الأول
(الأوَّل) كلمةٌ تدل على الترتيب، وهو اسمٌ من أسماء الله الحسنى،...
ما يلزم المرءَ صرفُه من طعامٍ، وكِسْوة، ومَسْكَن، ونحوه، على نفسه وعلى من عليه مؤونتُه، كزوجة، أو ولدٍ، أو قريبٍ، أو دابَّة . ومن أمثلته وجوب النفقة للزوجة، ونحوها ممن يستحقها . ومن شواهده قوله تعالى : ﭽﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜﭼ البقرة :٢٣٣ .
ما يلزم المرءَ صرفُه من طعامٍ، وكِسْوة، ومَسْكَن، ونحوه، على نفسه وعلى من عليه مؤونتُه، كزوجة، أو ولدٍ، أو قريبٍ، أو دابَّة.
التَّعْرِيفُ:
ا - النَّفَقَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنَ الْمَصْدَرِ نَفَقَ، يُقَال: نَفَقَتِ الدَّرَاهِمُ نَفَقًا: نَفِدَتْ، وَجَمْعُ النَّفَقَةِ نِفَاقٌ مِثْل رَقَبَةٍ وَرِقَابٍ، وَتُجْمَعُ عَلَى نَفَقَاتٍ وَيُقَال: نَفَقَ الشَّيْءُ نَفَقًا فَنِيَ، وَأَنْفَقْتُهُ: أَفْنَيْتُهُ، وَنَفَقَتِ السِّلْعَةُ وَالْمَرْأَةُ نِفَاقًا: كَثُرَ طُلاَّبُهَا وَخُطَّابُهَا (1) .
وَالنَّفَقَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: مَا بِهِ قَوَّامٌ مُعْتَادٌ حَال الآْدَمِيِّ دُونَ سَرَفٍ (2) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْعَطَاءُ:
2 - الْعَطَاءُ لُغَةً: الْمُنَاوَلَةُ وَمَا يُعْطَى، وَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ الإِْعْطَاءِ، وَجَمْعُهُ أَعْطِيَةٌ (3) . وَاصْطِلاَحًا: اسْمٌ لِمَا يَفْرِضُهُ الإِْمَامُ فِي بَيْتِ الْمَال لِلْمُسْتَحِقِّينَ (4) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْعَطَاءِ وَالنَّفَقَةِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَكُونُ بِفَرْضِ الشَّرْعِ، وَالْعَطَاءَ يَكُونُ بِفَرْضِ الإِْمَامِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
3 - النَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ لأَِصْنَافٍ بَيَّنَهَا الْفُقَهَاءُ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَصْرِهَا وَفِي شُرُوطِ اسْتِحْقَاقِ كُلٍّ مِنْهُمْ لَهَا عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي.
أَسْبَابُ النَّفَقَةِ:
تَجِبُ النَّفَقَةُ بِأَحَدِ أَسْبَابٍ ثَلاَثَةٍ هِيَ: النِّكَاحُ، وَالْقَرَابَةُ، وَالْمِلْكُ.
أَوَّلاً: النِّكَاحُ:
وَيَشْتَمِل عَلَى الْمَسَائِل الآْتِيَةِ:
حُكْمُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ:
4 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِالشُّرُوطِ الَّتِي بَيَّنُوهَا (5) . وَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول.
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ (6) } .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (7) } .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (8) } .
فَهَذِهِ الآْيَاتُ وَاضِحَةُ الدَّلاَلَةِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَاتِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ: " فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " (9) ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي بَيَّنَتْ وُجُوبَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا. وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدِ اتَّفَقَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ إِذَا مَكَّنَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْهَا وَكَانَتْ مُطِيقَةً لِلْوَطْءِ وَلَمْ تَمْتَنِعْ عَنْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ.
يَقُول ابْنُ الْمُنْذِرِ: اتَّفَقَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ إِذَا كَانُوا بَالِغِينَ إِلاَّ النَّاشِزَ مِنْهُنَّ (10) .
وَأَمَّا الْمَعْقُول: فَلأَِنَّ الزَّوْجَةَ مَحْبُوسَةُ الْمَنَافِعِ عَلَى زَوْجِهَا، وَمَمْنُوعَةٌ مِنَ التَّصَرُّفِ لِحَقِّهِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَوَجَبَ لَهَا مُؤْنَتُهَا وَنَفَقَتُهَا، كَمَا يُلْزَمُ الإِْمَامُ فِي بَيْتِ الْمَال نَفَقَاتِ أَهْل النَّفِيرِ؛ لاِحْتِبَاسِ نُفُوسِهِمْ عَلَى الْجِهَادِ (11) .
وَلأَِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ جَزَاءَ الاِحْتِبَاسِ، وَمَنْ كَانَ مَحْبُوسًا لِحَقِّ شَخْصٍ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَفَرُّغِهِ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، قِيَاسًا عَلَى الْقَاضِي وَالْوَالِي وَالْعَامِل فِي الصَّدَقَاتِ (12) .
سَبَبُ وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ:
5 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سَبَبِ وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَهَل تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَحْدَهُ أَمْ بِهِ وَبِالتَّمْكِينِ وَالتَّسْلِيمِ التَّامِّ؟ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّ سَبَبِ وُجُوبِهَا هُوَ اسْتِحْقَاقُ الْحَبْسِ الثَّابِتِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ فِي عَقْدِ الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ (13) ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ (14) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَلاَ نَفَقَةَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ؛ لاِنْعِدَامِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ حَقُّ الْحَبْسِ الثَّابِتِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ، وَكَذَا فِي عُدَّتِهِ (15) .
وَدَلِيل هَؤُلاَءِ عُمُومُ قَوْل اللَّهِ ﷿: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ (16) } .
فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِنَّ دُونَ تَقْيِيدٍ بِوَقْتٍ، فَدَل هَذَا عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهُنَّ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ.
وَكَذَلِكَ عُمُومُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (17) ، وَهَذَا يُوجِبُ لَهُنَّ النَّفَقَةَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ.
وَلأَِنَّ حَقَّ الْحَبْسِ الثَّابِتِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ النِّكَاحِ مُؤَثِّرٌ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنَ الاِكْتِسَابِ بِحَقِّهِ، فَكَانَ نَفْعُ حَبْسِهَا عَائِدًا إِلَيْهِ، فَكَانَتْ كِفَايَتُهَا عَلَيْهِ (18) .
وَلأَِنَّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِحَقِّ شَخْصٍ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَفَرُّغِهِ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، كَالْقَاضِي وَالْوَالِي وَالْعَامِل فِي الصَّدَقَاتِ وَالْمُضَارِبِ إِذَا سَافَرَ بِمَال الْمُضَارَبَةِ (19) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ إِلاَّ بِالتَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ.
وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةُ (20) ، وَالْحَنَابِلَةُ (21) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (22) ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ (23) .
قَال صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: قَال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِذَا لَمْ تُزَفَّ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا لاَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (24) . وَقَال صَاحِبُ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: تَجِبُ النَّفَقَةُ لِمُمَكِّنَةٍ مِنْ نَفْسِهَا مُطِيقَةٍ لِلْوَطْءِ بِلاَ مَانِعٍ بَعْدَ أَنْ دَعَتْ هِيَ أَوْ مُجْبِرُهَا أَوْ وَكِيلُهَا لِلدُّخُول، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ حَاكِمٍ، وَبَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَجَهَّزُ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَادَةً (25) .
وَقَال جَلاَل الدِّينِ الْمَحَلِّيُّ: الْجَدِيدُ أَنَّهَا - أَيِ النَّفَقَةَ - تَجِبُ يَوْمًا فَيَوْمًا بِالتَّمْكِينِ لاَ بِالْعَقْدِ (26) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إِلَى الزَّوْجِ عَلَى الْوَجْهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا فَلَهَا عَلَيْهِ جَمِيعُ حَاجَتِهَا مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَلْبُوسٍ وَمَسْكَنٍ (27) .
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ (28) وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ دَخَل بِهَا، فَدَل - عَلَى ذَلِكَ - عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ لاَ بِالْعَقْدِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ حَقًّا لَهَا لَمَا مَنَعَهَا إِيَّاهَا، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا لَنُقِل إِلَيْنَا، وَلَمَّا لَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا، دَل هَذَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ (29) .
وَلأَِنَّ الْعَقْدَ يُوجِبُ الْمَهْرَ، فَلاَ يُوجِبُ عِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (30) .
كَمَا وَأَنَّ النَّفَقَةَ مَجْهُولَةٌ وَالْعَقْدَ لاَ يُوجِبُ مَالاً مَجْهُولاً، فَدَل هَذَا عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لاَ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَحْدَهُ.
وَلأَِنَّهَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ الاِسْتِمْتَاعِ فِي عَقْدٍ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا وُجِدَ التَّسْلِيمُ وَجَبَ لَهَا النَّفَقَةُ فِي مُقَابَلَتِهِ كَالْبَائِعِ إِذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ الثَّمَنِ (31) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ الْقَدِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَتَسْتَقِرُّ بِالتَّمْكِينِ (32) .
شُرُوطُ اسْتِحْقَاقِ الزَّوْجَةِ النَّفَقَةَ:
6 - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - لاِسْتِحْقَاقِ الزَّوْجَةِ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ كَبِيرَةً أَوْ مُطِيقَةً لِلْوَطْءِ، وَأَنْ تُسَلِّمَ نَفْسَهَا لِلزَّوْجِ مَتَى طَلَبَهَا إِلاَّ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ، وَأَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا لاَ فَاسِدًا، فَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً لاَ تُطِيقُ الْوَطْءَ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا. سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مَنْزِل الزَّوْجِ أَوْ لَمْ تَكُنْ حَتَّى تَصِيرَ إِلَى الْحَالَةِ الَّتِي تُطِيقُ الْجِمَاعَ؛ لأَِنَّ امْتِنَاعَ الاِسْتِمْتَاعِ إِنَّمَا لِمَعْنًى فِيهَا، وَالاِحْتِبَاسُ الْمُوجِبُ لِلنَّفَقَةِ هُوَ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إِلَى مَقْصُودٍ مُسْتَحَقٍّ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ، وَلَمْ يُوجَدْ؛ لأَِنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لاَ تَصْلُحُ لِلْجِمَاعِ لاَ تَصْلُحُ لِدَوَاعِيهِ؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ مُشْتَهَاةٍ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْجُمْهُورُ فِي الزَّوْجِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، بَل تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الصَّغِيرِ مَتَى تَحَقَّقَتِ الشُّرُوطُ الَّتِي تُوجِبُ النَّفَقَةَ فِي الزَّوْجَةِ (33) .
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْمَدْخُول بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا.
أَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُول بِهَا فَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِمُمْكِنَةٍ مِنْ نَفْسِهَا مُطِيقَةٍ لِلْوَطْءِ بِلاَ مَانِعٍ بَعْدَ أَنْ دَعَتْ هِيَ أَوْ مُجْبِرُهَا أَوْ وَكِيلُهَا لِلدُّخُول - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ حَاكِمٍ - وَبَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَجَهَّزُ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَادَةً عَلَى الْبَالِغِ لاَ عَلَى صَغِيرٍ، وَلَوْ دَخَل عَلَيْهَا بَالِغَةً وَافْتَضَّهَا، وَلاَ لِغَيْرِ مُمْكِنَةٍ، أَوْ لَمْ يَحْصُل مِنْهَا أَوْ مِنْ وَلِيِّهَا دُعَاءٌ، أَوْ حَصَل قَبْل مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَجَهَّزُ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَلاَ لِغَيْرِ مُطِيقَةٍ، وَلاَ لِمُطِيقَةٍ بِهَا مَانِعٌ كَرَتْقٍ إِلاَّ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا عَالِمًا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مُشْرِفًا عَلَى الْمَوْتِ أَيْ بَالِغًا السِّيَاقَ، وَهُوَ الأَْخْذُ فِي النَّزْعِ.
وَأَمَّا الْمَدْخُول بِهَا: فَلَمْ يَشْتَرِطُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
يَقُول الدُّسُوقِيُّ: وَالْحَاصِل أَنَّهُ فِي التَّوْضِيحِ جَعَل السَّلاَمَةَ مِنَ الْمَرَضِ وَبُلُوغَ الزَّوْجِ وَإِطَاقَةَ الزَّوْجَةِ لِلْوَطْءِ شُرُوطًا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِغَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا الَّتِي دَعَتْ لِلدُّخُول، فَإِنِ اخْتَل مِنْهَا شَرْطٌ فَلاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ لَهَا، وَأَمَّا الْمَدْخُول بِهَا فَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَخَالَفَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ جَعَلُوا الأُْمُورَ الثَّلاَثَةَ الْمَذْكُورَةَ شُرُوطًا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَرْأَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا وَدَعَتْ لِلدُّخُول (34) .
مَنْ لاَ نَفَقَةَ لَهَا مِنَ الزَّوْجَاتِ:
7 - بَعْضُ الزَّوْجَاتِ لاَ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ فِي مَال زَوْجِهَا عَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ نَفَقَةَ لِكُل امْرَأَةٍ جَاءَتِ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا بِمَعْصِيَةٍ كَالرِّدَّةِ وَالزِّنَا بِالأُْصُول أَوِ الْفُرُوعِ، أَوْ تَقْبِيل ابْنِ الزَّوْجِ بِشَهْوَةٍ، وَكَذَا النُّشُوزُ (35) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مِنْ مَوَانِعِ النَّفَقَةِ: النُّشُوزَ، وَمَنْعَ الْوَطْءِ وَالاِسْتِمْتَاعِ، وَيَعُدُّونَ الْخُرُوجَ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ نُشُوزًا مَانِعًا مِنَ النَّفَقَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ؛ تَغْلِيبًا لِحَقِّ الاِسْتِمْتَاعِ فِي وُجُوبِهَا عَلَى حَقِّ الْعَقْدِ، وَكَذَا الْعِدَّةُ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ، فَالْمُعْتَدَّةُ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ لاَ نَفَقَةَ لَهَا إِذَا كَانَتْ حَائِلاً، أَمَّا إِذَا كَانَتْ حَامِلاً فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا دَامَ الْوَلَدُ حَيًّا، فَإِنْ مَاتَ انْقَطَعَتْ نَفَقَتُهَا، كَمَا لاَ نَفَقَةَ لِحَمْل مُلاَعَنَةٍ بِنَفْيِهِ، وَلاَ لِحَمْل أَمَةٍ زَوْجُهَا حُرٌّ؛ لأَِنَّهُ اجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ مُوجِبَانِ مِنْ مُوجِبَاتِ النَّفَقَةِ: الْوِلاَدَةُ وَالْمِلْكُ، فَاسْتَحَقَّ النَّفَقَةَ بِأَقْوَى الْمُوجِبَيْنِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَسَقَطَ الْمُوجِبُ الآْخَرُ.
وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ: إِذَا اجْتَمَعَ مُوجِبَانِ مِنْ مُوجِبَاتِ النَّفَقَةِ لِشَخْصٍ أَخَذَ نَفَقَةً وَاحِدَةً بِأَقْوَى الْمُوجِبَيْنِ (36) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَسْقُطُ النَّفَقَةُ بِالنُّشُوزِ، وَالصِّغَرِ، وَبِالْخُرُوجِ لِلْعِبَادَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ، أَوِ الصَّوْمِ، أَوْ الاِعْتِكَافِ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَبِالطَّلاَقِ الْبَائِنِ مَا لَمْ تَكُنْ حَامِلاً (37) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِ الزَّوْجَةِ لِلنَّفَقَةِ إِنْ لَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا لِزَوْجِهَا أَوْ تَعْرِضْ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يُوطَأُ مِثْلُهَا لِصِغَرٍ لِعَدَمِ وُجُودِ التَّمْكِينِ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ مِنْ جِهَتِهَا، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِغَيْرِ وَاجِبٍ، أَوِ انْتَقَلَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ لِخُرُوجِهَا مِنْ قَبْضَتِهِ وَطَاعَتِهِ، فَأَشْبَهَتِ النَّاشِزَ (38) .
تَقْدِيرُ النَّفَقَةِ:
8 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِكِفَايَتِهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (39) وَالْمَالِكِيَّةُ (40) وَبِهِ قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ (41) ، وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ (42) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْل اللَّهِ ﷿ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (43) } . مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ ﷿ أَوْجَبَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ - وَهُوَ الزَّوْجُ - نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، فَيَكُونُ عَلَى الْكِفَايَةِ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَرِزْقِ الْقَاضِي وَالْمُضَارِبِ (44) .
وَبِمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، فَقَال: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ " (45) ، فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ هِنْدًا بِأَنْ تَأْخُذَ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا مِنْ مَال زَوْجِهَا بِالْمَعْرُوفِ دُونَ أَنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، وَالْمَعْرُوفُ هُوَ الْمُقَدَّرُ عُرْفًا بِالْكِفَايَةِ، فَدَل هَذَا عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُقَدَّرَةٌ بِكِفَايَتِهَا لاَ بِالشَّرْعِ.
وَبِمَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَال: " اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. . . . وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " (46) .
فَرَسُول اللَّهِ ﷺ قَيَّدَ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَى الأَْزْوَاجِ لِلزَّوْجَاتِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوفُ إِنَّمَا هُوَ الْكِفَايَةُ دُونَ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ مَا نَقَصَ عَنِ الْكِفَايَةِ فِيهِ إِضْرَارٌ بِالزَّوْجَةِ، فَلاَ يُعَدُّ مَعْرُوفًا وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِنَّهُ يُعَدُّ سَرَفًا وَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ؛ لِكَوْنِ السَّرَفِ مَمْقُوتًا، فَكَانَ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْكِفَايَةُ (47) .
وَبِقِيَاسِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ بِجَامِعِ أَنَّهَا غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِمِقْدَارٍ مُحَدَّدٍ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَتَكُونُ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَقَالُوا: إِنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِكَوْنِهَا مَحْبُوسَةً بِحَقِّ الزَّوْجِ مَمْنُوعَةً عَنِ الْكَسْبِ لِحَقِّهِ، فَكَانَ وُجُوبُهَا بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ (48) .
الْقَوْل الثَّانِي: إِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمِقْدَارٍ مُحَدَّدٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَقَدَّرَهَا الشَّافِعِيَّةُ: بِمُدَّيْنِ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا، وَبِمُدٍّ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا، وَبِمُدٍّ وَنِصْفِ الْمُدِّ إِذَا كَانَ مُتَوَسِّطًا. وَقَال الْقَاضِي: الْوَاجِبُ رِطْلاَنِ مِنَ الْخُبْزِ فِي كُل يَوْمٍ فِي حَقِّ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ اعْتِبَارًا بِالْكَفَّارَاتِ (49) .
وَاحْتَجُّوا لأَِصْل التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ بِقَوْل اللَّهِ ﷿: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ (50) } .
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ فَبِقِيَاسِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْكَفَّارَةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ وَجَبَ بِالشَّرْعِ (51) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: إِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ عَادَةً أَمْثَال الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَحَال الْبَلَدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (52) .
الْقَوْل الرَّابِعُ: إِنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يَفْرِضُهُ الْقَاضِي وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيُقَدِّرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ (53) . مَا يُرَاعَى فِي النَّفَقَةِ:
9 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ فَلِلزَّوْجَةِ نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَلِلزَّوْجَةِ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ (54) .
أَمَّا لَوِ اخْتَلَفَتْ حَالَةُ الزَّوْجَيْنِ يَسَارًا أَوْ إِعْسَارًا، بِأَنْ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا وَالزَّوْجَةُ مُعْسِرَةً مَثَلاً، أَوِ الْعَكْسُ، وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى نَفَقَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُرَاعَى وَيُعْتَبَرُ حَالُهُ فِي تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: الْمُعْتَبَرُ حَال الزَّوْجِ يَسَارًا أَوْ إِعْسَارًا. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (55) ، وَبِهِ قَال الشَّافِعِيَّةُ (56) . مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْل اللَّهِ ﷿: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (57) } مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الزَّوْجِ الإِْنْفَاقَ عَلَى الزَّوْجَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ؛ لأَِنَّهَا هِيَ الْمُنَاسِبَةُ لِحَالِهِ (58) . وَإِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَل اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (59) } . فَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ الأَْزْوَاجَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِمْ وَمِلْكِهِمْ دُونَ اعْتِبَارٍ لِحَال غَيْرِهِمْ (60) .
الْقَوْل الثَّانِي: الْمُعْتَبَرُ حَال الزَّوْجَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ (61) مُسْتَدِلِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْل اللَّهِ ﷿ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (62) } مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّ إِضَافَةَ اللَّهِ ﷿ لِلرِّزْقِ وَالْكُسْوَةِ إِلَى الزَّوْجَاتِ الْوَالِدَاتِ فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَقْدِيرِهَا إِنَّمَا هُوَ حَال الزَّوْجَاتِ دُونَ الأَْزْوَاجِ، وَعَطْفَهُ سُبْحَانَهُ الْكُسْوَةَ عَلَى الرِّزْقِ لِيُبَيِّنَ تَسَاوِيَهُمَا، وَلَمَّا كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْكُسْوَةِ حَالَةَ الزَّوْجَةِ، فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ فِي الرِّزْقِ حَالَهَا كَذَلِكَ (63) .
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ " (64) . فَأَسْنَدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْكِفَايَةَ إِلَيْهَا، دُونَ اعْتِبَارٍ لِحَال الزَّوْجِ، فَدَل هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ مُرَاعَاةُ حَال الزَّوْجَةِ دُونَ حَالَةِ الزَّوْجِ.
الْقَوْل الثَّالِثُ: الْمُعْتَبَرُ حَالُهُمَا مَعًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ (65) ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (66) ، وَبِهِ قَال الْحَنَابِلَةُ (67) مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ (68) } .
وَإِلَى قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ " (69) .
مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّ الآْيَةَ دَلَّتْ عَلَى اعْتِبَارِ حَال الزَّوْجِ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ دَل عَلَى اعْتِبَارِ حَال الزَّوْجَةِ، فَكَانَ الْقَوْل بِاعْتِبَارِ حَالِهِمَا فِي تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ أَنْسَبَ؛ إِعْمَالاً لِظَاهِرِهِمَا وَجَمْعًا بَيْنَهُمَا (70) .
وَلأَِنَّ الْقَوْل بِاعْتِبَارِ حَال الزَّوْجَيْنِ مَعًا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِحَال كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ حَال أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ (71) .
أَنْوَاعُ النَّفَقَةِ:
10 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا تَشْمَل الطَّعَامَ وَالْكُسْوَةَ وَالْمَسْكَنَ، وَكُل مَا لاَ غِنَى لَهَا عَنْهُ، وَنَفَقَةُ الطَّعَامِ هِيَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ كُل بَلَدٍ مِنَ الْخُبْزِ وَالسَّمْنِ أَوِ الزَّيْتِ وَالتَّمْرِ وَالأُْرْزِ وَاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مَا فَصَّلَتْهُ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ مَا أَوْرَدُوهُ فِي حَالاَتِ تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ الَّذِي سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْكُسْوَةِ لِلزَّوْجَةِ عَلَى النَّحْوِ الْمُفَصَّل فِي مُصْطَلَحِ (كُسْوَةٌ ف 2 وَمَا بَعْدَهَا) ، كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ سُكْنَاهَا وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (سُكْنَى ف 4 وَمَا بَعْدَهَا) .
11 - وَلَيْسَ أَمْرُ النَّفَقَةِ قَاصِرًا عَلَى الأَْنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ فَقَطْ، بَل يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وُجُوبَ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ دَوَاءٍ وَأُجْرَةِ خَادِمٍ يَقُومُ عَلَى شُؤُونِ مِثْلِهَا عَادَةً وَثَمَنِ طِيبٍ وَآلاَتِ تَنْظِيفٍ وَكُل مَا هِيَ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ مِمَّا سَيَرِدُ تَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي: أَوَّلاً: عِلاَجُ الزَّوْجَةِ:
12 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ ثَمَنِ الدَّوَاءِ وَعَدَمِ وُجُوبِ أُجْرَةِ الطَّبِيبِ عَلَى الزَّوْجِ (72) مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ (73) } .
مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ ﷿ أَلْزَمَ الزَّوْجَ بِالنَّفَقَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَلَيْسَتْ نَفَقَةُ الْعِلاَجِ دَاخِلَةٌ تَحْتَهَا؛ لأَِنَّهَا مِنَ الأُْمُورِ الْعَارِضَةِ (74) .
وَلأَِنَّ شِرَاءَ الأَْدْوِيَةِ وَأُجْرَةَ الطَّبِيبِ إِنَّمَا تُرَادُ لإِِصْلاَحِ الْجِسْمِ، فَلاَ تَلْزَمُ الزَّوْجَ (75) .
ثَانِيًا: آلاَتُ التَّنْظِيفِ وَأَدَوَاتُ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ:
13 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُشْطِ وَالدُّهْنِ لِرَأْسِهَا وَالسِّدْرِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا تَغْسِل بِهِ رَأْسَهَا وَمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا مِنْ آلاَتِ التَّنْظِيفِ (76) .
وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ لَهَا ثَمَنُ الطِّيبِ إِذَا كَانَ لِلتَّلَذُّذِ وَالاِسْتِمْتَاعِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ لَهُ، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ، أَمَّا مَا يُرَادُ بِهِ قَطْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ (77) .
ثَالِثًا: أُجْرَةُ الْخَادِمِ وَنَفَقَتُهُ:
14 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ تَخْدِمُ نَفْسَهَا لِكَوْنِهَا مِنْ ذَوَاتِ الأَْقْدَارِ، أَوْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا بِأَنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُخْدَمُ فِي بَيْتِ أَبِيهَا، أَوْ لِكَوْنِهَا مَرِيضَةً: فَإِنَّهُ يُلْزَمُ الزَّوْجُ بِأَنْ يُهَيِّئَ لَهَا خَادِمًا وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مَتَى كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ يَسَارُ الزَّوْجِ، بَل يَرَوْنَ اسْتِوَاءَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ لِمَنْ لاَ يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا.
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ الْمُعْسِرِ نَفَقَةُ خَادِمٍ وَإِنْ كَانَ لَهَا خَادِمٌ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الزَّوْجِ الْمُعْسِرِ مِنَ النَّفَقَةِ أَدْنَى الْكِفَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهَا خَادِمٌ فَعَلَى الزَّوْجِ الْمُعْسِرِ نَفَقَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خَادِمٌ فَلاَ تَلْزَمُهُ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهَا خَادِمٌ عُلِمَ أَنَّهَا لاَ تَرْضَى بِخِدْمَةِ نَفْسِهَا، فَكَانَ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ خَادِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خَادِمٌ دَل عَلَى أَنَّهَا رَاضِيَةٌ بِخِدْمَةِ نَفْسِهَا (78) .
وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (خِدْمَة ف 7 وَمَا بَعْدَهَا) .
15 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِلْزَامِ الزَّوْجِ بِأَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَال:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ يُلْزَمُ الزَّوْجُ بِأَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ (79) وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (80) ، وَبِهِ قَال الشَّافِعِيَّةُ (81) ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ (82) . لأَِنَّ الْخَادِمَ الْوَاحِدَ لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَعْلُومٌ يُقَدَّرُ بِهِ، فَلاَ يَكُونُ اعْتِبَارُ الْخَادِمَيْنِ أَوْلَى مِنَ الثَّلاَثَةِ وَالأَْرْبَعَةِ، فَيُقَدَّرُ بِالأَْقَل وَهُوَ الْوَاحِدُ.
وَلأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ خِدْمَةُ نَفْسِهَا، وَيَحْصُل ذَلِكَ بِوَاحِدٍ، وَالزِّيَادَةُ تُرَادُ لِحِفْظِ مِلْكِهَا أَوْ لِلتَّجَمُّل وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (83) . الْقَوْل الثَّانِي: يَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَةُ خَادِمَيْنِ لِزَوْجَتِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ (84) ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ (85) ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ (86) .
لأَِنَّ خِدْمَةَ الْمَرْأَةِ لاَ تَقُومُ بِخَادِمٍ وَاحِدٍ بَل تَقَعُ الْحَاجَةُ إِلَى خَادِمَيْنِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُعِينًا لِلآْخَرِ (87) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ لأَِكْثَرَ مِنْ خَادِمَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَبِهَا أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (88) .
مَا يُشْتَرَطُ فِي خَادِمِ الزَّوْجَةِ:
16 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ خَادِمُ الزَّوْجَةِ امْرَأَةً أَوْ مِمَّنْ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا مُرَاهِقًا أَوْ مَحْرَمًا أَوْ مَمْسُوحًا، إِذَا كَانَ لِلْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ، وَعَلَى هَذَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا وَلَوْ شَيْخًا لِتَحْرِيمِ النَّظَرِ، لأَِنَّ الْخَادِمَ يُخَالِطُ الْمَخْدُومَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، فَلاَ يَسْلَمُ مِنَ النَّظَرِ (89) . أَمَّا إِذَا كَانَ لِلْخِدْمَةِ الظَّاهِرَةِ كَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ مِنَ الأَْسْوَاقِ فَالشَّافِعِيَّةُ يُجَوِّزُونَ خِدْمَةَ الْكَبِيرِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ الْخَادِمِ غَيْرَ مُسْلِمٍ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (خِدْمَة ف 13) .
لُزُومُ قَبُول الزَّوْجَةِ خِدْمَةَ الزَّوْجِ لَهَا:
17 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُزُومِ قَبُول الزَّوْجَةِ خِدْمَةَ الزَّوْجِ لَهَا إِذَا عَرَضَ عَلَيْهَا ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ يَلْزَمُهَا قَبُول خِدْمَتِهِ لَهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (90) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (91) لأَِنَّهَا تَسْتَحِي مِنْهُ وَتُعَيَّرُ بِهِ، وَفِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهَا لِكَوْنِ زَوْجِهَا خَادِمَهَا.
الْقَوْل الثَّانِي: يَلْزَمُ الزَّوْجَةَ قَبُول خِدْمَةِ الزَّوْجِ لَهَا، وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (92) ، وَجَاءَ فِي تَوْجِيهِ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَامَ بِخِدْمَتِهَا بِنَفْسِهِ لاَ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ خَادِمٍ أَصْلاً لأََنَّ الْكِفَايَةَ تَحْصُل بِهِ.
إِتْيَانُ الزَّوْجَةِ بِخَادِمِهَا مَعَهَا:
18 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِتْيَانِ الزَّوْجَةِ بِخَادِمِهَا مَعَهَا لِيَخْدُمَهَا. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَبَتِ الزَّوْجَةُ أَنَّ خَادِمَهَا يَخْدُمُهَا وَيَكُونُ عِنْدَهَا، وَطَلَبَ الزَّوْجُ أَنْ يَخْدُمَهَا خَادِمُهُ، فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهَا بِخَادِمِهَا، لأَِنَّ الْخِدْمَةَ لَهَا، وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ الزَّوْجَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ.
وَقَيَّدَهُ ابْنُ شَاسٍ بِمَا إِذَا كَانَ خَادِمُهَا مَأْلُوفًا، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الدَّرْدِيرِ الْقَضَاءُ بِخَادِمِهَا سَوَاءٌ كَانَ مَأْلُوفًا أَوْ لاَ، إِلاَّ لِرِيبَةٍ فِي خَادِمِهَا تَضُرُّ بِالزَّوْجِ فِي الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا (93) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إِنْ أَلِفَتْ خَادِمًا أَخْدَمَهَا الزَّوْجُ إِيَّاهُ، أَوْ جَاءَتْ بِخَادِمٍ مَعَهَا وَأَرَادَ الزَّوْجُ إِبْدَالَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِتَضَرُّرِهَا بِقَطْعِ الْمَأْلُوفِ عَلَيْهَا، إِلاَّ أَنْ تَظْهَرَ رِيبَةٌ أَوْ خِيَانَةٌ فَيَكُونُ لِلزَّوْجِ إِبْدَالُهُ (94) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهَا خَادِمٌ فَرَضِيَتْ بِخِدْمَتِهِ لَهَا وَنَفَقَتُهُ عَلَى الزَّوْجِ جَازَ.
وَإِنْ قَال الزَّوْجُ: لاَ أُعْطِيكِ أَجْرَ هَذَا وَلَكِنْ أَنَا آتِيكِ بِخَادِمٍ سِوَاهُ، فَلَهُ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهَا بِمَنْ يَصْلُحُ لِخِدْمَتِهَا (95) .
نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ:
19 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ عَلَى زَوْجِهَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ وَطْؤُهَا. وَلاَ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ (96) ، وَبِهِ قَال الْمَالِكِيَّةُ (97) ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (98) ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (99) وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ (100) .
وَاسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إِلَى فِعْل النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵁، حَيْثُ عَقَدَ عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (101) ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ ﷺ أَنْفَقَ عَلَيْهَا فِي حَال صِغَرِهَا فَلَوْ كَانَ حَقًّا لَهَا لَدَفَعَهُ إِلَيْهَا، وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَنُقِل إِلَيْنَا، لَكِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْهُ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، فَدَل هَذَا عَلَى عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الصَّغِيرَةِ النَّفَقَةَ (102) . وَلأَِنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ وَلاَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لاَ يُجَامَعُ مِثْلُهَا، لِقِيَامِ الْمَانِعِ فِي نَفْسِهَا مِنَ الْوَطْءِ وَالاِسْتِمْتَاعِ، فَلَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا لِعَدَمِ قَبُول الْمَحَل لِذَلِكَ (103) .
الْقَوْل الثَّانِي: تَجِبُ لِلصَّغِيرَةِ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجِهَا، وَهَذَا هُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (104) ، وَبِهِ قَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ (105) ، وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ (106) .
وَاسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إِلَى عُمُومِ الآْيَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ مِثْل قَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (107) } ، وَقَوْلِهِ ﷿: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ (108) } .
فَقَدْ أَوْجَبَتِ النَّفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ. وَإِلَى عُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: " وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " (109) . مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْجَبَ نَفَقَةَ الزَّوْجَاتِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ.
وَإِلَى الْقِيَاسِ عَلَى الرَّتْقَاءِ وَالْقَرْنَاءِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُنَّ لاَ تُوطَأُ مَعَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهُنَّ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِ الرَّتْقِ وَالْقَرْنِ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ نَفَقَتِهِنَّ (110) .
وَلأَِنَّ عَدَمَ تَحَقُّقِ الْوَطْءِ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهَا فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفَقَةِ لَهَا كَالْمَرِيضَةِ (111) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: إِنْ أَمْسَكَهَا الزَّوْجُ لَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ رَدَّهَا فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا، وَبِهِ قَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (112) .
وَاسْتَدَل بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَحْتَمِل الْوَطْءَ لَمْ يُوجَدِ التَّسْلِيمُ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْقَبُول.
فَإِنْ أَمْسَكَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ، لأَِنَّهُ حَصَل لَهُ نَوْعُ مَنْفَعَةٍ وَضَرْبٌ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ الْقَاصِرِ، وَإِنْ رَدَّهَا فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى يَجِيءَ حَالٌ يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى جِمَاعِهَا، لاِنْعِدَامِ التَّسْلِيمِ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ وَعَدَمِ رِضَاهُ بِالتَّسْلِيمِ الْقَاصِرِ (113) . نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْمَرِيضَةِ:
20 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا كَانَتْ مَرِيضَةً قَبْل الاِنْتِقَال إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَبَذَلَتْ لَهُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا تَسْلِيمًا كَامِلاً، أَوْ بَذَل هَذَا التَّسْلِيمَ وَلِيُّ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَةُ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا، وَتَسَلَّمَهَا الزَّوْجُ فِعْلاً، أَنَّ النَّفَقَةَ تَكُونُ وَاجِبَةً لَهَا عَلَيْهِ وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا لِمَرَضِهَا (114) .
كَمَا ذَهَبُوا إِلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَيْهِ إِذَا زُفَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ ثُمَّ مَرِضَتْ عِنْدَهُ، لأَِنَّ الاِسْتِمْتَاعَ بِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ مُمْكِنٌ وَلاَ تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهَا (115) ، وَلأَِنَّ الاِحْتِبَاسَ قَائِمٌ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِسُ بِهَا وَيَمَسُّهَا وَتَحْفَظُ الْبَيْتَ، وَالْمَانِعُ عَارِضٌ فَأَشْبَهَ الْحَيْضَ.
21 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرِيضَةِ الْمَدْخُول بِهَا مَرَضًا شَدِيدًا يَمْنَعُهَا مِنْ الاِنْتِقَال إِلَى مَنْزِل الزَّوْجِيَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لَهَا النَّفَقَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (116) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ الاِسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ وَلاَ تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهَا وَإِنْ مُنِعَ مِنَ الْوَطْءِ.
وَلأَِنَّ التَّسْلِيمَ فِي حَقِّ التَّمْكِينِ مِنَ الْوَطْءِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، فَقَدْ وُجِدَ فِي حَقِّ التَّمْكِينِ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ وَهَذَا يَكْفِي لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ كَمَا فِي الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّائِمَةِ صَوْمَ رَمَضَانَ (117) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ نَفَقَةَ لَهَا قَبْل النُّقْلَةِ فَإِذَا نُقِلَتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، وَبِهِ قَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (118) .
فَقَدْ جَاءَ فِي الْبَدَائِعِ: رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنْ لاَ نَفَقَةَ لَهَا قَبْل النُّقْلَةِ، فَإِذَا نُقِلَتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدِ التَّسْلِيمُ الَّذِي هُوَ تَخْلِيَةٌ وَتَمْكِينٌ، وَلَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ، وَهُوَ الْمَرَضُ، فَلاَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ كَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل الْوَطْءَ.
وَلأَِنَّ التَّسْلِيمَ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ - وَهُوَ التَّسْلِيمُ الْمُمَكِّنُ مِنَ الْوَطْءِ - لَمَّا لَمْ يُوجَدْ كَانَ لَهُ أَنْ لاَ يَقْبَل التَّسْلِيمَ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ الْعَقْدُ (119) . نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْمَحْبُوسَةِ:
22 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَدَى اسْتِحْقَاقِ الزَّوْجَةِ لِلنَّفَقَةِ إِذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً بِسَبَبِ دَيْنٍ عَلَيْهَا دُونَ مُمَاطَلَةٍ مِنْهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لَيْسَ لَهَا النَّفَقَةُ مَا دَامَتْ مَحْبُوسَةً، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (120) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ حَبْسَ النِّكَاحِ قَدْ بَطَل بِاعْتِرَاضِ حَبْسِ الدَّيْنِ، لأَِنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَحَقُّ بِحَبْسِهَا بِالدَّيْنِ (121) .
كَمَا وَقَدْ فَاتَ بِحَبْسِهَا التَّسْلِيمُ الْوَاجِبُ بِالنِّكَاحِ مِنْ قِبَلِهَا فَصَارَتْ كَالنَّاشِزِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا وَفِي سُقُوطِهَا.
الْقَوْل الثَّانِي: لَهَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ حَبْسِهَا مَا لَمْ تَكُنْ مُمَاطِلَةً، وَبِهِ قَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (122) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا فَلاَ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا، لأَِنَّهَا حُبِسَتْ لإِِثْبَاتِ عُسْرِهَا لاَ لِمُمَاطَلَتِهَا (123) . نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْغَائِبِ:
غِيَابُ الزَّوْجِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْل الدُّخُول أَوْ بَعْدَهُ.
أَوَّلاً: نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْغَائِبِ قَبْل الدُّخُول:
23 - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِحْقَاقِ زَوْجَةِ الْغَائِبِ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ بِالنِّكَاحِ قَبْل الدُّخُول بَيْنَ مَا إِذَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا لَهُ حَال غَيْبَتِهِ وَبَيْنَ بَذْلِهَا لَهُ نَفْسَهَا قَبْل غَيْبَتِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا وَالزَّوْجُ غَائِبٌ فَإِنَّهُ لاَ يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ (124) .
لأَِنَّهَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا فِي حَالٍ لاَ يُمْكِنُهُ التَّسَلُّمُ فِيهِ حَتَّى يُرَاسِلَهُ الْحَاكِمُ، بِأَنْ يَكْتُبَ رِسَالَةً إِلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِيَسْتَدْعِيَهُ وَيُعْلِمَهُ بِرَغْبَةِ زَوْجَتِهِ فِي تَمْكِينِهِ مِنْ نَفْسِهَا وَطَلَبِهَا لِلنَّفَقَةِ، وَيَمْضِي عَلَى ذَلِكَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقْدُمَ فِي مِثْلِهِ.
فَإِذَا سَارَ الزَّوْجُ إِلَيْهَا أَوْ وَكَّل مَنْ يَتَسَلَّمَهَا لَهُ مِمَّنْ يَحِل لَهُ ذَلِكَ كَمَحْرَمِهَا، فَوَصَل فَتَسَلَّمَهَا الزَّوْجُ أَوْ نَائِبُهُ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ حِينَئِذٍ، لأَِنَّ وُجُودَ الْبَذْل قَبْل ذَلِكَ كَعَدَمِهِ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَل مَا سَبَقَ، فَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا مِنْ حِينِ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ الْوُصُول إِلَيْهَا وَتَسَلُّمُهَا فِيهِ، لأَِنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا لإِِمْكَانِ ذَلِكَ وَبَذْلِهَا نَفْسَهَا لَهُ، فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَلأَِنَّ الزَّوْجَ بِامْتِنَاعِهِ عَنِ الْحُضُورِ لِتَسَلُّمِهَا يَكُونُ قَدْ تَرَكَ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ، وَتَرْكُهُ لِحَقِّهِ لاَ يُسْقِطُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ لِزَوْجَتِهِ.
وَإِذَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا لَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ ثُمَّ غَابَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا وَامْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ، لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْخِطَابِ: إِذَا سَافَرَ الزَّوْجُ قَبْل الدُّخُول فَطَلَبَتْ زَوْجَتُهُ النَّفَقَةَ فَلَهَا ذَلِكَ عَلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقِيل: لاَ نَفَقَةَ لَهَا إِذَا كَانَ قَرِيبًا لأَِنَّهَا لاَ نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى تَدْعُوَهُ وَهِيَ لَمْ تَدْعُ قَبْل مَغِيبِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ إِمَّا أَنْ يَبْنِيَ أَوْ أَنْ يُنْفِقَ، وَقِيل: لَهَا النَّفَقَةُ مِنْ حِينِ تَدْعُو إِلَى الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَلَى قُرْبٍ فَلَيْسَ عَلَيْهَا انْتِظَارُهُ وَهَذَا أَقْيَسُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ إِذْ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهَا بَيْنَ قُرْبٍ وَلاَ بُعْدٍ (125) . ثَانِيًا: نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْغَائِبِ بَعْدَ الدُّخُول:
24 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ إِنْ كَانَ غَائِبًا.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَجِبُ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ فِي مَالِهِ، حَاضِرًا كَانَ الْمَال أَوْ غَائِبًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ بِفَرْضِ الْقَاضِي لِلنَّفَقَةِ إِذَا طَلَبَتِ الزَّوْجَةُ أَمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ (126) . لِمَا وَرَدَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال لِهِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ (127) وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَرْضًا لِلنَّفَقَةِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ غَائِبًا.
وَلِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَائِبِ:
الأَْوَّل: هُوَ أَنْ يَفْرِضَ الْقَاضِي لِلزَّوْجَةِ نَفَقَةً عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ بِشَرْطِ طَلَبِهَا، لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنَ الزَّوْجِ، فَلاَ تُمْنَعُ النَّفَقَةُ عَنِ الزَّوْجَةِ، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلاً وَهُوَ قَوْل النَّخَعِيِّ لِحَدِيثِ هِنْدَ السَّابِقِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ وَلَوْ طَلَبَتْ وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِالزَّوْجِيَّةِ لأَِنَّ الْفَرْضَ مِنَ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ قَضَاءٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ الآْخَرَ، وَهُوَ قَوْل شُرَيْحٍ (128) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (غَيْبَة ف 4 وَمَا بَعْدَهَا) .
25 - فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي عَالِمًا بِالزَّوْجِيَّةِ فَسَأَلَتِ الْقَاضِيَ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَتَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ وَيَفْرِضَ لَهَا نَفَقَةً عَلَى الْغَائِبِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ يَسْمَعُهَا الْقَاضِي وَلاَ يَفْرِضُ لَهَا، وَبِهِ قَال أَبُو يُوسُفَ (129) . لأَِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَصْل الْحَنَفِيَّةِ لاَ تُسْمَعُ إِلاَّ عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ، وَلاَ خَصْمَ فَلاَ تُسْمَعُ.
الْقَوْل الثَّانِي: يَسْمَعُ الْقَاضِي بَيِّنَتَهَا وَيَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةً وَتَسْتَدِينُ عَلَيْهِ، فَإِذَا حَضَرَ الزَّوْجُ وَأَنْكَرَ يَأْمُرُهَا الْقَاضِي بِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ فِي وَجْهِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ نَفَّذَ الْفَرْضَ وَصَحَّتْ الاِسْتِدَانَةُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَل لَمْ يُنَفِّذْ وَلَمْ يَصِحَّ، وَبِهِ قَال زُفَرُ.
لأَِنَّ الْقَاضِيَ إِنَّمَا يَسْمَعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لاَ لإِِثْبَاتِ النِّكَاحِ عَلَى الْغَائِبِ، بَل لِيَتَوَصَّل بِهَا إِلَى فَرْضِ النَّفَقَةِ، إِذْ يَجُوزُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةُ فِي حَقِّ حُكْمٍ دُونَ حُكْمٍ، كَشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى السَّرِقَةِ، فَإِنَّهَا تُقْبَل فِي حَقِّ الْمَال، وَلاَ تُقْبَل فِي حَقِّ الْقَطْعِ. كَذَا هَاهُنَا تُقْبَل هَذِهِ الْبَيِّنَةُ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْفَرْضِ، لاَ فِي إِثْبَاتِ النِّكَاحِ.
فَإِذَا حَضَرَ وَأَنْكَرَ اسْتَعَادَ مِنْهَا الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ أَعَادَتْ نَفَّذَ الْفَرْضَ وَصَحَّتْ الاِسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ وَإِلاَّ فَلاَ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ (130) . فَإِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهَا.
فَإِذَا كَانَ الْمَال فِي يَدِهَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي (131) لِحَدِيثِ هِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ السَّابِقِ (132) .
وَإِنْ كَانَ الْمَال فِي يَدِ غَيْرِهَا وَهُوَ مِنْ جَنْسِ النَّفَقَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي أَخْذِ الزَّوْجَةِ نَفَقَتَهَا مِنْ مَال زَوْجِهَا الَّذِي بِيَدِ الآْخَرِينَ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَال وَدِيعَةً أَمْ دَيْنًا بِأَمْرِ الْقَاضِي عَلَى قَوْلَيْنِ: الْقَوْل الأَْوَّل: إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ مُقِرًّا بِالْوَدِيعَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ، أَوْ كَانَ الْمَدِينُ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ وَالزَّوْجِيَّةِ، أَوْ كَانَ الْقَاضِي عَالِمًا بِذَلِكَ فَرَضَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْمَال نَفَقَتَهَا، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ (133) .
لأَِنَّ صَاحِبَ السَّيِّدِ - وَهُوَ الْمُودَعُ - إِذَا أَقَرَّ بِالْوَدِيعَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ، أَوْ أَقَرَّ الْمَدْيُونُ بِالدَّيْنِ وَالزَّوْجِيَّةِ فَقَدْ أَقَرَّا أَنَّ لَهَا حَقَّ الأَْخْذِ، لأَِنَّ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَمُدَّ يَدَهَا إِلَى مَال زَوْجِهَا فَتَأْخُذَ كِفَايَتَهَا مِنْهُ لِحَدِيثِ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ، وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْرِضِ الْقَاضِي لَهَا النَّفَقَةَ فِي ذَلِكَ الْمَال أُضِيرَتْ، فَكَانَ الْوَاجِبُ إِعَانَتَهَا عَلَى أَخْذِ حَقِّهَا وَاسْتِيفَاءِ نَفَقَتِهَا (134) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةً، وَبِهِ قَال زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. لأَِنَّ هَذَا قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ، إِذِ الْمُودَعُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنِ الزَّوْجِ وَكَذَا الْمَدْيُونُ فَلاَ يَجُوزُ (135) .
هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ وَالدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ بِأَنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا أَوْ ثِيَابًا مَنْ جَنْسِ كُسْوَتِهَا. أَمَّا إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ بِأَنْ كَانَتْ عَقَارًا أَوْ عُرُوضًا فَبَيَانُ حُكْمِ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً: إِنْ كَانَتْ أَمْوَال الْغَائِبِ عَقَارًا:
26 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَفْرِضُ الْقَاضِي لِلزَّوْجَةِ فِي عَقَارِ الْغَائِبِ نَفَقَةً، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إِيجَابُ النَّفَقَةِ فِي عَقَارِ الْغَائِبِ إِلاَّ بِالْبَيْعِ، وَلاَ يُبَاعُ الْعَقَارُ عَلَى الْغَائِبِ فِي النَّفَقَةِ، لأَِنَّ مَال الْمَدِينِ إِنَّمَا يُبَاعُ إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الأَْدَاءِ وَلَمْ يَثْبُتِ امْتِنَاعُهُ فَلاَ يُبَاعُ عَلَيْهِ (136) .
ثَانِيًا: إِنْ كَانَ أَمْوَال الْغَائِبِ عُرُوضًا:
27 - أَمَّا إِذَا كَانَتْ أَمْوَالُهُ عُرُوضًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ فِيهَا لِلزَّوْجَةِ بِبَيْعِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ يَفْرِضُ لَهَا النَّفَقَةَ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ وَلاَ تُبَاعُ فِي نَفَقَتِهَا، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إِيجَابُ النَّفَقَةِ فِيهِ إِلاَّ بِالْبَيْعِ، وَمَال الْمَدِينِ إِنَّمَا يُبَاعُ إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الأَْدَاءِ، وَالْغَائِبُ لاَ يُعْلَمُ امْتِنَاعُهُ، فَلاَ يُعْلَمُ ظُلْمُهُ، فَلاَ يُبَاعُ عَلَيْهِ (137) .
الْقَوْل الثَّانِي: يَفْرِضُ لِزَوْجَةِ الْغَائِبِ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَتْ عُرُوضًا بِبَيْعِهِ، وَبِهِ قَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (138) . وَاسْتَنَدَا فِي ذَلِكَ: إِلَى مَا اسْتَنَدَا إِلَيْهِ فِي فَرْضِ نَفَقَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَمْوَالُهُ عَقَارًا مِنْ حَدِيثِ هِنْدَ.
قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَصْلاً فَطَلَبَتْ مِنَ الْقَاضِي فَرْضَ النَّفَقَةِ فَعِنْدَنَا لاَ يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ لأَِنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَسْمَعُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ وَلاَ يَقْضِي بِالنِّكَاحِ وَيُعْطِيهَا النَّفَقَةَ مِنْ مَال الزَّوْجِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالِكٌ أَمَرَهَا الْقَاضِي بِالاِسْتِدَانَةِ، فَإِنْ حَضَرَ الزَّوْجُ وَأَقَرَّ بِالنِّكَاحِ أَمَرَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَلَّفَهَا الْقَاضِي إِعَادَةَ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ لَمْ تُعِدْهَا أَمَرَهَا الْقَاضِي بِرَدِّ مَا أَخَذَتْ، وَمَا يَفْعَلُهُ الْقُضَاةُ فِي زَمَانِنَا مِنْ قَبُول الْبَيِّنَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ وَفَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَائِبِ إِنَّمَا يُنَفَّذُ لاَ لأَِنَّهُ قَوْل عُلَمَائِنَا الثَّلاَثَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا يُنَفَّذُ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ إِمَّا مَعَ زُفَرَ أَوْ مَعَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ وَهُوَ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ (139) .
نَفَقَةُ زَوْجَةِ الَّذِي لاَ مَال لَهُ:
28 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ نَفَقَةِ زَوْجَةِ الَّذِي لاَ مَال لَهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: إِنْ أَنْفَقَتِ الزَّوْجَةُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ مَال غَيْرِهَا بِدُونِ قَضَاءٍ مِنَ الْقَاضِي بِالنَّفَقَةِ أَوْ تَرَاضٍ مَعَ زَوْجِهَا عَلَى مِقْدَارِ النَّفَقَةِ: لاَ تَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ أَصْلاً إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمُدَّةُ الَّتِي طَلَبَتِ الْحُكْمَ بِنَفَقَتِهَا أَقَل مِنْ شَهْرٍ، فَيَسُوغُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لَهَا لِصُعُوبَةِ الاِحْتِرَازِ عَنْهَا.
لأَِنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ لَهَا شَبَهَانِ: شَبَهٌ بِالْعِوَضِ وَآخَرُ بِالصِّلَةِ عَطَاءٌ مِنْ غَيْرِ عِوَضِ، فَهِيَ لَيْسَتْ عِوَضًا مِنْ كُل وَجْهٍ وَلَيْسَتْ صِلَةً مِنْ كُل وَجْهٍ.
أَمَّا شَبَهُهَا بِالْعِوَضِ فَلأَِنَّهَا جَزَاءُ احْتِبَاسِ الزَّوْجَةِ لِحَقِّ زَوْجِهَا وَقِيَامِهَا بِشُؤُونِ الْبَيْتِ وَرِعَايَةِ الأَْوْلاَدِ. وَأَمَّا شَبَهُهَا بِالصِّلَةِ فَلِكَوْنِ الْمَنَافِعِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الاِحْتِبَاسِ عَائِدَةً عَلَى كِلاَ الزَّوْجَيْنِ فَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَيْهَا فَلاَ تَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا عَلَى الزَّوْجِ.
فَنَظَرًا لِشَبَهِهَا بِالصِّلَةِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلاَ تَرَاضٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ كَنَفَقَةِ الأَْقَارِبِ.
وَلِشَبَهِهَا بِالْعِوَضِ تَصِيرُ دَيْنًا بِالْقَضَاءِ بِهَا أَوِ التَّرَاضِي عَلَيْهَا.
وَإِنْ أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا بَعْدَ تَرَاضِيهَا مَعَهُ أَوْ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ، وَلَكِنْ قَبْل الإِْذْنِ بِالاِسْتِدَانَةِ مِنْهُ أَوْ مِنَ الْقَاضِي، فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَسْقُطُ بِأَدَاءِ الزَّوْجِ إِيَّاهَا لِلزَّوْجَةِ أَوْوَكِيلِهَا، أَوْ إِبْرَاءِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا مِنْهَا، أَوْ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا.
وَإِنْ أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَالإِْذْنِ بِالاِسْتِدَانَةِ، أَوْ بَعْدَ التَّرَاضِي مَعَ زَوْجِهَا وَالإِْذْنِ لَهَا بِالاِسْتِدَانَةِ - وَاسْتَدَانَتِ الزَّوْجَةُ بِالْفِعْل - كَانَتِ النَّفَقَةُ دَيْنًا صَحِيحًا ثَابِتًا عَلَى الزَّوْجِ لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ إِلَيْهَا فِعْلاً أَوِ الإِْبْرَاءِ مِنْهَا، وَفَائِدَةُ الإِْذْنِ ثُبُوتُ الْحَقِّ لِلْغَرِيمِ فِي مُطَالَبَةِ الزَّوْجِ إِذَا أَحَالَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (140) .
الْقَوْل الثَّانِي: تُعْتَبَرُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَامْتِنَاعِهِ عَنْ أَدَائِهَا، وَلاَ يَسْقُطُ هَذَا الدَّيْنُ عَنْهُ مُطْلَقًا إِلاَّ بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ: سَوَاءٌ أَحَكَمَ بِهَا الْقَاضِي أَمْ تَرَاضَيَا عَلَيْهَا أَمْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا وَلَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهَا.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (141) وَالشَّافِعِيَّةُ (142) وَالْحَنَابِلَةُ (143) . مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى: مَا وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ فِيمَنْ غَابَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ، إِمَّا أَنْ يُفَارِقُوا وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا بِالنَّفَقَةِ، فَمَنْ فَارَقَ مِنْهُمْ فَلْيَبْعَثْ بِنَفَقَةِ مَا تَرَكَ (144) .
وَلأَِنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ يَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ كَأُجْرَةِ الْعَقَارِ وَالدُّيُونِ (145) .
وَلأَِنَّ النَّفَقَةَ عِوَضٌ أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فِي مُقَابِل احْتِبَاسِ الزَّوْجَةِ لِمَنْفَعَةِ الزَّوْجِ وَقِيَامِهَا عَلَى شُؤُونِ الْبَيْتِ وَمَصَالِحِهِ، وَإِذَا كَانَتِ النَّفَقَةُ عِوَضًا فَإِنَّهَا تَكُونُ دَيْنًا كَسَائِرِ الدُّيُونِ مِنَ اسْتِحْقَاقِهَا كَمَا فِي كُل أُجْرَةٍ وَعِوَضٍ (146) .
تَنَازُعُ الزَّوْجَيْنِ فِي الإِْنْفَاقِ:
29 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ إِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ إِعْطَاءَ زَوْجَتِهِ نَفَقَتَهَا أَوْ إِرْسَالَهَا لَهَا وَأَنْكَرَتْ هِيَ ذَلِكَ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْقَوْل قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا (147) . لأَِنَّ الزَّوْجَ يَدَّعِي قَضَاءَ دَيْنٍ عَلَيْهِ وَهِيَ تُنْكِرُهُ، فَيَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِهَا كَمَا فِي سَائِرِ الدُّيُونِ لِقَوْلِهِ ﷺ: " الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ " (148) ، وَلأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْقَبْضِ (149) .
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَتْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا فِي ذَلِكَ إِلَى الْحَاكِمِ فَلَمْ يَجِدْ لِزَوْجِهَا مَالاً أَبَاحَ لَهَا الإِْنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهَا، وَأَذِنَ لَهَا فِي الاِقْتِرَاضِ وَالرُّجُوعِ بِذَلِكَ عَلَى زَوْجِهَا، فَالْقَوْل قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ لاَ مِنْ يَوْمِ سَفَرِ الزَّوْجِ، وَإِنْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُول أَوِ الْجِيرَانِ فَإِنَّ الْقَوْل قَوْلُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا لَمْ تَرْفَعْ أَصْلاً، أَوْ رَفَعَتْ لِعُدُولٍ أَوْ لِلْجِيرَانِ، أَوْ بِبَعْضِ الْمُدَّةِ وَسَكَتَتْ عَنْ بَعْضِهَا الآْخَرِ (150) .
نَفَقَةُ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ:
30 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ لَهَا نَفَقَةٌ مَا دَامَ لَمْ يَحْكُمِ الْحَاكِمُ بِمَوْتِهِ، وَيُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ إِلَى حِينِ اتِّضَاحِ أَمْرِهِ، لأَِنَّهَا مَحْكُومٌ لَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ فَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ كَمَا لَوْ عَلِمَتْ حَيَاتَهُ وَهِيَ مُسَلِّمَةٌ نَفْسَهَا إِلَيْهِ (151) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَفْقُود ف 4 - 10وما بَعْدَهَا) .
وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِحْقَاقِهَا النَّفَقَةَ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ إِذَا رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ وَطَلَبَتِ الْفُرْقَةَ فَضَرَبَ لَهَا مُدَّةَ أَرْبَعِ سِنِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لَهَا النَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ.
قَال الْحَطَّابُ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَبِهِ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لأَِنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ لَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِبَيْنُونَتِهَا مِنْ زَوْجِهَا فَهِيَ مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ فَأَشْبَهَ مَا قَبْل الْمُدَّةِ، وَلأَِنَّ امْرَأَةَ الْغَائِبِ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ تَرَبُّصِهَا فَكَذَلِكَ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: لاَ نَفَقَةَ لَهَا فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَضَ لَهَا قَبْل ذَلِكَ نَفَقَةً فَيَكُونُ سَبِيلُهَا فِي النَّفَقَةِ سَبِيل الْمَدْخُول بِهَا وَهُوَ قَوْل الْمُغِيرَةِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (152) . فَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَدَى اسْتِحْقَاقِهَا لِلنَّفَقَةِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ نَفَقَةَ لَهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ.
الْقَوْل الثَّانِي: لَهَا النَّفَقَةُ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مَفْقُود ف 10) .
الْكَفَالَةُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ:
31 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ طَلَبِ الزَّوْجَةِ كَفِيلاً بِالنَّفَقَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى إِعْطَاءِ الْكَفِيل بِالنَّفَقَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ (153) ، وَبِهِ قَال الشَّافِعِيَّةُ (154) .
لأَِنَّ النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فِي الْحَال فَلاَ يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى التَّكَفُّل بِدَيْنٍ وَاجِبٍ فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى إِعْطَائِهِ عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
الْقَوْل الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ أَخْذُ كَفِيلٍ لَهَا بِالنَّفَقَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (155) وَالْحَنَابِلَةُ (156) وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (157) ، وَذَلِكَ لِضَمَانِ حَقِّ الزَّوْجَةِ (158) .
نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ النَّاشِزِ:
32 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ نَفَقَةَ لَهَا بِنُشُوزِهَا (159) ، لِقَوْل اللَّهِ ﷿: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (160) } ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: " فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " (161) .
فَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّهُنَّ إِذَا لَمْ يَنْتَهِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ نَفَقَةٌ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نُشُوز ف 7) . نَفَقَةُ الْمُعْتَدَّةِ:
فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ وَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ، وَكَذَا بَيْنَ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ وَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ:
أ - الْمُعْتَدَّةُ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ:
33 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ طَلاَقًا رَجْعِيًّا يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ مِنْ طَعَامٍ وَكُسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ أَيَّامَ عِدَّتِهَا (162) .
لِقَوْل اللَّهِ ﷿: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَل اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (163) } . فَقَدْ نَهَى سُبْحَانَهُ الأَْزْوَاجَ عَنْ إِخْرَاجِ زَوْجَاتِهِمْ أَثْنَاءَ عِدَّتِهِنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ، وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ تَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مَحْبُوسَةً لِحَقِّ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ السَّكَنِ، فَعَلَيْهِ سَائِرُ أَنْوَاعِ النَّفَقَةِ، لأَِنَّ مِمَّنْ حُبِسَ لِحَقِّ إِنْسَانٍ وَجَبَ عَلَى الْمَحْبُوسِ لَهُ النَّفَقَةُ كَامِلَةٌ، وَلِقِيَامِ حَقِّ حَبْسِ النِّكَاحِ حَيْثُ يَلْحَقُهَا طَلاَقُهُ وَظِهَارُهُ وَإِيلاَؤُهُ (164) . ب - الْمُعْتَدَّةُ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ:
34 - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْمَبْتُوتَةِ الْحَامِل وَغَيْرِ الْحَامِل فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا بِأَنْوَاعِهَا أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ.
فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى مَتَى كَانَتْ حَامِلاً (165) .
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْل اللَّهِ ﷿ {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (166) } .
وَلأَِنَّهَا حَامِلٌ بِوَلَدِهِ وَهُوَ يَجِبُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَلاَ يُمْكِنُ الإِْنْفَاقُ عَلَى الْحَمْل إِلاَّ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أُمِّهِ، فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى تِلْكَ الأُْمِّ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الإِْرْضَاعِ (167) .
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (168) ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (169) .
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا اسْتَنَدُوا إِلَيْهِ فِي إِيجَابِهَا لِلْمُبَانَةِ الْحَامِل.
وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ - عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - قَال: كُنْتُ مَعَ الأَْسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الأَْعْظَمِ وَمَعَنَا الشَّعْبِيُّ، فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجْعَل لَهَا سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةً "، ثُمَّ أَخَذَ الأَْسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصًى فَحَصَبَهُ بِهِ فَقَال: وَيْلَكَ! تُحَدِّثُ بِمِثْل هَذَا؟ قَال عُمَرُ: لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْل امْرَأَةٍ لاَ نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ. قَال اللَّهُ ﷿ {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (170) } .
الْقَوْل الثَّانِي: لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (171) وَالشَّافِعِيَّةُ (172) وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (173) . لأَِنَّ اللَّهَ ﷿ قَال {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (174) } . فَقَدْ أَوْجَبَ سُبْحَانَهُ السُّكْنَى لِكُل مُطَلَّقَةٍ، وَمِنْهَا الْبَائِنُ غَيْرُ الْحَامِل، وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَقَدْ خَصَّ بِهَا الْحَامِل دُونَ الْحَائِل، فَدَل ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لِلْبَائِنِ غَيْرِ الْحَامِل دُونَ النَّفَقَةِ.
الْقَوْل الثَّالِثُ: لاَ نَفَقَةَ لَهَا وَلاَ سُكْنَى: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (175) .
لِمَا وَرَدَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلاَثًا فَلَمْ يَجْعَل لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ نَفَقَةً وَلاَ سُكْنَى (176) .
ج - الْمُعْتَدَّةُ مِنْ وَفَاةٍ:
35 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ وَفَاةٍ إِنْ كَانَتْ حَائِلاً لاَ نَفَقَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا لَهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلاً عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ نَفَقَةَ لَهَا مُدَّةَ عِدَّتِهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (177) وَالْمَالِكِيَّةُ (178) وَالشَّافِعِيَّةُ (179) وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ (180) لأَِنَّ الْمَال قَدْ صَارَ لِلْوَرَثَةِ، وَنَفَقَةُ الْحَامِل وَسُكْنَاهَا إِنَّمَا هُوَ لِلْحَمْل أَوْ مِنْ أَجْلِهِ، وَلاَ يَلْزَمُ ذَلِكَ الْوَرَثَةَ، لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مِيرَاثٌ فَنَفَقَةُ الْحَمْل مَنْ نَصِيبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِيرَاثٌ لَمْ يَلْزَمْ وَارِثَ الْمَيِّتِ الإِْنْفَاقُ عَلَى حَمْل امْرَأَتِهِ كَمَا لاَ يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ (181) .
وَلأَِنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابِل التَّمْكِينِ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ، وَقَدْ زَال التَّمْكِينُ بِالْمَوْتِ، وَلَيْسَ لِلْحَمْل دَخْلٌ فِي وُجُوبِهَا، فَلاَ تَسْتَحِقُّ بِسَبَبِهِ النَّفَقَةَ (182) .
وَلأَِنَّ الزَّوْجَةَ مَحْبُوسَةٌ مِنْ أَجْل الشَّرْعِ لاَ لِلزَّوْجِ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا (183) .
الْقَوْل الثَّانِي: لَهَا النَّفَقَةُ، وَهَذَا رِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، لأَِنَّهَا حَامِلٌ فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ كَالْمُفَارِقَةِ لَهُ فِي حَيَاتِهِ (184) .
كَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ السُّكْنَى لِلْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (185) وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (186) إِلَى أَنَّهُ لاَ سُكْنَى لَهَا مُطْلَقًا حَامِلاً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ، وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا كَانَتْ حَامِلاً (187) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى إِيجَابِ السُّكْنَى عَلَى الزَّوْجِ لاِنْتِهَاءِ الْمُكْنَةِ بِالْوَفَاةِ، وَلاَ سَبِيل لإِِيجَابِهَا عَلَى الْوَرَثَةِ لاِنْعِدَامِ الاِحْتِبَاسِ مِنْ أَجْلِهِمْ.
وَلأَِنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ يَوْمًا بِيَوْمٍ فَلَمْ يَجِبْ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ كَالنَّفَقَةِ (188) .
وَلأَِنَّهَا مَحْبُوسَةٌ مِنْ أَجْل الشَّرْعِ لاَ لِلزَّوْجِ فَلاَ سُكْنَى لَهَا (189) .
الْقَوْل الثَّانِي: لَهَا السُّكْنَى وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (190) ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلاً أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ (191) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً وَفِي رِوَايَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلاً (192) ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَوَجَبَ لَهَا السُّكْنَى كَالْمُطَلَّقَةِ (193) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (سُكْنَى ف 14) .
الْمُعْتَدَّةُ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ:
36 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ لاَ نَفَقَةَ لَهَا إِنْ كَانَتْ حَائِلاً، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ السُّكْنَى فَقَالُوا: تَجِبُ لَهَا (194) .
وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ حَامِلاً فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: تَجِبُ النَّفَقَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (195) ، وَالْحَنَابِلَةُ (196) وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (197) .
لأَِنَّ الْحَمْل يَلْزَمُهُ وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ كَالرَّضَاعِ، وَلاَ تَصِل النَّفَقَةُ إِلَى الْحَمْل إِلاَّ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ. وَلأَِنَّ الْحَمْل فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَالْحَمْل فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي لُحُوقِ الْوَلَدِ بِالزَّوْجِ وَالاِعْتِدَادِ (198) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ ( x662 ;) وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ (199) .
لأَِنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ (200) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (سُكْنَى ف 15) .
الْمُعْتَدَّةُ مِنْ لِعَانٍ:
37 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمُعْتَدَّةِ مِنْ لِعَانٍ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لَهَا النَّفَقَةُ مُطْلَقًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، لأَِنَّ الْفُرْقَةَ مُضَافَةٌ إِلَى الزَّوْجِ، وَلأَِنَّ الْمُلاَعَنَةَ قَدْ حَبَسَتْ نَفْسَهَا بِحَقٍّ وَذَلِكَ يُوجِبُ لَهَا النَّفَقَةَ (201) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لاَعَنَهَا بَعْدَ الدُّخُول فَإِنْ لَمْ يَنْفِ الْحَمْل وَجَبَتِ النَّفَقَةُ (202) . الْقَوْل الثَّانِي: لَهَا السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ إِذَا كَانَتْ حَائِلاً أَوْ حَامِلاً وَنُفِيَ الْحَمْل، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (203) وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (204) .
لأَِنَّهَا مَحْبُوسَةٌ لأَِجْلِهِ، وَلأَِنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ فُرْقَةٍ حَال الْحَيَاةِ فَوَجَبَتْ لَهَا السُّكْنَى كَالْمُطَلَّقَةِ (205) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ عِنْدَهُمْ: إِنَّ السُّكْنَى لاَ تَجِبُ لِلْمُلاَعَنَةِ (206) .
وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الْمُلاَعَنَةِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنْ لاَ بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ وَلاَ قُوتَ، مِنْ أَجْل أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلاَقٍ وَلاَ مُتَوَفَّى عَنْهَا " (207) .
وَلأَِنَّهَا لَمْ تُحْصِنْ مَاءَهُ فَلَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ سُكْنَاهَا (208) . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُلاَعَنَةَ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ لأَِنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْل وَهُوَ وَلَدُهُ - وَلَوْ نَفَاهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ نَفْيِهِ - مَا دَامَ حَمْلاً، فَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ فَلاَ نَفَقَةَ فِي الْمُسْتَقْبَل لاِنْقِطَاعِ نَسَبِهِ عَنْهُ.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْحَمْل يَنْتَفِي بِزَوَال الْفِرَاشِ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا وَلاَ سُكْنَى (209) .
و نَفَقَةُ الْمُخْتَلِعَةِ:
38 - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ كَوْنِ الْمُخْتَلِعَةِ حَامِلاً وَبَيْنَ كَوْنِهَا غَيْرَ حَامِلٍ.
فَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى لَهَا مَا دَامَتْ حَامِلاً (210) .
لِعُمُومِ قَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (211) } ، وَلأَِنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِمَائِهِ فَهُوَ مُسْتَمْتِعٌ بِرَحِمِهَا فَصَارَ كَالاِسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي حَال الزَّوْجِيَّةِ، إِذِ النَّسْل مَقْصُودٌ بِالنِّكَاحِ كَمَا أَنَّ الْوَطْءَ مَقْصُودٌ بِهِ (212) . وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا إِنْ كَانَتْ حَائِلاً عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ نَفَقَةَ لَهَا وَلَهَا السُّكْنَى، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (213) وَالشَّافِعِيَّةُ (214) وَالْحَنَابِلَةُ (215) .
لأَِنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَدْ زَالَتْ فَأَشْبَهَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (216) .
الْقَوْل الثَّانِي: تَجِبُ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لَهَا مُطْلَقًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ.
لأَِنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُسْتَحِقَّةً لِلنَّفَقَةِ فِي أَصْل النِّكَاحِ فَيَبْقَى ذَلِكَ الْحَقُّ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ (217) .
اسْتِحْقَاقُ الزَّوْجَةِ النَّفَقَةَ حَال سَفَرِهَا:
39 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا.
فَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ فَإِمَّا أَنْ يُسَافِرَ مَعَهَا أَوْ لاَ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نُشُوز ف 6 - 7) . سَفَرُ الزَّوْجَةِ لِلْحَجِّ:
40 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا سَافَرَتْ لأَِدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ وَالزَّوْجُ مَعَهَا فَإِنَّ لَهَا النَّفَقَةَ (218) .
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا فِي حَال عَدَمِ خُرُوجِ الزَّوْجِ مَعَهَا إِلَى الْحَجِّ، مُوَضِّحِينَ الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ السَّفَرِ لِتَأْدِيَةِ الْفَرِيضَةِ أَوْ لِتَأْدِيَةِ غَيْرِهِ، كَحَجِّ التَّطَوُّعِ أَوِ النَّذْرِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ.
أ - السَّفَرُ لأَِدَاءِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ:
41 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ فِيمَا لَوْ خَرَجَتْ لِتَأْدِيَةِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ دُونَ سَفَرِ الزَّوْجِ مَعَهَا عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: تَجِبُ لِلزَّوْجَةِ النَّفَقَةُ إِذَا خَرَجَتْ لِحَجِّ الْفَرِيضَةِ دُونَ سَفَرِ الزَّوْجِ مَعَهَا. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (219) ، وَبِهِ قَال الْحَنَابِلَةُ (220) ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (221) . لأَِنَّ الزَّوْجَةَ فَعَلَتِ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا بِأَصْل الشَّرْعِ فِي وَقْتِهِ فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا كَصِيَامِ رَمَضَانَ (222) .
وَلأَِنَّ التَّسْلِيمَ الْمُطْلَقَ قَدْ حَصَل بِالاِنْتِقَال إِلَى مَنْزِل الزَّوْجِ ثُمَّ فَاتَ بِعَارِضِ أَدَاءِ فَرْضٍ، وَهَذَا لاَ يُبْطِل النَّفَقَةَ كَمَا لَوِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَنْزِل زَوْجِهَا ثُمَّ لَزِمَهَا صَوْمُ رَمَضَانَ (223) .
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ مَعَهَا وَالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا (224) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ مَا عَدَا رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لأَِنَّ فَوَاتَ الاِحْتِبَاسِ لاَ مِنْ قِبَلِهِ يُوجِبُ سُقُوطَ النَّفَقَةِ (225) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ إِحْرَامَ الزَّوْجَةِ بِحَجِّ فَرْضٍ أَوْ عُمْرَةٍ بِلاَ إِذْنٍ نُشُوزٌ وَلاَ نَفَقَةَ لَهَا إِنْ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا وَذَلِكَ حَال إِحْرَامِهَا بِفَرْضٍ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ، فَإِنْ مَلَكَ تَحْلِيلَهَا حَال إِحْرَامِهَا بِفَرْضٍ عَلَى الأَْظْهَرِ فَلاَ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا لِلْحَجِّ، فَإِذَا خَرَجَتْ فَمُسَافِرَةٌ لِحَاجَتِهَا، فَإِنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِإِذْنِهِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي الأَْظْهَرِ، أَوْ مَعَهُ اسْتَحَقَّتِ النَّفَقَةَ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا (226)
ب - السَّفَرُ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ:
42 - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ سَفَرِ الزَّوْجَةِ لِتَأْدِيَةِ الْحَجِّ غَيْرِ الْفَرْضِ بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَبَيْنَ سَفَرِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
فَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ نَفَقَةَ لِلْمَرْأَةِ إِنْ سَافَرَتْ لِحَجِّ تَطَوُّعٍ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ الْمَنْذُورُ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (227) .
لأَِنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسَافِرَةِ وَحْدَهَا فَلاَ تَكُونُ لَهَا نَفَقَةٌ (228) .
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ إِنْ أَحْرَمَتْ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ وَسَافَرَتْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ نَفَقَةَ لَهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، (229) وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (230) ، لأَِنَّهَا غَيْرُ مُمَكَّنَةٍ مِنْ نَفْسِهَا فَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (231) .
الْقَوْل الثَّانِي: تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلزَّوْجَةِ إِذَا أَحْرَمَتْ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، وَبِهِ قَال الْمَالِكِيَّةُ (232) وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ (233) .
لأَِنَّهَا سَافَرَتْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ سَافَرَتْ فِي حَاجَةِ زَوْجِهَا (234) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَحْرَمَتِ الزَّوْجَةُ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ بِإِذْنٍ مِنْ زَوْجِهَا فَفِي الأَْصَحِّ لَهَا نَفَقَةٌ مَا لَمْ تَخْرُجْ لأَِنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ لاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِفَوَاتِ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا.
وَلَوْ خَرَجَتْ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا إِنْ خَرَجَتْ وَحْدَهَا فَإِنْ خَرَجَ مَعَهَا لَمْ تَسْقُطْ (235) .
امْتِنَاعُ الزَّوْجَةِ مِنَ السَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ:
43 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهَا إِذَا امْتَنَعَتْ عَنِ السَّفَرِ مَعَ زَوْجِهَا وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا غَيْرَ مَخُوفٍ، مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ غَيْرِ الْمُحْتَمَلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ يَمْنَعُهَا مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ مَعَ اسْتِيفَاءِ سَائِرِ الشُّرُوطِ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيِّ وَحَمَّادٍ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ إِذَا امْتَنَعَتْ عَنِ السَّفَرِ مَعَ زَوْجِهَا، وَاعْتَبَرُوا الْمُمْتَنِعَةَ عَنِ السَّفَرِ مَعَ زَوْجِهَا دُونَ عُذْرٍ نَاشِزَةً.
لأَِنَّ الزَّوْجَةَ إِنَّمَا تَسْتَوْجِبُ النَّفَقَةَ بِتَسْلِيمِهَا نَفْسَهَا إِلَى الزَّوْجِ فَتَسْقُطُ بِامْتِنَاعِهَا عَنِ السَّفَرِ مَعَهُ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَالْمُرَادُ بِالسُّقُوطِ عَدَمُ الْوُجُوبِ (236) .
وَفِي قَوْلٍ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ وَلاَ تُعَدُّ نَاشِزًا إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ بِهَا مَسَافَةَ الْقَصْرِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا بِدُونِ رِضَاهَا (237) .
وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمَسَافَةُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَهُ جَبْرُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ كَانَتْ نَاشِزًا وَسَقَطَتْ نَفَقَتُهَا. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَيْضًا يُتْرَكُ أَمْرُ ذَلِكَ إِلَى الْقَاضِي حَسَبَ مَا يَظْهَرُ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ مِنَ السَّفَرِ الْكَيْدَ لِلُزُوجَةِ وَالإِْضْرَارَ بِهَا أَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا فِي هَذَا السَّفَرِ فَلاَ يَحْكُمُ الْقَاضِي بِالسَّفَرِ مَعَهُ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ كَانَ امْتِنَاعُهَا بِحَقٍّ وَلاَ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا.
وَإِنْ كَانَ السَّفَرُ لَيْسَ فِيهِ إِضْرَارٌ بِالزَّوْجَةِ وَإِنَّمَا كَانَ لِغَرَضٍ مِنَ الأَْغْرَاضِ كَالتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَهُوَ مَأْمُونٌ عَلَيْهَا أَجَابَهُ الْقَاضِي إِلَى طَلَبِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ كَانَ امْتِنَاعُهَا بِغَيْرِ حَقٍّ وَسَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي مُدَّةِ الاِمْتِنَاعِ (238) .
نَفَقَةُ زَوْجَةِ الصَّغِيرِ:
44 - إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ كَبِيرَةً - أَيْ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا - وَالزَّوْجُ صَغِيرٌ لاَ يَسْتَطِيعُ الاِسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَسَلَّمَتِ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا لَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا الصَّغِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (239) وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (240) وَبِهِ قَال الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي مُقَابِل الْمَشْهُورِ إِذَا كَانَ مَدْخُولاً بِهَا عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي التَّوْضِيحِ (241) .
وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِأَنَّهَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَسْلِيمًا صَحِيحًا فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ، كَمَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيرًا (242) .
وَبِأَنَّ الاِسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ الْوَطْءُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ لِمَرَضِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ.
وَلأَِنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ وَالْمَانِعُ مِنْ جِهَتِهِ فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ (243) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجِهَا الصَّغِيرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَلَوْ دَخَل بِهَا وَافْتَضَّهَا (244) وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (245) .
لأَِنَّهُ لاَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا لِسَبَبٍ هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ فَلاَ يَلْزَمُهُ غُرْمُ نَفَقَتِهَا. نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ مُدَّةَ حَبْسِ الزَّوْجِ فِي دَيْنِ نَفَقَتِهَا:
45 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ إِنْ حَبَسَتْ زَوْجَهَا فِي سَدَادِ مَا عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَأْدِيَتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لَهَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ حَبْسِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (246) وَالْمَالِكِيَّةُ (247) ، وَالْحَنَابِلَةُ (248) لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لاَ مِنْهَا.
الْقَوْل الثَّانِي: لَيْسَ لَهَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ حَبْسِهِ وَلَوْ بِحَقٍّ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (249) .
لأَِنَّ التَّمْكِينَ الْمُوجِبَ لِلنَّفَقَةِ قَدِ انْتَفَى بِسَبَبِ سَجْنِهِ فَلاَ تَجِبُ مَعَهُ النَّفَقَةُ.
وَهُوَ أَيْضًا قَوْل الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا لأَِنَّهَا ظَالِمَةٌ مَانِعَةٌ لَهُ مِنَ التَّمْكِينِ مِنْهَا (250) .
طَلَبُ التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ عَدَمِ الإِْنْفَاقِ:
أ - إِذَا كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا:
46 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا كَانَ حَاضِرًا مُوسِرًا وَلَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَسْتَوْفِيَ حَقَّهَا مِنْهُ وَلَيْسَ لَهَا حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ (251) .
كَمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ وَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ فَلَهَا أَنْ تَبْقَى مَعَهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ وَلَمْ تَرْضَ زَوْجَتُهُ بِالْبَقَاءِ مَعَهُ فِي حَقِّهَا فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لَيْسَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ التَّكَسُّبِ كَيْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا، وَبِهَذَا قَال ابْنُ شُبْرُمَةَ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَعَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرُهُمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (252) .
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمُومِ قَوْل اللَّهِ ﷿: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (253) } ، مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ يَسَارُهُ فَتَدْخُل الزَّوْجَةُ فِي عُمُومِ هَذِهِ الآْيَةِ، وَتَكُونُ مَأْمُورَةً بِإِنْظَارِ الزَّوْجِ، وَلاَ يَحِقُّ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالطَّلاَقِ (254) .
وَإِلَى مَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: " دَخَل أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لأَِحَدٍ مِنْهُمْ. قَال: فَأَذِنَ لأَِبِي بَكْرٍ فَدَخَل، ثُمَّ أَقْبَل عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا. قَال فَقَال: لأََقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ. فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا. فَضَحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَال: " هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ "، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلاَهُمَا يَقُول: تَسْأَلْنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لاَ نَسْأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآْيَةُ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ} ، حَتَّى بَلَغَ {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} . قَال: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَقَال. " يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لاَ تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ " قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ ! ! فَتَلاَ عَلَيْهَا الآْيَةَ قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُول اللَّهِ! أَسْتَشِيرُ أَبَوِيَّ؟ بَل أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لاَ تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ. قَال: " لاَ تَسْأَلْنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلاَّ أَخْبَرْتُهَا. إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلاَ مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا " (255) . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَسْأَل زَوْجَهَا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَلاَ يَكُونُ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالطَّلاَقِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
وَلأَِنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَلاَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِعَجْزِهِ، قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ فَسْخِهِ بِالدَّيْنِ (256) ، وَعَلَى الإِْعْسَارِ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُول (257) .
الْقَوْل الثَّانِي: لِلْمَرْأَةِ حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا لِعَجْزِهِ عَنِ الإِْنْفَاقِ، فَإِنِ امْتَنَعَ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (258) وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (259) وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (260) ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ فَسْخٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَطَلاَقٌ رَجْعِيٌّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ (261) .
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ ﷿: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (262) } فَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِإِمْسَاكِ الزَّوْجَةِ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ التَّسْرِيحِ بِإِحْسَانٍ، وَعَدَمُ إِنْفَاقِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا تَفْوِيتٌ لِلإِْمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ، فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي وَهُوَ التَّسْرِيحُ بِالإِْحْسَانِ (263) .
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ فِيمَنْ غَابَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ إِمَّا أَنْ يُفَارِقُوا وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا بِالنَّفَقَةِ، فَمَنْ فَارَقَ مِنْهُمْ فَلْيَبْعَثْ بِنَفَقَةِ مَا تَرَكَ (264) .
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا الزِّنَادِ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُل لاَ يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ، قَال: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، قَال أَبُو الزِّنَادِ: قُلْتُ: سَنَةً؟ فَقَال: سَنَةً (265) . قَال الشَّافِعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنَّهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ (266) .
وَلأَِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ الْفَسْخُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْوَطْءِ، وَالضَّرَرُ فِيهِ أَقَل، فَلأََنْ يَثْبُتَ بِالْعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ الَّتِي لاَ يَقُومُ الْبَدَنُ إِلاَّ بِهَا أَوْلَى.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف 82 - 86) .
ب - إِذَا كَانَ الزَّوْجُ غَائِيًّا:
47 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ طَلَبِ الْمَرْأَةِ التَّفْرِيقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الْغَائِبِ، إِذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا مَالاً لِتُنْفِقَ مِنْهُ وَلَمْ يُوَكِّل أَحَدًا بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا، عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَطْلُبَ التَّفْرِيقَ لِذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (267) وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (268) وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ تَسْتَطِعِ الاِسْتِدَانَةَ عَلَيْهِ (269) . وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِذَلِكَ: أَنْ تَثْبُتَ الزَّوْجِيَّةُ، وَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ قَدْ دَخَل بِهَا أَوْ دُعِيَ إِلَى الدُّخُول بِهَا، وَأَنْ تَكُونَ الْغَيْبَةُ بِحَيْثُ لاَ يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ، أَوْ عُلِمَ وَلَمْ يُمْكِنِ الإِْعْذَارُ إِلَيْهِ، وَأَنْ تَشْهَدَ لَهَا الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهَا لاَ تَعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجَ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلاَ كُسْوَةً وَلاَ شَيْئًا مِنْ مُؤْنَتِهَا، وَلاَ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهَا بِشَيْءٍ وَصَل إِلَيْهَا فِي عِلْمِهِمْ إِلَى هَذَا الْحِينِ.
ثُمَّ يَضْرِبُ الْقَاضِي لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَجَلاً حَسَبَ مَا يَرَاهُ: شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَقْدَمْ وَلَمْ يَبْعَثْ بِشَيْءٍ وَلاَ ظَهْرَ لَهُ مَالٌ وَدَعَتْ إِلَى النَّظَرِ لَهَا، فَإِنَّهَا تَحْلِفُ بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ أَنَّهُ مَا رَجَعَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا الْمَذْكُورُ مِنْ مَغِيبِهِ الثَّابِتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ إِلَى حِينِ حَلِفِهَا وَلاَ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلاَ كُسْوَةً وَلاَ وَضَعَتْ ذَلِكَ عَنْهُ وَلاَ وَصَل إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنْهُ إِلَى الآْنَ، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي حَلِفُهَا طَلَّقَهَا عَلَيْهِ، أَوْ أَبَاحَ لَهَا التَّطْلِيقَ (270) .
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى: مَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ فِيمَنْ غَابَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ، إِمَّا أَنْ يُفَارِقُوا وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا بِالنَّفَقَةِ، فَمَنْ فَارَقَ مِنْهُمْ فَلْيَبْعَثْ بِنَفَقَةِ مَا تَرَكَ (271) .
وَلأَِنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ أَوْ بِالاِسْتِدَانَةِ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ بِالْفَسْخِ كَحَال الإِْعْسَارِ (272) .
وَلأَِنَّ فِي عَدَمِ الإِْنْفَاقِ ضَرَرًا يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ بِالْفَسْخِ فَكَانَ لَهَا حَقُّ طَلَبِهِ (273) .
الْقَوْل الثَّانِي: لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْحَقُّ فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ (274) .
وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ (275) وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (276) وَبِهِ قَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ (277) . لأَِنَّ الْفَسْخَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالإِْعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُ الزَّوْجِ لِغَيْبَتِهِ لِعَدَمِ تَبَيُّنِ حَالِهِ (278) . أَمَّا إِذَا ثَبَتَ الإِْعْسَارُ تَوَلَّى الْحَاكِمُ أَوْ مَنْ يَأْذَنُ لَهُ أَمْرَ التَّفْرِيقِ بِطَلَبِهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (279) ، وَقَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ (280) ، لأَِنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ مُجْتَهَدٌ فِيهَا فَافْتَقَرَتْ إِلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ كَالْفَسْخِ بِالْعُنَّةِ (281) .
فَإِذَا حَضَرَ الزَّوْجُ مِنْ سَفَرِهِ وَغَابَ مَالُهُ فَقَدْ فَصَّل الشَّافِعِيَّةُ الْقَوْل، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ غَائِبًا مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ كَانَ لِلزَّوْجَةِ الْفَسْخُ وَلاَ يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ لِلضَّرَرِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا بِنَحْوِ اسْتِدَانَةٍ، وَإِلاَّ فَلاَ فَسْخَ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ لأَِنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَضَرِ وَيُؤْمَرُ بِالإِْحْضَارِ عَاجِلاً.
وَإِنْ كَانَ لِلزَّوْجِ مَدِينٌ غَائِبٌ مُوسِرٌ وَكَانَ لَهُ مَالٌ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَفِي حَقِّ طَلَبِ الْفَسْخِ لَهَا وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا عَدَمُ الْفَسْخِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَدِينٌ حَاضِرٌ وَلَهُ مَالٌ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ كَانَ لَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ كَانَ مَال الزَّوْجِ غَائِبًا (282) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِعَجْزِ الزَّوْجِ عَنِ النَّفَقَةِ غَائِبًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا مُعْسِرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا (283) .
التَّبَرُّعُ بِالنَّفَقَةِ:
48 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِّ طَلَبِ الزَّوْجَةِ الْفَسْخَ وَعَدَمِ قَبُولِهَا النَّفَقَةَ إِذَا تَبَرَّعَ بِهِ أَحَدٌ عَنِ الزَّوْجِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: تُجْبَرُ الزَّوْجَةُ عَلَى قَبُول النَّفَقَةِ مِنَ الْمُتَبَرِّعِ وَلَيْسَ لَهَا حَقُّ طَلَبِ الْفَسْخِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلاَّ ابْنَ الْكَاتِبِ (284) ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ وَبِهِ أَفْتَى الْغَزَالِيُّ (285) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تُجْبَرُ الزَّوْجَةُ عَلَى قَبُول النَّفَقَةِ مِنَ الْمُتَبَرِّعِ وَلَهَا حَقُّ طَلَبِ الْفَسْخِ.
وَبِهِ قَال الْحَنَابِلَةُ (286) وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْكَاتِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (287) وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُتَبَرِّعُ أَبًا أَوْ جَدًّا لِلزَّوْجِ وَهُوَ فِي وِلاَيَةِ أَيٍّ مِنْهُمَا فَيَلْزَمُهَا الْقَبُول لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِ الزَّوْجِ تَقْدِيرًا وَأَلْحَقَ بِهِمَا الأَْذْرَعِيُّ وَلَدَ الزَّوْجِ (288) .
لأَِنَّ فِي قَبُولِهَا مِنَ الْمُتَبَرِّعِ مِنَّةً عَلَيْهَا وَإِلْحَاقَ ضَرَرٍ بِهَا، فَلاَ تُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا، كَمَا لاَ يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى الْقَبُول مِنَ الْمُتَبَرِّعِ سَدَادَ الدَّيْنِ الَّذِي لِلدَّائِنِ عَلَى غَيْرِهِ.
هَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا دَفَعَ الْمُتَبَرِّعُ النَّفَقَةَ إِلَى الزَّوْجِ أَوَّلاً ثُمَّ قَامَ الزَّوْجُ بِدَفْعِهَا إِلَيْهَا.
فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمُتَبَرِّعَ لَوْ سَلَّمَ النَّفَقَةَ لِلزَّوْجِ ثُمَّ دَفَعَهَا الزَّوْجُ لَهَا أَوْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ وَكِيلُهُ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى الْقَبُول مِنْهُ، لأَِنَّ الْمِنَّةَ حِينَئِذٍ عَلَى الزَّوْجِ دُونَهَا (289) .
اعْتِبَارُ النَّفَقَةِ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ:
49 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ النَّفَقَةِ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ تُعْتَبَرُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ إِلاَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِتَرَاضِي الزَّوْجَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَضَاءٌ وَلاَ تَرَاضٍ سَقَطَتْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَبِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ (290) لأَِنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ تَجْرِي مَجْرَى الصِّلَةِ وَإِنْ كَانَتْ تُشْبِهُ الأَْعْوَاضَ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِعِوَضٍ حَقِيقَةً، لأَِنَّهَا لَوْ كَانَتْ عِوَضًا حَقِيقَةً لَكَانَتْ عِوَضًا عَنْ نَفْسِ الْمُتْعَةِ وَهِيَ الاِسْتِمْتَاعُ، أَوْ كَانَتْ عِوَضًا عَنْ مِلْكِ الْمُتْعَةِ وَهِيَ الاِخْتِصَاصُ بِهَا وَلاَ سَبِيل إِلَى الأَْوَّل، لأَِنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ مُتْعَتَهَا بِالْعَقْدِ فَكَانَ هُوَ بِالاِسْتِمْتَاعِ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ بِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، وَمَنْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لاَ يَلْزَمُهُ عِوَضٌ لِغَيْرِهِ.
وَلاَ وَجْهَ لِلثَّانِي لأَِنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ قَدْ قُوبِل بِعِوَضٍ مَرَّةً فَلاَ يُقَابَل بِعِوَضٍ آخَرَ، فَخَلَتِ النَّفَقَةُ عَنْ مُعَوَّضٍ، فَلاَ يَكُونُ عِوَضًا حَقِيقَةً بَل كَانَتْ صِلَةً، وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى رِزْقًا بِقَوْلِهِ ﷿: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (291) }
الْقَوْل الثَّانِي: تَصِيرُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ إِذَا امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا بَعْدَ أَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَلاَ رِضَا الزَّوْجِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (292) ، وَالْحَنَابِلَةُ لِقَوْل اللَّهِ ﷿: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (293) } ، مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ مُطْلَقًا دُونَ تَقَيُّدٍ بِزَمَانٍ دُونَ آخَرَ، وَلأَِنَّ النَّفَقَةَ قَدْ وَجَبَتْ، وَالأَْصْل أَنَّ مَا وَجَبَ عَلَى إِنْسَانٍ لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِالْوَفَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ (294) .
ثَانِيًا: الْقَرَابَةُ:
تَجِبُ النَّفَقَةُ - فِي الْجُمْلَةِ - بِالْقَرَابَةِ وَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
الْقَرَابَةُ الْمُوجِبَةُ لِلنَّفَقَةِ وَبَيَانُ دَرَجَاتِهَا:
50 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ مُسْتَحِقِّيهَا هُمُ الآْبَاءُ وَإِنْ عَلَوْا، وَالأَْوْلاَدُ وَإِنْ سَفَلُوا، وَالْحَوَاشِي ذَوُو الأَْرْحَامِ الْمُحَرَّمَةِ كَالْعَمِّ وَالأَْخِ وَابْنِ الأَْخِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَال وَالْخَالَةِ، وَلاَ تَجِبُ لِغَيْرِهِمْ كَابْنِ الْعَمِّ وَبِنْتِ الْعَمِّ وَبِنْتِ الْخَال وَبِنْتِ الْخَالَةِ، وَلاَ لِلْمَحْرَمِ غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ كَابْنِ الْعَمِّ إِذَا كَانَ أَخًا مَنَ الرَّضَاعِ، وَيُشْتَرَطُ اتِّحَادُهُمْ فِي الدِّينِ فِيمَا عَدَا الزَّوْجِيَّةِ وَالْوِلاَدِ فَلاَ تَجِبُ لأَِحَدٍ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ إِلاَّ بِسَبَبِ الزَّوْجِيَّةِ وَقَرَابَةِ الْوِلاَدِ (295) .
أَمَّا الأَْوْلاَدُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (296) } ، وَالْمَوْلُودُ لَهُ هُوَ الأَْبُ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ رِزْقَ النِّسَاءِ لأَِجْل الأَْوْلاَدِ، فَلأََنْ تَجِبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الأَْوْلاَدِ بِالطَّرِيقِ الأَْوْلَى.
وَأَمَّا الأَْبَوَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (297) } ، فَقَدْ نَزَلَتْ فِي حَقِّ الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ بِدَلِيل مَا قَبْلَهَا وَوَصَّيْنَا الإِْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ وَلَيْسَ مِنَ الإِْحْسَانِ وَلاَ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَعِيشَ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتْرُكَهُمَا يَمُوتَانِ جُوعًا.
وَأَمَّا الأَْجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَكَالأَْبَوَيْنِ وَلِهَذَا يَقُومَانِ مَقَامَ الأَْبِ وَالأُْمِّ فِي الإِْرْثِ وَغَيْرِهِ، وَلأَِنَّهُمْ تَسَبَّبُوا لإِِحْيَائِهِ فَاسْتَوْجَبُوا عَلَيْهِ الإِْحْيَاءَ كَالأَْبَوَيْنِ.
أَمَّا اسْتِثْنَاءُ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ اتِّحَادِ الدِّينِ فَلأَِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِاعْتِبَارِ الْحَبْسِ الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْوِلاَدِ مِنَ اتِّحَادِ الدِّينِ أَيْضًا فَلأَِنَّ الْمَنْفَيَّ عَلَيْهِ جُزْؤُهُ، وَنَفَقَةُ الْجُزْءِ لاَ تَمْتَنِعُ بِالْكُفْرِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ الْحَرْبِيَّيْنِ (298) .
وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ الْفَقْرَ لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ مُفَرِّقِينَ بَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَغَيْرِهَا قَائِلِينَ بِخِلاَفِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ حَيْثُ تَجِبُ مَعَ الْغِنَى، لأَِنَّهَا تَجِبُ لأَِجْل الْحَبْسِ الدَّائِمِ كَرِزْقِ الْقَاضِي (299) . وَفِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ فَإِنَّمَا تَجِبُ لِكُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ صَغِيرًا أَوْ أُنْثَى وَلَوْ بَالِغَةً صَحِيحَةً، أَمَّا الذَّكَرُ الْبَالِغُ فَلاَ بُدَّ مِنْ عَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ بِخِلاَفِ الأَْبَوَيْنِ فَإِنَّهَا تَجِبُ لَهُمَا مَعَ الْقُدْرَةِ، لأَِنَّهُمَا يَلْحَقُهُمَا تَعَبُ الْكَسْبِ، وَالْوَلَدُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا.
وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ، لأَِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْوَارِثِ تَنْبِيهٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمِقْدَارِ، وَلأَِنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ (300) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْوْلاَدِ الْمُبَاشِرِينَ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَلاَ يَشْتَرِطُونَ اتِّحَادَ الدِّينِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ، أَيْ بَيْنَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَبَيْنَ مَنْ تَجِبُ لَهُ، بَل يُوجِبُونَهَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفَ دَيْنُهُ مَعَ الآْخَرِ، مَا دَامَ مُسْتَحِقًّا لَهَا، شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ غَيْرَ حَرْبِيٍّ (301) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مُسْتَحِقِّيهَا هُمُ الآْبَاءُ وَإِنْ عَلَوْا وَالأَْوْلاَدُ وَإِنْ نَزَلُوا (302) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِهَا لِلآْبَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (303) } ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: " إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلاَدَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ " (304) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِهَا لِلأَْوْلاَدِ وَإِنْ نَزَلُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (305) } فَإِيجَابُ الأُْجْرَةِ لإِِرْضَاعِ الأَْوْلاَدِ يَقْتَضِي إِيجَابَ مُؤْنَتِهِمْ.
وَبِقَوْلِهِ ﷺ لِهِنْدَ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ " (306) .
وَالأَْحْفَادُ مُلْحَقُونَ بِالأَْوْلاَدِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ إِطْلاَقُ مَا تَقَدَّمَ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ اتِّحَادَ الدِّينِ بَل يُوجِبُونَهَا مَعَ اخْتِلاَفِهِ. وَلَمْ يُوجِبْهَا الشَّافِعِيَّةُ لِغَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الْحَوَاشِي (307) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى اسْتِحْقَاقِهَا لِلآْبَاءِ وَإِنْ عَلَوْا وَلِلأَْوْلاَدِ وَإِنْ نَزَلُوا، وَلِمَنْ يَرِثُهُمُ الْمُنْفِقُ دُونَ مِنْ سِوَاهُمْ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِيرَاثُهُ مِنْهُمْ بِفَرْضٍ أَمْ بِتَعْصِيبٍ، وَإِنْ لَمْ يَرِثُوا مِنْهُ.
وَلاَ نَفَقَةَ عَلَى ذَوِي الأَْرْحَامِ مِنْ غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ (308) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمُ اشْتِرَاطُ اتِّحَادِ الدِّينِ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ، لأَِنَّهَا مُوَاسَاةٌ عَلَى سَبِيل الْبِرِّ وَالصِّلَةِ لَمْ تَجِبْ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ كَنَفَقَةِ غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ، وَلأَِنَّهُمَا غَيْرُ مُتَوَارِثَيْنِ، فَلَمْ تَجِبْ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ نَفَقَتُهُ بِالْقَرَابَةِ (309) .
إِنْفَاقُ الْفُرُوعِ عَلَى الأُْصُول:
51 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الأَْبَوَيْنِ الْمُبَاشِرَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ (310) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (311) } . وَمِنَ الإِْحْسَانِ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (312) } ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَلِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ لِي مَالاً وَوَالِدًا، وَإِنَّ وَالِدِي يَجْتَاحُ مَالِيَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: " أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكِ، إِنَّ أَوْلاَدَكُمْ مَنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلاَدِكُمْ " (313) . فَإِذَا كَانَ كَسْبُ الْوَلَدِ يُعَدُّ مِنْ كَسْبِ الأَْبِ، فَإِنَّ نَفَقَةَ الأَْبِ تَكُونُ وَاجِبَةً فِيهِ، لأَِنَّ نَفَقَةَ الإِْنْسَانِ تَكُونُ مِنْ كَسْبِهِ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ فِي هَذَا فَقَال: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لاَ كَسْبَ لَهُمَا وَلاَ مَال وَاجِبَةٌ فِي مَال الْوَلَدِ (314) .
أَمَّا الأَْجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ نَفَقَةَ لأَِحَدٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ خَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالُوا بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ لِسَائِرِ الأُْصُول وَإِنْ عَلَوْا.
وَقَدِ احْتَجَّ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الأَْدِلَّةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الأَْبَوَيْنِ الْمُبَاشِرَيْنِ دُونَ سَائِرِ الأُْصُول، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ لاَ نَفَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ لِجَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ (315) .
أَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: إِنَّ الأَْجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ مُلْحَقُونَ بِالأَْبَوَيْنِ الْمُبَاشِرَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ إِطْلاَقُ مَا تَقَدَّمَ، كَمَا أُلْحِقُوا بِهِمَا فِي عَدَمِ الْقَوْدِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلأَِنَّ الأَْجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ يَقُومَانِ مَقَامَ الأَْبَوَيْنِ الْمُبَاشِرَيْنِ فِي الإِْرْثِ وَغَيْرِهِ.
وَلأَِنَّهُمْ تَسَبَّبُوا فِي إِحْيَاءِ وَلَدِ الْوَلَدِ، فَاسْتَوْجَبُوا عَلَيْهِ الإِْحْيَاءَ كَالأَْبَوَيْنِ (316) .
شُرُوطُ وُجُوبِ الإِْنْفَاقِ عَلَى الأُْصُول:
52 - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الإِْنْفَاقِ عَلَى الأُْصُول مَا يَأْتِي:
أ - أَنْ يَكُونَ الأَْصْل فَقِيرًا أَوْ عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْفَرْعِ نَفَقَةُ أَصْلِهِ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ غَنِيًّا أَوْ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، لأَِنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيل الْمُوَاسَاةِ وَالْبِرِّ، وَالْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ كَالْمُوسِرِ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْمُوَاسَاةِ.
وَبِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ (317) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَانَ الأَْصْل فَقِيرًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى فَرْعِهِ كَذَلِكَ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِالإِْحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَفِي إِلْزَامِ الآْبَاءِ التَّكَسُّبَ مَعَ غِنَى الأَْبْنَاءِ تَرْكٌ لِلإِْحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَإِيذَاءٌ لَهُمْ، وَهُوَ لاَ يَجُوزُ (318) .
ب - أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مُوسِرًا وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ قَادِرًا عَلَى التَّكَسُّبِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي جَزَمَ بِهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (319) ، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَالِهِ أَوْ كَسْبِهِ فَضْلٌ عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَامْرَأَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُل مِنْهُ شَيْءٌ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجِبُ عَلَى الْفَرْعِ الْمُعْسِرِ التَّكَسُّبُ لِيُنْفِقَ عَلَى وَالِدَيْهِ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَال الْحَلْوَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا كَانَ الاِبْنُ فَقِيرًا كَسُوبًا وَكَانَ الأَْبُ كَسُوبًا لاَ يُجْبَرُ الاِبْنُ عَلَى الإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ كَانَ غَنِيًّا بِاعْتِبَارِ الْكَسْبِ فَلاَ ضَرُورَةَ فِي إِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَيْرِ (320) .
ج - اتِّحَادُ الدِّينِ بَيْنَ الْمُنْفِقِ وَالْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ النَّفَقَةَ مُوَاسَاةٌ عَلَى سَبِيل الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ، كَنَفَقَةِ غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ، وَلأَِنَّهُمَا غَيْرُ مُتَوَارِثَيْنِ فَلَمْ يَجِبْ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ نَفَقَةٌ بِالْقَرَابَةِ (321) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: اتِّحَادُ الدِّينِ لَيْسَ شَرْطًا لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الأَْصْل عَلَى الْفَرْعِ، فَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال فِي حَقِّ الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (322) } . وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الإِْحْسَانِ وَلاَ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَعِيشَ الإِْنْسَانُ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتْرُكَ أَبَوَيْهِ يَمُوتَانِ جُوعًا لِوُجُودِ الْمُوجِبِ وَهُوَ الْبَعْضِيَّةِ (323) .
مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الأُْصُول:
53 - تَجِبُ نَفَقَةُ الأُْصُول عَلَى الْوَلَدِ، لأَِنَّ لِلأَْبَوَيْنِ تَأْوِيلاً فِي مَال الْوَلَدِ بِالنَّصِّ، وَلأَِنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِمَا، فَكَانَ أَوْلَى بِاسْتِحْقَاقِ نَفَقَتِهِمَا عَلَيْهِ.
وَهِيَ عِنْدُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الذُّكُورِ وَالإِْنَاثِ بِالسَّوِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لأَِنَّ الْمَعْنَى يَشْمَلُهُمَا (324) .
وَتَجِبُ أَيْضًا عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ وَإِنْ نَزَل عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ، فَلاَ تَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ (ر: ف 50) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الأُْصُول إِنْ تَعَدَّدَتِ الْفُرُوعُ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنِ اتَّحَدَتْ دَرَجَةُ الْقَرَابَةِ كَابْنَيْنِ أَوْ بِنْتَيْنِ، كَانَتِ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ بِالتَّسَاوِي، لِلتَّسَاوِي فِي الْقُرْبِ وَالْجُزْئِيَّةِ دُونَ النَّظَرِ إِلَى الْمِيرَاثِ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَخٌ شَقِيقٌ وَبِنْتُ بِنْتٍ، كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى بِنْتِ الْبِنْتِ، وَإِنْ كَانَ مِيرَاثُهُ لأَِخِيهِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ دَرَجَةُ الْقَرَابَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ ابْنٍ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الأَْقْرَبِ، فَتَكُونُ عَلَى الْبِنْتِ خَاصَّةً وَإِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا لِقُرْبِ الْبِنْتِ (325) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى الْحُرِّ الْمُوسِرِ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا لِلْوَالِدَيْنِ أَيِ الأُْمِّ وَالأَْبِ الْمُبَاشِرَيْنِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ النَّفَقَةَ تُوَزَّعُ عَلَى الأَْوْلاَدِ الْمُوسِرِينَ بِقَدْرِ يَسَارِ كُلٍّ مِنْهُمْ (326) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنِ اسْتَوَى فَرْعَاهُ فِي قُرْبٍ وَإِرْثٍ أَوْ عَدَمِهِمَا أَنْفَقَا عَلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الذُّكُورَةِ وَعَدَمِهَا كَابْنَيْنِ أَوْ بِنْتَيْنِ، أَوِ ابْنٍ وَبِنْتٍ، وَإِنْ تَفَاوَتَا فِي قَدْرِ الْيَسَارِ، أَوْ أَيْسَرَ أَحَدُهُمَا بِالْمَال وَالآْخَرِ بِالْكَسْبِ، لأَِنَّ عِلَّةَ إِيجَابِ النَّفَقَةِ تَشْمَلُهُمَا، فَإِنْ غَابَ أَحَدُهُمَا أُخِذَ قِسْطُهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلاَّ أَمَرَ الْحَاكِمُ الْحَاضِرَ بِالإِْنْفَاقِ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ عَلَى الْغَائِبِ أَوْ مَالِهِ إِذَا وَجَدَهُ (327) وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْقُرْبِ، فَالأَْصَحُّ أَقْرَبُهُمَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، لأَِنَّ الْقُرْبَ أَوْلَى بِالاِعْتِبَارِ (328) .
فَإِنِ اسْتَوَى قُرْبُهُمَا فَبِالإِْرْثِ تُعْتَبَرُ النَّفَقَةُ فِي الأَْصَحِّ لِقُوَّتِهِ.
وَإِنْ تَسَاوَى الْفَرْعَانِ فِي أَصْل الإِْرْثِ دُونَ غَيْرِهِ كَابْنٍ وَبِنْتٍ، فَهَل يَسْتَوِيَانِ فِي قَدْرِ الإِْنْفَاقِ أَمْ يُوَزَّعُ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِمَا بِحَسَبِ الإِْرْثِ؟ وَجْهَانِ: وَجْهُ التَّوْزِيعِ: إِشْعَارُ زِيَادَةِ الإِْرْثِ بِزِيَادَةِ قُوَّةِ الْقُرْبِ، وَوَجْهُ الاِسْتِوَاءِ فِي قَدْرِ الإِْنْفَاقِ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الإِْرْثِ (329) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنِ اتَّحَدَتْ دَرَجَةُ الْقَرَابَةِ كَابْنٍ وَبِنْتٍ فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا أَثْلاَثًا كَالْمِيرَاثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْل ذَلِكَ (330) } .
فَإِنَّهُ رَتَّبَ النَّفَقَةَ عَلَى الإِْرْثِ، فَيَجِبُ أَنْ تَتَرَتَّبَ فِي الْمِقْدَارِ عَلَيْهِ. وَإِنِ اخْتَلَفَتْ دَرَجَةُ الْقَرَابَةِ كَبِنْتٍ وَابْنِ ابْنٍ فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا كَالْمِيرَاثِ (331) .
إِنْفَاقُ الأُْصُول عَلَى الْفُرُوعِ:
54 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى وُجُوبِ إِنْفَاقِ الأَْبِ عَلَى وَلَدِهِ الْمُبَاشِرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (332) . لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (333) } وَالْمَوْلُودُ لَهُ هُوَ الأَْبُ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ رِزْقَ النِّسَاءِ لأَِجْل الأَْوْلاَدِ، فَلأََنْ تَجِبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الأَْوْلاَدِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى (334) .
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (335) } . فَقَدْ أَوْجَبَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أُجْرَةَ الرَّضَاعِ لِلأَْوْلاَدِ عَلَى آبَائِهِمْ، وَإِيجَابُ الأُْجْرَةِ لإِِرْضَاعِ الأَْوْلاَدِ يَقْتَضِي إِيجَابَ مُؤْنَتِهِمْ وَالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِمْ (336) .
وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لِهِنْدَ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ " (337) . فَقَدْ أَبَاحَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاِمْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ الأَْخْذَ مِنْ مَال زَوْجِهَا لِتُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا وَأَوْلاَدِهَا وَلَوْلاَ أَنَّ الإِْنْفَاقَ عَلَى الأَْوْلاَدِ وَالزَّوْجَاتِ حَقٌّ وَاجِبٌ لَمَا أَبَاحَ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ لِحُرْمَةِ مَال الْمُسْلِمِ.
وَلأَِنَّ وَلَدَ الإِْنْسَانِ بَعْضُهُ وَهُوَ بَعْضُ وَالِدِهِ، فَكَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى بَعْضِهِ (338) .
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ نَفَقَةَ أَوْلاَدِهِ الأَْطْفَال الَّذِينَ لاَ مَال لَهُمْ (339) .
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ إِنْفَاقِهِ عَلَى أَوْلاَدِ الأَْوْلاَدِ وَفُرُوعِهِمْ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِسَائِرِ الْفُرُوعِ، وَإِنْ نَزَلُوا، لأَِنَّ الْوَلَدَ يَشْمَل الْوَلَدَ الْمُبَاشِرَ وَمَا تَفَرَّعَ مِنْهُ (340) .
وَلأَِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عِنْدَهُمْ بِالْجُزْئِيَّةِ لاَ بِالإِْرْثِ، وَوَلَدُ الْوَلَدِ وَإِنْ نَزَل بَعْضٌ مِنْ جَدِّهِ، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا مِنْهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ لأَِوْلاَدِ الأَْوْلاَدِ عَلَى جَدِّهِمْ لِظَاهِرِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (341) } .
فَهَذَا النَّصُّ يَدُل عَلَى وُجُوبِ الإِْنْفَاقِ عَلَى وَلَدِ الصُّلْبِ، فَلاَ يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ (342) .
وَلأَِنَّ النَّفَقَةَ عِنْدَهُمْ تَجِبُ بِالإِْرْثِ لاَ بِالْجُزْئِيَّةِ.
شُرُوطُ وُجُوبِ نَفَقَةِ الأَْوْلاَدِ:
55 - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الأَْوْلاَدِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ لاَ مَال لَهُمْ وَلاَ كَسْبَ يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ إِنْفَاقِ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ.
فَإِنْ كَانُوا مُوسِرِينَ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ، فَلاَ نَفَقَةَ لَهُمْ، لأَِنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيل الْمُوَاسَاةِ، وَالْمُوسِرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْمُوَاسَاةِ (343) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا يُنْفِقُهُ الأَْصْل عَلَيْهِمْ فَاضِلاً عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ أَمْ مِنْ كَسْبِهِ.
فَالَّذِي لاَ يَفْضُل عَنْهُ شَيْءٌ، لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: " ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَل شَيْءٌ فَلأَِهْلِكَ، فَإِنْ فَضَل عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ " (344) .
وَلأَِنَّ نَفَقَةَ الأَْقَارِبِ مُوَاسَاةٌ فَلاَ تَجِبُ عَلَى الْمُحْتَاجِ كَالزَّكَاةِ (345) .
وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: اتِّحَادُ الدِّينِ، وَبِهَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ، فَلاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ فِي عَمُودَيِ النَّسَبِ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعْتَمَدَةِ عِنْدَهُمْ، وَلأَِنَّهَا مُوَاسَاةٌ عَلَى سَبِيل الْبِرِّ وَالصِّلَةِ فَلَمْ تَجِبْ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ، كَنَفَقَةِ غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ، وَلأَِنَّهُمَا غَيْرُ مُتَوَارِثَيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ لأَِحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ نَفَقَتُهُ بِالْقَرَابَةِ.
وَلاَ تُقَاسُ نَفَقَةُ الأَْوْلاَدِ عِنْدَهُمْ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، لأَِنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ عِوَضٌ يَجِبُ مَعَ الإِْعْسَارِ، فَلاَ يُنَافِيهَا اخْتِلاَفُ الدِّينِ كَالصَّدَاقِ وَالأُْجْرَةِ (346) .
خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ الَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوا هَذَا الشَّرْطَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (347) } ، فَهَذِهِ الآْيَةُ تَدُل عَلَى أَنَّ الْوِلاَدَةَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الأَْوْلاَدِ عَلَى الآْبَاءِ. اتَّحَدَ الدِّينُ أَوِ اخْتَلَفَ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُنْفِقُ وَارِثًا، وَبِهَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْل ذَلِكَ (348) } مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّ بَيْنَ الْمُتَوَارِثِينَ قَرَابَةٌ تَقْتَضِي كَوْنَ الْوَارِثِ أَحَقَّ بِمَال الْمَوْرُوثِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِوُجُوبِ صِلَتِهِ بِالنَّفَقَةِ دُونَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ (349) .
تَعَدُّدُ الأُْصُول:
56 - إِذَا تَعَدَّدَتِ الأُْصُول (الأَْبُ وَالأُْمُّ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ) فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْفُرُوعِ تَكُونُ وَاجِبَةً عَلَى الأَْبِ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا وَقَادِرًا عَلَى الإِْنْفَاقِ لاَ يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ (350) } ، فَالآْيَةُ تَدُل عَلَى حَصْرِ النَّفَقَةِ فِي الأَْبِ دُونَ سِوَاهُ (351) .
وَاخْتَلَفُوا فِي حَالَةِ عَدَمِ وُجُودِ الأَْبِ، وَكَذَا إِذَا كَانَ مَوْجُودًا لَكِنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الإِْنْفَاقِ.
فَالْحَنَفِيَّةُ: يَرَوْنَ أَنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى الأُْصُول الْمَوْجُودَةِ، فَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا وَارِثِينَ، فَهُمْ جَمِيعًا مُطَالَبُونَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى حَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ فِي الْمِيرَاثِ، فَإِذَا وُجِدَ جَدٌّ لأَِبٍ مَعَ الأُْمِّ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا بِنِسْبَةِ مِيرَاثِهِمَا، فَيَكُونُ عَلَى الأُْمِّ الثُّلُثُ وَعَلَى الْجَدِّ الثُّلُثَانِ.
وَلَوْ وُجِدَتْ جَدَّةٌ لأُِمٍّ وَجَدَّةٌ لأَِبٍ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا بِالتَّسَاوِي، لأَِنَّ مِيرَاثَهُمَا مُتَسَاوٍ.
وَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا غَيْرَ وَارِثِينَ، بِأَنْ كَانُوا مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى أَقْرَبِهِمْ دَرَجَةً، فَإِنِ اتَّحَدَتْ دَرَجَتُهُمْ كَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ بِالتَّسَاوِي.
وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ وَارِثًا وَبَعْضُهُمْ غَيْرَ وَارِثٍ، كَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الأَْقْرَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، فَإِنِ اتَّحَدُوا فِي دَرَجَةِ الْقَرَابَةِ كَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ دُونَ غَيْرِهِ (352) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنَّ صُورَةَ تَعَدُّدِ الأُْصُول الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهَا نَفَقَةُ الْفُرُوعِ غَيْرُ وَارِدَةٍ عِنْدَهُمْ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ النَّفَقَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الأُْصُول سِوَى الأَْبِ (353) .
وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: فَإِذَا لَمْ يُوجَدِ الأَْبُ، أَوْ كَانَ عَاجِزًا، وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأُْصُول الذُّكُورِ دُونَ الإِْنَاثِ، فَمَثَلاً إِذَا وُجِدَ جَدٌّ لأُِمٍّ وَجَدَّةٌ لأَِبٍ، أَوْ لأُِمٍّ كَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ لأُِمٍّ، وَإِذَا تَعَدَّدَتِ الأُْصُول وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْنِهِمْ ذَكَرٌ بِأَنْ كَانُوا جَمِيعًا مِنَ الإِْنَاثِ، كَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الأَْقْرَبِ فِي الدَّرَجَةِ.
فَمَثَلاً إِذَا وُجِدَتْ أُمُّ الأَْبِ وَأُمُّ أَبِ الأَْبِ وَأُمُّ أُمِّ الأَْبِ، كَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَى أُمِّ الأَْبِ، لأَِنَّهَا أَقْرَبُ (354) .
وَأَمَّا عِنْدُ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمُعْتَمَدِ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ أَبٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى وَارِثِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثَانِ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلاَثَةً أَوْ أَكْثَرَ فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ لَهُ أُمٌّ وَجَدٌّ فَعَلَى الأُْمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ، لأَِنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْل ذَلِكَ (355) } وَالأُْمُّ وَارِثَةٌ، فَكَانَ عَلَيْهِمَا بِالنَّصِّ. وَلأَِنَّ الإِْنْفَاقَ مَعْنًى يُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ فَلَمْ يَخْتَصُّ بِهِ الْجَدُّ دُونَ الأُْمِّ كَالْوِرَاثَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ جَدَّةً وَأَخًا فَعَلَى الْجَدَّةِ سُدُسُ النَّفَقَةِ وَالْبَاقِي عَلَى الأَْخِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ تَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى الْعَصَبَاتِ خَاصَّةً (356) .
مِقْدَارُ نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ:
57 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ قَدْرُ الْكِفَايَةِ مِنَ الْخُبْزِ وَالأُْدْمِ وَالْكُسْوَةِ وَالسُّكْنَى وَالرَّضَاعِ إِنْ كَانَ رَضِيعًا، لأَِنَّهَا وَجَبَتْ لِلْحَاجَةِ فَتُقَدَّرُ بِمَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ.
فَقَدْ قَال ﷺ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ " (357) ، فَقَدَّرَ نَفَقَتَهَا وَنَفَقَةَ وَلَدِهَا بِالْكِفَايَةِ.
وَإِنِ احْتَاجَ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ إِلَى خَادِمٍ، فَعَلَى الْمُنْفِقِ إِخْدَامُهُ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ كِفَايَتِهِ (358) . اجْتِمَاعُ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ:
58 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ لِلنَّفَقَةِ أُصُولٌ وَفُرُوعٌ:
فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ الأُْصُول وَالْفُرُوعُ لِمُسْتَحِقِّ النَّفَقَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَابْنٌ: فَإِنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الاِبْنِ لاَ عَلَى الأَْبِ - وَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ وَالْوِرَاثَةِ - لِتَرَجُّحِ الاِبْنِ بِإِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ مِنْ كَسْبِ الأَْبِ (359) ، كَمَا يَدُل عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: " إِنَّ أَوْلاَدَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلاَدِكُمْ " (360) .
وَلأَِنَّ مَال الاِبْنِ مُضَافٌ إِلَى الأَْبِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: " أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ " (361) .
وَلاَ يُشَارِكُ الْوَلَدُ فِي نَفَقَةِ وَالِدِهِ أَحَدٌ مِنَ الأَْبِ أَوِ الأُْمِّ أَوِ الْجَدِّ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الاِبْنُ وَتَفَاوَتُوا فِي دَرَجَةِ الْقَرَابَةِ كَمَا لَوْ كَانَ لِمُسْتَحَقِّ النَّفَقَةِ أَبٌ وَابْنُ ابْنٍ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الأَْقْرَبِ، فَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى الأَْبِ، لأَِنَّهُ أَقْرَبُ دَرَجَةً.
وَإِنْ تَسَاوَوْا فِي دَرَجَةِ الْقَرَابَةِ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى حَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ فِي الْمِيرَاثِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ جَدٌّ وَابْنُ ابْنٍ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمَا، السُّدُسُ عَلَى الْجَدِّ، وَالْبَاقِي عَلَى ابْنِ الاِبْنِ كَالْمِيرَاثِ (362) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ لِمُسْتَحِقِّ النَّفَقَةِ أَصْلٌ وَفَرْعٌ فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْفَرْعِ وَإِنْ بَعُدَ كَأَبٍ وَابْنِ ابْنٍ، لأَِنَّ عُصُوبَتَهُ أَقْوَى، وَهُوَ أَوْلَى بِالْقِيَامِ بِشَأْنِ أَبِيهِ لِعَظِمِ حُرْمَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا عَلَى الأَْصْل اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ لَهُ فِي الصِّغَرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا، لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعِلَّةِ وَهِيَ الْبَعْضِيَّةُ (363) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَيَرَوْنَ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ لِمُسْتَحَقِّ النَّفَقَةِ أَبٌ وَابْنٌ مِنْ أَهْل الإِْنْفَاقِ كَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الأَْبِ وَحْدَهُ، وَلاَ تَجِبُ عَلَى مَنْ سِوَاهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (364) } ، وَقَوْلِهِ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (365) } ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدَ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ " (366) . فَهَذِهِ النُّصُوصُ جَعَلَتِ النَّفَقَةَ عَلَى الأَْبِ دُونَ غَيْرِهِ (367) ، فَوَجَبَ اتِّبَاعُ النَّصِّ، وَتَرْكُ مَا عَدَاهُ.
فَإِذَا لَمْ يُوجَدُ الأَْبُ أُجْبِرَ وَارِثُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ بِقَدْرِ مِيرَاثِِهِ مِنْهُ، فَمَنْ كَانَ لَهُ جَدٌّ لأُِمٍّ وَابْنُ ابْنٍ كَانْتِ النَّفَقَةُ عَلَى ابْنِ الاِبْنِ لأَِنَّهُ الْوَارِثُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْجَدِّ لأُِمٍّ لِعَدَمِ إِرْثِهِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ أُمٌّ وَابْنٌ، وَجَبَ عَلَى أُمِّهِ سُدُسُ نَفَقَتِهِ، وَوَجَبَ عَلَى الاِبْنِ الْبَاقِي، لأَِنَّ مِيرَاثَهُمَا كَذَلِكَ (368) .
وَإِذَا اجْتَمَعَ أَصْلٌ وَفَرْعٌ وَارِثَانِ، وَكَانَ أَقْرَبُهُمَا مُعْسِرًا وَالأَْبْعَدُ مُوسِرًا، وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُوسِرِ الأَْبْعَدِ، لأَِنَّ الْمُعْسِرَ كَالْمَعْدُومِ، فَمَثَلاً مَنْ كَانَ لَهُ أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ كَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْجَدَّةِ فَقَطْ (369) .
نَفَقَةُ الْحَوَاشِي:
59 - الْحَوَاشِي هُمُ الأَْقَارِبُ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ عَمُودَيِ النَّسَبِ، كَالإِْخْوَةِ وَأَبْنَاءِ الإِْخْوَةِ وَالأَْخْوَال وَالْخَالاَتِ وَالأَْعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ (370) . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَفَقَةِ الْحَوَاشِي.
فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ (371) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (372) } ، وَقَوْلِهِ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى (373) } .
فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَل حَقَّ ذِي الْقُرْبَى بَعْدَ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ فِي الدَّرَجَةِ، وَأَمَرَ بِالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمْ كَمَا أَمَرَ بِهِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَمِنَ الإِْحْسَانِ إِلَيْهِمُ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِمْ.
وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فِيمَا رَوَاهُ طَارِقٌ الْمُحَارِبِيُّ ﵁ قَال: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَإِذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُول: " يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول، أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ " (374) .
وَبِمَا رَوَاهُ كُلَيْبُ بْنُ مَنْفَعَةَ الْحَنَفِيُّ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَال: " أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، وَمَوْلاَكَ الَّذِي يَلِي، ذَاكَ حَقٌّ وَاجِبٌ وَرَحِمٌ مَوْصُولَةٌ " (375) .
فَالرَّسُول ﷺ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى هَؤُلاَءِ الْمَذْكُورِينَ حَقٌّ وَاجِبٌ.
غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي تَعْيِينِ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنَ الْحَوَاشِي:
فَالْحَنَفِيَّةُ: يُوجِبُونَهَا لِكُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَالْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَال وَالْخَالَةِ وَالأَْخِ وَابْنِ الأَْخِ، وَلاَ تَجِبُ عِنْدَهُمْ لِذِي رَحِمٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ كَابْنِ الْعَمِّ وَبِنْتِ الْعَمِّ، وَلاَ تَجِبُ أَيْضًا لِمَحْرَمٍ غَيْرِ ذِي رَحِمٍ كَالأَْخِ مِنَ الرَّضَاعِ (376) مُسْتَدِلِّينَ عَلَى وُجُوبِهَا لِكُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْل ذَلِكَ) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَيُوجِبُونَهَا لِكُل قَرِيبٍ وَارِثٍ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، فَتَجِبُ عِنْدَهُمْ لِلأَْخِ الشَّقِيقِ أَوْ لأَِبٍ أَوْ لأُِمٍّ، وَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ، وَلاَ تَجِبُ لِلْعَمَّةِ وَبِنْتِ الْعَمِّ وَالْخَال وَالْخَالَةِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّا لاَ إِرْثَ لَهُمْ بِالْفَرْضِ أَوِ التَّعْصِيبِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ قَرَابَتَهُمْ ضَعِيفَةٌ، فَهُمْ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ يَأْخُذُونَ مَالَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ. وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّفَقَةَ تَلْزَمُ ذَوِي الأَْرْحَامِ الَّذِينَ لاَ يَرِثُونَ بِالْفَرْضِ أَوِ التَّعْصِيبِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَاتِ وَذَوِي الْفُرُوضِ، لأَِنَّهُمْ وَارِثُونَ فِي تِلْكَ الْحَال (377) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ نَفَقَةَ الْحَوَاشِي غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَلاَ نَفَقَةَ عِنْدَهُمْ لِمَنْ عَدَا الأُْصُول وَالْفُرُوعَ مِنَ الأَْقَارِبِ كَالإِْخْوَةِ وَالأَْخْوَال وَالأَْعْمَامِ، وَذَلِكَ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِإِيجَابِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ، وَمَنْ سِوَاهُمَا لاَ يَلْحَقُ بِهِمْ فِي الْوِلاَدَةِ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ (378) .
شُرُوطُ وُجُوبِ نَفَقَةِ الْحَوَاشِي عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا:
60 - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْحَوَاشِي عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا الشُّرُوطُ الَّتِي يَجِبُ تَوَافُرُهَا فِي نَفَقَةِ الأَْوْلاَدِ وَهِيَ:
أ - أَنْ يَكُونَ الْمُنْفِقُ عَلَيْهِ فَقِيرًا عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ، بِسَبَبِ الصِّغَرِ أَوِ الأُْنُوثَةِ أَوِ الزَّمَانَةِ أَوِ الْعَمَى، لأَِنَّهَا أَمَارَةُ الْحَاجَةِ وَلِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ، فَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ غَنِيٌّ بِكَسْبِهِ.
ب - أَنْ يَكُونَ الْمُنْفِقُ وَاجِدًا مَا يُنْفِقُهُ فَاضِلاً عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَخَادِمِهِ. ج - اتِّحَادُ الدِّينِ بَيْنَ الْمُنْفِقِ وَالْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، فَلاَ نَفَقَةَ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ لِعَدَمِ تَوَارُثِ مُخْتَلِفِي الدِّينِ.
وَيُلاَحَظُ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَشْتَرِطُونَ هَذَا الشَّرْطَ فِي نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ عُمُومًا، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ يَشْتَرِطُونَ هَذَا الشَّرْطَ إِلاَّ فِي نَفَقَةِ الْحَوَاشِي فَقَطْ (379) .
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلاَثَةُ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْحَوَاشِي وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (380) .
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَيْهَا شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ وَهُمَا:
الأَْوَّل: قَضَاءُ الْقَاضِي بِهَا، فَلاَ تُسْتَحَقُّ قَبْلَهُ، فَلَوْ ظَفِرَ أَحَدُهُمْ بِجِنْسِ حَقِّهِ قَبْل الْقَضَاءِ أَوِ الرِّضَا، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ، لأَِنَّ وُجُوبَهَا لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الإِْحْيَاءِ لِعَدَمِ مَعْنَى الْجُزْئِيَّةِ، بَل هِيَ صِلَةٌ مَحْضَةٌ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَقَّفَ وُجُوبُهَا عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، بِخِلاَفِ نَفَقَةِ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ فَهِيَ لاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، لأَِنَّهَا وَجَبَتْ - بِطَرِيقِ الإِْحْيَاءِ، لِمَا فِيهَا مِنْ دَفْعِ الْهَلاَكِ لِوُجُودِ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ بَيْنَ الْمُنْفِقِ وَالْمُنْفَقِ عَلَيْهِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ إِحْيَاءُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي (381) . وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَرِيبُ الْمُحْتَاجُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، لأَِنَّ الصِّلَةَ فِي الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَاجِبَةٌ دُونَ الْبَعِيدَةِ، وَالْفَاصِل بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (382) } ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْل ذَلِكَ " (383) .
اجْتِمَاعُ الأُْصُول وَالْحَوَاشِي:
61 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الأُْصُول وَالْحَوَاشِي.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الأَْقَارِبِ مِنْ جِهَةِ الْحَوَاشِي، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الأَْصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ النَّفَقَةُ. فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِكُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَالْعَمِّ وَالْعَمَّةِ، وَالأَْخِ وَالأُْخْتِ، وَالْخَال وَالْخَالَةِ، وَلاَ تَجِبُ لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَابْنِ الْعَمِّ وَبِنْتِ الْعَمِّ، وَلاَ لِمَحْرَمٍ غَيْرِ ذِي رَحِمٍ كَالأُْمِّ مِنَ الرَّضَاعِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِكُل قَرِيبٍ وَارِثٍ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ كَالأَْخِ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانَ، وَلاَ تَجِبُ لِمَنْ لاَ يَرِثُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، وَلَوْ كَانَ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا تَجِبُ لِلأُْصُول وَالْفُرُوعِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يُوجِبُونَهَا إِلاَّ لِلآْبَاءِ وَالأَْوْلاَدِ الْمُبَاشِرِينَ، أَيِ الطَّبَقَةِ الأَْوْلَى مِنَ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ فَقَطْ (384) .
وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ مَذْهَبَيِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الأَْقَارِبِ مِنْ جِهَتَيِ الأُْصُول وَالْحَوَاشِي.
أَوَّلاً: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ:
62 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الأَْقَارِبِ مِنْ جِهَتَيِ الأُْصُول وَالْحَوَاشِي فَالْحَال لاَ يَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ وَارِثًا وَالآْخَرُ غَيْرَ وَارِثٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ وَارِثًا.
أ - فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ وَارِثًا وَالآْخَرُ غَيْرَ وَارِثٍ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الأُْصُول وَحْدَهُمْ تَرْجِيحًا لاِعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ.
وَلاَ يُطَالَبُ الأَْقَارِبُ مِنْ جِهَةِ الْحَوَاشِي بِالنَّفَقَةِ وَلَوْ كَانُوا وَارِثِينَ، لأَِنَّ الْقَرَابَةَ الْجُزْئِيَّةَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا.
فَلَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ جَدٌّ لأُِمٍّ وَعَمٍّ شَقِيقٍ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ لأُِمٍّ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ، لأَِنَّهُ مِنْ جِهَةِ الأُْصُول فَيُقَدَّمُ تَرْجِيحًا لِلْجُزْئِيَّةِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْعَمِّ الشَّقِيقِ شَيْءٌ مَعَ أَنَّهُ وَارِثٌ، لأَِنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْحَوَاشِي.
وَكَذَلِكَ الْحَال لَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ جَدٌّ لأَِبٍ، وَأَخٌ شَقِيقٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ لأَِبٍ وَهُوَ وَارِثٌ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الأَْخِ الشَّقِيقِ تَرْجِيحًا لِلْجُزْئِيَّةِ.
وَعِنْدَ تَعَدُّدِ الأُْصُول وَالْحَوَاشِي فَالْمُعْتَبَرُ الإِْرْثُ فِي النَّفَقَةِ، فَلَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ جَدٌّ لأَِبٍ وَجَدَّةٌ لأَِبٍ وَعَمٌّ شَقِيقٌ وَعَمٌّ لأَِبٍ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ لأَِبٍ وَالْجَدَّةِ لأَِبٍ بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ: السُّدُسُ عَلَى الْجَدَّةِ لأَِبٍ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ لأَِبٍ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْعَمِّ الشَّقِيقِ وَالْعَمِّ لأَِبٍ.
هَذَا هُوَ الْحُكْمُ إِنْ كَانَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ وَارِثًا وَالآْخَرُ غَيْرَ وَارِثٍ (385) .
ب - أَمَّا إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ وَارِثًا، فَالْعِبْرَةُ فِي إِيجَابِ النَّفَقَةِ بِمِقْدَارِ الإِْرْثِ، فَتُوَزَّعُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ بِنِسْبَةِ الإِْرْثِ.
فَلَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ أَمٌّ وَعَمٌّ، فَالنَّفَقَةُ تَجِبُ عَلَيْهِمَا بِحَسَبِ نَصِيبِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَعَلَى الأُْمِّ الثُّلُثُ وَعَلَى الْعَمِّ الثُّلُثَانِ لأَِنَّ نَصِيبَ كُلٍّ فِي الْمِيرَاثِ كَذَلِكَ.
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا لَوِ اجْتَمَعَ مَعَ الْجَدِّ لأَِبٍ أُمٌّ وَعَاصِبٌ آخَرُ كَالأَْخِ أَوِ الْعَمِّ، فَالنَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الْجَدِّ لأَِبٍ، لأَِنَّهُ يَنْزِل مَنْزِلَةَ الأَْبِ وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ.
وَكَذَا لَوِ اجْتَمَعَ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ أُمٌّ وَجَدٌّ لأَِبٍ وَأَخٌ شَقِيقٌ أَوِ ابْنُ أَخٍ أَوْ عُمٌّ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ وَحْدَهُ، لأَِنَّ الْجَدَّ يَحْجُبُ الأَْخَ وَابْنَهُ وَالْعَمَّ، لِتَنْزِيلِهِ حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ الأَْبِ، وَحَيْثُ تَحَقَّقَ تَنْزِيلُهُ مَنْزِلَةَ الأَْبِ صَارَ كَمَا لَوْ كَانَ الأَْبُ مَوْجُودًا حَقِيقَةً، وَإِذَا كَانَ الأَْبُ مَوْجُودًا حَقِيقَةً لاَ تُشَارِكُهُ الأُْمُّ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ، فَكَذَا الْحَال إِذَا كَانَ مَوْجُودًا حُكْمًا، فَتَجِبُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ (386) .
هَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَ الْجَدِّ لأَِبٍ وَالأُْمِّ عَاصِبٌ مِنَ الْحَوَاشِي.
فَلَوْ كَانَ لِلْفَقِيرِ الْمُحْتَاجِ أُمٌّ وَجَدٌّ لأَِبٍ فَقَطْ وَلاَ أَحَدَ مَعَهُمَا مِنَ الْعَصَبَاتِ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا وَفْقَ مِيرَاثِهِمَا، لأَِنَّ الْجَدَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَنْزِل مَنْزِلَةَ الأَْبِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا أَثْلاَثًا (387) .
ثَانِيًا: مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ:
63 - يَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الأَْقَارِبِ مِنْ جِهَتَيِ الأُْصُول وَالْحَوَاشِي فَالْمُعْتَبَرُ الإِْرْثُ، فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ مِنَ الأَْقَارِبِ مِنَ الْجِهَتَيْنِ مَنْ هُوَ وَارِثٌ وَآخَرُ غَيْرُ وَارِثٍ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَإِذَا تَعَدَّدَ الْوَرَثَةُ، فَالنَّفَقَةُ تَكُونُ عَلَيْهِمْ بِحَسْبِ أَنْصِبَائِهِمْ فِي الْمِيرَاثِ.
فَلَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ أُمُّ أُمٍّ وَأَبُ أُمٍّ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى أُمِّ الأُْمِّ، لأَِنَّهَا الْوَارِثَةُ وَلاَ شَيْءَ عَلَى أَبِي الأُْمِّ لِعَدَمِ مِيرَاثِهِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَمٌّ شَقِيقٌ وَجَدٌّ لأَِبٍ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ لأَِبٍ، لأَِنَّهُ الْوَارِثُ وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْعَمِّ، لِعَدَمِ مِيرَاثِهِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ أُمٌّ وَجَدٌّ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَثْلاَثًا، فَعَلَى الأُْمِّ الثُّلُثُ، وَعَلَى الْجَدِّ الثُّلُثَانِ، لأَِنَّهُمَا يَرِثَانِ كَذَلِكَ. وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ جَدَّةٌ وَأَخٌ، فَعَلَى الْجَدَّةِ سُدُسُ النَّفَقَةِ، وَعَلَى الأَْخِ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُل مَا يُمَاثِل ذَلِكَ (388) .
هَذَا هُوَ الْحُكْمُ إِذَا كَانُوا وَارِثِينَ بِالْفِعْل.
أَمَّا إِذَا اجْتَمَعَ قَرِيبَانِ مُوسِرَانِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مَحْجُوبًا بِقَرِيبٍ فَقِيرٍ، فَقَدْ فَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ عَمُودَيِ النَّسَبِ (الأُْصُول وَالْفُرُوعِ) وَبَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِهِمَا. فَإِنْ كَانَ الْمَحْجُوبُ مِنْ عَمُودَيِ النَّسَبِ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ النَّفَقَةُ.
فَلَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ أَبٌ وَأُمٌّ وَجَدٌّ، وَكَانَ الأَْبُ مُعْسِرًا، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى الأُْمِّ وَالْجَدِّ أَثْلاَثًا، الثُّلُثُ عَلَى الأُْمِّ، وَالثُّلُثَانِ عَلَى الْجَدِّ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ، فَلاَ نَفَقَةَ عَلَيْهِ.
فَلَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ أَبٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ وَجَدٌّ، وَكَانَ الأَْبُ مُعْسِرًا، فَلاَ شَيْءَ عَلَى الأَْخَوَيْنِ، لأَِنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ بِالأَْبِ، وَلَيْسَا مِنْ عَمُودَيِ النَّسَبِ، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى الأُْمِّ وَالْجَدِّ أَثْلاَثًا (389) .
اجْتِمَاعُ الْفُرُوعِ وَالْحَوَاشِي:
64 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى غَيْرِ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذْ يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الأَْقَارِبِ مِنْ جِهَتَيِ الْفُرُوعِ وَالْحَوَاشِي، فَالْمُعْتَبَرُ فِي النَّفَقَةِ الْقُرْبُ وَالْجُزْئِيَّةُ دُونَ الإِْرْثِ، وَعَلَى هَذَا فَالنَّفَقَةُ تَجِبُ عَلَى الْفُرُوعِ وَلَوْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِي الدِّينِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْحَوَاشِي وَلَوْ كَانُوا وَارِثِينَ.
فَلَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ بِنْتٌ وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ، تَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ فَقَطْ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الأُْخْتِ مَعَ أَنَّهَا تَرِثُ النِّصْفَ تَعْصِيبًا، وَكَذَا لَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ أَخٌ مُسْلِمٌ وَابْنٌ نَصْرَانِيٌّ، فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الاِبْنِ النَّصْرَانِيِّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الأَْخِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ وَارِثًا، لِتَرَجُّحِ الْقُرْبِ وَالْجُزْئِيَّةِ.
وَكَذَا لَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ ابْنُ بِنْتٍ وَأَخٌ شَقِيقٌ: فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى ابْنِ الْبِنْتِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الأَْخِ الشَّقِيقِ، وَإِنْ كَانَ وَارِثًا، لِتَرَجُّحِ قَرَابَتِهِ عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ لإِِدْلاَءِ كُلٍّ مِنْهَا بِوَاسِطَةٍ (390) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الأَْقَارِبِ مِنْ جِهَتَيِ الْفُرُوعِ وَالْحَوَاشِي تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ دُونَ غَيْرِهِ، وَعِنْدَ تَعَدُّدِهِمْ تُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ.
فَلَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ ابْنٌ وَأَخٌ لأُِمٍّ، فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الاِبْنِ، لأَِنَّهُ الْوَارِثُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الأَْخِ لأُِمٍّ، لأَِنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ.
وَإِنِ اجْتَمَعَ بِنْتٌ وَأُخْتٌ، أَوْ بِنْتٌ وَأَخٌ، أَوْ بِنْتٌ وَعَصَبَةٌ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رَدٌّ أَوْ عَوْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَكَذَلِكَ لَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ ابْنٌ يَهُودِيٌّ وَعَمٌّ مُسْلِمٌ، فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْعَمِّ الْمُسْلِمِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الاِبْنِ الْيَهُودِيِّ، لأَِنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ، لاِخْتِلاَفِ الدِّينِ (391) .
اجْتِمَاعُ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ وَالْحَوَاشِي:
65 - عِنْدَ اجْتِمَاعِ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ وَالْحَوَاشِي، يَرَى الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّ النَّفَقَةَ تَكُونُ عَلَى الأُْصُول وَالْفُرُوعِ دُونَ الْحَوَاشِي، وَيُرَاعَى تَقْدِيمُ الأَْقْرَبِ دَرَجَةً ثُمَّ الْوَارِثِ، فَيُقَدَّمُ الاِبْنُ عَلَى الأَْبِ، وَالأَْبُ عَلَى الْجَدِّ وَهَكَذَا.
وَعِنْدَ الاِسْتِوَاءِ فِي الدَّرَجَةِ وَالإِْرْثِ فَعَلَى حَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ فِي الْمِيرَاثِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الأُْصُول وَالْفُرُوعِ فَقَطْ، وَيُقَدَّمُ الْفَرْعُ عَلَى الأَْصْل، وَعِنْدَ التَّعَدُّدِ يَكُونُ الاِعْتِبَارُ بِقُرْبِ الدَّرَجَةِ، وَعِنْدَ التَّعَدُّدِ وَالاِسْتِوَاءِ فِي الْقُرْبِ يَكُونُ الاِعْتِبَارُ بِالْمِيرَاثِ، وَعِنْدَ التَّعَدُّدِ تُوَزَّعُ عَلَى حَسَبِ الأَْنْصِبَاءِ فِي الْمِيرَاثِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ الإِْرْثُ، وَعِنْدَ تَعَدُّدِ الْوَرَثَةِ تَكُونُ النَّفَقَةُ بِحَسَبِ الأَْنْصِبَاءِ فِي الْمِيرَاثِ.
فَلَوِ اجْتَمَعَ لِشَخْصٍ يَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ بِنْتٌ وَجَدَّةٌ لأُِمٍّ وَأُخْتٌ شَقِيقَةٌ، فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَيَجِبُ عَلَى الْبِنْتِ نِصْفُ النَّفَقَةِ، وَعَلَى الْجَدَّةِ لأُِمٍّ السُّدُسُ، وَعَلَى الأُْخْتِ الشَّقِيقَةِ الثُّلُثُ، لأَِنَّهَا تَرِثُ الْبَاقِيَ مَعَ الْبِنْتِ، وَهَذَا عَلَى حَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ فِي الْمِيرَاثِ؛ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ يُوجِبُونَهَا عَلَى الْبِنْتِ فَقَطْ؛ اعْتِبَارًا بِالْقُرْبِ (392) .
النَّفَقَةُ عِنْدَ إِعْسَارِ بَعْضِ الأَْقَارِبِ:
66 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الأَْقَارِبِ إِلَى رَأْيَيْنِ:
أ - يَرَى الْجُمْهُورُ: (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ
وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّ حَدَّ الْيَسَارِ الْمُوجِبِ لِنَفَقَةِ الأَْقَارِبِ مُقَدَّرٌ بِمَا يَفْضُل عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ زَوْجَتِهِ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ.
فَمَنِ اكْتَسَبَ شَيْئًا فِي يَوْمِهِ وَأَنْفَقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَفَضَل عِنْدَهُ شَيْءٌ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ لِلْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ (393) . ب - وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ مَا عَدَا مُحَمَّدًا أَنَّ حَدَّ الْيَسَارِ الْمُوجِبِ لِنَفَقَةِ الأَْقَارِبِ هُوَ يَسَارُ الْفُطْرَةِ: وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ الشَّخْصُ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِهِ أَخْذُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ نِصَابٌ - وَلَوْ غَيْرُ نَامٍ - فَاضِلٌ عَنْ حَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ.
فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِمِلْكِهِ النِّصَابَ وَجَبَ عَلَيْهِ الإِْنْفَاقُ عَلَى قَرِيبِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَال فَاضِلاً عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ، وَهَذَا هُوَ الأَْرْجَحُ وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ.
وَيَرَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي قَوْلٍ لَهُ: أَنَّ حَدَّ الْيَسَارِ الْمُوجِبِ لِنَفَقَةِ الأَْقَارِبِ مُقَدَّرٌ بِمَا يَفْضُل عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ شَهْرًا إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْغَلَّةِ، عَلَى تَخْرِيجِ الزَّيْلَعِيِّ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْحِرَفِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِمَا يَفْضُل عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ كُل يَوْمٍ، لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ الْقُدْرَةُ دُونَ النِّصَابِ، وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَيَصْرِفُهَا إِلَى أَقَارِبِهِ، وَهَذَا أَوْجَهُ (394) .
67 - وَلاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ أَبُوهُ بِالشُّرُوطِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا (395) . وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بَعْدَ الأَْبِ إِذَا أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: إِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْوَرَثَةِ وَتُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْقُرْبِ وَالْجُزْئِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُرَاعَاةِ الإِْرْثِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَمَثَّلُوا لَهُ بِأَنْ لَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ مُعْسِرٌ وَجَدٌّ وَأُمٌّ: كَانَتِ النَّفَقَةُ: عَلَى الْجَدِّ الثُّلُثَانِ، وَعَلَى الأُْمِّ الثُّلُثُ، لأَِنَّ نَصِيبَهُمَا كَذَلِكَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (396) .
يَقُول ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا لَمْ يَفِ كَسْبُ الأَْبِ بِحَاجَةِ أَوْلاَدِهِ، أَوْ لَمْ يَكْتَسِبْ لِعَدَمِ تَيَسُّرِ الْكَسْبِ أَنْفَقَ عَلَيْهِمُ الْقَرِيبُ وَرَجَعَ عَلَى الأَْبِ إِذَا أَيْسَرَ، وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلأَْبِ مَالٌ وَالْجَدُّ أَوِ الأُْمُّ أَوِ الْخَال أَوِ الْعَمُّ مُوسِرٌ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ الصَّغِيرِ، وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الأَْبِ إِذَا أَيْسَرَ، وَكَذَا يُجْبَرُ الأَْبْعَدُ إِذَا غَابَ الأَْقْرَبُ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ جَدٌّ وَأُمٌّ مُوسِرَانِ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (397) ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا عَلَى الْجَدِّ وَحْدَهُ لِجَعْلِهِ كَالأَْبِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ أَعْسَرَ الأَْبُ تَحَمَّلَتْهَا الأُْمُّ وَتَرْجِعُ بِهَا عَلَى الأَْبِ إِذَا أَيْسَرَ (398) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْل ذَلِكَ (399) } .
مُوَجِّهِينَ اسْتِدْلاَلَهُمْ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَى الأَْبِ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى الأُْمِّ وَالْجَدِّ لأَِنَّهُمَا وَارِثَانِ، فَيَجِبُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي تَحَمُّل نَفَقَاتِ مَنْ أُعْسِرَ أَبُوهُ بِنَفَقَتِهِ عَلَى قَدْرِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي مِيرَاثِهِ (400) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَجِبُ نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى الأُْمِّ وَلاَ عَلَى الْجَدِّ إِنْ أُعْسِرَ الأَْبُ بِالنَّفَقَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (401) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: إِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْجَدِّ أَبِي الأَْبِ ثُمَّ عَلَى آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْا، ثُمَّ تَنْتَقِل بَعْدَهُمْ إِلَى الأُْمِّ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (402) .
مُسْتَدِلِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْجَدَّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الأَْبِ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، قَال تَعَالَى: { يَا بَنِي آدَمَ (403) } فَسَمَّانَا أَبْنَاءَ، وَسَمَّى آدَمَ أَبًا وَهُوَ لَيْسَ مُبَاشِرًا.
وَلأَِنَّ الْجَدَّ يَقُومُ مَقَامَ الأَْبِ فِي الْوِلاَيَةِ، وَيَخْتَصُّ دُونَ الأُْمِّ بِالتَّعْصِيبِ فَوَجَبَ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ فِي الْتِزَامِ النَّفَقَةِ.
وَلأَِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَمَّى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَبًا وَإِنْ كَانَ جَدًّا بَعِيدًا، قَال تَعَالَى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ (404) } .
وَلِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ (405) } .
فَلَمَّا أَوْجَبَ عَلَى الأُْمِّ مَا عَجَزَ عَنْهُ الأَْبُ مِنَ الرِّضَاعِ، وَجَبَ عَلَيْهَا مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنَ النَّفَقَةِ.
وَلأَِنَّ الْبَعْضِيَّةَ فِيهَا مُتَحَقِّقَةٌ، وَفِي الأَْبِ مَظْنُونَةٌ، فَلَمَّا تَحَمَّلَتْ بِالْمَظْنُونَةِ كَانَ تَحَمُّلُهَا بِالْمُسْتَيْقَنَةِ أَوْلَى.
وَلأَِنَّ الْوَلَدَ لَمَّا تَحَمَّل نَفَقَةَ أَبَوَيْهِ، وَجَبَ أَنْ يَتَحَمَّل أَبَوَاهُ نَفَقَتَهُ (406) .
دَيْنُ نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ:
68 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الأَْقَارِبِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ، إِلاَّ إِذَا اعْتُبِرَ دَيْنًا فِي الأَْحْوَال الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، لأَِنَّهَا وَجَبَتْ سَدًّا لِلْخَلَّةِ وَكِفَايَةً لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ حَصَل ذَلِكَ فِي الْمَاضِي بِدُونِهَا، بِخِلاَفِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فَسَبَبُ وُجُوبِهَا الاِحْتِبَاسُ وَتَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ، فَلاَ تَسْقُطُ بِسَدِّ الْخَلَّةِ فِيمَا مَضَى (407) .
وَاخْتَلَفُوا فِي صَيْرُورَتِهَا دَيْنًا عَلَى الْمُنْفِقِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ. وَهُوَ أَنَّ نَفَقَةَ الأَْقَارِبِ لاَ تَصِيرُ دَيْنًا إِلاَّ إِذَا أَذِنَ الْقَاضِي لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّفَقَةُ أَنْ يَسْتَدِينَ، وَاسْتَدَانَ بِالْفِعْل، أَوْ أَمَرَ الْمُنْفِقُ الْغَائِبُ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّفَقَةُ بِالاِسْتِدَانَةِ.
لأَِنَّ إِذْنَ الْقَاضِي كَأَمْرِ الْغَائِبِ، فَإِنَّهَا تُصْبِحُ دَيْنًا عَلَى الْمُنْفِقِ، فَلاَ تَسْقُطُ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَدِنْ بِالْفِعْل لاَ تَصِيرُ دَيْنًا، وَلاَ يَحِقُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُنْفِقِ فِيمَا مَضَى (408) .
وَكَذَا إِذَا فَرَضَهَا الْقَاضِي وَمَضَتْ مُدَّةٌ تُقَدَّرُ بِشَهْرٍ فَأَكْثَرَ سَقَطَتْ وَلاَ تَصِيرُ دَيْنًا، لأَِنَّ نَفَقَةَ الأَْقَارِبِ تَجِبُ لِلْحَاجَةِ، فَلاَ تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ، وَقَدْ حَصَلَتِ الْكِفَايَةُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ.
هَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا فَرَضَهَا الْقَاضِي وَلَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا سِوَى مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَهِيَ مَا دُونَ الشَّهْرِ، فَلاَ تَسْقُطُ وَتَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ.
وَكَذَا إِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالنَّفَقَةِ لِلصَّغِيرِ وَمَضَتْ مُدَّةٌ، أَوْ إِذَا أَمَرَ الأُْمَّ بِالاِقْتِرَاضِ عَلَى الْوَلَدِ، وَالْحَال أَنَّ الأَْبَ غَائِبٌ وَتَرَكَهُمْ بِلاَ نَفَقَةٍ، فَلاَ تَسْقُطُ النَّفَقَةُ فِي هَذِهِ الأَْحْوَال كُلِّهَا وَتَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ (409) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَصِيرُ دَيْنًا إِلاَّ فِي حَالَتَيْنِ:
الأُْولَى: إِذَا فَرَضَهَا الْحَاكِمُ عَلَى الْوَلَدِ أَوِ الْوَالِدَيْنِ فِي الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا قَامَ بِالإِْنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ أَوِ الْوَالِدَيْنِ شَخْصٌ لَمْ يَقْصِدْ مِنَ الإِْنْفَاقِ التَّبَرُّعَ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَلاَ تَسْقُطُ وَتَصِيرُ دَيْنًا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَبِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ، وَقَال ابْنُ عَرَفَةَ: يَقْضِي لِلْمُنْفِقِ غَيْرِ الْمُتَبَرِّعِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا (410) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: لاَ تَصِيرُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ إِلاَّ إِذَا فَرَضَهَا الْقَاضِي عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَائِبًا أَوْ مُمْتَنِعًا عَنْهَا بَعْدَ تَوَفُّرِ شُرُوطِهَا. أَوْ إِذَا أَذِنَ الْقَاضِي لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّفَقَةُ بِالاِقْتِرَاضِ لِغَيْبَةٍ أَوِ امْتِنَاعٍ وَاقْتَرَضَ بِالْفِعْل. أَوْ إِذَا اقْتَرَضَهَا الْمُحْتَاجُ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، لِعَدَمِ وُجُودِ قَاضٍ أَوْ لِعَدَمِ إِذْنِهِ، وَحَصَل الاِقْتِرَاضُ بِالْفِعْل، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ (411) .
الْقَوْل الرَّابِعُ: وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الإِْنْفَاقَ الْوَاجِبَ مُدَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ، أَطْلَقَهُ الأَْكْثَرُ - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُول، وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إِلاَّ إِنْ فَرَضَهَا حَاكِمٌ لأَِنَّهَا تَأَكَّدَتْ بِفَرْضِهِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، أَوِ اسْتَدَانَ بِإِذْنِهِ، قَال فِي الْمُحَرَّرِ: وَأَمَّا نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ فَلاَ تَلْزَمُهُ لِمَا مَضَى وَإِنْ فُرِضَتْ إِلاَّ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ (412) .
وَصَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - بِأَنَّ مَنْ نَفَى حَمْل زَوْجَتِهِ ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِيمَا مَضَى قَبْل الاِسْتِلْحَاقِ مُنْذُ الْحَمْل بِهِ، وَتَرْجِعُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَتْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا أَنْفَقَتْهُ صَارَ دَيْنًا بِإِذْنِ الْقَاضِي، نَظَرًا لِتَعَدِّي الأَْبِ بِنَفْيِهِ، وَلأَِنَّهَا إِنَّمَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ لِظَنِّهَا أَنَّهُ لاَ أَبَ لَهُ (413) . فَرْضُ النَّفَقَةِ لِلْقَرِيبِ عَلَى الْغَائِبِ:
69 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ إِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَائِبِ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ مِنَ الأَْقَارِبِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَائِبِ إِلاَّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَبِهِ قَال الْجُمْهُورُ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فَلَوْ كَانَ الأَْبُ غَائِبًا، وَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ لاِبْنِهِ، وَالْجَدُّ حَاضِرٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ بِأَمْرِ الْقَاضِي، لِيَرْجِعَ عَلَى الأَْبِ بِمَا أَنْفَقَ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا.
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يُوجِبُونَ النَّفَقَةَ عَلَى الْجَدِّ لِحَصْرِهِمْ نَفَقَةَ الأَْقَارِبِ فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدَيْنِ الْمُبَاشِرِينَ (414) .
الْقَوْل الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهَا، فَقَالُوا بِوُجُوبِهَا عَلَى الْغَائِبِ بِدُونِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ وَالْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ، لأَِنَّ نَفَقَةَ هَؤُلاَءِ وَاجِبَةٌ قَبْل الْقَضَاءِ، فَكَانَ قَضَاءُ الْقَاضِي إِعَانَةً عَلَى حُصُول النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لَهُمْ. وَعَدَمُ وُجُوبِهَا لِغَيْرِ هَؤُلاَءِ مِنْ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلاَّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ (415) .
ثَالِثًا: الْمِلْكُ:
فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ كَوْنِ الْمَمْلُوكِ إِنْسَانًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُمَا.
نَفَقَةُ الرَّقِيقِ:
70 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الأَْرِقَّاءِ وَكِسْوَتِهِمْ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِمْ مَنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، وَكِسْوَتُهُمْ مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِهِ لأَِمْثَالِهِمْ مَعَ مُرَاعَاةِ حَالَةِ السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (رق ف 24 وَمَا بَعْدَهَا) .
نَفَقَةُ الْحَيَوَانِ:
71 - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ نَفَقَةَ الْحَيَوَانِ عَلَى مَالِكِهِ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِالْكِفَايَةِ، وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مُحْتَرَمًا.
وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاشِ الأَْرْضِ (416) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِفَايَةِ فِي نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ وُصُولُهُ إِلَى أَوَّل الشِّبَعِ وَالرَّيِّ دُونَ غَايَتِهِمَا (417) .
امْتِنَاعُ مَالِكِ الْحَيَوَانِ مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ:
72 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِجْبَارِ مَالِكِ الْحَيَوَانِ عَلَى الإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ عَنِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجْبُرُهُ الْقَاضِي عَلَى الإِْنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانَاتِ، لأَِنَّ فِي الإِْجْبَارِ نَوْعَ قَضَاءٍ، وَالْقَضَاءُ يَعْتَمِدُ الْمَقْضِيَّ لَهُ وَيَعْتَمِدُ أَهْلِيَّةَ الاِسْتِحْقَاقِ فِي الْمَقْضِيِّ لَهُ، لَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ دِيَانَةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ آثِمًا وَمُعَاقَبًا بِحَبْسِهَا عَنِ الْبَيْعِ مَعَ عَدَمِ الإِْنْفَاقِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُجْبَرُ فِي الْحَيَوَانِ (418) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ وَدَوَابِّهِ مِنْ بَقَرٍ وَإِبِلٍ وَغَنَمٍ وَحَمِيرٍ وَغَيْرِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَرْعًى، فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ عَنِ الإِْنْفَاقِ أُخْرِجَ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ (419) . وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ كَوْنِ الْحَيَوَانِ مَأْكُول اللَّحْمِ أَوْ غَيْرَ مَأْكُوْلِهِ.
فَقَرَّرُوا أَنَّ مَالِكَ الْحَيَوَانِ مَأْكُول اللَّحْمِ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ لَزِمَهُ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ: بَيْعُهُ، أَوْ عَلْفُهُ وَالإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ، أَوْ ذَبْحُهُ؛ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَإِبْقَاءً لِمَلِكِهِ وَعَدَمِ إِضَاعَةِ مَالِهِ.
وَأَمَّا مَالِكُ غَيْرِ مَأْكُول اللَّحْمِ فَيَلْزَمُهُ بَيْعُهُ أَوِ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ ذَبْحُهُ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَأْكُول اللَّحْمِ يَحْرُمُ ذَبْحُهُ.
فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ تَصَرَّفَ الْحَاكِمُ فِيمَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً حَسَبَ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَال نِيَابَةً عَنْهُ مِنْ إِجَارَةِ الدَّابَّةِ أَوْ بَيْعِهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا فِي بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ مِنَ الأَْمْوَال مَا يُنْفِقُ الْحَاكِمُ مِنْهَا عَلَيْهَا، وَجَبَ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ كِفَايَتُهَا، وَقَال الأَْذْرُعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَيُشْبِهُ أَلاَّ يُبَاعَ مَا أَمْكَنَ إِجَارَتُهُ، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ مُقْتَضَى كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ (420) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ امْتَنَعَ مَالِكُ الْبَهِيمَةِ مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ، لأَِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، فَإِنْ أَبَى الإِْنْفَاقَ عَلَيْهَا أَوْ عَجَزَ عَنْهُ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ ذَبْحِ مَأْكُولٍ، لأَِنَّ بَقَاءَهَا فِي يَدِهِ بِتَرْكِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا ظُلْمٌ، وَالظُّلْمُ تَجِبُ إِزَالَتُهُ، فَإِنْ أَبَى فَعَل الْحَاكِمُ الأَْصَحَّ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ أَوِ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا، كَمَا لَوِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ، وَيَجِبُ عَلَى مُقْتَنِي الْكَلْبِ الْمُبَاحِ وَهُوَ كَلْبُ صَيْدٍ وَمَاشِيَةٍ وَزَرْعٍ أَنْ يُطْعِمَهُ وَيَسْقِيَهُ أَوْ يُرْسِلَهُ، لأَِنَّ عَدَمَ ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهُ، وَلاَ يَحِل حَبْسُ شَيْءٍ مِنَ الْبَهَائِمِ لِتَهْلَكَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا (421) .
نَفَقَةُ الْعَارِيَةِ:
73 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ زَمَنَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: إِنَّ نَفَقَةَ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ عَلَى مَالِكِهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (422) .
وَاسْتَدَلُّوا فِي ذَلِكَ إِلَى: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لَكَانَ كِرَاءً، وَرُبَّمَا كَانَ عَلَفُهَا أَكْثَرَ مِنَ الْكِرَاءِ، فَتَخْرُجُ الْعَارِيَةُ إِلَى الْكِرَاءِ. وَلأَِنَّ الإِْنْفَاقَ عَلَى الْعَارِيَةِ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ فَكَانَتْ عَلَى مَالِكِهَا (423) .
وَلِقِيَاسِهَا عَلَى الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَإِنَّ النَّفَقَةَ لإِِبْقَائِهَا وَصِيَانَتِهَا عَلَى مَالِكِهَا (424) .
الْقَوْل الثَّانِي: إِنَّهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبِهِ قَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي حُسَيْنٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (425) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: إِنَّ الْمُسْتَعِيرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا وَبَيْنَ تَرْكِهَا، فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى الإِْنْفَاقِ لأَِنَّهُ لاَ لُزُومَ فِي الْعَارِيَةِ، وَلَكِنْ يُقَال لَهُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِالْمَنَافِعِ فَإِنْ شِئْتَ فَأَنْفِقْ لِيَحْصُل لَكَ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ شِئْتَ فَخَل يَدَكَ عَنْهَا، أَمَّا أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا فَلاَ.
وَبِهِ قَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ (426) .
الْقَوْل الرَّابِعُ: قَال بَعْضُ الْمُفْتِينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ النَّفَقَةَ فِي اللَّيْلَةِ وَاللَّيْلَتَيْنِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَقِيل أَيْضًا فِي اللَّيْلَةِ وَاللَّيْلَتَيْنِ عَلَى رَبِّهَا، وَأَمَّا فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَالسَّفَرِ الْبَعِيدِ فَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَنَفَقَةِ الْعَبْدِ الْمُحْتَرَمِ، وَكَأَنَّهُ أَقْيَسُ (427) .
نَفَقَةُ اللُّقَطَةِ:
74 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الإِْنْفَاقِ عَلَى اللُّقَطَةِ، وَفِيمَا يَلْزَمُهُ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهَا، وَهَل يُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرُ الْقَاضِي أَمْ لاَ؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: إِنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَكُونُ دَيْنًا عَلَى صَاحِبِهَا، وَبِهِ قَال الْحَنَفِيَّةُ (428) .
وَذَلِكَ لأَِنَّ لِلْقَاضِي وِلاَيَةً فِي مَال الْغَائِبِ نَظَرًا لَهُ إِذْ هُوَ نُصِّبَ نَاظِرًا فَصَارَ أَمْرُهُ كَأَمْرِ الْمَالِكِ (429) .
وَإِنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي فَيَنْظُرَ مَا يَأْمُرُ بِهِ.
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُحْتَمَل الاِنْتِفَاعُ بِهَا بِالإِْجَارَةِ أَمَرَهُ بِأَنْ يُؤَاجِرَهَا وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ أُجْرَتِهَا نَظَرًا لِلْمَالِكِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يَحْتَمِل الاِنْتِفَاعَ بِهَا بِطَرِيقِ الإِْجَارَةِ، وَخَشِيَ أَنَّهُ لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَغْرِقَ النَّفَقَةُ قِيمَتَهَا أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا مَقَامَهَا.
وَإِنْ رَأَى أَنَّ الأَْصْلَحَ أَنْ لاَ يَبِيعَهَا بَل يُنْفِقَ عَلَيْهَا، أَمَرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا شَرِيطَةَ أَنْ لاَ تَزِيدَ نَفَقَتُهَا عَلَى قِيمَتِهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى صَاحِبِهَا حَتَّى إِذَا حَضَرَ أُخِذَ مِنْهُ النَّفَقَةُ (430) .
الْقَوْل الثَّانِي: إِنْ أَنْفَقَ مُلْتَقِطُ اللُّقَطَةِ عَلَيْهَا، خَيَّرَ رَبَّهَا إِذَا جَاءَ بَيْنَ أَنْ يَفُكَّهَا بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مُلْتَقِطُهَا، أَوْ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِمُلْتَقِطِهَا فِي نَظِيرِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الإِْنْفَاقُ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (431)
الْقَوْل الثَّالِثُ: إِذَا أَمْسَكَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ وَتَبَرَّعَ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا، فَذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى صَاحِبِهَا أَنْفَقَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا أَشْهَدَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (432) .
وَقَالُوا: إِذَا أَرَادَ الْبَيْعَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، اسْتَقَل بِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ، وَهَل يَجُوزُ بَيْعُ جُزْءٍ مِنْهَا لِنَفَقَةِ بَاقِيهَا؟ قَال الإِْمَامُ: نَعَمْ كَمَا تُبَاعُ جَمِيعُهَا، وَحَكَى احْتِمَالاً أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ تَأْكُل نَفْسَهَا وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ، قَال: وَلاَ يَسْتَقْرِضُ عَلَى الْمَال أَيْضًا، لِهَذَا الْمَعْنَى (433) .
الْقَوْل الرَّابِعُ: لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا يَبْقَى عَامًا أَوْ أَكْثَرَ، وَمَا لاَ يَبْقَى عَامًا (434) .
فَإِنِ الْتَقَطَ مَا يَبْقَى عَامًا، فَالْمُلْتَقِطُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ:
أ - أَنْ يَأْكُل اللُّقَطَةَ فِي الْحَال إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا الْهَلاَكُ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِصَاحِبِهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ: هِيَ لَكَ أَوْ لأَِخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ (435) .
فَقَدْ جَعَلَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ لَهُ فِي الْحَال وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّئْبِ، وَالذِّئْبُ لاَ يَسْتَأْذِنُ فِي أَكْلِهَا.
وَلأَِنَّ فِي أَكْلِهَا فِي الْحَال إِغْنَاءً عَنِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا وَحِرَاسَةً لِمَالِيَّتِهَا وَدَفْعًا لِغَرَامَةِ عَلَفِهَا، فَكَانَ أَكْلُهَا أَوْلَى. ب - أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ وَلاَ يَمْتَلِكَهَا.
فَإِنْ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مُحْتَسِبًا النَّفَقَةَ عَلَى مَالِكِهَا وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي الرُّجُوعِ بِالنَّفَقَةِ رِوَايَتَانِ.
الأُْولَى: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ، لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِيمَنْ وَجَدَ ضَالَّةً فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا وَجَاءَ رَبُّهَا بِأَنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ مَا أَنْفَقَ، لأَِنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا لِحِفْظِهَا، فَكَانَ مِنْ مَال صَاحِبِهَا.
الثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ لأَِنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، قِيَاسًا عَلَى مَنْ بَنَى دَارَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْهُ.
ج - أَنْ يَبِيعَهَا وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا وَأَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، لأَِنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ أَكْلُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ جَازَ لَهُ بَيْعُهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَإِنِ الْتَقَطَ مَا لاَ يَبْقَى عَامًا:
فَإِنْ كَانَ لاَ يَبْقَى بِعِلاَجٍ وَلاَ غَيْرِهِ، كَالْبِطِّيخِ وَالْفَاكِهَةِ الَّتِي لاَ تُجَفَّفُ وَالْخَضْرَوَاتِ فَالْمُلْتَقِطُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَغَرْمِ قِيمَتِهِ لِمَالِكِهِ وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ إِبْقَاؤُهُ خَشْيَةَ تَلَفِهِ.
فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَلِفَ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ، لأَِنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ كَالْوَدِيعَةِ.
وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ بِالْعِلاَجِ، كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ، فَيَنْظُرُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِصَاحِبِهِ، فَإِنْكَانَ الْحَظُّ فِي عِلاَجِهِ بِالتَّجْفِيفِ أَوْ غَيْرِهِ عَالَجَهُ وَلَيْسَ لَهُ سِوَاهُ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَى غَرَامَةٍ لِتَجْفِيفِهِ وَإِبْقَائِهِ، لأَِنَّهُ مَال غَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِصَاحِبِهِ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي بَيْعِهِ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ، كَالطَّعَامِ وَالرُّطَبِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ: تَعَيَّنَ أَكْلُهُ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَ أَكْلُهُ أَنْفَعَ لِصَاحِبِهِ، لأََنَّ الْحَظَّ فِيهِ (436) .
نَفَقَةُ الْوَدِيعَةِ:
75 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْوَدِيعَةِ إِنَّمَا تَلْزَمُ الْمُودِعَ، وَهُوَ رَبُّهَا، وَلاَ تَلْزَمُ الْمُودَعَ لَدَيْهِ؛ لأَِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِحِفْظِهَا وَلاَ تَعُودُ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ مِنْهَا (437) .
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَدِيعَة) .
نَفَقَةُ الْمَرْهُونِ:
76 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ.
لأَِنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، وَكُل مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ لاَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ (438) .
لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يُغْلَقُ الرَّهْنُ، لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ (439) .
وَلأََنَّ الرَّقَبَةَ وَالْمَنْفَعَةَ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ فَكَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ.
وَوَافَقَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الرَّهْنِ بِنَفْسِهِ وَتَبْقِيَتِهِ، أَمَّا مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِحِفْظِ الْمَرْهُونِ فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لأَِنَّ حَبْسَ الْمَرْهُونِ لَهُ (440) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (رَهْن ف 19، 20) .
نَفَقَاتٌ أُخْرَى:
أ - نَفَقَةُ اللَّقِيطِ:
77 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ تَكُونُ فِي مَالِهِ إِنْ وُجِدَ مَعَهُ مَالٌ أَوْ كَانَ مُسْتَحِقًّا فِي مَالٍ عَامٍ، كَالأَْمْوَال الْمَوْقُوفَةِ عَلَى اللُّقَطَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَال وَلاَ تَلْزَمُ الْمُلْتَقِطَ فِي الْجُمْلَةِ (441) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (لَقِيط ف 15، 16) .
ب - نَفَقَةُ الْيَتِيمِ:
78 - إِنْ كَانَ لِلْيَتِيمِ مَالٌ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَهُ قَرَابَةٌ يَسْتَحِقُّ بِهَا النَّفَقَةَ، فَنَفَقَتُهُ عَلَى قَرَابَتِهِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَقَارِبُ وَلاَ مَالٌ فَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَال. انْظُرْ مُصْطَلَحَ (بَيْت الْمَال ف 12، يَتِيم) .
ج - نَفَقَةُ الْعَاجِزِ الَّذِي لاَ عَائِل لَهُ:
79 - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ نَفَقَةَ الْعَاجِزِ الَّذِي لاَ عَائِل لَهُ وَلاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْكَسْبِ وَلاَ يَمْلِكُ مَالاً، تَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَال، لأَِنَّهُ مُعَدٌّ لِلصَّرْفِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْمُعْدَمِينَ وَمَنْ هُمْ فِي مِثْل حَالِهِ مِمَّنْ لاَ قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى كَسْبِ كِفَايَتِهِمْ وَلاَ عَائِل لَهُمْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ.
وَلأَِنَّهُمْ أَجَازُوا دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّكَسُّبِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْقِيقِ كَسْبٍ يَكْفِيهِ، وَاعْتَبَرُوا الْقُدْرَةَ بِغَيْرِ كَسْبٍ تَكْفِي لِحَاجَتِهِ كَعَدَمِهَا، لأَِنَّهَا حِينَئِذٍ لاَ تَكْسُو مَنْ عُرْيٍ وَلاَ تُشْبِعُ مَنْ جُوعٍ.
وَلأَِنَّهُ بِحَالِهِ هَذَا يُعَدُّ فَقِيرًا، وَالْفَقِيرُ تَجِبُ كِفَايَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَهَذِهِ الْكِفَايَةُ تَشْمَل سَائِرَ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَطْعَمٍ وَمَلْبَسٍ وَمَسْكَنٍ وَأُجْرَةِ خَادِمٍ وَنَفَقَتِهِ إِنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ إِلَى خَادِمٍ بِأَنْ كَانَ مُسِنًّا أَوْ زَمِنًا لاَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِخِدْمَةِ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَقُومُ عَلَى رِعَايَتِهِ وَخِدْمَتِهِ.
وَلأَِنَّ مِيرَاثَهُ يَؤُول إِلَى بَيْتِ الْمَال عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ وَارِثٍ لَهُ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ فِيهِ عَمَلاً بِالْقَاعِدَةِ الَّتِي تَقُول: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ، وَلأَِنَّ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ تَقْضِي بِتَأْثِيمِ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَلأَِنَّ تَرْكَهُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ نَفَقَةٍ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَال تُعَدُّ سَلْبًا لِحَقِّهِ الَّذِي هُوَ لَهُ فِيهِ، لِقَوْل عُمَرَ ﵁: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ إِلاَّ وَلَهُ فِيهِ حَقٌّ " (442) .
__________
(1) الْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ.
(2) حَاشِيَةُ الصَّاوِي عَلَى الشَّرْحِ الصَّغِيرِ 2 / 729 دَارُ الْمَعَارِفِ.
(3) الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، وَالْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ.
(4) حَاشِيَةُ ابْنِ عَابِدِينَ 5 / 411.
(5) الْهِدَايَةُ بِأَعْلَى فَتْحِ الْقَدِيرِ 3 / 321 ط التِّجَارِيَّةِ، وَحَاشِيَةُ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ 3 / 572، وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل 4 / 181 - 182، وَالْحَاوِي الْكَبِيرُ 15 / 524 وَمَا بَعْدَهَا، وَالإِْنْصَافُ 9 / 376.
(6) سُورَةُ الطَّلاَقِ / 7
(7) سُورَةُ الْبَقَرَةِ / 231
(8) سُورَةُ الطَّلاَقِ / 46.
(9) حَدِيثُ: " فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ. . . .) . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (2 / 889 - 890 ط عِيسَى الْحَلَبِيِّ) مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
(10) الْمُغْنِي وَالشَّرْحُ 9 / 231.
(11) الْحَاوِي الْكَبِيرُ 15 / 524 وَمَا بَعْدَهَا.
(12) الْبَدَائِعُ 4 / 16، وَالْمُغْنِي 9 / 230، وَتَبْيِينُ الْحَقَائِقِ 3 / 51.
(13) فَتْحُ الْقَدِيرِ 4 / 192، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ 2 / 644، وَالْبَدَائِعُ 4 / 16.
(14) شَرْحُ جَلاَل الدِّينِ الْمَحَلِّيِّ عَلَى مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ 4 / 77 مَعَ حَاشِيَةِ عُمَيْرَةَ.
(15) رَدُّ الْمُحْتَارِ 2 / 644.
(16) سُورَةُ الطَّلاَقِ / 7
(17) حَدِيثُ: " وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ. . ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ ف 4.
(18) الْبَدَائِعُ 4 / 16.
(19) تَبْيِينُ الْحَقَائِقِ 3 / 51.
(20) الشَّرْحُ الْكَبِيرُ لِلدَّرْدِيرِ 2 / 508، وَشَرْحُ الْخُرَشِيِّ 4 / 183، وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل 4 / 182.
(21) الْمُغْنِي 9 / 230.
(22) الْكِفَايَةُ عَلَى الْهِدَايَةِ 4 / 192 - 193.
(23) حَاشِيَةُ عُمَيْرَةَ 477، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 435.
(24) الْكِفَايَةُ عَلَى الْهِدَايَةِ 4 / 192 - 193.
(25) الشَّرْحُ الْكَبِيرُ لِلدَّرْدِيرِ 2 / 508 - 509.
(26) شَرْحُ جَلاَل الدِّينِ الْمَحَلِّيِّ عَلَى مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ 4 / 77.
(27) الْمُغْنِي 9 / 230.
(28) حَدِيثُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ - عَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ - وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (فَتْحُ الْبَارِي 9 / 224) وَمُسْلِمٌ (2 / 1038 ط عِيسَى الْحَلَبِيِّ) .
(29) حَاشِيَةُ عُمَيْرَةَ 4 / 77، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 435.
(30) الْمَرْجِعَانِ السَّابِقَانِ.
(31) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 435.
(32) الْقَلْيُوبِيُّ 4 / 77.
(33) الْعِنَايَةُ بِهَامِشِ فَتْحِ الْقَدِيرِ 4 / 196، وَالْهِدَايَةُ بِأَعْلَى فَتْحِ الْقَدِيرِ 4 / 196، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 9 / 58، وَالْحَاوِي الْكَبِيرُ 15 / 30، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 9 / 231، 255، وَالإِْنْصَافُ 9 / 378.
(34) الشَّرْحُ الْكَبِيرُ 2 / 508، وَالزُّرْقَانِيُّ 4 / 244 - 245.
(35) الْهِدَايَةُ مَعَ فَتْحِ الْقَدِيرِ 4 / 216، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ 3 / 575، 576.
(36) مَوَاهِبُ الْجَلِيل 4 / 191، وَالشَّرْحُ الْكَبِيرُ لِلدَّرْدِيرِ 2 / 514 - 515.
(37) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 9 / 58 - 59 وَ 63، وَكِفَايَةُ الأَْخْيَارِ 2 / 147 - 148.
(38) الْمُغْنِي وَالشَّرْحُ الْكَبِيرُ 9 / 256 - 262.
(39) الْبَدَائِعُ 4 / 23، وَالاِخْتِيَارُ 4 / 4.
(40) حَاشِيَةُ الدُّسُوقِيِّ 2 / 509، وَبِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ 2 / 59.
(41) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 9 / 40، وَنِهَايَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 188.
(42) الْمُغْنِي 9 / 231، وَالإِْنْصَافُ 9 / 352.
(43) سُورَةُ الْبَقَرَةِ / 233
(44) الْبَدَائِعُ 4 / 21، وَالْمُغْنِي 9 / 232، وَنِهَايَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 188، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 5 / 46.
(45) حَدِيثُ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (فَتْحُ الْبَارِي 9 / 507 ط السَّلَفِيَّةِ) ، وَمُسْلِمٌ (3 / 1338) وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
(46) حَدِيثُ: " وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " سَبَقَ تَخْرِيجُهُ فِقْرَةُ 4.
(47) الْمُغْنِي 9 / 232.
(48) الْبَدَائِعُ 4 / 23.
(49) نِهَايَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 188، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 9 / 40، وَالْمُغْنِي 9 / 232، وَالْمُبْدِعُ 6 / 186.
(50) سُورَةُ الطَّلاَقِ / 7.
(51) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 426، وَتُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ 8 / 302.
(52) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 9 / 40، وَالدُّسُوقِيُّ 2 / 509، وَبِدَايَةُ الْمُجْتَهِدِ 2 / 59.
(53) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 9 / 40.
(54) الْبَدَائِعُ 4 / 24، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ 2 / 645، وَحَاشِيَةُ الدُّسُوقِيِّ 2 / 509، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 9 / 41، وَالإِْنْصَافُ 9 / 253.
(55) الْبَدَائِعُ 4 / 24، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ 2 / 645، 3 / 574.
(56) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ 9 / 40.
(57) سُورَةُ الْبَقَرَةِ / 233
(58) تَكْمِلَةُ الْمَجْمُوعِ 18 / 250.
(59) سُورَةُ الطَّلاَقِ / 7.
(60) تَكْمِلَةُ الْمَجْمُوعِ 18 / 250.
(61) رَدُّ الْمُحْتَارِ 3 / 574.
(62) سُورَةُ الْبَقَرَةِ / 233.
(63) فَتْحُ الْبَارِي 9 / 509، وَنَيْل الأَْوْطَارِ 6 / 323.
(64) حَدِيثُ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ". سَبَقَ تَخْرِيجُهُ فِقْرَةُ 8.
(65) فَتْحُ الْقَدِيرِ 3 / 194 - 195.
(66) الشَّرْحُ الْكَبِيرُ لِلدَّرْدِيرِ 2 / 508 - 509، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل 4 / 183.
(67) الْمُغْنِي 9 / 239، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 5 / 460.
(68) سُورَةُ الطَّلاَقِ / 7
(69) حَدِيثُ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ. . " سَبَقَ تَخْرِيجُهُ فِقْرَةُ 8.
(70) فَتْحُ الْبَارِي 9 / 509.
(71) كَشَّافُ الْقِنَاعِ 5 / 460.
(72) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 1 / 549، وَالْبَدَائِعُ 4 / 20، وَالشَّرْحُ الْكَبِيرُ لِلدَّرْدِيرِ 2 / 511، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 431، وَنِهَايَةُ الْمُحْتَاجِ 7 / 195، وَالْحَاوِي 15 / 19، وَالْمُغْنِي 9 / 235.
(73) سُورَةُ الطَّلاَقِ / 7
(74) الْبَدَائِعُ 4 / 20، وَحَاشِيَةُ الدُّسُوقِيِّ 2 / 511.
(75) الْمُغْنِي 9 / 235، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 5 / 463، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 431.
(76) الْبَدَائِعُ 4 / 20، وَحَاشِيَةُ الدُّسُوقِيِّ 2 / 511، وَالْمُغْنِي 9 / 235، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 5 / 463، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 431.
(77) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 1 / 549، وَالتَّاجُ وَالإِْكْلِيل 4 / 182، 183، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 430، 431، وَالْمُغْنِي 9 / 235.
(78) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةُ 1 / 549، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 431، وَالْمُغْنِي 9 / 235، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ 5 / 463، وَالْبَدَائِعُ 4 / 24.
(79) الْبَدَائِعُ 4 / 24.
(80) حَاشِيَةُ الدُّسُوقِيِّ 2 / 510.
(81) الْمُهَذَّبُ 2 / 162، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 432، 434.
(82) الْمُغْنِي 9 / 237.
(83) بَدَائِعُ الصَّنَائِعِ 4 / 24.
(84) البدائع 4 / 24.
(85) حاشية الدسوقي 2 / 510.
(86) المغني 9 / 273، وكشاف القناع 5 / 464.
(87) البدائع 4 / 24.
(88) البدائع 4 / 24.
(89) الخرشي 4 / 186، ومغني المحتاج 3 / 432، والمغني 9 / 237، وكشاف القناع 5 / 464.
(90) مغني المحتاج 3 / 433.
(91) المغني 9 / 238.
(92) بدائع الصنائع 4 / 24، والمغني 9 / 238.
(93) حاشية الدسوقي 2 / 511.
(94) مغني المحتاج 3 / 432.
(95) المغني 9 / 238، وكشاف القناع 5 / 463.
(96) الفتاوى الهندية 1 / 546، والبدائع 4 / 19.
(97) مواهب الجليل 4 / 182، وشرح الخرشي 4 / 184.
(98) المهذب 2 / 159، مغني المحتاج 3 / 438.
(99) كشاف القناع 5 / 471، والمغني 9 / 281، الإنصاف 9 / 377.
(100) المغني 9 / 281.
(101) حديث: " عقد على عائشة وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع. . " سبق تخريجه فقرة 5.
(102) مغني المحتاج 3 / 438، والمغني 9 / 282.
(103) المغني 9 / 281، وبدائع الصنائع 4 / 19.
(104) مغني المحتاج 3 / 438، والمهذب 2 / 159.
(105) المغني 9 / 281، والإنصاف 9 / 377.
(106) المغني 9 / 281.
(107) سورة البقرة / 233
(108) سورة الطلاق / 7
(109) حديث: " ولهن عليكم رزقهن. . . " سبق تخريجه ف 6.
(110) مغني المحتاج 3 / 438.
(111) المغني 9 / 281.
(112) بدائع الصنائع 4 / 19.
(113) المرجع السابق.
(114) البدائع 4 / 19، وحاشية الدسوقي 2 / 508، ومغني المحتاج 3 / 437، وشرح منتهى الإرادات 3 / 353.
(115) شرح منتهى الإرادات 3 / 353، ومغني المحتاج 3 / 473.
(116) البدائع 4 / 19، والمدونة 2 / 252، ومغني المحتاج 3 / 437، والمغني 9 / 284.
(117) البدائع 4 / 19.
(118) المرجع السابق، والمدونة 2 / 252.
(119) البدائع 4 / 19.
(120) الفتاوى الهندية 1 / 545، وفتح القدير 4 / 198، ومغني المحتاج 3 / 437، وكشاف القناع 4 / 198.
(121) فتح القدير 4 / 198، البدائع 4 / 20.
(122) الشرح الكبير للدردير 2 / 517، وفتح القدير 4 / 198.
(123) الشرح الكبير للدردير 2 / 517.
(124) البدائع 4 / 29، ورد المحتار 2 / 665، ومغني المحتاج 3 / 446، والمغني 9 / 286، والمبدع 8 / 202، وكشاف القناع 5 / 471، ومواهب الجليل 4 / 182 - 183.
(125) مواهب الجليل 4 / 182 - 183، والتاج والإكليل 4 / 200، وشرح الخرشي 4 / 199.
(126) شرح الخرشي 4 / 199، والتاج والإكليل 4 / 200، ومغني المحتاج 3 / 436، وكشاف القناع 5 / 471.
(127) حديث: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " سبق تخريجه ف 8.
(128) البدائع 4 / 26.
(129) لبدائع 4 / 27.
(130) البدائع 4 / 27.
(131) البدائع 4 / 27.
(132) سبق تخريجه ف 8.
(133) البدائع 4 / 27
(134) المرجع السابق.
(135) البدائع 4 / 27.
(136) البدائع 4 / 27.
(137) البدائع 4 / 27.
(138) البدائع 4 / 27.
(139) البحر الرائق 4 / 214.
(140) بدائع الصنائع 4 / 28، تبيين الحقائق 3 / 55، 56.
(141) شرح الخرشي 4 / 199.
(142) مغني المحتاج 3 / 442.
(143) المغني 9 / 247.
(144) أثر عمر ﵁: كتب إلى أمراء الأجناد فيمن غاب عن نسائه. أخرجه الشافعي في المسند (2 / 65 بترتيب السندي) وابن أبي شيبة في المصنف (5 / 214 ط الدار السلفية) ، واللفظ لابن أبي شيبة.
(145) مغني المحتاج 3 / 442.
(146) المغني 9 / 247.
(147) البدائع 4 / 29، والمهذب 2 / 164، والمغني مع الشرح 9 / 253.
(148) حديث: " اليمين على المدعى عليه " أخرجه البخاري (فتح الباري 8 / 213 ط السلفية) ومسلم (3 / 1336 ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
(149) البدائع 4 / 29.
(150) شرح الخرشي 4 / 200 - 201.
(151) الاختيار 3 / 38، وروضة الطالبين 8 / 401، والمغنى 9 / 439، والمبدع 8 / 229.
(152) المغني 9 / 439، والحطاب 4 / 183، وروضة الطالبين 8 / 402، والمهذب 2 / 166، وكشاف القناع 5 / 424.
(153) البدائع 4 / 28.
(154) مغني المحتاج 2 / 200.
(155) شرح الخرشي 4 / 199، ومواهب الجليل 4 / 200.
(156) المغني 9 / 297.
(157) البدائع 4 / 28.
(158) البدائع 4 / 28.
(159) فتح القدير 3 / 335، والبدائع 4 / 19، والمبسوط 5 / 186، والشرح الكبير للدردير 2 / 524، ومغني المحتاج 3 / 435، وكشاف القناع 5 / 474.
(160) سورة النساء / 34
(161) حديث: " فاتقوا الله في النساء. . . " تقدم تخريجه ف 4.
(162) البدائع 4 / 16، وحاشية الدسوقي 2 / 515، والمغني 9 / 288، ونهاية المحتاج 7 / 211.
(163) سورة الطلاق / 1
(164) البدائع 4 / 16، والمغني 9 / 290.
(165) البدائع 4 / 16، وحاشية الدسوقي 2 / 515، والمغني 9 / 288، ونهاية المحتاج 7 / 211.
(166) سورة الطلاق / 6
(167) المهذب 2 / 164، ونهاية المحتاج 7 / 211، والمغني 9 / 288.
(168) البدائع 4 / 16.
(169) أحكام القرآن للجصاص 5 / 355، والمغني 9 / 289.
(170) حديث أبي إسحاق - عمرو بن عبد الله - " كنت مع الأسود بن يزيد جالسا. . " أخرجه مسلم (2 / 1118 - 1119ط عيسى الحلبي) . والآية من سورة الطلاق / 2.
(171) حاشية الدسوقي 2 / 515، وشرح الخرشي 4 / 192.
(172) المهذب 2 / 164.
(173) المغني 9 / 288.
(174) سورة الطلاق / 6
(175) الإنصاف 9 / 361.
(176) حديث فاطمة بنت قيس سبق تخريجه ف 34.
(177) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق 3 / 61.
(178) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 2 / 515.
(179) المهذب 2 / 165.
(180) المغني 9 / 291.
(181) المغني 9 / 291.
(182) تبيين الحقائق 3 / 61، والمهذب 2 / 165.
(183) تبيين الحقائق 3 / 61.
(184) المغني 9 / 291.
(185) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق 3 / 61.
(186) المهذب 2 / 165، ومغني المحتاج 3 / 402.
(187) المغني 9 / 291، والإنصاف 9 / 369.
(188) المهذب 2 / 165.
(189) تبيين الحقائق 3 / 61.
(190) التاج والإكليل 4 / 162.
(191) المهذب 2 / 165، ومغني المحتاج 3 / 402.
(192) المغني 9 / 291، والإنصاف 9 / 369.
(193) المهذب 2 / 165.
(194) البدائع 4 / 16، ومواهب الجليل 4 / 189، والمهذب 2 / 165، والمغني 9 / 293، والدسوقي 2 / 489، ومغني المحتاج 3 / 401، 441.
(195) مواهب الجليل 4 / 189، والدسوقي 2 / 489.
(196) كشف القناع 5 / 467.
(197) المهذب 2 / 165، ومغني المحتاج 3 / 401، 441.
(198) مواهب الجليل 4 / 189، والمهذب 2 / 165، والدسوقي 2 / 489.
(199) المهذب 2 / 165، وتحفة المحتاج 8 / 261، وكفاية الأخيار 2 / 82.
(200) المهذب 2 / 165.
(201) الاختيار 4 / 9، وتبيين الحقائق 3 / 12.
(202) مواهب الجليل 4 / 198، والروضة 9 / 66.
(203) مواهب الجليل 4 / 198.
(204) المهذب 2 / 165، والروضة 9 / 66، وحاشية الجمل 4 / 460.
(205) المهذب 4 / 460.
(206) المهذب 2 / 165.
(207) حديث ابن عباس: " قضى في الملاعنة أن لا بيت لها عليه. . . " أخرجه أحمد (1239، 245 ط الميمنية) وأبو داود (2 / 690 ط حمص) .
(208) روضة الطالبين 9 / 66.
(209) كشاف القناع 5 / 465، 466، والمغني 7 / 608 (طبعة الرياض) .
(210) فتح القدير 4 / 251، وحاشية الدسوقي 2 / 514، ومغني المحتاج 3 / 440، والمغني 9 / 294.
(211) سورة الطلاق / 6
(212) المغني 9 / 294.
(213) حاشية الدسوقي 2 / 514، ومواهب الجليل 4 / 189.
(214) مغني المحتاج 3 / 440، وتحفة المحتاج 8 / 259.
(215) المغني 9 / 288، 294.
(216) المرجع السابق.
(217) الهداية وفتح القدير 4 / 212، والبدائع 4 / 16، والاختيار 3 / 156.
(218) الهداية مع فتح القدير 4 / 198، والبدائع 4 / 21، وحاشية الدسوقي 2 / 517، وكشاف القناع 5 / 474، وروضة الطالبين 9 / 61، والمغنى 9 / 286 - 287.
(219) الشرح الكبير للدردير 2 / 517، وشرح الخرشي 3 / 195.
(220) والمغني 9 / 286، وكشاف القناع 5 / 473، والمبدع 8 / 203 - 205.
(221) رد المحتار 2 / 648.
(222) المغني 9 / 286، وكشاف القناع 5 / 474.
(223) البدائع 4 / 20.
(224) رد المحتار 2 / 648.
(225) فتح القدير 4 / 198، ورد المحتار 2 / 648.
(226) مغني المحتاج 3 / 438 - 439.
(227) الدر المختار 2 / 648 وحاشية الدسوقي 2 / 517، والمهذب 2 / 160، والمغني 9 / 286.
(228) المغني 9 / 286.
(229) الدر المختار 2 / 648.
(230) المغني 9 / 286، وكشاف القناع 5 / 473، والمبدع 8 / 205.
(231) كشاف القناع 5 / 474.
(232) حاشية الدسوقي 2 / 517.
(233) المغني 9 / 286، وكشاف القناع 5 / 473.
(234) المغني مع الشرح الكبير 9 / 286.
(235) مغني المحتاج 3 / 439.
(236) الدر المختار 2 / 646، 360، 361، والدسوقي 2 / 297، وجواهر الإكليل 1 / 207، ومغني المحتاج 3 / 436، والقليوبي 4 / 74، 77، وكشاف القناع 5 / 472، ومطالب أولي النهى 5 / 258.
(237) رد المحتار 2 / 648، 361.
(238) العناية شرح الهداية 2 / 474، ورد المحتار 2 / 360، 361.
(239) الفتاوى الهندية 1 / 546، والهداية مع فتح القدير 4 / 198.
(240) مغني المحتاج 3 / 438، ونهاية المحتاج 7 / 208 ط مصطفى البابي الحلبي - مصر.
(241) المغني 9 / 283 - 284، والدسوقي 2 / 508 والخرشي 4 / 184.
(242) المغني 9 / 284.
(243) مغني المحتاج 3 / 428.
(244) حاشية الدسوقي 2 / 508، والخرشي 4 / 184.
(245) مغني المحتاج 3 / 438، ونهاية المحتاج 7 / 208.
(246) بدائع الصناع 4 / 29، وحاشية ابن عابدين 5 / 390.
(247) حاشية الدسوقي 2 / 517، وجواهر الإكليل 1 / 404.
(248) المغني 9 / 284.
(249) نهاية المحتاج 7 / 205.
(250) مطالب أولي النهى 5 / 634.
(251) البدائع 4 / 27، وشرح الخرشي 4 / 196، ومغني المحتاج 3 / 442، والمغني 9 / 243.
(252) الدر المختار 2 / 656، ومغني المحتاج 3 / 442، والإنصاف 9 / 383.
(253) سورة البقرة / 280
(254) فتح القدير 3 / 330، ونهاية المحتاج 7 / 212.
(255) حديث: " دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ. . . " أخرجه مسلم (2 / 1104 - 1105 ط عيسى الحلبي) .
(256) المغني 9 / 243.
(257) روضة الطالبين 9 / 72، ونهاية المحتاج 7 / 212.
(258) مواهب الجليل 4 / 196، وشرح الخرشي 4 / 196.
(259) نهاية المحتاج 7 / 212.
(260) المغني 9 / 243، والإنصاف 9 / 384.
(261) المغني 9 / 243.
(262) سورة البقرة / 229
(263) المغني 9 / 243، وكشاف القناع 5 / 476.
(264) أثر: " أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد. . . " تقدم تخريجه ف 28.
(265) أثر: " سعيد بن المسيب أن أبا الزناد سأله. . . " أخرجه الشافعي في مسنده (2 / 65 بترتيب السندي) .
(266) نهاية المحتاج 7 / 212، وكشاف القناع 5 / 476.
(267) بداية المجتهد 2 / 44، ومواهب الجليل 4 / 196، وشرح الخرشي 4 / 199.
(268) روضة الطالبين 9 / 72، ومغني المحتاج 3 / 442.
(269) المغني 9 / 243، وكشاف القناع 5 / 423، والمبدع 8 / 233، والإنصاف 9 / 391.
(270) مواهب الجليل 4 / 196.
(271) نهاية المحتاج 7 / 212، والمغني 9 / 243 وأثر عمر تقدم تخريجه ف 28.
(272) كشاف القناع 5 / 423، والمبدع 8 / 133.
(273) كشاف القناع 5 / 423.
(274) رد المحتار 2 / 656.
(275) مواهب الجليل 4 / 196، شرح الخرشي 3 / 199.
(276) نهاية المحتاج 7 / 82، ومغني المحتاج 3 / 442، وروضة الطالبين 9 / 72.
(277) كشاف القناع 5 / 423، والمبدع 8 / 133، والإنصاف 9 / 391.
(278) مواهب الجليل 5 / 423، ومغني المحتاج 3 / 442.
(279) مغني المحتاج 3 / 442.
(280) كشاف القناع 5 / 480، والمغني 9 / 247، والمبدع 8 / 133.
(281) كشاف القناع 5 / 480.
(282) نهاية المحتاج 7 / 213، ومغني المحتاج 3 / 442، وروضة الطالبين 9 / 73.
(283) رد المحتار 2 / 656.
(284) مواهب الجليل 4 / 199.
(285) نهاية المحتاج 7 / 213، ومغني المحتاج 3 / 443، وروضة الطالبين 9 / 73.
(286) كشاف القناع 5 / 477.
(287) مواهب الجليل 4 / 199.
(288) نهاية المحتاج 7 / 213، ومغني المحتاج 3 / 443، وروضة الطالبين 9 / 73.
(289) نهاية المحتاج 7 / 213، ومغني المحتاج 3 / 443، وكشاف القناع 5 / 477.
(290) البدائع 4 / 25 - 28.
(291) سورة البقرة / 233.
(292) روضة الطالبين 9 / 76.
(293) سورة البقرة / 233.
(294) المغني 9 / 230، وبدائع الصنائع 4 / 25 - 28.
(295) تبيين الحقائق للزيلعي 3 / 63 ط دار المعرفة - بيروت.
(296) سورة البقرة / 233
(297) سورة لقمان / 15
(298) تبيين الحقائق 3 / 63.
(299) تبيين الحقائق 3 / 63.
(300) حاشية رد المحتار 2 / 681 ط بولاق.
(301) حاشية الدسوقي 2 / 522، 523 ط عيسى الحلبي، ومواهب الجليل 4 / 209 ط دار الفكر، بيروت.
(302) المهذب للشيرازي 2 / 212 ط عيسى الحلبي، ومغني المحتاج 3 / 446، 447 ط مصطفى الحلبي.
(303) سورة لقمان / 15
(304) حديث: " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 603) من حديث عائشة ﵂، وقال: حديث حسن صحيح.
(305) سورة الطلاق / 6
(306) حديث: " خذي ما يكفيك وولدك. . . ". سبق تخريجه ف (8) .
(307) مغني المحتاج 3 / 446، 447.
(308) الإنصاف للمرداوي 9 / 392، 393، 396، ط دار إحياء التراث العربي - بيروت، والمغني مع الشرح الكبير 9 / 259.
(309) المغني مع الشرح الكبير 9 / 259، والروض المربع 2 / 362 ط دار الكتب العلمية.
(310) تبيين الحقائق 3 / 62، وحاشية الدسوقي 2 / 522، ومغني المحتاج 3 / 446، والإنصاف 9 / 392.
(311) سورة الإسراء / 23.
(312) سورة لقمان / 15
(313) أخرجه أبو داود (3 / 801 ط حمص) وابن ماجه (2 / 769 ط الحلبي) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. واللفظ لأبي داود، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة (2 / 25 ط الجنان) .
(314) مغني المحتاج 3 / 447، والمغني 11 / 373 ط هجر.
(315) حاشية الدسوقي 2 / 523.
(316) تبيين الحقائق 3 / 63، ومغني المحتاج 3 / 447، والمغني بأعلى الشرح الكبير 9 / 257.
(317) منح الجليل 2 / 448، وحاشية الدسوقي 2 / 522، ومغني المحتاج 3 / 446 - 446، والإنصاف 9 / 392، والمغني بأعلى الشرح الكبير 9 / 256.
(318) اللباب شرح الكتاب 3 / 104، وحاشية ابن عابدين 2 / 678، وحاشية الدسوقي 2 / 522، ومغني المحتاج 3 / 448.
(319) تبيين الحقائق 3 / 64، وحاشية ابن عابدين 2 / 678، ومغني المحتاج 3 / 448، والإنصاف 9 / 392 والكافي 3 / 374، 375 ومطالب أولي النهى 5 / 644.
(320) حاشية الدسوقي 2 / 522، وتبيين الحقائق 3 / 64.
(321) المغني بأعلى الشرح الكبير 9 / 259.
(322) سورة لقمان / 15
(323) حاشية رد المحتار 2 / 683 ط بولاق، وتبيين الحقائق 3 / 63، وشرح منح الجليل 2 / 448، وحاشية الدسوقي 2 / 522، ومغني المحتاج 3 / 447، وحاشية الشرواني وابن القاسم على تحفة المحتاج 8 / 344، 345، والمغني بأعلى الشرح الكبير 9 / 259.
(324) فتح القدير 4 / 417 ط دار الفكر.
(325) فتح القدير 4 / 419 ط دار الفكر - بيروت.
(326) مواهب الجليل 4 / 209 ط دار الفكر، ومنح الجليل 2 / 448.
(327) مغني المحتاج 3 / 450.
(328) مغني المحتاج 3 / 451.
(329) مغني المحتاج 3 / 450، 451.
(330) سورة البقرة / 233
(331) المغني 7 / 591 نشر مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة.
(332) تبيين الحقائق 3 / 62، ومواهب الجليل 4 / 209، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج بهامش شرواني وابن القاسم 8 / 344، والروض المربع 2 / 362 ط دار الكتب العلمية - بيروت.
(333) سورة البقرة / 233
(334) مغني المحتاج / 362.
(335) سورة الطلاق / 2
(336) مغني المحتاج 3 / 446.
(337) حديث: " خذي ما يكفيك وولدك. . . ". سبق تخريجه ف (8) .
(338) المغني 7 / 583.
(339) المرجع السابق.
(340) العناية على الهداية بأسفل شرح فتح القدير 4 / 4140، 411، ومغني المحتاج 3 / 446، والمغني 7 / 583.
(341) سورة البقرة / 233.
(342) حاشية الدسوقي 2 / 523.
(343) الهداية شرح بداية المبتدى بأعلى شرح فتح القدير 4 / 414، وحاشية الدسوقي 2 / 522، والمهذب 2 / 166، والمغني 7 / 584.
(344) حديث: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها. . . " أخرجه مسلم (2 / 693 ط عيسى الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(345) اللباب في شرح الكتاب 3 / 105، وحاشية العدوي على شرح الخرشي 4 / 204 ط بولاق مصر، ونهاية المحتاج 6 / 265 ط مصطفى الحلبي بمصر، والمغني 7 / 584.
(346) المغني 7 / 585.
(347) سورة البقرة / 233
(348) سورة البقرة / 233
(349) الإنصاف 9 / 392 وما بعدها.
(350) سورة البقرة / 233
(351) فتح القدير 4 / 410، وشرح الخرشي 4 / 204، والمهذب 2 / 166، والإنصاف 9 / 392.
(352) فتح القدير 4 / 421.
(353) حاشية الدسوقي 2 / 523.
(354) الشرواني وابن القاسم على تحفة المحتاج 8 / 352، ومغني المحتاج 3 / 451.
(355) سورة البقرة / 233
(356) المغني 7 / 591،592.
(357) حديث: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروفة " سبق تخريجه ف (8) .
(358) البدائع 4 / 38 ط الجمالية بمصر، وحاشية الدسوقي 2 / 523، ومغني المحتاج 3 / 448، والمغني 7 / 595.
(359) البدائع 4 / 32.
(360) حديث: " إن أولادكم من أطيب كسبكم. . . " سبق تخريجه ف 15.
(361) حديث: " أنت ومالك لوالدك " سبق تخريجه ف (51) .
(362) فتح القدير 4 / 419، والبدائع 4 / 33.
(363) مغني المحتاج 3 / 451.
(364) سورة الطلاق / 6
(365) سورة البقرة / 233
(366) حديث: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " سبق تخريجه ف (8) .
(367) المغني 7 / 587.
(368) المغني 7 / 589.
(369) المصدر السابق 7593.
(370) المصباح المنير 7 / 593.
(371) البحر الرائق 4 / 228 ط دار المعرفة بيروت، والمغني 7 / 586.
(372) سورة الإسراء / 36
(373) سورة النساء / 36
(374) حديث: " يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك. . . " أخرجه النسائي (5 / 61 ط التجارية الكبرى) ، وصححه ابن حبان (الإحسان 8 / 130 - 131 ط مؤسسة الرسالة) .
(375) حديث " يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك وأباك، وأختك وأخاك. . . " أخرجه أبو داود (5 / 531 ط حمص) .
(376) فتح القدير 4 / 420، والبحر الرائق 4 / 228.
(377) المغني 7 / 586، والإنصاف 9 / 395.
(378) مواهب الجليل 4 / 209، 210.
(379) الهداية بأعلى فتح الدير 4 / 416.
(380) تبيين الحقائق 3 / 64، والمغني 7 / 584،585.
(381) البدائع 4 / 37.
(382) سورة البقرة / 233
(383) الهداية بأعلى فتح القدير 4 / 419، 420.
(384) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 4 / 208، وروضة الطالبين 9 / 83.
(385) رد المحتار لابن عابدين 2 / 679 طبعة بولاق.
(386) رد المحتار 2 / 625 ط بولاق.
(387) رد المحتار على الدر المختار 2 / 679 طبعة بولاق.
(388) الكافي لابن قدامة 3 / 376، 377.
(389) المغني والشرح الكبير 9 / 260، 261.
(390) رد المحتار 2 / 679 ط بولاق.
(391) الكافي لابن قدامة 3 / 374، 375، والمغني والشرح الكبير 9 / 265، 269، 270.
(392) الكافي لابن قدامة 3 / 376، ومغني المحتاج 3 / 450 - 451، ورد المحتار 2 / 679.
(393) رد المحتار 2 / 676 ط بولاق، والدسوقي على الشرح الكبير 2 / 522، وروضة الطالبين 9 / 83، والكافي لابن قدامة 3 / 375، والمغني والشرح الكبير 9 / 259، 270.
(394) حاشية رد المحتار 2 / 676 ط بولاق، وبدائع الصنائع 3 / 447.
(395) حاشية ابن عابدين 2 / 676 ط بولاق، وحاشية الدسوقي 2 / 522، وروضة الطالبين.
(396) فتح القدير 4 / 411، والكافي 3 / 377، والمغني والشرح الكبير 9 / 270.
(397) فتح القدير 4 / 411.
(398) حاشية رد المحتار 2 / 672 ط بولاق.
(399) سورة البقرة / 233.
(400) بدائع الصنائع 3 / 442.
(401) مواهب الجليل 4 / 210، 211.
(402) الحاوي الكبير للمارودي 15 / 78.
(403) سورة الأعراف / 26.
(404) سورة الحج / 78.
(405) سورة البقرة / 233.
(406) الحاوي الكبير 15 / 78 - 80.
(407) رد المحتار 2 / 685، ومواهب الجليل 4 / 211، 212، ومغني المحتاج 3 / 449، والكافي 3 / 380.
(408) الهداية مع فتح القدير 4 / 229، وحاشية ابن عابدين 2 / 685.
(409) بدائع الصنائع 3 / 451، وفتح القدير 4 / 229، وحاشية ابن عابدين 2 / 685.
(410) مواهب الجليل والتاج والإكليل 4 / 211 وما بعدها.
(411) روضة الطالبين 9 / 85، ومغني المحتاج 3 / 449.
(412) كشاف القناع 5 / 484، والإنصاف 9 / 403.
(413) شرح الزرقاني على خليل 4 / 253، ومغني المحتاج 3 / 441، وكشاف القناع 5 / 405.
(414) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 4 / 211، ومواهب الجليل 4 / 212، وروضة الطالبين 9 / 87، ومغني المحتاج 3 / 572، والمغني والشرح الكبير 9 / 271.
(415) حاشية ابن عابدين 2 / 665 ط بولاق.
(416) حديث: " دخلت امرأة النار في هرة ربطتها. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 356 ط السلفية) ومسلم (4 / 2022 ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري.
(417) تبيين الحقائق 3 / 66، ومواهب الجليل 4 / 207، ومغني المحتاج 3 / 462، وكشاف القناع 5 / 493، والإنصاف 9 / 414.
(418) فتح القدير 4 / 230 - 231.
(419) الشرح الصغير للدردير 2 / 749 - 750.
(420) المهذب 2 / 169، وروضة الطالبين 9 / 120، ومغني المحتاج 3 / 462 - 463، ونهاية المحتاج 7 / 241، 242.
(421) كشاف القناع 5 / 594 - 595.
(422) حاشية العدوي وشرح الخرشي 6 / 125، 129، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 5 / 273، ومغني المحتاج 2 / 267، وأسنى المطالب 2 / 329، ومعونة أولي النهى 5 / 235.
(423) مغني المحتاج 2 / 267، وأسنى المطالب 2 / 329.
(424) معونة أولي النهى 5 / 235.
(425) الفتاوى الهندية 4 / 372، وشرح الخرشي 6 / 129، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 5 / 273، ومغني المحتاج 2 / 267، ومعونة أولي النهى 5 / 235.
(426) الفتاوى الهندية 4 / 372، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق 5 / 88.
(427) حاشية العدوي على شرح الخرشي 6 / 129، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 5 / 273.
(428) البدائع 6 / 203.
(429) تبيين الحقائق 3 / 305.
(430) البدائع 6 / 203، وتبيين الحقائق 3 / 305.
(431) حاشية الدسوقي على شرح الكبير 4 / 123، والمدونة 4 / 367.
(432) روضة الطالبين 5 / 4043.
(433) روضة الطالبين 5 / 404.
(434) المغني والشرح الكبير 6 / 364 - 367.
(435) حديث: " هي لك أو لأخيك أو للذئب. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 46 ط السلفية) ومسلم (3 / 1348 ط الحلبي) من حديث زيد بن خالد الجهني.
(436) المغني وشرح الكبير 6 / 364 - 367.
(437) رد المحتار 4 / 501، وبداية المجتهد 2 / 340، وروضة الطالبين 6 / 332، والمغني 6 / 292.
(438) تبيين الحقائق 6 / 68، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 5 / 23، والمهذب 1 / 314، والمغني 4 / 438.
(439) حديث: " لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه. .) . أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (6 / 39 ط دائرة المعارف) وابن عبد البر في التمهيد (6 / 430 ط فضالة - المغرب) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث عند أهل العلم بالنقل مرسل، وإن كان قد وصل من جهات كثيرة، فإنهم يعللونها.
(440) تبيين الحقائق 6 / 86.
(441) بدائع الصنائع 6 / 498، وتبيين الحقائق 3 / 297، وبداية المجتهد 2 / 338، وروضة الطالبين 5 / 421، والمغني 6 / 379.
(442) بدائع الصنائع 4 / 39، ومغني المحتاج 3 / 106 - 107.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 34/ 41