ السُّكْنَى بِالْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَا لَمْ يَحْجُرْ فِيهِ وَيُضَيِّقْ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَإِلاَّ مُنِعَ، لأَِنَّ السُّكْنَى فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّجَرُّدِ لِلْعِبَادَةِ مُمْتَنِعَةٌ، لأَِنَّهَا تَغْيِيرٌ لَهُ عَمَّا حُبِّسَ لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَوْ يُكْرَهُ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِلْعِبَادَةِ لأَِنَّهَا قَدْ تَحِيضُ وَقَدْ يَلْتَذُّ بِهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْمَسْجِدِ فَتَنْقَلِبُ الْعِبَادَةُ مَعْصِيَةً حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ عَجُوزًا لاَ إِرَبَ لِلرِّجَال فِيهَا، قَال الدُّسُوقِيُّ: لأَِنَّ كُل سَاقِطَةٍ لَهَا لاَقِطَةٌ (114) .

الاِعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ
27 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ لِلرَّجُل أَنْ يَعْتَكِفَ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْتَكِفْ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا كَالرَّجُل لاَ يَصِحُّ أَنْ تَعْتَكِفَ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ، مَا عَدَا الْحَنَفِيَّةَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا لأَِنَّهُ هُوَ مَوْضِعُ صَلاَتِهَا، وَلَوِ اعْتَكَفَتْ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اعْتِكَافٌ ف 14 وَمَا بَعْدَهَا) . عَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ
28 - اسْتَحَبَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْبَرَكَةِ، وَلأَِجْل شُهْرَتِهِ فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ (115) .
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ فِي إِجَازَتِهِمْ لِعَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَكُونَ بِمُجَرَّدِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شُرُوطٍ وَلاَ رَفْعِ صَوْتٍ أَوْ تَكْثِيرِ كَلاَمٍ وَإِلاَّ كُرِهَ فِيهِ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الزِّفَافَ بِهِ لاَ يُكْرَهُ إِذَا لَمْ يَشْتَمِل عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ فَإِنِ اشْتَمَل عَلَيْهَا كُرِهَ فِيهِ (116) .

الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ
29 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنِ الْبَصْقَةِ فِيهِ إِذْ هِيَ فِيهِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ تَقَزُّزِ النَّاسِ مِنْهَا.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بُصَاقٌ ف 4) . الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ
30 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ ﷺ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَل سُيُوفِكُمْ وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ (117) .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ: نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ (118) ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَكِفِ فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ وَيَبْتَاعَ فِي الْمَسْجِدِ مَا كَانَ مِنْ حَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْضِرَ السِّلْعَةَ لأَِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ بِأَنْ لاَ يَجِدَ مَنْ يَقُومُ بِحَاجَتِهِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُكْرَهُ إِحْضَارُ السِّلْعَةِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، لأَِنَّ الْمَسْجِدَ مُحَرَّرٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَفِيهِ شُغْلُهُ بِهَا (119) .
وَكَذَلِكَ الْحَال عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي كَرَاهَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ سَمْسَرَةٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ (120) . فَإِنْ كَانَ بِسَمْسَرَةٍ أَيْ بِمُنَادَاةٍ عَلَى السِّلْعَةٍ بِأَنْ جَلَسَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَتَاهُ الْمُشْتَرِي يُقَلِّبُهَا وَيَنْظُرُ فِيهَا وَيُعْطِي فِيهَا مَا يُرِيدُ مِنْ ثَمَنٍ حَرُمَ لِجَعْل الْمَسْجِدِ سُوقًا، ثُمَّ إِنَّ مَحَل الْكَرَاهَةِ إِذَا جَعَل الْمَسْجِدَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِأَنْ أَظْهَرَ السِّلْعَةَ فِيهِ مُعْرِضًا لَهَا لِلْبَيْعِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ عَقْدِهِمَا فَلاَ يُكْرَهُ (121) .
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَوْل بِكَرَاهَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهِ (122) ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ (123) .

نِشْدَانُ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ
31 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى كَرَاهَةِ نِشْدَانِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ (124) فَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ (125) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ (126) ، وَعَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُل: لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا (127) .

صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ
31 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ فِي الْمُصَلَّى - وَالْمُرَادُ الْفَضَاءُ وَالصَّحْرَاءُ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَْضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى (128) ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَكَرِهُوا صَلاَتَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إِلَى الصَّلاَةِ فِيهِ، وَذَلِكَ كَقِيَامِ عُذْرٍ يَمْنَعُ الْخُرُوجَ إِلَى الْمُصَلَّى مِنْ مَطَرٍ أَوْ وَحْلٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ لُصُوصٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأَْعْذَارِ وَمَثِيلاَتِهَا فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِلاَ كَرَاهَةٍ لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِذَلِكَ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ (129) ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ صَلَّيَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الْمَطَرِ، وَأَمَّا بِمَكَّةَ فَتُنْدَبُ صَلاَةُ الْعِيدَيْنِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِمُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ (130) ، وَهِيَ عِبَادَةٌ لِخَبَرِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَزِّل كُل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ، يَنْزِل عَلَى هَذَا الْبَيْتِ سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ (131) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْمَسْجِدَ إِنْ كَانَ وَاسِعًا فَهُوَ أَفْضَل مِنَ الْمُصَلَّى لأَِنَّ الأَْئِمَّةَ لَمْ يَزَالُوا يُصَلُّونَ صَلاَةَ الْعِيدِ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلأَِنَّ الْمَسْجِدَ أَشْرَفُ وَأَنْظَفُ، وَإِنْ صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ فَلاَ بَأْسَ، لأَِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ ضَرَرٌ، وَقِيل: فِعْلُهَا فِي الصَّحْرَاءِ أَفْضَل، لأَِنَّهَا أَرْفَقُ بِالرَّاكِبِ وَغَيْرِهِ، إِلاَّ لِعُذْرٍ كَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ فَالْمَسْجِدُ أَفْضَل، وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ ضَيِّقًا فَصَلَّى فِيهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمُصَلَّى كُرِهَ ذَلِكَ لِتَأَذِّي النَّاسِ بِالزِّحَامِ، وَرُبَّمَا فَاتَ بَعْضَهُمُ الصَّلاَةُ (132) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَالْحِكْمَةُ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ فِي الْمُصَلَّى هِيَ مِنْ أَجْل الْمُبَاعَدَةِ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، لأَِنَّ الْمَسَاجِدَ وَإِنْ كَبُرَتْ يَقَعُ الاِزْدِحَامُ فِيهَا وَفِي أَبْوَابِهَا بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ دُخُولاً وَخُرُوجًا، فَتُتَوَقَّعُ الْفِتْنَةُ فِي مَحَل الْعِبَادَةِ (133) .
33 - وَهَل لِلْمُصَلَّى حُكْمُ الْمَسْجِدِ: سُئِل الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي فَتَاوِيهِ عَنِ الْمُصَلَّى الَّذِي بُنِيَ لِصَلاَةِ الْعِيدِ خَارِجَ الْبَلَدِ فَقَال: لاَ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي الاِعْتِكَافِ وَمُكْثِ الْجُنُبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ، لأَِنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ الَّذِي أُعِدَّ لِرَوَاتِبِ الصَّلاَةِ وَعُيِّنَ لَهَا، حَتَّى لاَ يُنْتَفَعَ بِهِ فِي غَيْرِهَا، وَمَوْضِعُ صَلاَةِ الْعِيدِ مُعَدٌّ لِلاِجْتِمَاعَاتِ وَلِنُزُول الْقَوَافِل وَلِرُكُوبِ الدَّوَابِّ وَلَعِبِ الصِّبْيَانِ وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ السَّلَفِ بِمَنْعِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَوِ اعْتَقَدُوهُ مَسْجِدًا لَصَانُوهُ عَنْ هَذِهِ الأَْسْبَابِ، وَلَقُصِدَ لإِِقَامَةِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَصَلاَةُ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ وَهُوَ لاَ يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ، بَل يُبْنَى لِقَصْدِ الاِجْتِمَاعِ وَالصَّلاَةُ تَقَعُ فِيهِ بِالتَّبَعِ (134) .

صَلاَةُ النِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ
34 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ أَنْ تَكُونَ صَلاَتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ، فَذَلِكَ لَهُنَّ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ (135) ، فَإِنْ أَرَادَتِ الْمَرْأَةُ حُضُورَ الْمَسْجِدِ مَعَ الرِّجَال: فَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً أَوْ كَبِيرَةً يُشْتَهَى مِثْلُهَا كُرِهَ لَهَا الْحُضُورُ وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لاَ تُشْتَهَى لَمْ يُكْرَهْ لَهَا، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ مَا صَلَّتِ امْرَأَةٌ صَلاَةً قَطُّ خَيْرٌ لَهَا مِنْ صَلاَةٍ تُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ مَسْجِدَ الرَّسُول ﷺ إِلاَّ عَجُوزًا فِي مَنْقَلِهَا (136) ، وَذَلِكَ حَيْثُ تَقِل الرَّغْبَةُ فِيهَا، وَلِذَا يَجُوزُ لَهَا حُضُورُ الْمَسَاجِدِ كَمَا فِي الْعِيدِ.
وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً غَيْرَ فَارِهَةٍ فِي الْجَمَال وَالشَّبَابِ جَازَ لَهَا الْخُرُوجُ لِتُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ، بِشَرْطِ عَدَمِ الطِّيبِ، وَأَنْ لاَ يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ، وَأَنْ تَخْرُجَ فِي رَدِيءِ ثِيَابِهَا، وَأَنْ لاَ تُزَاحِمَ الرِّجَال، وَأَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ مَأْمُونَةً مِنْ تَوَقُّعِ الْمَفْسَدَةِ، فَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهَا تِلْكَ الشُّرُوطُ كُرِهَ لَهَا الصَّلاَةُ فِيهِ، فَقَدْ كَانَتِ النِّسَاءُ يُبَاحُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ إِلَى الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ سَبَبًا لِلْوُقُوعِ فِي الْفِتْنَةِ مُنِعْنَ عَنْ ذَلِكَ (137) ، جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} (138) ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ النِّسْوَةِ حَيْثُ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَأَخَّرُونَ لِلاِطِّلاَعِ عَلَى عَوْرَاتِهِنَّ، وَقَوْل عَائِشَةَ ﵂ فِي الصَّحِيحِ: " لَوْ أَدْرَكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيل (139) ، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ تَرْفَعُهُ أَيُّهَا النَّاسُ انْهُوا نِسَاءَكُمْ عَنْ لُبْسِ الزِّينَةِ وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَ نِسَاؤُهُمُ الزِّينَةَ وَتَبَخْتَرُوا فِي الْمَسَاجِدِ (140) ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ (141) .

دُخُول الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَعُبُورُهُمْ لَهُ
35 - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ دُخُول الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَل وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ تَنْزِل فِيهِمْ رُخْصَةٌ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضِ وَلاَ جُنُبٍ (142) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْعُبُورُ فِيهِ إِنْ خِيفَ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يُخَفِ التَّلْوِيثُ جَازَ الْعُبُورُ (143) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَيْضٌ ف 41، وَجَنَابَةٌ ف 18، وَدُخُولٌ ف 6) .

حَيْضُ الْمَرْأَةِ وَجَنَابَةُ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ
36 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ إِذَا حَاضَتْ، وَالرَّجُل إِذَا أَجْنَبَ، وَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَبْقَيَا فِيهِ وَهُمَا عَلَى مَا هُمَا عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِمَا أَنْ يَخْرُجَا مِنْهُ حَتَّى يَطْهُرَ كُلٌّ مِنْهُمَا، فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضِ وَلاَ جُنُبٍ (144) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الاِعْتِكَافَ لاَ يَفْسُدُ بِالاِحْتِلاَمِ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَهُ الاِغْتِسَال فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَوَّثَ الْمَسْجِدُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَإِلاَّ فَيَخْرُجُ وَيَغْتَسِل وَيَعُودُ إِلَى الْمَسْجِدِ (145) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ فِي مَسْجِدِ اعْتِكَافِهَا - قَبْل إِتْمَامِ مَا نَوَتْهُ أَوْ نَذَرَتْهُ - خَرَجَتْ وُجُوبًا مِنْهُ وَعَلَيْهَا حُرْمَةُ الاِعْتِكَافِ، فَلاَ تَفْعَل مَا لاَ يَفْعَلُهُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا رَجَعَتْ فَوْرًا لِمُعْتَكَفِهَا لِلْبِنَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ: الإِْتْيَانُ بِبَدَل مَا حَصَل فِيهِ الْمَانِعُ وَتَكْمِيل مَا نَذَرَتْهُ وَلَوْ أَخَّرَتْ رُجُوعَهَا إِلَيْهِ وَلَوْ نَاسِيَةً أَوْ مُكْرَهَةً بَطَل اعْتِكَافُهَا وَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَهُ.
وَإِذَا أَجْنَبَ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ مُعْتَكِفًا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَابْتَدَأَهُ بَعْدَ أَنْ يَغْتَسِل، إِذْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ مِنْ أَهْلِهِ بِاللَّيْل مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ بِالنَّهَارِ، وَلاَ يَحِل لِرَجُلٍ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ (146) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (147) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا طَرَأَ الْحَيْضُ وَجَبَ الْخُرُوجُ، وَكَذَا الْجَنَابَةُ إِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْل فِي الْمَسْجِدِ لِحُرْمَةِ الْمُكْثِ فِيهِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ، فَلَوْ أَمْكَنَ الْغُسْل فِيهِ جَازَ الْخُرُوجُ لَهُ وَلاَ يَلْزَمُ، بَل يَجُوزُ الْغُسْل فِيهِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُبَادِرَ بِهِ كَيْلاَ يَبْطُل تَتَابُعُ اعْتِكَافِهِ، وَلاَ يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَلاَ الْجَنَابَةِ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الاِعْتِكَافِ لِمُنَافَاتِهِمَا لَهُ (148) .
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: إِذَا أَجْنَبَ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُرَاعِيَ أَقْرَبَ الطُّرُقِ إِلَى الْخُرُوجِ (149) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ عَلَى الْحَائِضِ الْمُعْتَكِفَةِ أَنْ تَتَحَيَّضَ فِي خِبَاءٍ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ لَهُ رَحْبَةٌ وَأَمْكَنَ ذَلِكَ بِلاَ ضَرَرٍ وَإِلاَّ فَفِي بَيْتِهَا، فَإِنْ طَهُرَتْ وَكَانَ الاِعْتِكَافُ مَنْذُورًا رَجَعَتْ فَأَتَمَّتِ اعْتِكَافَهَا وَقَضَتْ مَا فَاتَهَا وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهَا (150) .
وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَفِي جَوَازِ مَبِيتِ الْجُنُبِ فِيهِ مُطْلَقًا بِلاَ ضَرُورَةٍ رِوَايَتَانِ، وَقِيل: يَجُوزُ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مُجْتَازًا، وَإِلاَّ فَلاَ (151) .
وَإِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا غَيْرَهُ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْغُسْل وَلاَ الْوُضُوءُ تَيَمَّمَ ثُمَّ أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِذَا تَوَضَّأَ الْجُنُبُ فَلَهُ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَال أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ: لاَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (152) .

تَخَطِّي الرِّقَابِ فِي الْمَسْجِدِ
37 - لِتَخَطِّي الرِّقَابِ فِي الْمَسْجِدِ أَحْكَامٌ تَخْتَلِفُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُتَخَطِّي إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ كَانَ لِلصَّلاَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا، وَمَعَ وُجُودِ فُرْجَةٍ أَوْ عَدَمِ وُجُودِهَا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَخَطِّي الرِّقَابِ ف 2 وَمَا بَعْدَهَا) .

وَقْفُ الْمَسْجِدِ وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ
38 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ، لأَِنَّهُ قُرْبَةٌ وَعَلَى جِهَةِ بِرٍّ، إِلاَّ أَنَّهُمْ وَضَعُوا قَوَاعِدَ لِزَوَال مِلْكِ وَاقِفِهِ عَنْهُ وَلُزُومِهِ.
وَفِي هَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَزَل مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يُفْرِزَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِطَرِيقِهِ، وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ فِيهِ، فَإِذَا صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ زَال عَنْ مِلْكِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا، وَفِي الأُْخْرَى: لاَ يَزُول إِلاَّ بِصَلاَةِ جَمَاعَةٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَزُول مِلْكُهُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا، لأَِنَّ التَّسْلِيمَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، كَمَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَالْمَسْجِدُ جُعِل لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ مُحَرَّرًا عَنْ أَنْ يَمْلِكَ الْعِبَادُ فِيهِ شَيْئًا غَيْرَ الْعِبَادَةِ فِيهِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ (153) .
وَمَتَى زَال مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَزِمَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَلاَ يَبِيعَهُ وَلاَ يُورَثَ عَنْهُ، لأَِنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ حَقِّ الْعِبَادِ وَصَارَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لأَِنَّ الأَْشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَإِذَا أَسْقَطَ الْعَبْدُ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ رَجَعَ إِلَى أَصْلِهِ فَانْقَطَعَ تَصَرُّفُهُ عَنْهُ كَمَا فِي الإِْعْتَاقِ (154) .
وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ لِلصَّلاَةِ فِيهِ صَحَّ وَقْفُهُ وَلَزِمَ، فَإِذَا لَمْ يُخَل الْوَاقِفُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ بَطَل وَقْفُهُ، كَمَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ (155) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ، أَوْ أَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ، وَقَال: وَقَفْتُهُ مَسْجِدًا لِلصَّلاَةِ فِيهِ صَحَّ وَقْفُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُل ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ مَسْجِدًا، لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْعِتْقِ.
فَإِذَا صَحَّ لَزِمَ وَانْقَطَعَ تَصَرُّفُ الْوَاقِفِ فِيهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِعُمَرَ ﵁: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا قَال فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، إِنَّهُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ (156) ، وَيَزُول مِلْكُهُ عَنِ الْعَيْنِ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ (157) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ فِيهِ إِذْنًا عَامًّا كَانَ لاَزِمًا وَمُؤَبَّدًا لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ (158) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) .

الْوَصِيَّةُ لِلْمَسْجِدِ
39 - الْوَصِيَّةُ لِلْمَسْجِدِ أَجَازَهَا الْفُقَهَاءُ وَيُصْرَفُ الْمُوصَى بِهِ فِي مَصَالِحِهِ كَوُقُودِهِ وَعِمَارَتِهِ، لأَِنَّهُ مَقْصُودُ النَّاسِ بِالْوَصِيَّةِ لَهُ.
وَقَال الدُّسُوقِيُّ: إِنِ اقْتَضَى الْعُرْفُ صَرْفَهَا لِلْمُجَاوِرِينَ كَالْجَامِعِ الأَْزْهَرِ صُرِفَ لَهُمْ لاَ لِمَرَمَّتِهِ وَحُصْرِهِ، وَنَحْوِهِمَا (159) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَصِيَّةٌ) . دُخُول الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ
40 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِدُخُول الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ أَنْزَل وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانُوا كُفَّارًا وَقَال: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الأَْرْضِ مِنْ أَنْجَاسِ النَّاسِ شَيْءٌ إِنَّمَا أَنْجَاسُ النَّاسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ (160) ، وَتَأْوِيل الآْيَةِ أَنَّهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ مُسْتَوْلِينَ أَوْ طَائِفِينَ عُرَاةً كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ (161) .
وَمَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ دُخُول الذِّمِّيِّ الْمَسْجِدَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الدُّخُول مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ لِدُخُولِهِ كَعِمَارَةِ وَإِلاَّ فَلاَ (162) .
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: يُمَكَّنُ الْكَافِرُ مِنْ دُخُول الْمَسْجِدِ وَاللُّبْثِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، فَإِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَدْخُلُونَ مَسْجِدَهُ ﷺ وَلاَ شَكَّ أَنَّ فِيهِمُ الْجُنُبَ.
وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْكَافِرِ أَنْ يَدْخُل مَسَاجِدَ غَيْرَ الْحَرَمِ بِإِذْنِ الْمُسْلِمِ، فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْلِمُ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ الدُّخُول عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ دَخَل بِغَيْرِ إِذْنٍ عُزِّرَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جَاهِلاً بِتَوَقُّفِهِ عَلَى الإِْذْنِ فَلاَ يُعَزَّرُ (163) . وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلذِّمِّيِّ دُخُول مَسَاجِدِ الْحِل (وَهِيَ كُل مَسْجِدٍ خَارِجِ نِطَاقِ حَرَمِ مَكَّةَ) بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ دُخُولُهُ (164) .

وَقْفُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمَسْجِدِ
41 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْفِ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمَسْجِدِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّتِهِ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الْوَقْفِ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْفٌ) .

الزَّكَاةُ لِلْمَسْجِدِ
42 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، لاِنْعِدَامِ التَّمْلِيكِ.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (زَكَاةٌ ف) .
وَنَقَل الإِْمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ عَنِ الْقَفَّال فِي تَفْسِيرِهِ آيَةَ الزَّكَاةِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا صَرْفَ الصَّدَقَاتِ إِلَى جَمِيعِ وُجُوهِ الْخَيْرِ مِنْ تَكْفِينِ الْمَوْتَى وَبِنَاءِ الْحُصُونِ وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ لأَِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَفِي سَبِيل اللَّهِ} (165) عَامٌّ فِي الْكُل (166) .

الصَّدَقَةُ عَلَى السَّائِلِينَ فِي الْمَسْجِدِ
43 - قَال الزَّرْكَشِيُّ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُعْطَى السَّائِل فِي الْمَسْجِدِ شَيْئًا لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هَل مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ فَقَال أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَل فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ (167) .
وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنْ كِتَابِ الْكَسْبِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ السَّائِل لاَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلاَ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَلاَ يَسْأَل النَّاسَ إِلْحَافًا فَلاَ بَأْسَ بِالسُّؤَال وَالإِْعْطَاءِ، لأَِنَّ السُّؤَّال كَانُوا يَسْأَلُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ (168) . فَمَدَحَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (169) ، وَإِنْ كَانَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَيَمُرُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فَيُكْرَهُ إِعْطَاؤُهُ، لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى أَذَى النَّاسِ حَتَّى قِيل: هَذَا فَلْسٌ وَاحِدٌ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْعِينَ فَلْسًا لِكَفَّارَتِهِ (170) .
وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: قَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ السُّؤَال وَالتَّصَدُّقُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَمُرَادُهُمْ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - التَّصَدُّقُ عَلَى السُّؤَّال لاَ مُطْلَقًا، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَذْكُرِ الْكَرَاهَةَ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ﵀ عَلَى أَنَّ مَنْ سَأَل قَبْل خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ جَلَسَ لَهَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَصَدَّقَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَل أَوْ سَأَل الْخَطِيبُ الصَّدَقَةَ عَلَى إِنْسَانٍ جَازَ.
وَنَقَل ابْنُ مُفْلِحٍ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ قَال: صَلَّيْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِقُرْبٍ مِنِّي، فَقَامَ سَائِلٌ فَسَأَل فَأَعْطَاهُ أَحْمَدُ قِطْعَةً (171) .
وَكَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ التَّخَطِّيَ لِلسُّؤَال فَلاَ يَمُرُّ السَّائِل بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَلاَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلاَ يَسْأَل النَّاسَ إِلْحَافًا إِلاَّ إِذَا كَانَ لأَِمْرٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ (172) .

اسْتِبْدَال الْمَسْجِدِ
44 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِبْدَال الْمَسْجِدِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ بَاعَ كَرْمًا فِيهِ مَسْجِدٌ قَدِيمٌ إِنْ كَانَ عَامِرًا يَفْسُدُ الْبَيْعُ وَإِلاَّ لاَ، وَلَوِ اشْتَرَى دَارًا بِطَرِيقِهَا ثُمَّ اسْتُحِقَّ الطَّرِيقُ: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا بِحِصَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا إِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مُخْتَلِطًا بِهَا، وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا لَزِمَهُ الدَّارُ بِحِصَّتِهَا، وَمَعْنَى اخْتِلاَطِهِ كَوْنُهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ الْحُدُودَ، وَفِي الْمُنْتَقَى: إِذَا لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ مَحْدُودًا فَسَدَ الْبَيْعُ، وَالْمَسْجِدُ الْخَاصُّ كَالطَّرِيقِ الْمَعْلُومِ وَلَوْ كَانَ مَسْجِدُ جَمَاعَةٍ فَسَدَ الْبَيْعُ فِي الْكُل، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَوْ كَانَ مَسْجِدٌ جَامِعٌ فَسَدَ فِي الْكُل، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَهْدُومًا أَوْ أَرْضًا سَاحَةً لاَ بِنَاءَ فِيهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مَسْجِدًا جَامِعًا كَذَا فِي الْمُجْتَبَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُتَفَرِّعٌ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ فِي الْمَسْجِدِ: إِلاَّ إِنْ كَانَ مِنْ رِيعِهِ مَعْلُومٌ يُعَادُ بِهِ، وَلَوْ بَاعَ قَرْيَةً وَفِيهَا مَسْجِدٌ وَاسْتُثْنِيَ الْمَسْجِدُ جَازَ الْبَيْعُ (173) .
وَفِي هَذَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ: أَمَّا الْمَسْجِدُ فَلاَ خِلاَفَ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ خَرِبَ أَمْ لاَ، وَإِنِ انْتَقَلَتِ الْعِمَارَةُ عَنْ مَحَلِّهِ، وَمِثْل عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَسْجِدِ نَقْضُهُ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ نَقْضِ الْمَسْجِدِ بِمَعْنَى أَنْقَاضِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَحْفُوفًا بِوُقُوفِ فَافْتَقَرَ إِلَى تَوْسِعَةٍ جَازَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهَا مَا يُوَسِّعُ بِهِ، يَعْنِي أَنَّ الْمَسْجِدَ إِذَا كَانَ مَحْفُوفًا بِوُقُوفِ وَكَانَ هَذَا الْمَسْجِدُ فِي حَاجَةٍ إِلَى تَوْسِعَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوَسِّعُهُ إِلاَّ بِبَيْعِ بَعْضِ تِلْكَ الأَْوْقَافِ أَوْ كُلِّهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ لِتَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبْسِ وَلَوْ صَارَ خَرِبًا إِلاَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ مَا إِذَا ضَاقَ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ، أَوِ احْتَاجَ إِلَى تَوْسِعَةٍ، وَبِجَانِبِهِ عَقَارُ حَبْسٍ أَوْ مِلْكٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبْسِ لأَِجْل تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ أَبَى صَاحِبُ الْحَبْسِ أَوْ صَاحِبُ الْمِلْكِ بَيْعَ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا يُجْبَرَانِ عَلَى بَيْعِ ذَلِكَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِ الْحَبْسِ مَا يُجْعَل حَبْسًا كَالأَْوَّل، وَمِثْل تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ تَوْسِعَةُ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَتِهِمْ.
وَفِي الْمَوَّاقِ: قَال سَحْنُونٌ: لَمْ يُجِزْ أَصْحَابُنَا بَيْعَ الْحَبْسِ بِحَالٍ إِلاَّ دَارًا بِجِوَارِ مَسْجِدٍ احْتِيجَ أَنْ تُضَافَ إِلَيْهِ لِيَتَوَسَّعَ بِهَا، فَأَجَازُوا بَيْعَ ذَلِكَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا دَارٌ تَكُونُ حَبْسًا، وَقَدْ أُدْخِل فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ دُورٌ مُحَبَّسَةٌ كَانَتْ تَلِيهِ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي مَسَاجِدِ الْجَوَامِعِ إِنِ احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ لاَ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، إِذْ لَيْسَتِ الضَّرُورَةُ فِيهَا كَالْجَوَامِعِ (174) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ لإِِمْكَانِ الصَّلاَةِ فِيهِ فِي الْحَال، وَيَقُول الْقَلْيُوبِيُّ تَعْلِيقًا عَلَى قَوْل صَاحِبِ الْمِنْهَاجِ (وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ) : أَيْ بِنَقْضِهِ، ثُمَّ إِنْ رُجِيَ عَوْدُهُ حُفِظَ نَقْضُهُ وُجُوبًا - وَلَوْ بِنَقْلِهِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ إِنْ خِيفَ عَلَيْهِ لَوْ بَقِيَ - وَلِلْحَاكِمِ هَدْمُهُ وَنَقْل نَقْضِهِ إِلَى مَحَلٍّ أَمِينٍ إِنْ خِيفَ عَلَى أَخْذِهِ لَوْ لَمْ يُهْدَمْ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ عَوْدُهُ بُنِيَ بِهِ مَسْجِدٌ آخَرُ لاَ نَحْوُ مَدْرَسَةٍ، وَكَوْنُهُ بِقُرْبِهِ أَوْلَى، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْمَسْجِدُ بُنِيَ بِهِ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا غَلَّتُهُ الَّتِي لَيْسَ لأَِرْبَابِ الْوَظَائِفِ وَحُصْرُهُ وَقَنَادِيلُهُ فَكَنَقْضِهِ وَإِلاَّ فَهِيَ لأَِرْبَابِهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَتْ، لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِمْ (175) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْمَسْجِدِ بِخَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَخَشَبٍ تَشَعَّثَ وَخِيفَ سُقُوطُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعْمَرُ بِهِ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَال: وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَاتٌ لاَ قِيمَةَ لَهَا جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا عَلَيْهِ، وَقَال: يُحَوَّل الْمَسْجِدُ خَوْفًا مِنَ اللُّصُوصِ وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُهُ قَذِرًا، قَال أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِالْخَلاَّل: وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لاَ تُبَاعُ إِنَّمَا تُنْقَل آلَتُهَا، قَال: وَبِالْقَوْل الأَْوَّل أَقُول، لإِِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْفَرَسِ أُعِينَ بِهِ فِي فَرَسٍ حَبِيسٍ، لأَِنَّ الْوَقْفَ مُؤَبَّدٌ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَأْبِيدُهُ بِعَيْنِهِ اسْتَبْقَيْنَا الْفَرَسَ - وَهُوَ الاِنْتِفَاعُ عَلَى الدَّوَامِ - فِي عَيْنٍ أُخْرَى وَاتِّصَال الأَْبْدَال يَجْرِي مَجْرَى الأَْعْيَانِ وَجُمُودُنَا عَلَى الْعَيْنِ مَعَ تَعَطُّلِهَا تَضْيِيعٌ لِلْغَرَضِ كَذَبْحِ الْهَدْيِ إِذَا أَعْطَبَ فِي مَوْضِعِهِ مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ تَحْصِيل الْغَرَضِ بِالْكُلِّيَّةِ اسْتَوْفَى مِنْهُ مَا أَمْكَنَ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ.
وَبِمُجَرَّدِ شِرَاءِ الْبَدَل يَصِيرُ وَقْفًا، وَكَذَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ لَوْ ضَاقَ عَلَى أَهْلِهِ وَلَمْ تُمْكِنْ تَوْسِعَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ خَرِبَتْ مَحَلَّتُهُ أَوِ اسْتُقْذِرَ مَوْضِعُهُ، قَال الْقَاضِي: يَعْنِي إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَيُبَاعُ.
وَيَجُوزُ نَقْل آلَتِهِ وَحِجَارَتِهِ لِمَسْجِدٍ آخَرَ احْتَاجَ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ بَيْعِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ بَيْتَ الْمَال الَّذِي فِي الْكُوفَةِ نُقِبَ، أَنِ انْقُل الْمَسْجِدَ الَّذِي بِالتَّمَّارِينَ وَاجْعَل بَيْتَ الْمَال فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَال فِي الْمَسْجِدِ مُصَلٍّ، وَكَانَ هَذَا بِمَشْهَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ خِلاَفُهُ فَكَانَ كَالإِْجْمَاعِ (176) .

بَيْعُ الْمَسْجِدِ أَوْ أَنْقَاضِهِ دُونَ أَرْضِهِ
45 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ لاَ يُبَاعُ، وَفِي هَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: مَنِ اتَّخَذَ أَرْضَهُ مَسْجِدًا وَاسْتَوْفَى شُرُوطَ صِحَّةِ وَقْفِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَلاَ يَبِيعَهُ وَلاَ يُورَثَ عَنْهُ، لأَِنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ حَقِّ الْعِبَادِ وَصَارَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا لأَِنَّ الأَْشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِذَا أَسْقَطَ الْعَبْدُ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ رَجَعَ إِلَى أَصْلِهِ فَانْقَطَعَ تَصَرُّفُهُ عَنْهُ كَمَا فِي الإِْعْتَاقِ.
وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْل الْمَسْجِدِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ يَبْقَى مَسْجِدًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لأَِنَّهُ إِسْقَاطٌ مِنْهُ فَلاَ يَعُودُ إِلَى مِلْكِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَعُودُ إِلَى مِلْكِ الْبَانِي (الْوَاقِفِ) إِنْ كَانَ حَيًّا أَوْ إِلَى وَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بَانِيهِ وَلاَ وَرَثَتُهُ كَانَ لَهُمْ بَيْعُهُ وَالاِسْتِعَانَةُ بِثَمَنِهِ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ آخَرَ لأَِنَّهُ عَيَّنَهُ لِنَوْعِ قُرْبَةٍ، وَقَدِ انْقَطَعَتْ، فَصَارَ كَحَصِيرِ الْمَسْجِدِ وَحَشِيشِهِ إِذَا اسْتُغْنِيَ عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُول فِي الْحُصْرِ وَالْحَشِيشِ إِنَّهُ يُنْقَل إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ.
وَلَوْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَبِجَنْبِهِ أَرْضٌ وَقْفٌ عَلَيْهِ أَوْ حَانُوتٌ جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ وَيَدْخُل فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مِلْكَ رَجُلٍ أُخِذَ بِالْقِيمَةِ كَرْهًا، فَلَوْ كَانَ طَرِيقًا لِلْعَامَّةِ أُدْخِل بَعْضُهُ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ.
وَفِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ مِنَ الْخُلاَصَةِ عَنِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَل شَيْءٌ مِنَ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا، أَوْ يُجْعَل شَيْءٌ مِنَ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا لِلْعَامَّةِ، يَعْنِي إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ.
وَلأَِهْل الْمَسْجِدِ أَنْ يَجْعَلُوا الرَّحْبَةَ مَسْجِدًا وَكَذَا عَلَى الْقُلُبِ، وَيُحَوِّلُوا الْبَابَ أَوْ يُحْدِثُوا لَهُ بَابًا آخَرَ، وَلَوِ اخْتَلَفُوا يُنْظَرُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ وِلاَيَةً لَهُ ذَلِكَ.وَلَهُمْ أَنْ يَهْدِمُوهُ وَيُجَدِّدُوهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ ذَلِكَ، وَكَذَا لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا الْحَبَابَ وَيُعَلِّقُوا الْقَنَادِيل وَيَفْرِشُوا الْحُصْرَ كُل ذَلِكَ مِنْ مَال أَنْفُسِهِمْ، وَأَمَّا مِنْ مَال الْوَقْفِ فَلاَ يَفْعَل غَيْرُ الْمُتَوَلِّي إِلاَّ بِإِذْنِ الْقَاضِي.
وَمِنْ كِتَابِ التَّجْنِيسِ: قَيِّمُ الْمَسْجِدِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ حَوَانِيتَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي فِنَائِهِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَل، لأَِنَّهُ إِذَا جَعَل الْمَسْجِدَ سَكَنًا تَسْقُطُ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْفِنَاءُ فَلأَِنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَسْجِدِ، وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْل الْمَسْجِدِ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَيِ اسْتَغْنَى عَنِ الصَّلاَةِ فِيهِ أَهْل تِلْكَ الْمَحَلَّةِ أَوِ الْقَرْيَةِ بِأَنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ فَخَرِبَتْ وَحُوِّلَتْ مَزَارِعَ يَبْقَى مَسْجِدًا عَلَى حَالِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (177) .
وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ خَرِبَ أَمْ لاَ وَلَوِ انْتَقَلَتِ الْعِمَارَةُ عَنْ مَحَلِّهِ، وَمِثْل عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَسْجِدِ نَقْضُهُ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ نَقْضِ الْمَسْجِدِ بِمَعْنَى أَنْقَاضِهِ.
وَفِي الْقُرْطُبِيِّ: لاَ يَجُوزُ نَقْضُ الْمَسْجِدِ وَلاَ بَيْعُهُ وَلاَ تَعْطِيلُهُ وَإِنْ خَرِبَتِ الْمَحَلَّةُ (178) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ وَقَفَ مَسْجِدًا فَخَرِبَ الْمَكَانُ وَانْقَطَعَتِ الصَّلاَةُ فِيهِ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْمِلْكِ وَلَمْ يَجُزِ التَّصَرُّفُ فِيهِ، لأَِنَّ مَا زَال الْمِلْكُ فِيهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلاَ يَعُودُ إِلَى الْمِلْكِ بِالاِخْتِلاَل كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ زَمِنَ (179) .
وَإِنْ وَقَفَ جُذُوعًا عَلَى مَسْجِدٍ فَتَكَسَّرَتْ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ بَيْعُهُ، لأَِنَّهُ لاَ يُرْجَى مَنْفَعَتُهُ، فَكَانَ بَيْعُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ بِخِلاَفِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُمْكِنُ الصَّلاَةُ فِيهِ مَعَ خَرَابِهِ، وَقَدْ يُعْمَرُ الْمَوْضِعُ فَيُصَلَّى فِيهِ.
وَإِنْ وَقَفَ شَيْئًا عَلَى مَسْجِدٍ فَاخْتَل الْمَكَانُ حُفِظَ الاِرْتِفَاعُ (الْغَلَّةُ) وَلاَ يُصْرَفُ إِلَى غَيْرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَرْجِعَ كَمَا كَانَ (180) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ أَنْ تَتَعَطَّل مَنَافِعُهُ بِخَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ كَخَشَبٍ تَشَعَّثَ وَخِيفَ سُقُوطُهُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعْمَرُ بِهِ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قَال: وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَاتٌ لَهَا قِيمَةٌ جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا عَلَيْهِ (181) .

غَرْسُ الشَّجَرِ فِي الْمَسْجِدِ وَالزَّرْعُ فِيهِ وَحَفْرُ بِئْرٍ فِيهِ
46 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ غَرْسُ الأَْشْجَارِ فِي الْمَسْجِدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ ذَا نَزٍّ، والأُسْطُوَانَاتُ لاَ تَسْتَقِرُّ بِهِ، فَيَجُوزُ لِتَشْرَبَ ذَلِكَ الْمَاءَ فَيَحْصُل بِهَا النَّفْعُ، وَلاَ يُحْفَرُ فِيهِ بِئْرٌ، وَلَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً - كَبِئْرِ زَمْزَمَ - تُرِكَتْ، وَلَوْ حَفَرَ فَتَلِفَ فِيهِ شَيْءٌ إِنْ حَفَرَ أَهْل الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِإِذْنِهِمْ لاَ يُضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ ضُمِنَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِأَهْلِهِ أَوْ لاَ (182) .
وَحَرَّمَ الْحَنَابِلَةُ حَفْرَ الْبِئْرِ وَغَرْسَ الشَّجَرِ بِالْمَسَاجِدِ لأَِنَّ الْبُقْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلاَةِ فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ، فَإِنْ فَعَل طُمَّتِ الْبِئْرُ وَقُلِعَتِ الشَّجَرَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَال: هَذِهِ غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالَّذِي غَرَسَهَا ظَالِمٌ غَرَسَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ.
وَتَحْرِيمُ حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَإِنْ كَانَ فِي حَفْرِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَحْصُل بِهِ ضِيقٌ لَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ حَفْرَهَا فِيهِ، وَالزَّرْعُ فِيهِ مَكْرُوهٌ (183) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسْجِدِ شَجَرَةٌ وَإِنْ كَانَتِ النَّخْلَةُ فِي أَرْضٍ فَجَعَلَهَا صَاحِبُهَا مَسْجِدًا وَالنَّخْلَةُ فِيهَا فَلاَ بَأْسَ وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنَ الْجِيرَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ تُبَاعُ وَتُجْعَل لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الدَّرْبِ يَأْكُلُونَهَا، وَقِيل: إِنَّ الْمَسْجِدَ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ثَمَنِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ بِيعَتْ وَصُرِفَ ثَمَنُهَا فِي عِمَارَتِهِ، أَمَّا إِنْ قَال صَاحِبُهَا: هَذِهِ وَقْفٌ عَلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُهَا وَيُصْرَفَ إِلَيْهِ (184) .
وَالْمَالِكِيَّةُ لاَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ وَقَعَ قُلِعَ (185) .
وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا بِكَرَاهَةِ غَرْسِ الشَّجَرِ وَالنَّخْل وَحَفْرِ الآْبَارِ فِي الْمَسَاجِدِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلَى الْمُصَلِّينَ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْل السَّلَفِ، وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْجِيرِ مَوْضِعِ الصَّلاَةِ وَالتَّضْيِيقِ وَجَلْبِ النَّجَاسَاتِ مِنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ، وَقَال الْغَزَالِيُّ: لاَ يَجُوزُ الزَّرْعُ فِيهِ، وَإِنْ غَرَسَ غَرْسًا يَسْتَظِل بِهِ فَهَلَكَ بِهِ إِنْسَانٌ فَلاَ ضَمَانَ.
وَقَال الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ: وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسْجِدِ شَجَرٌ لأَِنَّهُ يَمْنَعُ الْمُصَلِّينَ، قَال فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ السَّجَدَاتِ: فَإِنْ غُرِسَ قَلَعَهُ الإِْمَامُ، وَقَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الصَّلاَةِ: لاَ يَجُوزُ الْغَرْسُ فِي الْمَسْجِدِ وَلاَ الْحَفْرُ فِيهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَل الْمُصَلِّيَ.
وَقَال فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَقْفِ: سُئِل أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ اللَّهِ الْحَنَّاطِيُّ عَنْ رَجُلٍ غَرَسَ شَجَرَةً فِي الْمَسْجِدِ كَيْفَ يَصْنَعُ بِثِمَارِهَا؟ فَقَال: إنْ جَعَلَهَا لِلْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَيَجِبُ صَرْفُهَا إِلَى مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسَاجِدِ الأَْشْجَارُ لأَِنَّهَا تَمْنَعُ الصَّلاَةَ، فَإِنْ غَرَسَهَا مُسَبَّلَةً لِلأَْكْل جَازَ أَكْلُهَا بِلاَ عِوَضٍ وَكَذَا إِنْ جُهِلَتْ نِيَّتُهُ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ (186) .

انْتِفَاعُ جَارِ الْمَسْجِدِ بِوَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَى جِدَارِهِ
47 - لِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي أَنَّهُ هَل لِنَاظِرِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ أَنْ يُعِيرَ جَارَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا لِغَرْزِ خَشَبَةٍ فِيهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ هَذَا الْحَقُّ؟ أَحَدُهُمَا بِإِعْطَائِهِ هَذَا الْحَقَّ، وَالآْخَرُ بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ (187) .
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَابِلَةُ لِجَوَازِ وَضْعِ تِلْكَ الْخَشَبَةِ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ أَنْ لاَ تَضُرَّ بِحَائِطِهِ فَيَضْعُفَ عَنْ حَمْلِهَا، وَأَنْ لاَ يُمْكِنَ التَّسْقِيفُ بِدُونِ وَضْعِهَا وَأَنْ لاَ يَكُونَ عِنْدَ صَاحِبِهَا غَنَاءٌ بِوَضْعِهَا عَلَى غَيْرِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تَكُونَ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَى وَضْعِ تِلْكَ الْخَشَبَةِ عَلَى جِدَارِهِ، فَمَتَى كَانَ ذَلِكَ جَازَ وَضْعُ تِلْكَ الْخَشَبَةِ عَلَى جِدَارِهِ، وَقِيل: يُشْتَرَطُ لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلاَثَةُ حِيطَانٍ وَلِجَارِهِ حَائِطٌ وَاحِدٌ.
فَإِنْ كَانَ غَرْزُهَا فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ يَضُرُّ بِحَائِطِهِ فَيُضْعِفُهُ عَنْ حَمْلِهَا، أَوْ أَمْكَنَ التَّسْقِيفُ بِدُونِ وَضْعِهَا عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ غَنَاءٌ بِوَضْعِهَا عَلَى غَيْرِ جِدَارِهِ، أَوْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَى وَضْعِهَا عَلَى جِدَارِهِ لَمْ يَجُزْ وَضْعُهَا عَلَيْهِ (188) .

إِغْلاَقُ الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ
48 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِإِغْلاَقِ الْمَسَاجِدِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ، صِيَانَةً لَهَا وَحِفْظًا لِمَا فِيهَا مِنْ مَتَاعٍ، وَتَحَرُّزًا عَنْ نَقْبِ بُيُوتِ الْجِيرَانِ مِنْهَا، وَخَوْفًا مِنْ سَرِقَةِ مَا فِيهَا (189) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا إِغْلاَقُ بَابِ الْمَسْجِدِ لأَِنَّهُ يُشْبِهُ الْمَنْعَ مِنَ الصَّلاَةِ وَالْمَنْعُ مِنَ الصَّلاَةِ حَرَامٌ (190) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} (191) .

تَعْطِيل الْمَسَاجِدِ
49 - قَال الزَّرْكَشِيُّ: إِذَا تَعَطَّل الْمَسْجِدُ بِتَفَرُّقِ النَّاسِ عَنِ الْبَلَدِ أَوْ خَرَابِهَا أَوْ بِخَرَابِ الْمَسْجِدِ فَلاَ يَعُودُ مَمْلُوكًا وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِحَالٍ وَلاَ التَّصَرُّفُ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ زَمِنَ لاَ يَعُودُ مَمْلُوكًا.
ثُمَّ إِنْ خِيفَ أَنْ تَنْقُضَهُ الشَّيَاطِينُ، نُقِضَ وَحُفِظَ، وَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يَبْنِيَ بِنَقْضِهِ مَسْجِدًا آخَرَ، قَال الْقَاضِي وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي: يَجُوزُ، وَقَال الْمُتَوَلِّي: الأَْوْلَى أَنْ يُنْقَل إِلَى أَقْرَبِ الْجِهَاتِ إِلَيْهِ، فَإِنْ نُقِل إِلَى الْبَعِيدِ جَازَ، وَلاَ يُصْرَفُ النَّقْضُ إِلَى غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَالرِّبَاطَاتِ وَالْقَنَاطِرِ وَالآْبَارِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ عَكْسُهُ، لأَِنَّ الْوَقْفَ لاَزِمٌ، وَقَدْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى تَبْدِيل الْمَحَل دُونَ الْجِهَةِ (192) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: لاَ يَجُوزُ نَقْضُ الْمَسْجِدِ وَلاَ بَيْعُهُ وَلاَ تَعْطِيلُهُ وَإِنْ خَرِبَتِ الْمَحَلَّةُ (193) .
وَإِذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْمَسْجِدِ بِخَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ كَخَشَبٍ تَشَعَّثَ وَخِيفَ سُقُوطُهُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعْمَرُ بِهِ فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قَال: إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَاتٌ لَهَا قِيمَةٌ جَازَ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا عَلَيْهِ، وَقَال يُحَوَّل الْمَسْجِدُ خَوْفًا مِنَ اللُّصُوصِ، وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُهُ قَذِرًا (194) .
__________
(1) المصباح المنير.
(2) تفسير النسفي 4 / 1 - 3 ط. دار الكتاب العربي - بيروت.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 78 ط. دار الكتب المصرية 1935م.
(4) حديث: " جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 533) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(5) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 8 ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
(6) المصباح المنير.
(7) حاشية الدسوقي 4 / 91.
(8) المصباح المنير.
(9) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي 1 / 336.
(10) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 28.
(11) مختار الصحاح، والمصباح المنير.
(12) جواهر الإكليل 1 / 93، وشرح الزرقاني 1 / 275.
(13) كشاف القناع 2 / 364.
(14) تفسير ابن كثير 3 / 292 ط. عيسى الحلبي.
(15) حديث: " من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 544) ومسلم (1 / 378) .
(16) حديث: " أن رسول الله ﷺ أمر بالمساجد أن تبنى في الدور، وأن تطهر وتطيب ". أخرجه ابن ماجه (1 / 250) والترمذي (2 / 490) ، وصوب الترمذي إرساله.
(17) حديث: " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 247) وضعفه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (1 / 162) .
(18) حديث: " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء. . . ". أخرجه مسلم (1 / 237) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(19) تفسير ابن كثير 3 / 294.
(20) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 304 - 305.
(21) حديث: " المساجد بيوت المتقين. . . ". أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (13 / 317) وفي إسناده جهالة.
(22) حديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام. . . ". أخرجه مسلم (2 / 1014) .
(23) فتح القدير 2 / 336، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 2 / 172 - 173، وجواهر الإكليل 1 / 250، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 211 - 212، ومنار السبيل في شرح الدليل 1 / 233 المكتب الإسلامي، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 269.
(24) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 104 - 105، 388 - 391.
(25) حديث: " فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة. . . ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 7) وعزاه للطبراني في الكبير ثم قال: " رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام، وهو حديث حسن ".
(26) إعلام الساجد 124 - 125.
(27) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4 / 138، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 29 - 30.
(28) حديث: " قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ . . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 407) ومسلم (1 / 370) واللفظ للبخاري.
(29) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 242، والاختيار لتعليل المختار 1 / 175 وما بعدها.
(30) إعلام الساجد 286، تفسير ابن كثير 4 / 138 - ط. الأندلس.
(31) أثر أنس بن مالك: " إن الجنة تحن. . . ". أخرجه ابن الجوزي في فضائل القدس 139.
(32) ورد في ذلك حديث مرفوع أخرجه البيهقي في السنن (5 / 73) من حديث ابن جريج مرسلاً، وقال البيهقي بعده: " هذا منقطع ".
(33) حديث عطاء: " أعوذ برب البيت. . . ". أورده البابرتي في العناية (2 / 147) ولم نهتد لمن أخرجه، وأخرج الشطر الثاني منه " اللهم أنت السلام ومنك السلام. . . " البيهقي في " السنن الكبرى " (5 / 73) عن مكحول مرسلاً، وضعفه البيهقي.
(34) حديث: " أن النبي ﷺ دخل من باب بني شيبة ". أورده ابن حجر في التلخيص 2 / 243 وعزاه إلى الطبراني وقال: في إسناده: عبد الله بن نافع وهو ضعيف.
(35) فتح القدير والعناية بهامشه 2 / 147، والقليوبي وعميرة على منهاج الطالبين 2 / 101 - 102 ط. دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 227 - 228، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي 1 / 459 - 460 ط. دار الفكر، والمغني لابن قدامة 3 / 368 - 370.
(36) فتح القدير 2 / 336 - 337.
(37) تفسير ابن كثير 3 / 22 - ط. الحلبي.
(38) أثر أنس: " من السنة إذا دخلت المسجد. . . ". أخرجه الحاكم (المستدرك 1 / 218) وقال: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي.
(39) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 347، وأثر ابن عمر ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا (الفتح 1 / 523) .
(40) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 108.
(41) حديث: " إذا دخل أحدكم المسجد. . . ". أخرجه مسلم (1 / 494) .
(42) حديث: " إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 254) ، وصحح إسناده البوصيري في: " مصباح الزجاجة " (1 / 165) .
(43) حديث: " ربِّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي. . . ". أخرجه الترمذي (2 / 128) وقال: " حديث حسن ".
(44) جواهر الإكليل 2 / 203، والشرح الكبير 4 / 70.
(45) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 70.
(46) الآداب الشرعية 3 / 419.
(47) حديث: " لعن رسول الله ﷺ زائرات. . . ". أخرجه الترمذي (2 / 136) وقال: حديث حسن.
(48) فتح القدير 5 / 63، وحاشية ابن عابدين 3 / 370.
(49) ابن عابدين والدر 1 / 441.
(50) الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي 1 / 165.
(51) حديث: " اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً. . . ". أخرجه أحمد في المسند (2 / 246) ، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند (13 / 86) .
(52) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 146 - 147.
(53) سبق تخريجه بهذه الفقرة.
(54) إعلام الساجد في أحكام المساجد ص407.
(55) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص403.
(56) مختار الصحاح، والمصباح المنير.
(57) تفسير القرطبي 8 / 90.
(58) القليوبي وعميرة 3 / 108.
(59) رد المحتار على الدر المختار 1 / 442 - 443، والفتاوى الهندية 1 / 109، 461، 5 / 319، 322.
(60) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 65، 255، وجواهر الإكليل 1 / 55.
(61) انظر عمدة القاري في باب بنيان المساجد 4 / 204.
(62) حديث: " ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم ". أخرجه ابن ماجه (1 / 245) ، وضعفه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (1 / 160) .
(63) انظر عمدة القاري 4 / 204.
(64) حديث: " لا تقوم الساعة حتى. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 311) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(65) أثر عمر: " أكن الناس من المطر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 539) معلقاً.
(66) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص340.
(67) حديث: " أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 451) ، وصححه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (1 / 250 - 251) .
(68) كشاف القناع 2 / 366.
(69) فتح القدير 1 / 300.
(70) ابن عابدين 5 / 275.
(71) جواهر الإكليل 2 / 203.
(72) الشرح الكبير 4 / 71.
(73) جواهر الإكليل 1 / 80، الشرح الكبير 1 / 334.
(74) حديث: " جنبوا مساجدكم مجانينكم. . . ". تقدم تخريجه ف 5.
(75) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 327.
(76) تحفة الراكع والساجد ص209 - 211، وانظر الآداب الشرعية 3 / 395 - 396.
(77) حاشية ابن عابدين 1 / 444، 445، 5 / 269.
(78) حاشية الدسوقي والشرح الكبير 4 / 71.
(79) إعلام الساجد بأحكام المساجد 326.
(80) الآداب الشرعية 3 / 397 - 398.
(81) فصل النبي ﷺ بين الخصوم في المسجد يدل عليه ما رواه البخاري (فتح الباري 1 / 551 - 552 ط. السلفية) ومسلم (3 / 1192) من حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى: " يا كعب "، قال: لبيك يا رسول الله، قال: " ضع من دينك هذا "
(82) الاختيار شرح المختار 2 / 85 ط. مصطفى البابي الحلبي بمصر 1936م، وفتح القدير 5 / 465 - 466 ط. المطبعة الأميرية الكبرى 1315هـ، وجواهر الإكليل 2 / 223، والمغني لابن قدامة 9 / 46.
(83) المهذب 2 / 294، ومنهاج الطالبين 4 / 302 ط. دار إحياء الكتب.
(84) حديث: " جنبوا مساجدكم صبيانكم. . . ". تقدم تخريجه في فقرة 5.
(85) حديث: " جنبوا مساجدكم صبيانكم. . . ". تقدم تخريجه في فقرة 5.
(86) فتح القدير 1 / 300، 2 / 111 - 112، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار 1 / 444.
(87) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 4 / 70، وجواهر الإكليل 2 / 203.
(88) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 547، وجواهر الإكليل 1 / 158.
(89) حديث عبد الله بن الحارث " كنا نأكل على عهد. . . ". أخرجه ابن ماجه (2 / 1097) ، وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " (2 / 179) " هذا إسناد حسن ".
(90) حديث: " من أكل ثوماً أو بصلاً. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 339) ومسلم (1 / 394) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(91) أثر ابن عمر: " أنه كان ينام وهو شاب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 535) .
(92) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 305 - 306 - 329.
(93) المهذب 1 / 198 - 199، 201.
(94) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 399، والمغني لابن قدامة 3 / 206.
(95) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 407 - 408، والمغني لابن قدامة 3 / 206.
(96) حديث: " دونكم يا بني أرفدة ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 440) ، ومسلم (2 / 609) .
(97) حديث: " جاء حبش يزفنون في يوم عيد. . . ". أخرجه مسلم (2 / 609) من حديث عائشة ﵂.
(98) حديث: " بينما الحبشة يلعبون. . ". أخرجه مسلم (2 / 610) من حديث أبي هريرة ﵁.
(99) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 401 - 402.
(100) عمدة القاري 4 / 220.
(101) حديث: " لا يخرج من المسجد بعد النداء. . ". أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (1 / 508) من حديث سعيد بن المسيب مرسلاً.
(102) حديث: " من أدركه الآذان في المسجد. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 242) من حديث عثمان بن عفان وضعفه البوصيري في " مصباح الزجاجة " (1 / 156 - 157) .
(103) أثر أبي هريرة: " أما هذا فقد عصى. . . ". أخرجه مسلم (1 / 454) .
(104) فتح القدير 1 / 338.
(105) العناية بهامش فتح القدير 1 / 338 - 339، وإعلام الساجد بأحكام المساجد 351، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 2 / 143 ط. الريان للتراث، وجواهر الإكليل 1 / 98، والشرح الكبير 1 / 385، والمغني لابن قدامة 1 / 408.
(106) سبق تخريجه في نفس الفقرة.
(107) كشاف القناع 1 / 244.
(108) حديث: " عليكم بالصلاة في بيوتكم. . . ". أخرجه مسلم (1 / 540) من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(109) حديث: " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 62) ، ومسلم (1 / 538) واللفظ لمسلم، من حديث ابن عمر ﵄.
(110) حديث: " أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ". أخرجه النسائي (3 / 198) من حديث زيد بن ثابت ﵁، وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (1 / 356 - ط. دار ابن كثير) .
(111) فتح القدير 1 / 313، 2 / 338، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 314، والمهذب 1 / 91 - 92، ومنار السبيل في شرح الدليل 1 / 110 المكتب الإسلامي والمغني لابن قدامة 2 / 141.
(112) فتح القدير 1 / 463 - 465، وجواهر الإكليل 1 / 113، وحاشية القليوبي 1 / 348، والمغني لابن قدامة 2 / 493.
(113) فتح القدير 5 / 64.
(114) الشرح الكبير 4 / 70، وجواهر الإكليل 2 / 203.
(115) حديث: " أعلنوا هذا النكاح. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 389 - 390) وضعفه ابن حجر في " فتح الباري " (9 / 226) .
(116) فتح القدير 2 / 343 - 344، وجواهر الإكليل 1 / 275، 2 / 203، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 4 / 70، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 201، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 360، 362، وتحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد ص208.
(117) حديث: " جنبوا مساجدكم صبيانكم. . . ". تقدم تخريجه فقرة (17) .
(118) حديث: " نهى عن الشراء والبيع في المسجد. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 651) ، والترمذي (2 / 139) واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: " حديث حسن ".
(119) فتح القدير 2 / 112، والمغني لابن قدامة 2 / 202، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 394 - 395.
(120) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 603) وقال: " حديث حسن ".
(121) جواهر الإكليل 2 / 203، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 4 / 71.
(122) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 324.
(123) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . ". تقدم تخريجه آنفاً.
(124) فتح القدير 2 / 112، والشرح الكبير 4 / 71، وجواهر الإكليل 2 / 203، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 324، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 399 - 400.
(125) حديث: " أن رسول الله ﷺ نهى عن الشراء. . . ". تقدم تخريجه ف (30) .
(126) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . ". تقدم تخريجه ف (30) .
(127) حديث: " من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد. . . ". أخرجه مسلم (1 / 397) .
(128) حديث: " كان رسول الله ﷺ يخرج. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 449) ، ومسلم (2 / 605) .
(129) حديث: " أصابنا مطر في يوم عيد. . . ". أخرجه ابن ماجه (1 / 416) وقال ابن حجر في " التلخيص الحبير " (2 / 83) : " وإسناده ضعيف ".
(130) حاشية ابن عابدين 1 / 557، وفتح القدير 1 / 423، والاختيار شرح المختار 1 / 84 - 85، ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح 164 ط. محمد علي صبيح، وجواهر الإكليل 1 / 103، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 399، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي 1 / 336 - 337، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 125، والقليوبي وعميرة على منهاج الطالبين 1 / 306 - 307، ومنار السبيل في شرح الدليل 1 / 149، ومغني المحتاج 1 / 312، والمغني لابن قدامة 2 / 372 - 373.
(131) حديث: " إن الله تعالى ينزل في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة. . . ". أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير 11 / 195) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3 / 292) : " وفيه يوسف بن سفر وهو متروك ".
(132) المهذب 1 / 125، والقليوبي وعميرة على منهاج الطالبين 1 / 306 - 307.
(133) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 399.
(134) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 386، وراجع الموسوعة في (مصطلح صلاة العيدين ف 10) .
(135) حديث: " لا تمنعوا نساءكم المساجد. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 383) .
(136) حديث: " والذي لا إله غيره ما صلت امرأة صلاة قط خير لها من صلاة تصليها في بيتها. . . ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " (3 / 131) ، وأخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (9 / 339) من حديث عبد الله بن مسعود موقوفاً، قال الهيثمي في مجموع الزوائد (2 / 35) : " رجاله رجال الصحيح ". والمنقل بفتح الميم الخف، ذكره على عادة العجائز في لبس المناقل وهي الخفاف
(137) فتح القدير والعناية بهامشه 1 / 259، والمهذب 1 / 100، وجواهر الإكليل 1 / 80 - 81، والشرح الكبير 1 / 335 - 336، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 78، ومنار السبيل في شرح الدليل 1 / 123، وإعلام الساجد بأحكام المساجد 359 - 360.
(138) سورة الحجر / 24.
(139) حديث: " لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 349) ، ومسلم (1 / 329) واللفظ للبخاري
(140) حديث: " أيها الناس انهوا نساءكم عن لبس الزينة. . . " أورده ابن الهمام في فتح القدير (1 / 259) ، وعزاه لابن عبد البر في التمهيد ولم نهتد إليه في المطبوع.
(141) حديث: " خير مساجد النساء قعر بيوتهن ". أخرجه الحاكم في المستدرك (1 / 209) وأحمد في المسند (6 / 297) وصححه ابن خزيمة في صحيحه (3 / 92) .
(142) حديث: " وجهوا هذه البيوت عن المسجد. . . . " أخرجه أبو داود (1 / 158 - 159) ، وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى 2 / 442) ونقل عن البخاري تضعيفه.
(143) فتح القدير 1 / 114 - 115، ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح 42 ط. محمد علي صبيح، وجواهر الإكليل 1 / 32، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 173 - 175، والمهذب 1 / 45، 52، والإقناع للشربيني الخطيب 1 / 143 - 144
(144) حديث: " لا أحل المسجد. . . " سبق تخريجه ف (35)
(145) فتح القدير 2 / 113 - 114، والاختيار شرح المختار 1 / 137 ط. مصطفى الحلبي 1936، والفتاوى الهندية 1 / 213، وانظر الدر المختار ورد المحتار عليه 2 / 131 - 132.
(146) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 1 / 552، وجواهر الإكليل 1 / 160.
(147) سورة البقرة / 187.
(148) منهاج الطالبين مع شرح المحلي 2 / 80 ط. دار إحياء الكتب العربية، والمهذب 1 / 200.
(149) إعلام الساجد بأحكام المساجد 316.
(150) ) المغني لابن قدامة 3 / 209.
(151) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 399.
(152) المغني لابن قدامة 1 / 146.
(153) فتح القدير 5 / 64.
(154) فتح القدير 5 / 64.
(155) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 4 / 81، وجواهر الإكليل 2 / 206.
(156) حديث: " إن شئت حبست أصلها. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 354) ، ومسلم (3 / 1255) ، واللفظ للبخاري.
(157) المهذب 1 / 448 - 449، وشرح المحلي على المنهاج 3 / 100 - 101.
(158) منار السبيل في شرح الدليل 2 / 6 المكتب الإسلامي.
(159) جواهر الإكليل 2 / 317، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4 / 426، وشرح المحلي على المنهاج 3 / 159، ومنار السبيل في شرح الدليل 2 / 40، والاختيار شرح المختار 3 / 201 مصطفى البابي الحلبي 1936م.
(160) حديث: " إنه ليس على الأرض. . . ". أخرجه البخاري في " شرح معاني الآثار " (1 / 13) من حديث الحسن البصري مرسلاً.
(161) الاختيار شرح المختار 3 / 121.
(162) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 139، وجواهر الإكليل 1 / 23، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 78.
(163) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 318 - 320.
(164) المغني لابن قدامة 8 / 532، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 406 - 407.
(165) سورة التوبة / 60.
(166) تفسير الرازي 16 / 87.
(167) حديث: " هل منكم أحد أطعم. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 309) ، ونقل المنذري في " مختصر السنن " (2 / 252) عن أبي بكر البزار أن إسناده مرسل.
(168) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 / 221.
(169) ) سورة المائدة / 55.
(170)
(171) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 408 ط. الرياض الحديثة.
(172) الفتاوى الهندية 1 / 148، وحاشية ابن عابدين 1 / 554.
(173) فتح القدير 5 / 227 ط. المطبعة الكبرى الأميرية 1316هـ.
(174) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك 3 / 104 - 105 دار الفكر.
(175) منهاج الطالبين وحاشية القليوبي عليه 3 / 108 ط. دار إحياء الكتب العربية.
(176) منار السبيل في شرح الدليل 2 / 18 - 19.
(177) فتح القدير 5 / 64.
(178) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك 3 / 104 دار الفكر، وجواهر الإكليل 2 / 208 - 209، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 78.
(179) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 452.
(180) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 452.
(181) منار السبيل 2 / 18 المكتب الإسلامي.
(182) فتح القدير 1 / 299.
(183) منار السبيل في شرح الدليل 2 / 20، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 405.
(184) المغني لابن قدامة 5 / 634، 635.
(185) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 70 - 71.
(186) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي 341 - 342.
(187) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك للكشناوي 3 / 58.
(188) المغني لابن قدامة 4 / 502 - 503.
(189) فتح القدير والعناية بهامشه 1 / 299، وإعلام الساجد بأحكام المساجد 340، 344، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 406.
(190) فتح القدير والعناية بهامشه 1 / 299.
(191) سورة البقرة / 114.
(192) إعلام الساجد 345.
(193) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 78.
(194) منار السبيل في شرح الدليل 2 / 18.

الموسوعة الفقهية الكويتية: 194/ 37