البحث

عبارات مقترحة:

الرءوف

كلمةُ (الرَّؤُوف) في اللغة صيغةُ مبالغة من (الرأفةِ)، وهي أرَقُّ...

الرحيم

كلمة (الرحيم) في اللغة صيغة مبالغة من الرحمة على وزن (فعيل) وهي...

الشهيد

كلمة (شهيد) في اللغة صفة على وزن فعيل، وهى بمعنى (فاعل) أي: شاهد،...

التَّصْوِير


من معجم المصطلحات الشرعية

صنع صورة على هيئة خاصة، أو مماثلةُ شيء، ومحاكاتُه بالهيئة التي هو فيها . ومن ذلك تصوير الله –تَعَالَى - وصنعه للناس في بطون أمهاتهم على هيئتهم، ومن شواهده قوله تعالى : ﱫﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﱪ غافر : ٦٤ . وتصوير المجسمة كالتمثال، أو المرسومة على ورق، أو حائط، أو المطبوعة . مما له ظل، أو ليس له ظل . فيدخل فيه التصوير بالنقش، والتجسيم، والرسم بالقلم، أو بآلة حديد . قال صلى الله عليه وسلم : "إن أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصورون ." البخاري :7559.


انظر : التمهيد لابن عبد البر، 1/300-303، القول السديد للسعدي، 3/51، نهاية المحتاج للرملي، 6/376

تعريفات أخرى

  • يطلق أحيانا على التمثيل، والرسم، والنحت، والنقش، والرقم، والتزويق، والوشي
  • التصوير في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية يأتي بمعنى التشكيل، والتخطيط، والتخليق، والتمثيل، والتقويم، والتشبيه، والتزويق، والتكوين، والتخييل، والتحويل، والتقدير، والتسوية، والتصنيع، كما أن الصورة تطلق على الصورة الحسية الظاهرة، والصورة المعنوية الباطنة . وهناك التصوير اليدوي، والتصوير الآلي، وتصوير ذوات الأرواح، وتصوير غير ذوات الأرواح

من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف اللغوي

التَّصْويرُ: صِناعَةُ الصُّورَةِ. والصُّورَةُ تأْتي بِمعنى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وهَيْئَتِهِ التي يَتَميَّز بِها عن غَيرِهِ، وتَأْتي أيضاً بِمعنى صِفَةِ الشَّيْءِ، يُقال: صُورَة الأمرِ كَذا وكَذا، أيْ: صِفَتُهُ. ويأْتي التَّصْويرُ بِمعنى رَسْمِ الشَّكْلِ، فيُقال: صَوَّرَ الشَّخْصَ: إذا رَسَمَ لَهُ شَكْلاً. ومِن معانِيِهِ أيضاً: التَّخْيِيلُ والتَّمْثيلُ، تقُول: تَصَوَّرْتُ الشَّيْءَ، أي: مَثَّلْتُ صُورَتَهُ وشَكْلَهُ في الذِّهْنِ.

إطلاقات المصطلح

يُطلَق مُصطلَح (تَصْوِير) في الفقهِ في مَواطِن، منها: كِتاب الصَّلاةِ، باب: شروط الصَّلاةِ، وفي كتاب النِّكاحِ، باب: حُضور الوَليمَةِ. ويُطْلَق في العَقيدَةِ، باب: أَسْماء اللهِ وصِفاتِهِ عند الكلامِ عن اسْمِ اللهِ "المُصَوِّرُ"، وفي باب: القَضاء والقَدَرِ. ويُطْلَق في الفقهِ بِمعنى "ذِكْر صورَةِ الشَّيْءِ، أي: صِفَتُهُ"، ومِنه قَولُ الفقهاءِ: صُورةُ المَسْأَلَةِ كذا، أيْ: صِفَتُها وحَقيقتُها؛ وذلك بِقَصْدِ تَقْريبِ المَسْأَلَةِ وإيضاحِها وتَفْهيمِها بِذِكْرِ مِثالٍ أو تَشْبيهٍ.

جذر الكلمة

صور

التعريف

صنع صورة على هيئة خاصة، أو مماثلةُ شيء، ومحاكاتُه بالهيئة التي هو فيها.

المراجع

* تهذيب اللغة : (12/160)
* مقاييس اللغة : (3/320)
* القاموس المحيط : (ص 427)
* مختار الصحاح : (ص 180)
* لسان العرب : (4/473)
* تاج العروس : (12/357)
* المغرب في ترتيب المعرب : (ص 274)
* القاموس الفقهي : (ص 218)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 133)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (12/93)
* فتاوى اللجنة الدائمة : (1/667)
* المبسوط : (1/193)
* فتح الباري شرح صحيح البخاري : (10/385)
* الـمغني لابن قدامة : (8/111) -

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - التَّصْوِيرُ لُغَةً: صُنْعُ الصُّورَةِ. وَصُورَةُ الشَّيْءِ هِيَ هَيْئَتُهُ الْخَاصَّةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ. وَفِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى: الْمُصَوِّرُ، وَمَعْنَاهُ: الَّذِي صَوَّرَ جَمِيعَ الْمَوْجُودَاتِ وَرَتَّبَهَا، فَأَعْطَى كُل شَيْءٍ مِنْهَا صُورَتَهُ الْخَاصَّةَ وَهَيْئَتَهُ الْمُفْرَدَةَ، عَلَى اخْتِلاَفِهَا وَكَثْرَتِهَا (1) .
وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ تَسْمِيَةُ الْوَجْهِ صُورَةً، قَال ﵁: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُضْرَبَ الصُّورَةُ، أَوْ نَهَى عَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ (2) أَيْ: أَنْ يُضْرَبَ الْوَجْهُ أَوْ يُوسَمَ الْحَيَوَانُ فِي وَجْهِهِ.
وَالتَّصْوِيرُ أَيْضًا: ذِكْرُ صُورَةِ الشَّيْءِ، أَيْ: صِفَتُهُ، يُقَال: صَوَّرْتُ لِفُلاَنٍ الأَْمْرَ، أَيْ: وَصَفْتُهُ لَهُ.
وَالتَّصْوِيرُ أَيْضًا: صُنْعُ الصُّورَةِ الَّتِي هِيَ تِمْثَال الشَّيْءِ، أَيْ: مَا يُمَاثِل الشَّيْءَ وَيَحْكِي هَيْئَتَهُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصُّورَةُ مُجَسَّمَةً أَوْ غَيْرَ مُجَسَّمَةٍ، أَوْ كَمَا يُعَبِّرُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: ذَاتُ ظِلٍّ أَوْ غَيْرُ ذَاتِ ظِلٍّ.
وَالْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الْمُجَسَّمَةِ أَوْ ذَاتُ الظِّل مَا كَانَتْ ذَاتَ ثَلاَثَةِ أَبْعَادٍ، أَيْ لَهَا حَجْمٌ، بِحَيْثُ تَكُونُ أَعْضَاؤُهَا نَافِرَةً يُمْكِنُ أَنْ تَتَمَيَّزَ بِاللَّمْسِ، بِالإِِْضَافَةِ إِِلَى تَمَيُّزِهَا بِالنَّظَرِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُجَسَّمَةِ، أَوِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا ظِلٌّ، فَهِيَ الْمُسَطَّحَةُ، أَوْ ذَاتُ الْبُعْدَيْنِ، وَتَتَمَيَّزُ أَعْضَاؤُهَا بِالنَّظَرِ فَقَطْ، دُونَ اللَّمْسِ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ نَافِرَةً، كَالصُّوَرِ الَّتِي عَلَى الْوَرَقِ، أَوِ الْقُمَاشِ، أَوِ السُّطُوحِ الْمَلْسَاءِ.
وَالتَّصْوِيرُ وَالصُّورَةُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ يَجْرِي عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ.
وَقَدْ تُسَمَّى الصُّورَةُ تَصْوِيرَةً، وَجَمْعُهَا تَصَاوِيرُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ فِي شَأْنِ السَّتْرِ قَوْلُهُ ﷺ: أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِِنَّهُ لاَ تَزَال تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي. (3)

أَنْوَاعُ الصُّوَرِ:
2 - إِنَّ الصُّورَةَ - بِالإِِْضَافَةِ إِِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصُّوَرِ الثَّابِتَةِ - قَدْ تَكُونُ صُورَةً مُؤَقَّتَةً كَصُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْمِرْآةِ، وَصُورَتُهُ فِي الْمَاءِ وَالسُّطُوحِ اللاَّمِعَةِ، فَإِِنَّهَا تَدُومُ مَا دَامَ الشَّيْءُ مُقَابِلاً لِلسَّطْحِ، فَإِِنِ انْتَقَل الشَّيْءُ عَنِ الْمُقَابَلَةِ انْتَهَتْ صُورَتُهُ.
وَمِنَ الصُّوَرِ غَيْرِ الدَّائِمَةِ: ظِل الشَّيْءِ إِِذَا قَابَل أَحَدَ مَصَادِرِ الضَّوْءِ. وَمِنْهُ مَا كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي بَعْضِ الْعُصُورِ الإِِْسْلاَمِيَّةِ، وَيُسَمُّونَهُ: صُوَرَ الْخَيَال، أَوْ صُوَرَ خَيَال الظِّل. (4) فَإِِنَّهُمْ كَانُوا يَقْطَعُونَ مِنَ الْوَرَقِ صُوَرًا لِلأَْشْخَاصِ، ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا بِعِصِيٍّ صَغِيرَةٍ، وَيُحَرِّكُونَهَا أَمَامَ السِّرَاجِ، فَتَنْطَبِعُ ظِلاَلُهَا عَلَى شَاشَةٍ بَيْضَاءِ يَقِف خَلْفَهَا الْمُتَفَرِّجُونَ، فَيَرَوْنَ مَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ صُورَةُ الصُّورَةِ.
وَمِنَ الصُّوَرِ غَيْرِ الدَّائِمَةِ: الصُّوَرُ التِّلِيفِزْيُونِيّة، فَإِِنَّهَا تَدُومُ مَا دَامَ الشَّرِيطُ مُتَحَرِّكًا فَإِِذَا وَقَفَ انْتَهَتِ الصُّورَةُ.
3 - ثُمَّ إِنَّ الصُّورَةَ قَدْ تَكُونُ لِشَيْءٍ حَيٍّ عَاقِلٍ ذِي رُوحٍ، كَصُورَةِ الإِِْنْسَانِ. أَوْ غَيْرِ عَاقِلٍ، كَصُورَةِ الطَّائِرِ أَوِ الأَْسَدِ. أَوْ لِحَيٍّ غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَصُوَرِ الأَْشْجَارِ وَالزُّهُورِ وَالأَْعْشَابِ. أَوْ لِلْجَمَادَاتِ كَصُوَرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالْجِبَال، أَوْ صُوَرِ الْمَصْنُوعَاتِ الإِِْنْسَانِيَّةِ كَصُورَةِ مَنْزِلٍ أَوْ سَيَّارَةٍ أَوْ مَنَارَةٍ أَوْ سَفِينَةٍ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّمَاثِيل:
4 - التَّمَاثِيل جَمْعُ تِمْثَالٍ " بِكَسْرِ التَّاءِ " وَتِمْثَال الشَّيْءِ: صُورَتُهُ فِي شَيْءٍ آخَرَ. وَهُوَ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ، وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وَالتَّمْثِيل: التَّصْوِيرُ. يُقَال: مَثَّل لَهُ الشَّيْءَ إِِذَا صَوَّرَهُ لَهُ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَمَثَّلْتَ لَهُ كَذَا: إِِذَا صَوَّرْتَ لَهُ مِثَالَهُ بِكِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا مُمَثِّلٌ مِنَ الْمُمَثِّلِينَ (5) أَيْ مُصَوِّرٌ. وَظِل كُل شَيْءٍ تِمْثَالُهُ. (6)
فَالْفَرْقُ بَيْنَ التِّمْثَال وَبَيْنَ الصُّورَةِ: أَنَّ صُورَةَ الشَّيْءِ قَدْ يُرَادُ بِهَا الشَّيْءُ نَفْسُهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّا يَحْكِي هَيْئَةَ الأَْصْل، أَمَّا التِّمْثَال فَهُوَ الصُّورَةُ الَّتِي تَحْكِي الشَّيْءَ وَتُمَاثِلُهُ، وَلاَ يُقَال لِصُورَةِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ: إِنَّهَا تِمْثَالُهُ.
5 - وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ التِّمْثَال أَيْضًا فِي اللُّغَةِ يُسْتَعْمَل لِصُوَرِ الْجَمَادَاتِ مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّال يَأْتِي وَمَعَهُ تِمْثَال الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. (7)
أَمَّا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ، فَإِِنَّهُ بِاسْتِقْرَاءِ كَلاَمِهِمْ تَبَيَّنَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يُفَرِّقُونَ فِي الاِسْتِعْمَال بَيْنَ لَفْظَيِ (الصُّورَةِ) (وَالتِّمْثَال) ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمْ خَصَّ التِّمْثَال بِصُورَةِ مَا كَانَ ذَا رُوحٍ، أَيْ صُورَةِ الإِِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُجَسَّمًا أَوْ مُسَطَّحًا، دُونَ صُورَةِ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ بَيْتٍ، وَأَمَّا الصُّورَةُ فَهِيَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْمُغْرِبِ. (8)
وَهَذَا الْبَحْثُ جَارٍ عَلَى الاِصْطِلاَحِ الأَْغْلَبِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي تَحْكِي الشَّيْءَ، وَالتِّمْثَال بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

ب - الرَّسْمُ:
6 - الرَّسْمُ فِي اللُّغَةِ: أَثَرُ الشَّيْءِ. وَقِيل: بَقِيَّةُ الأَْثَرِ. وَأَثَرُ الشَّيْءِ قَدْ يُشَاكِلُهُ فِي الْهَيْئَةِ. وَمِنْ هُنَا سَمَّوْا " الرَّوْسَمَ "، وَهُوَ الْخَشَبَةُ الَّتِي فِيهَا نُقُوشٌ يُخْتَمُ بِهَا الأَْشْيَاءُ الْمُرَادُ بَقَاؤُهَا مُخْفَاةً، لِئَلاَّ تُسْتَعْمَل. وَقَال ابْنُ سِيدَهْ: " الرَّوْسَمُ الطَّابَعُ ". وَمِنْهُ " الْمَرْسُومُ " لأَِنَّهُ يُخْتَمُ بِخَاتَمٍ. (9) وَالرَّسْمُ فِي الاِسْتِعْمَال الْمُعَاصِرِ بِمَعْنَى: الصُّورَةُ الْمُسَطَّحَةُ، أَوِ التَّصْوِيرُ الْمُسَطَّحُ، إِِذَا كَانَ مَعْمُولاً بِالْيَدِ. وَلاَ تُسَمَّى الصُّورَةُ الْفُوتُوغْرَافِيَّةُ رَسْمًا. بَل يُقَال: رَسَمْتُ دَارًا، أَوْ إِنْسَانًا، أَوْ شَجَرَةً.

ج - التَّزْوِيقُ، وَالنَّقْشُ، وَالْوَشْيُ، وَالرَّقْمُ:
7 - هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الأَْرْبَعُ تَكَادُ تَكُونُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ تَجْمِيل الشَّيْءِ الْمُسَطَّحِ أَوْ غَيْرِ الْمُسَطَّحِ بِإِِضَافَةِ أَشْكَالٍ تَجْمِيلِيَّةٍ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَشْكَالاً هَنْدَسِيَّةً أَوْ نَمْنَمَاتٍ أَوْ صُوَرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. قَال صَاحِبُ اللِّسَانِ: ثَوْبٌ مُنَمْنَمٌ أَيْ: مَوْقُومٌ مُوَشًّى، وَقَال: النَّقْشُ: النَّمْنَمَةُ. فَكُلٌّ مِنْهَا يَكُونُ بِالصُّوَرِ أَوْ بِغَيْرِهَا.

د - النَّحْتُ:
8 - النَّحْتُ: الأَْخْذُ مِنْ كُتْلَةٍ صُلْبَةٍ كَالْحَجَرِ أَوِ الْخَشَبِ بِأَدَاةٍ حَادَّةِ كَالإِِْزْمِيل أَوِ السِّكِّينِ، حَتَّى يَكُونَ مَا يَبْقَى مِنْهَا عَلَى الشَّكْل الْمَطْلُوبِ، فَإِِنْ كَانَ مَا بَقِيَ يُمَثِّل شَيْئًا آخَرَ فَهُوَ تِمْثَالٌ أَوْ صُورَةٌ، وَإِِلاَّ فَلاَ

تَرْتِيبُ هَذَا الْبَحْثِ:
9 - يَحْتَوِي هَذَا الْبَحْثُ عَلَى مَا يَلِي:
أَوَّلاً: مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الأَْحْكَامِ بِالصُّورَةِ الإِِْنْسَانِيَّةِ. ثَانِيًا: أَحْكَامُ التَّصْوِيرِ، أَيْ: صِنَاعَةُ الصُّوَرِ.
ثَالِثًا: أَحْكَامُ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ، أَيِ: اتِّخَاذُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا.
رَابِعًا: أَحْكَامُ الصُّوَرِ مِنْ حَيْثُ التَّعَامُل وَالتَّعَرُّفُ فِيهَا.

الْقِسْمُ الأَْوَّل: مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الأَْحْكَامِ بِالصُّورَةِ الإِِْنْسَانِيَّةِ
:
10 - يَنْبَغِي لِلإِِْنْسَانِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِتَجْمِيل صُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ، بِالإِِْضَافَةِ إِِلَى اعْتِنَائِهِ بِتَكْمِيل صُورَتِهِ الْبَاطِنَةِ، وَيَقُومُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِشُكْرِهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَّل صُورَتَهُ. وَالْعِنَايَةُ بِالصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ تَكُونُ بِالإِِْيمَانِ وَالتَّطَهُّرِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالشُّكْرِ لِلَّهِ، وَالتَّجَمُّل بِالأَْخْلاَقِ الْحَمِيدَةِ.
وَالْعِنَايَةُ بِالصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ تَكُونُ بِالتَّطَهُّرِ بِالْوُضُوءِ وَالاِغْتِسَال وَالتَّنَظُّفِ وَإِِزَالَةِ التَّفَثِ، وَالتَّزَيُّنِ بِالزِّينَةِ الْمَشْرُوعَةِ مِنَ الْعِنَايَةِ بِالشَّعْرِ وَالْمَلاَبِسِ الْحَسَنَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، (ر: زِينَةٌ) .
11 - وَلاَ يَحِل لِلإِِْنْسَانِ أَنْ يُشَوِّهَ جِسْمَهُ بِإِِتْلاَفِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، أَوْ إِخْرَاجِهِ عَنْ وَضْعِهِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. كَمَا لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ بِغَيْرِهِ، إِلاَّ حَيْثُ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ. (10) (ر: مُثْلَةٌ) . كَمَا لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَقْصِدَ تَشْوِيَهُ نَفْسِهِ بِلُبْسِ مَا يَنْفِرُ النَّاسُ مِنْهُ وَيُخْرِجَهُ عَنِ الْمُعْتَادِ (ر: أَلْبِسَةٌ) .
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُل فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ أَيْ: فِي إِحْدَى قَدَمَيْهِ دُونَ الأُْخْرَى (11) . وَشُرِعَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ وَيَتَعَطَّرَ. وَلِلْمَرْأَةِ زِينَتُهَا الْخَاصَّةُ. وَرَاجِعْ مَبَاحِثَ (اكْتِحَالٌ. اخْتِضَابٌ. حُلِيٌّ، إِلَخْ) .
12 - أَمَّا الزِّينَةُ الْبَاطِنَةُ، فَقَدْ قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الْجَمَال الْبَاطِنُ هُوَ مَحَل نَظَرِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِهِ وَمَوْضِعُ مَحَبَّتِهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ (12) . وَهَذَا الْجَمَال الْبَاطِنُ يُزَيِّنُ الصُّورَةَ الظَّاهِرَةَ وَإِِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ جَمَالٍ، فَتَكْسُو صَاحِبَهَا مِنَ الْجَمَال وَالْمَهَابَةِ وَالْحَلاَوَةِ بِحَسَبِ مَا اكْتَسَبَتْ رُوحُهُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ. فَإِِنَّ الْمُؤْمِنَ يُعْطَى مَهَابَةً وَحَلاَوَةً بِحَسَبِ إِيمَانِهِ، فَمَنْ رَآهُ هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبَّهُ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُودٌ بِالْعِيَانِ. فَإِِنَّكَ تَرَى الرَّجُل الصَّالِحَ ذَا الأَْخْلاَقِ الْجَمِيلَةِ مِنْ أَحْلَى النَّاسِ صُورَةً، وَإِِنْ كَانَ غَيْرَ جَمِيلٍ، وَلاَ سِيَّمَا إِِذَا رُزِقَ حَظًّا مِنْ صَلاَةِ اللَّيْل، فَإِِنَّهَا تُنَوِّرُ الْوَجْهَ.
قَال: وَأَمَّا الْجَمَال الظَّاهِرُ فَزِينَةٌ خَصَّ اللَّهُ بِهَا بَعْضَ الصُّوَرِ عَنْ بَعْضٍ، وَهِيَ مِنْ زِيَادَةِ الْخَلْقِ الَّتِي قَال اللَّهُ فِيهَا: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} (13) قَال الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ الصَّوْتُ الْحَسَنُ وَالصُّورَةُ الْحَسَنَةُ. وَالْقُلُوبُ مَطْبُوعَةٌ عَلَى مَحَبَّتِهِ، كَمَا هِيَ مَفْطُورَةٌ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ.
قَال: وَكُلٌّ مِنَ الْجَمَال الظَّاهِرِ وَالْجَمَال الْبَاطِنِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تُوجِبُ عَلَى الْعَبْدِ شُكْرًا بِالتَّقْوَى وَالصِّيَانَةِ، وَبِهِمَا يَزْدَادُ جَمَالاً عَلَى جَمَالِهِ. وَإِِنِ اسْتَعْمَل جَمَالَهُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ قَلَبَ اللَّهُ مَحَاسِنَهُ شَيْنًا وَقُبْحًا. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو النَّاسَ إِِلَى جَمَال الْبَاطِنِ بِجَمَال الظَّاهِرِ، قَال جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ ﵁: قَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَنْتَ امْرُؤٌ حَسَّنَ اللَّهُ خَلْقَكَ، فَحَسِّنْ خُلُقَكَ (14) . وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْمَل الْخَلْقِ وَأَحْسَنَهُمْ وَجْهًا. وَقَدْ سُئِل الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: أَكَانَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْل السَّيْفِ؟ فَقَال: لاَ، بَل مِثْل الْقَمَرِ (15) . وَكَانَ ﷺ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الرَّسُول الَّذِي يُرْسَل إِلَيْهِ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الاِسْمِ، فَكَانَ يَقُول: إِِذَا أَبْرَدْتُمْ إِلَيَّ بَرِيدًا فَاجْعَلُوهُ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الاِسْمِ (16) وَقَدْ أَمْتَعَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ بِحُسْنِ الصُّوَرِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُل الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى أَثَرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً. صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ (17) .

الْقِسْمُ الثَّانِي: حُكْمُ التَّصْوِيرِ (صِنَاعَةُ الصُّوَرِ)
أ - تَحْسِينُ صُورَةِ الشَّيْءِ الْمَصْنُوعِ:
13 - يُسْتَحْسَنُ لِلصَّانِعِ إِِذَا صَنَعَ شَيْئًا أَنْ يُحَسِّنَ صُورَةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، إِذْ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ إِتْقَانِ الْعَمَل وَإِِحْسَانِهِ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَن كُل شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِِْنْسَانِ مِنْ طِينٍ} (18) وَقَال: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (19) وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِِذَا عَمِل أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ (20) وَقَال: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِِْحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ، فَإِِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ. . . الْحَدِيثَ " (21) .

ب - تَصْوِيرُ الْمَصْنُوعَاتِ:
14 - لاَ بَأْسَ بِتَصْوِيرِ الأَْشْيَاءِ الَّتِي يَصْنَعُهَا الْبَشَرُ، كَصُورَةِ الْمَنْزِل وَالسَّيَّارَةِ وَالسَّفِينَةِ وَالْمَسْجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّ لِلإِِْنْسَانِ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُصَوِّرَهَا.

ج - صِنَاعَةُ تَصَاوِيرِ الْجَمَادَاتِ الْمَخْلُوقَةِ:
15 - لاَ بَأْسَ بِتَصْوِيرِ الْجَمَادَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا خَلَقَهَا عَلَيْهِ - كَتَصْوِيرِ الْجِبَال وَالأَْوْدِيَةِ وَالْبِحَارِ، وَتَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالسَّمَاءِ وَالنُّجُومِ، دُونَ اخْتِلاَفٍ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، إِلاَّ مَنْ شَذَّ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَعْنِي جَوَازَ صِنَاعَةِ شَيْءٍ مِنْهَا إِِذَا عُلِمَ أَنَّ الشَّخْصَ الْمَصْنُوعَةَ لَهُ يَعْبُدُ تِلْكَ الصُّورَةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَذَلِكَ كَعُبَّادِ الشَّمْسِ أَوِ النُّجُومِ. أَشَارَ إِِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ. وَيُسْتَدَل لِحُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي التَّصْوِيرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِمَا يَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ التَّالِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا.
وَقَدْ نَقَل ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّهُ نَقَل وَجْهًا بِمَنْعِ تَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ لأَِنَّ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ عَبَدَهُمَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَمْتَنِعُ تَصْوِيرُهُمَا لِذَلِكَ. وَوَجَّهَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ (22) وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي (23) فَإِِنَّهُ يَتَنَاوَل مَا فِيهِ رُوحٌ وَمَا لاَ رُوحَ فِيهِ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا مُؤَوَّلٌ وَخَاصٌّ بِمَا فِيهِ رُوحٌ كَمَا يَأْتِي. (24) د - تَصْوِيرُ النَّبَاتَاتِ وَالأَْشْجَارِ:
16 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ شَرْعًا بِتَصْوِيرِ الأَْعْشَابِ وَالأَْشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ النَّبَاتِيَّةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مُثْمِرَةً أَمْ لاَ، وَأَنَّ ذَلِكَ لاَ يَدْخُل فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ التَّصَاوِيرِ.
وَلَمْ يُنْقَل فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ، إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ رَأَى تَحْرِيمَ تَصْوِيرِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ دُونَ الشَّجَرِ غَيْرِ الْمُثْمِرِ. قَال عِيَاضٌ: هَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُ مُجَاهِدٍ. قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَأَظُنُّ مُجَاهِدًا سَمِعَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَفِيهِ: فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً (25) ، وَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً (26) فَإِِنَّ فِي ذِكْرِ الذَّرَّةِ إِشَارَةٌ إِِلَى مَا فِيهِ رُوحُ، وَفِي ذِكْرِ الشَّعِيرَةِ إِشَارَةٌ إِِلَى مَا يَنْبُتُ مِمَّا يُؤْكَل، وَأَمَّا مَا لاَ رُوحَ فِيهِ وَلاَ يُثْمِرُ فَلَمْ تَقَعِ الإِِْشَارَةُ إِلَيْهِ. (27)
وَكَرَاهَةُ تَصْوِيرِ النَّبَاتَاتِ وَالأَْشْجَارِ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ عَلَى خِلاَفِهِ. (28)
وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ (29) فَخُصَّ النَّهْيُ بِذَوَاتِ الأَْرْوَاحِ وَلَيْسَ الشَّجَرُ مِنْهَا، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ نَهَى الْمُصَوِّرَ عَنِ التَّصْوِيرِ، ثُمَّ قَال لَهُ: " إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَصَوِّرِ الشَّجَرَ وَمَا لاَ رُوحَ فِيهِ قَال الطَّحَاوِيُّ: وَلأَِنَّ صُورَةَ الْحَيَوَانِ لَمَّا أُبِيحَتْ بَعْدَ قَطْعِ رَأْسِهَا - لأَِنَّهَا لاَ تَعِيشُ بِدُونِهِ - دَل ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ تَصْوِيرِ مَا لاَ رُوحَ فِيهِ أَصْلاً. (30) بَل إِنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ مُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَال فَلْيَقْطَعْ حَتَّى يَكُونَ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ (31) فَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَةَ فِي الأَْصْل لاَ يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ بِتَصْوِيرِهَا. هَذَا مَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الاِسْتِدْلاَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ تَصْوِيرُ الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ وَمَا لاَ رُوحَ فِيهِ. وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ جِبْرِيل قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّهَا ثَلاَثٌ، لَنْ يَلِجَ عَلَيْكَ مَلَكٌ مَا دَامَ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْهَا: كَلْبٌ، أَوْ جَنَابَةٌ، أَوْ صُورَةُ رُوحٍ " (32) .

هـ - تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ أَوِ الإِِْنْسَانِ:
17 - هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّصْوِيرِ فِيهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَتَفْصِيلٌ يَتَبَيَّنُ فِيمَا يَلِي، وَإِِلَى هَذَا النَّوْعِ خَاصَّةً يَنْصَرِفُ قَوْل مَنْ يُطْلِقُ تَحْرِيمَ التَّصْوِيرِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأَْنْوَاعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا.

التَّصْوِيرُ فِي الدِّيَانَاتِ السَّابِقَةِ:
18 - قَال مُجَاهِدٌ قَوْله تَعَالَى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَطَاعَةِ الْجِنِّ لَهُ: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيل وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} (33) قَال: كَانَتْ صُوَرًا مِنْ نُحَاسٍ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَال قَتَادَةُ: كَانَتْ مِنَ الزُّجَاجِ وَالْخَشَبِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَال ابْنُ حَجَرٍ: كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ أَشْكَال الأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ عَلَى هَيْئَتِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ لِيَتَعَبَّدُوا كَعِبَادَتِهِمْ. وَقَال أَبُو الْعَالِيَةِ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ حَرَامًا. وَقَال مِثْل ذَلِكَ الْجَصَّاصُ. قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ﵄ ذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ أُولَئِكَ قَوْمٌ كَانُوا إِِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُل الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ. أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ. (34)
قَال: فَإِِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ مَا أَطْلَقَ عَلَى الَّذِي فَعَلَهُ أَنَّهُ شَرُّ الْخَلْقِ، هَكَذَا قَال. لَكِنَّ الأَْظْهَرَ أَنَّهُ ذَمَّهُمْ لِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَلِجَعْلِهِمُ الصُّوَرَ فِي الْمَسَاجِدِ، لاَ لِمُطْلَقِ التَّصْوِيرِ، لِيُوَافِقَ الآْيَةَ، (35) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تَصْوِيرُ صُورَةِ الإِِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِِْسْلاَمِيَّةِ:
19 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ تَصْوِيرِ ذَوَاتِ الأَْرْوَاحِ مِنَ الإِِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

20 - الْقَوْل الأَْوَّل:
إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَرَامٍ. وَلاَ يَحْرُمُ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ يَصْنَعَ صَنَمًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (36) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (37) - وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالإِِْبَاحَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيل وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} (38) قَالُوا: وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} (39) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي حَقِّ الْمُصَوِّرِينَ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ (40) وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا ذَرَّةً (41) قَالُوا: وَلَوْ كَانَ هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ لاَقْتَضَى تَحْرِيمَ تَصْوِيرِ الشَّجَرِ وَالْجِبَال وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَحْرُمُ بِالاِتِّفَاقِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ قَصَدَ أَنْ يَتَحَدَّى صَنْعَةَ الْخَالِقِ ﷿ وَيَفْتَرِيَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَخْلُقُ مِثْل خَلْقِهِ.
21 - وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَقِّ الْمُصَوِّرِينَ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ (42) قَالُوا: لَوْ حُمِل عَلَى التَّصْوِيرِ الْمُعْتَادِ لَكَانَ ذَلِكَ مُشْكِلاً عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. فَإِِنَّ أَشَدَّ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً كَسَائِرِ الْمَعَاصِي لَيْسَ أَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ وَقَتْل النَّفْسِ وَالزِّنَا، فَكَيْفَ يَكُونُ فَاعِلُهُ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَ التَّمَاثِيل لِتُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
- وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا يَأْتِي مِنَ اسْتِعْمَال الصُّوَرِ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَبُيُوتِ أَصْحَابِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ تَعَامُلُهُمْ بِالدَّنَانِيرِ الرُّومِيَّةِ وَالدَّرَاهِمِ الْفَارِسِيَّةِ دُونَ نَكِيرٍ، وَبِالأَْحْوَال الْفَرْدِيَّةِ لِلاِسْتِعْمَال الْوَاقِعِ مِنْهُمْ مِمَّا يَرِدُ ذِكْرُهُ فِي تَضَاعِيفِ هَذَا الْبَحْثِ، دُونَ تَأْوِيلٍ.
وَقَدْ نَقَل الأَْلُوسِيُّ هَذَا الْقَوْل فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ الآْيَةِ " 13 " مِنْ سُورَةِ سَبَأٍ، حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ النَّحَّاسَ وَمَكِّيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَابْنَ الْفَرَسِ نَقَلُوهُ عَنْ قَوْمٍ (43) وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ. مِنْ أَجْل ذَلِكَ فَإِِنَّ هَذَا الْقَوْل يُغْفِل ذِكْرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمُ الْمُطَوَّلَةِ وَالْمُخْتَصَرَةِ، وَيَقْتَصِرُونَ فِي ذِكْرِ الْخِلاَفِ عَلَى الأَْقْوَال الآْتِيَةِ:

22 - الْقَوْل الثَّانِي:
وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ السَّلَفِ، وَوَافَقَهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ مِنَ التَّصَاوِيرِ إِلاَّ مَا جَمَعَ الشُّرُوطَ الآْتِيَةَ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ تَكُونَ صُورَةُ الإِِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ مِمَّا لَهُ ظِلٌّ، أَيْ تَكُونُ تِمْثَالاً مُجَسَّدًا، فَإِِنْ كَانَتْ مُسَطَّحَةً لَمْ يَحْرُمْ عَمَلُهَا، وَذَلِكَ كَالْمَنْقُوشِ فِي جِدَارٍ، أَوْ وَرَقٍ، أَوْ قُمَاشٍ. بَل يَكُونُ مَكْرُوهًا. وَمِنْ هُنَا نَقَل ابْنُ الْعَرَبِيِّ الإِِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَصْوِيرَ مَا لَهُ ظِلٌّ حَرَامٌ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ كَامِلَةَ الأَْعْضَاءِ، فَإِِنْ كَانَتْ نَاقِصَةَ عُضْوٍ مِمَّا لاَ يَعِيشُ الْحَيَوَانُ مَعَ فَقْدِهِ لَمْ يَحْرُمْ، كَمَا لَوْ صَوَّرَ الْحَيَوَانَ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ أَوْ مَخْرُوقَ الْبَطْنِ أَوِ الصَّدْرِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَصْنَعَ الصُّورَةَ مِمَّا يَدُومُ مِنَ الْحَدِيدِ أَوِ النُّحَاسِ أَوِ الْحِجَارَةِ أَوِ الْخَشَبِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِِنْ صَنَعَهَا مِمَّا لاَ يَدُومُ كَقِشْرِ بِطِّيخٍ أَوْ عَجِينٍ لَمْ يَحْرُمْ؛ لأَِنَّهُ إِِذَا نَشَفَ تَقَطَّعَ. عَلَى أَنَّ فِي هَذَا النَّوْعِ عِنْدَهُمْ خِلاَفًا، فَقَدْ قَال الأَْكْثَرُ مِنْهُمْ: يَحْرُمُ وَلَوْ كَانَ مِمَّا لاَ يَدُومُ.
وَنُقِل قَصْرُ التَّحْرِيمِ عَلَى ذَوَاتِ الظِّل عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ (44) .
وَقَال ابْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْمُرَادُ بِالصُّورَةِ أَيِ: الْمُحَرَّمَةِ مَا كَانَ لَهَا جِسْمٌ مَصْنُوعٌ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ.

23 - الْقَوْل الثَّالِثُ:
أَنَّهُ يَحْرُمُ تَصْوِيرُ ذَوَاتِ الأَْرْوَاحِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلصُّورَةِ ظِلٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَتَشَدَّدَ النَّوَوِيُّ حَتَّى ادَّعَى الإِِْجْمَاعَ عَلَيْهِ. وَفِي دَعْوَى الإِِْجْمَاعِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي. وَقَدْ شَكَّكَ فِي صِحَّةِ الإِِْجْمَاعِ ابْنُ نُجَيْمٍ كَمَا فِي الطَّحْطَاوِيِّ عَلَى الدُّرِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ. لاَ يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا التَّحْرِيمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَيُسْتَثْنَى عِنْدَهُمْ بَعْضُ الْحَالاَتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَوِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا سَيُذْكَرُ فِيمَا بَعْدُ. (45)
- وَالتَّصْوِيرُ الْمُحَرَّمُ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالُوا: لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ التَّوَعُّدِ عَلَيْهِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ. (46)
أَدِلَّةُ الْقَوْلَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بِتَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ:
24 - اسْتَنَدَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ إِِلَى الأَْحَادِيثِ التَّالِيَةِ:

الْحَدِيثُ الأَْوَّل: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيل، فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ. فَقَال: يَا عَائِشَةُ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَال: إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ (47) . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَال: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَال لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّهَا قَالَتْ: فَأَخَذْتُ السِّتْرَ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَةً أَوْ مِرْفَقَتَيْنِ، فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. (48)
هَذَا وَإِِنَّ قَوْلَهُ ﷺ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. (49) وَقَوْلُهُ: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَال لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ رَوَيَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ جِبْرِيل أَنْ يَأْتِيَهُ فِي سَاعَةٍ، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ. قَالَتْ: وَكَانَ بِيَدِهِ عَصًا فَطَرَحَهَا، وَهُوَ يَقُول: مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلاَ رُسُلَهُ. ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِِذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرٍ، فَقَال: مَتَى دَخَل هَذَا الْكَلْبُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ بِهِ. فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءَهُ جِبْرِيل، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَعَدْتنِي فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأْتِنِي؟ فَقَال: مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ. إِنَّا لاَ نَدْخُل بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةٌ. (50) وَرَوَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ حَادِثَةً مِثْل هَذِهِ، وَفِيهَا قَوْل جِبْرِيل: إِنَّا لاَ نَدْخُل بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةٌ. (51) وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَهُ بِحَادِثَةِ جِبْرِيل، وَمَا قَال لَهُ. وَرَوَى الْقِصَّةَ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ دَخَل دَارًا تُبْنَى بِالْمَدِينَةِ لِسَعِيدٍ، أَوْ لِمَرْوَانَ، فَرَأَى مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ فِي الدَّارِ، فَقَال سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: قَال اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً. (52)

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا. فَقَال: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ قَال: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَال: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ. سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: كُل مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَل لَهُ بِكُل صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا، فَيُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ ثُمَّ قَال: إِنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لاَ نَفْسَ لَهُ (53) .

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:
عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الأَْسَدِيِّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَال لَهُ: أَلاَ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَلاَّ تَدَعَ صُورَةً إِلاَّ طَمَسْتَهَا، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ. (54) تَعْلِيل تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ:
25 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ عَلَى وُجُوهٍ:

الْوَجْهُ الأَْوَّل: أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ مَا فِي التَّصْوِيرِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصْل التَّعْلِيل بِذَلِكَ وَارِدٌ فِي الأَْحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَلَفْظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ (55) وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي (56) وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ: مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ (57) وَحَدِيثِ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ. يُقَال لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ. (58) وَمِمَّا يُكَدِّرُ عَلَى التَّعْلِيل بِهَذَا أَمْرَانِ:
الأَْوَّل: أَنَّ التَّعْلِيل بِهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ تَحْرِيمِ تَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْجِبَال وَالشَّجَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الأَْرْوَاحِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّعْلِيل بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَيْضًا مَنْعَ تَصْوِيرِ لُعَبِ الْبَنَاتِ وَالْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَثْنَاهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ قَضِيَّةِ التَّحْرِيمِ - مِنْ أَجْل ذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّعْلِيل بِهَذِهِ الْعِلَّةِ مِنْ صُنْعِ الصُّورَةِ مُتَحَدِّيًا قُدْرَةَ الْخَالِقِ ﷿، وَرَأَى أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَخْلُقَ كَخَلْقِهِ، فَيُرِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَجْزَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَنْ يُكَلِّفَهُ أَنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ.
قَال النَّوَوِيُّ: أَمَّا رِوَايَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَل الصُّورَةَ لِتُعْبَدَ، وَقِيل: هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَافِرٌ لَهُ مِنْ أَشَدِّ الْعَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ كُفْرِهِ ". (59)
وَيَتَأَيَّدُ التَّعْلِيل بِهَذَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال شَبِيهًا بِذَلِكَ فِي حَقِّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يُنَزِّل مِثْل مَا أَنْزَل اللَّهُ، وَأَنَّهُ لاَ أَحَدَ أَظْلَم مِنْهُ، فَقَال تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَال أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَال سَأُنْزِل مِثْل مَا أَنْزَل اللَّهُ} (60) فَهَذَا فِيمَنِ ادَّعَى مُسَاوَاةَ الْخَالِقِ فِي أَمْرِهِ وَوَحْيِهِ، وَالأَْوَّل فِيمَنِ ادَّعَى مُسَاوَاتَهُ فِي خَلْقِهِ، وَكِلاَهُمَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا. وَمِمَّا يُحَقِّقُ هَذَا مَا تُوحِي بِهِ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَإِِنَّ " ذَهَبَ " بِمَعْنَى قَصَدَ، بِذَلِكَ فَسَّرَهَا ابْنُ حَجَرٍ (61) . وَبِذَلِكَ يَكُونُ مَعْنَاهَا أَنَّهُ أَظْلَمُ النَّاسِ بِهَذَا الْقَصْدِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَخْلُقَ كَخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَنَقَل الْجَصَّاصُ قَوْلاً أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الأَْحَادِيثِ " مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ ".

26 - الْوَجْهُ الثَّانِي: كَوْنُ التَّصْوِيرِ وَسِيلَةً إِِلَى الْغُلُوِّ فِي غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَعْظِيمِهِ حَتَّى يَئُول الأَْمْرُ إِِلَى الضَّلاَل وَالاِفْتِنَانِ بِالصُّوَرِ، فَتُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى. وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ وَالنَّاسُ يَنْصِبُونَ تَمَاثِيل يَعْبُدُونَهَا، يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إِِلَى اللَّهِ زُلْفَى، فَجَاءَ الإِِْسْلاَمُ مُحَطِّمًا لِلشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَّةِ، مُعْلِنًا أَنَّ شِعَارَهُ الأَْكْبَرَ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) وَمُسَفِّهًا لِعُقُول هَؤُلاَءِ. وَمِنَ الْمَنَاهِجِ الَّتِي سَلَكَتْهَا الشَّرِيعَةُ الْحَكِيمَةُ لِذَلِكَ - بِالإِِْضَافَةِ إِِلَى الْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ وَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ - أَنْ جَاءَتْ إِِلَى مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً إِِلَى الضَّلاَل وَلاَ مَنْفَعَةَ، أَوْ مَنْفَعَتُهُ أَقَل، فَمَنَعَتْ إِتْيَانَهُ، قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالَّذِي أَوْجَبَ النَّهْيَ عَنِ التَّصْوِيرِ فِي شَرْعِنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَا كَانَتِ الْعَرَبُ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الأَْوْثَانِ وَالأَْصْنَامِ، فَكَانُوا يُصَوِّرُونَ وَيَعْبُدُونَ، فَقَطَعَ اللَّهُ الذَّرِيعَةَ، وَحَمَى الْبَابَ.
ثُمَّ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ التَّعْلِيل بِالْمُضَاهَاةِ وَهُوَ مَنْصُوصٌ، لاَ يَمْنَعُ مِنَ التَّعْلِيل بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، قَال: نَهَى عَنِ الصُّورَةِ، وَذَكَرَ عِلَّةَ التَّشَبُّهِ بِخَلْقِ اللَّهِ، وَفِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا عِبَادَتُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ عَمَلَهَا مَعْصِيَةٌ، فَمَا ظَنُّكَ بِعِبَادَتِهَا. (62)
وَاسْتَنَدَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْوَجْهِ فِي التَّعْلِيل إِِلَى مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ نُوحٍ، مُعَلَّقًا. عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي: وَدٍّ، وَسُوَاعٍ، وَيَغُوثَ، وَيَعُوقَ، وَنَسْرٍ. قَال: " هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِِلَى قَوْمِهِمْ: أَنِ انْصِبُوا إِِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ إِلَيْهَا أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ، عُبِدَتْ (63) .
لَكِنْ إِِلَى أَيِّ مَدًى أَرَادَتِ الشَّرِيعَةُ الْمَنْعَ مِنَ التَّصْوِيرِ لِتَكْفُل سَدَّ الذَّرِيعَةِ: هَل إِِلَى مَنْعِ التَّصْوِيرِ مُطْلَقًا، أَوْ مَنْعِ الصُّوَرِ الْمَنْصُوبَةِ دُونَ غَيْرِ الْمَنْصُوبَةِ، أَوْ مَنْعِ الصُّوَرِ الْمُجَسَّمَةِ الَّتِي لَهَا ظِلٌّ؛ لأَِنَّهَا الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ؟ هَذَا مَوْضِعُ الْخِلاَفِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الْوَجْهِ رَأَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَدَّدَ أَوَّلاً وَأَمَرَ بِكَسْرِ الأَْوْثَانِ وَلَطَّخَ الصُّوَرَ، ثُمَّ لَمَّا عُرِفَ ذَلِكَ الأَْمْرُ وَاشْتَهَرَ رَخَّصَ فِي الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ وَقَال: إِلاَّ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ.

27 - الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعِلَّةَ مُجَرَّدُ الشَّبَهِ بِفِعْل الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَنْحِتُونَ الأَْصْنَامَ وَيَعْبُدُونَهَا، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الْمُصَوِّرُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ تُعْبَدِ الصُّورَةُ الَّتِي يَصْنَعُهَا، لَكِنَّ الْحَال شَبِيهَةٌ بِالْحَال. كَمَا نُهِينَا عَنِ الصَّلاَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا؛ لِئَلاَّ نَكُونَ فِي ذَلِكَ مِثْل مَنْ يَسْجُدُ لَهَا حِينَئِذٍ. كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ: فَإِِنَّهُ يَسْجُدُ لَهَا حِينَئِذٍ الْكُفَّارُ (64) فَكُرِهَتِ الصَّلاَةُ حِينَئِذٍ لِمَا تَجُرُّهُ الْمُشَابَهَةُ مِنَ الْمُوَافَقَةِ. أَشَارَ إِِلَى هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ. وَنَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَال: إِنَّ صُورَةَ الأَْصْنَامِ هِيَ الأَْصْل فِي مَنْعِ التَّصْوِيرِ (65) لَكِنْ إِِذَا قِيل بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَهِيَ لاَ تَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنَ الْكَرَاهَةِ. 28 - الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ وُجُودَ الصُّورَةِ فِي مَكَان يَمْنَعُ دُخُول الْمَلاَئِكَةِ إِلَيْهِ. وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ عَلَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ عَلِيٍّ.
وَرَدَّ التَّعْلِيل بِهَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ الْحَنَابِلَةُ، كَمَا يَأْتِي، وَقَالُوا: إِنَّ تَنْصِيصَ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ لاَ يَقْتَضِي مَنْعَ التَّصْوِيرِ، كَالْجَنَابَةِ، فَإِِنَّهَا تَمْنَعُ دُخُول الْمَلاَئِكَةِ أَيْضًا لِمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لاَ تَدْخُل الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلاَ كَلْبٌ وَلاَ جُنُبٌ (66) فَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ الْجَنَابَةِ.
وَلَعَل امْتِنَاعَ دُخُول الْمَلاَئِكَةِ إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِ الصُّورَةِ مُحَرَّمَةً، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ. فَامْتِنَاعُ دُخُولِهِمْ أَثَرُ التَّحْرِيمِ، وَلَيْسَ عِلَّةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تَفْصِيل الْقَوْل فِي صِنَاعَةِ الصُّوَرِ:
أَوَّلاً: الصُّوَرُ الْمُجَسَّمَةُ (ذَوَاتُ الظِّل) .
29 - صَنْعَةُ الصُّوَرِ الْمُجَسَّمَةِ مُحَرَّمَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَخْذًا بِالأَْدِلَّةِ السَّابِقَةِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَا كَانَ مَصْنُوعًا كَلُعْبَةٍ لِلصِّغَارِ، أَوْ كَانَ مُمْتَهَنًا، أَوْ كَانَ مَقْطُوعًا مِنْهُ عُضْوٌ لاَ يَعِيشُ بِدُونِهِ، أَوْ كَانَ مِمَّا لاَ يَدُومُ كَصُوَرِ الْحَلْوَى أَوِ الْعَجِينِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يَتَبَيَّنُ فِي الْمَبَاحِثِ التَّالِيَةِ.

ثَانِيًا: صِنَاعَةُ الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ:
الْقَوْل الأَْوَّل فِي صِنَاعَةِ الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ
30 - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ جَوَازُ صِنَاعَةِ الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ مُطْلَقًا، مَعَ الْكَرَاهَةِ. لَكِنْ إِنْ كَانَتْ فِيمَا يُمْتَهَنُ فَلاَ كَرَاهَةَ بَل خِلاَفُ الأَْوْلَى. وَتَزُول الْكَرَاهَةُ إِِذَا كَانَتِ الصُّوَرُ مَقْطُوعَةَ عُضْوٍ لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَ فَقْدِهِ.
31 - وَمِنَ الْحُجَّةِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ مَا يَلِي:
(67) حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ وَعَنْهُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، وَرَوَاهُ سَهْل بْنُ حُنَيْفٍ الصَّحَابِيُّ ﵃، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَدْخُل الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، إِلاَّ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ (67) فَهَذَا الْحَدِيثُ مُقَيَّدٌ، فَيُحْمَل عَلَيْهِ كُل مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّصَاوِيرِ وَلَعْنِ الْمُصَوِّرِينَ.
(69) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً. (69) وَوَجْهُ الاِحْتِجَاجِ بِهِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ هَذِهِ الأَْحْيَاءَ سُطُوحًا، بَل اخْتَرَعَهَا مُجَسَّمَةً. (71)
(72) اسْتِعْمَال الصُّوَرِ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا جَعَلَتِ السِّتْرَ مِرْفَقَتَيْنِ، فَكَانَ يُرْتَفَقُ بِهِمَا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " وَإِِنَّ فِيهِمَا الصُّوَرَ ".
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَال طَائِرٍ، وَكَانَ الدَّاخِل إِِذَا دَخَل اسْتَقْبَلَهُ، فَقَال لِي النَّبِيُّ ﷺ: حَوِّلِي هَذَا، فَإِِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيْتُهُ، ذَكَرْتُ الدُّنْيَا (73) فَعُلِّل بِذَلِكَ، وَكَانَ ﷺ حَرِيصًا عَلَى أَلاَّ يَشْغَلَهُ أَمْرُ الدُّنْيَا وَزَهْرَتُهَا عَنِ الدَّعْوَةِ إِِلَى اللَّهِ وَالتَّفَرُّغِ لِعِبَادَتِهِ. وَذَلِكَ لاَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ عَلَى أُمَّتِهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال لَهَا: أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِِنَّ تَصَاوِيرَهُ لاَ تَزَال تَعْرِضُ لِي فِي صَلاَتِي (72) وَعُلِّل فِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ بِغَيْرِ هَذَا عِنْدَمَا هَتَكَ السِّتْرَ فَقَال يَا عَائِشَةُ لاَ تَسْتُرِي الْجِدَارَ (75) وَقَال إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ. (76) وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى جَلِيًّا حَدِيثُ سَفِينَةَ ﵁ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ دَعَا النَّبِيَّ ﷺ إِِلَى بَيْتِهِ، فَجَاءَ فَوَضَعَ يَدَهُ فَرَجَعَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ لِعَلِيٍّ: الْحَقْهُ فَانْظُرْ مَا رَجَعَهُ. فَتَبِعَهُ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ مَا رَدَّكَ؟ قَال: إِنَّهُ لَيْسَ لِي - أَوْ قَال: لِنَبِيٍّ - أَنْ يَدْخُل بَيْتًا مُزَوَّقًا. (77)
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَفِي رِوَايَتِهِ: فَرَأَى سِتْرًا مَوْشَيًّا، وَفِيهَا أَنَّهُ ﷺ قَال مَا لَنَا وَلِلدُّنْيَا، مَا لَنَا وَلِلرَّقْمِ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ فَمَا تَأْمُرُنَا فِيهِ؟ قَال: تُرْسِلِينَ بِهِ إِِلَى أَهْل حَاجَةٍ. (78) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي السِّتْرِ تَصَاوِيرُ. (79)
(80) اسْتِعْمَال النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ الدَّنَانِيرَ الرُّومِيَّةَ وَالدَّرَاهِمَ الْفَارِسِيَّةَ وَعَلَيْهَا صُوَرُ مُلُوكِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ نُقُودٌ غَيْرُهَا إِلاَّ الْفُلُوسُ. وَقَدْ ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ - عَلَى مَا تَذْكُرُهُ الْكُتُبُ الْمُؤَلَّفَةُ فِي تَارِيخِ النُّقُودِ - الدَّرَاهِمَ عَلَى السِّكَّةِ الْفَارِسِيَّةِ، فَكَانَ فِيهَا الصُّوَرُ، وَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ مُعَاوِيَةُ ﵁ وَعَلَيْهَا الصُّوَرُ بَعْدَ أَنْ مَحَا مِنْهَا الصَّلِيبَ، وَضَرَبَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَعَلَيْهَا صُورَتُهُ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، ثُمَّ ضَرَبَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَالْوَلِيدُ خَالِيَةً مِنَ الصُّوَرِ. (81)
(82) مَا نُقِل عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنِ اسْتِعْمَال الصُّوَرِ فِي السُّتُورِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُسَطَّحَاتِ. مِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَال زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ لِلسُّتُورِ ذَاتِ الصُّوَرِ، وَحَدِيثُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَاسْتَعْمَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ ﵁ وَأَقَرَّهُ سَهْل بْنُ حُنَيْفٍ ﵁، وَحَدِيثُهُمَا فِي الْمُوَطَّأِ وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ. وَاعْتَمَدُوا عَلَى مَا رَوَوْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ إِلاَّ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يَتَّكِئُ عَلَى الْمَرَافِقِ (الْوَسَائِدِ) الَّتِي فِيهَا تَصَاوِيرُ الطَّيْرِ وَالرِّجَال (83) .
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الصَّحَابِيِّ ﵁ كَانَ رَجُلاً مُتَقَلِّدًا سَيْفًا. وَأَنَّ نَقْشَ خَاتَمِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ ﵁ قَائِدِ فَتْحِ فَارِسَ، كَانَ أَيِّلاً قَابِضًا إِحْدَى يَدَيْهِ بَاسِطًا الأُْخْرَى، وَعَنِ الْقَاسِمِ قَال كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عَبْدِ اللَّهِ ذَبَّابَانِ، وَكَانَ نَقْشَ خَاتَمِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ كُرْكِيَّانِ، وَرُوِيَ أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ذُبَابَتَانِ (84) .
وَنَقَل ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّهُ دَخَل عَلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵃ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ بِبَيْتِهِ، قَال: فَرَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ حَجْلَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ الْقُنْدُسِ وَالْعَنْقَاءِ. قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَل أَهْل زَمَانِهِ. (85)
وَرَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ قَال: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَعُودُهُ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ. قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ التَّصَاوِيرُ فِي الْكَانُونِ؟ قَال: أَلاَ تَرَى قَدْ أَحْرَقْنَاهَا بِالنَّارِ. فَلَمَّا خَرَجَ الْمِسْوَرُ قَال: اقْطَعُوا رُءُوسَ هَذِهِ التَّمَاثِيل. قَالُوا: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ لَوْ ذَهَبْتَ بِهَا إِِلَى السُّوقِ كَانَ أَنْفَقَ لَهَا قَال: لاَ. فَأَمَرَ بِقَطْعِ رُءُوسِهَا (86) . الْقَوْل الثَّانِي فِي صِنَاعَةِ الصُّوَرِ غَيْرِ ذَوَاتِ الظِّل (أَيِ الْمُسَطَّحَةِ) :
32 - إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ كَصِنَاعَةِ ذَوَاتِ الظِّل. وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَنُقِل عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَاسْتَثْنَى بَعْضُ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل الصُّوَرَ الْمَقْطُوعَةَ وَالصُّوَرَ الْمُمْتَهَنَةَ وَأَشْيَاءَ أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي فِي بَقِيَّةِ هَذَا الْبَحْثِ.
وَاحْتَجُّوا لِلتَّحْرِيمِ بِإِِطْلاَقِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي لَعْنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُصَوِّرِينَ، وَأَنَّ الْمُصَوِّرَ يُعَذَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْ يُكَلَّفَ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِي كُل صُورَةٍ صَوَّرَهَا. خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ صُوَرُ الأَْشْجَارِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لاَ رُوحَ فِيهِ بِالأَْدِلَّةِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا، فَيَبْقَى مَا عَدَاهَا عَلَى التَّحْرِيمِ. قَالُوا: وَأَمَّا الاِحْتِجَاجُ لإِِِبَاحَةِ صُنْعِ الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ بِاسْتِعْمَال النَّبِيِّ ﷺ الْوِسَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِيهِمَا الصُّوَرُ، وَاسْتِعْمَال الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِذَلِكَ، فَإِِنَّ الاِسْتِعْمَال لِلصُّورَةِ حَيْثُ جَازَ لاَ يَعْنِي جَوَازَ تَصْوِيرِهَا؛ لأَِنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ وَلَعْنِ الْمُصَوِّرِ، وَهُوَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ اسْتِعْمَال مَا فِيهِ الصُّورَةُ. وَقَدْ عُلِّل فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِمُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ وَالتَّشْبِيهِ بِهِ، وَذَلِكَ إِثْمٌ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ الاِسْتِعْمَال. (87) ثَالِثًا: الصُّوَرُ الْمَقْطُوعَةُ وَالصُّوَرُ النِّصْفِيَّةُ وَنَحْوُهَا:
33 - تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ تَصْوِيرِ الإِِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ - سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصُّورَةُ تِمْثَالاً مُجَسَّمًا أَوْ صُورَةً مُسَطَّحَةً - إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةَ عُضْوٍ مِنَ الأَْعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ مِمَّا لاَ يَعِيشُ الْحَيَوَانُ بِدُونِهِ. كَمَا لَوْ كَانَ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ، أَوْ كَانَ مَخْرُوقَ الْبَطْنِ أَوِ الصَّدْرِ.
وَكَذَلِكَ يَقُول الْحَنَابِلَةُ، كَمَا جَاءَ فِي الْمُغْنِي: " إِِذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ التَّصْوِيرَةِ صُورَةُ بَدَنٍ بِلاَ رَأْسٍ أَوْ رَأْسٌ بِلاَ بَدَنٍ، أَوْ جُعِل لَهُ رَأْسٌ وَسَائِرُ بَدَنِهِ صُورَةُ غَيْرِ حَيَوَانٍ، لَمْ يَدْخُل فِي النَّهْيِ. وَفِي الْفُرُوعِ: إِنْ أُزِيل مِنَ الصُّوَرِ مَا لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ لَمْ يُكْرَهْ، فِي الْمَنْصُوصِ. وَمِثْلُهُ صُورَةُ شَجَرَةٍ وَنَحْوِهِ وَتِمْثَالٍ، وَكَذَا تَصْوِيرُهُ (88)
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا، وَلَمْ يُنْقَل بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ إِلاَّ مَا شَذَّ بِهِ الْمُتَوَلِّي، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِِذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ غَيْرَ الرَّأْسِ وَقَدْ بَقِيَ الرَّأْسُ. وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ التَّحْرِيمُ، جَاءَ فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ وَحَاشِيَتِهِ لِلرَّمْلِيِّ: وَكَذَا إِنْ قُطِعَ رَأْسُ الصُّورَةِ. قَال الكوهكيوني: وَكَذَا حُكْمُ مَا صُوِّرَ بِلاَ رَأْسٍ، وَأَمَّا الرُّءُوسُ بِلاَ أَبْدَانٍ فَهَل تَحْرُمُ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ. وَالْحُرْمَةُ أَرْجَحُ. قَال الرَّمْلِيُّ: وَهُمَا وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي وَبَنَاهُمَا عَلَى أَنَّهُ هَل يَجُوزُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ لاَ نَظِيرَ لَهُ: إِنْ جَوَّزْنَاهُ جَازَ ذَلِكَ، وَإِِلاَّ فَلاَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَيَشْمَلُهُمَا قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ.
وَظَاهِرُ مَا فِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ جَوَازُهُ، فَإِِنَّهُ قَال: وَكَفَقْدِ الرَّأْسِ فَقْدُ مَا لاَ حَيَاةَ بِدُونِهِ. (89)

رَابِعًا: صُنْعُ الصُّوَرِ الْخَيَالِيَّةِ:
34 - يَنُصُّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الصُّوَرَ الْخَيَالِيَّةَ لِلإِِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ دَاخِلَةٌ فِي التَّحْرِيمِ. قَالُوا: يَحْرُمُ، كَإِِنْسَانٍ لَهُ جَنَاحٌ، أَوْ بَقَرٍ لَهُ مِنْقَارٌ، مِمَّا لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْمَخْلُوقَاتِ. وَكَلاَمُ صَاحِبِ رَوْضِ الطَّالِبِ يُوحِي بِوُجُودِ قَوْلٍ بِالْجَوَازِ.
وَوَاضِحٌ أَنَّ هَذَا فِي غَيْرِ اللُّعَبِ الَّتِي لِلأَْطْفَال، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهُ كَانَ فِي لُعَبِهَا فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ لَمَّا رَآهَا حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. (90) خَامِسًا: صُنْعُ الصُّوَرِ الْمُمْتَهَنَةِ:
35 - يَأْتِي أَنَّ أَغْلَبَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ اقْتِنَاءِ وَاسْتِعْمَال الصُّوَرِ الْمُجَسَّمَةِ وَالْمُسَطَّحَةِ. سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَقْطُوعَةً أَمْ كَامِلَةً، إِِذَا كَانَتْ مُمْتَهَنَةً، كَالَّتِي عَلَى أَرْضٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ فِرَاشٍ أَوْ وِسَادَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَبِنَاءً عَلَى هَذَا، ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِِلَى جَوَازِ صُنْعِ مَا يُسْتَعْمَل عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، كَنَسْجِ الْحَرِيرِ لِمَنْ يَحِل لَهُ.
وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ خِلاَفُ الأَْوْلَى.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَابِدِينَ. وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ عَنِ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ أَجَازَ التَّصْوِيرَ عَلَى الأَْرْضِ. (91)
وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَابِلَةِ تَصْرِيحًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ مُنْدَرِجٌ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْقَوْل فِي مَعْنَى الاِمْتِهَانِ.

سَادِسًا: صِنَاعَةُ الصُّوَرِ مِنَ الطِّينِ وَالْحَلْوَى وَمَا يَسْرُعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ:
36 - لِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي صِنَاعَةِ الصُّوَرِ الَّتِي لاَ تُتَّخَذُ لِلإِِْبْقَاءِ، كَالَّتِي تُعْمَل مِنَ الْعَجِينِ وَأَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ الْمَنْعُ. وَكَذَا نَقَلَهُمَا الْعَدَوِيُّ وَقَال: إِنَّ الْقَوْل بِالْجَوَازِ هُوَ لأَِصْبَغَ. وَمَثَّل لَهُ بِمَا يُصْنَعُ مِنْ عَجِينٍ أَوْ قِشْرِ بِطِّيخٍ؛ لأَِنَّهُ إِِذَا نَشَفَ تَقَطَّعَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَحْرُمُ صُنْعُهَا وَلاَ يَحْرُمُ بَيْعُهَا. (92)
وَلَمْ نَجِدْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ نَصًّا فِي ذَلِكَ.

سَابِعًا: صِنَاعَةُ لُعَبِ الْبَنَاتِ:
37 - اسْتَثْنَى أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ وَصِنَاعَةِ التَّمَاثِيل صِنَاعَةَ لُعَبِ الْبَنَاتِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَقَدْ نَقَل الْقَاضِي عِيَاضٌ جَوَازَهُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، فَقَال: يُسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ تَصْوِيرِ مَا لَهُ ظِلٌّ، وَمِنِ اتِّخَاذِهِ لُعَبَ الْبَنَاتِ، لِمَا وَرَدَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ.
وَهَذَا يَعْنِي جَوَازَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ اللُّعَبُ عَلَى هَيْئَةِ تِمْثَال إِنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ، مُجَسَّمَةً أَوْ غَيْرَ مُجَسَّمَةٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْحَيَوَانَاتِ أَمْ لاَ، كَفَرَسٍ لَهُ جَنَاحَانِ.
وَقَدِ اشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ لِلْجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مَقْطُوعَةَ الرُّءُوسِ، أَوْ نَاقِصَةَ عُضْوٍ لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ بِدُونِهِ. وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ. (93)
38 - وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ لِهَذَا الاِسْتِثْنَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِِذَا دَخَل يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ، فَيَلْعَبْنَ مَعِي. (94)
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكٍ أَوْ خَيْبَرَ، وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ، فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَال: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهَا جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَال: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟ قَالَتْ: فَرَسٌ. قَال: وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: جَنَاحَانِ. فَقَال: فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟ قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلاً لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ. (95)
وَقَدْ عَلَّل الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ هَذَا الاِسْتِثْنَاءَ لِصِنَاعَةِ اللُّعَبِ بِالْحَاجَةِ إِِلَى تَدْرِيبِهِنَّ عَلَى أَمْرِ تَرْبِيَةِ الأَْوْلاَدِ. وَهَذَا التَّعْلِيل يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ كَانَتِ اللُّعَبُ عَلَى هَيْئَةِ إِنْسَانٍ، وَلاَ يَظْهَرُ فِي أَمْرِ الْفَرَسِ الَّذِي لَهُ جَنَاحَانِ، وَلِذَا عَلَّل الْحَلِيمِيُّ بِذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ، وَهَذَا نَصُّ كَلاَمِهِ، قَال: لِلصَّبَايَا فِي ذَلِكَ فَائِدَتَانِ: إِحْدَاهُمَا عَاجِلَةٌ وَالأُْخْرَى آجِلَةٌ. فَأَمَّا الْعَاجِلَةُ، فَالاِسْتِئْنَاسُ الَّذِي فِي الصِّبْيَانِ مِنْ مَعَادِنِ النُّشُوءِ وَالنُّمُوِّ. فَإِِنَّ الصَّبِيَّ إِنْ كَانَ أَنْعَمَ حَالاً وَأَطْيَب نَفْسًا وَأَشْرَحَ صَدْرًا كَانَ أَقْوَى وَأَحْسَن نُمُوًّا، وَذَلِكَ لأَِنَّ السُّرُورَ يُبْسِطُ الْقَلْبَ، وَفِي انْبِسَاطِهِ انْبِسَاطُ الرُّوحِ، وَانْتِشَارُهُ فِي الْبَدَنِ، وَقُوَّةُ أَثَرِهِ فِي الأَْعْضَاءِ وَالْجَوَارِحِ.
وَأَمَّا الآْجِلَةُ فَإِِنَّهُنَّ سَيَعْلَمْنَ مِنْ ذَلِكَ مُعَالَجَةَ الصِّبْيَانِ وَحُبَّهُمْ وَالشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ طَبَائِعَهُنَّ، حَتَّى إِِذَا كَبَرْنَ وَعَايَنَ لأَِنْفُسِهِنَّ مَا كُنَّ تَسَرَّيْنَ بِهِ مِنَ الأَْوْلاَدِ كُنَّ لَهُمْ بِالْحَقِّ كَمَا كُنَّ لِتِلْكَ الأَْشْبَاهِ بِالْبَاطِل. (96)
هَذَا وَقَدْ نَقَل ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ عَنِ الْبَعْضِ دَعْوَى أَنَّ صِنَاعَةَ اللُّعَبِ مُحَرَّمَةٌ، وَأَنَّ جَوَازَهَا كَانَ أَوَّلاً، ثُمَّ نُسِخَ بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنِ التَّصْوِيرِ. (97)
وَيَرُدُّهُ أَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ مُعَارَضَةٌ بِمِثْلِهَا، وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الإِِْذْنُ بِاللُّعَبِ لاَحِقًا. عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فِي اللُّعَبِ مَا يَدُل عَلَى تَأَخُّرِهِ، فَإِِنَّ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ رُجُوعِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا.

ثَامِنًا: التَّصْوِيرُ لِلْمَصْلَحَةِ كَالتَّعْلِيمِ وَغَيْرِهِ:
39 - لَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، عَدَا مَا ذَكَرُوهُ فِي لُعَبِ الأَْطْفَال: أَنَّ الْعِلَّةَ فِي اسْتِثْنَائِهَا مِنَ التَّحْرِيمِ الْعَامِّ هُوَ تَدْرِيبُ الْبَنَاتِ عَلَى تَرْبِيَةِ الأَْطْفَال كَمَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، أَوِ التَّدْرِيبُ وَاسْتِئْنَاسُ الأَْطْفَال وَزِيَادَةُ فَرَحِهِمْ لِمَصْلَحَةِ تَحْسِينِ النُّمُوِّ كَمَا قَال الْحَلِيمِيُّ، وَأَنَّ صِنَاعَةَ الصُّوَرِ أُبِيحَتْ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، مَعَ قِيَامِ سَبَبِ التَّحْرِيمِ، وَهِيَ كَوْنُهَا تَمَاثِيل لِذَوَاتِ الأَْرْوَاحِ. وَالتَّصْوِيرُ بِقَصْدِ التَّعْلِيمِ وَالتَّدْرِيبِ نَحْوُهُمَا لاَ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: اقْتِنَاءُ الصُّوَرِ وَاسْتِعْمَالُهَا:
40 - يَذْهَبُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ تَصْوِيرِ الصُّورَةِ تَحْرِيمُ اقْتِنَائِهَا أَوْ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِهَا، فَإِِنَّ عَمَلِيَّةَ التَّصْوِيرِ لِذَوَاتِ الأَْرْوَاحِ وَرَدَ فِيهَا النُّصُوصُ الْمُشَدَّدَةُ السَّابِقُ ذِكْرُهَا، وَفِيهَا لَعْنُ الْمُصَوِّرِ، وَأَنَّهُ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ، وَأَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ أَوْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا. وَلَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ، وَلَمْ تَتَحَقَّقْ فِي مُسْتَعْمِلِهَا عِلَّةُ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ مِنَ الْمُضَاهَاةِلِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُل عَلَى مَنْعِ اقْتِنَاءِ الصُّورَةِ أَوِ اسْتِعْمَالِهَا، إِلاَّ أَنَّ الأَْحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ عَذَابٍ أَوْ أَيِّ قَرِينَةٍ تَدُل عَلَى أَنَّ اقْتِنَاءَهَا مِنَ الْكَبَائِرِ. وَبِهَذَا يَكُونُ حُكْمُ مُقْتَنِي الصُّورَةِ الَّتِي يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهَا: أَنَّهُ قَدْ فَعَل صَغِيرَةً مِنَ الصَّغَائِرِ، إِلاَّ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الإِِْصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ كَبِيرَةٌ، فَيَكُونُ كَبِيرَةً إِنْ تَحَقَّقَ الإِِْصْرَارُ لاَ إِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ، أَوْ لَمْ نَقُل بِأَنَّ الإِِْصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ.
وَقَدْ نَبَّهَ إِِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّصْوِيرِ وَبَيْنَ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ فِي الْحُكْمِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ الصُّوَرِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَنَبَّهَ إِلَيْهِ الشَّبْرَامُلُّسِي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ يَجْرِي كَلاَمُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. (98)
وَالأَْحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى مَنْعِ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ مِنْهَا:
(98) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَتَكَ السِّتْرَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ وَفِي رِوَايَةٍ قَال لِعَائِشَةَ: " أَخِّرِيهِ عَنِّي ". (100) وَتَقَدَّمَ.
(100) وَمِنْهَا أَنَّهُ قَال: إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لاَ تَدْخُلُهُ الْمَلاَئِكَةُ. (102) (103) وَمِنْهَا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَهُ إِِلَى الْمَدِينَةِ وَقَال: لاَ تَدَعْ صُورَةً إِلاَّ طَمَسْتهَا وَفِي رِوَايَةٍ: إِلاَّ لَطَّخْتَهَا وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ وَفِي رِوَايَةٍ: وَلاَ صَنَمًا إِلاَّ كَسَرْتَهُ. (104)
41 - وَفِي مُقَابِل ذَلِكَ نُقِل اسْتِعْمَال النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لأَِنْوَاعٍ مِنَ الصُّوَرِ لِذَوَاتِ الرُّوحِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرِّوَايَاتِ الْمُبَيِّنَةِ لِذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ (ف 31) وَنَزِيدُ هُنَا مَا رُوِيَ أَنَّ خَاتَمَ دَانْيَال النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ عَلَيْهِ أَسَدٌ وَلَبُؤَةٌ وَبَيْنَهُمَا صَبِيٌّ يَلْمِسَانِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ بُخْتَ نَصَّرَ قِيل لَهُ: يُولَدُ مَوْلُودٌ يَكُونُ هَلاَكُكَ عَلَى يَدِهِ، فَجَعَل يَقْتُل كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ. فَلَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ دَانْيَال أَلْقَتْهُ فِي غَيْضَةٍ رَجَاءَ أَنْ يَسْلَمَ. فَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ أَسَدًا يَحْفَظُهُ وَلَبُؤَةً تُرْضِعُهُ. فَنَقَشَهُ عَلَى خَاتَمِهِ لِيَكُونَ بِمَرْأًى مِنْهُ لِيَتَذَكَّرَ نِعْمَةَ اللَّهِ. وَوُجِدَتْ جُثَّةُ دَانْيَال وَالْخَاتَمُ فِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁ فَدَفَعَ الْخَاتَمَ إِِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ (105) . فَهَذَا فِعْل صَحَابِيَّيْنِ.
وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مِنَ الصُّوَرِ وَمَا لاَ يَجُوزُ، وَتَوْفِيقُهُمْ بَيْنَ هَذِهِ الأَْحَادِيثِ الْمُتَعَارِضَةِ. الْبَيْتُ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لاَ تَدْخُلُهُ الْمَلاَئِكَةُ:
42 - ثَبَتَ هَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ. وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَمَيْمُونَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي طَلْحَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَغَيْرِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ.
قَال النَّوَوِيُّ: قَال الْعُلَمَاءُ: سَبَبُ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ دُخُول بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ كَوْنُهَا مَعْصِيَةً فَاحِشَةً، وَفِيهَا مُضَاهَاةٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَعْضُهَا فِي صُورَةِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَعُوقِبَ مُتَّخِذُهَا بِحِرْمَانِهِ دُخُول الْمَلاَئِكَةِ بَيْتَهُ، وَصَلاَتَهَا فِيهِ، وَاسْتِغْفَارَهَا لَهُ، وَتَبْرِيكَهَا عَلَيْهِ وَفِي بَيْتِهِ، وَدَفْعَهَا أَذَى الشَّيْطَانِ.
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ كَمَا فِي الْفَتْحِ: إِنَّمَا لَمْ تَدْخُل لأَِنَّ مُتَّخِذَ الصُّوَرِ قَدْ تَشَبَّهَ بِالْكُفَّارِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الصُّوَرَ فِي بُيُوتِهِمْ وَيُعَظِّمُونَهَا، فَكَرِهَتِ الْمَلاَئِكَةُ ذَلِكَ. قَال النَّوَوِيُّ: وَهَؤُلاَءِ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ لاَ يَدْخُلُونَ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ هُمْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا الْحَفَظَةُ فَيَدْخُلُونَ كُل بَيْتٍ، وَلاَ يُفَارِقُونَ بَنِي آدَمَ فِي حَالٍ؛ لأَِنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِإِِحْصَاءِ أَعْمَالِهِمْ وَكِتَابَتِهَا. ثُمَّ قَال النَّوَوِيُّ: وَهُوَ عَامٌّ فِي كُل صُورَةٍ حَتَّى مَا يُمْتَهَنُ. وَنَقَل الطَّحْطَاوِيُّ عَنْهُ: أَنَّهَا تَمْتَنِعُ مِنَ الدُّخُول حَتَّى مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ.وَفِي قَوْل النَّوَوِيِّ هَذَا مُبَالَغَةٌ وَتَشَدُّدٌ ظَاهِرٌ، فَإِِنَّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا هَتَكَتِ السِّتْرَ وَجَعَلَتْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَّكِئُ عَلَيْهِمَا وَفِيهِمَا الصُّوَرُ. وَكَانَ لاَ يَتَحَرَّجُ مِنْ إِبْقَاءِ الدَّنَانِيرِ أَوِ الدَّرَاهِمِ فِي بَيْتِهِ وَفِيهَا الصُّوَرُ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ دُخُول الْمَلاَئِكَةِ بَيْتَهُ مَا أَبْقَاهَا فِيهِ. وَلِذَا قَال ابْنُ حَجَرٍ: يَتَرَجَّحُ قَوْل مَنْ قَال: إِنَّ الصُّورَةَ الَّتِي تَمْتَنِعُ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ دُخُول الْمَكَانِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ هِيَ الَّتِي تَكُونُ عَلَى هَيْئَتِهَا مُرْتَفِعَةً غَيْرَ مُمْتَهَنَةٍ، فَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُمْتَهَنَةً، أَوْ غَيْرَ مُمْتَهَنَةٍ لَكِنَّهَا غُيِّرَتْ هَيْئَتُهَا بِقَطْعِهَا مِنْ نِصْفِهَا أَوْ بِقَطْعِ رَأْسِهَا، فَلاَ امْتِنَاعَ. (106)
وَفِي كَلاَمِ ابْنِ عَابِدِينَ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ كُل صُورَةٍ لاَ يُكْرَهُ إِبْقَاؤُهَا فِي الْبَيْتِ، لاَ تَمْنَعُ دُخُول الْمَلاَئِكَةِ، سَوَاءٌ الصُّوَرُ الْمَقْطُوعَةُ أَوِ الصُّوَرُ الصَّغِيرَةُ أَوِ الصُّوَرُ الْمُهَانَةُ، أَوِ الْمُغَطَّاةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الأَْنْوَاعِ تَشَبُّهٌ بِعُبَّادِهَا؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ الصُّوَرَ الصَّغِيرَةَ أَوِ الْمُهَانَةَ، بَل يَنْصِبُونَهَا صُورَةً كَبِيرَةً، وَيَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهَا. (107)
وَقَال ابْنُ حِبَّانَ: إِنَّ عَدَمَ دُخُول الْمَلاَئِكَةِ بَيْتًا فِيهِ صُوَرٌ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ. قَال: وَهُوَ نَظِيرُ الْحَدِيثِ الآْخَرِ: لاَ تَصْحَبُ الْمَلاَئِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ (108) إِذْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى رُفْقَةٍ فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذْ مُحَالٌ أَنْ يَخْرُجَ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ لِقَصْدِ الْبَيْتِ عَلَى رَوَاحِل لاَ تَصْحَبُهَا الْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ وَفْدُ اللَّهِ. وَمَآل هَذَا الْقَوْل أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَلاَئِكَةِ مَلاَئِكَةُ الْوَحْيِ، وَهُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ. وَنَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنَ الدَّاوُدِيِّ وَابْنِ وَضَّاحٍ، وَمَآلُهُ إِِلَى اخْتِصَاصِ النَّهْيِ بِعَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِالْمَكَانِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ انْتَهَتْ بِوَفَاتِهِ ﷺ لأَِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. (109)

اقْتِنَاءُ وَاسْتِعْمَال صُوَرِ الْمَصْنُوعَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْجَوَامِدِ وَالنَّبَاتَاتِ:
43 - يَجُوزُ اقْتِنَاءُ وَاسْتِعْمَال صُوَرِ الْمَصْنُوعَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْجَوَامِدِ وَالنَّبَاتَاتِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مَنْصُوبَةً أَوْ مُعَلَّقَةً أَوْ مَوْضُوعَةً مُمْتَهَنَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مَنْقُوشَةً فِي الْحَوَائِطِ أَوِ السُّقُوفِ أَوِ الأَْرْضِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُسَطَّحَةً كَمَا هُوَ مَعْهُودٌ، أَوْ مُجَسَّمَةً كَالزُّهُورِ وَالنَّبَاتَاتِ الاِصْطِنَاعِيَّةِ، وَنَمَاذِجِ السُّفُنِ وَالطَّائِرَاتِ وَالسَّيَّارَاتِ وَالْمَنَازِل وَالْجِبَال وَغَيْرِهَا، وَمُجَسَّمَاتِ تَمَاثِيل الْقُبَّةِ السَّمَاوِيَّةِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ وَالْقَمَرَيْنِ. وَسَوَاءٌ اسْتُعْمِل ذَلِكَ لِحَاجَةٍ وَنَفْعٍ، أَوْ لِمُجَرَّدِ الزِّينَةِ وَالتَّجْمِيل: فَكُل ذَلِكَ لاَ حَرَجَ فِيهِ شَرْعًا، إِلاَّ أَنْ يَحْرُمَ لِعَارِضٍ، كَمَا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنِ الْمُعْتَادِ إِِلَى حَدِّ الإِِْسْرَافِ، عَلَى الأَْصْل فِي سَائِرِ الْمُقْتَنَيَاتِ.

اقْتِنَاءُ وَاسْتِعْمَال صُوَرِ الإِِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ:
44 - يُجْمِعُ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَال نَوْعٍ مِنَ الصُّوَرِ، وَهُوَ مَا كَانَ صَنَمًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَإِِنَّهُ لاَ يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهُ مِنْ خِلاَفٍ. إِلاَّ أَنَّ الَّذِي تَكَادُ تَتَّفِقُ كَلِمَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَنْعِهِ: هُوَ مَا جَمَعَ الأُْمُورَ التَّالِيَةَ:
أ - أَنْ يَكُونَ صُورَةً لِذِي رُوحٍ إِنْ كَانَتِ الصُّورَةُ مُجَسَّمَةً.
ب - أَنْ تَكُونَ كَامِلَةَ الأَْعْضَاءِ، غَيْرَ مَقْطُوعَةِ عُضْوٍ مِنَ الأَْعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَ فَقْدِهَا.
ج - أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً أَوْ مُعَلَّقَةً فِي مَكَانِ تَكْرِيمٍ، لاَ إِنْ كَانَتْ مُمْتَهَنَةً.
د - أَنْ لاَ تَكُونَ صَغِيرَةً.
هـ - أَنْ لاَ تَكُونَ مِنْ لُعَبِ الأَْطْفَال أَوْ نَحْوِهَا. و - أَنْ لاَ تَكُونَ مِمَّا يَسْرُعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ. وَقَدْ خَالَفَ فِيمَا جَمَعَ هَذِهِ الشُّرُوطَ قَوْمٌ لَمْ يُسَمَّوْا، كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ إِلاَّ أَنَّهُ خِلاَفٌ ضَعِيفٌ. وَنَحْنُ نُبَيِّنُ حُكْمَ كُل نَوْعٍ مِمَّا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ.أ - اسْتِعْمَال وَاقْتِنَاءُ الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ:
45 - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ اسْتِعْمَال الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ لَيْسَ مُحَرَّمًا، بَل هُوَ مَكْرُوهٌ إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً، فَإِِنْ كَانَتْ مُمْتَهَنَةً فَاسْتِعْمَالُهَا خِلاَفُ الأَْوْلَى. (110)
أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ: فَالصُّوَرُ الْمُسَطَّحَةُ وَالْمُجَسَّمَةُ سَوَاءٌ فِي التَّحْرِيمِ مِنْ حَيْثُ الاِسْتِعْمَال، إِِذَا تَمَّتِ الشُّرُوطُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

ب - اسْتِعْمَال وَاقْتِنَاءُ الصُّوَرِ الْمَقْطُوعَةِ:
46 - إِِذَا كَانَتِ الصُّورَةُ - مُجَسَّمَةً كَانَتْ أَوْ مُسَطَّحَةً - مَقْطُوعَةَ عُضْوٍ لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ، فَإِِنَّ اسْتِعْمَال الصُّورَةِ حِينَئِذٍ جَائِزٌ، وَهَذَا قَوْل جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَدْ وَافَقَ عَلَى الإِِْبَاحَةِ هُنَا بَعْضُ مَنْ خَالَفَ، فَرَأَى تَحْرِيمَ التَّصْوِيرِ وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ تَحْرِيمُ الاِقْتِنَاءِ، كَالشَّافِعِيَّةِ. وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الصُّورَةُ قَدْ صُنِعَتْ مَقْطُوعَةً مِنَ الأَْصْل، أَوْ صُوِّرَتْ كَامِلَةً ثُمَّ قُطِعَ مِنْهَا شَيْءٌ لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ. وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مَنْصُوبَةً أَوْ غَيْرَ مَنْصُوبَةٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ التَّالِيَةِ.
47 - وَالْحُجَّةُ لِذَلِكَ مَا مَرَّ أَنَّ جِبْرِيل قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ مُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَال فَلْيَقْطَعْ حَتَّى يَكُونَ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ (111) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَال: إِنَّ فِي الْبَيْتِ سِتْرًا، وَفِي الْحَائِطِ تَمَاثِيل، فَاقْطَعُوا رُءُوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَوْ وَسَائِدَ فَأَوْطِئُوهُ، فَإِِنَّا لاَ نَدْخُل بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيل (112)
وَلاَ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ قَدْ أُزِيل مِنْهَا الْعَيْنَانِ أَوِ الْحَاجِبَانِ أَوِ الأَْيْدِي أَوِ الأَْرْجُل، بَل لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعُضْوُ الزَّائِل مِمَّا لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ، كَقَطْعِ الرَّأْسِ أَوْ مَحْوِ الْوَجْهِ، أَوْ خَرْقِ الصَّدْرِ أَوِ الْبَطْنِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْقَطْعُ بِخَيْطٍ خُيِّطَ عَلَى جَمِيعِ الرَّأْسِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ، أَوْ بِطَلْيِهِ بِمُغْرَةٍ، أَوْ بِنَحْتِهِ، أَوْ بِغَسْلِهِ. وَأَمَّا قَطْعُ الرَّأْسِ عَنِ الْجَسَدِ بِخَيْطٍ مَعَ بَقَاءِ الرَّأْسِ عَلَى حَالِهِ فَلاَ يَنْفِي الْكَرَاهَةَ؛ لأَِنَّ مِنَ الطُّيُورِ مَا هُوَ مُطَوَّقٌ فَلاَ يَتَحَقَّقُ الْقَطْعُ بِذَلِكَ.
وَقَال صَاحِبُ شَرْحِ الإِِْقْنَاعِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ قُطِعَ مِنَ الصُّورَةِ رَأْسُهَا فَلاَ كَرَاهَةَ، أَوْ قُطِعَ مِنْهَا مَا لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ ذَهَابِهِ فَهُوَ كَقَطْعِ الرَّأْسِ كَصَدْرِهَا أَوْ بَطْنِهَا، أَوْ جَعَل لَهَا رَأْسًا مُنْفَصِلاً عَنْ بَدَنِهَا لأَِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُل فِي النَّهْيِ.
وَقَال صَاحِبُ مِنَحِ الْجَلِيل مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ مَا يَحْرُمُ مَا يَكُونُ كَامِل الأَْعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لاَ يَعِيشُ بِدُونِهَا وَلَهَا ظِلٌّ. غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ كَانَ الْبَاقِي الرَّأْسَ، عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَالآْخَرُ: لاَ يَحْرُمُ. وَقَطْعُ أَيِّ جُزْءٍ لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ يُبِيحُ الْبَاقِيَ، كَمَا لَوْ قُطِعَ الرَّأْسُ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ. (113)
جَاءَ فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ وَحَاشِيَتِهِ: وَكَذَا إِنْ قُطِعَ رَأْسُهَا، قَال: الكوهكيوني: وَكَذَا حُكْمُ مَا صُوِّرَ بِلاَ رَأْسٍ، وَأَمَّا الرُّءُوسُ بِلاَ أَبْدَانٍ فَهَل تَحْرُمُ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ. وَالْحُرْمَةُ أَرْجَحُ. قَال الرَّمْلِيُّ: وَهُوَ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي، وَبَنَاهُمَا عَلَى أَنَّهُ هَل يَجُوزُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ لاَ نَظِيرَ لَهُ: إِنْ جَوَّزْنَاهُ جَازَ ذَلِكَ وَإِِلاَّ فَلاَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي حَاشِيَةِ الشِّرْوَانِيِّ وَابْنِ قَاسِمٍ: إِنَّ فَقْدَ النِّصْفِ الأَْسْفَل كَفَقْدِ الرَّأْسِ.
48 - وَيَكْفِي لِلإِِْبَاحَةِ أَنْ تَكُونَ الصُّورَةُ قَدْ خُرِقَ صَدْرُهَا أَوْ بَطْنُهَا، بِذَلِكَ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هَل مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ مَثْقُوبَةَ الْبَطْنِ مَثَلاً: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الثَّقْبُ كَبِيرًا يَظْهَرُ بِهِ نَقْصُهَا فَنَعَمْ، وَإِِلاَّ فَلاَ، كَمَا لَوْ كَانَ الثَّقْبُ لِوَضْعِ عَصًا تُمْسَكُ بِهَا، كَمِثْل صُوَرِ خَيَال الظِّل الَّتِي يُلْعَبُ بِهَا؛ لأَِنَّهَا تَبْقَى مَعَهُ صُورَةً تَامَّةً، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي صُوَرِ الْخَيَال خَالَفَهُ فِيهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، فَرَأَوْا أَنَّ الْخَرْقَ الَّذِي يَكُونُ فِي وَسَطِهَا كَافٍ فِي إِزَالَةِ الْكَرَاهَةِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ الْبَاجُورِيُّ (114) ، وَيَأْتِي النَّقْل عَنْهُ فِي بَحْثِ النَّظَرِ إِِلَى الصُّوَرِ

ج - اسْتِعْمَال وَاقْتِنَاءُ الصُّوَرِ الْمَنْصُوبَةِ وَالصُّوَرِ الْمُمْتَهَنَةِ:
49 - يَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّ الصُّوَرَ لِذَوَاتِ الأَْرْوَاحِ - مُجَسَّمَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُجَسَّمَةٍ - يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهَا عَلَى هَيْئَةٍ تَكُونُ فِيهَا مُعَلَّقَةً أَوْ مَنْصُوبَةً، وَهَذَا فِي الصُّوَرِ الْكَامِلَةِ الَّتِي لَمْ يُقْطَعْ فِيهَا عُضْوٌ لاَ تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ، فَإِِنْ قُطِعَ مِنْهَا عُضْوٌ - عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمِ فِي الْفِقْرَةِ السَّابِقَةِ - جَازَ نَصْبُهَا وَتَعْلِيقُهَا، وَإِِنْ كَانَتْ مُسَطَّحَةً جَازَ تَعْلِيقُهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَنُقِل عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ إِجَازَةُ تَعْلِيقِ الصُّوَرِ الَّتِي فِي الثِّيَابِ، وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي لَعْنِ الْمُصَوِّرِينَ، وَكَانَ مِنْ خَيْرِ أَهْل الْمَدِينَةِ فِقْهًا وَوَرَعًا.
وَأَمَّا إِِذَا اقْتُنِيَتِ الصُّورَةُ - وَهِيَ مُمْتَهَنَةٌ - فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي الأَْرْضِ أَوْ فِي بِسَاطٍ مَفْرُوشٍ أَوْ فِرَاشٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ أَيْضًا، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنَّهَا حِينَئِذٍ خِلاَفُ الأَْوْلَى.
وَوَجَّهُوا التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمَنْصُوبِ وَالْمُمْتَهَنِ: بِأَنَّهَا إِِذَا كَانَتْ مَرْفُوعَةً تَكُونُ مُعَظَّمَةً وَتُشْبِهُ الأَْصْنَامَ. أَمَّا الَّذِي فِي الأَْرْضِ وَنَحْوِهِ فَلاَ يُشْبِهُهَا؛ لأَِنَّ أَهْل الأَْصْنَامِ يَنْصِبُونَهَا وَيَعْبُدُونَهَا وَلاَ يَتْرُكُونَهَا مُهَانَةً.
وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَقَاءُ الصُّورَةِ الْمَقْطُوعَةِ مَنْصُوبَةً، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مَا يَدُل عَلَى جَوَازِهَا، وَهُوَ مَا نَقَلْنَاهُ سَابِقًا مِنْ أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ مُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَال فَلْيُقْطَعْ حَتَّى يَكُونَ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: فَإِِنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً فَاقْطَعْ رُءُوسَهَا أَوِ اقْطَعْهَا وَسَائِدَ أَوِ اجْعَلْهَا بُسُطًا فَإِِنَّهَا تَدُل عَلَى جَوَازِ بَقَائِهَا بَعْدَ الْقَطْعِ مَنْصُوبَةً.
وَمِنَ الدَّلِيل عَلَى بَقَاءِ الصُّورَةِ الْمُمْتَهَنَةِ فِي الْبَيْتِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَطَعَتِ السِّتْرَ وَجَعَلَتْهُ وِسَادَتَيْنِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَّكِئُ عَلَيْهِمَا وَفِيهِمَا الصُّوَرُ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَال: كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا نُصِبَ مِنَ التَّمَاثِيل وَلاَ يَرَوْنَ بَأْسًا بِمَا وَطِئَتْهُ الأَْقْدَامُ. وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَتَّكِئُ عَلَىمِخَدَّةٍ فِيهَا تَصَاوِيرُ. (115)
وَلِذَا قَال ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ ذِكْرِ قَطْعِ رَأْسِ التِّمْثَال: فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَرْجِيحُ قَوْل مَنْ ذَهَبَ إِِلَى أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي تَمْتَنِعُ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ دُخُول الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ: مَا تَكُونُ فِيهِ مَنْصُوبَةً بَاقِيَةً عَلَى هَيْئَتِهَا. أَمَّا لَوْ كَانَتْ مُمْتَهَنَةً، أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُمْتَهَنَةٍ لَكِنَّهَا غُيِّرَتْ هَيْئَتُهَا إِمَّا بِقَطْعِ رَأْسِهَا أَوْ بِقَطْعِهَا مِنْ نِصْفِهَا فَلاَ امْتِنَاعَ. (116)
50 - وَالنَّصْبُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَيُّ نَصْبٍ كَانَ. حَتَّى إِنَّ اسْتِعْمَال إِبْرِيقٍ فِيهِ صُوَرٌ تَرَدَّدَ فِيهِ صَاحِبُ الْمُهِمَّاتِ، وَمَال إِِلَى الْمَنْعِ، أَيْ لأَِنَّهُ يَكُونُ مَنْصُوبًا. وَقَالُوا فِي الْوِسَادِ: إِنِ اسْتُعْمِلَتْ مَنْصُوبَةً حَرُمَ، وَإِِنِ اسْتُعْمِلَتْ غَيْرَ مَنْصُوبَةٍ جَازَ.
وَذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِِلَى أَنَّ النَّصْبَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ خَاصَّةً مَا يَظْهَرُ فِيهِ التَّعْظِيمُ، فَقَدْ قَال الْجُوَيْنِيُّ: إِنَّ مَا عَلَى السُّتُورِ وَالثِّيَابِ مِنَ الصُّوَرِ لاَ يَحْرُمُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ امْتِهَانٌ لَهُ. وَهَذَا يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَقَال الرَّافِعِيُّ: إِنَّ نَصْبَ الصُّوَرِ فِي حَمَّامٍ أَوْ مَمَرٍّ لاَ يَحْرُمُ، بِخِلاَفِ مَا كَانَ مَنْصُوبًا فِي الْمَجَالِسِ وَأَمَاكِنِ التَّكْرِيمِ. أَيْ لأَِنَّهَا فِي الْمَمَرِّ وَالْحَمَّامِ مُهَانَةٌ، وَفِي الْمَجَالِسِ مُكَرَّمَةٌ. وَظَاهِرُ كَلاَمِ صَاحِبِ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ نَصْبَ الصُّوَرِ فِي الْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ مُحَرَّمٌ.
هَذَا، وَمِمَّا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الصُّوَرِ الْمُهَانَةِ: مَا كَانَ فِي نَحْوِ قَصْعَةٍ وَخِوَانٍ وَطَبَقٍ. (117)
وَيُلْتَحَقُ بِالْمُمْتَهَنَةِ - عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ - الصُّوَرُ الَّتِي عَلَى النُّقُودِ. قَال الرَّمْلِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّ الدَّنَانِيرَ الرُّومِيَّةَ الَّتِي عَلَيْهَا الصُّوَرُ مِنَ الْقِسْمِ الَّذِي لاَ يُنْكَرُ، لاِمْتِهَانِهَا بِالإِِْنْفَاقِ وَالْمُعَامَلَةِ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ ﵃ يَتَعَامَلُونَ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَمْ تَحْدُثِ الدَّرَاهِمُ الإِِْسْلاَمِيَّةُ إِلاَّ فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ. وَقَال مِثْلَهُ الزَّرْكَشِيُّ (118) . 51 - هَذَا بَيَانُ حُكْمِ مَا ظَهَرَ فِيهِ التَّعْظِيمُ، أَوْ ظَهَرَتْ فِيهِ الإِِْهَانَةُ. أَمَّا مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَيٌّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَذَلِكَ فِي مِثْل الصُّورَةِ الْمَطْبُوعَةِ فِي كِتَابٍ، أَوِ الْمَوْضُوعَةِ فِي دُرْجٍ أَوْ خِزَانَةٍ أَوْ عَلَى مِنْضَدَةٍ، مِنْ غَيْرِ نَصْبٍ. فَفِي كَلاَمِ الْقَلْيُوبِيِّ نَقْلاً عَنِ ابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ: يَجُوزُ لُبْسُ مَا عَلَيْهِ صُورَةُ الْحَيَوَانِ وَدَوْسُهُ وَوَضْعُهُ فِي صُنْدُوقٍ أَوْ مُغَطًّى (119) .
وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ مَا يَدُل عَلَى قَصْرِ التَّحْرِيمِ عَلَى الْمَنْصُوبِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَصُورَةُ ذَاتِ رُوحٍ إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً (120) وَرَوَى ابْنُ شَيْبَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَال: لاَ بَأْسَ فِي حِلْيَةِ السَّيْفِ وَلاَ بَأْسَ بِهَا (أَيْ بِالتَّمَاثِيل) فِي سَمَاءِ الْبَيْتِ (أَيِ السَّقْفِ) ، وَإِِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْهَا مَا نُصِبَ نَصْبًا (121) .
وَأَصْل ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃، فَفِي مُسْنَدِ الإِِْمَامِ أَحْمَدَ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ أَنَّهُ قَال: دَخَلْتُ عَلَى سَالِمٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ فِيهَا تَمَاثِيل طَيْرٍ وَوَحْشٍ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ يُكْرَهُ هَذَا؟ قَال: لاَ، إِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْهَا مَا نُصِبَ نَصْبًا (122) . اسْتِعْمَال لُعَبِ الأَْطْفَال الْمُجَسَّمَةِ وَغَيْرِ الْمُجَسَّمَةِ:
52 - تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْل الْجُمْهُورِ جَوَازُ صِنَاعَةِ اللُّعَبِ الْمَذْكُورَةِ. فَاسْتِعْمَالُهَا جَائِزٌ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، وَنَقَل الْقَاضِي عِيَاضٌ جَوَازَهُ عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، قَال: قَال الْقَاضِي: يُرَخَّصُ لِصِغَارِ الْبَنَاتِ. (123)
وَالْمُرَادُ بِصِغَارِ الْبَنَاتِ مَنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ مِنْهُنَّ. وَقَال الْخَطَّابِيُّ: وَإِِنَّمَا أَرْخَصَ لِعَائِشَةَ فِيهَا لأَِنَّهَا إِذْ ذَاكَ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغٍ. قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الْجَزْمِ بِهِ نَظَرٌ، لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، لأَِنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِنْتَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ فَكَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ قَطْعًا (124) فَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ التَّرْخِيصَ لَيْسَ قَاصِرًا عَلَى مَنْ دُونَ الْبُلُوغِ مِنْهُنَّ، بَل يَتَعَدَّى إِِلَى مَرْحَلَةِ مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ مَا دَامَتِ الْحَاجَةُ قَائِمَةً لِذَلِكَ.
53 - وَالْعِلَّةُ فِي هَذَا التَّرْخِيصِ تَدْرِيبُهُنَّ عَنْ شَأْنِ تَرْبِيَةِ الأَْوْلاَدِ، وَتَقَدَّمَ النَّقْل عَنِ الْحَلِيمِيِّ: أَنَّ مِنَ الْعِلَّةِ أَيْضًا اسْتِئْنَاسَ الصِّبْيَانِ وَفَرَحَهُمْ (125) . وَأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُل لَهُمْ بِهِ النَّشَاطُ وَالْقُوَّةُ وَالْفَرَحُ وَحُسْنُ النُّشُوءِ وَمَزِيدُ التَّعَلُّمِ. فَعَلَى هَذَا لاَ يَكُونُ الأَْمْرُ قَاصِرًا عَلَى الإِِْنَاثِ مِنَ الصِّغَارِ، بَل يَتَعَدَّاهُ إِِلَى الذُّكُورِ مِنْهُمْ أَيْضًا. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ: فَفِي الْقُنْيَةِ عَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُ اللُّعْبَةِ، وَأَنْ يَلْعَبَ بِهَا الصِّبْيَانُ. (126)
54 - وَمِمَّا يُؤَكِّدُ جَوَازَ اللُّعَبِ الْمُصَوَّرَةِ لِلصِّبْيَانِ - بِالإِِْضَافَةِ إِِلَى الْبَنَاتِ - مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ الأَْنْصَارِيَّةِ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَرْسَل رَسُول اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِِلَى قُرَى الأَْنْصَارِ الَّتِي حَوْل الْمَدِينَةِ: مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ. فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَذْهَبُ بِهِمْ إِِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَل - وَفِي رِوَايَةٍ: فَنَصْنَعُ - لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ إِيَّاهُ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِِْفْطَارِ. (127)
55 - وَانْفَرَدَ الْحَنَابِلَةُ بِاشْتِرَاطِ أَنْ تَكُونَ اللُّعْبَةُ الْمُصَوَّرَةُ بِلاَ رَأْسٍ، أَوْ مَقْطُوعَةَ الرَّأْسِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَاقِي الرَّأْسَ، أَوْ كَانَ الرَّأْسُ مُنْفَصِلاً عَنِ الْجَسَدِ جَازَ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالُوا: لِلْوَلِيِّ شِرَاءُ لُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ لِصَغِيرَةٍ تَحْتَ حِجْرِهِ مِنْ مَالِهَا نَصًّا، لِلتَّمْرِينِ. (128) لُبْسُ الثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ:
56 - يُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لُبْسُ الثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ، قَال صَاحِبُ الْخُلاَصَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: صُلِّيَ فِيهَا أَوْ لاَ. لَكِنْ تَزُول الْكَرَاهَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِمَا لَوْ لَبِسَ الإِِْنْسَانُ فَوْقَ الصُّورَةِ ثَوْبًا آخَرَ يُغَطِّيهَا، فَإِِنْ فَعَل فَلاَ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِيهِ. (129)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ لُبْسُ الثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا صُوَرٌ حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الصُّورَةَ فِي الثَّوْبِ الْمَلْبُوسِ مُنْكَرٌ، لَكِنَّ اللُّبْسَ امْتِهَانٌ لَهُ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ. (130) كَمَا لَوْ كَانَ مُلْقًى بِالأَْرْضِ وَيُدَاسُ. وَالأَْوْجَهُ كَمَا قَال الشِّرْوَانِيُّ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ مِنَ الْمُنْكَرِ إِِذَا كَانَ مُلْقًى بِالأَْرْضِ (أَيْ مُطْلَقًا) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّحْرِيمُ، وَهُوَ قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُحَرَّرِ. وَالآْخَرُ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَقَطْ وَلَيْسَ مُحَرَّمًا، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ (131) .
وَوَجْهُ الْقَوْل بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِلاَّ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ. (132) اسْتِعْمَال وَاقْتِنَاءُ الصُّوَرِ الصَّغِيرَةِ فِي الْخَاتَمِ وَالنُّقُودِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ:
57 - يُصَرِّحُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الصُّوَرَ الصَّغِيرَةَ لاَ يَشْمَلُهَا تَحْرِيمُ الاِقْتِنَاءِ وَالاِسْتِعْمَال، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَادَةِ عُبَّادِ الصُّوَرِ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهَا كَذَلِكَ. وَضَبَطُوا حَدَّ الصِّغَرِ بِضَوَابِطَ مُخْتَلِفَةٍ.
قَال بَعْضُهُمْ: أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ لاَ تَبْدُو لِلنَّاظِرِ إِلاَّ بِتَبَصُّرٍ بَلِيغٍ. وَقَال بَعْضُهُمْ: أَنْ لاَ تَبْدُوَ مِنْ بَعِيدٍ. وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ: هِيَ الَّتِي لاَ تَتَبَيَّنُ تَفَاصِيل أَعْضَائِهَا لِلنَّاظِرِ قَائِمًا وَهِيَ عَلَى الأَْرْضِ. وَقِيل: هِيَ مَا كَانَتْ أَصْغَر مِنْ حَجْمِ طَائِرٍ. وَهَذَا يَذْكُرُونَهُ فِي بَيَانِ أَنَّهَا لاَ تُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي. لَكِنْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: ظَاهِرُ كَلاَمِ عُلَمَائِنَا أَنَّ مَا لاَ يُؤَثِّرُ كَرَاهَةً فِي الصَّلاَةِ لاَ يُكْرَهُ إِبْقَاؤُهُ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الصُّورَةَ الصَّغِيرَةَ لاَ تُكْرَهُ فِي الْبَيْتِ، وَنُقِل أَنَّهُ كَانَ عَلَى خَاتَمِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذُبَابَتَانِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّةَ: لَوْ كَانَ عَلَى خَاتَمِ فِضَّةٍ تَمَاثِيل لاَ يُكْرَهُ، وَلَيْسَتْ كَتَمَاثِيل فِي الثِّيَابِ؛ لأَِنَّهُ صَغِيرٌ. (133) وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْل عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا الصُّوَرَ فِي الْخَوَاتِمِ، فَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ رَجُلاً مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِ حُذَيْفَةَ ﵁ كُرْكِيَّيْنِ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ ﵁ أَيَّلٌ (134) .
وَلاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ الصُّوَرِ الصَّغِيرَةِ عَنِ الصُّوَرِ الْكَبِيرَةِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ. إِلاَّ أَنَّ الصُّوَرَ الَّتِي عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ لِصِغَرِهَا، وَلَكِنْ لأَِنَّهَا مُمْتَهَنَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لُبْسُ الْخَاتَمِ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ. (135)

النَّظَرُ إِِلَى الصُّوَرِ:
58 - يَحْرُمُ التَّفَرُّجُ عَلَى الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. لَكِنْ إِِذَا كَانَتْ مُبَاحَةَ الاِسْتِعْمَال - كَمَا لَوْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً أَوْ مُهَانَةً - فَلاَ يَحْرُمُ التَّفَرُّجُ عَلَيْهَا.
قَال الدَّرْدِيرُ فِي تَعْلِيل تَحْرِيمِ النَّظَرِ: لأَِنَّ النَّظَرَ إِِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ (136) .
وَلاَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِِلَى الصُّورَةِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صُوَرٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ النَّصَارَى صَنَعُوا لِعُمَرَ ﵁ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ طَعَامًا فَدَعَوْهُ، فَقَال: أَيْنَ هُوَ؟ قَال: فِي الْكَنِيسَةِ. فَأَبَى أَنْ يَذْهَبَ: وَقَال لِعَلِيٍّ ﵁: امْضِ بِالنَّاسِ فَلْيَتَغَدَّوْا. فَذَهَبَ عَلِيٌّ ﵁ بِالنَّاسِ فَدَخَل الْكَنِيسَةَ، وَتَغَدَّى هُوَ وَالنَّاسُ، وَجَعَل عَلِيٌّ يَنْظُرُ إِِلَى الصُّوَرِ، وَقَال: مَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ دَخَل فَأَكَل (137) .
وَلَمْ نَجِدْ نَصًّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ. لَكِنْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هَل يَحْرُمُ النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ إِِلَى الصُّورَةِ الْمَنْقُوشَةِ؟ مَحَل تَرَدُّدٍ، وَلَمْ أَرَهُ، فَلْيُرَاجَعْ.
فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الشَّهْوَةِ لاَ يَحْرُمُ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ دُونَ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ: أَنَّ الرَّجُل إِِذَا نَظَرَ إِِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ، فَإِِنَّهَا تَنْشَأُ بِذَلِكَ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ؛ لَكِنْ لَوْ نَظَرَ إِِلَى صُورَةِ الْفَرْجِ فِي الْمِرْآةِ فَلاَ تَنْشَأُ تِلْكَ الْحُرْمَةُ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ قَدْ رَأَى عَكْسَهُ لاَ عَيْنَهُ. فَفِي النَّظَرِ إِِلَى الصُّورَةِ الْمَنْقُوشَةِ لاَ تَنْشَأُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى. (138)
59 - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَحْرُمُ النَّظَرُ - وَلَوْ بِشَهْوَةٍ - فِي الْمَاءِ أَوِ الْمِرْآةِ. قَالُوا: لأَِنَّ هَذَا مُجَرَّدُ خَيَال امْرَأَةٍ وَلَيْسَ امْرَأَةً. وَقَال الشَّيْخُ الْبَاجُورِيُّ: يَجُوزُ التَّفَرُّجُ عَلَى صُوَرِ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَرْفُوعَةٍ. أَوْ عَلَى هَيْئَةٍ لاَ تَعِيشُ مَعَهَا، كَأَنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةَ الرَّأْسِ أَوِ الْوَسَطِ، أَوْ مُخَرَّقَةَ الْبُطُونِ. قَال: وَمِنْهُ يُعْلَمُ جَوَازُ التَّفَرُّجِ عَلَى خَيَال الظِّل الْمَعْرُوفِ؛ لأَِنَّهَا شُخُوصٌ مُخَرَّقَةُ الْبُطُونِ. (139)
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ: أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ، يَجِيءُ بِكَ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَال لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ، فَإِِذَا أَنْتِ هِيَ (140) قَال ابْنُ حَجَرٍ: عِنْدَ الآْجُرِّيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ: لَقَدْ نَزَل جِبْرِيل بِصُورَتِي فِي رَاحَتِهِ حِينَ أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرُ الرَّجُل إِِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، مَا لَمْ تَكُنِ الصُّورَةُ مُحَرَّمَةً، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الدُّخُول إِِلَى مَكَان فِيهِ صُوَرٌ:
60 - يَجُوزُ الدُّخُول إِِلَى مَكَان يَعْلَمُ الدَّاخِل إِلَيْهِ أَنَّ فِيهِ صُوَرًا مَنْصُوبَةً عَلَى وَضْعٍ مُحَرَّمٍ، وَلَوْ كَانَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ قَبْل الدُّخُول، وَلَوْ دَخَل لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ.
هَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ. قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْفَضْل عَنْهُ، لِمَنْ سَأَلَهُ قَائِلاً: إِنْ لَمْ يَرَ الصُّوَرَ إِلاَّ عِنْدَ وَضْعِ الْخِوَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. أَيَخْرُجُ؟ قَال: لاَ تُضَيِّقْ عَلَيْنَا. إِِذَا رَأَى الصُّوَرَ وَبَّخَهُمْ وَنَهَاهُمْ. يَعْنِي: وَلاَ يَخْرُجُ. قَال الْمِرْدَاوِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الإِِْمَامِ أَحْمَدَ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، قَال: لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل الْكَعْبَةَ فَرَأَى فِيهَا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِِسْمَاعِيل يَسْتَقْسِمَانِ بِالأَْزْلاَمِ، فَقَال: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ (141) قَالُوا: وَلأَِنَّهُ كَانَ فِي شُرُوطِ عُمَرَ ﵁ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ أَنْ يُوَسِّعُوا أَبْوَابَ كَنَائِسِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، لِيَدْخُلُوهَا لِلْمَبِيتِ بِهَا، وَلِلْمَارَّةِ بِدَوَابِّهِمْ. وَذَكَرُوا قِصَّةَ عَلِيٍّ فِي دُخُولِهَا بِالْمُسْلِمِينَ وَنَظَرِهِ إِِلَى الصُّورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالُوا: وَلاَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُوجِبُ عَلَيْنَا تَحْرِيمَ دُخُولِهِ، كَمَا لاَ يُوجِبُ عَلَيْنَا الاِمْتِنَاعَ مِنْ دُخُول بَيْتٍ فِيهِ كَلْبٌ أَوْ جُنُبٌ أَوْ حَائِضٌ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُهُ. (142) 61 - وَمِثْل هَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الصُّوَرِ الْمُجَسَّمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ عَلَى وَضْعٍ مُحَرَّمٍ عِنْدَهُمْ، أَوْ غَيْرِ الْمُجَسَّمَةِ. أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ فَإِِنَّهَا تَمْنَعُ وُجُوبَ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ عَلَى مَا يَأْتِي. وَلَمْ نَجِدْ فِي كَلاَمِهِمْ مَا يُبَيِّنُ حُكْمَ الدُّخُول إِِلَى مَكَان هِيَ فِيهِ.
62 - وَاخْتَلَفَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ - وَهُوَ الْقَوْل الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّهُ يَحْرُمُ الدُّخُول إِِلَى مَكَان فِيهِ صُوَرٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى وَضْعٍ مُحَرَّمٍ. قَالُوا: لأَِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ. قَال الشَّافِعِيُّ ﵀: إِنْ رَأَى صُوَرًا فِي الْمَوْضِعِ ذَوَاتَ أَرْوَاحٍ لَمْ يَدْخُل الْمَنْزِل الَّذِي فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرُ إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً لاَ تُوطَأُ، فَإِِنْ كَانَتْ تُوطَأُ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهُ. وَالْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: عَدَمُ تَحْرِيمِ الدُّخُول، بَل يُكْرَهُ. وَهُوَ قَوْل صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَالصَّيْدَلاَنِيِّ، وَالإِِْمَامِ، وَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ، وَالإِِْسْنَوِيِّ.
قَالُوا: وَهَذَا إِنْ كَانَتِ الصُّوَرُ فِي مَحَل الْجُلُوسِ، فَإِِنْ كَانَتْ فِي الْمَمَرِّ أَوْ خَارِجَ بَابِ الْجُلُوسِ لاَ يُكْرَهُ الدُّخُول؛ لأَِنَّهَا تَكُونُ كَالْخَارِجَةِ مِنَ الْمَنْزِل. وَقِيل: لأَِنَّهَا فِي الْمَمَرِّ مُمْتَهَنَةٌ. (143) إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ إِِلَى مَكَانٍ فِيهِ صُوَرٌ:
63 - إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ إِِلَى الْوَلِيمَةِ - وَهِيَ طَعَامُ الْعُرْسِ - وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِحَدِيثِ مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ (144) وَقِيل هِيَ: سُنَّةٌ. وَإِِجَابَةُ الدَّعْوَةِ لِغَيْرِهَا مُسْتَحَبَّةٌ.
وَفِي جَمِيعِ الأَْحْوَال إِِذَا كَانَ فِي الْمَكَانِ صُوَرٌ عَلَى وَضْعٍ مُحَرَّمٍ - وَمِثْلُهَا أَيُّ مُنْكَرٍ ظَاهِرٍ - وَعَلِمَ بِذَلِكَ الْمَدْعُوُّ قَبْل مَجِيئِهِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِِْجَابَةَ لاَ تَكُونُ وَاجِبَةً؛ لأَِنَّ الدَّاعِيَ يَكُونُ قَدْ أَسْقَطَ حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِارْتِكَابِهِ الْمُنْكَرَ، فَتُتْرَكُ الإِِْجَابَةُ عُقُوبَةً لَهُ وَزَجْرًا عَنْ فِعْلِهِ. وَقَال الْبَعْضُ - كَالشَّافِعِيَّةِ -: تَحْرُمُ الإِِْجَابَةُ حِينَئِذٍ.
ثُمَّ قِيل: إِنَّهُ إِِذَا عَلِمَ أَنَّهَا بِحُضُورِهِ تُزَال، أَوْ يُمْكِنُهُ إِزَالَتُهَا، فَيَجِبُ الْحُضُورُ لِذَلِكَ. (145)
وَفِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ تَحْتَ عِنْوَانِ (دَعْوَةٌ)

مَا يُصْنَعُ بِالصُّورَةِ الْمُحَرَّمَةِ إِِذَا كَانَتْ فِي شَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِهِ:
64 - يَنْبَغِي إِخْرَاجُ الصُّورَةِ عَنْ وَضْعِهَا الْمُحَرَّمِ إِِلَى وَضْعٍ تَخْرُجُ فِيهِ عَنِ الْحُرْمَةِ، وَلاَ يَلْزَمُ إِتْلاَفُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، بَل يَكْفِي حَطُّهَا إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً. فَإِِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ بَقَائِهَا فِي مَكَانِهَا، فَيَكْفِي قَطْعُ الرَّأْسِ عَنِ الْبَدَنِ، أَوْ خَرْقُ الصَّدْرِ أَوِ الْبَطْنِ، أَوْ حَكُّ الْوَجْهِ مِنَ الْجِدَارِ، أَوْ مَحْوُهُ أَوْ طَمْسُهُ بِطِلاَءٍ يُذْهِبُ مَعَالِمَهُ، أَوْ يَغْسِل الصُّورَةَ إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُمْكِنُ غَسْلُهُ. وَإِِنْ كَانَتْ فِي ثَوْبٍ مُعَلَّقٍ أَوْ سَتْرٍ مَنْصُوبٍ، فَيَكْفِي أَنْ يَنْسِجَ عَلَيْهَا مَا يُغَطِّي رَأْسَهَا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَوْ أَنَّهُ قَطَعَ الرَّأْسَ عَنِ الْجَسَدِ بِخَيْطٍ - مَعَ بَقَاءِ الرَّأْسِ عَلَى حَالِهِ - فَلاَ يَنْفِي الْكَرَاهَةَ؛ لأَِنَّ مِنَ الطُّيُورِ مَا هُوَ مُطَوَّقٌ، فَلاَ يَتَحَقَّقُ الْقَطْعُ بِذَلِكَ. (146)
65 - وَالدَّلِيل لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِِلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَوِّيَ كُل قَبْرٍ، وَيَكْسِرَ كُل صَنَمٍ، وَيَطْمِسَ كُل صُورَةٍ. (147)
وَفِي رِوَايَاتِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ لِلْحَدِيثِ وَرَدَتِ الْعِبَارَاتُ الآْتِيَةُ: أَنْ يُلَطِّخَ الصُّورَةَ، أَوْ أَنْ يُلَطِّخَهَا، أَوْ يَنْحِتَهَا، أَوْ يَضَعَهَا، وَرِوَايَةُ الْوَضْعِ صَحِيحَةٌ. (148) وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ كَسْرُ الصُّورَةِ أَوْ إِتْلاَفُهَا كَمَا نَصَّ عَلَى كَسْرِ الأَْصْنَامِ. وَمِنَ الدَّلِيل أَيْضًا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ فِي شَأْنِ السِّتْرِ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَال: أَخِّرِيهِ عَنِّي، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ هَتَكَهُ بِيَدِهِ، وَفِي أُخْرَى أَنَّهُ أَمَرَ بِجَعْلِهِ وَسَائِدَ.

الصُّوَرُ وَالْمُصَلِّي:
66 - اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى وَفِي قِبْلَتِهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ مُحَرَّمَةٌ فَقَدْ فَعَل مَكْرُوهًا؛ لأَِنَّهُ يُشْبِهُ سُجُودَ الْكُفَّارِ لأَِصْنَامِهِمْ، وَإِِنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّشَبُّهَ. أَمَّا إِنْ كَانَتِ الصُّورَةُ فِي غَيْرِ الْقِبْلَةِ: كَأَنْ كَانَتْ فِي الْبِسَاطِ، أَوْ عَلَى جَانِبِ الْمُصَلِّي فِي الْجِدَارِ، أَوْ خَلْفَهُ، أَوْ فَوْقَ رَأْسِهِ فِي السَّقْفِ، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ فِي ذَلِكَ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ - كَمَا فِي الدُّرِّ وَحَاشِيَةِ الطَّحْطَاوِيِّ - يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي لُبْسُ ثَوْبٍ فِيهِ تَمَاثِيل ذِي رُوحٍ، وَأَنْ يَكُونَ فَوْقَ رَأْسِهِ، أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ بِحِذَائِهِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، أَوْ مَحَل سُجُودِهِ تِمْثَالٌ. وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِِذَا كَانَ التِّمْثَال خَلْفَهُ. وَالأَْظْهَرُ: الْكَرَاهَةُ. وَلاَ يُكْرَهُ لَوْ كَانَتْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ أَوْ مَحَل جُلُوسِهِ إِنْ كَانَ لاَ يَسْجُدُ عَلَيْهَا، أَوْ فِي يَدِهِ، أَوْ كَانَتْ مُسْتَتِرَةً بِكِيسٍ أَوْ صُرَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ، أَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً؛ لأَِنَّ الصَّغِيرَةَ لاَ تُعْبَدُ، فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْوَثَنِ. (149) وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ - كَمَا فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ - عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا فِيهِ تَصْوِيرٌ، وَأَنْ يُصَلِّيَ إِلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ. (150)
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ إِِلَى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ صَغِيرَةً لاَ تَبْدُو لِلنَّاظِرِ إِلَيْهَا، وَلاَ تُكْرَهُ إِِلَى غَيْرِ مَنْصُوبَةٍ، وَلاَ يُكْرَهُ سُجُودٌ وَلَوْ عَلَى صُورَةٍ، وَلاَ صُورَةَ خَلْفَهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ فَوْقَ رَأْسِهِ فِي السَّقْفِ أَوْ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ. وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى الصُّورَةِ فَيُكْرَهُ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ، وَقَال فِي الْفُرُوعِ: لاَ يُكْرَهُ، لأَِنَّهُ لاَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى إِلَيْهَا. وَيُكْرَهُ حَمْلُهُ فَصًّا فِيهِ صُورَةٌ أَوْ حَمْلُهُ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ كَدِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ فِيهِ صُورَةٌ. (151)
وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا تَزْوِيقَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَيِّ جُزْءٍ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا.

الصُّوَرُ فِي الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَأَمَاكِنِ الْعِبَادَةِ:
67 - يَنْبَغِي تَنْزِيهُ أَمَاكِنِ الْعِبَادَةِ عَنْ وُجُودِ الصُّوَرِ فِيهَا، لِئَلاَّ يَئُول الأَْمْرُ إِِلَى عِبَادَتِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَصْل عِبَادَةِ قَوْمِ نُوحٍ لأَِصْنَامِهِمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا رِجَالاً صَالِحِينَ، فَلَمَّا مَاتُوا صَوَّرُوهُمْ ثُمَّ عَبَدُوهُمْ. وَأَيْضًا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُول بِكَرَاهَةِ الصَّلاَةِ مَعَ وُجُودِ الصُّورَةِ، وَلَوْ كَانَتْ إِِلَى جَانِبِ الْمُصَلِّي أَوْ خَلْفَهُ أَوْ فِي مَكَانِ سُجُودِهِ. وَالْمَسَاجِدُ تُجَنَّبُ الْمَكْرُوهَاتِ كَمَا تُجَنَّبُ الْمُحَرَّمَاتِ.
68 - وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل الْكَعْبَةَ فَوَجَدَ فِيهَا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَصُورَةَ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَقَال: أَمَّا هُمْ فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ فَمَا لَهُ يَسْتَقْسِمُ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُل حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِأَيْدِيهِمَا الأَْزْلاَمُ. فَقَال: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالأَْزْلاَمِ قَطُّ. (152)
وَوَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ بِالصُّوَرِ كُلِّهَا فَمُحِيَتْ، فَلَمْ يَدْخُل الْكَعْبَةَ وَفِيهَا مِنَ الصُّوَرِ شَيْءٌ. (153)
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا اشْتَكَى ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَال لَهَا مَارِيَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَال: أُولَئِكَ إِِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُل الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ (154) فَهَذَا يُفِيدُ تَحْرِيمَ الصُّوَرِ فِي الْمَسَاجِدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الصُّوَرُ فِي الْكَنَائِسِ وَالْمَعَابِدِ غَيْرِ الإِِْسْلاَمِيَّةِ:
69 - الْكَنَائِسُ وَالْمَعَابِدُ الَّتِي أُقِرَّتْ فِي بِلاَدِ الإِِْسْلاَمِ بِالصُّلْحِ لاَ يُتَعَرَّضُ لِمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ مَا دَامَتْ فِي الدَّاخِل.
وَلاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ دُخُول الْمُسْلِمِ الْكَنِيسَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَتَقَدَّمَ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّ عَلِيًّا ﵁ دَخَل الْكَنِيسَةَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَأَخَذَ يَتَفَرَّجُ عَلَى الصُّوَرِ. وَأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ أَنْ يُوَسِّعُوا أَبْوَابَ كَنَائِسِهِمْ، لِيَدْخُلَهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْمَارَّةُ.
وَلِذَا قَال الْحَنَابِلَةُ: لِلْمُسْلِمِ دُخُول الْكَنِيسَةِ وَالْبِيَعَةِ، وَالصَّلاَةُ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ: يُكْرَهُ دُخُولُهَا لأَِنَّهَا مَأْوَى الشَّيَاطِينِ. وَقَال أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَدْخُل الْكَنِيسَةَ الَّتِي فِيهَا صُوَرٌ مُعَلَّقَةٌ. (155)
رَابِعًا: أَحْكَامُ الصُّوَرِ:
أ - الصُّوَرُ وَعُقُودُ التَّعَامُل:
70 - الصُّوَرُ الَّتِي صِنَاعَتُهَا حَلاَلٌ - كَالصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ مُطْلَقًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالصُّوَرِ الْمَقْطُوعَةِ، وَلُعَبِ الأَْطْفَال، وَالصُّوَرِ مِنَ الْحَلْوَى، وَمَا يَسْرُعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ - عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ الَّذِي تَقَدَّمَ - يَصِحُّ شِرَاؤُهَا وَبَيْعُهَا وَالأَْمْرُ بِعَمَلِهَا وَالإِِْجَارَةُ عَلَى صُنْعِهَا. وَثَمَنُهَا حَلاَلٌ وَالأُْجْرَةُ الْمَأْخُوذَةُ عَلَى صِنَاعَتِهَا حَلاَلٌ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ عُقُودِ التَّعَامُل الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهَا. وَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ لِمَحْجُورَتِهِ اللُّعَبَ مِنْ مَالِهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ مَصْلَحَةِ التَّمْرِينِ كَمَا تَقَدَّمَ.
أَمَّا الصُّوَرُ الْمُحَرَّمَةُ صِنَاعَتُهَا، فَإِِنَّهَا عَلَى الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ لاَ تَحِل الإِِْجَارَةُ عَلَى صُنْعِهَا، وَلاَ تَحِل الأُْجْرَةُ وَلاَ الأَْمْرُ بِعَمَلِهَا، وَلاَ الإِِْعَانَةُ عَلَى ذَلِكَ. قَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَيُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ حِرْفَةٌ مُحَرَّمَةٌ كَالْمُصَوِّرِ. وَشَذَّ الْمَاوَرْدِيُّ فَجَعَل لِلْمُصَوِّرِ أُجْرَةَ الْمِثْل كَمَا فِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ. 71 - وَأَمَّا مَا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ، فَلاَ يَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَلاَ بَيْعُهُ وَلاَ هِبَتُهُ وَلاَ إِيدَاعُهُ وَلاَ رَهْنُهُ، وَلاَ الإِِْجَارَةُ عَلَى حِفْظِهِ، وَلاَ وَقْفُهُ، وَلاَ الْوَصِيَّةُ بِهِ كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (156) . وَمَنْ أَخَذَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً فَهُوَ كَسْبٌ خَبِيثٌ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَلاَ يُعَادُ إِِلَى صَاحِبِهِ، لأَِنَّهُ قَدِ اسْتَوْفَى الْعِوَضَ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الإِِْمَامُ أَحْمَدُ فِي مِثْل حَامِل الْخَمْرِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ.
72 - وَهَذَا إِنْ كَانَتِ الصُّوَرُ الْمُحَرَّمَةُ فِيمَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ إِلاَّ مَا فِيهِ مِنَ الصُّورَةِ الْمُحَرَّمَةِ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ تَصْلُحُ لِمَنْفَعَةٍ بَعْدَ شَيْءٍ مِنَ التَّغْيِيرِ، فَظَاهِرُ كَلاَمِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ مَنْعُهُ.
وَقَال الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ: مُقْتَضَى كَلاَمِ الإِِْمَامِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ صِحَّةُ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَال، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ خِلاَفٌ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنِ الْمُتَوَلِّي - وَلَمْ يُخَالِفْهُ - فِي جَوَازِ بَيْعِ النَّرْدِ إِِذَا صَلُحَ لِبَيَادِقِ الشِّطْرَنْجِ، وَإِِلاَّ فَلاَ. وَمِثْلُهُ مَا فِي الدُّرِّ وَحَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: اشْتَرَى ثَوْرًا أَوْ فَرَسًا مِنْ خَزَفٍ لأَِجْل اسْتِئْنَاسِ الصَّبِيِّ، لاَ يَصِحُّ، وَلاَ قِيمَةَ لَهُ. وَقِيل بِخِلاَفِهِ يَصِحُّ وَيَضْمَنُ مُتْلِفُهُ، فَلَوْ كَانَتْ مِنْ خَشَبٍ أَوْ صُفْرٍ جَازَ اتِّفَاقًا فِيمَا يَظْهَرُ، لإِِِمْكَانِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ بَيْعُ اللُّعْبَةِ، وَأَنْ يَلْعَبَ بِهَا الصِّبْيَانُ. (157)

الضَّمَانُ فِي إِتْلاَفِ الصُّوَرِ وَآلاَتِ التَّصْوِيرِ:
73 - الَّذِينَ قَالُوا بِتَحْرِيمِ نَوْعٍ مِنَ الصُّوَرِ مُسْتَعْمَلَةً عَلَى وَضْعٍ مُعَيَّنٍ، قَالُوا: يَنْبَغِي إِخْرَاجُ الصُّورَةِ إِِلَى وَضْعٍ لاَ تَكُونُ فِيهِ مُحَرَّمَةً. وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ لِنَقْضِ الصُّوَرِ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا حَدِيثًا يَنُصُّ عَلَى ذَلِكَ، بَل ذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ هُوَ قَوْل عَائِشَةَ ﵂ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلاَّ نَقَضَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِلاَّ قَضَبَهُ (158) وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ قِيَاسَ نَقْضِ الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى نَقْضِ الصُّلْبَانِ؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّهُمَا عُبِدَا مِنْ دُونِ اللَّهِ. لَكِنَّهُ ﷺ قَال لِعَائِشَةَ ﵂ فِي شَأْنِ السِّتْرِ الَّذِي عَلَيْهِ التَّصَاوِيرُ أَخِّرِيهِ عَنِّي وَفِي رِوَايَةٍ " أَنَّهُ هَتَكَهُ "، أَيْ نَزَعَهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى لَمْ يَعُدْ مَنْصُوبًا، وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيل أَنَّهُ أَمَرَ بِصُنْعِ وِسَادَتَيْنِ مِنَ السِّتْرِ وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لاَ يُتْلِفُ مَا فِيهِ الصُّورَةُ إِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَل عَلَى وَجْهٍ آخَرَ مُبَاحٍ.
لَكِنْ إِنْ كَانَتَ الصُّورَةُ الْمُحَرَّمَةُ لاَ تَزُول إِلاَّ بِالإِِْتْلاَفِ وَجَبَ الإِِْتْلاَفُ، وَذَلِكَ لاَ يُتَصَوَّرُ إِلاَّ نَادِرًا، كَالتِّمْثَال الْمُجَسَّمِ الْمُثَبَّتِ فِي جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ الَّذِي إِِذَا أُزِيل مِنْ مَكَانِهِ أَوْ خُرِقَ صَدْرُهُ أَوْ بَطْنُهُ أَوْ قُطِعَ رَأْسُهُ يَتْلَفُ. وَهَذَا النَّوْعُ لاَ يَضْمَنُ مُتْلِفُهُ؛ لأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ لاَ تَزُول إِلاَّ بِإِِتْلاَفِهِ.
أَمَّا مَنْ أَتْلَفَ الصُّورَةَ الَّتِي يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا عَلَى وَضْعٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ مَا أَتْلَفَهُ خَالِيًا عَنْ تِلْكَ الصَّنْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى الأَْصْل فِي ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ.
وَهَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ.
وَقِيَاسُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ الإِِْتْلاَفُ وَلاَ ضَمَانَ، لِسُقُوطِ حُرْمَةِ الشَّيْءِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَفِي رِوَايَةٍ:يَضْمَنُ (159) .

الْقَطْعُ فِي سَرِقَةِ الصُّوَرِ:
74 - لاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ الصُّوَرِ الَّتِي لَيْسَ لِمَكْسُورِهَا قِيمَةٌ، أَوْ لَهُ قِيمَةٌ لاَ تَبْلُغُ نِصَابًا.
أَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْقَوْل الْمَرْجُوحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ آلَةِ اللَّهْوِ؛ لأَِنَّ صَلاَحِيَّتَهُ لِلَّهْوِ صَارَتْ شُبْهَةً مِنْ أَنَّ السَّارِقَ قَدْ يَقْصِدُ الإِِْنْكَارَ، وَأَنَّ سَرِقَتَهُ لِلشَّيْءِ لِتَأْوِيل الْكَسْرِ، فَمَنَعَ ذَلِكَ الْقَطْعَ. فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَال عِنْدَهُمْ فِي الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ، وَلَوْ كَانَ مَكْسُورُهَا يَبْلُغُ نِصَابًا. قَال صَاحِبُ الْمُقْنِعِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا الْخَمْرُ أَوْ صَلِيبًا أَوْ صَنَمَ ذَهَبٍ لَمْ يُقْطَعْ. قَال صَاحِبُ الإِِْنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ. أَيْ لأَِنَّ الصَّنْعَةَ الْمُحَرَّمَةَ أُهْدِرَتْ بِسَبَبِهَا حُرْمَةُ الشَّيْءِ فَلَمْ يَعُدْ لِمَكْسُورِهِ حُرْمَةٌ تَسْتَحِقُّ أَنْ يَثْبُتَ بِسَبَبِهَا الْقَطْعُ. وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِالسَّرِقَةِ الإِِْنْكَارَ أَمْ لَمْ يَقْصِدْهُ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وُجُوبُ الْقَطْعِ فِيمَا لَوْ كَانَ الْمَكْسُورُ يَبْلُغُ نِصَابًا.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَسْرُوقَةِ صُوَرٌ فَلاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْقَطْعِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: لأَِنَّ النُّقُودَ إِنَّمَا تُعَدُّ لِلتَّمَوُّل فَلاَ يَثْبُتُ فِيهَا تَأْوِيلٌ. لَكِنْ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ إِنْكَارًا فَلاَ يُقْطَعُ، وَيُقْطَعُ إِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ (160) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
__________
(1) لسان العرب مادة: " صور ".
(2) حديث: " نهى أن تضرب الصورة. . . " أخرجه البخاري - (الفتح 9 / 670 - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمر ﵄. وأخرجه مسلم (3 / 1673 - ط الحلبي) .
(3) حديث " أميطي عنا قرامك هذا. . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 484 - ط السلفية) .
(4) انظر فقرة 48.
(5) حديث: " أشد الناس عذابا ممثل من الممثلين " أخرجه أحمد (1 / 407 - ط الميمنية) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (5 / 332 - ط المعارف) .
(6) لسان العرب مادة: " مثل ". وهذا في أصل اللغة. وأما في العصر الحاضر فقد خص استعمال لفظة (التمثال) في العرف العام بالصورة المصنوعة لإنسان أو حيوان معتاد أو حيوان خرافي، دون صور النبات أو الجمادات، وبشرط أن تكون الصورة مجسمة، فلا يقال للنباتات الصناعي
(7) حديث: " يجيء معه تمثال الجنة والنار " أخرجه البخاري (4 / 163 - ط محمد صبيح) وفي رواية: " بمثال ".
(8) ابن عابدين 1 / 435 ط بولاق، والمغرب ص 422.
(9) لسان العرب مادة: " رسم ".
(10) حديث: " نهى النبي عن النهبى والمثلة " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 119 - ط السلفية) من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁.
(11) حديث: " نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة " أخرجه مسلم (3 / 1661 - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(12) حديث: " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم. . . " أخرجه مسلم (4 / 1987 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.
(13) سورة فاطر / 1.
(14) حديث: " أنت امرؤ حسن الله خلقك فحسن خلقك " أخرجه الخرائطي وابن عساكر في تأريخه، وضعفه العراقي كما في فيض القدير (2 / 552 - ط المكتبة التجارية) .
(15) حديث: " سئل أكان وجه النبي ﷺ مثل السيف؟ فقال:. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 565 - ط السلفية) .
(16) حديث: " إذا أبردتم إلي بريدا. . . " أخرجه البزار من حديث بريدة، ونقل السيوطي عن الهيثمي تصحيحه. (اللآلي 1 / 112 - نشر دار المعرفة) .
(17) روضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن القيم ص 37 وحديث: " أول زمرة تلج الجنة. . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 319 - ط السلفية) .
(18) سورة السجدة / 7.
(19) سورة الزمر / 5.
(20) حديث: " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " أخرجه أبو يعلى كما في المجمع (4 / 98 - ط القدسي) من حديث عائشة. وقال الهيثمي: فيه مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة.
(21) حديث: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1548 - ط الحلبي) .
(22) حديث: " الذين يضاهون بخلق الله " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 387 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1668 - ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂.
(23) حديث: " ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 385 - ط السلفية) . ومسلم (3 / 1671 - ط الحلبي) .
(24) ابن عابدين 1 / 435، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار 1 / 274، وشرح المنهاج للنووي وحاشية القليوبي عليه 3 / 297 ط عيسى الحلبي، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير المالكي 2 / 338 ط عيسى الحلبي، وفتح الباري 10 / 394 ط السلفية.
(25) المراد بالذرة في الحديث النملة الصغير كما في المصباح المنير.
(26) حديث: " فليخلقوا ذرة، وليخلقوا شعيرة " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 385 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة ﵁.
(27) الأثر عن مجاهد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ط الهند بومباي الدار السلفية 1399 هـ) 8 / 507، ونقله عنه الكثير، انظر مثلا: فتح الباري 10 / 395 (كتاب اللباس ب 97) ، وانظر أيضا: الطحطاوي على الدر 1 / 273، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي 3 / 297، وابن عابدين 1 / 436، وشرح الإقناع للشيخ منصور البهوتي، الرياض، مكتبة النصر الحديثة، 1 / 280، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي 2 / 338.
(28) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 514.
(29) حديث: " من صور صورة في الدنيا. . . " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 393 - ط السلفية) من حديث ابن عباس ﵄.
(30) فتح الباري 10 / 394، 395، والطحطاوي على الدر المختار 1 / 274.
(31) حديث: " مر برأس التمثال فليقطع حتى يكون كهيئة الشجرة " أخرجه أبو داود (4 / 388 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (5 / 115 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁ وقال: حديث حسن صحيح.
(32) حديث: " إنها ثلاث: لن يلج عليك ملك مادام فيها. . . " أخرجه أحمد (1 / 85 - ط الميمنية) وفي إسناده جهالة. (الميزان للذهبي 4 / 248 - ط الحلبي) .
(33) سورة سبأ / 13.
(34) حديث: " أولئك قوم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على. . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 524 - ط السلفية) . ومسلم (1 / 376 - ط الحلبي) .
(35) فتح الباري 10 / 382 (كتاب اللباس ب 88) ، وأحكام القرآن للجصاص 3 / 372 نشر نظارة الأوقاف بالقسطنطينية سنة 1338 هـ، في تفسير سورة سبأ.
(36) سورة الصافات / 95 - 96.
(37) حديث: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 424 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1207 - ط الحلبي) .
(38) سورة سبأ / 13.
(39) سورة الأنعام / 90.
(40) الحديث تقدم تخريجه (ف / 15) .
(41) حديث: " ومن أظلم ممن ذهب. . . " سبق تخريجه (ف / 15) .
(42) حديث: " إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 382 - ط السلفية) من حديث ابن مسعود ﵁.
(43) تفسير الألوسي المسمى روح المعاني (القاهرة، إدارة الطباعة المنيرية 1955 م) 22 / 19. ونسب في مجلة الوعي الإسلامي (سنة 1387 هـ العدد 29 ص 57، 58 في مقال للسيد محمد رجب البيلي) إلى الشيخ عبد العزيز جاويش.
(44) متن خليل، وعليه شرح الدردير وحاشية الدسوقي 2 / 337، 338، وغذاء الألباب للسفاريني شرح منظومة الآداب 2 / 180، وشرح النووي على صحيح مسلم، (القاهرة، المطبعة العصرية 1349 هـ كتاب اللباس) 11 / 80، وفتح الباري 10 / 388. ولم نجد النص على ما نقل عن ابن العربي في أحكام القرآن فلعله في غير ذلك من كتبه.
(45) الطحطاوي على الدر المختار 1 / 273، والأم للشافعي، (القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1381 هـ) 6 / 182، والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي الشافعي 2 / 282، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، الحنبلي، (القاهرة، مطبعة أنصار السنة) 1 / 474.
(46) كشاف القناع للبهوتي شرح الإقناع للحجاوي الحنبلي، (الرياض، مكتبة النصر الحديثة) 1 / 279، 280، والآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 513. وقد تقدم تخريج الحديث ف / 21.
(47) حديث: " يا عائشة، أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين. . . " أخرجه البخاري (الفتح 10 - 387 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1668 ط الحلبي) .
(48) حديث: " إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله. . . ". أخرجه مسلم (3 / 1667 ط الحلبي) . وحديث: " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة. . . " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 389 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1669 ط الحلبي) ورواية: " فأخذت الستر فجعلته مرفقة ". أخرجه مسلم (3 / 1669 ط الحلبي) .
(49) الحديث تقدم تخريجه ف 23.
(50) حديث: " واعد رسول الله ﷺ جبريل. . . " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 391 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1664 ط الحلبي) .
(51) حديث: " إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة " أخرجه مسلم (3 / 1664 - 1665 ط الحلبي) .
(52) الحديث تقدم تخريجه ف / 15.
(53) حديث: " كل مصور في النار ". أخرجه مسلم (3 / 1670 ط الحلبي) .
(54) حديث: " ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ " أخرجه مسلم (2 / 666، 667 ط الحلبي) .
(55) انفرد بهذه الرواية ورواية " يشبهون بخلق " عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة. وحديثه في صحيح البخاري (كتاب اللباس ب 91) ومسلم (لباس ح 91، 92) والنسائي (زينة باب 112) وأحمد (6 / 36، 83، 219) .
(56) الحديث تقدم تخريجه في الفقرة السابقة.
(57) الحديث تقدم تخريجه ف / 16.
(58) الحديث تقدم تخريجه ف 15.
(59) شرح النووي على صحيح مسلم (كتاب اللباس) 11 / 91.
(60) سورة الأنعام / 93.
(61) فتح الباري 10 / 386.
(62) أحكام القرآن لابن العربي 4 / 1588.
(63) أثر ابن عباس أخرجه البخاري (فتح الباري 8 / 666 ط السلفية) . وانظر تفسير ابن كثير والطبري في تفسير الآية من سورة نوح، حيث نقلا روايات أخرى.
(64) حديث: " وحينئذ يسجد لها الكفار ". أخرجه من مسلم (1 / 570 ط الحلبي) من حديث عمرو بن عنبسة ﵁.
(65) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، (القاهرة، مطبعة أنصار السنة المحمدية، 1369 هـ) ص 63، وفتح الباري 10 / 395. وفي مجلة المنار قال الشيخ محمد رشيد رضا إن هذه هي العلة الحقيقية في التحريم (سنة 1320 هـ المجلد 5 / 140) .
(66) حديث: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب ". أخرجه أبو داود (4 / 384 تحقيق عزت عبيد دعاس) . وفي إسناده جهالة، (الميزان للذهبي 4 / 248 ط الحلبي) .
(67) حديث: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، إلا رقما في ثوب " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 389 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1665 ط الحلبي) .
(68) حديث: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، إلا رقما في ثوب " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 389 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1665 ط الحلبي) .
(69) الحديث تقدم تخريجه ف / 15.
(70) الحديث تقدم تخريجه ف / 15.
(71) ذكر هذا المعنى ابن حجر في الفتح 10 / 386.
(72) حديث " أميطي عنا قرامك هذا، فإنه. . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 484 ط السلفية) .
(73) حديث: " حولي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا ". أخرجه مسلم (3 / 1666 ط الحلبي) .
(74) حديث " أميطي عنا قرامك هذا، فإنه. . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 484 ط السلفية) .
(75) حديث: " يا عائشة لا تستري الجدار " أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (4 / 283 ط مطبعة الأنوار المحمدية) .
(76) حديث: " إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين " أخرجه مسلم (3 / 1666 ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂.
(77) حديث: " إنه ليس لي - أو قال: لنبي - أن يدخل بيتا مزوقا " أخرجه أبو داود (4 / 133 - تحقيق عزت عبيد دعاس) . وصححه ابن حبان مختصرا (ص 352 - موارد الظمآن - ط السلفية) .
(78) حديث: " ما لنا وللدنيا، ما لنا وللرقم " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 228 ط السلفية) وأبو داود (4 / 382 - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
(79) جامع الأصول 4 / 815.
(80)
(81) راجع لهذا كتاب: الدينار الإسلامي في المتحف العراقي، للسيد ناصر النقشبندي، (بغداد، المجمع العلمي العراقي 1372 هـ) ص 17، 18، 20، 24، 82، وكتاب النقود العربية وعلم النمنمات لانستاس الكرملي وفي ضمنه كتاب المقريزي في النقود الإسلامية.
(82)
(83) مصنف ابن أبي شيبة 8 / 506 ط الهند.
(84) معاني الآثار للطحاوي 4 / 263، 266.
(85) مصنف ابن أبي شيبة، ط الهند 8 / 509، ونقله ابن حجر في الفتح 10 / 388.
(86) مسند أحمد 1 / 320.
(87) ابن عابدين 1 / 437.
(88) المغني 7 / 7، وانظر كشاف القناع 5 / 171، والخرشي 3 / 303، والفروع 1 / 352، 353.
(89) تحفة المحتاج 7 / 434، وأسنى المطالب وحاشيته 3 / 226، والقليوبي على شرح المنهاج 3 / 297.
(90) أسنى المطالب 3 / 226، والقليوبي على المنهاج 3 / 297، وحواشي تحفة المحتاج 7 / 434 وحديث عائشة سيأتي تخريجه ف / 38.
(91) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 338، ومنح الجليل شرح مختصر خليل 2 / 167، وحاشية عميرة على شرح المنهاج 31 / 297، 298، ونهاية المحتاج 6 / 369، وأسنى المطالب بحاشية الرملي 3 / 226، وابن عابدين 1 / 437.
(92) فتح الباري 10 / 388، والدسوقي 2 / 337، والخرشي 3 / 303، والقليوبي على شرح المنهاج 3 / 297.
(93) فتح الباري 10 / 395، 527، وحاشية الدسوقي 2 / 338، وأسنى المطالب وحاشية الرملي 3 / 226، ونهاية المحتاج 6 / 297، وكشاف القناع 1 / 280.
(94) حديث عائشة: " كنت ألعب بالبنات. . . " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 526 ط السلفية)
(95) حديث عائشة: " قدم رسول الله ﷺ من غزوة خيبر. . . "، أخرجه أبو داود (5 / 227 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.
(96) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي، (بيروت، دار الفكر، 1399 هـ. ب 41 الملاعب والملاهي) 3 / 97.
(97) فتح الباري 10 / 395.
(98) شرح صحيح مسلم للنووي 11 / 80، وحاشية الشبراملسي على شرح المنهاج للنووي 3 / 289.
(99) شرح صحيح مسلم للنووي 11 / 80، وحاشية الشبراملسي على شرح المنهاج للنووي 3 / 289.
(100) سبق تخريج الحديث بهذا المعنى ف / 26.
(101) سبق تخريج الحديث بهذا المعنى ف / 26.
(102) الحديث تقدم تخريجه ف / 26.
(103)
(104) الحديث تقدم تخريجه بهذا المعنى ف / 24.
(105) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 238، وتاريخ ابن كثير 7 / 88، واقتضاء الصراط المستقيم (ط 1369 هـ) ص 339.
(106) شرح النووي لصحيح مسلم 11 / 84، وفتح الباري 10 / 391، 392.
(107) ابن عابدين 1 / 437.
(108) حديث: " لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس ". أخرجه مسلم (3 / 1672 ط الحلبي) .
(109) فتح الباري 10 / 382.
(110)
(111) تقدم تخريجه ف / 16.
(112) حديث: " إن في البيت سترا وفي الحائط تماثيل. . . " أخررجه - أحمد (2 / 308 ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، وأخرجه الترمذي (2806 ط الحلبي) بألفاظ متقاربة. وقال: حسن صحيح.
(113) ابن عابدين 1 / 436، 437، وشرح منح الجليل 2 / 166، وأسنى المطالب وحاشيته 3 / 226، وتحفة المحتاج 7 / 434، وكشاف القناع 5 / 171، والفروع 1 / 353.
(114) تحفة المحتاج وحواشيه 7 / 433 - 435، والمغني 7 / 8، وابن عابدين 1 / 436، وحاشية الباجوري على ابن قاسم 2 / 131.
(115) شرح منية المصلي ص 359، وشرح المنهاج 3 / 298، والمغني 77، وفتح الباري 10 / 388، 393، والخرشي 3 / 303، والإنصاف 8 / 336، 1 / 474، وكشاف القناع 5 / 171، 1 / 279، وابن عابدين 1 / 436، والآداب الشرعية 3 / 513.
(116) فتح الباري 10 / 392.
(117) فتح الباري 10 / 388، 399، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي 3 / 297، ونهاية المحتاج 6 / 369، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني 7 / 432، وأسنى المطالب 3 / 226، والمغني 7 / 10. فينبغي أن يكون ذلك حكم ما في سائر الأدوات التي للتداول مما لا ينصب كالملعقة والسكين والمضرب، وما يكون في مفارش الموائد والكراسي، والصور التي في الآلات والأجهزة الصناعية العاملة والمعدة للاستعمال، كالصور التي في الصحف المعدة للتداول.
(118) الرملي على أسنى المطالب 3 / 226، ونهاية المحتاج 6 / 369.
(119) المنهاج وحاشية القليوبي 3 / 297.
(120) فتح الباري 10 / 388، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي 3 / 297.
(121) المصنف 8 / 482.
(122) المسند 9 / 147 ط أحمد شاكر، وقال: إسناده صحيح.
(123) فتح الباري 10 / 527، وشرح النووي على مسلم 11 / 82، وشرح المنهاج 3 / 214.
(124) فتح الباري 10 / 527.
(125) المنهاج في شعب الإيمان 3 / 97، والدسوقي 2 / 338.
(126) ابن عابدين 1 / 437، 4 / 214.
(127) حديث الربيع بنت معوذ ﵂: " من كان أصبح صائما. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 200 - ط السلفية) ومسلم (2 / 799 - ط الحلبي) .
(128) كشاف القناع 1 / 280، وشرح المنتهى 2 / 293، والإنصاف 5 / 331.
(129) ابن عابدين 1 / 436، والخرشي على مختصر خليل 3 / 303.
(130) شرح المنهاج وحاشية القليوبي 3 / 297، وتحفة المحتاج وحاشية الشرواني 7 / 432، 433.
(131) شرح الإقناع للبهوتي 1 / 279، والإنصاف 1 / 473، والمغني 1 / 590.
(132) الحديث تقدم تخريجه ف / 31.
(133) ابن عابدين 1 / 437، 5 / 230، والدر بحاشية الطحطاوي 1 / 274، وفتح القدير وحواشيه 1 / 362.
(134) معاني الآثار للطحاوي 4 / 263، 266.
(135) الرملي على أسنى المطالب 2 / 266، ونهاية المحتاج 6 / 369، والآداب الشرعية 3 / 512.
(136) شرح مختصر خليل وحاشية الدسوقي 2 / 338، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج 3 / 297.
(137) المغني لابن قدامة 7 / 7.
(138) حاشية ابن عابدين 5 / 238، 2 / 281.
(139) القليوبي على شرح المنهاج 3 / 208، وحاشية الباجوري على ابن القاسم 2 / 99، 131.
(140) حديث: " أريتك في المنام يجيء بك الملك. . . " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 180 - ط السلفية) .
(141) حديث: " دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 468 - ط السلفية) من حديث ابن عباس ﵄. وروي الطيالسي من حديث أسامة بن زيد: " دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة فرأى صورا، فدعا بماء فأتيته به فضرب به الصورة "، وصححه ابن حجر في الفتح (3 / 468 - ط السلفية) .
(142) المغني 7 / 8، والإنصاف 8 / 336، والفروع وتصحيحه 5 / 307.
(143) الأم للشافعي 6 / 182 مطبعة الكليات الأزهرية، وتحفة المحتاج 7 / 433، وأسنى المطالب 3 / 226.
(144) حديث: " من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله " أخرجه مسلم (2 / 1055 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.
(145) الدر وحاشية ابن عابدين 5 / 221، والخرشي على خليل وحاشيته 3 / 3، وأسنى المطالب 3 / 225، والمغني 7 / 8، والإنصاف 8 / 336، وكشاف القناع 5 / 170.
(146) ابن عابدين 1 / 436، وكشاف القناع 1 / 280 و 5 / 170، 171، والمغني 7 / 7، 10، وفتح الباري 10 / 392، وأسنى المطالب 3 / 226، والطحطاوي على الدر 1 / 274.
(147) الحديث تقدم تخريجه ف / 24.
(148) مسند أحمد، بتحقيق أحمد شاكر 1238، والروايات الأخرى ح 657، 658، 683، 741، 881، 889، 1064، 1176، 1177، 1283.
(149) الدر والطحطاوي 1 / 274، وشرح منية المصلي ص 359، وابن عابدين 1 / 436، 437، وفتح القدير 1 / 362.
(150) أسنى المطالب 1 / 179.
(151) كشاف القناع 1 / 370، وانظر الإنصاف 1 / 474.
(152) حديث ابن عباس في دخوله الكعبة. أخرج الروايتين البخاري (الفتح 6 / 387 - ط السلفية) .
(153) حديث: " أمر بالصور. . . " أورده الأزرقي في أخبار مكة (11 / 113) نشر مكتبة خياط من طرق منطقة يقوي بعضها بعضا.
(154) حديث: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح. . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 524 - ط السلفية) ومسلم (1 / 376 - ط الحلبي) .
(155) المغني 7 / 8، والإنصاف 1 / 496، وابن عابدين 1 / 254، والشيخ عميرة البرلسي على شرح المنهاج 4 / 235.
(156) حديث: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 424 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1207 - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(157) شرح الروض وحاشية الرملي 2 / 10 و 3 / 35، 36، 37، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي 2 / 158 و 4 / 321، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 338 و 3 / 10، وكشاف القناع 1 / 280، والآداب الشرعية 3 / 524، والفتاوى الكبرى لابن تيمية 22 / 141، 142، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص 239، وابن عابدين على الدر المختار 4 / 214، وتحفة المحتاج 7 / 434.
(158) حديث: " كان لا يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 385 - ط السلفية) من حديث عائشة ﵂.
(159) ابن عابدين 3 / 198، 199 و 4 / 214، والمغني 5 / 278، وشرح منتهى الإرادات 2 / 433: (ر: إتلاف) .
(160) ابن عابدين 3 / 199، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 336، والإنصاف 10 / 261.

الموسوعة الفقهية الكويتية: 92/ 12