البحث

عبارات مقترحة:

الحكم

كلمة (الحَكَم) في اللغة صفة مشبهة على وزن (فَعَل) كـ (بَطَل) وهي من...

الخالق

كلمة (خالق) في اللغة هي اسمُ فاعلٍ من (الخَلْقِ)، وهو يَرجِع إلى...

التواب

التوبةُ هي الرجوع عن الذَّنب، و(التَّوَّاب) اسمٌ من أسماء الله...

الْقَضَاء


من معجم المصطلحات الشرعية

الحكم، والتقدير . ومنه تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمُه، واقتضته حكمته . وقضاء الله نوعان؛ الأول : قضاء كوني قدري لابد من وقوعه، ومنه قوله تعالى : ﱫﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡﱪالبقرة : 117، الثاني : قضاء شرعي، وهذا قد يقع، وقد لايقع، وهو خاص بالخير، ويلزم منه المحبة، والرضا من الله عنه، ومنه قوله تعالى : ﱫﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﱪالإسراء :23


انظر : تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، ص :441-442، القضاء والقدر للشقر، ص :24

من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف اللغوي

القَضاءُ: الـحُكْمُ والفَصْلُ، يُقالُ: قَضَى في الأَمْرِ، أيْ: حَكَمَ وفَصَلَ فيه. ويأْتي بِـمعنى: الأَداء، تقول: قَضَى دَيْنَهُ، أيْ: أدّاهُ، والقضاءُ: الإنْهاءُ والإتْـمامُ، يُقالُ: قَضَيْتُ عَمَلِي، أيْ: أَنَهَيْتُهُ وأَتْـمَمْتُهُ، وسُمِّيَ القاضِي قاضِياً؛ لأنّه يَحْكُمُ في الأشْياءِ ويُنْهِي الخِلافَ فيها. ومِن مَعانِيه أيضاً: الإِيجابُ والإِنْفاذُ والإتْقانُ. وجَمْعُ قضاءٍ: أَقْضِيَةٌ.

إطلاقات المصطلح

يُطْلَقُ مُصْطلَح (قضاء) في الفِقْهِ في كتاب الصَّلاةِ، باب: قضاء الفَوائِتِ، وفي كِتابِ البَيْعِ، باب: القَرْض، وباب: الغَصْب، ومعناه: فِعْلُ الواجِبِ بعد خُروجِ وَقْتِهِ. ويُطْلَقُ في عِلمِ العَقِيدَةِ في باب: الإيـمان بالقَدَرِ، ويُرادُ بِهِ: تَعَلُّقُ عِلْمِ اللهِ تعالى بالكائِناتِ وكِتابَتُهُ لها، ثمّ خَلْقُها وِفْقَ مَشِيئَتِهِ وإِرادَتِهِ سُبحانَه.

جذر الكلمة

قضي

المعنى الاصطلاحي

الإِخْبارُ عنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مع الإِلْزامِ بِهِ.

الشرح المختصر

القَضاءُ: إلزامٌ بَبِيِّنَةٍ أو إقرارٍ، أو يُقال: هو فَصْلُ الخُصوماتِ وقَطْعُ المُنازَعاتِ؛ تَحْقِيقاً للعَدْلِ بين النّاسِ ومَنْعاً لِلظُّلْمِ عنهم، وتَحْصِيلاً للـمَصالِحِ والـمَنافِعِ، ودَفْعاً للمضارِّ والمَفاسِدِ.

التعريف اللغوي المختصر

القَضاءُ: الـحُكْمُ والفَصْلُ، ومِن معانيه: الإنْهاءُ والإتْـمامُ، ومنه سُمِّيَ القاضِي قاضِياً؛ لأنّه يَحْكُمُ في الأشْياءِ ويُنْهِي الخِلافَ فيها.

التعريف

إخبار القاضي الخصوم عن حكم شرعي على سبيل الإلزام.

المراجع

* تهذيب اللغة : (9/170)
* المحكم والمحيط الأعظم : (6/482)
* مختار الصحاح : (ص 255)
* الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) : (5/352)
* مواهب الـجليل : (6/86)
* حاشية الجمل على المنهج : (5/334)
* التعريفات : (ص 225)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (33/283)
* المطلع على ألفاظ المقنع : (ص 393)
* تاج العروس : (39/310)
* التعريفات للجرجاني : (ص 177)
* أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء : (ص 84)
* التوقيف على مهمات التعاريف : (ص 272)
* أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء : (ص 84)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 356) -

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - مِنْ مَعَانِي الْقَضَاءِ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ، قَال أَهْل الْحِجَازِ: الْقَاضِي مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ:
الْقَاطِعُ لِلأُْمُورِ الْمُحَكَّمِ لَهَا. وَأَصْلُهُ الْقَطْعُ وَالْفَصْل، يُقَال: قَضَى يَقْضِي قَضَاءً فَهُوَ قَاضٍ إِذَا حَكَمَ وَفَصَل.
وَيَأْتِي فِي اللُّغَةِ عَلَى وُجُوهٍ مَرْجِعُهَا إِلَى انْقِضَاءِ الشَّيْءِ وَتَمَامِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ: يُطْلَقُ عَلَى الْخَلْقِ وَالصُّنْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} (1) أَيْ خَلَقَهُنَّ وَصَنَعَهُنَّ، وَعَلَى الْعَمَل كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} (2) مَعْنَاهُ فَاعْمَل مَا أَنْتَ عَامِلٌ.
وَعَلَى الْحَتْمِ وَالأَْمْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (3) أَيْ أَمَرَ رَبُّكَ وَحَتَّمَ.
وَعَلَى الأَْدَاءِ تَقُول: قَضَيْتُ دَيْنِي أَيْ أَدَّيْتُهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ} (4) أَيْ أَدَّيْتُمُوهَا.
وَعَلَى الإِْبْلاَغِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَْمْرَ} (5) ، أَيْ أَبْلَغْنَاهُ ذَلِكَ.
وَعَلَى الْعَهْدِ وَالْوَصِيَّةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي الْكِتَابِ} (6) أَيْ عَهِدْنَا وَأَوْصَيْنَا.
وَعَلَى الإِْتْمَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} (7) أَيْ أَتْمَمْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ.
وَعَلَى بُلُوغِ الشَّيْءِ وَنَوَالِهِ تَقُول: قَضَيْتُ وَطَرِي أَيْ بَلَغْتُهُ وَنِلْتُهُ، وَقَضَيْتُ حَاجَتِي كَذَلِكَ. (8)
وَالْقَضَاءُ الْمُقْتَرِنُ بِالْقَدَرِ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْحُكْمِ الْكُلِّيِّ الإِْلَهِيِّ فِي أَعْيَانِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الأَْحْوَال الْجَارِيَةِ فِي الأَْزَل إِلَى الأَْبَدِ. (9)
وَالْقَضَاءُ فِي الإِْصْلاَحِ: عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: فَصْل الْخُصُومَاتِ وَقَطْعُ الْمُنَازَعَاتِ، وَزَادَ ابْنُ عَابِدِينَ: عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ، حَتَّى لاَ يَدْخُل فِيهِ نَحْوُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ. (10) وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ: الإِْخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيل الإِْلْزَامِ. (11)
وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: إِلْزَامُ مَنْ لَهُ إِلْزَامٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ. (12)
وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالإِْلْزَامُ بِهِ وَفَصْل الْخُصُومَاتِ. (13)
2 - وَقَدِ اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ لَفْظَ (الْقَضَاءِ) فِي غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعِبَادَاتِ، لِلدَّلاَلَةِ عَلَى فِعْلِهَا خَارِجَ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ شَرْعًا وَيُنْظَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِ، (صَوْم ف 86 - 89، وَحَجّ ف 123، وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ) .
كَمَا اسْتَعْمَلُوا عِبَارَةَ (قَضَاءُ الدَّيْنِ) لِلدَّلاَلَةِ عَلَى سَدَادِ الدَّيْنِ وَالْوَفَاءِ بِهِ، (14) انْظُرْ مُصْطَلَحَيْ: (دَيْن ف 70، وَأَدَاء ف 29) .
وَاسْتَعْمَلُوا عِبَارَةَ (قَضَاءُ الْحَاجَةِ) لِلدَّلاَلَةِ عَلَى آدَابِ التَّخَلِّي. انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (اسْتِتَار ف 7، وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْفَتْوَى:
3 - الْفَتْوَى وَالْفُتْوَى وَالْفُتْيَا فِي اللُّغَةِ: مَا أَفْتَى بِهِ الْفَقِيهُ. (15)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِلسَّائِل عَنْهُ.
فَالْقَضَاءُ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الإِْلْزَامِ، وَالْفَتْوَى مِنْ غَيْرِ إِلْزَامٍ، فَهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي إِظْهَارِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِي الْوَاقِعَةِ، وَيَمْتَازُ الْقَضَاءُ عَنِ الْفَتْوَى بِالإِْلْزَامِ. (16)

ب - التَّحْكِيمُ:
4 - التَّحْكِيمُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَكَّمَهُ فِي الأَْمْرِ وَالشَّيْءِ أَيْ: جَعَلَهُ حَكَمًا، وَفَوَّضَ الْحُكْمَ إِلَيْهِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَضَاءِ: أَنَّ الْقَضَاءَ مِنَ الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ، وَالتَّحْكِيمُ تَوْلِيَةٌ خَاصَّةٌ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، فَهُوَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الْقَضَاءِ لَكِنَّهُ أَدْنَى دَرَجَةً مِنْهُ. (17)

ج - الْحِسْبَةُ:
5 - الْحِسْبَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنَ الاِحْتِسَابِ وَمِنْ مَعَانِيهَا: الأَْجْرُ، وَحُسْنُ التَّدْبِيرِ وَالنَّظَرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلاَنٌ حَسَنُ الْحِسْبَةِ فِي الأَْمْرِ إِذَا كَانَ حَسَنَ التَّدْبِيرِ لَهُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ (18) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَالْقَضَاءِ: أَنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ فِي أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْمُحْتَسِبِ وَالْقَاضِي نَظَرُ أَنْوَاعٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الدَّعَاوَى وَهِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمُنْكَرٍ ظَاهِرٍ مِنْ بَخْسِ أَوْ تَطْفِيفِ الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ، وَغِشِّ الْبَيْعِ أَوْ تَدْلِيسٍ فِيهِ أَوْ فِي ثَمَنِهِ، وَالْمَطْل فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ مَعَ مُكْنَةِ الْوَفَاءِ.
وَتَقْصُرُ الْحِسْبَةُ عَنِ الْقَضَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِسَمَاعِ عُمُومِ الدَّعَاوَى الْخَارِجَةِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ، وَكَذَلِكَ مَا يَدْخُلُهُ التَّجَاحُدُ وَالتَّنَاكُرُ، فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُحْتَسِبِ النَّظَرُ فِيهَا، إِذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَةً عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِّ أَوْ يَحْلِفَ يَمِينًا عَلَى نَفْيِهِ.
وَتَزِيدُ الْحِسْبَةُ عَنِ الْقَضَاءِ فِي أَنَّ الْمُحْتَسِبَ يَنْظُرُ فِي وُجُوهِ مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ خَصْمٌ يَسْتَعْدِيهِ بِخِلاَفِ الْقَاضِي، كَمَا أَنَّ لِلْمُحْتَسِبِ بِمَا لَهُ مِنْ قُوَّةِ السُّلْطَةِ وَالرَّهْبَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُنْكَرَاتِ أَنْ يُظْهِرَ الْغِلْظَةَ وَالْقُوَّةَ، وَلاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْهُ تَجَوُّزًا وَلاَ خَرْقًا لِوِلاَيَتِهِ، أَمَّا الْقَضَاءُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لِلْمُنَاصَفَةِ، فَهُوَ بِالْوَقَارِ وَالأَْنَاةِ أَخَصُّ. (19)

د - وِلاَيَةُ الْمَظَالِمِ:
6 - الْمَظَالِمُ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ مَظْلَمَةٍ، يُقَال: ظَلَمَهُ يَظْلِمُهُ ظُلْمًا وَظَلْمًا وَمَظْلِمَةً، وَيُقَال: تَظَلَّمَ فُلاَنٌ إِلَى الْحَاكِمِ مِنْ فُلاَنٍ فَظَلَّمَهُ تَظْلِيمًا أَيْ أَنْصَفَهُ مِنْ ظَالِمِهِ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ. (20)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَوَدُ الْمُتَظَالِمِينَ إِلَى التَّنَاصُفِ بِالرَّهْبَةِ وَزَجْرِ الْمُتَنَازِعِينَ عَنِ التَّجَاحُدِ بِالْهَيْبَةِ، وَوَالِي الْمَظَالِمِ لَهُ مِنَ النَّظَرِ مَا لِلْقُضَاةِ وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهُمْ مَجَالاً، وَأَعْلَى رُتْبَةً، إِذِ النَّظَرُ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَهِيَ وِلاَيَةٌ مُمْتَزِجَةٌ مِنْ سَطْوَةِ السُّلْطَةِ، وَنَصَفَةِ الْقَضَاءِ (21) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
7 - الْقَضَاءُ مَشْرُوعٌ وَثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيل اللَّهِ} (22) ، وَقَوْلُهُ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَل اللَّهُ} (23) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ وَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ (24) ، وَقَدْ تَوَلاَّهُ النَّبِيُّ ﷺ وَبَعَثَ عَلِيًّا إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا (25) ، وَبَعَثَ مُعَاذًا قَاضِيًا (26) ، كَمَا تَوَلاَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ وَبَعَثُوا الْقُضَاةَ إِلَى الأَْمْصَارِ.
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ نَصْبِ الْقُضَاةِ وَالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ.
8 - وَالأَْصْل فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا قَامَ بِهِ الصَّالِحُ لَهُ سَقَطَ الْفَرْضُ فِيهِ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنِ امْتَنَعَ كُل الصَّالِحِينَ لَهُ أَثِمُوا.
أَمَّا كَوْنُهُ فَرْضًا فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} ، (27) وَلأَِنَّ طِبَاعَ الْبَشَرِ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّظَالُمِ وَمَنْعِ الْحُقُوقِ وَقَل مَنْ يُنْصِفُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلاَ يَقْدِرُ الإِْمَامُ عَلَى فَصْل الْخُصُومَاتِ بِنَفْسِهِ، فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى تَوْلِيَةِ الْقُضَاةِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلأَِنَّهُ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ وَهُمَا عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَالْقَضَاءُ مِنَ الْقُرَبِ الْعَظِيمَةِ، فَفِيهِ نُصْرَةُ الْمَظْلُومِ وَأَدَاءُ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ وَرَدُّ الظَّالِمِ عَنْ ظُلْمِهِ، وَالإِْصْلاَحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَتَخْلِيصُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَقَطْعُ الْمُنَازَعَاتِ الَّتِي هِيَ مَادَّةُ الْفَسَادِ.
9 - وَالْقَضَاءُ تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الْخَمْسَةُ:
فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ إِذَا طُلِبَ لَهُ، لَكِنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إِلاَّ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ مِنْ أَهْل الْبَلَدِ سِوَاهُ فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ، وَلَوِ امْتَنَعَ عَنِ الْقَبُول يَأْثَمُ كَمَا فِي سَائِرِ فُرُوضِ الأَْعْيَانِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ قَبُول الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ يَخَافُ فِتْنَةً عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ إِنْ لَمْ يَتَوَل، أَوْ مَنْ يَخَافُ ضَيَاعَ الْحَقِّ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ إِنِ امْتَنَعَ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ عَدَدٌ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ فَإِنْ عُرِضَ عَلَى أَحَدِهِمْ فَالأَْفْضَل لَهُ الْقَبُول فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اقْتِدَاءً بِالأَْنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃، وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الأَْفْضَل تَرْكُهُ.
وَيُنْدَبُ لَهُ الْقَبُول كَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَصْلُحُ وَلَكِنَّهُ هُوَ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْقَبُول إِذَا كَانَ عَالِمًا فَقِيرًا لِيَسُدَّ خُلَّتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، أَوْ كَانَ عَالِمًا خَامِل الذِّكْرِ لِيَنْتَشِرَ عِلْمُهُ وَيُنْتَفَعَ بِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْقِيَامَ بِالْقَضَاءِ يَكُونُ مُبَاحًا إِذَا كَانَ الْقَادِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْل الْعَدَالَةِ، وَالاِجْتِهَادِ، وَيُوجَدُ غَيْرُهُ مِثْلُهُ،
قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَسُئِل بِلاَ طَلَبٍ، فَلَهُ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ بِحُكْمِ حَالِهِ وَصَلاَحِيَّتِهِ وَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الدُّخُول فِي الْقَضَاءِ مُخْتَارًا رُخْصَةٌ طَمَعًا فِي إِقَامَةِ الْعَدْل، وَالتَّرْكُ عَزِيمَةٌ فَلَعَلَّهُ لاَ يُوَفَّقُ لَهُ.
وَيَكُونُ مَكْرُوهًا إِذَا كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ تَحْصِيل الْجَاهِ وَالاِسْتِعْلاَءَ عَلَى النَّاسِ، أَوْ كَانَ غَنِيًّا عَنْ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَى الْقَضَاءِ، وَكَانَ مَشْهُورًا لاَ يَحْتَاجُ أَنْ يُشْهِرَ نَفْسَهُ وَعِلْمَهُ بِالْقَضَاءِ، أَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ مِنْهُ لِلْقَضَاءِ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ تَوَلِّي الْقَضَاءِ إِذَا كَانَ جَاهِلاً لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ، أَوْ هُوَ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ لَكِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ إِقَامَةِ وَظَائِفِهِ، أَوْكَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَا يُوجِبُ فِسْقَهُ، أَوْ كَانَ قَصْدُهُ الاِنْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ، أَوْ أَخْذَ الرِّشْوَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ. (28)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا تَقَلُّدُ الْقَضَاءِ لِمَنْ يَخَافُ الْحَيْفَ فِيهِ، بِأَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ يَجُورُ فِي الْحُكْمِ، أَوْ يَرَى فِي نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْ سَمَاعِ دَعَاوَى كُل الْخُصُومِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَوْ أَمِنَ الْخَوْفَ فَلاَ يُكْرَهُ. (29)
10 - وَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَنْصِبَ الْقُضَاةَ فِي الْبُلْدَانِ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ هُوَ الْمُسْتَخْلَفُ عَلَى الأُْمَّةِ وَالْقَائِمُ بِأَمْرِهَا، وَالْمُتَكَلِّمُ بِمَصْلَحَتِهَا، وَالْمَسْئُول عَنْهَا، فَتَقْلِيدُ الْقُضَاةِ مِنْ جِهَتِهِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ وِلاَيَتِهِ؛ وَلأَِنَّ التَّقْلِيدَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ مِنْ قِبَلِهِ. (30)

حِكْمَةُ الْقَضَاءِ:
11 - الْحِكْمَةُ مِنَ الْقَضَاءِ: رَفْعُ التَّهَارُجِ وَرَدُّ النَّوَائِبِ، وَقَمْعُ الظَّالِمِ وَنَصْرُ الْمَظْلُومِ، وَقَطْعُ الْخُصُومَاتِ، وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَفِيهِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَحَلِّهِ، لِيَكُفَّ الظَّالِمُ عَنْ ظُلْمِهِ. (31)

طَلَبُ الْقَضَاءِ:
12 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلإِْنْسَانِ طَلَبُ الْقَضَاءِ وَالسَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَل فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِل إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَل اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ (32) ، لَكِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يُقَيِّدُ الْكَرَاهَةَ هُنَا بِوُجُودِ مَنْ هُوَ أَفْضَل مِنْ طَالِبِ الْقَضَاءِ مِمَّنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ وَيَرْضَى بِأَنْ يَتَوَلاَّهُ، وَقِيل: بَل يَحْرُمُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ إِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ لِلْقَضَاءِ، وَكَانَ الأَْصْلَحُ يَقْبَل التَّوْلِيَةَ.
فَإِنْ تَعَيَّنَ شَخْصٌ لِلْقَضَاءِ بِأَنْ لَمْ يَصْلُحْ غَيْرُهُ لَزِمَهُ طَلَبُهُ إِنْ لَمْ يُعْرَضْ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَمَحَل وُجُوبِ الطَّلَبِ إِذَا ظَنَّ الإِْجَابَةَ فَإِنْ تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُهَا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيُنْدَبُ الطَّلَبُ إِنْ كَانَ خَامِلاً يَرْجُو بِهِ نَشْرَ الْعِلْمِ أَوْ مُحْتَاجًا لِلرِّزْقِ، أَوْ إِذَا كَانَتِ الْحُقُوقُ مُضَاعَةً لِجَوْرٍ أَوْ عَجْزٍ، أَوْ فَسَدَتِ الأَْحْكَامُ بِتَوْلِيَةِ جَاهِلٍ، فَيَقْصِدُ بِالطَّلَبِ تَدَارُكَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَبَ، فَقَال: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَْرْضِ} (33) ، وَإِنَّمَا طَلَبَ ذَلِكَ شَفَقَةً عَلَى خَلْقِ اللَّهِ لاَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ.
وَيَحْرُمُ طَلَبُ الْقَضَاءِ إِذَا كَانَ فِيهِ مُبَاشِرٌ قَدْ تَوَافَرَتْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْقَضَاءَ وَالطَّالِبُ يَرُومُ عَزْلَهُ وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ أَهْلاً لِلْقَضَاءِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِيذَاءِ الْقَائِمِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ لَمْ يَحْرُمْ طَلَبُهُ، كَمَا يَحْرُمُ الطَّلَبُ لِجَاهِلٍ وَطَالِبِ دُنْيَا. (34)

بَذْل الْمَال لِتَوَلِّي الْقَضَاءِ:
13 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ بَذْل الْمَال لِيُنْصَبَ قَاضِيًا، وَأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُل فِي عُمُومِ نَهْيِ الرَّسُول ﷺ عَنِ الرِّشْوَةِ.
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الْحُرْمَةَ بِمَا إِذَا كَانَ طَالِبُ الْقَضَاءِ لاَ يَسْتَحِقُّ التَّوْلِيَةَ لِفَقْدِهِ شُرُوطَ التَّوْلِيَةِ أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْقَضَاءُ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ. وَكَرِهَ الشَّافِعِيَّةُ بَذْل الْمَال إِذَا كَانَ طَلَبُهُ مَكْرُوهًا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ بَذْل الْمَال إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا عَلَى الْبَاذِل لِتَعَيُّنِ فَرْضِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ بِشُرُوطِ الْقَضَاءِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَجْهًا آخَرَ لِلإِْبَاحَةِ، وَهُوَ مَا إِذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لَهُ الطَّلَبُ لِيُزِيل جَوْرَ غَيْرِهِ أَوْ تَقْصِيرَهُ. (35)

الإِْجْبَارُ عَلَى الْقَضَاءِ:
14 - إِذَا تَعَيَّنَ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ، فَهَل يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُول لَوِ امْتَنَعَ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ إِجْبَارَ أَحَدِ الْمُتَأَهِّلِينَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنْهُ عِوَضٌ، وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّاسَ مُضْطَرُّونَ إِلَى عِلْمِهِ وَنَظَرِهِ، فَأَشْبَهَ صَاحِبَ الطَّعَامِ إِذَا مَنَعَهُ الْمُضْطَرَّ. (36)
وَالْوَجْهُ الآْخَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْقَبُول، فَإِنِ امْتَنَعَ لاَ يُجْبَرُ. (37) وَقَدْ أَرَادَ عُثْمَانُ ﵁ تَوْلِيَةَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ الْقَضَاءَ، فَقَال لِعُثْمَانِ: أَوَتُعَافِينِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَال: فَمَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَقْضِي؟ فَقَال: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِالْعَدْل فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كَفَافًا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْفَاهُ وَقَال: لاَ تَجْبُرَنَّ أَحَدًا. (38)
وَنُقِل عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ وَأَبَى الْوِلاَيَةَ أَنَّهُ لاَ يَأْثَمُ، وَحُمِل كَلاَمُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ عَلَى مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَال: لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ؟ . (39)

التَّرْغِيبُ فِي الْقَضَاءِ:
15 - مَكَانَةُ الْقَضَاءِ مِنَ الدِّينِ عَظِيمَةٌ، وَبِالْقِيَامِ بِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَْرْضُ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا كُلِّفَ بِهِ الأَْنْبِيَاءُ وَالرُّسُل قَال تَعَالَى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى} (40) ، وَقَال تَعَالَى مُخَاطِبًا خَاتَمَ رُسُلِهِ ﵊: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَل اللَّهُ} (41) ، فَوِلاَيَةُ الْقَضَاءِ رُتْبَةٌ دِينِيَّةٌ وَنَصَبَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ فِيهِ، وَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُ وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ دَيْنًا وَقُرْبَةً فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَل الْقُرُبَاتِ إِذَا وُفِّيَتْ حَقَّهَا، وَإِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (42) ، وَجَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي يُبَاحُ الْحَسَدُ عَلَيْهَا فَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا (43) ، وَقَال ﷺ: إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا (44) ، فَكَذَلِكَ كَانَ الْعَدْل بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَفْضَل أَعْمَال الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الأَْجْرِ قَال تَعَالَى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (45) ، فَأَيُّ شَيْءٍ أَشْرَفُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وَعَظِيمِ فَضْلِهِ جَعَل اللَّهُ فِيهِ أَجْرًا مَعَ الْخَطَأِ، وَأَسْقَطَ عَنْهُ حُكْمَ الْخَطَأِ، قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ (46) وَإِنَّمَا أُجِرَ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَبَذْل وُسْعِهِ لاَ عَلَى خَطَئِهِ. (47)

التَّرْهِيبُ مِنَ الْقَضَاءِ:
16 - كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ يُحْجِمُ عَنْ تَوَلِّي الْقَضَاءِ وَيَمْتَنِعُ عَنْهُ أَشَدَّ الاِمْتِنَاعِ حَتَّى لَوْ أُوذِيَ فِي نَفْسِهِ، وَذَلِكَ خَشْيَةً مِنْ عَظِيمِ خَطَرِهِ كَمَا تَدُل عَلَيْهِ الأَْحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ وَالَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْوَعِيدُ وَالتَّخْوِيفُ لِمَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ وَلَمْ يُؤَدِّ الْحَقَّ فِيهِ، كَحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ، (48) وَحَدِيثُ: مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ أَوْ جُعِل قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ (49) ، وَحَدِيثُ: الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لاَ يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ. (50)
وَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كُل مَا جَاءَ مِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تَخْوِيفٌ وَوَعِيدٌ إِنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ قُضَاةِ الْجَوْرِ وَالْجُهَّال الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ فَقَدْ قَال بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِ الْقَضَاءِ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ وَأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَهُ مُجَاهِدٌ لِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ مَنْ قَضَى بِالْحَقِّ إِذْ جَعَلَهُ ذَبِيحَ الْحَقِّ امْتِحَانًا، لِتَعْظُمَ لَهُ الْمَثُوبَةُ امْتِنَانًا، فَالْقَاضِي لَمَّا اسْتَسْلَمَ لِحُكْمِ اللَّهِ وَصَبَرَ عَلَى مُخَالَفَةِ الأَْقَارِبِ وَالأَْبَاعِدِ فِي خُصُومَاتِهِمْ، فَلَمْ تَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ حَتَّى قَادَهُمْ إِلَى أَمْرِ الْحَقِّ وَكَلِمَةِ الْعَدْل، وَكَفَّهُمْ عَنْ دَوَاعِي الْهَوَى وَالْعِنَادِ، جُعِل ذَبِيحَ الْحَقِّ لِلَّهِ وَبَلَغَ بِهِ حَال الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَالتَّحْذِيرُ الْوَارِدُ مِنَ الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الظُّلْمِ لاَ عَنِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْجَوْرَ فِي الأَْحْكَامِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى فِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} (51) ، فَالأَْحَادِيثُ السَّابِقَةُ بِجُمْلَتِهَا، بَعْضُهَا مُرَغِّبٌ وَبَعْضُهَا مُرَهِّبٌ، وَالْمُرَغِّبُ مِنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى الصَّالِحِ لِلْقَضَاءِ الْمُطِيقِ لِحَمْل عِبْئِهِ، وَالْقِيَامِ بِوَاجِبِهِ، وَالْمُرَهِّبُ مِنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهُ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل دُخُول مَنْ دَخَل فِيهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَامْتِنَاعُ مَنِ امْتَنَعَ عَنْهُ، فَقَدْ تَقَلَّدَهُ بَعْدَ الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، سَادَاتُ الإِْسْلاَمِ وَقَضَوْا بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، وَدُخُولُهُمْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عُلُوِّ قَدْرِهِ، وَوُفُورِ أَجْرِهِ، فَإِنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ، وَوَلِيَهُ بَعْدَهُمْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، وَمَنْ كَرِهَ الدُّخُول فِيهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَعَ فَضْلِهِمْ وَصَلاَحِيَّتِهِمْ وَوَرَعِهِمْ مَحْمُولٌ كُرْهُهُمْ عَلَى مُبَالَغَةٍ فِي حِفْظِ النَّفْسِ، وَسُلُوكٍ لِطَرِيقِ السَّلاَمَةِ، وَلَعَلَّهُمْ رَأَوْا مِنْ أَنْفُسِهِمْ فُتُورًا أَوْ خَافُوا مِنَ الاِشْتِغَال بِهِ الإِْقْلاَل مِنْ تَحْصِيل الْعُلُومِ. (52)
وَمِمَّنِ امْتَنَعَ عَنْ تَوَلِّي الْقَضَاءِ بَعْدَ أَنْ طُلِبَ لَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ (53) . أَرْكَانُ الْقَضَاءِ وَأَحْكَامُهَا:
17 - أَرْكَانُ الْقَضَاءِ كَمَا يَلِي: (54)
أَوَّلاً: الْقَاضِي.
ثَانِيًا: الْمَقْضِيُّ بِهِ.
ثَالِثًا: الْمَقْضِيُّ لَهُ.
رَابِعًا: الْمَقْضِيُّ فِيهِ.
خَامِسًا: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ.
سَادِسًا: الْحُكْمُ.
وَتَفْصِيل حُكْمِ كُل رُكْنٍ مِنْهَا فِيمَا يَلِي:

أَوَّلاً: الْقَاضِي:
لِلْقَاضِي أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِشُرُوطِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقَضَاءِ، وَأَحْكَامِ انْعِقَادِ وِلاَيَتِهِ وَعَزْلِهِ وَاعْتِزَالِهِ، وَمِنْهَا مَا يَتَّصِل بِآدَابِ مِهْنَتِهِ، وَمَسْئُولِيَّتِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ الَّتِي سَتُبَيَّنُ تَفْصِيلاً فِيمَا يَلِي:

أ - أَهْلِيَّةُ الْقَاضِي:
18 - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّةِ تَوْلِيَةِ الْقَاضِي شُرُوطًا مُعَيَّنَةً، وَيَتَّفِقُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْقَاضِي مُسْلِمًا، عَاقِلاً، بَالِغًا، حُرًّا (55) .
وَيَخْتَلِفُونَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:
يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مَنْ يَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ الْقَضَاءَ هُوَ مَنْ يَكُونُ أَهْلاً لأَِدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَشُرُوطُ الشَّهَادَةِ هِيَ: الإِْسْلاَمُ وَالْعَقْل وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْبَصَرُ، وَالنُّطْقُ، وَالسَّلاَمَةُ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ، فَلاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْكَافِرِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالأَْعْمَى وَالأَْخْرَسِ وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ؛ لأَِنَّ الْقَضَاءَ مِنْ بَابِ الْوِلاَيَةِ، بَل هُوَ أَعْظَمُ الْوِلاَيَاتِ، وَهَؤُلاَءِ لَيْسَتْ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ أَدْنَى الْوِلاَيَاتِ وَهِيَ الشَّهَادَةُ؛ فَلأََنْ لاَ يَكُونَ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ أَعْلاَهَا أَوْلَى.
وَأَمَّا الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ أَهْل الشَّهَادَاتِ فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّهَا لاَ تَقْضِي فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، لأَِنَّهُ لاَ شَهَادَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ، وَأَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ تَدُورُ مَعَ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ. (56)
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ عِلْمِ الْقَاضِي بِالْحَلاَل وَالْحَرَامِ وَسَائِرِ الأَْحْكَامِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَيَرَى فَرِيقٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ، بَل هُوَ شَرْطُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِ غَيْرِهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى فَتْوَى غَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، لَكِنْ مَعَ هَذَا لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَلَّدَ الْجَاهِل بِالأَْحْكَامِ، لأَِنَّ الْجَاهِل قَدْ يَقْضِي بِالْبَاطِل مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُ. (57)
وَيَرَى فَرِيقٌ آخَرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُول، أَمَّا النَّصُّ: فَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَال لَهُ: كَيْفَ تَقْضِي؟ قَال: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَال: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَال: فَبِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُول رَسُول اللَّهِ ﷺ (58) .
وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَإِنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ بِالْحَقِّ، قَال تَعَالَى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَْرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (59) ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ؛ لأَِنَّ الْحَوَادِثَ مَمْدُودَةٌ، وَالنُّصُوصَ مَعْدُودَةٌ، فَلاَ يَجِدُ الْقَاضِي فِي كُل حَادِثَةٍ نَصًّا يَفْصِل بِهِ الْخُصُومَةَ، فَيَحْتَاجُ إِلَى اسْتِنْبَاطِ الْمَعْنَى مِنَ النُّصُوصِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالاِجْتِهَادِ (60) . أَمَّا الْعَدَالَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ لَكِنَّهَا شَرْطُ كَمَالٍ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ وَتَنْفُذُ قَضَايَاهُ إِذَا لَمْ يُجَاوِزْ فِيهَا حَدَّ الشَّرْعِ، لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الشَّهَادَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْل الْقَضَاءِ. (61)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ شُرُوطَ تَوْلِيَةِ الْقَاضِي أَرْبَعَةٌ:

أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ عَدْلاً. وَالْعَدَالَةُ تَسْتَلْزِمُ الإِْسْلاَمَ وَالْبُلُوغَ وَالْعَقْل وَالْحُرِّيَّةَ وَعَدَمَ الْفِسْقِ.

ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا.

ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ فَطِنًا، وَالْفِطْنَةُ جَوْدَةُ الذِّهْنِ وَقُوَّةُ إِدْرَاكِهِ لِمَعَانِي الْكَلاَمِ.

رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي وُلِّيَ لِلْقَضَاءِ بِهَا وَلَوْ مُقَلِّدًا لِمُجْتَهِدٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، خِلاَفًا لِخَلِيلٍ حَيْثُ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا إِنْ وُجِدَ وَإِلاَّ فَأَمْثَل مُقَلِّدٍ. (62)
وَيَجِبُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا، فَلاَ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الأَْعْمَى وَالأَْبْكَمِ وَالأَْصَمِّ.
وَاتِّصَافُهُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَاجِبٌ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ إِذْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ إِنْ وَقَعَ صَوَابًا مَعَ فَقْدِ إِحْدَى تِلْكَ الصِّفَاتِ، وَفِي فَقْدِ صِفَتَيْنِ خِلاَفٌ، أَمَّا فِي فَقْدِ الصِّفَاتِ الثَّلاَثِ فَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ. (63)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشَّرَائِطَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْقَاضِي عَشَرَةٌ: الإِْسْلاَمُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ وَالتَّكْلِيفُ وَالْعَدَالَةُ وَالْبَصَرُ وَالسَّمْعُ وَالنُّطْقُ وَالاِجْتِهَادُ وَالْكِفَايَةُ اللاَّئِقَةُ بِالْقَضَاءِ، وَفَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِالْقُوَّةِ عَلَى تَنْفِيذِ الْحَقِّ بِنَفْسِهِ فَلاَ يُوَلَّى مُغَفَّلٌ وَمُخْتَل نَظَرٍ بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. (64)
وَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْفَاسِقَ لاَ تَصِحُّ وِلاَيَتُهُ، وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ لأَِنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ فَعَدَمُ قَبُول حُكْمِهِ أَوْلَى، وَإِذَا وُلِّيَ الْفَاسِقُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَقَدْ حَكَى الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَنْفِيذِ أَحْكَامِهِ لِلضَّرُورَةِ لِئَلاَّ تَتَعَطَّل مَصَالِحُ النَّاسِ (65) .
أَمَّا الْكِتَابَةُ فَالأَْصَحُّ عَدَمُ اشْتِرَاطِهَا.
وَالاِجْتِهَادُ هُوَ الْعِلْمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَأَقْوَال الْعُلَمَاءِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اجْتِهَاد ف 5) . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَشْتَرِطُونَ كَوْنَ الْقَاضِي بَالِغًا عَاقِلاً ذَكَرًا حُرًّا مُسْلِمًا عَدْلاً سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا مُجْتَهِدًا، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا لأَِنَّهُ ﷺ كَانَ أُمِّيًّا وَهُوَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ.
وَشُرُوطُ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تُعْتَبَرُ حَسَبَ الإِْمْكَانِ، وَيَجِبُ تَوْلِيَةُ الأَْمْثَل فَالأَْمْثَل، وَعَلَى هَذَا يَدُل كَلاَمُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، فَيُوَلَّى عِنْدَ عَدَمِ الأَْمْثَل أَنْفَعُ الْفَاسِقَيْنِ وَأَقَلُّهُمَا شَرًّا، وَأَعْدَل الْمُقَلِّدَيْنِ وَأَعْرَفُهُمَا بِالتَّقْلِيدِ، وَإِلاَّ لَتَعَطَّلَتِ الأَْحْكَامُ وَاخْتَل النِّظَامُ (66) .

حُكْمُ تَقْلِيدِ الْمَفْضُول:
19 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ لَهُ وِلاَيَةُ التَّقْلِيدِ أَنْ يَخْتَارَ لِلْقَضَاءِ أَفْضَل مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَدِينًا وَمَنْ هُوَ أَقْدَرُ وَأَوْلَى لِعِفَّتِهِ وَقُوَّتِهِ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ الأَْصْلَحِ لَهُمْ لأَِنَّ الأَْفْضَل أَثْبَتُ وَأَمْكَنُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَعْيِينِ الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَفْضَل مِنْهُ، فَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّ تَوْلِيَةَ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ بَاطِلٌ، وَالْقَوْل الآْخَرُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَل فِي زَمَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَفِيهِ خِلاَفٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، قَال الإِْمَامُ: فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الأُْصُولِيِّينَ، وَالأَْكْثَرُونَ قَالُوا: يَجُوزُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ عَدَل عَنِ الأَْفْضَل إِلَى الْمُقَصِّرِ انْعَقَدَتْ وِلاَيَتُهُ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى كَمَال الشُّرُوطِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: تَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَفْضُولٍ مَعَ وُجُودِ أَفْضَل مِنْهُ لأَِنَّ الْمَفْضُول مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ يُوَلَّى مَعَ وُجُودِ الْفَاضِل، مَعَ الاِشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَقَيَّدَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ صِحَّةَ التَّوْلِيَةِ بِمَا إِذَا قَصَدَ بِهَا مَصْلَحَةً.
وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ لِلْحَنَفِيَّةِ لَكِنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ يُجِيزُ تَوْلِيَةَ الْمَفْضُول إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَامِّيًّا وَكَذَلِكَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ. (67)

حُكْمُ تَقْلِيدِ الْمَرْأَةِ الْقَضَاءَ:
20 - سَبَقَ بَيَانُ اشْتِرَاطِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي ذَكَرًا، وَقَدِ اسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوْلِيَةِ الْمَرْأَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً (68) ؛ وَلأَِنَّ الْقَاضِيَ يَحْضُرُ مَحَافِل الْخُصُومِ وَالرِّجَال، وَيَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى كَمَال الرَّأْيِ وَمُشَاوَرَةِ الْعُلَمَاءِ، وَالنِّسَاءُ لَسْنَ أَهْلاً لِذَلِكَ وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نِسْيَانِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ تَضِل إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى} (69) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يَجُوزُ أَنْ تَلِيَ النِّسَاءُ الْقَضَاءَ فِيمَا يَجُوزُ أَنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ وَحْدَهُنَّ أَوْ مَعَ الرِّجَال؛ لأَِنَّ فِي الشَّهَادَةِ مَعْنَى الْوِلاَيَةِ، وَلاَ يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لأَِنَّ شَهَادَتَهُنَّ لاَ تُقْبَل فِي ذَلِكَ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ أَجَازَ تَقَلُّدَ الْمَرْأَةِ الْقَضَاءَ مُطْلَقًا، وَعَلَّل جَوَازَ وِلاَيَتِهَا بِجَوَازِ فُتْيَاهَا (70) .
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ وَلَّى سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ امْرَأَةً الْقَضَاءَ نَفَذَ قَضَاؤُهَا (71) .

حُكْمُ تَقْلِيدِ الْفَاسِقِ:
21 - الْعَدَالَةُ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ يَتَقَلَّدُ الْقَضَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ، ظَاهِرَ الأَْمَانَةِ عَفِيفًا عَنِ الْمَحَارِمِ، مُتَوَقِّيًا لِلْمَآثِمِ، بَعِيدًا مِنَ الرِّيَبِ، مَأْمُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنِ الْعَدَالَةِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَة ف 22، وَعَدْل ف 1، 16) .
فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ، وَلاَ مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (72) فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ عِنْدَ قَوْل الْفَاسِقِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مِمَّنْ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ وَيَجِبُ التَّبَيُّنُ عِنْدَ حُكْمِهِ؛ وَلأَِنَّ الْفَاسِقَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فَلِئَلاَّ يَكُونَ قَاضِيًا أَوْلَى.
قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَفِي الْفَاسِقِ خِلاَفٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا هَل يُرَدُّ مَا حَكَمَ بِهِ وَإِنْ وَافَقَ الْحَقَّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَوْ يُمْضَى إِذَا وَافَقَ الْحَقَّ؟ .
وَقَال النَّوَوِيُّ: الْوَجْهُ تَنْفِيذُ قَضَاءِ كُل مَنْ وَلاَّهُ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً أَوْ فَاسِقًا؛ لِئَلاَّ تَتَعَطَّل مَصَالِحُ النَّاسِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصْل عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يَجُوزُ تَقَلُّدُهُ الْقَضَاءَ؛ لأَِنَّهُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَهْل الشَّهَادَةِ فَيَكُونُ أَهْلاً لِلْقَضَاءِ، لَكِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي تَقْلِيدُهُ وَيَأْثَمُ مُقَلِّدُهُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْوَجْهُ تَنْفِيذُ قَضَاءِ كُل مَنْ وَلاَّهُ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً فَاسِقًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَحِينَئِذٍ فَيُحْكَمُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ.
قَال ابْنُ الْهُمَامِ: قَال بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إِذَا قُلِّدَ الْفَاسِقُ ابْتِدَاءً يَصِحُّ، وَلَوْ قُلِّدَ وَهُوَ عَدْلٌ يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ، لأَِنَّ الْمُقَلِّدَ اعْتَمَدَ عَدَالَتَهُ، فَلَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِتَقْلِيدِهِ دُونَهَا، وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطُ الأَْوْلَوِيَّةِ، فَالأَْوْلَى أَنْ يَكُونَ عَدْلاً، لَكِنْ لَوْ تَقَلَّدَ الْفَاسِقُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ (73) .

حُكْمُ تَقْلِيدِ الْكَافِرِ:
22 - الإِْسْلاَمُ هُوَ أَحَدُ الشُّرُوطِ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُقَلَّدُ الْقَضَاءَ، فَلاَ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْكَافِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (74) ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ تَوْلِيَتُهُ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَمْ بَيْنَ أَهْل دِينِهِ، لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَجَازَ تَقْلِيدَهُ الْقَضَاءَ بَيْنَ أَهْل دِينِهِ، لِجَوَازِ شَهَادَةِ أَهْل الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا جَازَتْ وِلاَيَتُهُمْ فِي الْمَنَاكِحِ جَازَتْ فِي الأَْحْكَامِ.
وَاعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْجَارِي فِي تَقْلِيدِهِمْ قَال الشِّرْبِينِيُّ: أَمَّا جَرَيَانُ الْعَادَةِ بِنَصْبِ حَاكِمٍ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ فَقَال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إِنَّمَا هِيَ زَعَامَةٌ وَرِيَاسَةٌ، لاَ تَقْلِيدُ حُكْمٍ وَقَضَاءٍ، وَلاَ يَلْزَمُهُمْ حُكْمُهُ بِإِلْزَامِهِ بَل بِالْتِزَامِهِمْ وَلاَ يُلْزَمُونَ بِالتَّحَاكُمِ عِنْدَهُ (75) .

وِلاَيَةُ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ:
23 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الَّذِي يَمْلِكُ وِلاَيَةَ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ هُوَ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ؛ لأَِنَّ وِلاَيَةَ الْقَضَاءِ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ؛ وَلأَِنَّ الإِْمَامَ صَاحِبُ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ، فَلاَ يُفْتَاتُ عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَى شَخْصٍ تَوْلِيَةَ الْقُضَاةِ، وَلَيْسَ لِمَنْ فَوَّضَهُ الإِْمَامُ فِي ذَلِكَ اخْتِيَارُ نَفْسِهِ وَلاَ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ، وَقِيل: يَجُوزُ إِذَا كَانَا صَالِحَيْنِ لِلْوِلاَيَةِ لأَِنَّهُمَا يَدْخُلاَنِ فِي عُمُومِ الإِْذْنِ مَعَ أَهْلِيَّتِهَا.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ سُلْطَانٌ وَلاَ مَنْ يَجُوزُ التَّقَلُّدُ مِنْهُ، أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُول إِلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى أَهْل الْبَلَدِ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجْعَلُونَهُ وَالِيًا فَيُوَلِّي قَاضِيًا، أَوْ يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهُمْ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ وُجُودُ الإِْمَامِ أَوِ الاِتِّصَال بِهِ، يَتِمُّ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَأَهْل الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعَدَالَةِ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ كَمُلَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقَضَاءِ، وَيَكُونُ عَقْدُهُمْ نِيَابَةً عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا خَلاَ الْبَلَدُ مِنْ قَاضٍ، فَقَلَّدَ أَهْلُهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَاضِيًا مِنْهُمْ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ لَهُ بَاطِلاً إِنْ كَانَ فِي الْعَصْرِ إِمَامٌ، وَيَجُوزُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَنْظُرَ بَيْنَهُمْ مُتَوَسِّطًا مَعَ التَّرَاضِي - لاَ مُلْزَمًا - وَإِنْ خَلاَ الْعَصْرُ مِنْ إِمَامٍ فَإِنْ كَانَ يُرْجَى أَنْ يَتَجَدَّدَ إِمَامٌ بَعْدَ زَمَانٍ قَرِيبٍ كَانَ تَقْلِيدُ الْقَاضِي بَاطِلاً، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ تَجْدِيدُ إِمَامٍ قَرِيبٍ وَأَمْكَنَهُمْ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى قَاضِي أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ لِلْقَاضِي بَاطِلاً، وَيَكُونَ تَقْلِيدُهُمْ لِلْقَاضِي جَائِزًا إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى التَّقْلِيدِ جَمِيعُ أَهْل الاِخْتِيَارِ مِنْهُمْ، وَأَمْكَنَهُمْ نَصْرُهُ وَتَقْوِيَةُ يَدِهِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُمُ التَّحَاكُمُ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ قَلَّدَهُ بَعْضُهُمْ نُظِرَ فِي بَاقِيهِمْ إِنْ ظَهَرَ الرِّضَا مِنْهُمْ صَحَّ التَّقْلِيدُ وَصَارُوا كَالْمُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُمُ الإِْنْكَارُ بَطَل التَّقْلِيدُ، فَإِنْ كَانَ لِلْبَلَدِ جَانِبَانِ فَرَضِيَ بِتَقْلِيدِهِ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الآْخَرِ صَحَّ تَقْلِيدُهُ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ وَبَطَل فِي الْجَانِبِ الآْخَرِ لأَِنَّ تَمَيُّزَ الْجَانِبَيْنِ كَتَمَيُّزِ الْبَلَدَيْنِ، فَإِذَا صَحَّتْ وِلاَيَتُهُ نَفَذَتْ أَحْكَامُهُ وَلَزِمَتْ طَوْعًا وَجَبْرًا لاِنْعِقَادِ وِلاَيَتِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا خَلاَ الْبَلَدُ مِنْقَاضٍ، فَاجْتَمَعَ أَهْل الْبَلَدِ وَقَلَّدُوا قَاضِيًا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ الإِْمَامُ مَفْقُودًا صَحَّ وَنَفَذَتْ أَحْكَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجَدَّدَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَسْتَدِمْ هَذَا الْقَاضِي النَّظَرَ إِلاَّ بَعْدَ إِذْنِهِ، وَلاَ يُنْقَضْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِهِ. (76)
وَإِذَا أَرَادَ وَلِيُّ الأَْمْرِ تَوْلِيَةَ قَاضٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالنَّاسِ وَيَعْرِفُ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَلاَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ سَأَل أَهْل الْمَعْرِفَةِ بِالنَّاسِ، وَاسْتَرْشَدَهُمْ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ، فَإِذَا عَرَفَ عَدَالَتَهُ وَلاَّهُ، وَيَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا بِمَا وَلاَّهُ يَأْمُرُهُ فِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالتَّثَبُّتِ فِي الْقَضَاءِ وَمُشَاوَرَةِ أَهْل الْعِلْمِ، وَتَصَفُّحِ أَحْوَال الشُّهُودِ وَتَأَمُّل الشَّهَادَاتِ، وَتَعَاهُدِ الْيَتَامَى، وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَال الْوُقُوفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَى مُرَاعَاتِهِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ (77) ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ فِي تَوْلِيَتِهِ الْقَضَاءَ (78) . اشْتِرَاطُ عَدَالَةِ الْمُوَلِّي:
24 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُوَلِّي (بِكَسْرِ اللاَّمِ) لأَِنَّ وِلاَيَةَ الإِْمَامَةِ الْكُبْرَى تَصِحُّ مِنْ كُل بَرٍّ وَفَاجِرٍ فَتَصِحُّ وِلاَيَتُهُ كَالْعَدْل؛ وَلأَِنَّهَا لَوِ اعْتُبِرَتْ فِي الْمُوَلَّى أَفْضَى إِلَى تَعَذُّرِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا إِذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الْمُوَلِّي يَمْنَعُهُ عَنِ الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ فَيَحْرُمُ (79) .
وَنُقِل عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ مَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إِذَا وَلاَّهُ أَمِيرٌ غَيْرُ عَدْلٍ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ. (80)
وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: إِذَا اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى إِقْلِيمٍ عَظِيمٍ فَوَلَّوُا الْقَضَاءَ لِمَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ، فَالَّذِي يَظْهَرُ إِنْفَاذُ ذَلِكَ كُلِّهِ جَلْبًا لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَدَفْعًا لِلْمَفَاسِدِ الشَّامِلَةِ (81) .

ب - صِفَةُ عَقْدِ الْقَضَاءِ:
25 - إِذَا كَانَ الْمُوَلِّي وَالْمُوَلَّى حَاضِرَيْنِ فَالْعِبْرَةُ بِاللَّفْظِ وَفِي حَالَةِ الْغَيْبَةِ تَقُومُ الْكِتَابَةُ مَقَامَ اللَّفْظِ. (82) وَالأَْلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلاَيَةُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ، فَالصَّرِيحُ: وَلَّيْتُكَ، وَقَلَّدْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَهَذَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، زَادَ الْحَنَابِلَةُ: رَدَدْتُ إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ وَجَعَلْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ.
وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ وَجَعَلْتُ إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ وَوَكَّلْتُ إِلَيْكَ وَأَسْنَدْتُ إِلَيْكَ، وَقَال بَعْضُهُمْ: وَعَهِدْتُ إِلَيْكَ، وَتَحْتَاجُ الْكِنَايَةُ إِلَى أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يَنْفِي عَنْهَا الاِحْتِمَال مِثْل: احْكُمْ فِيمَا اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ فِيهِ، وَشِبْهَ ذَلِكَ (83) .
وَتَمَامُ الْعَقْدِ مُعْتَبَرٌ بِقَبُول الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا كَانَ قَبُولُهُ بِالْقَوْل عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا جَازَ قَبُولُهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَيَجُوزُ قَبُولُهُ بِالْقَوْل مَعَ التَّرَاخِي، وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْقَبُول بِالشُّرُوعِ فِي النَّظَرِ، فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، وَجَعَلَهُ كَالنُّطْقِ، وَلَمْ يُجِزْهُ آخَرُونَ حَتَّى يَنْطِقَ بِالْقَبُول، لأَِنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّظَرِ فَرْعٌ لِعَقْدِ الْوِلاَيَةِ، فَلَمْ يَنْعَقِدِ الْقَبُول بِالشُّرُوعِ. (84)

ج - سُلْطَةُ الْقَاضِي وَاخْتِصَاصُهُ:
26 - لِلإِْمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ الْقَاضِيَ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَل بِأَنْ يُوَلِّيَهُ سَائِرَ الأَْحْكَامِ بِسَائِرِ الْبِلاَدِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَل، فَيُقَلِّدَهُ النَّظَرَ فِي جَمِيعِ الأَْحْكَامِ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيمَنْ سَكَنَهُ وَمَنْ أَتَى إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سُكَّانِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهُ خُصُوصَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَل فَيَقُول مَثَلاً: جَعَلْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً فِي جَمِيعِ وِلاَيَتِي، أَوْ يَجْعَل حُكْمَهُ فِي قَدْرٍ مِنَ الْمَال نَحْوِ أَنْ يَقُول: احْكُمْ فِي الْمِائَةِ فَمَا دُونَهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ خُصُوصَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَل كَأَنْ يُوَلِّيَهُ قَضَاءَ الأَْنْكِحَةِ فِي مَدِينَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ شَطْرٍ مِنْهَا. (85)
الْوِلاَيَةُ الْعَامَّةُ:
27 - إِنْ كَانَتْ وِلاَيَةُ الْقَاضِي عَامَّةً مُطْلَقَةَ التَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ فَنَظَرُهُ يَشْتَمِل عَلَى عَشَرَةِ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: فَصْل الْمُنَازَعَاتِ، وَقَطْعُ التَّشَاجُرِ وَالْخُصُومَاتِ، إِمَّا صُلْحًا عَنْ تَرَاضٍ أَوْ إِجْبَارًا بِحُكْمٍ بَاتٍّ.
الثَّانِي: اسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ مِنَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا، وَإِيصَالُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا بَعْدَ ثُبُوتِ اسْتِحْقَاقِهَا.
الثَّالِثُ: ثُبُوتُ الْوِلاَيَةِ عَلَى مَنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنَ التَّصَرُّفِ، لِجُنُونٍ أَوْ صِغَرٍ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، حِفْظًا لِلأَْمْوَال عَلَى مُسْتَحِقِّهَا.
الرَّابِعُ: النَّظَرُ فِي الأَْوْقَافِ بِحِفْظِ أُصُولِهَا، وَتَنْمِيَةِ فُرُوعِهَا، وَقَبْضِهِ غَلَّتَهَا، وَصَرْفِهَا فِي سُبُلِهَا، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا مُسْتَحِقٌّ لِلنَّظَرِ رَعَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَوَلاَّهُ.
الْخَامِسُ: تَنْفِيذُ الْوَصَايَا عَلَى شَرْطِ الْمُوصِي فِيمَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ، فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنِينَ نَفَّذَهَا بِالإِْقْبَاضِ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ كَانَ تَنْفِيذُهَا إِلَى اجْتِهَادِ النَّظَرِ.
السَّادِسُ: تَزْوِيجُ الأَْيَامَى بِالأَْكْفَاءِ إِذَا عُدِمَ الأَْوْلِيَاءُ.
السَّابِعُ: إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى تَفَرَّدَ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ غَيْرِ مُطَالِبٍ، إِذَا ثَبَتَ بِالإِْقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ وَقَفَتْ عَلَى طَلَبِ مُسْتَحِقِّيهَا.
الثَّامِنُ: النَّظَرُ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ، مِنَ الْكَفِّ عَنِ التَّعَدِّي فِي الطُّرُقَاتِ وَالأَْفْنِيَةِ، وَإِخْرَاجِ الأَْجْنِحَةِ وَالأَْبْنِيَةِ، وَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالنَّظَرِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ خَصْمٌ.
التَّاسِعُ: تَصَفُّحُ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، وَاخْتِبَارُ النَّائِبِينَ عَنْهُ مِنْ خُلَفَائِهِ.الْعَاشِرُ: التَّسْوِيَةُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَالشَّرِيفِ وَالْمَشْرُوفِ وَلاَ يَتَّبِعُ هَوَاهُ فِي الْحُكْمِ (86) .

الْوِلاَيَةُ الْخَاصَّةُ:
28 - إِذَا كَانَتْ وِلاَيَةُ الْقَاضِي خَاصَّةً فَهِيَ مَقْصُورَةُ النَّظَرِ عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ، كَمَنْ جُعِل لَهُ الْقَضَاءُ فِي بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَْحْكَامِ، أَوْ فِي الْحُكْمِ بِالإِْقْرَارِ دُونَ الْبَيِّنَةِ، أَوْ فِي الدُّيُونِ دُونَ قَضَايَا النِّكَاحِ، أَوْ فِي مِقْدَارٍ مِنَ الْمَال، فَيَصِحُّ التَّقْلِيدُ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ لأَِنَّهَا وِلاَيَةٌ، فَصَحَّتْ عُمُومًا وَخُصُوصًا كَالْوَكَالَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَالْقَضَاءُ يَقْبَل التَّقْيِيدَ وَالتَّعْلِيقَ وَيَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْخُصُومَةِ، فَلَوْ أَمَرَ وَلِيُّ الأَْمْرِ بِعَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى عِنْدَ الإِْنْكَارِ بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ تُسْمَعْ، وَلَوْ سَمِعَهَا الْقَاضِي لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، وَلَوْ جَعَل وِلاَيَةَ الْقَاضِي مَقْصُورَةً عَلَى الْحُكْمِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ اسْتَمَرَّتْ وِلاَيَتُهُ عَلَيْهِمَا بَاقِيَةً مَا كَانَ التَّشَاجُرُ بَيْنَهُمَا بَاقِيًا، فَإِذَا بَتَّ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا زَالَتْ وِلاَيَتُهُ (87) ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحَدِّدَ عَمَل الْقَاضِي بِيَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ فِي الأُْسْبُوعِ، كَأَنْ يُقَلَّدَ النَّظَرَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ خَاصَّةً فَيَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِ الْخُصُومِ، فَإِذَا خَرَجَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ تَزُل وِلاَيَتُهُ لِبَقَائِهَا عَلَى أَمْثَالِهِ مِنَ الأَْيَّامِ، وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنَ النَّظَرِ فِيمَا عَدَاهُ. (88)

د - تَقْيِيدُ الْقَاضِي بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ:
29 - إِذَا قَلَّدَ الإِْمَامُ قَاضِيًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَلاَّ يَحْكُمَ إِلاَّ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ، فَلاَ يَخْلُو ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي عَقْدِ التَّوْلِيَةِ، كَأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَحْكُمَ إِلاَّ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَثَلاً، أَوْ يَكُونَ أَمْرًا كَقَوْلِهِ: احْكُمْ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ نَهْيًا كَقَوْلِهِ: لاَ تَحْكُمْ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِمَذْهَبِهِ لاَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ، إِذْ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِرَأْيِ الْقَاضِي - أَيْ لِمَذْهَبِهِ - مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ مُقَلِّدًا، فَلَوْ قَضَى بِخِلاَفِهِ لاَ يَنْفُذُ، لَكِنِ الْكَاسَانِيُّ قَال: إِنَّهُ إِذَا كَانَ مُجْتَهِدًا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى مَذْهَبِ الْغَيْرِ، لَكِنْ إِذَا قَيَّدَهُ السُّلْطَانُ بِصَحِيحِ مَذْهَبِهِ تَقَيَّدَ بِلاَ خِلاَفٍ، لِكَوْنِهِ مَعْزُولاً عَنْ غَيْرِ مَا قَيَّدَهُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ. (89)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ اشْتَرَطَ الإِْمَامُ ذَلِكَ الشَّرْطَ فِي جَمِيعِ الأَْحْكَامِ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ قَارَنَ الشَّرْطُ عَقْدَ الْوِلاَيَةِ أَوْ تَقَدَّمَهُ ثُمَّ وَقَعَ الْعَقْدُ، أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّرْطُ خَاصًّا فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ فَلاَ يَخْلُو الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا مِثْل أَنْ يَقُول: وَلَّيْتُكَ عَلَى أَنْ تَقْتَصَّ مِنَ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ، وَإِنْ كَانَ نَهْيًا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْهَاهُ عَنِ الْحُكْمِ فِي قَتْل الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ مَثَلاً، وَلاَ يَقْضِي فِيهِ بِقَوَدٍ وَلاَ بِإِسْقَاطِهِ، فَهُوَ جَائِزٌ لأَِنَّهُ قَصَرَ وِلاَيَتَهُ عَلَى مَا عَدَاهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ نَظَرِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْهَاهُ عَنِ الْحُكْمِ فِيهِ، وَيَنْهَاهُ عَنِ الْقَضَاءِ فِي الْقِصَاصِ، فَيَصِحَّ الْعَقْدُ، وَيَخْرُجَ الْمُسْتَثْنَى عَنْ وِلاَيَتِهِ فَلاَ يَحْكُمُ فِيهِ بِشَيْءٍ، قَال ابْنُ فَرْحُونَ: وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُول: تَثْبُتُ وِلاَيَتُهُ عُمُومًا وَيَحْكُمُ فِيهِ بِمَا نَهَاهُ عَنْهُ بِمُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ، كُل هَذَا إِذَا كَانَ شَرْطًا فِي الْوِلاَيَةِ، فَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ فَقَال: وَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ عَلَى أَنْ تَحْكُمَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ فَالْوِلاَيَةُ صَحِيحَةٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَيَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، سَوَاءٌ وَافَقَ شَرْطَهُ أَوْ خَالَفَهُ، وَأَضَافَ ابْنُ فَرْحُونَ إِنَّ ذَلِكَ هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ، كَمَا هُوَ الْحَال فِي قُضَاةِ الزَّمَانِ السَّابِقِ، أَمْثَال الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ، وَابْنِ رُشْدٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، وَعِيَاضٍ، وَقَدْ عُدِمَ هَذَا النَّمَطُ فِي زَمَانِنَا مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلِذَلِكَ نُقِل عَنْ وُلاَةِ قُرْطُبَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا وَلَّوْا رَجُلاً الْقَضَاءَ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَخْرُجَ عَنْ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَهُ، وَإِنَّ سَحْنُونًا كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى مَنْ يُوَلِّيهِ الْقَضَاءَ أَنْ لاَ يَقْضِيَ إِلاَّ بِقَوْل أَهْل الْمَدِينَةِ وَلاَ يَتَعَدَّى ذَلِكَ. (90)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ عَامًّا، بِأَنْ قَال لَهُ: لاَ تَحْكُمْ فِي جَمِيعِ الأَْحْكَامِ إِلاَّ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَثَلاً، كَانَ هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلاً، وَهَل يَبْطُل عَقْدُ التَّوْلِيَةِ؟ نُظِرَ، إِنْ كَانَ عَدَل عَنْ لَفْظِ الشَّرْطِ وَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الأَْمْرِ كَقَوْلِهِ: احْكُمْ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ مَخْرَجَ النَّهْيِ كَقَوْلِهِ: لاَ تَحْكُمْ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ صَحَّ التَّقْلِيدُ، أَمَّا إِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ خَاصًّا فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا كَقَوْلِهِ: أَقِدْ مِنَ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، كَانَ هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلاً، وَإِنْ قَرَنَهُ بِلَفْظِ الشَّرْطِ بَطَل التَّقْلِيدُ، وَإِنْ كَانَ نَهْيًا، نُظِرَ، إِنْ نَهَاهُ عَنِ الْحُكْمِ فِي قَتْل الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، وَلاَ يَقْضِي فِيهِ بِوُجُوبِ قَوَدٍ وَلاَ بِإِسْقَاطِهِ، فَهَذَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالتَّقْلِيدُ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ عَنِ الْحُكْمِ فِيهِ وَنَهَاهُ عَنِ الْقِصَاصِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا حَكَمَ بِمَذْهَبٍ لاَ يَتَعَدَّاهُ كَانَ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ، وَأَرْضَى لِلْخَصْمِ، هَذَا وَإِنْ كَانَتِ السِّيَاسَةُ تَقْتَضِيهِ فَأَحْكَامُ الشَّرْعِ لاَ تُوجِبُهُ، لأَِنَّ التَّقْلِيدَ فِيهَا مَحْظُورٌ وَالاِجْتِهَادَ فِيهَا مُسْتَحَقٌّ. (91)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَلَّدَ الْقَضَاءُ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (92) ، وَالْحَقُّ لاَ يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ، وَقَدْ يَظْهَرُ الْحَقُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ. فَإِنْ قَلَّدَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بَطَل الشَّرْطُ وَصَحَّتِ الْوِلاَيَةُ، وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ وَجْهًا آخَرَ فِي صِحَّةِ الْوِلاَيَةِ. (93)

هـ - تَعَدُّدُ الْقُضَاةِ:
30 - يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ الإِْمَامُ قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَيَخُصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ نَوْعٍ، بِأَنْ يُوَلِّيَ أَحَدَهُمْ عُقُودَ الأَْنْكِحَةِ، وَالآْخَرَ الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ، وَآخَرَ النَّظَرَ فِي الْعَقَارِ، وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِيمَا إِذَا وَلَّى قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَمَلاً وَاحِدًا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي رَأْيٍ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ الْقَاضِيَانِ فِي قَضِيَّةٍ، وَفِي رَأْيٍ آخَرَ قَالُوا: لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُمَا قَدْ يَخْتَلِفَانِ فَلاَ تَنْفَصِل الْحُكُومَةُ، وَقَدْ نَصَّتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدِ الْقَاضِيَيْنِ الْمَنْصُوبَيْنِ لاِسْتِمَاعِ الدَّعْوَى أَنْ يَسْتَمِعَ تِلْكَ الدَّعْوَى وَحْدَهُ وَيَحْكُمَ بِهَا، وَإِذَا فَعَل لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ. (94)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لِلإِْمَامِ نَصْبُ قُضَاةٍ مُتَعَدِّدِينَ يَسْتَقِل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِنَاحِيَةٍ يَحْكُمُ فِيهَا بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْفِقْهِ، بِحَيْثُ لاَ يَتَوَقَّفُ حُكْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حُكْمِ الآْخَرِ، أَوْ قُضَاةٍ مُتَعَدِّدِينَ يَسْتَقِل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِبَلَدٍ أَوْ خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ أَوْ نَوْعٍ، فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الاِسْتِقْلاَل فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، فَلاَ يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَ قَاضِيَيْنِ، هَذَا إِذَا كَانَ التَّشْرِيكُ فِي كُل قَضِيَّةٍ، بَل وَلَوْ كَانَ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ بِحَيْثُ يَتَوَقَّفُ حُكْمُ كُل وَاحِدٍ عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ؛ لأَِنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَكُونُ نِصْفَ حَاكِمٍ، وَصَرَّحَ ابْنُ فَرْحُونَ بِعَدَمِ صِحَّةِ عَقْدِ الْوِلاَيَةِ لِحَاكِمَيْنِ مَعًا عَلَى أَنْ يَجْتَمِعَا وَيَتَّفِقَا عَلَى الْحُكْمِ فِي كُل قَضِيَّةٍ إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَدْ شُرِطَ فِي عَقْدِ وِلاَيَتِهِمَا. (95)
وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الأَْصَحُّ - جَوَازُ وِلاَيَةِ الْقَاضِيَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُخَصِّصِ الإِْمَامُ كُلًّا مِنَ الْقَاضِيَيْنِ بِمَكَانٍ أَوْ نَوْعٍ أَوْ زَمَانٍ، وَصَحَّحَهُ الإِْمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ إِلاَّ أَنْ يُشْتَرَطَ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى الْحُكْمِ فَلاَ يَجُوزُ لِمَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْخِلاَفِ فِي مَحَل الاِجْتِهَادِ، فَلاَ تَنْفَصِل الْخُصُومَاتُ وَقَالُوا: لَوْ وَلَّى الإِْمَامُ مُقَلِّدَيْنِ لإِِمَامٍ وَاحِدٍ - عَلَى الْقَوْل بِجَوَازِ تَوْلِيَةِ الْمُقَلِّدِ - فَيَجُوزُ وَإِنْ شَرَطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْحُكْمِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤَدِّي إِلَى اخْتِلاَفٍ؛ لأَِنَّ إِمَامَهُمَا وَاحِدٌ، حَتَّى لَوْ كَانَ لإِِمَامِهِمَا قَوْلاَنِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَيَحْكُمُ بِأَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ. (96)
وَلِلْحَنَابِلَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِيقَافِ الْحُكْمِ وَالْخُصُومَاتِ، لأَِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الاِجْتِهَادِ، وَيَرَى أَحَدُهُمَا مَا لاَ يَرَى الآْخَرُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَرَجَّحَهُ ابْنُ قُدَامَةَ جَوَازُ التَّوْلِيَةِ إِذَا كَانَ الْقَاضِيَانِ لاَ يَشْتَرِكَانِ فِي الْقَضِيَّةِ الْوَاحِدَةِ مُعَلِّلاً ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا خَلِيفَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَالإِْمَامُ أَوْلَى لأََنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ لأَِنَّ تَوْلِيَتَهُ أَقْوَى؛ وَلأَِنَّ كُل حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلآْخَرِ الاِعْتِرَاضُ عَلَيْهِ، وَلاَ نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا خَالَفَ اجْتِهَادَهُ. (97)
وَإِذَا تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي الرَّفْعِ لأَِحَدِ الْقُضَاةِ - فِي حَال تَعَدُّدِهِمْ - فَهَل الْقَوْل لِلْمُدَّعِي أَوْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ؟ لِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (دَعْوَى ف 15 - 16) .

و تَعْيِينُ قَاضِي الْقُضَاةِ.
31 - نَشَأَتْ وَظِيفَةُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَيَّامَ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، إِذْ عُيِّنَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ - صَاحِبُ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - قَاضِيًا لِلْقُضَاةِ وَهُوَ أَوَّل مَنْ لُقِّبَ بِهَذَا اللَّقَبِ، فَكَانَ يُرَشِّحُ الْقُضَاةَ لِلتَّعْيِينِ فِي الْبِلاَدِ، وَيَقُومُ بِمُرَاقَبَةِ أَعْمَالِهِمْ حَتَّى لاَ يَتَجَاوَزُوا حُدُودَ عَمَلِهِمْ، وَلاَ يُخِلُّوا بِبَعْضِهِ، وَقَدْ كَانَ الإِْمَامُ - مِنْ قَبْل - هُوَ الَّذِي يُرَاعِي أَعْمَال الْقُضَاةِ، وَيَتَتَبَّعُ أَحْكَامَهُمْ حَتَّى تَجْرِيَ عَلَى السَّدَادِ، مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ، وَكَانَ هَذَا الأَْمْرُ يَشُقُّ عَلَى الإِْمَامِ، فَمِنْ ثَمَّ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْدُبَ مَنْ يَقُومُ بِهَذَا الْعَمَل، لِيَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ فِي مُرَاعَاةِ الْقُضَاةِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِقَاضِي الْقُضَاةِ أَنْ يَتَفَقَّدَ قُضَاتَهُ، وَنُوَّابَهُ، فَيَتَصَفَّحَ أَقْضِيَتَهُمْ، وَيُرَاعِيَ أُمُورَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ فِي النَّاسِ (98) .

ز - آدَابُ الْقَاضِي:
32 - آدَابُ الْقَاضِي: الْتِزَامُهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ أَعْوَانَهُ مِنَ الآْدَابِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي تَضْبِطُ أُمُورَ الْقَضَاءِ، وَتَحْفَظُ الْقَاضِيَ عَنِ الْجَوْرِ وَالْمَيْل، وَتَهْدِيهِ إِلَى بَسْطِ الْعَدْل وَرَفْعِ الظُّلْمِ، وَتَنْأَى بِهِ عَنْ مَوَاطِنِ التُّهَمِ وَالشُّبُهَاتِ، فَيُسَنُّ كَوْنُ الْقَاضِي قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، لاَ يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ، وَلاَ يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ، وَيَكُونُ حَلِيمًا مُتَأَنِّيًا، ذَا فِطْنَةٍ وَتَيَقُّظٍ، لاَ يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ، وَلاَ يُخْدَعُ لِغَرَّةٍ، صَحِيحَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، عَالِمًا بِلُغَاتِ أَهْل وِلاَيَتِهِ، عَفِيفًا وَرِعًا نَزِهًا، بَعِيدًا عَنِ الطَّمَعِ، صَدُوقَ الْجِهَةِ، ذَا رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ، لاَ يَكُونُ جَبَّارًا وَلاَ عَسُوفًا، فَيَقْطَعُ ذَا الْحُجَّةِ عَنْ حُجَّتِهِ، قَال عَلِيٌّ ﵁: لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي قَاضِيًا حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: عَفِيفٌ، حَلِيمٌ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، يَسْتَشِيرُ ذَوِي الأَْلْبَابِ، لاَ يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَال: لاَ يَنْبَغِي لِلرَّجُل أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ، فَإِنْ أَخْطَأَتْهُ وَاحِدَةٌ كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ وَإِنْ أَخْطَأَتْهُ اثْنَتَانِ كَانَتْ فِيهِ وَصْمَتَانِ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِمَا كَانَ قَبْلَهُ مُسْتَشِيرًا لِذِي الرَّأْيِ ذَا نَزَاهَةٍ عَنِ الطَّمَعِ حَلِيمًا عَنِ الْخَصْمِ مُحْتَمِلاً لِلاَّئِمَةِ (99) .
وَآدَابُ الْقَضَاءِ كَثِيرَةٌ، وَالأَْصْل فِيهَا مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ لَمَّا وَلاَّهُ الْقَضَاءَ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ وَنَصُّهُ: (100) إِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، فَافْهَمْ إِذَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لاَ نَفَاذَ لَهُ، وَآسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَقَضَائِكَ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلاَ يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ، الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلاَّ صُلْحًا أَحَل حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً، وَمَنِ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا أَوْ بَيِّنَةً فَاضْرِبْ لَهُ أَمَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، فَإِنْ بَيَّنَهُ أَعْطَيْتَهُ بِحَقِّهِ، وَإِنْ أَعْجَزَهُ ذَلِكَ، اسْتَحْلَلْتَ عَلَيْهِ الْقَضِيَّةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ أَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ وَأَجْلَى لِلْعَمَاءِ (101) ، وَلاَ يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَ فِيهِ الْيَوْمَ فَرَاجَعْتَ فِيهِ رَأْيَكَ فَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ الْحَقَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ لاَ يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِل، وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ مَجْلُودٌ فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبٌ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ أَوْ ظَنِينٌ (102) فِي وَلاَءٍ أَوْ قَرَابَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى مِنَ الْعِبَادِ السَّرَائِرَ، وَسَتَرَ عَلَيْهِمُ الْحُدُودَ إِلاَّ بِالْبَيِّنَاتِ وَالأَْيْمَانِ، ثُمَّ الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ مِمَّا وَرَدَ عَلَيْكَ مِمَّا لَيْسَ فِي قُرْآنٍ وَلاَ سُنَّةٍ، ثُمَّ قَايِسِ الأُْمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْرِفِ الأَْمْثَال، ثُمَّ اعْمِدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ فِيمَا تَرَى وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ، وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ، وَالتَّأَذِّيَ بِالنَّاسِ وَالتَّنَكُّرَ عِنْدَ الْخُصُومَةِ، (أَوِ الْخُصُومِ) (103) ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ يُوجِبُ اللَّهُ بِهِ الأَْجْرَ وَيُحْسِنُ بِهِ الذِّكْرَ، فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الْحَقِّ وَلَوْ كَانَ عَلَى نَفْسِهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْسِهِ شَانَهُ اللَّهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لاَ يَقْبَل مِنَ الْعِبَادِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي عَاجِل رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ (104) .
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ غَضْبَانُ لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ (105) .
وَفِي مَعْنَى الْغَضَبِ كُل مَا شَغَل فِكْرَهُ مِنَ الْجُوعِ الْمُفْرِطِ وَالْعَطَشِ الشَّدِيدِ وَالْوَجَعِ الْمُزْعِجِ أَوْ لِشُعُورِهِ بِشِدَّةِ النُّعَاسِ أَوِ الْحُزْنِ أَوِ السُّرُورِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا أُمُورٌ تَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الْفِكْرِ الَّذِي يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى إِصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَتَجْرِي مَجْرَاهُ، أَمَّا إِنِ اسْتَبَانَ لَهُ الْحَقُّ وَاتَّضَحَ الْحُكْمُ ثُمَّ عَرَضَ الْغَضَبُ لَمْ يَمْنَعْهُ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ قَبْل الْغَضَبِ فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ تِلْكَ الأُْمُورَ مِنْ آدَابِ الْقَضَاءِ، أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيَرَوْنَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ الْحُرْمَةَ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَإِذَا عَرَضَتْ لِلْقَاضِي حَالَةٌ مِنْ تِلْكَ الْحَالاَتِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ جَازَ لَهُ وَقْفُ النَّظَرِ فِي الْخُصُومَاتِ وَالاِنْصِرَافُ. (106)

ح - هَيْئَتُهُ وَزِيُّهُ:
33 - يَجْتَهِدُ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ جَمِيل الْهَيْئَةِ ظَاهِرَ الأُْبَّهَةِ وَقُورَ الْمِشْيَةِ وَالْجِلْسَةِ، حَسَنَ النُّطْقِ وَالصَّمْتِ، مُحْتَرِزًا فِي كَلاَمِهِ عَنِ الْفُضُول وَمَا لاَ حَاجَةَ إِلَيْهِ بِهِ، وَيَكُونَ ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا، وَنَظَرُهُ فِرَاسَةً وَتَوَسُّمًا، وَإِطْرَاقُهُ تَفَهُّمًا وَيَلْبَسَ مَا يَحْسُنُ مِنَ الزِّيِّ وَيَلِيقُ بِهِ، وَيَكُونَ ذَا سَمْتٍ وَسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ تَكَبُّرٍ وَلاَ إِعْجَابٍ بِنَفْسِهِ. (107)
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَظِيفَ الْجَسَدِ، بِأَخْذِ شَعْرِهِ، وَتَقْلِيمِ ظُفْرِهِ، وَإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْمَكْرُوهَةِ مِنْ بَدَنِهِ وَيَسْتَعْمِل مِنَ الطِّيبِ مَا يَخْفَى لَوْنُهُ، وَتَظْهَرَ رَائِحَتُهُ (108) .

ط - مُشَارَكَتُهُ فِي الْمُنَاسَبَاتِ الْعَامَّةِ:
34 - يُسَنُّ لَهُ إِجَابَةُ دَعْوَةٍ عَامَّةٍ كَوَلِيمَةِ عُرْسٍ وَخِتَانٍ؛ لأَِنَّ إِجَابَتَهَا سُنَّةٌ وَلاَ تُهْمَةَ فِيهَا، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ لأَِنَّ ذَلِكَ حَقُّ الْمَيِّتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَحْضُرُهَا إِلاَّ إِذَا شَغَلَتْهُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَيَعُودُ الْمَرْضَى لأَِنَّ ذَلِكَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تُهْمَةَ فِيهِ. (109)
وَلاَ يُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ لأَِنَّهَا جُعِلَتْ لأَِجْلِهِ، وَالْخَاصَّةُ هِيَ الَّتِي لاَ يَتَّخِذُهَا صَاحِبُهَا لَوْلاَ حُضُورُ الْقَاضِي، وَقِيل: كُل دَعْوَةٍ اتُّخِذَتْ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ فَهِيَ خَاصَّةٌ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ عَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لاَ يُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ لِلْقَرِيبِ، وَعَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ يُجِيبُ لأَِنَّ إِجَابَةَ دَعْوَةِ الْقَرِيبِ صِلَةٌ لِلرَّحِمِ، وَإِنَّمَا لاَ يُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ لِلأَْجْنَبِيِّ إِذْ لاَ فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْهَدِيَّةِ. (110) وَلِلْقَاضِي زِيَارَةُ الأَْهْل وَالصَّالِحِينَ وَالإِْخْوَانِ وَتَوْدِيعُ الْغَازِي وَالْحَاجِّ لأَِنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، وَقَدْ وَعَدَ الشَّرْعُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا عَظِيمًا فَيَدْخُل الْقَاضِي فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ الْحُكْمِ؛ لأَِنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْفَصْل بَيْنَ الْخُصُومِ وَمُبَاشَرَةِ الْحُكْمِ أَوْلَى (111) .

ي - الْهَدِيَّةُ لِلْقَاضِي:
35 - يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُول الْهَدِيَّةِ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا.
أَمَّا مَنْ لَيْسَتْ لَهُ خُصُومَةٌ فَإِنْ كَانَ مِنْ خَوَاصِّ قَرَابَتِهِ أَوْ صُحْبَتِهِ أَوْ جَرَتْ لَهُ عَادَةٌ بِمُهَادَاتِهِ قَبْل الْقَضَاءِ فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَبُول، وَالأَْوْلَى إِنْ قَبِل الْهَدِيَّةَ - مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ خُصُومَةٌ - أَنْ يُعَوِّضَ الْمُهْدِيَ عَنْهَا، وَيَحْسُنُ بِهِ سَدُّ بَابِ قَبُول الْهَدَايَا مِنْ كُل أَحَدٍ؛ لأَِنَّ الْهَدِيَّةَ تُورِثُ إِدْلاَل الْمُهْدِي وَإِغْضَاءَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، إِلاَّ الْهَدِيَّةُ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ - مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ خُصُومَةٌ - فَالأَْوْلَى قَبُولُهَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ؛ وَلأَِنَّ فِي رَدِّهَا قَطِيعَةً لِلرَّحِمِ وَهِيَ حَرَامٌ.
36 - وَأَمَّا الرِّشْوَةُ فَحَرَامٌ بِلاَ خِلاَفٍ لِحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ (112) ، وَإِذَا قَضَى فِي حَادِثَةٍ بِرِشْوَةٍ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ وَإِنْ قَضَى بِالْحَقِّ، وَسَقَطَتْ عَدَالَتُهُ (113) ، وَإِنِ ارْتَشَى وَلَدُ الْقَاضِي أَوْ كَاتِبُهُ أَوْ بَعْضُ أَعْوَانِهِ: فَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ وَرِضَاهُ فَهُوَ كَمَا لَوِ ارْتَشَى بِنَفْسِهِ وَيَكُونُ قَضَاؤُهُ مَرْدُودًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عِلْمِ الْقَاضِي نَفَذَ قَضَاؤُهُ وَرَدَّ مَا قَبَضَهُ الْمُرْتَشِي (114) .

ك - مَجْلِسُ الْقَضَاءِ:
37 - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَّخِذَ الْقَاضِي لَهُ مَجْلِسًا فَسِيحًا بَارِزًا مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرٍّ وَبَرْدٍ لاَئِقًا بِالْوَقْتِ وَالْقَضَاءِ، وَيَكُونُ مَصُونًا أَيْضًا مِنْ كُل مَا يُؤْذِي مِنَ الرَّوَائِحِ وَالدُّخَانِ وَالْغُبَارِ، كَأَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ دَارًا وَاسِعَةً وَسَطَ الْبَلَدِ إِنْ أَمْكَنَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَوْسَعَ عَلَى الْخُصُومِ وَأَقْرَبَ إِلَى الْعَدْل.

الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ:
38 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَجْلِسُ لِلْحُكْمِ فِي الْمَسْجِدِ لأَِنَّهُ أَيْسَرُ لِلنَّاسِ، وَأَسْهَل عَلَيْهِمْ لِلدُّخُول عَلَيْهِ وَأَجْدَرُ أَنْ لاَ يُحْجَبَ عَنْهُ أَحَدٌ، قَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ لِلْحُكْمِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لأَِنَّهُ أَشْهَرُ الْمَوَاضِعِ وَلاَ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ فِي بَيْتِهِ وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ وَلاَ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنَ الدُّخُول عَلَيْهِ (115) .
وَاحْتَجُّوا فِي قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ.
وَالْمَسْأَلَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ذَاتُ طَرِيقَتَيْنِ:
الأُْولَى لِمَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ: اسْتِحْبَابُ الْجُلُوسِ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ وَكَرَاهَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ لِيَصِل إِلَيْهِ الْكَافِرُ وَالْحَائِضُ، وَالثَّانِيَةُ: اسْتِحْبَابُ جُلُوسِهِ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ وَهِيَ ظَاهِرُ قَوْل الْمُدَوَّنَةِ " وَالْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْحَقِّ وَالأَْمْرِ الْقَدِيمِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} (116) ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَالْمُعَوَّل عَلَيْهِ مَا فِي الْوَاضِحَةِ (117) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ كَرَاهِيَةَ اتِّخَاذِ الْمَسْجِدِ مَجْلِسًا لِلْقَضَاءِ؛ لأَِنَّ مَجْلِسَ الْقَاضِي لاَ يَخْلُو عَنِ اللَّغَطِ وَارْتِفَاعِ الأَْصْوَاتِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى إِحْضَارِ الْمَجَانِينِ وَالصِّغَارِ، وَالْمَسْجِدُ يُصَانُ عَمَّا قَدْ يَفْعَلُهُ أُولَئِكَ مِنْ أُمُورٍ فِيهَا مَهَانَةٌ بِهِ، أَمَّا إِذَا صَادَفَ وَقْتُ حُضُورِ الْقَاضِي إِلَى الْمَسْجِدِ لِصَلاَةٍ أَوْ غَيْرِهَا رَفْعَ الْخُصُومَةَ إِلَيْهِ، فَلاَ بَأْسَ بِفَصْلِهَا، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل مَا جَاءَ عَنْهُ ﷺ وَعَنْ خُلَفَائِهِ فِي الْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ. (118)

ل - وَقْتُ عَمَلِهِ وَوَقْتُ رَاحَتِهِ:
39 - لاَ بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ الْقَاضِي فِي أُمُورِ دُنْيَاهُ الَّتِي تُصْلِحُهُ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْهَا فِي كُل الأَْيَّامِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ قَضَائِهِ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَطَّلِعَ إِلَى قَرَابَتِهِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ، وَيَتَّخِذَ لِجُلُوسِهِ وَقْتًا مَعْلُومًا لاَ يَضُرُّ بِالنَّاسِ فِي مَعَايِشِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَيِّنَ أَيَّامًا لِلْقَضَاءِ يَحْضُرُ فِيهَا النَّاسُ وَيَعْرِفُونَهُ بِهَا، فَيُقْصَدَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ صَرْفُ زَمَانِهِ أَجْمَعَ إِلَى الْقَضَاءِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ فِي الطَّرِيقِ إِلاَّ فِي أَمْرٍ اسْتُغِيثَ بِهِ فِيهِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى وَيَسْجُنَ، فَأَمَّا الْحُكْمُ الْفَاصِل فَلاَ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ فِي الْعِيدَيْنِ وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ كَيَوْمِ عَرَفَةَ وَالأَْيَّامِ الَّتِي تَكُونُ لِلنَّاسِ أَيَّامَ سُرُورٍ أَوْ حُزْنٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَثُرَ الْوَحْل وَالْمَطَرُ، قَال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَكَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ مَا لَمْ يُعْرَضْ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَوَاتَ، وَمَا لاَ يَسَعُهُ إِلاَّ تَعْجِيل النَّظَرِ فِيهِ.
وَنُقِل عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، لأَِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكْثِرَ فَيُخْطِئَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ. (119)

م - كَرَاهِيَةُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ:
40 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ إِلاَّ بِوَكِيلٍ لاَ يُعْرَفُ بِهِ لِئَلاَّ يُحَابَى، وَالْمُحَابَاةُ كَالْهَدِيَّةِ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي وَلاَ لِوَالٍ أَنْ يَتَّجِرَ، لِحَدِيثِ أَبِي الأَْسْوَدِ الْمَالِكِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: مَا عَدَل وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ (120) ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ أَمْ فِي دَارِهِ، لَكِنْ إِذَا بَاعَ الْقَاضِي أَوِ اشْتَرَى فَلاَ يُرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الإِْكْرَاهِ، أَوْ فِيهِ نَقِيصَةٌ عَلَى الْبَائِعِ فَيُرَدُّ الْبَيْعُ وَالاِبْتِيَاعُ.
وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَكِيل الْقَاضِي مَعْرُوفًا لأَِنَّهُ يُفْعَل مَعَ وَكِيلِهِ مِنَ الْمُسَامَحَةِ مَا يُفْعَل مَعَهُ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَصْرَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى حُصُول الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ. (121)

ن - وَاجِبُ الْقَاضِي تِجَاهَ الْخُصُومِ:
41 - يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْجُلُوسِ، فَيُجْلِسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ لاَ عَنْ يَمِينِهِ وَلاَ عَنْ يَسَارِهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ فَعَل فَقَدْ قَرَّبَ أَحَدَهُمَا فِي مَجْلِسِهِ، وَلأَِنَّ لِلْيَمِينِ فَضْلاً عَنِ الْيَسَارِ، وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ وَالنُّطْقِ وَالْخَلْوَةِ فَلاَ يَنْطَلِقَ بِوَجْهِهِ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَلاَ يُسَارَّ أَحَدَهُمَا، وَلاَ يَخْلُوَ بِأَحَدِهِمَا فِي مَنْزِلِهِ، وَلاَ يُضَيِّفَ أَحَدَهُمَا، فَيَعْدِل بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي هَذَا كُلِّهِ، لِمَا فِي تَرْكِ الْعَدْل فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ الآْخَرِ، وَيُتَّهَمُ الْقَاضِي بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الْحُكْمِ فِي الْخُصُومَاتِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْتَجِبَ إِلاَّ فِي أَوْقَاتِ الاِسْتِرَاحَةِ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لأَِحَدٍ مِنْ وَالِدَيْهِ وَلاَ مِنْ مَوْلُودِيهِ لأَِجْل التُّهْمَةِ، وَيَحْكُمَ عَلَيْهِمْ لاِرْتِفَاعِهَا، وَيَحْكُمَ لِعَدُوِّهِ، وَلاَ يَحْكُمَ عَلَيْهِ. (122)

مُعَاوِنُو الْقُضَاةِ:
42 - يَحْتَاجُ الْقَاضِي فِي عَمَلِهِ إِلَى مَنْ يُسَاعِدُهُ فِي الأَْعْمَال الْقَضَائِيَّةِ سَوَاءٌ مَا اتَّصَل مِنْهَا بِمَوْضُوعِ الْحُكْمِ الْوَاجِبِ تَطْبِيقُهُ عَلَى النَّازِلَةِ - وَهُمُ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يَسْتَشِيرُهُمْ - أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْعْمَال الْمُسَاعِدَةِ مِثْل الْكَاتِبِ الَّذِي يُسَجِّل الْمَحْضَرَ، وَأَعْوَانِ الْقَاضِي وَالْحَاجِبِ، وَالْمُزَكِّي وَالْمُتَرْجِمِ.

كَاتِبُ الْقَاضِي:
43 - يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَكْتَبَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَغَيْرَهُ؛ (123) وَلأَِنَّ الْقَاضِيَ تَكْثُرُ أَشْغَالُهُ وَيَكُونُ اهْتِمَامُهُ وَنَظَرُهُ مُتَوَجِّهًا لِمُتَابَعَةِ أَقْوَال الْخُصُومِ وَمَا يُدْلُونَ بِهِ مِنْ حُجَجٍ وَمَا يَسْتَشْهِدُونَ بِهِ مِنَ الشُّهُودِ فَيَحْتَاجُ إِلَى كَاتِبٍ يَكْتُبُ وَقَائِعَ الْخُصُومِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْكَاتِبِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا عَدْلاً عَارِفًا بِكِتَابَةِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلاَّتِ وَيُسْتَحَبُّ فِقْهُهُ، وَوُفُورُ عَقْلِهِ وَجَوْدَةُ خَطِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ كَتَبَ كَلاَمَ الْخَصْمَيْنِ كَمَا سَمِعَهُ، وَلاَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، لِئَلاَّ يُوجِبَ حَقًّا لَمْ يَجِبْ وَلاَ يُسْقِطَ حَقًّا وَاجِبًا؛ لأَِنَّ تَصَرُّفَ غَيْرِ الْفَقِيهِ بِتَفْسِيرِ الْكَلاَمِ لاَ يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْعُدَ الْكَاتِبُ حَيْثُ يَرَى الْقَاضِي مَا يَكْتُبُ وَيَصْنَعُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الاِحْتِيَاطِ، وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْل الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ أَنَّ اتِّخَاذَ الْكَاتِبِ أَمْرٌ وُجُوبِيٌّ (124) .

أَعْوَانُ الْقَاضِي:
44 - يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ أَعْوَانًا يَكُونُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لأَِنَّ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ مَجْلِسُ هَيْبَةٍ، فَلَوْ لَمْ يَتَّخِذْ أَعْوَانًا رُبَّمَا يُسْتَخَفُّ بِالْقَاضِي فَتَذْهَبُ مَهَابَتُهُ؛ وَلأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِحْضَارِ الْخُصُومِ، وَالأَْعْوَانُ هُمُ الَّذِينَ يُحْضِرُونَ الْخُصُومَ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَيَزْجُرُونَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّجْرَ مِنَ الْخُصُومِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ مِنْ ذَوِي الدِّينِ وَالأَْمَانَةِ وَالْبُعْدِ عَنِ الطَّمَعِ (125) .

حَاجِبُ الْقَاضِي:
45 - الْحَاجِبُ - هُنَا - مَنْ يَقُومُ بِإِدْخَال الْخُصُومِ عَلَى الْقَاضِي وَيُرَتِّبُهُمْ فَيُقَدِّمُ مَنْ حَضَرَ أَوَّلاً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ وَهَكَذَا، وَيَمْنَعُ الْخُصُومَ مِنَ التَّدَافُعِ عَلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ اتِّخَاذِ الْقَاضِي حَاجِبًا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ عِنْدَهُمُ الشَّرْعُ فَقَدْ اتَّخَذَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ حُجَّابًا. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لاَ يَتَّخِذَ حَاجِبًا يَحْجُبُ النَّاسَ عَنِ الْوُصُول إِلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو مَرْيَمَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ ﷿ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ (126) ؛ وَلأَِنَّ حَاجِبَ الْقَاضِي رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ لِغَرَضٍ لَهُ، وَلاَ بَأْسَ عِنْدَهُمْ بِاتِّخَاذِ حَاجِبٍ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَفِي حَال الزَّحْمَةِ وَكَثْرَةِ النَّاسِ، وَقَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ حَاجِبًا، وَعَلَّقَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ الْحَمَوِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لاَ سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا مَعَ فَسَادِ الْعَوَامِّ، وَلِكُل زَمَنٍ أَحْوَالٌ وَمَرَاسِمُ تَقْتَضِيهِ وَتُنَاسِبُهُ. . . وَكَلاَمُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ حَاجِبًا، مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَصَدَ بِالْحَاجِبِ الاِحْتِجَابَ عَنِ النَّاسِ وَالاِكْتِفَاءَ بِهِ، أَوْ حَالَةَ الْخَوْفِ مِنِ ارْتِشَاءِ الْحَاجِبِ (127) ، وَتَفْصِيل شُرُوطِ الْحَاجِبِ وَآدَابِهِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حَاجِب ف 9) . الْمُزَكِّي:
46 - الْمُرَادُ بِالْمُزَكِّي فِي بَابِ الْقَضَاءِ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي تَعْدِيل الشُّهُودِ. ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا عَرَفَ عَدَالَةَ الشُّهُودِ فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَزْكِيَتِهِمْ، وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُمْ مَجْرُوحُونَ رَدَّ شَهَادَتَهُمْ.
وَهَل يَتَّخِذُ الْقَاضِي مُزَكِّيًا يَتَحَرَّى عَنِ الشُّهُودِ وَيَتَعَرَّفُ حَال مَنْ يَجْهَل مِنْهُمْ؟ .
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ التَّزْكِيَةَ نَوْعَانِ:
تَزْكِيَةُ السِّرِّ، وَتَزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةِ، أَمَّا تَزْكِيَةُ السِّرِّ، فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ لِلْمَسْأَلَةِ عَنِ الشُّهُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ النَّاسِ وَأَوْرَعُهُمْ دِيَانَةً وَأَعْظَمُهُمْ دِرَايَةً وَأَكْثَرُهُمْ خِبْرَةً وَأَعْلَمُهُمْ بِالتَّمَيُّزِ فِطْنَةً، فَيُوَلِّيَهُ الْمَسْأَلَةَ عَنِ الشُّهُودِ سِرًّا، فَيَسْأَل ذَلِكَ الرَّجُل عَنِ الشَّاهِدِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ جِيرَانِهِ وَأَهْل مَحَلَّتِهِ وَأَهْل سُوقِهِ، وَلاَ يَنْقُل لِلْقَاضِي إِلاَّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ عَدْلاَنِ فَأَكْثَرُ، وَالْعَدَدُ فِي الْمُزَكِّي لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالاِثْنَانِ أَحْوَطُ، وَقَال مُحَمَّدٌ: شَرْطٌ حَتَّى لاَ تَثْبُتَ الْعَدَالَةُ بِقَوْل الْوَاحِدِ، وَمَنْشَأُ الْخِلاَفِ هَل هُوَ شَهَادَةٌ أَمْ إِخْبَارٌ.
أَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَقَدْ قَال صَاحِبُ مُعِينِ الْحُكَّامِ: إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ الاِكْتِفَاءُ بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ لِمَا فِي تَزْكِيَةِ الْعَلاَنِيَةِ مِنْ فِتْنَةٍ بِسَبَبِ مَا يُلاَقِيهِالْمُزَكِّي مِنْ بَلاَءٍ مِنَ الشَّاهِدِ فِي حَالَةِ تَجْرِيحِهِ (128) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْقَاضِي مُزَكُّونَ وَأَصْحَابُ مَسَائِل، فَالْمُزَكُّونَ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ لِيُبَيِّنُوا حَال الشُّهُودِ، وَأَصْحَابُ الْمَسَائِل هُمُ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الْقَاضِي إِلَى الْمُزَكِّينَ لِيَبْحَثُوا وَيَسْأَلُوا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُزَكِّي وَاحِدًا بَل اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ. (129)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لاَ يَقْبَل غَيْرَهُمْ لِوُجُوبِ قَبُول شَهَادَةِ مَنْ تَثْبُتُ عَدَالَتُهُ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا يُشْهِدُهُمُ النَّاسُ فَيَسْتَغْنُونَ بِإِشْهَادِهِمْ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ وَيَسْتَغْنِي الْقَاضِي عَنِ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، فَيَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ مِنْ وَجْهٍ، وَيَقُومُ هَؤُلاَءِ بِتَزْكِيَةِ مَنْ عَرَفُوا عَدَالَتَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ إِذَا شَهِدَ. (130)

الْمُتَرْجِمُ:
47 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ مُتَرْجِمًا إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ لُغَةَ الْخَصْمِ أَوِ الشَّاهِدِ، وَيَكْفِي الْمُتَرْجِمُ الْوَاحِدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، قَال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ، قَال: إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابٍ، قَال: فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ، قَال: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ (131) ، وَلأَِنَّهُ مِمَّا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ فَأَجْزَأَ فِيهِ الْوَاحِدُ كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ.
وَالْقَوْل أَنَّهُ يَكْفِي الْوَاحِدُ الْعَدْل - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - مَحَلُّهُ إِذَا رَتَّبَهُ الْقَاضِي، أَمَّا إِذَا لَمْ يُرَتِّبْهُ بِأَنْ أَتَى بِهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ طَلَبَهُ الْقَاضِي لِلتَّبْلِيغِ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّعَدُّدِ لأَِنَّهُ صَارَ كَالشَّاهِدِ، وَقَدْ حَكَى الدُّسُوقِيُّ أَنَّ الْمُتَرْجِمَ مِنْ قِبَل الْقَاضِي يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ اتِّفَاقًا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ شَهَادَةٌ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْمُتَرْجِمِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ (132) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَرْجَمَة ف 15) . اسْتِخْلاَفُ الْقَاضِي:
48 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا أَذِنَ لِلْقَاضِي فِي الاِسْتِخْلاَفِ فَلَهُ ذَلِكَ وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا نَهَاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَاضِيَ إِنَّمَا يَسْتَمِدُّ وِلاَيَتَهُ مِنَ الإِْمَامِ، فَلاَ يَمْلِكُ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي تَعْيِينِ خَلَفٍ لَهُ مَتَى نَهَاهُ، كَالْوَكِيل مَعَ الْمُوَكِّل، أَمَّا إِنْ أَطْلَقَ الإِْمَامُ فَلَمْ يَأْذَنْ وَلَمْ يَنْهَ فَهُنَاكَ اتِّجَاهَاتٌ فِي الْمَذَاهِبِ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِخْلاَف ف 32) .

كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ:
49 - لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِمَا وَجَبَ عِنْدَهُ مِنْ حُكْمٍ، أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ حَقٍّ، وَيَكْتُبَ بِهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ وَأَدْنَى وَإِلَى خَلِيفَتِهِ وَمُسْتَخْلَفِهِ.
وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بِهِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَثْبُتَ بِهِ عِنْدَ الثَّانِي مَا ثَبَتَ عِنْدَ الأَْوَّل.
الثَّانِي: أَنْ يَقُومَ فِي تَنْفِيذِهِ وَاسْتِيفَائِهِ مَقَامَ الأَْوَّل (133) .
وَاسْتُدِل عَلَى جَوَازِ قَبُول كِتَابِ الْقَاضِي بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا (134) ؛ وَلأَِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ. (135)
الشَّهَادَةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي:
50 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَقْبَل إِلاَّ شَهَادَةَ عَدْلَيْنِ يَقُولاَنِ: إِنَّهُ قَرَأَهُ عَلَيْنَا أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ بِخَتْمِ الْقَاضِي، وَبِمِثْل ذَلِكَ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِذَا شَهِدُوا بِالْكِتَابِ وَالْخَاتَمِ تُقْبَل وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِمَا فِي الْكِتَابِ، وَكَذَا إِذَا شَهِدُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا فِي جَوْفِهِ تُقْبَل وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالْخَاتَمِ، وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَسَوَّارٍ وَالْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا إِذَا كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَخَتْمَهُ قَبِلَهُ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ وَالإِْصْطَخْرِيِّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الشَّاهِدَيْنِ وَلَمْ يُقَيِّدُوا ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَمَّا كِتَابُ الْقَاضِي الْمُجَرَّدُ عَنِ الشَّهَادَةِ، فَلاَ أَثَرَ لَهُ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَالْعَمَل عِنْدَنَا الْيَوْمَ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فِي الْقَدِيمِ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي، وَفِي التَّنْبِيهِ لاِبْنِ الْمُنَاصِفِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - قَوْلُهُ: وَقَدِ الْتَزَمَ النَّاسُ الْيَوْمَ فِي سَائِرِ بِلاَدِنَا إِجَازَةَ كُتُبِ الْقُضَاةِ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ، وَكَافَّةُ الْحُكَّامِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى إِجَازَةِ ذَلِكَ وَالْتِزَامِهِ وَالْعَمَل بِهِ فِي عَامَّةِ الْجِهَاتِ لِلاِضْطِرَارِ إِلَيْهِ، وَلأَِنَّ الْمَطْلُوبَ إِنَّمَا هُوَ قِيَامُ الدَّلِيل وَثُبُوتُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ كِتَابُ الْقَاضِي، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ خَطِّهِ ثُبُوتًا لاَ يَشُكُّ فِيهِ أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ وَقَامَ مَقَامَهَا. وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْقَاضِي خَطَّ الْكَاتِبِ فَلاَ بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ خَطَّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ. (136)
وَإِذَا كَانَ الْخَصْمُ هُوَ الَّذِي سَارَ بِالْكِتَابِ فَلاَ يُقْبَل حَتَّى يَأْتِيَهُ بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي وَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي الأَْوَّل لَزِمَ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ (137) .

اشْتِرَاطُ الْمَسَافَةِ:
51 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ وُجُودِ مَسَافَةِ قَصْرٍ بَيْنَ بَلَدِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ. وَلَمْ يُفَرِّقِ الإِْمَامُ مَالِكٌ بَيْنَ مَا يَكْتُبُهُ الْقَاضِي الْبَعِيدُ عَنْ مَكَانِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَوِ الْقَرِيبِ مِنْ مَكَانِهِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُقْبَل وَإِنْ كَانَا بِبَلَدٍ وَاحِدٍ إِلاَّ إِذَا بَعَثَ إِلَى الْقَاضِي الآْخَرِ لِيَحْكُمَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ الأَْوَّل فَلاَ يَكُونُ إِلاَّ إِذَا فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ.
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ تَضَمَّنَ الْكِتَابُ نَقْل شَهَادَةٍ فَقَطْ، سُمِعَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ قَوْلاً وَاحِدًا، وَإِنْ تَضَمَّنَ ثُبُوتَ الْحَقِّ فَقَطْ فَفِيهِ وَجْهَانِ: وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُسْمَعُ إِلاَّ فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ، وَفِي مَسَافَةِ الْعَدْوَى خِلاَفٌ مَشْهُورٌ وَإِنْ تَضَمَّنَ الْكِتَابُ الْحُكْمَ بِالْحَقِّ سُمِعَ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ كَيْفَ كَانَ مُرَاسَلَةً أَوْ مُشَافَهَةً. (138)

الْحَقُّ الْمَكْتُوبُ بِهِ:
52 - كُتُبُ الْقُضَاةِ إِلَى الْقُضَاةِ جَائِزَةٌ فِي سَائِرِ حُقُوقِ النَّاسِ: الدُّيُونُ وَالْعَقَارَاتُ وَالشَّرِكَاتُ وَالْغَصْبُ الْوَدِيعَةُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَيَّدَ الْجَوَازَ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الأَْصَحِّ وَمُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ لاَ تُقْبَل فِي الأَْعْيَانِ الَّتِي تَقَعُ الْحَاجَةُ إِلَى الإِْشَارَةِ إِلَيْهَا كَالْمَنْقُول مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ لِعَدَمِ التَّمَيُّزِ، حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَانٍ بِجَوَازِ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ فِي تِلْكَ الأَْعْيَانِ لِمَا يَجِبُ مِنْ حِفْظِ الْحُقُوقِ عَلَى أَهْلِهَا، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْبَل كِتَابُ الْقَاضِي فِي الْحُدُودِ وَلاَ الْقِصَاصِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَأَنَّهُ لاَ تُقْبَل فِيهِمَا، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْحَقَّ إِنْ كَانَ لِلآْدَمِيِّ كَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ اسْتَوْفَاهُ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَفِي جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا: يُسْتَوْفَى كَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَالثَّانِي: عَدَمُ الْجَوَازِ لأَِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى يُقْبَل فِي الْحُقُوقِ وَالأَْحْكَامِ كُلِّهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى قَبُول الْكِتَابِ فِي كُل حَقٍّ لآِدَمِيٍّ بِمَا فِي ذَلِكَ الْقَوَدُ وَحَدُّ الْقَذْفِ لأَِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ لاَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَلاَ يُقْبَل فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى (139) .

خُصُوصُ الْكِتَابِ وَعُمُومُهُ:
53 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى مَنْ يَصِل إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَيَلْزَمُ مَنْ وَصَلَهُ قَبُولُهُ كَمَا لَوْ كَانَ الْكِتَابُ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إِلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَسَمَّاهُ فِي كِتَابِهِ، وَجَبَ عَلَى كُل قَاضٍ غَيْرِهِ تَنْفِيذُهُ وَالْعَمَل بِهِ إِذَا قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ عِنْدَهُ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ الْكِتَابُ وَلاَ يُقْبَل إِلاَّ إِذَا كَانَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ قَدْ عَيَّنَ وَاحِدًا مِنَ النَّاسِ (140) .

الْمُشَافَهَةُ:
54 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا شَافَهَ قَاضِيًا آخَرَ فِي عَمَلِهِ لَمْ يُقْبَل ذَلِكَ لأَِنَّ الْكِتَابَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ، وَقَال ابْنُ فَرْحُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مُشَافَهَةُ الْقَاضِي لِلْقَاضِي بِمَا حَكَمَ بِهِ الأَْوَّل عَلَى وَجْهَيْنِ، الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِيَانِ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ فَيُشَافِهَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ شَهَادَةٍ أَوْ حُكْمٍ فَيَحْكُمَ الآْخَرُ بِذَلِكَ أَوْ يُنَفِّذَ الْحُكْمُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي طَرَفِ عَمَلِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا أَنْهَى أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ مُشَافَهَةً مَا يُرِيدُ إِنْهَاءَهُ إِلَيْهِ، فَيَلْزَمُ الآْخَرَ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ.
أَمَّا ابْنُ جُزَيٍّ فَقَدْ قَال: إِنَّ الْمُشَافَهَةَ غَيْرُ كَافِيَةٍ؛ لأَِنَّ أَحَدَهُمَا فِي غَيْرِ مَحَل وِلاَيَتِهِ وَمَنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلاَيَتِهِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ وَلَمْ يُقْبَل خِطَابُهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُتَصَوَّرُ الْمُشَافَهَةُ مِنْ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَجْتَمِعَ الْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ وَقَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ فِي غَيْرِ الْبَلَدَيْنِ وَيُخْبِرَهُ بِحُكْمِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْتَقِل الَّذِي حَكَمَ إِلَى بَلَدِ الْغَائِبِ وَيُخْبِرَهُ، فَفِي الْحَالَيْنِ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَلاَ يَمْضِي حُكْمُهُ لأَِنَّ إِخْبَارَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلاَيَتِهِ، كَإِخْبَارِ الْقَاضِي بَعْدَ الْعَزْل.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَحْضُرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ فِي بَلَدِ الَّذِي حَكَمَ فَيُخْبِرَهُ، فَإِذَا عَادَ إِلَى مَحَل وِلاَيَتِهِ، فَهَل يُمْضِيهِ؟ إِنْ قُلْنَا: يَقْضِي بِعِلْمِهِ، فَنَعَمْ، وَإِلاَّ فَلاَ عَلَى الأَْصَحِّ، كَمَا لَوْ قَال ذَلِكَ الْقَاضِي: سَمِعْتُ الْبَيِّنَةَ عَلَى فُلاَنٍ بِكَذَا، فَإِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ إِذَا عَادَ إِلَى مَحَل وِلاَيَتِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَا فِي مَحَل وِلاَيَتِهِمَا، بِأَنْ وَقَفَ كُل وَاحِدٍ فِي طَرَفِ مَحَل وِلاَيَتِهِ، وَقَال الْحَاكِمُ: حَكَمْتُ بِكَذَا فَيَجِبُ عَلَى الآْخَرِإِمْضَاؤُهُ لأَِنَّهُ أَبْلَغُ مِنَ الشَّهَادَةِ وَالْكِتَابِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ قَاضِيَانِ وَجَوَّزْنَاهُ، فَقَال أَحَدُهُمَا لِلآْخَرِ: حَكَمْتُ بِكَذَا، فَإِنَّهُ يُمْضِيهِ، وَكَذَا إِذَا قَالَهُ الْقَاضِي لِنَائِبِهِ فِي الْبَلَدِ، وَبِالْعَكْسِ، وَلَوْ خَرَجَ الْقَاضِي إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ فِيهَا نَائِبٌ فَأَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ بِحُكْمِهِ أَمْضَاهُ الآْخَرُ؛ لأَِنَّ الْقَرْيَةَ مَحَل وِلاَيَتِهِمَا، وَلَوْ دَخَل النَّائِبُ الْبَلَدَ فَقَال لِلْقَاضِي: حَكَمْتُ بِكَذَا، لَمْ يَقْبَلْهُ، وَلَوْ قَال لَهُ الْقَاضِي: حَكَمْتُ بِكَذَا، فَفِي إِمْضَائِهِ إِيَّاهُ إِذَا عَادَ إِلَى قَرْيَتِهِ الْخِلاَفُ فِي الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ (141) .

تَغَيُّرُ حَال الْقَاضِي الْكَاتِبِ:
55 - إِذَا تَغَيَّرَتْ حَال الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ الْكِتَابَ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَقْدَحْ فِي كِتَابِهِ وَكَانَ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ الْكِتَابُ قَبُولُهُ وَالْعَمَل بِهِ سَوَاءٌ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ قَبْل خُرُوجِ الْكِتَابِ مِنْ يَدِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَقُولُونَ: إِذَا مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِل قَبْل وُصُول كِتَابِهِ إِلَى الْقَاضِي الآْخَرِ، فَلاَ يُعْمَل بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ وُصُول الْكِتَابِ إِلَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ (142) .

تَغَيُّرُ حَال الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ:
56 - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ إِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِأَيِّ حَالٍ كَانَ مِنْ مَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ أَوْ فِسْقٍ، فَلِمَنْ وَصَل إِلَيْهِ الْكِتَابُ مِمَّنْ قَامَ مَقَامَهُ قَبُول الْكِتَابِ وَالْعَمَل بِهِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ قَاضِيَ الْكُوفَةِ كَتَبَ إِلَى إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَاضِي الْبَصْرَةِ كِتَابًا فَوَصَل وَقَدْ عُزِل وَوُلِّيَ الْحَسَنُ فَعَمِل بِهِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا الإِْشْهَادَ عَلَى الْكِتَابِ وَلَمْ يَكْتَفُوا بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُعْمَل بِهِ لأَِنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ إِلَيْهِ (143) .

اخْتِلاَفُ الرَّأْيِ فِي حُكْمِ الْوَاقِعَةِ:
57 - إِذَا كَتَبَ قَاضٍ إِلَى قَاضٍ بِكِتَابٍ فِيهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ لاَ يَرَى ذَلِكَ الرَّأْيَ وَلاَ يَأْخُذُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ حُكْمًا جَازَ إِنْفَاذُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا لَمْ يُنَفِّذْهُ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ إِنَّمَا كَتَبَ مِمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِلْخَصْمِ أَوْ بِمَا أَشْبَهَ وَلَمْ يُفَصِّل ذَلِكَ بِحُكْمِ فَلْيَعْمَل بِرَأْيِهِ الَّذِي يَخْتَارُهُ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَلاَ يَعْمَل بِرَأْيِ الْكَاتِبِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي الأَْوَّل مِمَّا لاَ يَرَاهُ هُوَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْضِيَهُ لاِعْتِقَادِهِ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْقِضَهُ؛ لاِحْتِمَالِهِ فِي الاِجْتِهَادِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَطْلُوبَ بِأَدَائِهِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عِنْدَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الطَّالِبَ مِنْهُ؛ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ بِهِ. (144)

رِزْقُ الْقَاضِي:
58 - الْقَاضِي مِنْ عُمَّال الْمُسْلِمِينَ وَأَجَل عُمَّالِهِمْ، وَهُوَ الْقَيِّمُ بِمَصَالِحِ الْجَمِيعِ، وَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُطْلِقَ الإِْمَامُ لِلْقَاضِي مِنَ الرِّزْقِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال حَتَّى لاَ يَلْزَمَهُ مَئُونَةٌ وَكُلْفَةٌ، وَأَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ وَعَلَى عِيَالِهِ، كَيْ لاَ يَطْمَعَ فِي أَمْوَال النَّاسِ، وَرُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ إِلَى مَكَّةَ وَوَلاَّهُ أَمْرَهَا رَزَقَهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُل عَامٍ (145) ، وَكَذَلِكَ فَرَضَ الصَّحَابَةُ لِلْقُضَاةِ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فِي الشَّامِ أَنِ انْظُرُوا رِجَالاً مِنْ أَهْل الْعِلْمِ مِنَ الصَّالِحِينَ مِنْ قِبَلِكُمْ فَاسْتَعْمِلُوهُمْ عَلَى الْقَضَاءِ، وَأَوْسِعُوا عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ لِيَكُونَ لَهُمْ قُوَّةً وَعَلَيْهِمْ حُجَّةً.
وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ أَخْذِ الْقَاضِي لِلرِّزْقِ هُوَ فِي حَالَةِ كَوْنِهِ فَقِيرًا، أَمَّا إِنْ كَانَ غَنِيًّا فَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ فَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يَحِل لَهُ الأَْخْذُ لأَِنَّهُ لاَ حَاجَةَ لَهُ فِيهِ، وَقَال آخَرُونَ: يَحِل لَهُ الأَْخْذُ وَالأَْفْضَل لَهُ أَنْ يَأْخُذَ، أَمَّا الْحِل فَلأَِنَّهُ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَانَتْ كِفَايَتُهُ عَلَيْهِمْ لاَ مِنْ طَرِيقِ الأَْجْرِ، وَأَمَّا الأَْفْضَلِيَّةُ فَلأَِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إِلَى ذَلِكَ فَرُبَّمَا يَجِيءُ بَعْدَهُ قَاضٍ مُحْتَاجٌ وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ سُنَّةً وَرَسْمًا فَيَمْتَنِعُ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَنْ إِعْطَائِهِ، فَكَانَ الاِمْتِنَاعُ مِنَ الأَْخْذِ شُحًّا بِحَقِّ الْغَيْرِ، وَكَانَ الأَْفْضَل هُوَ الأَْخْذَ. (146)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَعِنْدَهُ كِفَايَةٌ تُغْنِيهِ عَنِ الاِرْتِزَاقِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّاشِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ قَال: يَجُوزُ لِمَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَلَهُ كِفَايَةٌ أَخْذُ الرِّزْقِ، أَمَّا مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الرِّزْقِ فَلَهُ الأَْخْذُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَال فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَالأَْوْلَى لَهُ أَنْ لاَ يَأْخُذَ شَيْئًا.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يَجْعَل مِنَ بَيْتِ الْمَال شَيْئًا مِنْ رِزْقِ الْقَاضِي لِثَمَنِ وَرَقِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلاَّتِ وَأُجْرَةِ الْكَاتِبِ (147) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي طَلَبَ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَال لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا لأَِنَّ عُمَرَ رَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُل شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَفَرَضَ لِزَيْدٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَرَ بِفَرْضِ الرِّزْقِ لِمَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَتْ وَضَاعَتِ الْحُقُوقُ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ مَعَ الْحَاجَةِ فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ بِكُل حَالٍ لأَِنَّ عُمَرَ فَرَضَ الرِّزْقَ لِقُضَاتِهِ وَأَمَرَ بِفَرْضِ الرِّزْقِ لِمَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ (148) .

اشْتِرَاطُ الأُْجْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ:
59 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَى الْقَضَاءِ، قَال عُمَرُ ﵁: لاَ يَنْبَغِي لِقَاضِي الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ قُرْبَةٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْل الْقُرْبَةِ فَأَشْبَهَ الصَّلاَةَ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَعْمَلُهُ الإِْنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ؛ وَلأَِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي رِزْقٌ فَقَال لِلْخَصْمَيْنِ: لاَ أَقْضِي بَيْنَكُمَا حَتَّى تَجْعَلاَ لِي رِزْقًا عَلَيْهِ، جَازَ، وَيُحْتَمَل أَنْ لاَ يَجُوزَ، وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَالْمَذْهَبُ الأَْوَّل وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَفَصَّل الْمَاوَرْدِيُّ الْكَلاَمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا خُلاَصَتُهُ: إِنْ كَانَ الْقَاضِي فِي حَاجَةٍ إِلَى الرِّزْقِ وَعَمَلُهُ يَقْطَعُهُ عَنِ اكْتِسَابِ الْمَال فَيَجُوزُ لَهُ الأَْخْذُ بِشَرْطِ أَنْ يُعْلِمَ الْخَصْمَيْنِ قَبْل التَّحَاكُمِ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا مَعًا، لاَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَذَلِكَ بَعْدَ إِذْنِ الإِْمَامِ، وَأَنْ يَكُونَ مَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْخَصْمَيْنِ لاَ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ، وَلاَ يَضُرُّ بِهِمَا وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَدْرُ مَشْهُورًا يَتَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُ الْخُصُومِ مَا لَمْ يَطُل زَمَنُ خُصُومَةِ الْخَصْمَيْنِ عَمَّا سِوَاهَا. (149)

التَّفْتِيشُ عَلَى أَعْمَال الْقُضَاةِ:
60 - يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَال الْقُضَاةِ، فَإِنَّهُمْ قِوَامُ أَمْرِهِ، وَرَأْسُ سُلْطَانِهِ، وَكَذَلِكَ قَاضِي الْقُضَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَقَّدَ قُضَاتَهُ وَنُوَّابَهُ فَيَتَصَفَّحَ أَقْضِيَتَهُمْ، وَيُرَاعِيَ أُمُورَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ فِي النَّاسِ، إِذْ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَأْخِيرُ الْخُصُومِ إِذَا تَنَازَعُوا إِلَيْهِ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ، وَيَأْثَمُ إِذَا أَخَّرَ الْفَصْل فِي النِّزَاعِ بِدُونِ وَجْهِ حَقٍّ، وَيُعَزَّرُ وَيُعْزَل، وَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَأْخِيرُ الْحُكْمِ بَعْدَ وُجُودِ شَرَائِطِهِ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: الرِّيبَةِ، وَلِرَجَاءِ صُلْحِ الأَْقَارِبِ، وَإِذَا اسْتَمْهَل الْمُدَّعِي وَكَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي حَالَةِ تَقْدِيمِ دَفْعٍ صَحِيحٍ يَطْلُبُ مُهْلَةً لإِِحْضَارِ بَيِّنَتِهِ. (150)

مَسْئُولِيَّةُ الْقَاضِي:
61 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسْئُولِيَّةِ الْقَاضِي، هَل يُؤَاخَذُ بِمَا يَقَعُ فِي أَحْكَامِهِ مِنْ أَخْطَاءٍ أَمْ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ مُسَاءَلَتُهُ عَنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ مَا يَجْرِي عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَالأَْحْكَامِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا أَخْطَأَ فِي قَضَائِهِ، بِأَنْ ظَهَرَ أَنَّ الشُّهُودَ كَانُوا مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ، فَالأَْصْل أَنَّهُ لاَ يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ؛ لأَِنَّهُ بِالْقَضَاءِ لَمْ يَعْمَل لِنَفْسِهِ بَل لِغَيْرِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الرَّسُول، فَلاَ تَلْحَقُهُ الْعُهْدَةُ.
ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْمَقْضِيِّ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، بِأَنْ كَانَ مَالاً وَهُوَ قَائِمٌ، رَدَّهُ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ قَضَاءَهُ وَقَعَ بَاطِلاً وَرَدُّ عَيْنِ الْمَقْضِيِّ بِهِ مُمْكِنٌ فَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (151) ؛ وَلأَِنَّهُ عَيْنُ مَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَمَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ، وَلأَِنَّ الْقَاضِيَ عَمِل لَهُ فَكَانَ خَطَؤُهُ عَلَيْهِ، لِيَكُونَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا عَمِل لَهُ فَكَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَل بِنَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ حَقًّا لَيْسَ بِمَالٍ كَالطَّلاَقِ، بَطَل لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ قَضَاءَهُ كَانَ بَاطِلاً، وَأَنَّهُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ يَحْتَمِل الرَّدَّ فَيُرَدُّ بِخِلاَفِ الْحُدُودِ وَالْمَال الْهَالِكِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَمِل الرَّدَّ بِنَفْسِهِ فَيُرَدُّ بِالضَّمَانِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ ﷿ خَالِصًا فَضَمَانُهُ فِي بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّهُ عَمَلٌ فِي الدَّعْوَى لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِعَوْدِ مَنْفَعَتِهَا إِلَيْهِمْ وَهُوَ الزَّجْرُ، فَكَانَ خَطَؤُهُ عَلَيْهِمْ وَلاَ يَضْمَنُ الْقَاضِي.
وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْجَوْرِ عَنْ عَمْدٍ وَأَقَرَّ بِهِ، فَالضَّمَانُ فِي مَالِهِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا بِالْجِنَايَةِ وَالإِْتْلاَفِ، وَيُعَزَّرُ الْقَاضِي وَيُعْزَل عَنِ الْقَضَاءِ. (152)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ عَلِمَ الْقَاضِي بِكَذِبِ الشُّهُودِ وَحَكَمَ بِمَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ رَجْمٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ، فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ دُونَ الشُّهُودِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلاَ قِصَاصَ، وَإِنْ عَلِمَ الْقَاضِي بِمَا يَقْدَحُ فِي الشَّاهِدِ كَالْفِسْقِ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ، وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا عُزِل الْقَاضِي فَادَّعَى أُنَاسٌ أَنَّهُ جَارَ عَلَيْهِمْ: أَنَّهُ لاَ خُصُومَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلاَ يُنْظَرُ فِيمَا قَالُوا عَنْهُ إِلاَّ أَنْ يَرَى الَّذِي بَعْدَهُ جَوْرًا بَيِّنًا فَيَرُدَّهُ وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْقَاضِي. (153)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثُمَّ بَانَ كَوْنُهُمَا مِمَّنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمَا وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي نَقْضُ حُكْمِهِ، فَإِنْ كَانَ طَلاَقًا أَوْ عَقْدًا فَقَدْ بَانَ أَنَّهُ لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَقْدَ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَاتَتْ فَقَدْ مَاتَتْ وَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ قَتْلاً أَوْ قَطْعًا أَوْ حَدًّا اسْتُوْفِيَ وَتَعَذَّرَ التَّدَارُكُ، فَضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاضِي عَلَى الأَْظْهَرِ وَفِي بَيْتِ الْمَال عَلَى الْقَوْل الآْخَرِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِالْقَاضِي لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ الْبَحْثِ عَنْ حَال الشُّهُودِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، وَلاَ عَلَى الشُّهُودِ لأَِنَّهُمْ ثَابِتُونَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ، وَإِذَا غَرِمَتِ الْعَاقِلَةُ أَوْ بَيْتُ الْمَال فَهَل يَثْبُتُ الرُّجُوعُ عَلَى الشُّهُودِ، فِيهِ خِلاَفٌ، وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الْمُزَكِّينَ، وَقَال الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ: يَرْجِعُ الْغَارِمُ عَلَى الْمُزَكِّينَ لأَِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الأَْمْرَ عَلَى خِلاَفِ قَوْلِهِمْ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ خِلاَفُ قَوْل الشُّهُودِ وَلاَ رُجُوعَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْقَاضِي.
وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالاً، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عِنْدَ الْمَحْكُومِ لَهُ انْتُزِعَ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا أُخِذَ مِنْهُ ضَمَانُهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ لَهُ مُعْسِرًا أَوْ غَائِبًا، فَلِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ الْقَاضِي لِيَغْرَمَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال فِي قَوْلٍ وَمِنْ خَالِصِ مَالِهِ فِي قَوْلٍ آخَرَ لأَِنَّهُ لَيْسَ بَدَل نَفْسٍ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِلَةِ، وَيَرْجِعُ الْقَاضِي عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ إِذَا ظَفِرَ بِهِ مُوسِرًا، وَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الشُّهُودِ خِلاَفٌ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا سَبَقَ قِيل: إِنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ يَتَخَيَّرُ فِي تَغْرِيمِ الْقَاضِي وَتَغْرِيمِ الْمَحْكُومِ لَهُ. (154)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْقَاضِي إِذَا حَكَمَ بِقَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ بِمُقْتَضَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ظَهَرَ فِيمَا بَعْدُ عَدَمُ جَوَازِ شَهَادَتِهِمَا، وَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ مُخْطِئٌ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَفِي مَحَلِّهَا رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: فِي بَيْتِ الْمَال لأَِنَّهُ نَائِبٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَوَكِيلُهُمْ، وَخَطَأُ الْوَكِيل فِي حَقِّ مُوَكِّلِهِ عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّ خَطَأَ الْقَاضِي يَكْثُرُ لِكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَحُكُومَاتِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُخَفَّفَةٌ مُؤَجَّلَةٌ.
وَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِمَالٍ بِمُوجِبِ شَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمَا فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ وَيُرَدُّ الْمَال إِنْ كَانَ قَائِمًا وَعِوَضُهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى الْقَاضِي ضَمَانُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لاَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ إِذَا كَانَ الشَّاهِدَانِ فَاسِقَيْنِ وَيَغْرَمُ الشُّهُودُ الْمَال (155) .
وَقَالُوا: إِنْ بَانَ خَطَأُ الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ - فِي إِتْلاَفٍ - بِمُخَالَفَةِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ لاَ يَحْتَمِل التَّأْوِيل ضَمِنَ الْقَاضِي مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ (156) .

انْتِهَاءُ وِلاَيَةِ الْقَاضِي:
62 - تَنْتَهِي وِلاَيَةُ الْقَاضِي بِعَزْلِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ عَزْلِهِ، أَوِ اعْتِزَالِهِ الْقَضَاءَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، أَوْ بِمَوْتِهِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَنْعَزِل بِعَزْل الإِْمَامِ وَلاَ بِمَوْتِهِ، وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَخْرُجُ مِنَ الْقَضَاءِ بِكُل مَا يَخْرُجُ بِهِ الْوَكِيل عَنِ الْوَكَالَةِ، لاَ يَخْتَلِفَانِ إِلاَّ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُوَكِّل إِذَا مَاتَ أَوْ خُلِعَ يَنْعَزِل الْوَكِيل، وَالْخَلِيفَةُ إِذَا مَاتَ أَوْ خَلُعَ لاَ تَنْعَزِل قُضَاتُهُ وَوُلاَتُهُ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ الْوَكِيل يَعْمَل بِوِلاَيَةِ الْمُوَكِّل وَفِي خَالِصِ حَقِّهِ وَقَدْ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ الْوِلاَيَةِ فَيَنْعَزِل الْوَكِيل، وَالْقَاضِي لاَ يَعْمَل بِوِلاَيَةِ الْخَلِيفَةِ وَفِي حَقِّهِ، بَل بِوِلاَيَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي حُقُوقِهِمْ، وَإِنَّمَا الْخَلِيفَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّسُول عَنْهُمْ لِهَذَا لَمْ تَلْحَقْهُ الْعُهْدَةُ، وَوِلاَيَةُ الْمُسْلِمِينَ - بَعْدَ مَوْتِ الْخَلِيفَةِ - بَاقِيَةٌ، فَيَبْقَى الْقَاضِي عَلَى وِلاَيَتِهِ.
وَعَلَّل الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ نَائِبًا عَنِ الإِْمَامِ فَلاَ يَنْعَزِل بِمَوْتِهِ؛ وَلأَِنَّ الإِْمَامَ يَسْتَنِيبُ الْقُضَاةَ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَنْعَزِلُوا، وَلأَِنَّ الْخُلَفَاءَ ﵃ وَلَّوْا حُكَّامًا فِي زَمَنِهِمْ فَلَمْ يَنْعَزِلُوا بِمَوْتِهِمْ؛ وَلأَِنَّ فِي عَزْلِهِ بِمَوْتِ الإِْمَامِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْبُلْدَانَ تَتَعَطَّل مِنَ الْحُكَّامِ، وَتَقِفُ أَحْكَامُ النَّاسِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ (157) .

عَزْل الْقَاضِي:
63 - لاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يَعْزِل الْقَاضِيَ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُ خَلَلٌ كَفِسْقٍ أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الْقَضَاءِ، أَوِ اخْتَل فِيهِ بَعْضُ شُرُوطِهِ، لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِ عَزْلِهِ لِلْقَاضِي دُونَ مُوجِبٍ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا عَزَل الْقَاضِيَ وَقَعَ الْعَزْل، لَكِنَّ الأَْوْلَى عَدَمُ عَزْلِهِ إِلاَّ لِعُذْرٍ، فَلَوْ عَزَلَهُ دُونَ عُذْرٍ فَإِنَّهُ يَتَعَرَّضُ لإِِثْمٍ عَظِيمٍ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ الْعَزْل بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " لأََعْزِلَنَّ أَبَا مَرْيَمَ، وَأُوَلِّيَنَّ رَجُلاً إِذَا رَآهُ الْفَاجِرُ فَرِقَهُ (158) ، فَعَزَلَهُ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ، وَوَلَّى كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ مَكَانَهُ، وَوَلَّى عَلِيٌّ ﵁ أَبَا الأَْسْوَدِ ثُمَّ عَزَلَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْكَاسَانِيُّ أَنَّ عَزْل الإِْمَامِ لِلْقَاضِي لَيْسَ بِعَزْلٍ لَهُ حَقِيقَةً، بَل بِعَزْل الْعَامَّةِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ تَوْلِيَتَهُ بِتَوْلِيَةِ الْعَامَّةِ، وَالْعَامَّةُ وَلَّوْهُ الاِسْتِبْدَال دَلاَلَةً لِتَعَلُّقِ مَصْلَحَتِهِمْ بِذَلِكَ، فَكَانَتْ وِلاَيَتُهُ مِنْهُمْ مَعْنًى فِي الْعَزْل أَيْضًا فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَزْل وَالْمَوْتِ، وَلاَ يَمْلِكُ الْقَاضِي عَزْل نَائِبِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي تَعْيِينِهِ لأَِنَّهُ نَائِبُ الإِْمَامِ، فَلاَ يَنْعَزِل بِعَزْلِهِ مَا لَمْ يَكُنِ الإِْمَامُ قَدْ أَذِنَ لَهُ بِاسْتِبْدَال مَنْ يَشَاءُ فَيَمْلِكُ عَزْلَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَزْلاً مِنَ الْخَلِيفَةِ لاَ مِنَ الْقَاضِي.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُ خَلَلٌ فَلِلإِْمَامِ عَزْلُهُ، قَال فِي الْوَسِيطِ: وَيَكْفِي فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ خَلَلٌ نُظِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، لَمْ يَجُزْ عَزْلُهُ، وَلَوْ عَزَلَهُ لَمْ يَنْعَزِل، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ صَالِحٌ نُظِرَ إِنْ كَانَ أَفْضَل مِنْهُ جَازَ عَزْلُهُ وَانْعَزَل الْمَفْضُول بِالْعَزْل، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْعُزْلَةِ بِهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ تَسْكِينِ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهَا، فَلِلإِْمَامِ عَزْلُهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَمْ يَجُزْ، فَلَوْ عَزَلَهُ نَفَذَ عَلَى الأَْصَحِّ مُرَاعَاةً لِطَاعَةِ السُّلْطَانِ، وَمَتَى كَانَ الْعَزْل فِي مَحَل النَّظَرِ، وَاحْتَمَل أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَلاَ اعْتِرَاضَ عَلَى الإِْمَامِ فِيهِ، وَيُحْكَمُ بِنُفُوذِهِ، وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ تَوْلِيَةَ قَاضٍ بَعْدَ قَاضٍ هَل هِيَ عَزْلٌ لِلأَْوَّل؟ وَجْهَانِ وَلِيَكُونَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّهُ هَل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ قَاضِيَانِ (159) .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَنْعَزِل بِعَزْل الإِْمَامِ دُونَ مُوجِبٍ لأَِنَّ عَقْدَهُ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلاَ يَمْلِكُ عَزْلَهُ مَعَ سَدَادِ حَالِهِ، وَنَقَل الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ الْقَوْل بِأَنَّ الإِْمَامَ لَيْسَ لَهُ عَزْل الْقَاضِي مَا كَانَ مُقِيمًا عَلَى الشَّرَائِطِ لأَِنَّهُ بِالْوِلاَيَةِ يَصِيرُ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى سَبِيل الْمَصْلَحَةِ لاَ عَنِ الإِْمَامِ، وَيُفَارِقُ الْمُوَكِّل، فَإِنَّ لَهُ عَزْل وَكِيلِهِ لأَِنَّهُ يَنْظُرُ فِي حَقِّ مُوَكِّلِهِ خَاصَّةً. (160)
وَهَل يَنْعَزِل الْقَاضِي إِذَا كَثُرَتِ الشَّكْوَى عَلَيْهِ؟
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ إِلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:
الأَْوَّل: وُجُوبُ عَزْلِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْقَضَاءِ، وَهُوَ مَا قَال بِهِ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ (161) .
الثَّانِي: جَوَازُ عَزْلِهِ، فَإِذَا حَصَل ظَنٌّ غَالِبٌ لِلإِْمَامِ بِصِحَّةِ الشَّكَاوَى جَازَ لَهُ عَزْلُهُ وَهُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ. (162)
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: عَزَل إِمَامًا يُصَلِّي بِقَوْمٍ بَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ وَقَال: لاَ يُصَلِّي لَكُمْ (163) .
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِهِ هُوَ أَنَّهُ إِذَا جَازَ عَزْل إِمَامِ الصَّلاَةِ لِخَلَلٍ جَازَ عَزْل الْقَاضِي مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
الثَّالِثُ: التَّفْصِيل، وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ، إِنِ اشْتَهَرَ بِالْعَدَالَةِ، قَال مُطَرِّفٌ: لاَ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ عَزْلُهُ وَإِنْ وَجَدَ عِوَضًا مِنْهُ فَإِنَّ فِي عَزْلِهِ إِفْسَادًا لِلنَّاسِ عَلَى قُضَاتِهِمْ، وَقَال أَصْبَغُ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَعْزِلَهُ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ وَالرِّضَا إِذَا وَجَدَ مِنْهُ بَدَلاً؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِصْلاَحًا لِلنَّاسِ، يَعْنِي لِمَا ظَهَرَ مِنِ اسْتِيلاَءِ الْقُضَاةِ وَقَهْرِهِمْ فَفِي ذَلِكَ كَفٌّ لَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْهُورٍ فَلْيَعْزِلْهُ إِذَا وَجَدَ بَدَلاً مِنْهُ وَتَضَافَرَ عَلَيْهِ الشَّكِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَدَلاً مِنْهُ كَشَفَ عَنْ حَالِهِ وَصِحَّةِ الشَّكَاوَى عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ رِجَالٍ ثِقَاتٍ يَسْتَفْسِرُونَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ أَهْل بَلَدِهِ فَإِنْ صَدَّقُوا ذَلِكَ عَزْلَهُ، وَإِنْ قَال أَهْل بَلَدِهِ: مَا نَعْلَمُ مِنْهُ إِلاَّ خَيْرًا، أَبْقَاهُ وَنَظَرَ فِي أَحْكَامِهِ الصَّادِرَةِ فَمَا وَافَقَ السُّنَّةَ أَمْضَاهُ، وَمَا خَالَفَ رَدَّهُ وَأَوَّل ذَلِكَ بِأَنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ خَطَأً لاَ جَوْرًا. (164)

إِنْكَارُ كَوْنِهِ قَاضِيًا:
64 - وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنَ الْقَاضِي نَفْسِهِ أَوْ مِنَ الإِْمَامِ.
فَإِنْ وَقَعَ مِنَ الْقَاضِي وَلَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَهُ لِغَرَضٍ مِنَ الأَْغْرَاضِ أَوْ لِحِكْمَةٍ فِي إِخْفَاءِ شَخْصِيَّتِهِ فَقَدْ نَقَل الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ عَنِ الْبَحْرِ أَنَّهُ يَنْعَزِل عَنِ الْقَضَاءِ، وَإِنْ وَقَعَ الإِْنْكَارُ مِنَ الإِْمَامِ لَمْ يَنْعَزِل. (165) طُرُوءُ مَا يُوجِبُ الْعَزْل:
65 - إِذَا طَرَأَ عَلَى الْقَاضِي مِنَ الأَْحْوَال مَا يَفْقِدُهُ صِفَةً مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَوْ كَانَ عَلَيْهَا قَبْل تَعْيِينِهِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَتَوَلَّى الْحُكْمَ - كَالْجُنُونِ وَالْخَرَسِ وَالْفِسْقِ - فَهَل تَبْطُل وِلاَيَتُهُ؟ أَمْ لاَ بُدَّ مِنْ عَزْل الإِْمَامِ لَهُ؟ .
لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ، قَوْلٌ: يَنْعَزِل بِمُجَرَّدِ طُرُوءِ مَا يُوجِبُ الْعَزْل، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَوْلٌ آخَرُ: لاَ يَنْعَزِل حَتَّى يَعْزِلَهُ الإِْمَامُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَا يَمْنَعُ التَّوْلِيَةَ ابْتِدَاءً كَالْجُنُونِ وَالْفِسْقِ يَمْنَعُهَا دَوَامًا.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الأَْعْمَى الَّذِي عَادَ بَصَرُهُ وَقَالُوا: لاَ يَنْعَزِل لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ بِعَوْدَةِ بَصَرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَنْعَزِل.
وَأَمَّا غَيْرُ الأَْعْمَى فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَى قَوْلَيْنِ، الأَْصَحُّ مِنْهُمَا لَمْ تَعُدْ وِلاَيَتُهُ بِلاَ تَوْلِيَةٍ كَالْوَكَالَةِ؛ لأَِنَّ الشَّيْءَ إِذَا بَطَل لَمْ يَنْقَلِبْ إِلَى الصِّحَّةِ بِنَفْسِهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: تَعُودُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ تَوْلِيَةٍ.
وَقَطَعَ السَّرَخْسِيُّ بِعَوْدِهَا فِي صُورَةِ الإِْغْمَاءِ (166) . نَفَاذُ الْعَزْل:
66 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا عَزَل الْقَاضِيَ فَأَحْكَامُهُ نَافِذَةٌ، وَقَضَايَاهُ مَاضِيَةٌ حَتَّى يَعْلَمَ بِالْعَزْل، فَعِلْمُهُ بِذَلِكَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ عَزْلِهِ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِجَوَازِ عَزْلِهِ - وَذَلِكَ لِتَعَلُّقِ قَضَايَا النَّاسِ وَأَحْكَامِهِ بِهِ وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ مِنْ وُجُوبِ نَفَاذِ أَحْكَامِهِ حَتَّى يَصِلَهُ عِلْمُ الْعَزْل، وَلِعِظَمِ الضَّرَرِ فِي نَقْضِ أَقْضِيَتِهِ (167) .

عَزْل الْقَاضِي نَفْسَهُ:
67 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْعَزِل إِذَا عَزَل نَفْسَهُ عَنِ الْقَضَاءِ؛ لأَِنَّهُ وَكِيلٌ وَالْوَكَالَةُ تَبْطُل بِعَزْل الْوَكِيل، وَقَيَّدَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ الْقَاضِي لَمْ يُلْزَمْ بِقَبُول الْقَضَاءِ (168) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا عَزَل نَفْسَهُ اخْتِيَارًا لاَ عَجْزًا وَلاَ لِعُذْرٍ فَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْبَعْضِ أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ فِي عَزْلِهِ نَفْسَهُ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا إِذَا كَانَ قَدْ تَعَلَّقَ لأَِحَدٍ حَقٌّ بِقَضَائِهِ حَتَّى لاَ يَكُونَ انْعِزَالُهُ ضَرَرًا لِمَنِ الْتَزَمَ الْقَضَاءَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ (169) .
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَعْتَزِل الْقَاضِي الْقَضَاءَ إِلاَّ لِعُذْرٍ وَلَوْ عَزَل الْقَاضِي نَفْسَهُ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْعَزِل، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ هَل يَنْعَزِل؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، قَال النَّوَوِيُّ: لِلْقَاضِي أَنْ يَعْزِل نَفْسَهُ كَالْوَكِيل، وَنَقَل عَنِ الإِْقْنَاعِ لِلْمَاوَرْدِيِّ: أَنَّهُ إِذَا عَزَل نَفْسَهُ لاَ يَنْعَزِل إِلاَّ بِعِلْمِ مَنْ قَلَّدَهُ (170) .

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَوْتِ الْقَاضِي وَعَزْلِهِ وَاعْتِزَالِهِ:
68 - تَتَرَتَّبُ عَلَى مَوْتِ الْقَاضِي وَعَزْلِهِ وَاعْتِزَالِهِ الأُْمُورُ التَّالِيَةُ:
أ - انْتِهَاءُ وِلاَيَتِهِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ إِذَا بَلَغَهُ الْخَبَرُ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِصِحَّةِ عَزْلِهِ - أَنْ يَنْظُرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْقَضَاءِ وَكَذَلِكَ إِذَا عَزَل نَفْسَهُ، أَمَّا أَحْكَامُهُ الَّتِي صَدَرَتْ أَثْنَاءَ وِلاَيَتِهِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ إِذَا كَانَتْ مُوَثَّقَةً فِي سِجِلٍّ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ (171) . ب - انْعِزَال كُل مَأْذُونٍ لَهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ كَبَيْعٍ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ وَسَمَاعِ شَهَادَةٍ فِي حَادِثَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَأَمَّا مَنِ اسْتَخْلَفَهُ فِي الْقَضَاءِ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: يَنْعَزِل كَالْوَكِيل، وَالثَّانِي: لاَ، لِلْحَاجَةِ، وَأَصَحُّهَا: يَنْعَزِل إِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي مَأْذُونًا لَهُ فِي الاِسْتِخْلاَفِ، لأَِنَّ الاِسْتِخْلاَفَ فِي هَذَا لِحَاجَتِهِ، وَقَدْ زَالَتْ بِزَوَال وِلاَيَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ لَمْ يَنْعَزِل (172) .
ج - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْقُوَّامَ عَلَى الأَْيْتَامِ وَالأَْوْقَافِ لاَ يَنْعَزِلُونَ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَانْعِزَالِهِ لِئَلاَّ تَتَعَطَّل مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ خِلاَفًا لِلْغَزَالِيِّ الَّذِي جَعَلَهُمْ كَالْخُلَفَاءِ (173) .
د - فِي حَالَةِ عَزْلِهِ أَوِ اسْتِقَالَتِهِ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ: إِنَّنِي كُنْتُ قَدْ حَكَمْتُ لِفُلاَنٍ بِكَذَا، إِلاَّ إِذَا قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ إِلاَّ مَعَ آخَرَ لأَِنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْل نَفْسِهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ قَبُول قَوْلِهِ لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَخْبَرَ بِمَا حَكَمَ بِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فَيَجِبُ قَبُولُهُ كَحَال وِلاَيَتِهِ (174) . هـ - أَنْ يَقُومَ الْقَاضِي الَّذِي عُزِل أَوِ اعْتَزَل بِتَسْلِيمِ مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنْ سِجِلاَّتٍ وَمَحَاضِرَ وَصُكُوكٍ وَوَدَائِعَ وَأَمْوَالٍ لِلأَْيْتَامِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَدِهِ بِحُكْمِ عَمَلِهِ، فَلَزِمَ تَسْلِيمُهَا لِلْقَاضِي الْمُعَيَّنِ بَدَلاً عَنْهُ. (175)

ثَانِيًا: الْمَقْضِيُّ بِهِ:
69 - يَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الأَْحْكَامِ الَّتِي لَمْ تُنْسَخْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَضَى بِالإِْجْمَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ قَاسَهُ عَلَى مَا يُشْبِهُهُ مِنَ الأَْحْكَامِ وَاجْتَهَدَ رَأْيَهُ وَتَحَرَّى الصَّوَابَ ثُمَّ قَضَى بِرَأْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَفْتِيَ فِي ذَلِكَ فَيَأْخُذَ بِفَتْوَى الْمُفْتِي (176) ، وَلاَ يَقْضِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلاَ يَسْتَحْيِيَ مِنَ السُّؤَال لِئَلاَّ يَلْحَقَهُ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ ﷺ: الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ (177) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ) . وَأَمَّا مَا يَقَعُ الْقَضَاءُ بِهِ مِنَ الأُْمُورِ كَالْبَيِّنَةِ وَعِلْمِ الْقَاضِي وَالإِْقْرَارِ وَالْيَمِينِ فَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا وَمُصْطَلَحِ (إِثْبَات ف 4 وَمَا بَعْدَهَا) .

ثَالِثًا: الْمَقْضِيُّ لَهُ:
70 - لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ وَلَوْ رَضِيَ خَصْمُهُ بِذَلِكَ، فَإِنْ حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ كَالإِْقْرَارِ مِنْهُ بِمَا ادَّعَى خَصْمُهُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ لِشَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ (178) .
وَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لِلإِْمَامِ الَّذِي قَلَّدَهُ، أَوْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَلَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ شُرَيْحًا وَخَاصَمَ عِنْدَهُ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ نَائِبٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ نَائِبًا عَنِ الإِْمَامِ.
وَلاَ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ لِمَنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ؛ لأَِنَّ مَبْنَى الْقَضَاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلاَ يَصِحُّ شَاهِدًا لِمَنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ، فَلاَ يَصِحُّ قَاضِيًا لَهُ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِمْ لأَِنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ لَجَازَ فَكَذَا الْقَضَاءُ، وَلاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِوَالِدِهِ وَإِنْ عَلاَ وَلاَ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَل وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَخَالَفَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُزَنِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فَقَالُوا: يَنْفُذُ حُكْمُهُ لأَِنَّهُ حَكَمَ لِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الأَْجَانِبَ، وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ لِعَدُوِّهِ وَلاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِيمَا عَدَا الْمَاوَرْدِيَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ جَوَّزَهُ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ وَصِيَّ الْيَتِيمِ إِذَا وُلِّيَ الْقَضَاءَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لاَ يَقْضِي لَهُ كَوَلَدِهِ، وَقَال الْقَفَّال: يَقْضِي لَهُ؛ لأَِنَّ كُل قَاضٍ وَلِيُّ الأَْيْتَامِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الأَْصْحَابِ وَعَلَيْهِ الْعَمَل.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ لاِمْرَأَتِهِ وَأُمِّهَا وَإِنْ كَانَتَا قَدْ مَاتَتَا إِذَا كَانَتِ امْرَأَتُهُ تَرِثُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلاَ لأَِجِيرِهِ الْخَاصِّ وَمَنْ يَتَعَيَّشُ بِنَفَقَتِهِ.
وَفِي قَضَاءِ الْقَاضِي لأَِقَارِبِهِ الَّذِينَ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الْمَنْعُ لِمُحَمَّدٍ وَمُطَرِّفٍ، وَالْجَوَازُ لأَِصْبَغَ، فِي حَالَةِ مَا إِذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْل الْقِيَامِ بِالْحَقِّ، وَاسْتَثْنَى مِنَ الْجَوَازِ الزَّوْجَةَ وَوَلَدَهُ الصَّغِيرَ وَيَتِيمَهُ الَّذِي يَلِي مَالَهُ، وَعِنْدَ ابْنِ يُونُسَ لاَ يَحْكُمُ لِعَمِّهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُبَرَّزًا فِي الْعَدَالَةِ، وَالرَّابِعُ التَّفْرِقَةُ، فَإِنْ قَال: ثَبَتَ عِنْدِي، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ حَضَرَ الشُّهُودُ وَكَانَتِ الشَّهَادَةُ ظَاهِرَةً جَازَ إِلاَّ لِزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَيَتِيمِهِ، وَعِنْدَ ابْنِ يُونُسَ كَذَلِكَ لاَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ (179) .

رَابِعًا: الْمَقْضِيُّ فِيهِ:
71 - وَهُوَ جَمِيعُ الْحُقُوقِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضُ كَحَدِّ الزِّنَى أَوِ الْخَمْرِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ الْمَحْضِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمَا فِيهِ الْحَقَّانِ وَغَلَبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الْقَذْفِ أَوِ السَّرِقَةِ، أَوْ غَلَبَ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ كَالْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرِ، فَيَكُونُ لِلْقَاضِي النَّظَرُ فِي تِلْكَ الْحُقُوقِ، وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: لِلْقَاضِي النَّظَرُ فِي جَمِيعِ الأَْشْيَاءِ إِلاَّ فِي قَبْضِ الْخَرَاجِ، وَقَال الْقَاضِي ابْنُ سَهْلٍ: يَخْتَصُّ الْقَاضِي بِوُجُوهٍ لاَ يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنَ الْحُكَّامِ وَهِيَ النَّظَرُ فِي الْوَصَايَا وَالأَْحْبَاسِ وَالتَّرْشِيدِ وَالتَّحْجِيرِ وَالتَّسْفِيهِ وَالْقَسْمِ وَالْمَوَارِيثِ وَالنَّظَرُ لِلأَْيْتَامِ، وَالنَّظَرُ فِي أَمْوَال الْغَائِبِ وَالنَّظَرُ فِي الأَْنْسَابِ وَالْجِرَاحَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَالإِْثْبَاتِ وَالتَّسْجِيل (180) ، وَلاَ يُخِل ذَلِكَ بِأَنَّ لِلإِْمَامِ حَقَّ تَقْيِيدِ الْقَاضِي زَمَانًا أَوْ مَكَانًا أَوْ مَوْضُوعًا كَمَا سَبَقَ فِي (سُلْطَةُ الْقَاضِي وَاخْتِصَاصُهُ ف 26) . خَامِسًا: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ:
72 - الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ هُوَ كُل مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِحُكْمِ الْقَاضِي، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَاضِرَ فِي الْبَلَدِ أَوِ الْقَرِيبَ مِنْهُ إِذَا لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الْحُضُورِ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِ فِي غِيَابِهِ؛ لأَِنَّهُ أَمْكَنَ سُؤَالُهُ فَلَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ قَبْل سُؤَالِهِ كَحَاضِرِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ.
وَالتَّفْصِيل فِي (دَعْوَى ف 59 - 61) .
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِجَوَازِهِ بِشُرُوطٍ، وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلِلْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي:

أ - الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ:
73 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُقْضَى عَلَى غَائِبٍ وَلاَ لَهُ إِلاَّ بِحُضُورِ نَائِبِهِ حَقِيقَةً أَوْ شَرْعًا (181) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ يُقْضَى عَلَى غَائِبٍ - أَيْ بِالْبَيِّنَةِ - سَوَاءٌ أَكَانَ غَائِبًا وَقْتَ الشَّهَادَةِ أَمْ بَعْدَهَا وَبَعْدَ التَّزْكِيَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ غَائِبًا عَنِ الْمَجْلِسِ أَمْ عَنِ الْبَلَدِ.
أَمَّا إِذَا أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي فَيُقْضَى عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَطْعَنَ فِي الْبَيِّنَةِ دُونَ الإِْقْرَارِ؛ وَلأَِنَّ الْقَضَاءَ بِالإِْقْرَارِ قَضَاءُ إِعَانَةٍ، وَاذَا أَنْفَذَ الْقَاضِي إِقْرَارَهُ سَلَّمَ إِلَى الْمُدَّعِي حَقَّهُ، عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا أَوْ عَقَارًا، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الدَّيْنِ يُسَلِّمُ إِلَيْهِ جِنْسَ حَقِّهِ إِذَا وُجِدَ فِي يَدِ مَنْ يَكُونُ مُقِرًّا بِأَنَّهُ مَال الْغَائِبِ الْمُقِرِّ، وَلاَ يَبِيعُ فِي ذَلِكَ الْعَرْضَ وَالْعَقَارَ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ فَلاَ يَجُوزُ (182) .
وَمِثْلُهُ مَا وَرَدَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْخَصْمَيْنِ حِينَ الْحُكْمِ. . . وَلَكِنْ لَوِ ادَّعَى وَاحِدٌ عَلَى الآْخَرِ شَيْئًا فَأَقَرَّ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ غَابَ عَنِ الْمَجْلِسِ قَبْل الْحُكْمِ كَانَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ فِي غِيَابِهِ بِنَاءً عَلَى إِقْرَارِهِ (183) .
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ مَا إِذَا كَانَ نَائِبُهُ حَاضِرًا فَيَقُومُ مَقَامَ الْغَائِبِ، وَالنَّائِبُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً كَوَكِيلِهِ وَوَصِيِّهِ وَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَأَحَدِ الْوَرَثَةِ فَيَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنِ الْبَاقِينَ وَكَذَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الدَّيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَصْكَفِيُّ (184) .
وَكَمَا يَصِحُّ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ فِي حُضُورِ نَائِبِهِ حَقِيقَةً يَصِحُّ فِي حُضُورِ نَائِبِهِ شَرْعًا كَوَصِيٍّ نَصَبَهُ الْقَاضِي، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ يَكُونَ مَا يَدَّعِي عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لِمَا يَدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ، كَمَا إِذَا بَرْهَنَ عَلَى ذِي الْيَدِ أَنَّهُ اشْتَرَى الدَّارَ مِنْ فُلاَنٍ الْغَائِبِ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَى ذِي الْيَدِ الْحَاضِرِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ أَيْضًا (185) .
وَصَرَّحُوا بِأَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي أُقِيمَتْ فِي مُوَاجَهَةِ وَكِيلِهِ إِذَا حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَجْلِسَ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الأَْمْرُ بِالْعَكْسِ (186) .
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ الْبَعِيدِ جِدًّا بَعْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَتَزْكِيَتِهَا، وَذَلِكَ بِيَمِينِ الْقَضَاءِ مِنَ الْمُدَّعِي، أَمَّا قَرِيبُ الْغَيْبَةِ فَكَالْحَاضِرِ عِنْدَهُمْ، قَال الدَّرْدِيرُ: وَقَرِيبُ الْغَيْبَةِ كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةِ مَعَ الأَْمْنِ حُكْمُهُ كَالْحَاضِرِ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةِ، وَالْغَائِبُ الْبَعِيدُ جِدًّا يُقْضَى عَلَيْهِ فِي كُل شَيْءٍ بَعْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَتَزْكِيَتِهَا بِيَمِينِ الْقَضَاءِ مِنَ الْمُدَّعِي، أَنَّ حَقَّهُ هَذَا ثَابِتٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ، وَلاَ وَكَّل الْغَائِبُ مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ، وَلاَ أَحَالَهُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ فِي الْكُل وَلاَ الْبَعْضِ (187) .
وَالْعَشَرَةُ الأَْيَّامُ مَعَ الأَْمْنِ وَالْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ كَذَلِكَ، أَيْ يُقْضَى عَلَيْهِ فِيهَا مَعَ يَمِينِ الْقَضَاءِ فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ، وَأَمَّا فِي دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ فَلاَ يُقْضَى بِهِ بَل تُؤَخَّرُ الدَّعْوَى حَتَّى يَقْدَمَ لِقُوَّةِ الْمُشَاحَّةِ فِي الْعَقَارِ، وَيَمِينُ الْقَضَاءِ وَاجِبَةٌ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ لاَ يَتِمُّ الْحُكْمُ إِلاَّ بِهَا (188) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزٌ إِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَادَّعَى جُحُودَهُ، فَإِنْ قَال: هُوَ - أَيِ الْغَائِبُ - مُقِرٌّ، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالأَْصَحُّ أَنَّهَا تُسْمَعُ لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يَعْلَمُ جُحُودَهُ فِي غَيْبَتِهِ وَيَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ حَقِّهِ فَتُجْعَل غَيْبَتُهُ كَسُكُوتِهِ، وَالثَّانِي لاَ تُسْمَعُ لأَِنَّ الْبَيِّنَةَ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْجُحُودِ.
وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ: أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَقِيل: يُسْتَحَبُّ، وَلَوِ ادَّعَى وَكِيلٌ عَلَى غَائِبٍ فَلاَ تَحْلِيفَ عَلَى الْوَكِيل بَل يَحْكُمُ بِالْبَيِّنَةِ وَيُعْطِي الْمَال الْمُدَّعَى بِهِ إِنْ كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُنَاكَ مَالٌ (189) .
ثُمَّ قَالُوا: الْغَائِبُ الَّذِي تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ بِمَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهِيَ الَّتِي لاَ يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرًا إِلَى مَوْضِعِهِ لَيْلاً، وَقِيل: مَسَافَةُ قَصْرٍ، وَأَمَّا مَنْ هُوَ بِمَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ فَكَحَاضِرٍ لاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِ وَلاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حُضُورِهِ إِلاَّ لِتَوَارِيهِ أَوْ تَعَزُّزِهِ، وَعَجَزَ الْقَاضِي عَنْ إِحْضَارِهِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حُضُورِهِ (190) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ مَنِ ادَّعَى حَقًّا عَلَى غَائِبٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَطَلَبَ مِنَ الْحَاكِمِ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ وَالْحُكْمَ بِهَا عَلَيْهِ، فَعَلَى الْحَاكِمِ إِجَابَتُهُ إِذَا كَمُلَتِ الشَّرَائِطُ وَذَلِكَ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ لِحَدِيثِ زَوْجَةِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، فَقَال: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ (191) ، فَقَضَى لَهَا وَلَمْ يَكُنْ أَبُو سُفْيَانَ حَاضِرًا (192) .
وَقَالُوا: إِنْ قَدِمَ الْغَائِبُ قَبْل الْحُكْمِ وُقِفَ الْحُكْمُ عَلَى حُضُورِهِ، فَإِنْ خَرَجَ الشُّهُودُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَلْزَمُ الْمُدَّعِيَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ بَيِّنَتِهِ الثَّابِتَةِ أَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ، وَالاِحْتِيَاطُ تَحْلِيفُهُ، وَإِذَا قَضَى عَلَى الْغَائِبِ بِعَيْنٍ سُلِّمَتْ إِلَى الْمُدَّعِي، وَإِنْ قَضَى عَلَيْهِ بِدَيْنٍ وَوُجِدَ لَهُ مَالٌ وَفَّى مِنْهُ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَل أَنْ لاَ يُدْفَعَ إِلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يُقِيمَ كَفِيلاً أَنَّهُ مَتَى حَضَرَ خَصْمُهُ وَأَبْطَل دَعْوَاهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَخَذَهُ (193)

ب - الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ:
74 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ فِي الْحُدُودِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قَوْل بَعْضِهِمْ بِجَوَازِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ.
وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ عَدَمَ جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ بِأَنَّهُمَا لاَ يَثْبُتَانِ إِلاَّ بِالإِْقْرَارِ أَوِ الشَّهَادَةِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِالإِْقْرَارِ خَارِجَ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَلاَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْغَائِبِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، حَتَّى إِنَّ الطَّرَفَيْنِ - أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدًا - اشْتَرَطَا حُضُورَ الشُّهُودِ فِي اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْحُدُودِ وَالْبِدَايَةِ مِنْهُمْ أَيْضًا كَحَدِّ الرَّجْمِ احْتِيَاطًا فِي دَرْءِ الْحَدِّ، فَإِذَا غَابَ الشُّهُودُ أَوْ غَابَ أَحَدُهُمْ سَقَطَ الْحَدُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ وَلأَِنَّ الشُّهُودَ إِذَا بَدَءُوا بِالرَّجْمِ رُبَّمَا اسْتَعْظَمُوا فِعْلَهُ فَحَمَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ فَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (194) .
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمُ الْقَضَاءَ عَلَى غَائِبٍ فِي قِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ لأَِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَأَشْبَهَ الْمَال، وَمَنَعُوهُ فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ تَعْزِيرٍ لَهُ؛ لأَِنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالدَّرْءِ؛ لاِسْتِغْنَائِهِ تَعَالَى، بِخِلاَفِ حَقِّ الآْدَمِيِّ (195) .
الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَهُمُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَسْعَى فِي دَفْعِهِ وَلاَ يُوَسَّعُ بَابُهُ، وَالْقَوْل الثَّالِثُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا كَالأَْمْوَال وَمَا اجْتَمَعَ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلآِدَمِيٍّ (196) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: لاَ يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لَكِنْ يُقْضَى فِي السَّرِقَةِ بِالْمَال فَقَطْ لأَِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ (197) .

سَادِسًا: الْحُكْمُ:
75 - الْحُكْمُ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْحَاكِمِ الْمُخَاصَمَةَ وَحَسْمِهِ إِيَّاهَا (198) . وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ: فَصْل الْخُصُومَةِ (199) ، وَفِي تَعْرِيفٍ آخَرَ: الإِْعْلاَمُ عَلَى وَجْهِ الإِْلْزَامِ (200) .
وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: إِنْشَاءٌ لِلإِْلْزَامِ الشَّرْعِيِّ وَفَصْل الْخُصُومَاتِ (201) .

اشْتِرَاطُ سَبْقِ الدَّعْوَى لِلْحُكْمِ:
76 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ أَنْ تَتَقَدَّمَهُ دَعْوَى صَحِيحَةٌ خَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ النَّاسِ (202) ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْحُكْمَ الْقَوْلِيَّ يَحْتَاجُ إِلَى الدَّعْوَى، وَالْحُكْمَ الْفِعْلِيَّ لاَ يَحْتَاجُ، وَقِيل: إِنَّ الْفِعْلِيَّ لاَ يَكُونُ حُكْمًا، بِدَلِيل ثُبُوتِ خِيَارِ الْبُلُوغِ لِلصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ بِتَزْوِيجِ الْقَاضِي عَلَى الأَْصَحِّ.
وَلاَ تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةُ فِي الْقَضَاءِ الضِّمْنِيِّ، فَإِذَا شَهِدَا عَلَى خَصْمٍ بِحَقٍّ وَذَكَرَا اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَقَضَى بِذَلِكَ الْحَقِّ كَانَ قَضَاءً بِنَسَبِهِ ضِمْنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَادِثَةِ النَّسَبِ (203) .

سِيرَةُ الْقَاضِي فِي الأَْحْكَامِ:
77 - يَلْزَمُ الْقَاضِيَ أَنْ لاَ يَحْكُمَ فِي الْقَضِيَّةِ حَتَّى لاَ يَبْقَى لَهُ شَكٌّ فِي فَهْمِهِ لِمَوْضُوعِهَا، فَإِذَا أَشْكَل عَلَيْهِ أَمْرٌ تَرَكَهُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِصُلْحٍ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ فَلاَ يَعْدِل إِلَى الصُّلْحِ وَيَقْضِي بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِهِ، فَإِنْ خَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الأَْمْرِ بِإِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ أَوْ كَانَا مِنْ أَهْل الْفَضْل أَوْ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ، أَقَامَهُمَا وَأَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ، قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: رُدُّوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الأَْرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْل الْقَضَاءِ يُوَرِّثُ الضَّغَائِنَ (204) .

اسْتِشَارَةُ الْفُقَهَاءِ:
78 - يَرَى الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ عِنْدَ اخْتِلاَفِ وُجُوهُ النَّظَرِ وَتَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ فِي حُكْمٍ، يُنْدَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يُشَاوِرَ الْفُقَهَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ} (205) ، قَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَغْنِيًا عَنْهَا، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَصِيرَ سُنَّةً لِلْحُكَّامِ، وَرُوِيَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لأَِصْحَابِهِ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ (206) ، وَقَدْ شَاوَرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ النَّاسَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، وَشَاوَرَ عُمَرُ ﵁ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، وَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ ﵃ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَكُونُ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵃، إِذَا نَزَل بِهِ الأَْمْرُ شَاوَرَهُمْ فِيهِ، وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ لاَ مُخَالِفَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ مَعْلُومًا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ لَمْ يَحْتَجِ الْقَاضِي إِلَى رَأْيِ غَيْرِهِ.
قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا أَشْكَل الْحُكْمُ فَالْمُشَاوَرَةُ وَاجِبَةٌ وَإِلاَّ فَمُسْتَحَبَّةٌ.
وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَاوِرَهُمْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَذْهَبُ بِمَهَابَةِ الْمَجْلِسِ وَالنَّاسُ يَتَّهِمُونَهُ بِالْجَهْل، وَلَكِنْ يُقِيمُ النَّاسَ عَنِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ يُشَاوِرُهُمْ، وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي يَدْخُلُهُ حَصْرٌ بِإِجْلاَسِهِمْ عِنْدَهُ وَيُعْجِزُهُ الْكَلاَمُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَلاَ يُجْلِسُهُمْ، بَل يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ وَيَسْأَلُهُمْ إِذَا أَشْكَل عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ (207) .
وَالأَْمْرُ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْمُشَاوَرَةِ فِيهِ هُوَ النَّوَازِل الْحَادِثَةُ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا قَوْلٌ لِمَتْبُوعٍ، أَوْ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ مَسَائِل الاِجْتِهَادِ، لِيَتَنَبَّهَ بِمُذَاكَرَتِهِمْ وَمُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ، حَتَّى يَسْتَوْضِحَ بِهِمْ طَرِيقَ الاِجْتِهَادِ، فَيَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ دُونَ اجْتِهَادِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُشَاوِرْ وَحَكَمَ نَفَذَ حُكْمُهُ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ.
وَيُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُشَاوِرُهُ الْقَاضِي: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالآْثَارِ وَأَقَاوِيل النَّاسِ وَالْقِيَاسِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ.
وَعَلَى هَذَا فَكُل مَنْ صَحَّ أَنْ يُفْتِيَ فِي الشَّرْعِ جَازَ أَنْ يُشَاوِرَهُ الْقَاضِي فِي الأَْحْكَامِ، فَتُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الْمُفْتِي وَلاَ تُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الْقَاضِي (208) .
وَلِمَعْرِفَةِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْمُفْتِي يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (فَتْوَى ف 11 - 20) .

صِيغَةُ الْحُكْمِ:
79 - لاَ يَشْتَرِطُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَلْفَاظًا مَخْصُوصَةً وَصِيَغًا مُعَيَّنَةً لِلْحُكْمِ بَل كُل مَا دَل عَلَى الإِْلْزَامِ فَهُوَ حُكْمٌ، كَقَوْلِهِ: مَلَّكْتُ الْمُدَّعِيَ الدَّارَ الْمَحْدُودَةَ، أَوْ فَسَخْتُ هَذَا الْعَقْدَ، أَوْ أَبْطَلْتُهُ أَوْ رَدَدْتُهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأَْلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ بَعْدَ حُصُول مَا يَجِبُ فِي شَأْنِ الْحُكْمِ مِنْ تَقَدُّمِ دَعْوَى صَحِيحَةٍ (209) .
وَذَهَبَ شَمْسُ الإِْسْلاَمِ مَحْمُودٌ الأُْوزْجَنْدِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَقُول الْقَاضِي: قَضَيْتُ أَوْ حَكَمْتُ أَوْ أَنْفَذْتُ عَلَيْكَ الْقَضَاءَ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ مَا يَقُول بِهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَأَنَّ قَوْل الْقَاضِي: حَكَمْتُ أَوْ قَضَيْتُ، لَيْسَ بِشَرْطٍ (210) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ صِيغَةَ الْحُكْمِ الصَّحِيحِ: حَكَمْتُ أَوْ قَضَيْتُ بِكَذَا، أَوْ أَنْفَذْتُ الْحُكْمَ بِهِ، أَوْ أَلْزَمْتُ الْخَصْمَ بِهِ (211) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا قَال الْقَاضِي:
ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا كَذَا وَكَذَا، هَل يَكُونُ حُكْمًا؟ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُعَدُّ حُكْمًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِإِلْزَامٍ، وَالْحُكْمُ إِلْزَامٌ.
وَذَهَبَ أَبُو عَاصِمٍ الْعَامِرِيُّ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الأَْئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَاخْتِيَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَفِي الْخَانِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَال: ثَبَتَ عِنْدِي، يَكْفِي، وَكَذَا: ظَهَرَ عِنْدِي، أَوْ: صَحَّ عِنْدِي، أَوْ قَال: عَلِمْتُ، فَهَذَا كُلُّهُ حُكْمٌ (212) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا سُئِل الْقَاضِي عَنْ حُكْمٍ فَأَفْتَى بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَوْ لاَ يَصِحُّ فَلاَ يَكُونُ إِفْتَاؤُهُ حُكْمًا يَرْفَعُ الْخِلاَفَ؛ لأَِنَّ الإِْفْتَاءَ إِخْبَارٌ بِالْحُكْمِ لاَ إِلْزَامٌ، أَمَّا إِذَا حَكَمَ بِفَسْخٍ أَوْ إِمْضَاءٍ فَيَكُونُ حُكْمًا (213) .

سِجِل الْحُكْمِ:
80 - إِذَا انْتَهَى الْقَاضِي مِنْ نَظَرِ الدَّعْوَى وَأَصْدَرَ حُكْمَهُ، فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ حُكْمَهُ فِي سِجِلٍّ مِنْ نُسْخَتَيْنِ يُبَيِّنُ فِيهِ مَا وَقَعَ بَيْنَ ذِي الْحَقِّ وَخَصْمِهِ، وَمُسْتَنَدَ الدَّعْوَى مِنَ الأَْدِلَّةِ وَمَا حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي فِيهَا، وَتُسَلَّمُ إِحْدَى النُّسَخِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ وَالأُْخْرَى تُحْفَظُ بِدِيوَانِ الْحُكْمِ مَخْتُومَةً مَكْتُوبًا عَلَيْهَا اسْمُ كُلٍّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، وَذَلِكَ دُونَ طَلَبٍ (214) ، فَإِنْ طَلَبَ الْخَصْمُ أَنْ يُسَجَّل لَهُ الْحُكْمُ، فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إِجَابَتُهُ (215) ، وَتَفْصِيل أَحْكَامِ السِّجِل وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (سِجِلّ ف 8 وَمَا بَعْدَهَا) .

أَنْوَاعُ الْحُكْمِ:
81 - يَتَحَقَّقُ الْحُكْمُ إِمَّا بِقَوْلٍ يَصْدُرُ عَنِ الْقَاضِي بَعْدَ نَظَرِ الدَّعْوَى كَقَوْلِهِ: أَلْزَمْتُ أَوْ قَضَيْتُ بِكَذَا، وَإِمَّا بِفِعْلٍ يَصْدُرُ مِنْهُ كَتَزْوِيجِ الْيَتِيمَةِ الصَّغِيرَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِأَنَّ فِعْل الْقَاضِي حُكْمٌ، إِذْ يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ أَفْعَال الْقَاضِي مِنْ قَبِيل أَعْمَال التَّوْثِيقِ لأَِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ سَبْقُ دَعْوَى.
وَإِذَا أَصْدَرَ الْقَاضِي حُكْمَهُ فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ فِي الْعَيْنِ مَوْضُوعِ النِّزَاعِ أَوْ يَحْكُمَ بِالْمُوجِبِ، وَقَدْ يَكُونُ قَضَاؤُهُ بِالاِسْتِحْقَاقِ أَوْ بِالتَّرْكِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ قَصْدِيًّا أَوْ تَضَمُّنِيًّا، وَتَفْصِيل هَذِهِ الأَْنْوَاعِ فِيمَا يَلِي: أ - الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَبِالْمُوجِبِ:
82 - عَرَّفَ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ الشَّافِعِيُّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ بِأَنَّهُ: عِبَارَةٌ عَنْ قَضَاءِ مَنْ لَهُ ذَلِكَ فِي أَمْرٍ قَابِلٍ لِقَضَائِهِ ثَبَتَ عِنْدَهُ وُجُودُهُ بِشَرَائِطِهِ الْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا، أَنَّ ذَلِكَ الأَْمْرَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ عَلَى وَجْهِهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا، وَمَعْنَى صِحَّتِهِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ تَتَرَتَّبُ آثَارُهُ عَلَيْهِ.
وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ يَسْتَدْعِي ثَلاَثَةَ أَشْيَاءَ: أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ، وَصِحَّةَ صِيغَتِهِ، وَكَوْنَ تَصَرُّفِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَلِذَلِكَ اشْتُرِطَ فِيهِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ.
وَعَرَّفَ الْبُلْقِينِيُّ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ بِأَنَّهُ قَضَاءُ الْمُتَوَلِّي بِأَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالإِْلْزَامِ، بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الأَْمْرِ خَاصًّا أَوْ عَامًّا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا.
وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ يَسْتَدْعِي شَيْئَيْنِ: أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ، وَصِحَّةَ صِيغَتِهِ، فَيَحْكُمُ بِمُوجِبِهِمَا (216) .
وَتُوجَدُ فُرُوقٌ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهَا: أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُنْصَبٌّ إِلَى نَفَاذِ الْعَقْدِ الصَّادِرِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ وَقْفٍ وَنَحْوِهِمَا، وَالْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ مُنْصَبٌّ إِلَى ثُبُوتِ صُدُورِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْحُكْمَ عَلَى مَنْ صَدَرَ مِنْهُ بِمُوجِبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ، وَلاَ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ أَنَّهُ مَالِكٌ مَثَلاً إِلَى حِينِ الْبَيْعِ أَوِ الْوَقْفِ وَلاَ بَقِيَّةِ مَا ذُكِرَ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَقَدْ تَوَسَّعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - مَعَ اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ - فِي تَعْدَادِ تِلْكَ الْفُرُوقِ وَإِيرَادِ الأَْمْثِلَةِ عَلَيْهَا، وَلِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى مَصَادِرِهِمْ (217) .
وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (218) ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى لِوُجُودِ الإِْلْزَامِ فِيهِ وَتَضَمُّنِهِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ، وَقَدْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ، مِثَال ذَلِكَ: إِذَا شَهِدَتْ عِنْدَهُ الشُّهُودُ بِأَنَّ هَذَا وَقْفٌ وَذَكَرُوا الْمَصْرِفَ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ، فَحَكَمَ الْقَاضِي بِمُوجِبِ شَهَادَتِهِمْ، كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِالْمُوجِبِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الشُّرُوطَ الْمَطْلُوبَةَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ (219) ، وَيَرَى ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُوجِبِ الَّذِي لاَ يَصِحُّ بِهِ الْحُكْمُ هُوَ مَا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ فَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ مُقْتَضَاهُ خُرُوجُ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَدُخُولُهُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَاسْتِحْقَاقُ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ فِي كُلٍّ مِنَ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ مُوجِبَاتِهِ لَكِنَّهَا مُقْتَضَيَاتٌ لاَزِمَةٌ لَهُ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِهِ حُكْمًا بِهَا بِخِلاَفِ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِيهِ لِلْخَلِيطِ أَوْ لِلْجَارِ مَثَلاً، فَإِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَقْتَضِي ذَلِكَ أَيْ لاَ يَسْتَلْزِمُهُ، فَكَمْ مِنْ بَيْعٍ لاَ تُطْلَبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، فَهَذَا يُسَمَّى مُوجِبَ الْبَيْعِ، وَلاَ يُسَمَّى مُقْتَضًى (220) .
وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ أَنْوَاعٌ سِتَّةٌ:
الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ مَثَلاً، وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِهِ، وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِ مَا أَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْحُكْمُ بِثُبُوتِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَأَدْنَى هَذِهِ الأَْنْوَاعِ الأَْخِيرُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ حُكْمًا بِتَعْدِيل الْبَيِّنَةِ، وَفَائِدَتُهُ عَدَمُ احْتِيَاجِ حَاكِمٍ آخَرَ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا، وَأَعْلاَهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالْمُوجِبِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنَ الآْخَرِ، بَل يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الأَْشْيَاءِ، فَفِي شَيْءٍ مِنْهَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَعْلَى مِنَ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ. وَفِي شَيْءٍ يَكُونُ الأَْمْرُ بِالْعَكْسِ، وَفِي الْغَالِبِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ وَعَكْسِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ دَائِمًا فَقَدْ يَتَجَرَّدُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الآْخَرِ، مِثَال تَجَرُّدِ الصِّحَّةِ: الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَثَرُهُ، فَيُحْكَمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ وَلاَ يُحْكَمُ فِيهِ بِالْمُوجِبِ.
وَمِثَال تَجَرُّدِ الْمُوجِبِ: الْخُلْعُ عَلَى نَحْوِ خَمْرٍ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ مِنَ الْبَيْنُونَةِ وَلُزُومِ مَهْرِ الْمِثْل فَيُحْكَمُ فِيهِ بِالْمُوجِبِ دُونَ الصِّحَّةِ، وَكَذَا الرِّبَا وَالسَّرِقَةُ وَنَحْوُهُمَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْمُوجِبِ دُونَ الصِّحَّةِ (221) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ قَطْعًا، وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - حُكْمٌ بِمُوجَبِ الدَّعْوَى الثَّابِتَةِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَالإِْقْرَارِ، فَالدَّعْوَى الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ نَحْوِ بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْمُوجَبِ حُكْمٌ بِالصِّحَّةِ لأَِنَّهَا مِنْ مُوجِبِهِ كَسَائِرِ آثَارِهِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ حِينَئِذٍ أَقْوَى مُطْلَقًا لِسَعَتِهِ وَتَنَاوُلِهِ الصِّحَّةَ وَآثَارَهَا، وَالدَّعْوَى غَيْرُ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى ذَلِكَ - أَيْ مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُدَّعَى بِهِ كَأَنِ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ الْعَيْنَ فَقَطْ - يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْمُوجِبِ لَيْسَ حُكْمًا بِالصِّحَّةِ إِذْ مُوجِبُ الدَّعْوَى حِينَئِذٍ حُصُول صُورَةِ بَيْعٍ بَيْنَهُمَا دُونَ أَنْ تَشْتَمِل عَلَى مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْبَيْعِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْعَيْنَ كَانَتْ مِلْكًا لِلْبَائِعِ وَلَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَصِحَّةُ الْعَقْدِ تَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ (222) .

ب - قَضَاءُ الاِسْتِحْقَاقِ وَالتَّرْكِ:
83 - الْمُدَّعِي إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ أَوْ مُبْطِلاً، فَإِذَا ظَهَرَ مُحِقًّا يُقْضَى لَهُ بِقَضَاءِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَإِذَا ظَهَرَ مُبْطِلاً يُقْضَى بِقَضَاءِ التَّرْكِ.
فَالأَْوَّل: هُوَ إِلْزَامُ الْقَاضِي الْمَحْكُومِ بِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِكَلاَمٍ، كَقَوْلِهِ: حَكَمْتُ أَوْ أَلْزَمْتُ فَأَعْطِ الَّذِي ادَّعَى بِهِ عَلَيْكَ لِهَذَا الْمُدَّعِي أَوْ سَلِّمْهُ أَوِ ادْفَعِ الدَّيْنَ الَّذِي ادَّعَى بِهِ عَلَيْكَ.
وَيُقَال لِهَذَا الْقَضَاءِ: قَضَاءَ إِلْزَامٍ وَقَضَاءَ اسْتِحْقَاقٍ وَقَضَاءَ مِلْكٍ، وَهُوَ يَكُونُ فِي حَالَةِ ظُهُورِ حَقِّ الْمُدَّعَى عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
الثَّانِي: هُوَ مَنْعُ الْقَاضِي الْمُدَّعِي عَنِ الْمُنَازَعَةِ بِكَلاَمٍ، كَقَوْلِهِ: لَيْسَ لَكَ حَقٌّ، وَأَنْتَ مَمْنُوعٌ عَنِ الْمُنَازَعَةِ مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيُقَال لِهَذَا الْقَضَاءِ: قَضَاءَ التَّرْكِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَضَاءِ الاِسْتِحْقَاقِ وَقَضَاءِ التَّرْكِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الأَْوَّل: أَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ الاِسْتِحْقَاقِ فِي حَادِثَةٍ لاَ يَكُونُ مَقْضِيًّا لَهُ أَبَدًا فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ.
أَمَّا الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ التَّرْكِ فِي حَادِثَةٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُقْضَى لَهُ إِذَا أَثْبَتَ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ، مِثَالُهُ: إِذَا ادَّعَى أَحَدٌ الْمَال الَّذِي فِي يَدِ آخَرَ قَائِلاً: إِنَّهُ مَالِي، وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحَلَفَ الْيَمِينَ بِالطَّلَبِ، حُكِمَ عَلَى الْمُدَّعِي بِقَضَاءِ التَّرْكِ، فَإِذَا أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ يُحْكَمُ لَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: إِذَا ادَّعَى شَخْصٌ ثَالِثٌ بِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ هُوَ مَالُهُ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ فِي قَضَاءِ التَّرْكِ، وَلاَ تُسْمَعُ فِي قَضَاءِ الاِسْتِحْقَاقِ مَا لَمْ يَدَّعِ تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ جِهَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ فَحِينَئِذٍ تُسْمَعُ (223) .

ج - الْقَضَاءُ الْقَوْلِيُّ وَالْقَضَاءُ الْفِعْلِيُّ:
84 - مَا يُصْدِرُهُ الْقَاضِي فِي حُدُودِ وِلاَيَتِهِ وَضِمْنِ اخْتِصَاصِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلِيًّا بِأَلْفَاظٍ تَدُل عَلَى الإِْلْزَامِ، كَأَلْزَمْتُ وَقَضَيْتُ أَوْ ثَبَتَ عِنْدِي - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِأَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ - أَوْ تَدُل عَلَى التَّرْكِ، كَمَنَعْتُ الْمُدَّعِيَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ الْقَوْلِيُّ قَصْدِيًّا، وَيَدْخُل الضِّمْنِيُّ تَبَعًا كَمَنْ يَدَّعِي عَلَى كَفِيلٍ بِالْمَال مُقِرٍّ بِالْكَفَالَةِ مُنْكِرٍ لِلدَّيْنِ، فَبَرْهَنَ عَلَى الْكَفِيل بِالدَّيْنِ وَقَضَى عَلَيْهِ بِهَا، كَانَ قَضَاءً عَلَيْهِ قَصْدًا، وَعَلَى الأَْصِيل الْغَائِبِ ضِمْنًا، وَيُشْتَرَطُ لِلْقَوْلِيِّ سَبْقُ الدَّعْوَى.
أَوْ يَكُونُ فِعْلاً: وَفِعْل الْقَاضِي عَلَى وَجْهَيْنِ: أَوَّلاً: مَا لاَ يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْحُكْمِ كَمَا لَوْ أَذِنَتْهُ مُكَلَّفَةٌ بِتَزْوِيجِهَا فَزَوَّجَهَا، فَفِعْلُهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ لأَِنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهَا.
ثَانِيًا: مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْحُكْمِ كَتَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ لاَ وَلِيَّ لَهَا، فَعِنْدَ الْبَعْضِ أَنَّهُ حُكْمٌ، وَقَال آخَرُونَ: الأَْوْجَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ لاِنْتِفَاءِ شَرْطِهِ أَيْ مِنَ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ سَبْقُ الدَّعْوَى فِي الْحُكْمِ الْفِعْلِيِّ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ (224) .

أَثَرُ الْحُكْمِ فِي تَحْوِيل الشَّيْءِ عَنْ صِفَتِهِ:
85 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي الْمُسْتَوْفِيَ لِشُرُوطِهِ، لاَ يُزِيل الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ، فَلاَ يُحِل الْحَرَامَ لِلْمَحْكُومِ لَهُ إِذَا كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ وَلاَ يُحَرِّمُ الْحَلاَل؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ، فَلَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ظَاهِرُهُمَا الْعَدَالَةُ لَمْ يَحْصُل بِحُكْمِهِ الْحِل بَاطِنًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالاً أَمْ غَيْرَهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ (225) ، فَإِذَا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ نِكَاحًا لَمْ يَحِل لِلْمَحْكُومِ لَهُ الاِسْتِمْتَاعُ بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَيْهَا الاِمْتِنَاعُ مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ أُكْرِهَتْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهَا، وَالإِْثْمُ عَلَيْهِ (226) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ، فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ مَبْنِيًّا عَلَى شَهَادَةِ زُورٍ فَهُوَ مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلنَّفَاذِ فِي الْعُقُودِ وَفِي الْفُسُوخِ كَالإِْقَالَةِ وَالطَّلاَقِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي عَالِمًا بِكَوْنِ الشُّهُودِ شُهُودَ زُورٍ، لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ: " شَاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ (227)
أَمَّا فِي الأُْمُورِ غَيْرِ الْقَابِلَةِ لِلإِْنْشَاءِ بِسَبَبٍ كَالأَْمْلاَكِ الْمُرْسَلَةِ أَيِ الْمُطْلَقَةِ عَنْ ذِكْرِ سَبَبِ الْمِلْكِ وَالإِْرْثِ وَالنَّسَبِ فَلاَ تَنْفُذُ بَاطِنًا، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُكْمَ لاَ يَنْفُذُ بَاطِنًا فِي دَعَاوَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ بِأَقَل مِنَ الْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ إِذَا كَانَ مَبْنَى الْحُكْمِ شَهَادَةَ زُورٍ، وَكَذَلِكَ لاَ يَنْفُذُ عِنْدَهُ بَاطِنًا إِذَا كَانَ الْمَحَل غَيْرَ قَابِلٍ لِلنَّفَاذِ كَمَا إِذَا ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فِي عِصْمَةِ آخَرَ أَوْ عِدَّتِهِ، وَأَثْبَتَ ذَلِكَ بِشُهُودِ زُورٍ (228) .

أَثَرُ الْحُكْمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ:
86 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ - إِلاَّ فِي مَسَائِل اسْتَثْنَوْهَا - إِلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَأَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيَرْفَعُ الْخِلاَفَ فَيَصِيرُ الْمَقْضِيُّ بِهِ هُوَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَذَلِكَ مِثْل قَضَاءِ الْقَاضِي بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ إِذَا كَانَ مَذْهَبُ الْمَقْضِيِّ لَهُ لاَ يُجِيزُهَا، فَيَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَيَحِل لِلأَْخِيرِ الأَْخْذُ بِهَذِهِ الشُّفْعَةِ، وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الإِْسْفَرَايِينِيُّ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ فِي الْبَاطِنِ، وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ لَهُ عَالِمًا بِالدَّلِيل لَمْ يَنْفُذِ الْقَضَاءُ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا وَلاَ يَحِل لَهُ أَخْذُهُ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ، وَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا نَفَذَ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا وَكَانَ لَهُ الأَْخْذُ بِهَا (229) .

نَقْضُ الْحُكْمِ:
87 - إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَةٍ بِاجْتِهَادِهِ لِخُلُوِّهَا عَنْ نَصٍّ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَى حُكْمِهَا، لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ يُقَارِبُ ظَنَّهُ الأَْوَّل وَيُنَاقِضُهُ، وَإِنَّمَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ الْوَاقِعُ عَلَى خِلاَفِ نَصِّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَوِ الإِْجْمَاعِ، أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَتَفْصِيل مَا يَنْقُضُ فِيهِ الْقَاضِي حُكْمَ نَفْسِهِ أَوْ حُكْمَ غَيْرِهِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (نَقْض) (230) .
__________
(1) سورة فصلت / 12.
(2) سورة طه / 72.
(3) سورة الإسراء / 23.
(4) سورة النساء / 103.
(5) سورة الحجر / 66.
(6) سورة الإسراء / 4.
(7) سورة سبأ / 14.
(8) لسان العرب، والمصباح المنير.
(9) القواعد الفقهية للبركتي ص 331، وانظر في تعريف القضاء والقدر حاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 335.
(10) ابن عابدين 5 / 352، والفتاوى الهندية 3 / 211.
(11) الشرح الصغير 4 / 186، وتبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 12.
(12) مغني المحتاج 4 / 372، وحاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 334.
(13) شرح منتهى الإرادات 3 / 459، وكشاف القناع 6 / 285.
(14) ابن عابدين 3 / 138.
(15) لسان العرب.
(16) شرح منتهى الإرادات 3 / 456، وكشاف القناع 6 / 299.
(17) ابن عابدين 5 / 428.
(18) الأحكام السلطانية للماوردي ص 232، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 268.
(19) الأحكام السلطانية لأبي يعلى 269، والأحكام السلطانية للماوردي ص 232.
(20) لسان العرب.
(21) الأحكام السلطانية للماوردي ص 233، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 58، وتبصرة الحكام 1 / 12.
(22) سورة ص / 26.
(23) سورة المائدة / 49.
(24) حديث: " إذا حكم الحاكم فاجتهد. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 318) ومسلم (3 / 1343) من حديث عمرو بن العاص.
(25) حديث: " أن النبي ﷺ بعث عليًا إلى اليمن قاضيًا " أخرجه أبو داود (4 / 11) .
(26) حديث: " أن النبي ﷺ بعث معاذًا قاضيًا. . " أخرجه الترمذي (3 / 607) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل.
(27) سورة النساء / 135.
(28) شرح أدب القاضي للصدر الشهيد 1 / 134، فتح القدير 5 / 459، الفتاوى الهندية 3 / 310، بدائع الصنائع للكاساني 7 / 3 - 4، أدب القضاء لابن أبي الدم الحموي ص 82، 83، حاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 335 - 336، مغني المحتاج 4 / 373، حاشية الدسوقي 4 / 130 - 131، تبصرة الحكام 1 / 12، المغني لابن قدامة 9 / 34 - 37، كشاف القناع 6 / 286 - 288.
(29) ابن عابدين 5 / 367.
(30) كشاف القناع 6 / 286، 288، وأدب القاضي للماوردي 1 / 137، وابن أبي الدم ص 89، وتبصرة الحكام 1 / 21، وروضة القضاة 1 / 73، والمغني لابن قدامة 9 / 38.
(31) معين الحكام ص 7، تبصرة الحكام 1 / 13، ومغني المحتاج 4 / 372، ومجموع الفتاوى لابن تيمية 35 / 355.
(32) حديث: " من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 605) وأعله المناوي في فيض القدير (6 / 21) بجهالة راوٍ في إسناده وضعف آخر.
(33) سورة يوسف / 55.
(34) كشاف القناع 6 / 288، والمغني 9 / 36 ط. الثالثة للمنار. وابن عابدين 5 / 366، ومغني المحتاج 4 / 373، 374، والروضة 11 / 93، وحاشية الدسوقي 4 / 130، 131، وتبصرة الحكام 1 / 16، 17.
(35) المراجع السابقة، وأدب القاضي للماوردي 1 / 151، 152.
(36) ابن عابدين 5 / 386، وروضة القضاة 1 / 84، ومغني المحتاج 4 / 372، 373، والجمل على المنهج 5 / 336، وحاشية الدسوقي 4 / 130، 131، وتبصرة الحكام 1 / 12، والكافي لابن قدامة 3 / 431 من منشورات المكتب الإسلامي بدمشق، ومنار السبيل 2 / 453 - المكتب الإسلامي.
(37) المراجع السابقة.
(38) حديث أن عثمان أراد تولية ابن عمر القضاء. . أخرجه الترمذي (3 / 603) وقال: " حديث غريب، وليس إسناده عندي بمتصل ". والرواية ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 193) وعزاها لأحمد، والذي في المسند (1 / 66) : " فأعفاه وقال لا تخبر بها أحدا ".
(39) المغني 9 / 36.
(40) سورة ص / 26.
(41) سورة المائدة / 49.
(42) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 9) ومسلم (3 / 1515 - 1516) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.
(43) حديث: " لا حسد إلا في اثنتين. . " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 165) ، ومسلم (1 / 559) من حديث ابن مسعود.
(44) حديث: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور. . . " أخرجه مسلم (3 / 1458) .
(45) سورة المائدة / 42.
(46) حديث: " إذا حكم الحاكم فاجتهد. . ". تقدم فقرة 7.
(47) كشاف القناع 6 / 286، وتبصرة الحكام 1 / 13، 14، وأدب القضاء لابن أبي أدم ص 57، ومعين الحكام 7، 8.
(48) حديث: " إن الله مع القاضي ما لم يجر. . . " أخرجه الترمذي (3 / 609) من حديث عبد الله بن أبي أوفى وقال: حديث حسن غريب.
(49) حديث: " من ولي القضاء أو جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين ". أخرجه الترمذي (3 / 605) من حديث أبي هريرة، وقال: " حديث حسن غريب ".
(50) حديث: " القضاة ثلاثة. . " أخرجه الترمذي (3 / 604) والحاكم (904) من حديث بريدة، واللفظ للترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(51) سورة الجن / 15.
(52) معين الحكام ص 8، المغني 9 / 35، ومغني المحتاج 4 / 372، وتبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 13، 14.
(53) كتاب أدب القضاء لابن أبي الدم الحموي ص 62.
(54) حاشية ابن عابدين 5 / 354، تبصرة الحكام 1 / 3، كشاف القناع 6 / 285، أسنى المطالب 4 / 277.
(55) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 7، وابن عابدين 5 / 354، ومغني المحتاج 4 / 375، وكشاف القناع 6 / 285.
(56) بدائع الصنائع للكاساني 7 / 3، وابن عابدين 5 / 354.
(57) بدائع الصنائع للكاساني 7 / 3.
(58) حديث: " لما بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن. . . " سبق تخريجه ف 7.
(59) سورة ص / 26.
(60) شرح أدب القاضي للصدر الشهيد 1 / 126.
(61) بدائع الصنائع 7 / 3، وابن عابدين 5 / 355.
(62) الدسوقي 4 / 129، الشرح الصغير 4 / 187.
(63) الشرح الصغير للدردير 4 / 191، وبداية المجتهد 2 / 450، وتبصرة الحكام 1 / 23 - 24، وحاشية الدسوقي 4 / 130.
(64) أدب القضاء لابن أبي الدم الحموي ص 70، ومغني المحتاج 4 / 375.
(65) أدب القاضي للحموي ص 71، ومغني المحتاج 4 / 377.
(66) أدب القضاء للحموي ص 80، شرح منتهى الإرادات 3 / 464، المغني 9 / 39، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 44، كشاف القناع 6 / 296.
(67) فتح القدير 5 / 457، وابن عابدين 5 / 356، وروضة القضاة 1 / 52 - 59، وشرح أدب القاضي لابن مازة 1 / 129، وكفاية الطالب الرباني 4 / 112، وأدب القاضي للماوردي 1 / 144، وأدب القضاة لابن أبي الدم ص 84 - 85، وكشاف القناع 6 / 286 - 288، والإنصاف 11 / 158.
(68) حديث: " لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة " أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 53) من حديث أبي بكرة.
(69) سورة البقرة / 282.
(70) المغني 9 / 39، وأدب القاضي للماوردي 1 / 625 - 628، والقوانين الفقهية لابن جزي ص 195، وروضة القضاة للسمناني 1 / 53، وفتح القدير 5 / 485.
(71) مغني المحتاج 4 / 377.
(72) سورة الحجرات / 6.
(73) المغني 9 / 40، أدب القاضي للماوردي 1 / 634، والروضة 11 / 97، وابن عابدين 5 / 355، 356، وفتح القدير 5 / 455، وأدب القاضي للصدر الشهيد 1 / 129، وتبصرة الحكام 1 / 24، والشرح الصغير 4 / 187.
(74) سورة النساء / 141.
(75) ابن عابدين 5 / 355، 428، أدب القاضي للماوردي 1 / 661 - 663، الشرح الصغير 4 / 187، وشرح منتهى الإرادات 3 / 464، ومغني المحتاج 4 / 375.
(76) فتح القدير 5 / 461، وابن عابدين 5 / 369، وروضة القضاة 1 / 61، وتبصرة الحكام 1 / 21، وأدب القاضي للماوردي 1 / 139 - 141 ط. بغداد 1971 م، والمغني 9 / 106، وكشاف القناع 6 / 288
(77) حديث: " إن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. " أخرجه النسائي (8 / 58 - 59) ونقل ابن حجر في التلخيص (4 / 17 - 18) تصحيحه عن جماعة من العلماء.
(78) كشاف القناع 6 / 286، 288، وأدب القاضي للماوردي 1 / 137، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص 89، تبصرة الحكام 1 / 21، وروضة القضاة 1 / 73، والمغني لابن قدامة 9 / 38.
(79) فتح القدير 5 / 461، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين 5 / 368، وكشاف القناع 6 / 288.
(80) تبصرة الحكام 1 / 21.
(81) قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام 1 / 73 - دار الكتب العلمية بيروت.
(82)
(83) معين الحكام ص 14، وتبصرة الحكام 1 / 21، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص 91، وكشاف القناع 6 / 289.
(84) الأحكام السلطانية للماوردي ص 65، 66، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص 92، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 48، وتبصرة الحكام 1 / 22.
(85) أدب القاضي للماوردي 1 / 179، وشرح منتهى الإرادات 3 / 462، والمغني 9 / 105.
(86) الأحكام السلطانية للماوردي ص 67 - 69.
(87) الأحكام السلطانية للماوردي ص 67 - 69، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 49 - 52، وابن عابدين 5 / 419، والقوانين الفقهية لابن جزي ص 194.
(88) الأحكام السلطانية للماوردي ص 70، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 54.
(89) ابن عابدين 5 / 407، والمادة 1810 من مجلة الأحكام العدلية.
(90) تبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 22، 23، 57، 58.
(91) أدب القضاء لابن أبي الدم ص 96، 97، وأدب القاضي للماوردي 1 / 187. والأحكام السلطانية للماوردي ص 65.
(92) سورة ص / 26.
(93) كشاف القناع 6 / 292، 293، وشرح منتهى الإرادات 3 / 463، والمغني 9 / 106.
(94) روضة القضاة 1 / 75، 81، المادة (1802) من المجلة، الفتاوى الهندية 3 / 218.
(95) الدسوقي 4 / 134.
(96) مغني المحتاج 4 / 380.
(97) المغني 9 / 105، 106، وكشاف القناع 6 / 292.
(98) أدب القاضي للماوردي 2 / 396، وتبصرة الحكام 1 / 77، ومعين الحكام ص 36.
(99) قول عمر بن عبد العزيز: " لا ينبغي للرجل. . . " أخرجه البيهقي (10 / 117) .
(100) تختلف المصادر التي نقلت كتاب عمر بن الخطاب في بعض ألفاظه لكن المعالي غير متفاوتة، ويسمى هذا الكتاب سياسة القضاء، وقد شرحه ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين شرحًا وافيًا مستفيضًا.
(101) العماء من معانيه السحاب، والضلال، والتباس الأمر، قال الكسائي: هو في عماية شديدة وعماء أي مظلم وفي الحديث: " من قاتل تحت راية عميه. . . إلخ " هو فعيلة من العماء الضلالة، وقيل فلان في عمياء إذا لم يدر وجه الحق (مقاييس اللغة لابن فارس 4 / 134) طبع عيس وفي المصادر الأخرى (أجلى للعمى) قال ابن مازه: وأما كونه أجلى للعمى فلأن قضاء بعد ذلك يكون عن بصيرة لا عن ريبة واشتباه.
(102) الظنين: المتهم.
(103) شك الراوي وهو أبو عبيد في عبارة (عند الخصومة) أو عند الخصوم.
(104) إعلام الموقعين 1 / 85 وما بعدها ط. دار الجيل بيروت 1973، وبدائع الصنائع للكاساني 7 / 9، وتبصرة الحكام 1 / 28، والمبسوط للسرخسي 16 / 63 مطبعة السعادة وشرح أدب القاضي للخصاف - وشرح أدب القاضي لابن مازة 1 / 227، وروضة القضاة للسمناني 4 / 1489، واستشهد الماوردي - في كتاب أدب القاضي - بفقرات عديدة منه ابتداء من 1 / 250، والبيان والتبيين 2 / 48 مطبعة لجنة التأليف والنشر، والكامل للمبرد 1 / 14، وأثر عمر بن الخطاب: " إن القضاء فريضة محكمة. . " أخرجه البيهقي (10 / 150) .
(105) حديث: " لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان " أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 136) ومسلم (3 / 1343) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة واللفظ لمسلم.
(106) بدائع الصنائع 7 / 9، وشرح أدب القاضي للصدر الشهيد 1 / 340 وما بعدها، والشرح الصغير 4 / 205، وتبصرة الحكام 1 / 35، ومغني المحتاج 4 / 391 وما بعدها. وروضة الطالبين 11 / 139 - 143، وأدب القضاء لابن أبي الدم الحموي ص 114، وشرح منتهى الإرادات 3 / 471، وكشاف القناع 6 / 316.
(107) بدائع الصنائع 7 / 9 - 10، وتبصرة الحكام 1 / 29.
(108) أدب القاضي للماوردي 2 / 243، وروضة الطالبين 11 / 132، وكشاف القناع 6 / 311.
(109) أدب القضاء لابن أبي الدم ص 114، 115، وبدائع الصنائع 7 / 10، وتبصرة الحكام 1 / 31، والمغني 9 / 79، 80.
(110) المراجع السابقة.
(111) تبيين الحقائق للزيلعي 4 / 178، وكشاف القناع 6 / 318.
(112) حديث: " لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم ". أخرجه الترمذي (3 / 613) من حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح.
(113) بدائع الصنائع 7 / 9، 10، وتبيين الحقائق للزيلعي 4 / 178، وروضة القضاة 1 / 88، والشرح الصغير 4 / 192، والقوانين الفقهية ص 196، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص 114، وروضة الطالبين 11 / 142، 343، ومغني المحتاج 4 / 392، وشرح منتهى الإرادات 3 / 471، وكشاف القناع 6 / 316.
(114) تبيين الحقائق 4 / 175.
(115) معين الحكام ص 20، وتبصرة الحكام 1 / 34، وشرح منتهى الإرادات 3 / 469، وبدائع الصنائع 7 / 13، وكشاف القناع 6 / 312.
(116) سورة ص / 21.
(117) حاشية الدسوقي 4 / 137، والمدونة 5 / 144.
(118) مغني المحتاج 4 / 390، 391.
(119) تبصرة الحكام 1 / 35، 36، وبدائع الصناع 7 / 13، وروضة القضاة 1 / 161.
(120) حديث: " ما عدل وال اتجر في رعيته ". أورده ابن حجر في المطالب العالية (2 / 234) وعزاه لأحمد بن منيع، ونقل محققه عن البوصيري تضعيف أحد رواته.
(121) شرح منتهى الإرادات 3 / 471، وتبصرة الحكام 1 / 31، ومغني المحتاج 4 / 391، وأدب القضاة للحموي ص 113، ومعين الحكام ص 17، والمبسوط للسرخسي 16 / 77.
(122) بدائع الصنائع 7 / 9، والشرح الصغير 4 / 205، ومغني المحتاج 4 / 393، وشرح منتهى الإرادات 3 / 469، 473، وكشاف القناع 6 / 314.
(123) حديث: " استكتب النبي ﷺ زيد بن ثابت. . . " أخرجه الترمذي (5 / 67 - 68) وقال حسن صحيح.
(124) الدسوقي 4 / 138، الشرح الصغير 4 / 202، بدائع الصنائع 7 / 12، مغني المحتاج 4 / 338، 389، المغني 9 / 72، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 109.
(125) شرح أدب القاضي - للصدر الشهيد 1 / 244، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 108.
(126) حديث: " من ولاه الله ﷿ شيئًا من أمر المسلمين. . " أخرجه أبو داود (3 / 357) ، والحاكم (4 / 94) من حديث أبي مريم الأزدي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(127) أدب القضاء للحموي ص 106، أدب القاضي للماوردي 1 / 204 طبع بغداد.
(128) معين الحكام ص 104، 105، تبصرة الحكام 1 / 258، روضة القضاة 1 / 124، 125، وانظر بدائع الصنائع 7 / 10، 11.
(129) مغني المحتاج 4 / 403، الروضة 11 / 168.
(130) المغني لابن قدامة 9 / 71، شرح منتهى الإرادات 3 / 472.
(131) حديث زيد بن ثابت: " أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم. . . " أخرجه الترمذي (5 / 67 - 68) وقال: حسن صحيح.
(132) بدائع الصنائع 7 / 12، حاشية الدسوقي 4 / 139، الروضة 11 / 136، مغني المحتاج 4 / 389، المغني 9 / 100، 101.
(133) أدب القاضي للماوردي 2 / 95، المغني لابن قدامة 9 / 94.
(134) حديث: " أنه ﷺ كتب إلى الضحاك بن سفيان. . . " أخرجه الطبراني في الكبير (5 / 276) من حديث المغيرة بن شعبة، وقال الهيثمي في المجمع (4 / 230) : رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(135) روضة القضاة للسمناني 1 / 329، 330.
(136) بدائع الصنائع 7 / 7، وتبصرة الحكام 2 / 9، 13، وروضة الطالبين 11 / 180، المغني 9 / 95، أدب القاضي لابن أبي الدم ص 467.
(137) تبصرة الحكام 2 / 15، 21.
(138) بدائع الصنائع 7 / 7، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 476، تبصرة الحكام 2 / 19، شرح منتهى الإرادات 3 / 504.
(139) بدائع الصنائع 7 / 7، 8، تبصرة الحكام 2 / 19، شرح منتهى الإرادات 3 / 503، أدب القاضي للماوردي 2 / 104، 105، 107.
(140) ابن أبي الدم ص 474، المغني 9 / 94، تبصرة الحكام 2 / 14، 15، روضة القضاة للسمناني 1 / 342.
(141) تبصرة الحكام 2 / 9، 13، القوانين الفقهية ص 197، روضة القضاة 1 / 347، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص 479، 480، روضة الطالبين 11 / 183 - 184.
(142) بدائع الصنائع 7 / 8، روضة القضاة 1 / 340، وتبصرة الحكام 2 / 17، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 480، المغني 9 / 98.
(143) روضة القضاة 1 / 340، بدائع الصنائع 7 / 8، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص 482، 483، تبصرة الحكام 2 / 17، القوانين الفقهية ص 197.
(144) تبصرة الحكام 2 / 13، 14، روضة القضاة 1 / 343، أدب القاضي للماوردي 2 / 129، شرح منتهى الإرادات 3 / 501.
(145) حديث: " بعثه ﷺ عتاب بن أسيد إلى مكة. . . " ذكره السمناني في روضة القضاة (1 / 86) ولم يعزه إلى أي مصدر ولم نهتد إلى من أخرجه بتمامه، وذكر شطر توليته ابن كثير في السيرة النبوية (3 / 615) .
(146) روضة القضاة 1 / 85، بدائع الصنائع 7 / 13، 14 طبع الجمالية سنة 1328هـ، حاشية ابن عابدين 3 / 280.
(147) تبصرة الحكام 1 / 30، روضة الطالبين 11 / 137، أدب القضاء لابن أبي الدم الحموي ص 101، 102.
(148) كشاف القناع 6 / 290، المغني لابن قدامة 9 / 37.
(149) ابن عابدين 3 / 282 - 283، روضة الطالبين 11 / 137، وانظر روضة القضاة 1 / 132، أدب القاضي للماوردي 2 / 299، المغني 9 / 37، 38.
(150) معين الحكام ص 36، رد المحتار 5 / 423، تبصرة الحكام 1 / 77.
(151) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي. . . " أخرجه أبو داود (3 / 822) وأعله ابن حجر في التلخيص (3 / 53) بالانقطاع.
(152) بدائع الصنائع 7 / 16، وابن عابدين 5 / 418، وروضة القضاة 1 / 154، 157.
(153) حاشية الدسوقي 4 / 210، تبصرة الحكام 1 / 78.
(154) روضة الطالبين 11 / 308، 309.
(155) المغني لابن قدامة 9 / 255 - 257.
(156) شرح منتهى الإرادات 3 / 502.
(157) بدائع الصنائع 7 / 16، وروضة القضاة 1 / 32، وحاشية الدسوقي 4 / 133، 134، ومغني المحتاج 4 / 383، والمغني 9 / 103، وكشاف القناع 6 / 253.
(158) أثر عمر " لأعزلن أبا مريم. . . " أخرجه البيهقي (10 / 108) .
(159) بدائع الصنائع 7 / 16، وحاشية الدسوقي 4 / 133، 134، 137، ومغني المحتاج 4 / 383، وأدب القضاء لابن أبي الدم الحموي ص 93، 94، وأدب القاضي للماوردي 1 / 180، والمغني لابن قدامة 9 / 100، 103، وكشاف القناع 6 / 293، 294، وروضة الطالبين 11 / 126.
(160) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 49.
(161) مغني المحتاج 4 / 381.
(162) المرجع السابق.
(163) حديث: " أن رسول الله ﷺ عزل إمامًا. . . " أخرجه أبو داود (1 / 324) من حديث السائب بن خلاد، وصححه ابن حبان (4 / 516) .
(164) تبصرة الحكام 1 / 62.
(165) مغني المحتاج 4 / 380.
(166) روضة القضاة 1 / 148، وبدائع الصنائع 7 / 1716، وتبصرة الحكام 1 / 78، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص 73، ومغني المحتاج 4 / 380، 381، والروضة 11 / 126، وشرح منتهى الإرادات 3 / 465.
(167) روضة القضاة 1 / 32، وحاشية الدسوقي 4 / 133، 134، وتبصرة الحكام 1 / 78، والروضة 11 / 126، ومغني المحتاج 4 / 382، وكشاف القناع 6 / 293، وشرح منتهى الإرادات 3 / 464.
(168) روضة القضاة 1 / 149 وما بعدها، وشرح منتهى الإرادات 3 / 464، وكشاف القناع 6 / 294.
(169) تبصرة الحكام 1 / 78.
(170) أدب القاضي للماوردي 1 / 180، أدب القضاء لابن أبي الدم ص 93، 94، وروضة الطالبين 11 / 127.
(171) روضة القضاة للسمناني 1 / 32، 153، وشرح أدب القاضي للخصاف 3 / 152، ومغني المحتاج 4 / 382، وشرح منتهى الإرادات 3 / 464.
(172) حاشية ابن عابدين 4 / 324، وحاشية الدسوقي 4 / 133، وتبصرة الحكام 1 / 43، وشرح منتهى الإرادات 3 / 464، ومغني المحتاج 4 / 383.
(173) روضة الطالبين 11 / 127.
(174) فتح القدير لابن الهمام 5 / 463، وروضة القضاة 1 / 155، وحاشية الدسوقي 4 / 133، وتبصرة الحكام لابن فرحون 1 / 77، والروضة للنووي 11 / 127، 128، وشرح منتهى الإرادات 3 / 480، والمغني لابن قدامة 9 / 101، 102.
(175) شرح أدب القاضي لابن مازه 1 / 258 وما بعدها، وفتح القدير 5 / 462، وروضة القضاة 1 / 111، 112.
(176) معين الحكام ص 28، 29، وتبصرة الحكام 1 / 56، 57، والمغني لابن قدامة 9 / 50.
(177) تقدم تخريجه ف 16.
(178) تبصرة الحكام 1 / 82، ومعين الحكام ص 39، ومغني المحتاج 4 / 393.
(179) تبصرة الحكام 1 / 65 ط. دار الكتب العلمية. وأدب القضاء لابن أبي الدم ص 195، والروضة 11 / 145، 146، والمغني لابن قدامة 9 / 107، وكشاف القناع 6 / 320، ومعين الحكام ص 39، ومجلة الأحكام العدلية المادة 1808.
(180) ابن عابدين 5 / 353، ومعين الحكام ص 40، وتبصرة الحكام 1 / 66.
(181) الدر المختار بهامش رد المحتار 4 / 335، 336.
(182) رد المحتار 4 / 335، 336.
(183) المادة (1830) .
(184) الدر المختار بهامش ابن عابدين 4 / 336.
(185) الدر المختار بهامش رد المحتار 4 / 336، 337.
(186) مجلة الأحكام العدلية المادة (1831) .
(187) الشرح الصغير 4 / 231.
(188) نفس المرجع 4 / 233.
(189) مغني المحتاج 4 / 406 - 408.
(190) مغني المحتاج 4 / 414، 415.
(191) حديث: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 507) ، ومسلم (3 / 1338) من حديث عائشة، واللفظ للبخاري.
(192) كشاف القناع 6 / 353 - 355، والمغني لابن قدامة 9 / 109.
(193) المغني 9 / 110، 111، وكشاف القناع 6 / 354.
(194) البدائع 7 / 58، وابن عابدين 3 / 145، 146، وفتح القدير 4 / 123.
(195) مغني المحتاج 4 / 415.
(196) نفس المرجع.
(197) المغني لابن قدامة 9 / 110، 111، وكشاف القناع 6 / 354.
(198) المادة (1786) من المجلة.
(199) كفاية الطالب الرباني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني لعلي بن خلف المنوفي 4 / 109 مطبعة المدني 1989.
(200) الشرح الصغير 4 / 187.
(201) كشاف القناع 6 / 285.
(202) المادة (1829) من المجلة.
(203) ابن عابدين 5 / 424.
(204) تبصرة الحكام 1 / 37 - 39، ومعين الحكام ص 21، وبدائع الصنائع 7 / 13.
(205) سورة آل عمران / 159.
(206) حديث: " ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة. . " أخرجه ابن حبان من قول الزهري وهو منقطع. (الإحسان11 / 217) .
(207) مغني المحتاج 4 / 391، وتبصرة الحكام 1 / 37، 38، وبدائع الصنائع 7 / 11، 12، وشرح منتهى الإرادات 3 / 470، والشرح الصغير 4 / 195، والمغني لابن قدامة 9 / 51، وروضة القضاة للسمناني 1 / 107، والمبسوط 16 / 79.
(208) أدب القاضي للماوردي 1 / 261 - 264.
(209) الفتاوى الهندية 3 / 227، والشرح الصغير 4 / 227، والدسوقي 4 / 156، 157، وكشاف القناع 6 / 322، والمغني 9 / 75.
(210) الفتاوى الهندية 3 / 227.
(211) حاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 350.
(212) الفتاوى الهندية 3 / 227، ومعين الحكام ص 50.
(213) الشرح الصغير 4 / 227، والدسوقي 4 / 157.
(214) حاشية الجمل على شرح المنهج 5 / 351، والمادة / 1827 من مجلة الأحكام العدلية.
(215) المغني 9 / 75.
(216) تبصرة الحكام 1 / 102 - 104، ومعين الحكام ص 49، 50، ومغني المحتاج 4 / 395.
(217) التبصرة 1 / 106، ومعين الحكام ص 50، 51، وشرح منتهى الإرادات 3 / 475، 476.
(218) التبصرة 1 / 103، ومعين الحكام ص 49.
(219) التبصرة 1 / 108، 109، ومعين الحكام ص 53، 54.
(220) ابن عابدين 5 / 397.
(221) مغني المحتاج 4 / 394، 395.
(222) شرح منتهى الإرادات 3 / 475، وكشاف القناع 6 / 323.
(223) المادة / 1786 من مجلة الأحكام العدلية وشرحها / علي حيدر 4 / 519، 521.
(224) ابن عابدين 5 / 423، 424، وكشاف القناع 6 / 322.
(225) حديث: " إنما أنا بشر. . " أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 157) ومسلم (3 / 1337) من حديث أم سلمة واللفظ للبخاري.
(226) القوانين الفقهية ص 196، وحاشية الدسوقي 4 / 156، والشرح الصغير 4 / 223، ومغني المحتاج 4 / 397، والروضة 11 / 152، 153، والمغني 9 / 58، 59، وشرح منتهى الإرادات 3 / 500، وشرح المجلة لعلي حيدر 4 / 520.
(227) أثر علي: " شاهداك زوجاك ". أورده ابن قدامة في المغني (9 / 59) ولم نهتد إليه في المراجع التي بين أيدينا.
(228) فتح القدير 5 / 492، وشرح مجلة الأحكام العدلية لعلي حيدر 4 / 605، 606، وابن عابدين 5 / 405.
(229) ابن أبي الدم ص 169، 170، وروضة القضاة 1 / 323، وشرح منتهى الإرادات 3 / 501، والشرح الصغير 4 / 220.
(230) ابن أبي الدم ص 164، وتبصرة الحكام 1 / 70، ومعين الحكام ص 32، والمغني 9 / 56.

الموسوعة الفقهية الكويتية: 282/ 33