البحث

عبارات مقترحة:

الأعلى

كلمة (الأعلى) اسمُ تفضيل من العُلُوِّ، وهو الارتفاع، وهو اسمٌ من...

الظاهر

هو اسمُ فاعل من (الظهور)، وهو اسمٌ ذاتي من أسماء الربِّ تبارك...

العفو

كلمة (عفو) في اللغة صيغة مبالغة على وزن (فعول) وتعني الاتصاف بصفة...

التَّيْسِيرُ


من معجم المصطلحات الشرعية

التسهيل، ورفع المشقَّة غير المعتادة، والحرج . ومن أمثلته عدم وجوب الصوم على المسافر في رمضان، وإمكان قضاء ما أفطر بعد ذلك . ومن شواهده حديثه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: " يَسِّرُوا، وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلاَ تُنَفِّرُوا . " البخاري : 69.


انظر : البحر الرائق لابن نجيم، 8/458، منح الجليل لعليش، 1/232، 2/122، تفسير القاسمي، 3/427، الموسوعة الفقهية الكويتية، 14/211

من موسوعة المصطلحات الإسلامية

التعريف اللغوي

التَّسْهِيلُ، يُقال: يَسَّرَ الأَمْرَ: إذا سَهَّلَهُ ولَمْ يُعَسِّرْهُ، سواء على نَفْسِهِ أم على غَيْرِهِ، وهو مَأْخوذٌ مِن اليُسْرِ، ومَعناه: اللِّينُ والاِنْقِيادُ، وضِدُّهُ: العُسْرُ والمَشَقَّةُ. وأصلُ الكلِمَة يَدُلُّ على انْفِتاحِ شَيْءٍ وخِفِّتِهِ، ومِن مَعانِي التَّيْسِيرِ: التَّهْيِئَةُ والإعْدادُ، يُقال: يَسَّرْتُهُ لِعَمَلٍ ما، أيْ: هَيَّأْتُهُ وأَعْدَدْتُهُ لَهُ. ويأتي أيضاً بِمَعنى التَّخْفيفِ والتَّبْسيطِ والتَّوْسِعَةِ.

إطلاقات المصطلح

يَرِد مُصطَلح (تَيسِير) في معظم أبوابِ الفِقْهِ من العِباداتِ والمُعامَلاتِ والحُدودِ، فمِن أبوابِ العِبادات: التَّيسير على المأمومين في الصَّلاة بِعَدَمِ الإطالَة إذا كان فيهم الضَّعيف والصَِّغير والعاجِز، وإسقاط بعض أركان الصَّلاة وشُروطِها على العاجِزِ والمَرِيضِ، وهكذا. وفي قسم المُعامَلاتِ بِتَشرِيع رَدِّ السِّلعَةِ بِالعَيْبِ دَفْعاً لِما يَلْحَقُ المُشتَرِي مِن الضَّرَرِ. وفي إقامة الحُدودِ بِتَلقِينِ مَن أقرَّ بِمُوجِب الحَدِّ الرُّجوعَ عنه ليُدْرَأَ عنه الحَدّ. وفي باب الفتوى بِمُراعاةِ أحوالِ السّائِلِين، وغير ذلك.

جذر الكلمة

يسر

التعريف

التسهيل، ورفع المشقَّة غير المعتادة، والحرج.

المراجع

* مقاييس اللغة : (6/155)
* المحكم والمحيط الأعظم : (8/574)
* المفردات في غريب القرآن : (ص 551)
* مختار الصحاح : (ص 349)
* لسان العرب : (4/564)
* تاج العروس : (14/458)
* المغرب في ترتيب المعرب : (ص 512)
* شرح القواعد الفقهية للزرقا : (ص 105)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 152)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (14/214) -

من الموسوعة الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - التَّيْسِيرُ لُغَةً مَصْدَرُ يَسَّرَ، يُقَال: يَسَّرَ الأَْمْرَ إِذَا سَهَّلَهُ وَلَمْ يُعَسِّرْهُ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ نَفْسِهِ فِيهِ. وَفِي التَّنْزِيل {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِرٍ} (1) أَيْ سَهَّلْنَاهُ وَجَعَلْنَا الاِتِّعَاظَ بِهِ مَيْسُورًا.
وَفِي الْحَدِيثِ يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا (2) وَهُوَ مِنَ الْيُسْرِ، وَالْيُسْرُ فِي اللُّغَةِ اللِّينُ وَالاِنْقِيَادُ، وَيُقَال: يَاسَرَ فُلاَنٌ فُلاَنًا إِذَا لاَيَنَهُ، وَتَيَسَّرَتِ الْبِلاَدُ إِذَا أَخْصَبَتْ، وَالْيُسْرُ وَالْمَيْسَرَةُ الْغِنَى، وَكَذَلِكَ الْيَسَارُ (3) ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (4) .
وَمِنْ مَعَانِي التَّيْسِيرِ فِي اللُّغَةِ التَّهْيِئَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} (5) أَيْ نُهَيِّئُهُ لِلْعَوْدِ إِلَى الْعَمَل الصَّالِحِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَيَسَّرُوا لِلْقِتَال (6) أَيْ تَهَيَّئُوا لَهُ وَتَأَهَّبُوا.
وَمَعْنَى التَّيْسِيرِ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ مُوَافِقٌ لِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّخْفِيفُ:
2 - التَّخْفِيفُ لُغَةً ضِدُّ التَّثْقِيل، سَوَاءٌ أَكَانَ حِسِّيًّا أَمْ مَعْنَوِيًّا، وَالْخِفَّةُ ضِدُّ الثِّقَل، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} (7) أَيْ: قَلَّتْ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ حَتَّى رَجَحَتْ عَلَيْهَا سَيِّئَاتُهُ. وَالْخِفَّةُ خِفَّةُ الْوَزْنِ وَخِفَّةُ الْحَال. (8)
وَالتَّكْلِيفُ الْخَفِيفُ هُوَ الَّذِي يَسْهُل أَدَاؤُهُ، وَالثَّقِيل هُوَ الَّذِي يَشُقُّ أَدَاؤُهُ، كَالْجِهَادِ.
وَالتَّخْفِيفُ فِي الاِصْطِلاَحِ رَفْعُ مَشَقَّةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِنَسْخٍ، أَوْ تَسْهِيلٍ، أَوْ إِزَالَةِ بَعْضِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (9) أَيْ إِنْ كَانَ فِيهِ فِي الأَْصْل حَرَجٌ أَوْ مَشَقَّةٌ.
فَالتَّخْفِيفُ أَخَصُّ مِنَ التَّيْسِيرِ إِذْ هُوَ تَيْسِيرُ مَا كَانَ فِيهِ عُسْرٌ فِي الأَْصْل، وَلاَ يَدْخُل فِيهِ مَا كَانَ فِي الأَْصْل مُيَسَّرًا. ب - التَّرْخِيصُ:
3 - التَّرْخِيصُ لُغَةً التَّيْسِيرُ وَالتَّسْهِيل. وَالاِسْمُ الرُّخْصَةُ. وَيُقَال: رَخَّصَ لَهُ فِي الأَْمْرِ، وَأَرْخَصَ لَهُ فِيهِ: إِذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: وَأَرْخَصَ فِي السَّلَمِ (10) أَيْ أَذِنَ فِيهِ. وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الرَّخَاصَةِ، وَهِيَ فِي النَّبَاتِ هَشَاشَتُهُ وَلِينُهُ، وَفِي الْمَرْأَةِ نُعُومَةُ بَشَرَتِهَا وَلُيُونَتُهَا. وَمِنْهُ الرُّخْصُ لاِنْخِفَاضِ السِّعْرِ، ضِدُّ الْغَلاَءِ؛ لِمَا فِي الرُّخْصِ مِنَ السُّهُولَةِ، وَفِي الْغَلاَءِ مِنَ الشِّدَّةِ.
وَالتَّرْخِيصُ فِي الاِصْطِلاَحِ أَنْ يَجْعَل فِي الأَْمْرَ سُهُولَةً. وَالرُّخْصَةُ تُسْتَعْمَل بِاصْطِلاَحَيْنِ:
الأَْوَّل: الْحُكْمِ النَّازِل بِالْيُسْرِ بَعْدَ الْعُسْرِ لِعُذْرٍ مِنَ الأَْعْذَارِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الأَْوَّل: مَا اُسْتُبِيحَ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ. فَالإِْذْنُ فِي السَّلَمِ مَعَ انْعِدَامِ الْمَبِيعِ رُخْصَةٌ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ عَلَى التَّعْرِيفِ الأَْوَّل، وَلَيْسَ رُخْصَةً عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا. وَكَذَا مَا نُسِخَ عَنَّا مِنَ الآْصَارِ وَالأَْغْلاَل الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا رُخْصَةٌ عَلَى الأَْوَّل، لاَ عَلَى الثَّانِي؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْنَا. (11)

ج - التَّوْسِعَةُ:
4 - التَّوْسِعَةُ مَصْدَرُ وَسَّعَ، أَيْ صَيَّرَ الشَّيْءَ وَاسِعًا، وَالسِّعَةُ ضِدُّ الضِّيقِ، وَالسِّعَةُ الْغِنَى وَالرَّفَاهِيَةُ. وَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَى فُلاَنٍ: أَغْنَاهُ وَرَفَّهَهُ، وَوَسَّعَ فُلاَنٌ عَلَى أَهْلِهِ: أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ عَنْ سِعَةٍ، أَيْ بِمَا يَزِيدُ عَنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ. (12)
فَالتَّوْسِعَةُ مِنَ التَّيْسِيرِ، بَل هِيَ أَعْلَى التَّيْسِيرِ.

د - رَفْعُ الْحَرَجِ:
5 - الْحَرَجُ لُغَةً: الضِّيقُ وَمَا لاَ مَخْرَجَ لَهُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ أَضْيَقُ الضِّيقِ. سُئِل ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْحَرَجِ، فَدَعَا رَجُلاً مِنْ هُذَيْلٍ فَقَال لَهُ: مَا الْحَرَجُ فِيكُمْ؟ فَقَال: الْحَرِجَةُ مِنَ الشَّجَرِ مَا لاَ مَخْرَجَ لَهُ. فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ ذَلِكَ. الْحَرَجُ مَا لاَ مَخْرَجَ لَهُ. (13) وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْحَرَجُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ فَوْقَ الْمُعْتَادِ. (14)
وَرَفْعُ الْحَرَجِ: إِزَالَةُ مَا فِي التَّكْلِيفِ الشَّاقِّ مِنَ الْمَشَقَّةِ بِرَفْعِ التَّكْلِيفِ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ بِتَخْفِيفِهِ، أَوِ بِالتَّخْيِيرِ فِيهِ، أَوْ بِأَنْ يُجْعَل لَهُ مَخْرَجٌ، كَرَفْعِ الْحَرَجِ فِي الْيَمِينِ بِإِبَاحَةِ الْحِنْثِ فِيهَا مَعَ التَّكْفِيرِ عَنْهَا أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِل، فَرَفْعُ الْحَرَجِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ الشِّدَّةِ، خِلاَفًا لِلتَّيْسِيرِ.

هـ - التَّوَسُّطُ:
6 - التَّوَسُّطُ فِي الأَْمْرِ أَنْ لاَ يَذْهَبَ فِيهِ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ. وَالتَّوَسُّطُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَلاَ غُلُوَّ فِيهَا وَلاَ تَقْصِيرَ، وَلَكِنْ هِيَ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا. وَالتَّوَسُّطُ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهَا لاَ تَمِيل إِلَى جَانِبِ الإِْفْرَاطِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى الْعِبَادِ، وَلاَ إِلَى جَانِبِ التَّيْسِيرِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَصِل إِلَى حَدِّ التَّحَلُّل مِنَ الأَْحْكَامِ. وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ. فَالتَّوَسُّطُ نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ، وَلَيْسَ مُقَابِلاً لَهُ؛ إِذْ الَّذِي يُقَابِل التَّيْسِيرَ التَّعْسِيرُ وَالتَّشْدِيدُ، أَمَّا التَّوَسُّطُ فَفِيهِ الْيُسْرُ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعْتَادِ، وَمِثَالُهُ يُسْرُ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ؛ إِذْ فِيهِمَا مَشَقَّةٌ، وَلَكِنَّهَا مُعْتَادَةٌ. (15) و - التَّشْدِيدُ وَالتَّثْقِيل:
7 - التَّشْدِيدُ وَالتَّثْقِيل ضِدُّ التَّخْفِيفِ، وَأَصْل التَّشْدِيدِ فِي اللُّغَةِ مِنْ شَدِّ الْحَبْل، وَالشِّدَّةُ الصَّلاَبَةُ وَالْقُوَّةُ. (16)

حُكْمُ التَّيْسِيرِ:
8 - الْيُسْرُ وَانْتِفَاءُ الْحَرَجِ صِفَتَانِ أَسَاسِيَّتَانِ فِي دِينِ الإِْسْلاَمِ وَشَرِيعَتِهِ، وَالتَّيْسِيرُ مَقْصِدٌ أَسَاسِيٌّ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ. وَيَدُل عَلَى هَذَا الأَْصْل آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحَادِيثُ نَبَوِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَيْهِ:
فَمِنَ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (17) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا ذَلِكَ سِعَةُ الإِْسْلاَمِ وَمَا جَعَل اللَّهُ فِيهِ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (18) وَقَوْلُهُ {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِْنْسَانُ ضَعِيفًا} (19) .
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ (20) أَيِ السَّهْلَةِ اللَّيِّنَةِ، وَقَوْلُهُ إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ (21) وَقَوْلُهُ إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ (22) .
وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ شَرَعَ هَذَا الدِّينَ فَجَعَلَهُ سَمْحًا سَهْلاً وَاسِعًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ ضَيِّقًا (23) .
وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي هَذَا الْبَابِ، قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ إِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، إِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ أَيْ: الأَْمْرِ الْقَدِيمِ، أَيْ: الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَوْل إِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ: " إِذَا تَخَالَجَكَ أَمْرَانِ فَظُنَّ أَنَّ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ أَيْسَرُهُمَا ".

أَنْوَاعُ الْيُسْرِ فِي الشَّرِيعَةِ:
9 - يُسْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ: 1 - تَيْسِيرُ مَعْرِفَةِ الشَّرِيعَةِ وَالْعِلْمِ بِهَا وَسُهُولَةِ إِدْرَاكِ أَحْكَامِهَا وَمَرَامِيهَا.
2 - تَيْسِيرُ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ حَيْثُ سُهُولَةُ تَنْفِيذِهَا وَالْعَمَل بِهَا.
3 - أَمْرُ الشَّرِيعَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ بِالتَّيْسِيرِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ.

النَّوْعُ الأَْوَّل: تَيْسِيرُ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ:
10 - اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ حَمَل هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الإِْسْلاَمِيَّةَ - أَوَّل مَا حَمَلَهَا - قَوْمٌ أُمِّيُّونَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِكُتُبِ الأَْقْدَمِينَ وَلاَ بِعُلُومِهِمْ، مِنَ الْعُلُومِ الْكَوْنِيَّةِ، وَالْمَنْطِقِ، وَالرِّيَاضِيَّاتِ، وَغَيْرِهَا، وَلاَ مِنَ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، بَل كَانُوا بَاقِينَ قَرِيبًا مِنَ الْفِطْرَةِ. وَأَرْسَل اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَسُولاً أُمِّيًّا لَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا، وَلَمْ يَخُطَّهُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ عَرَفَ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِمَّا كَتَبَهُ الْكَاتِبُونَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْل لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} (24) وَقَال: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِك إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (25) ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ، فَهِيَ لِمَنْ عَاصَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَلِمَنْ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِلْبَشَرِ جَمِيعًا، لَيْسَتْ لِلْعَرَبِ وَحْدَهُمْ، بَل لَهُمْ وَلِمَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الأُْمَمِ فِي مَشَارِقِ الأَْرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَفِيهِمِ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَالْعَالِمُ وَالْجَاهِل، وَالْقَارِئُ وَالأُْمِّيُّ، وَالذَّكِيُّ وَالْبَلِيدُ. فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ الْعَامَّةُ الْخَاتِمَةُ مَيْسُورًا فَهْمُهَا وَتَعَقُّلُهَا وَالْعِلْمُ بِهَا لِتَسَعَ الْجَمِيعَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِهَا عَسِيرًا، أَوْ مُتَوَقِّفًا عَلَى وَسَائِل عِلْمِيَّةٍ تَدُقُّ عَلَى الأَْفْهَامِ لَكَانَ مِنَ الْعَسِيرِ عَلَى جُمْهُورِ الْمُكَلَّفِينَ بِهَا أَخْذُهَا وَمَعْرِفَتُهَا أَوَّلاً، وَالاِمْتِثَال لأَِوَامِرِهَا وَنَوَاهِيهَا ثَانِيًا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَلِي:

أ - تَيْسِيرُ الْقُرْآنِ:
11 - جَعَل اللَّهُ ﷿ الْقُرْآنَ مُيَسَّرَ التِّلاَوَةِ وَالْفَهْمِ عَلَى الْجُمْهُورِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} (26) وَقَال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِرٍ} (27) . وَمِنْ تَيْسِيرِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مُرَاعَاةً لِحَال النَّاسِ مِنْ حَيْثُ الْقُدْرَةُ عَلَى النُّطْقِ. وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ قَال: لَقِيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ جِبْرِيل، فَقَال: يَا جِبْرِيل إِنِّي أُرْسِلْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، إِلَى الشَّيْخِ وَالْعَجُوزِ، وَالْغُلاَمِ وَالْجَارِيَةِ، وَالشَّيْخِ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ. فَقَال: إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِل عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ (28) .
وَيَرْجِعُ تَيْسِيرُ الْقُرْآنِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ مُيَسَّرٌ لِلتِّلاَوَةِ لِسَلاَسَتِهِ وَخُلُوِّهِ مِنَ التَّعْقِيدِ اللَّفْظِيِّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مُيَسَّرٌ لِلْحِفْظِ، فَيُمْكِنُ حِفْظُهُ وَيَسْهُل. قَال الرَّازِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى يُحْفَظُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَيْرَ الْقُرْآنِ.
الثَّالِثِ: سُهُولَةُ الاِتِّعَاظِ بِهِ لِشِدَّةِ تَأْثِيرِهِ فِي الْقُلُوبِ؛ وَلاِشْتِمَالِهِ عَلَى الْقَصَصِ وَالْحِكَمِ وَالأَْمْثَال، وَتَصْرِيفُ آيَاتِهِ عَلَى أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثَ لَهُمْ ذِكْرًا} (29) .
الرَّابِعِ: أَنَّهُ جَعَلَهُ بِحَيْثُ يَعْلَقُ بِالْقُلُوبِ، وَيُسْتَلَذُّ سَمَاعُهُ، وَلاَ يُسْأَمُ مِنْ سَمَاعِهِ وَفَهْمِهِ، وَلاَ يَقُول سَامِعُهُ: قَدْ عَلِمْتُ وَفَهِمْتُ فَلاَ أَسْمَعُهُ، بَل كُل سَاعَةٍ يَجِدُ مِنْهُ لَذَّةً وَعِلْمًا. (30) وَهَذَا التَّيْسِيرُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِبِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى جُمْهُورِ النَّاسِ. وَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الأَْسْرَارِ، وَالْمَوَاعِظِ، وَالْعِبَرِ، مَا يَدُقُّ عَنْ فَهْمِ الْجُمْهُورِ، وَيَتَنَاوَل بَعْضَ الْخَوَاصِّ مِنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا بِحَسَبِ مَا يُيَسِّرُهُ اللَّهُ لَهُمْ وَيُلْهِمُهُمْ إِيَّاهُ، يَفْتَحُ عَلَى هَذَا بِشَيْءٍ لَمْ يَفْتَحْ بِهِ عَلَى الآْخَرِ، وَإِذَا عُرِضَ عَلَى الآْخَرِ أَقَرَّهُ. (31)

ب - التَّيْسِيرُ فِي عِلْمِ الأَْحْكَامِ الاِعْتِقَادِيَّةِ:
12 - التَّكَالِيفُ الاِعْتِقَادِيَّةُ فِي الإِْسْلاَمِ مُيَسَّرٌ تَعَقُّلُهَا وَفَهْمُهَا، يَشْتَرِكُ فِي فَهْمِهَا الْجُمْهُورُ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثَاقِبَ الْفَهْمِ وَمَنْ كَانَ بَلِيدًا، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يُدْرِكُهُ إِلاَّ الْخَوَاصُّ لَمَا كَانَتِ الشَّرِيعَةُ عَامَّةً؛ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبُ عِلْمُهَا وَاعْتِقَادُهَا سَهْلَةَ الْمَأْخَذِ. فَعَرَّفَتِ الشَّرِيعَةُ الأُْمُورَ الإِْلَهِيَّةَ بِمَا يَسَعُ الْجُمْهُورَ فَهْمُهُ، وَحَضَّتْ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، وَالسَّيْرِ فِي الأَْرْضِ، وَالاِعْتِبَارِ بِآثَارِ الأُْمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَحَالَتْ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الاِشْتِبَاهُ مِنَ الأُْمُورِ الإِْلَهِيَّةِ إِلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (32) ، وَسَكَتَتْ عَنْ أَشْيَاءَ لاَ تَهْتَدِي الْعُقُول إِلَيْهَا.
وَمِمَّا يَدُل عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْخَوْضِ فِي هَذِهِ الأُْمُورِ مَا يَكُونُ أَصْلاً لِلْبَاحِثِينَ، وَالْمُتَكَلَّفِينَ، كَمَا لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ لَمْ يَكُونُوا إِلاَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ. وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَال، وَعَنْ تَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِي، عَامًّا فِي الاِعْتِقَادِيَّات وَالْعَمَلِيَّاتِ. (33)

ج - التَّيْسِيرُ فِي عِلْمِ الأَْحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ:
13 - رَاعَى الشَّارِعُ الْحَكِيمُ أُمَيَّةَ الْمَدْعُوِّينَ وَتَنَوُّعَ أَحْوَالِهِمْ فِي الْفَهْمِ، فَجَعَل الأَْحْكَامَ الْعَمَلِيَّةَ مِمَّا يَسْهُل تَعَقُّلُهَا وَتَعَلُّمُهَا وَفَهْمُهَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَلَّفَهُمْ بِجَلاَئِل الأَْعْمَال الْعِبَادِيَّةِ، وَقَرَّبَ الْمَنَاطَ فِيهَا بِحَيْثُ يُدْرِكُهَا الْجُمْهُورُ، وَجَعَلَهُ ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا، كَتَعْرِيفِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ بِالظِّلاَل وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَزَوَال الشَّمْسِ، وَغُرُوبِهَا، وَغُرُوبِ الشَّفَقِ، وَكَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} (34) . وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسِبُ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا (35) وَقَال: لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَل وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ (36) وَلَمْ يُطَالِبْنَا بِجَعْل ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِحِسَابِ مَسِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فِي الْمَنَازِل؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الدِّقَّةِ وَالْخَفَاءِ. (37)
وَلاَ يَعْنِي ذَلِكَ خُلُوُّ الشَّرِيعَةِ مِمَّا يَسْتَقِل الْخَاصَّةُ بِإِدْرَاكِهِ، وَهِيَ الأُْمُورُ الاِجْتِهَادِيَّةُ، الَّتِي تَخْفَى عَلَى الْجُمْهُورِ، غَيْرَ أَنَّ عَامَّةَ الأَْحْكَامِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْمُكَلَّفُ، وَتَقُومُ مَقَامَ الأُْسُسِ مِنَ الدِّينِ، ظَاهِرَةٌ لاَ تَخْفَى عَلَى الْجُمْهُورِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَحْتَاجُ فِي تَطَلُّبِهِ إِلَى بَذْل جَهْدٍ، إِلاَّ أَنَّهُ يَتَيَسَّرُ لأَِهْل الْعِلْمِ الْوُصُول إِلَيْهِ بِاتِّبَاعِ مَا بَيَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ طُرُقِ الاِجْتِهَادِ.

النَّوْعُ الثَّانِي: يُسْرُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ:
14 - يُسْرُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ يَتَشَعَّبُ فِيهِ النَّظَرُ شُعْبَتَيْنِ:
1 - الْيُسْرُ الأَْصْلِيُّ، وَهُوَ الْيُسْرُ فِي مَا شُرِعَ مِنَ الأَْحْكَامِ مِنْ أَصْلِهِ مُيَسَّرًا لاَ عَنَتَ فِيهِ.
2 - الْيُسْرُ التَّخْفِيفِيُّ، وَهُوَ مَا وُضِعَ فِي الأَْصْل مُيَسَّرًا، غَيْرَ أَنَّهُ طَرَأَ فِيهِ الثِّقَل بِسَبَبِ ظُرُوفٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ، وَأَحْوَالٍ تَخُصُّ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ، فَيُخَفِّفُ الشَّرْعُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ الأَْصْلِيِّ. الشُّعْبَةُ الأُْولَى: الْيُسْرُ الأَْصْلِيُّ:
15 - التَّيْسِيرُ الأَْصْلِيُّ صِفَةٌ عَامَّةٌ لِلشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ فِي أَحْكَامِهَا الأَْصْلِيَّةِ الَّتِي تَلْزَمُ الْمُكَلَّفِينَ. قَال الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى التَّكْلِيفِ بِالشَّاقِّ وَالإِْعْنَاتِ فِيهِ،
وَيُسْتَدَل لِذَلِكَ بِأُمُورٍ، مِنْهَا:
16 - أ - النُّصُوصُ الَّتِي تُبَيِّنُ ذَلِكَ صَرَاحَةً، مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (38) وَمِنْهَا مَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي سِيَاقِ بَيَانِ بَعْضِ الأَْحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (39) وَقَوْلُهُ جَل وَعَلاَ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} (40) وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْل وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (41) . وَمِنَ الْيُسْرِ الأَْصْلِيِّ إِعْفَاءُ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، مِنْ سَرَيَانِ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ عَلَيْهِمَا، وَإِعْفَاءِ النِّسَاءِ مِنْ وُجُوبِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ تَأَكُّدِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ وُجُوبِهَا عَلَى الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى كَثِيرٍ مِنَ الاِشْتِرَاطَاتِ الَّتِي تُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَالْحُدُودِ، وَبَعْضِ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَحَقِّ الْقِصَاصِ، وَحَقِّ حَدِّ الْقَذْفِ، فَقَدِ اشْتُرِطَ فِيهَا جَمِيعًا الْبُلُوغُ وَالْعَقْل، وَاشْتُرِطَ فِي حَدِّ الزِّنَى أَرْبَعَةُ شُهُودٍ تَقْلِيلاً لِحَالاَتِ وُجُوبِ الْحَدِّ، تَخْفِيفًا وَتَيْسِيرًا، وَاشْتُرِطَ لِلرَّجْمِ لِشِدَّتِهِ الإِْحْصَانُ تَخْفِيفًا عَنْ غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَاسْتُثْنِيَ الْوَلِيُّ الْفَقِيرُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الأَْكْل مِنْ مَال الْيَتِيمِ؛ تَخْفِيفًا عَنْهُ، فَقَدْ أُذِنَ لَهُ أَنْ يَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ.
17 - ب - وَمِنْهَا مَا عُهِدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَثْنِي مِنْ نُصُوصِ التَّكْلِيفِ الصُّوَرَ الَّتِي فِيهَا عُسْرٌ فَيُيَسِّرُهَا، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لِلْوَلِيِّ فِي مُخَالَطَةِ الْيَتِيمِ فِي النَّفَقَةِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنْ أَكْل أَمْوَالِهِمْ وَأَمَرَ بِإِصْلاَحِهَا فَقَال: {وَيَسْأَلُونَك عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} (42) ثُمَّ قَال تَعَالَى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} (43) فَأَذِنَ فِي الْمُخَالَطَةِ، لأَِنَّ فِي عَزْل نَفَقَةِ الْيَتِيمِ وَحْدَهُ عُسْرًا عَلَى الْوَلِيِّ. وَالْمُخَالَطَةُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَال الْيَتِيمِ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ كَافِيهِ، بِالتَّحَرِّي، فَيَجْعَلُهَا مَعَ نَفَقَةِ أَهْلِهِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يَأْكُل أَكْثَر مِنْ بَعْضٍ فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِصْلاَحًا. ثُمَّ قَال تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأََعْنَتَكُمْ} (44) أَيْ بِإِيجَابِ عَزْل نَفَقَةِ الْيَتِيمِ وَحْدَهَا لِيَأْمَنَ الْوَلِيُّ مِنْ أَكْلِهِ أَوْ أَهْلِهِ شَيْئًا مِنْهَا (45) .
وَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّ الْمَشَقَّةَ عَلَى هَذِهِ الأُْمَّةِ لَيْسَتْ مُرَادَةً لِلَّهِ تَعَالَى.
18 - ج - وَمِنْهَا مَا عُلِمَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَفَادَى مَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَكَالِيفَ قَدْ تَشُقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَتَجَنَّبُ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا يَكُونُ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى أَصْحَابِهِ إِذَا اقْتَدَوْا بِهِ فِيهِ، كَمَا قَال تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (46)
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَحُثُّ أَصْحَابَهُ عَلَى تَرْكِ السُّؤَال لِئَلاَّ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَرَائِضُ بِسَبَبِ سُؤَالِهِمْ. فَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْحَجِّ. أَفِي كُل عَامٍ هُوَ؟ فَقَال: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ (47) وَقَال: لَوْلاَ أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي لأََمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ (48) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْيُسْرَ عَلَى النَّاسِ (49) .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ مَسْرُورٌ طَيِّبُ النَّفْسِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ وَهُوَ كَئِيبٌ، فَقَال: إِنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ دَخَلْتُهَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ أَتْعَبْتُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي (50) وَقَال: لَوْلاَ أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ قَطُّ (51) .
19 - د - وَمِنْهَا الإِْجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَتِ فِي التَّكْلِيفِ، وَأَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى قَصْدِ الرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ، وَعَلَى هَذَا لَمْ يَزَل أَهْل الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا فِي الأُْمَّةِ عَلَى طَلَبِ الْيُسْرِ عَلَى النَّاسِ. دَرَجَاتُ الْمَشَاقِّ، وَالتَّكْلِيفُ بِهَا:
20 - لَيْسَ مَعْنَى يُسْرِ الشَّرِيعَةِ خُلُوُّ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ مِنْ جِنْسِ الْمَشَقَّةِ أَصْلاً، بَل إِنَّ التَّكْلِيفَ، مَا سُمِّيَ بِهَذَا إِلاَّ لأَِنَّهُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، فَلاَ يَخْلُو شَيْءٌ مِنَ التَّكَالِيفِ عَنِ الْمَشَقَّةِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَشَقَّةَ عَلَى دَرَجَاتٍ:

الدَّرَجَةِ الأُْولَى:
21 - الْمَشَقَّةُ الَّتِي لاَ يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَى حَمْلِهَا أَصْلاً، فَهَذَا النَّوْعُ لَمْ يَرِدْ التَّكْلِيفُ بِهِ فِي الشَّرْعِ أَصْلاً؛ إِذْ لاَ قُدْرَةَ لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ، فَلاَ يَقَعُ التَّكْلِيفُ بِهِ شَرْعًا، وَإِنْ جَازَ عَقْلاً، وَقِيل يَمْتَنِعُ التَّكْلِيفُ بِهِ شَرْعًا وَعَقْلاً. فَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مِثْل تَكْلِيفِ الإِْنْسَانِ بِحَمْل جَبَلٍ، وَلاَ كَتَكْلِيفِ مَقْطُوعِ الرِّجْلَيْنِ الْقِيَامَ أَوِ الْمَشْيَ (52) .
وَهَذَا التَّكْلِيفُ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ السَّابِقَةِ أَيْضًا، بِخِلاَفِ الأَْنْوَاعِ الآْتِيَةِ. وَيُعَبِّرُ الأُْصُولِيُّونَ عَنْ هَذَا بِمَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لاَ يُطَاقُ (53) . الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ:
22 - أَنْ يَكُونَ الْفِعْل مَقْدُورًا عَلَيْهِ، لَكِنْ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، كَمَشَقَّةِ الْخَوْفِ عَلَى النُّفُوسِ وَالأَْعْضَاءِ وَمَنَافِعِ الأَْطْرَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (54) .
فَالتَّكْلِيفُ بِهَذَا النَّوْعِ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا فِيمَا قَبْلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ. وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي بَيَانِ الْمِنَّةِ عَلَى أَهْل الْكِتَابِ بِإِرْسَال مُحَمَّدٍ ﷺ {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول النَّبِيَّ الأُْمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِل لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمِ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَْغْلاَل الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (55) وَالإِْصْرُ الْعَهْدُ الثَّقِيل، وَالتَّكَالِيفُ الثَّقِيلَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مَشَقَّتُهَا عَنِ الْمُعْتَادِ. أَيْ مَا عُهِدَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَهْدٍ ثَقِيلٍ.
وَفِي خَاتِمَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (56) فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: قَال اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ فَعَلْتُ (57) أَيْ: أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ دُعَاءَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمَوْضِعُ الدَّلاَلَةِ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِل عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} وَمِنْ تِلْكَ التَّكَالِيفِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي شَدَّدَ بِهَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَتَوْا بِخَطِيئَةٍ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّعَامِ بَعْضُ مَا كَانَ حَلاَلاً لَهُمْ قَال تَعَالَى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} (58) .

الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ:
23 - الْمَشَقَّةُ الَّتِي تُطَاقُ وَيُمْكِنُ احْتِمَالُهَا لَكِنْ فِيهَا شِدَّةٌ بِحَيْثُ تُشَوِّشُ عَلَى النُّفُوسِ فِي تَصَرُّفِهَا، وَتُقْلِقُهَا فِي الْقِيَامِ بِمَا فِيهِ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ.
وَيَكُونُ الإِْنْسَانُ مَعَهَا فِي ضِيقٍ وَحَرَجٍ، فَلاَ يَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ لِخُرُوجِ الْمَشَقَّةِ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الأَْعْمَال الْعَادِيَّةِ.
وَهَذَا النَّوْعُ قَدْ يَكُونُ فِي الأَْصْل مِنَ الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا فُعِل مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحْصُل مِنْهُ لِلإِْنْسَانِ الضِّيقُ وَالْحَرَجُ، وَلَكِنْ إِذَا تَكَرَّرَ وَدَامَ جَاءَ الْحَرَجُ بِسَبَبِ الدَّوَامِ عَلَيْهِ. قَال الشَّاطِبِيُّ: وَيُوجَدُ هَذَا فِي النَّوَافِل وَحْدَهَا إِذَا تَحَمَّل الإِْنْسَانُ مِنْهَا فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُهُ عَلَى وَجْهٍ مَا، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الدَّوَامِ يُتْعِبُهُ حَتَّى يَحْصُل لِلنَّفْسِ بِسَبَبِهِ مَا يَحْصُل لَهَا بِالْعَمَل مَرَّةً وَاحِدَةً فِي غَيْرِهِ قَال: وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ الرِّفْقُ وَالأَْخْذُ مِنَ الْعَمَل بِمَا لاَ يُحَصِّل مَلَلاً، حَسْبَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي نَهْيِهِ عَنِ الْوِصَال، وَعَنِ التَّنَطُّعِ وَالتَّكَلُّفِ (59) .
وَقَال: خُذُوا مِنَ الأَْعْمَال مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَل حَتَّى تَمَلُّوا (60) وَقَال: الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا (61) وَقَال: إِنَّ الْمَنْبَتَ لاَ أَرْضًا قَطَعَ وَلاَ ظَهْرًا أَبْقَى. (62)

الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ:
24 - الْمَشَقَّةُ الَّتِي فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ التَّأْثِيرِ فِي تَعَبِ النَّفْسِ خُرُوجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الأَْعْمَال الْعَادِيَّةِ، وَلَكِنْ نَفْسُ التَّكْلِيفِ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَاتُ قَبْل التَّكْلِيفِ. فَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ " التَّكْلِيفِ " وَهُوَ فِي اللُّغَةِ يَقْتَضِي مَعْنَى الْمَشَقَّةِ؛ لأَِنَّ الْعَرَبَ تَقُول " كَلَّفْتُهُ تَكْلِيفًا " إِذَا حَمَّلْتُهُ أَمْرًا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَأَمَرْتُهُ بِهِ، وَتَقُول: " تَكَلَّفْتُ الشَّيْءَ " إِذَا تَحَمَّلْتُهُ عَلَى مَشَقَّةٍ. فَمِثْل هَذَا يُسَمَّى مَشَقَّةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لأَِنَّهُ دُخُولٌ فِي أَعْمَالٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا. وَأَقَل مَا فِيهِ فِي الأَْعْمَال الدِّينِيَّةِ إِخْرَاجُ الْمُكَلَّفِ عَمَّا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ، وَمُخَالَفَةُ الْهَوَى فِيهِ مَشَقَّةٌ مَا.
وَلَكِنِ الشَّرِيعَةُ جَاءَتْ لإِِخْرَاجِ الْمُكَلَّفِ مِنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ اخْتِيَارًا كَمَا هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ اضْطِرَارًا (63) .
وَهَذَا النَّوْعُ لاَزِمٌ لِكُل تَكْلِيفٍ؛ إِذْ لاَ تَخْلُو مِنْهُ التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ. وَالْمَشَقَّةُ الَّتِي فِيهِ - وَإِنْ سُمِّيَتْ مَشَقَّةً مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ - إِلاَّ أَنَّهَا لاَ تُسَمَّى فِي الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ مَشَقَّةً، كَمَا لاَ يُسَمَّى فِي الْعَادَةِ مَشَقَّةً طَلَبُ الْمَعَاشِ بِالْحِرَفِ وَسَائِرِ الصَّنَائِعِ، بَل أَهْل الْعُقُول، وَأَصْحَابُ الْعَادَاتِ يَعُدُّونَ الْمُنْقَطِعَ عَنْهُ كَسْلاَنَ، وَيَذُمُّونَهُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُعْتَادُ فِي التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ (64) .
فَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الدَّرَجَةَ الأُْولَى لاَ تَكْلِيفَ بِهَا أَصْلاً، فَالشَّرِيعَةُ لاَ تُكَلِّفُ الْعِبَادَ بِمَا لَيْسَ مَقْدُورًا لَهُمْ أَصْلاً، وَكَذَلِكَ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ، فَالْمَشَقَّاتُ الْفَادِحَةُ كَقَتْل الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لاَ تَكْلِيفَ بِهَا فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ حَصَل التَّكْلِيفُ بِهَا فِيمَا قَبْلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ.
وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ مَوْضِعُ النَّظَرِ، وَتَفْصِيل ابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِأَدْنَاهَا، أَوْ أَوْسَطِهَا دُونَ أَعْلاَهَا، وَإِنَّهُ إِنْ حَصَل التَّكْلِيفُ بِمَا مَشَقَّتُهُ مُعْتَادَةٌ، فَحَصَل فِيهِ خُرُوجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ، جَاءَ فِيهِ التَّخْفِيفُ، كَمَا يَأْتِي.
وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الرَّابِعَةُ، مِنَ الْمَشَقَّاتِ الْمُعْتَادَةِ فِي الأَْعْمَال فَلاَ تَمْنَعُ التَّكْلِيفَ،
غَيْرَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي بَيَانِ مَعْنَى الاِعْتِيَادِ فِيهِ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ فِي التَّكْلِيفِ شِدَّةٌ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ وَاقِعٌ فِي حَيِّزِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَأْتِي فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

مَوَاضِعُ الْمَشَقَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الشَّرِيعَةِ:
الْيُسْرُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الصِّبْغَةُ الْعَامَّةُ لِلشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصْل فِي أَحْكَامِهَا، إِلاَّ أَنَّ فِيهَا أَحْكَامًا فِيهَا نَوْعٌ مِنَ الْمَشَقَّةِ لِدَوَاعٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ، مِنْهَا:
25 - أَوَّلاً: أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي تُرْجَى مِنْ ذَلِكَ الْفِعْل الْمَحْكُومِ فِيهِ مَصْلَحَةً عَظِيمَةً لاَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا إِلاَّ بِتَعَرُّضِ الْبَعْضِ لِلْمَشَاقِّ، كَإِنْقَاذِ الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى وَالْهَدْمَى، فَإِنَّ الَّذِي يَتَصَدَّى لِذَلِكَ قَدْ يَتَعَرَّضُ لأَِخْطَارٍ جَسِيمَةٍ، وَكَذَلِكَ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ الَّتِيلاَ يُمْكِنُ دَرْؤُهَا إِلاَّ بِتَعَرُّضِ الْبَعْضِ لِلْمَشَاقِّ، كَالْجِهَادِ لِدَفْعِ الْمُعْتَدِينَ عَلَى الدِّيَارِ، وَالأَْعْرَاضِ، وَالْحُقُوقِ، فَكُل ذَلِكَ يُعَرِّضُ حَيَاةَ الْقَائِمِ بِهِ لِلأَْخْطَارِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ} (65) وَقَوْلُهُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (66) وَمَا وَرَدَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَال: بَايَعْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا (67) .
26 - ثَانِيًا: حَالاَتٌ مِنَ الاِحْتِيَاطِ فِيهَا نَوْعٌ مِنَ الْعُسْرِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ غَالِبًا اطْمِئْنَانُ الْمُكَلَّفِ إِلَى خُرُوجِهِ مِنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ نَسِيَ صَلاَةً مِنْ يَوْمٍ لاَ يَدْرِي، أَيِّ الْخَمْسِ هِيَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْخَمْسَ، أَوْ فَاتَتْهُ صَلاَةٌ لاَ يَدْرِي أَهِيَ الظُّهْرُ أَمِ الْعَصْرُ، فَيَقْضِيهِمَا، وَإِذَا تَعَارَضَ دَلِيلاَنِ أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَالآْخَرُ يَقْتَضِي الإِْبَاحَةَ، يَغْلِبُ التَّحْرِيمُ مَعَ أَنَّ الإِْبَاحَةَ أَيْسَرُ، وَلَوْ اشْتَبَهَتْ مَحْرَمٌ بِأَجْنَبِيَّاتٍ مَحْصُورَاتٍ لَمْ تَحِل أَيُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، أَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ لَمْ يَجُزْ تَنَاوُل شَيْءٍ مِنْهُمَا.
لَكِنْ إِنْ وَصَل الأَْمْرُ بِالاِحْتِيَاطِ إِلَى الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ، فَالأَْكْثَرُونَ عَلَى تَغْلِيبِ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ، فَلَوْ كَانَ النِّسْوَةُ اللاَّتِي اخْتَلَطَتْ بِهِنَّ مَحْرَمُهُ غَيْرَ مَحْصُورَاتٍ بِأَنِ اخْتَلَطَتْ بِنِسَاءِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ، فَلَهُ النِّكَاحُ مِنْهُنَّ، وَلَوِ اخْتَلَطَ حَمَامٌ مَمْلُوكٌ بِحَمَامٍ مُبَاحٍ لاَ يَنْحَصِرُ جَازَ لَهُ الصَّيْدُ. وَلَوِ اخْتَلَطَ فِي الْبَلَدِ حَرَامٌ لاَ يَنْحَصِرُ لَمْ يَحْرُمِ الشِّرَاءُ مِنْهُ، بَل يَجُوزُ الأَْخْذُ مِنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ عَلاَمَةٌ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْحَرَامِ (68) .
وَرُبَّمَا غَلَّبَ الْبَعْضُ قَاعِدَةَ الاِحْتِيَاطِ عَلَى قَاعِدَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ.

مَنْ شُرِعَ لَهُ التَّيْسِيرُ:
27 - التَّيْسِيرُ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ.
أَمَّا الْكَافِرُ فَلَهُ التَّشْدِيدُ وَالتَّضْيِيقُ وَالتَّغْلِيظُ بِسَبَبِ كُفْرِهِ بِاَللَّهِ وَجَحْدِهِ لِنِعْمَتِهِ وَحَقِّهِ؛ وَلِرَفْضِهِ الدُّخُول تَحْتَ أَحْكَامِ اللَّهِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى {مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (69) وَقَال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (70) .
وَلِذَلِكَ شُرِعَ قِتَال الْكُفَّارِ وَإِدْخَالُهُمْ تَحْتَ الْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ. فَإِنْ دَخَل الْكَافِرُ فِي الذِّمَّةِ وَتَرَكَ الْمُحَارَبَةَ، أَوْ دَخَل مُسْتَأْمَنًا، حَصَل لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَنْوَاعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ، كَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ، وَمَنْعِ ظُلْمِهِ فِي النَّفْسِ أَوِ الْمَال، وَإِقْرَارِهِ عَلَى مَا يَجُوزُ فِي دِينِهِ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَهْل الذِّمَّةِ) (وَجِهَادٌ) . وَأَمَّا الْفَاسِقُ وَالْمُعْتَدِي وَالظَّالِمُ مِنَ أَهْل الإِْسْلاَمِ فَلَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ بِحَسَبِ فِسْقِهِ وَعُدْوَانِهِ وَظُلْمِهِ بِقَدْرِ الذَّنْبِ الَّذِي جَنَاهُ، وَلَهُ مِنَ التَّيْسِيرِ بِحَسَبِ إِسْلاَمِهِ وَإِيمَانِهِ. فَمِنَ التَّشْدِيدِ عَلَى الْفَاسِقِ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِي بِرَجْمِهِ حَتَّى الْمَوْتِ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، وَهِيَ مِنْ أَعْسَرِ أَنْوَاعِ الْقَتْل وَأَشَدِّهَا، وَبِجِلْدِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا. وَمِنْهَا قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ، وَقَتْل قَاطِعِ الطَّرِيقِ، أَوْ صَلْبُهُ، أَوْ تَقْطِيعُ يَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ خِلاَفٍ، أَوْ نَفْيُهُ مِنَ الأَْرْضِ. وَالتَّفْصِيل فِي الْحُدُودِ (71) .

مَوَاضِعُ الْيُسْرِ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ:
28 - الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ خَمْسَةٌ: الإِْبَاحَةُ، وَالنَّدْبُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالإِْيجَابُ، وَالتَّحْرِيمُ. فَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَلاَ مَشَقَّةَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؛ لأَِنَّ الْخِيَارَ فِي فِعْلِهَا أَوْ تَرْكِهَا إِلَى الْمُكَلَّفِ، وَالشَّارِعُ لَمْ يَدْعُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إِلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ.
وَأَمَّا الْمَنْدُوبَاتُ وَالْمَكْرُوهَاتُ فَنَظَرًا إِلَى عَدَمِ اسْتِلْزَامِ فِعْلِهَا أَوْ تَرْكِهَا لِعُقُوبَةٍ يُعْلَمُ أَنَّ لِلْمُكَلَّفِ فِيهَا خِيَارًا كَذَلِكَ، وَإِنْ حَثَّ الشَّارِعُ عَلَى فِعْل الْمَنْدُوبِ وَتَرْكِ الْمَكْرُوهِ لِتَحْصِيل الأَْجْرِ، إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ إِذَا شَقَّ عَلَى الْمُكَلَّفِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْمَنْدُوبَ أَوْ يَفْعَل الْمَكْرُوهَ رِفْقًا بِنَفْسِهِ كَمَا يَأْتِي فِي النَّوْعِ الثَّالِثِ.
هَذَا بِالإِْضَافَةِ إِلَى أَنَّ الْفِعْل الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ لَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ لِذَاتِهِ، بَل الَّذِي نَدَبَ الشَّارِعُ إِلَى فِعْلِهِ مِنْ صَلاَةٍ، أَوْ صَوْمٍ، أَوِ اعْتِكَافٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَخْرُجُ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الْمَشَقَّاتِ، وَكَذَا مَا كَرِهَ لَنَا فِعْلَهُ لَيْسَ فِي تَرْكِهِ مَشَقَّةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْعَادَةِ.
وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ الْمَشَقَّةُ فِيمَا أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِفِعْلِهِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، أَوْ أَلْزَمَ بِتَرْكِهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنَّهَا بِالإِْلْزَامِ وَفَرْضِ الْعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أَوِ الأُْخْرَوِيَّةِ، أَوْ كِلَيْهِمَا عَلَى الْمُخَالِفِ لاَ يَكُونُ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِمَا خِيَارٌ.
فَأَمَّا بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنَّ التَّيْسِيرَ فِيهِ وَاضِحٌ، فَإِنَّ الشَّارِعَ الْحَكِيمَ بِرَحْمَتِهِ ضَيَّقَ بَابَ التَّحْرِيمِ جِدًّا، حَتَّى إِنَّ مُحَرَّمَاتِ الأَْطْعِمَةِ يُورِدُهَا الْقُرْآنُ غَالِبًا عَلَى سَبِيل الْحَصْرِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَاأُهِّل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (72) فَالأَْصْل فِي الْمَطْعُومَاتِ وَنَحْوِهَا الإِْبَاحَةُ، وَالتَّحْرِيمُ اسْتِثْنَاءٌ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ مَا يَشُقُّ الاِمْتِنَاعُ عَنْهُ كَالْمَاءِ أَوِ الْهَوَاءِ أَوِ اللِّبَاسِ أَوِ الْمَسْكَنِ. وَإِنَّمَا انْصَبَّ التَّحْرِيمُ عَلَى أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ مِمَّا لاَ يَشُقُّ تَرْكُهُ. وَتِلْكَ الْمُحَرَّمَاتُ إِنَّمَا حَرَّمَهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الأَْضْرَارِ عَلَى صِحَّةِ الإِْنْسَانِ، أَوْ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ كَمَا فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَلَمْ يُحَرِّمْ إِلاَّ شَيْئًا مُتَمَحِّضًا لِلضَّرَرِ، أَوْ ضَرَرُهُ أَغْلَبُ مِنْ نَفْعِهِ. وَهَذَا الَّذِي قَدْ يَكُونُ فِيهِ نَفْعٌ يَكُونُ فِي الْحَلاَل عِوَضٌ عَنْهُ. ثُمَّ إِن اُضْطُرَّ الإِْنْسَانُ إِلَى الْمُحَرَّمِ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الشُّعْبَةِ الثَّانِيَةِ.
وَأَمَّا الْفَرَائِضُ وَالْوَاجِبَاتُ فَلَمْ يُكَلِّفْنَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعْتَادِ، وَلاَ تَرَكَ الْعِبَادَ مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفٍ، بَل كَانَتِ الشَّرِيعَةُ فِي هَذَا الأَْمْرِ جَارِيَةً عَلَى الطَّرِيقِ الْوَسَطِ الأَْعْدَل: لاَ تَمِيل إِلَى فَرْضِ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ تَبْهَظُ الْمُكَلَّفَ أَوْ تُقْعِدُهُ عَنِ الْعَمَل فِي الْحَال أَوِ الْمَآل، أَوْ تُدْخِل عَلَيْهِ الْخَلَل فِي نَفْسِهِ أَوْ عَقْلِهِ أَوْ مَالِهِ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: مَا تَرَكَتِ الشَّرِيعَةُ الإِْنْسَانَ دُونَ تَكْلِيفٍ يَحْصُل بِهِ الاِبْتِلاَءُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا وَلَمْ يُتْرَكْ سُدًى، بَل كَلَّفَتْهُ بِتَكَالِيفَ تَقْتَضِي فِيهِ غَايَةَ التَّوَسُّطِ وَالاِعْتِدَال، كَتَكَالِيفِ الصَّلاَةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ (73) . وَهَذَا لاَ يُنَاقِضُ الْيُسْرَ، فَإِنَّ الْيُسْرَ يُنَاقِضُهُ الْعُسْرُ، أَمَّا الْوَسَطُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْيُسْرِ؛ إِذْ لاَ عُسْرَ فِيهِ.
وَالْوَسَطُ - كَمَا قَال الشَّاطِبِيُّ - هُوَ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ، فَهِيَ وَسَطٌ بَيْنَ التَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ.
فَمُعْظَمُهَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّوَسُّطِ، لاَ عَلَى مُطْلَقِ التَّخْفِيفِ وَلاَ عَلَى مُطْلَقِ التَّشْدِيدِ (74) .
فَالصَّلاَةُ مَثَلاً: خَمْسُ مَرَّاتٍ كُل يَوْمٍ، كُل صَلاَةٍ مِنْهَا رَكَعَاتٌ مَعْدُودَةٌ، لاَ تَتَضَمَّنُ فِعْلاً شَاقًّا، بَل مَا فِيهَا مِنَ الْقِيَامِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالأَْذْكَارِ كُلُّهَا أُمُورٌ مُيَسَّرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَفْتَرِضْ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِيهَا إِلاَّ الْقَلِيل، وَلاَ مِنَ الأَْذْكَارِ إِلاَّ الْقَلِيل، وَتَعَلُّمُهَا وَحِفْظُهَا أَمْرٌ مَيْسُورٌ. وَلَكِنْ قَدْ تَأْتِي الْمَشَقَّةُ فِي الصَّلاَةِ مِنْ جِهَةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى إِقَامَتِهَا عَلَى الْوَجْهِ الأَْمْثَل وَمِنْ جِهَةِ الاِسْتِمْرَارِ وَالدَّوَامِ عَلَيْهَا، مَعَ مُخَالَفَتِهَا فِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ لِرَاحَةِ الْبَدَنِ؛ وَلِلاِنْطِلاَقِ مَعَ الأَْعْمَال وَهَوَى النُّفُوسِ، لَكِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشَقَّةٍ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَ أَهْل التَّقْوَى. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (75) .
وَالزَّكَاةُ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ تُفْرَضُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي مَالِهِ مَرَّةً كُل عَامٍ، وَذَلِكَ مَيْسُورٌ غَيْرُ مَعْسُورٍ، وَلَمْ تُفْرَضْ إِلاَّ فِي الأَْمْوَال النَّامِيَةِ أَوِ الْقَابِلَةِ لِلنَّمَاءِ دُونَ مَا لاَ يَقْبَل ذَلِكَ مِنَ الْمَسَاكِنِ وَالأَْثَاثِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ الَّتِي هِيَ لِلاِسْتِعْمَال الْخَاصِّ، كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ عَلَى الْمُؤْمِنِ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ صَدَقَةٌ (76) . وَفُرِضَتْ بِنِسَبٍ يَسِيرَةٍ تَتَفَاوَتُ غَالِبًا تَبَعًا لِلْجُهْدِ الْمَبْذُول.
فَالْخُمُسُ فِي الرِّكَازِ؛ لأَِنَّ الْجُهْدَ فِيهِ يَسِيرٌ جِدًّا مَعَ عِظَمِ مَا يَحْصُل بِهِ، وَالْعُشْرُ فِي الْخَارِجِ مِنِ الأَْرْضِ إِنْ كَانَتْ بَعْلاً، وَنِصْفُ الْعُشْرِ إِنْ سُقِيَتْ بِالنَّضْحِ، وَرُبُعُ الْعُشْرِ فِي الأَْمْوَال النَّاضَّةِ، وَمِثْل ذَلِكَ أَوْ أَقَل مِنْهُ فِي السَّائِمَةِ، حَتَّى إِنَّ الْغَنَمَ الَّتِي تَبْلُغُ (400) إِلَى (499) شَاةٌ، فِيهَا فِي كُل مِائَةٍ شَاةٌ وَاحِدَةٌ وَذَلِكَ وَاحِدٌ بِالْمِائَةِ أَوْ أَقَل، بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا فِي فَرِيضَةِ الزَّكَاةِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّيْسِيرِ الَّتِي تُعْلَمُ بِتَتَبُّعِ أَحْكَامِهَا فِي كُتُبِ الشَّرِيعَةِ.
وَهَكَذَا غَيْرُ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مِنْ فَرَائِضِ الإِْسْلاَمِ تُعْرَفُ أَوْجُهَ مَا فِيهَا مِنَ الْيُسْرِ، وَأَنَّهَا أَفْعَالٌ، وَأَقْوَالٌ، وَتَكَالِيفُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ الْبَشَرِ دُونَ مُبَالَغَةٍ وَلاَ تَشْدِيدٍ.
أَمَّا الأَْحْكَامُ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا الشَّرِيعَةُ لِتَسْهِيل هَذِهِ الأَْفْعَال الْمُكَلَّفِ بِهَا وَالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا فَهِيَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: التَّوْسِيعُ فِي الْوَاجِبَاتِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ، كَصَلَوَاتِ الْفَرَائِصِ، فَإِنَّ فِعْلَهَا لاَ يَسْتَغْرِقُ إِلاَّ جُزْءًا يَسِيرًا مِنْ وَقْتِهَا، فَيَكُونُ لَدَى الْمُكَلَّفِ الْفُرْصَةُ لأَِدَائِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لاَ يَشُقُّ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي.
وَمِنْهَا التَّخْيِيرُ فِي الأَْدَاءِ بَيْنَ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ أَدَاءِ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
وَمِنَ التَّيْسِيرِ أَيْضًا مَا يَقْبَل التَّدَاخُل مِنَ الْوَاجِبَاتِ، فَمِنْ ذَلِكَ الْعُمْرَةُ تَدْخُل فِي الْحَجِّ لِمَنْ قَرَنَ (77) .
وَمَوَاضِعُ الْيُسْرِ فِي الشَّرِيعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَمَا ذُكِرَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل لاَ الْحَصْرِ. وَيُنْظَرُ: (تَخْيِيرٌ، وَتَدَاخُلٌ، وَتَرَاخِي) .

الشُّعْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْيُسْرُ التَّخْفِيفِيُّ:
29 - وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَرِدَ التَّكْلِيفُ الْعَامُّ بِمَا مَشَقَّتُهُ فِي الأَْصْل مُعْتَادَةٌ، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّخْفِيفِ بَعْضُ الصُّوَرِ الَّتِي فِيهَا مَشَقَّةٌ فَوْقَ الْمُعْتَادِ.

حُكْمُ الأَْخْذِ بِالتَّخْفِيفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ:
30 - التَّثْقِيل الَّذِي يَعْتَرِي الْمُكَلَّفَ فِي عِبَادَاتِهِ أَوْ مُعَامَلاَتِهِ، يُقَابِلُهُ تَخْفِيفٌ مِنْ قِبَل الشَّرْعِ.
وَالتَّخْفِيفُ حُكْمٌ طَارِئٌ عَلَى الأَْصْل، رُوعِيَ فِي تَشْرِيعِهِ ضَرُورَاتُ الْعِبَادِ وَأَعْذَارُهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ فُسْحَةً لَهُمْ فِي مُقَابَلَةِ التَّضْيِيقِ، بِحُصُول الْجَوَازِ لِلْفِعْل أَوِ التَّرْكِ. وَالتَّخْفِيفُ قَدْ يُوجِبُ الشَّارِعُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الأَْخْذَ بِهِ، وَقَدْ يَجْعَلُهُ مَنْدُوبًا فِي حَقِّهِ، وَقَدْ يَجْعَل الأَْخْذَ بِهِ خِلاَفَ الأَْوْلَى كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ، وَقَدْ يُبِيحُهُ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ أَوْ يَتْرُكَهُ عَلَى السَّوَاءِ.
وَمِنَ التَّخْفِيفِ الَّذِي يُنْدَبُ الأَْخْذُ بِهِ، قَصْرُ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} (78) وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى الْمُسَافِرِ. وَيُنْدَبُ الإِْفْطَارُ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (79) .
وَمِنَ التَّخْفِيفِ الَّذِي هُوَ مَكْرُوهٌ، أَوْ خِلاَفُ الأَْوْلَى، الْفِطْرُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ إِذَا لَمْ يُجْهِدْهُ الصَّوْمُ، وَكَذَا الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ، وَمِنْهُ التَّيَمُّمُ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْل وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الثَّمَنِ. وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ خِلاَفٌ فِي حُكْمِهَا، فَيُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي أَبْوَابِهَا.
وَمِنَ التَّخْفِيفِ الْمُبَاحِ مَا رُخِّصَ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الْمُعَامَلاَتِ كَبَيْعِ السَّلَمِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ قَدْ رَخَّصَ فِيهِ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل؛ إِذِ الأَْصْل مَنْعُهُ، لَكِنْ رَخَّصَ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ، وَكَذَا الْمُسَاقَاةُ، وَالْقِرَاضُ، وَبَيْعُ الْعَرَايَا (80) .

أَسْبَابُ التَّخْفِيفِ:
31 - لِلتَّخْفِيفِ أَسْبَابٌ بُنِيَتْ عَلَى الأَْعْذَارِ. وَقَدْ رَخَّصَ الشَّارِعُ لأَِصْحَابِهَا بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ: فِي الْعِبَادَاتِ، وَالْمُعَامَلاَتِ، وَالْبُيُوعِ، وَالْحُدُودِ وَغَيْرِهَا.
فَكُل مَا تَعَسَّرَ أَمْرُهُ، وَشَقَّ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَضْعُهُ، يَسَّرَتْهُ الشَّرِيعَةُ بِالتَّخْفِيفِ، وَضَبَطَهُ الْفُقَهَاءُ بِالْقَوَاعِدِ الْمُحْكَمَةِ.
وَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الأَْعْذَارِ الَّتِي جُعِلَتْ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنِ الْعِبَادِ: الْمَرَضُ، وَالسَّفَرُ، وَالإِْكْرَاهُ، وَالنِّسْيَانُ، وَالْجَهْل، وَالْعُسْرُ، وَعُمُومُ الْبَلْوَى.

السَّبَبُ الأَْوَّل: الْمَرَضُ:
32 - الْمَرِيضُ هُوَ الَّذِي خَرَجَ بَدَنُهُ عَنْ حَدِّ الاِعْتِدَال وَالاِعْتِيَادِ (81) ، فَيَضْعُفُ عَنِ الْقِيَامِ بِالْمَطْلُوبِ مِنْهُ.
وَقَدْ خَصَّتِ الشَّرِيعَةُ الْمَرِيضَ بِحَظٍّ وَافِرٍ مِنَ التَّخْفِيفِ؛ لأَِنَّ الْمَرَضَ مَظِنَّةٌ لِلْعَجْزِ. فَخَفَّفَ عَنْهُ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ فِي حَالَةِ عَجْزِهِ عَنِ الْوُضُوءِ، أَوْ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ، أَوْ خَوْفِهِ زِيَادَةَ الْمَرَضِ، وَكُل مَا كَانَ الْمَاءُ سَبَبًا فِي الْهَلاَكِ أَوْ تَأَخُّرِ شِفَائِهِ، أَوْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ، رَخَّصَ لَهُ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ تَخْفِيفًا، وَالاِنْتِقَال إِلَى التَّيَمُّمِ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمِ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (82) .
كَمَا خَفَّفَ عَنْهُ غَسْل الْعُضْوِ الْمُجَبَّرِ، إِلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ، مَوْقُوتًا بِالْبُرْءِ. وَخَفَّفَ عَنْهُ فِي حَالَةِ عَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ لِلصَّلاَةِ، فِي أَدَائِهَا قَاعِدًا، أَوْ مُضْطَجِعًا، أَوْ مُومِئًا، أَوْ مَا يَتَنَاسَبُ مَعَ عَجْزِهِ الَّذِي سَبَّبَهُ الْمَرَضُ، يَقُول النَّبِيُّ ﷺ - لِمَنْ أَصَابَهُ الْمَرَضُ: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (83) . وَخَفَّفَ عَنِ الْمَرِيضِ بِالإِْذْنِ لَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَخَفَّفَ عَنْهُ بِإِجَازَةِ التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ، وَإِبَاحَةِ نَظَرِ الطَّبِيبِ لِلْعَوْرَةِ وَلَوْ لِلسَّوْأَتَيْنِ.
وَخَفَّفَ أَيْضًا عَنِ الْمَرِيضِ فِي حَالَةِ عَجْزِهِ عَنِ الصِّيَامِ، بِإِبَاحَةِ الْفِطْرِ، وَقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (84) . وَخَفَّفَ عَنِ الشَّيْخِ الْهَرِمِ، فَخَصَّهُ بِجَوَازِ إِخْرَاجِ الْفِدْيَةِ بَدَلاً عَنِ الصِّيَامِ الَّذِي عَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (85) .
وَأُجِيزَ لِلْمَرِيضِ الْخُرُوجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ.
وَخَفَّفَ الشَّرْعُ عَنِ الْمَرِيضِ أَيْضًا بَعْضَ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَأَجَازَ لَهُ التَّحَلُّل عِنْدَ الإِْحْصَارِ، مَعَ ذَبْحِ هَدْيٍ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ فَلاَ هَدْيَ عَلَيْهِ.
وَأَجَازَ لَهُ الاِسْتِنَابَةَ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ، وَأَبَاحَ لَهُ فِعْل مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، مِنْ لُبْسِ الْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ، كَمَا أَبَاحَ لَهُ حَلْقَ رَأْسِهِ إِنْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ أَوْ قَمْلٌ وَاحْتَاجَ إِلَى الْحَلْقِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (86) .
وَقَدْ جَعَل اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَرَضَ سَبَبًا فِي التَّخْفِيفِ عَنِ الْمَرِيضِ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ بِتَكْفِيرِ ذُنُوبِهِ، بِمَا يُصِيبُهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا يَلْحَقُهُ مِنْ أَلَمٍ، أَوْ هَمٍّ، أَوْ غَمٍّ.
يَقُول النَّبِيُّ ﷺ: مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ، وَلاَ حُزْنٍ، وَلاَ أَذًى، وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ (87) .
هَذَا بَعْضٌ مِنْ كُلٍّ، مِمَّا وَرَدَ فِي التَّخْفِيفِ عَنِ الْمَرِيضِ فِي الْعِبَادَاتِ.
وَهُنَاكَ تَخْفِيفَاتٌ أُخْرَى وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ، يَضِيقُ الْمَقَامُ عَنْ ذِكْرِهَا (88) .
وَالاِسْتِحَاضَةُ، وَالسَّلَسُ، مِنْ قَبِيل الْمَرَضِ، وَلَهُمَا تَخْفِيفَاتُهُمَا الْمَعْرُوفَةُ

. السَّبَبُ الثَّانِي: السَّفَرُ:
33 - السَّفَرُ سَبَبٌ لِلتَّخْفِيفِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَشَقَّةٍ؛ وَلِحَاجَةِ الْمُسَافِرِ إِلَى التَّقَلُّبِ فِي حَاجَاتِهِ، وَقَضَاءِ مَآرِبِهِ مِنْ سَفَرِهِ؛ وَلِذَا شُرِعَ التَّخْفِيفُ عَنِ الْمُسَافِرِ فِي الْعِبَادَاتِ.
قَال السُّيُوطِيّ نَقْلاً عَنِ النَّوَوِيِّ: وَرُخَصُ السَّفَرِ ثَمَانٍ: فَمِنْهَا الْقَصْرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} . (89)
وَمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ (90) .
وَمِنْهَا: رُخْصَةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (91) .
وَمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، قَال: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلاَ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ (92) .
وَمِنْهَا: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا.
وَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِلسَّفَرِ الْمُجَوِّزِ لِلتَّخْفِيفِ شُرُوطًا مِنْهَا - عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ (93) - أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مَشْرُوعًا - وَلَوْ مُبَاحًا - كَالسَّفَرِ لِلْحَجِّ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَالتِّجَارَةِ لِئَلاَّ يَكُونَ التَّخْفِيفُ إِعَانَةً لِلْعَاصِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ (94) .

السَّبَبُ الثَّالِثُ: الإِْكْرَاهُ:
34 - الإِْكْرَاهُ هُوَ حَمْل الْغَيْرِ عَلَى أَمْرٍ لاَ يَرْضَاهُ وَذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِ بِالْقَتْل، أَوْ بِقَطْعِ طَرَفٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا، إِنْ لَمْ يَفْعَل مَا يُطْلَبْ مِنْهُ (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ إِكْرَاهٌ) ، وَقَدْ عَدَّ الشَّارِعُ الإِْكْرَاهَ بِغَيْرِ حَقٍّ عُذْرًا مِنَ الأَْعْذَارِ الْمُخَفِّفَةِ، الَّتِي تَسْقُطُ بِهَا الْمُؤَاخَذَةُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، فَتُخُفِّفَ عَنِ الْمُكْرَهِ مَا يَنْتُجُ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مِنْ آثَارٍ دُنْيَوِيَّةٍ، أَوْ أُخْرَوِيَّةٍ، بِحُدُودِهِ (95) .
وَشَبِيه بِمَسْأَلَةِ الإِْكْرَاهِ مَسْأَلَةُ التَّقِيَّةِ فَإِنَّ التَّقِيَّةَ أَنْ يَرْتَكِبَ الْمُحَرَّمَ عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ مَكْرُوهٍ دُونَ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ إِكْرَاهٌ مُعَيَّنٌ، أَوْ يَتْرُكَ الْوَاجِبَ لأَِجْل ذَلِكَ (96) . وَلَهَا ضَوَابِطُ فِيمَا يَحِل بِهَا (ر: تَقِيَّةٌ) .

السَّبَبُ الرَّابِعُ: النِّسْيَانُ:
35 - النِّسْيَانُ هُوَ عَدَمُ اسْتِحْضَارِ الإِْنْسَانِ مَا كَانَ يَعْلَمُهُ، بِدُونِ نَظَرٍ وَتَفْكِيرٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ (97) . وَقَدْ جَعَلَتْهُ الشَّرِيعَةُ عُذْرًا وَسَبَبًا مُخَفِّفًا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (98) . فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ رَفَعَ عَنَّا إِثْمَ الْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ، وَالْخَطَأِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ. فَفِي أَحْكَامِ الآْخِرَةِ يُعْذَرُ النَّاسِي وَيُرْفَعُ عَنْهُ الإِْثْمُ مُطْلَقًا (99) .
فَالنِّسْيَانُ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ السُّيُوطِيّ -: مُسْقِطٌ لِلإِْثْمِ مُطْلَقًا. وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَيَقُول رَسُول اللَّهِ ﷺ: تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (100) .
أَمَّا النِّسْيَانُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَلاَ يُعَدُّ عُذْرًا مُخَفِّفًا؛ لأَِنَّ حَقَّ اللَّهِ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُشَاحَّةِ وَالْمُطَالَبَةِ، فَلاَ يَكُونُ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِيهَا (101) .

السَّبَبُ الْخَامِسُ: الْجَهْل:
36 - الْجَهْل عَدَمُ الْعِلْمِ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ بِأَسْبَابِهَا.
وَالْجَهْل عُذْرٌ مُخَفِّفٌ فِي أَحْكَامِ الآْخِرَةِ اتِّفَاقًا، فَلاَ إِثْمَ عَلَى مَنْ فَعَل الْمُحَرَّمَ أَوْ تَرَكَ الْوَاجِبَ جَاهِلاً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (102) .
أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّسْيَانِ، إِنْ وَقَعَ الْجَهْل فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ لَمْ يَسْقُطْ بَل يَجِبُ تَدَارُكُهُ، وَلاَ يَحْصُل الثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَدَارُكٍ، أَوْ وَقَعَ فِي فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الإِْتْلاَفِ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ إِتْلاَفٌ لَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ، كَمَا فِي قَتْل صَيْدِ الْحَرَمِ أَوْ قَطْعِ شَجَرِهِ. وَإِنْ كَانَ الْجَهْل فِي فِعْل مَا فِيهِ عُقُوبَةٌ كَانَ شُبْهَةً فِي إِسْقَاطِهَا، وَلاَ يُؤَثِّرُ الْجَهْل فِي إِسْقَاطِ حُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَلَيْسَ كُل أَحَدٍ يُقْبَل مِنْهُ دَعْوَى الْجَهْل بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَهِل تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِي الْعِلْمِ بِهِ غَالِبُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُقْبَل، مَا لَمْ يَكُنْ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالإِْسْلاَمِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى فِيهَا مِثْل ذَلِكَ، كَتَحْرِيمِ الزِّنَى، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْكَلاَمِ فِي الصَّلاَةِ، وَالأَْكْل فِي الصَّوْمِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْجَهْل فِيمَا يَخْفَى حُكْمُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْعَامِّيِّ دُونَ الْعَالِمِ، فَتُقْبَل فِيهِ دَعْوَى الْجَهْل مِنَ الأَْوَّل دُونَ الثَّانِي، كَكَوْنِ الْقَدْرِ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنَ الْكَلاَمِ مُفْسِدًا لِلصَّلاَةِ، أَوْ كَوْنِ النَّوْعِ الَّذِي دَخَل جَوْفَهُ مُفْسِدًا لِلصَّوْمِ، فَالأَْصَحُّ فِيمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ عَدَمُ الْبُطْلاَنِ.
وَلاَ تُقْبَل دَعْوَى الْجَهْل بِالأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ قَدِيمِ الإِْسْلاَمِ لاِشْتِهَارِهِ، وَتُقْبَل فِي نَفْيِ الْوَلَدِ لأَِنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ الْخَوَاصُّ (103) .
وَكُل مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ وَجَهِل مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لَمْ يُفِدْهُ ذَلِكَ، كَمَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الزِّنَى وَالْخَمْرِ وَجَهِل وُجُوبَ الْحَدِّ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ بِالاِتِّفَاقِ، وَكَمَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ فِي الإِْحْرَامِ وَجَهِل وُجُوبَ الْفِدْيَةِ فِيهِ، فَتَجِبُ الْفِدْيَةُ (104) .

السَّبَبُ السَّادِسُ: الْخَطَأُ:
37 - الْخَطَأُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْفِعْل أَوْ فِي الْقَصْدِ. فَكُل مَنْ أَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ: كَمَنْ يَرْمِي صَيْدًا فَيُصِيبُ إِنْسَانًا، أَوْ فِي قَصْدِهِ: كَمَنْ يَرْمِي شَخْصًا يَظُنُّهُ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ. وَكَمَنْ اجْتَهَدَ فِي التَّعَرُّفِ عَلَى الْقِبْلَةِ فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا خِلاَفُهَا. وَالْخَطَأُ بِنَوْعَيْهِ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمُخَفِّفَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} (105) .
وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (106) . وَلَيْسَ الْخَطَأُ مُسْقِطًا حُقُوقَ الْعِبَادِ، فَلَوْ أَتْلَفَ مَال غَيْرِهِ خَطَأً فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ.
وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مُخَفِّفًا فِي الْجِنَايَاتِ، دَارِئًا لِلْحُدُودِ، فَيُخَفِّفُ عَنِ الْقَاتِل خَطَأً مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ، وَيَدْرَأُ الْحَدَّ عَنِ الْوَاطِئِ غَيْرَ زَوْجَتِهِ خَطَأً. أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ فَيَسْقُطُ الإِْثْمُ، وَقَدْ تَسْقُطُ مُطَالَبَةُ الشَّارِعِ بِإِعَادَةِ الْعِبَادَةِ مَرَّةً أُخْرَى.
هَذَا وَإِنَّ قَوَاعِدَ التَّخْفِيفِ الْمَذْكُورَةَ فِي أَبْوَابِ النِّسْيَانِ وَالْجَهْل وَالْخَطَأِ هِيَ قَوَاعِدُ غَالِبِيَّةٌ يَقَعُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الاِسْتِثْنَاءَاتِ، وَقَدْ حَاوَل بَعْضُ أَصْحَابِ كُتُبِ الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَكُتُبِ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، حَصْرَهَا فَيُرْجَعُ إِلَيْهَا هُنَاكَ (107) . وَانْظُرْ أَيْضًا (نِسْيَانٌ. جَهْلٌ. خَطَأٌ) .

السَّبَبُ السَّابِعُ: الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى:
38 - يَدْخُل فِيهِ الأَْعْذَارُ الْغَالِبَةُ الَّتِي تَكْثُرُ الْبَلْوَى بِهَا وَتَعُمُّ فِي النَّاسِ، دُونَ مَا كَانَ مِنْهَا نَادِرًا، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ فِي الأَْعْذَارِ بَيْنَ غَالِبِهَا وَنَادِرِهَا، فَعَفَا عَنْ غَالِبِهَا لِمَا فِي اجْتِنَابِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْغَالِبَةِ. وَإِنَّمَا تَكُونُ غَالِبَةً لِتَكَرُّرِهَا، وَكَثْرَتِهَا وَشُيُوعِهَا فِي النَّاسِ، بِخِلاَفِ مَا كَانَ مِنْهَا نَادِرًا فَالأَْكْثَرُ أَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَلاَ يَكُونُ عُذْرًا لاِنْتِفَاءِ الْمَشَقَّةِ غَالِبًا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ عُسْرٌ كَمَشَقَّةِ الاِحْتِرَازِ عَمَّا لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ مِنْ رَشَاشِ الْبَوْل فَيُعْفَى عَنْهُ أَيْضًا. وَمَثَّل الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ بِمَنْ أَتَى بِمَحْظُورِ الصَّلاَةِ نِسْيَانًا، فَإِنَّهُ إِنْ قَصُرَ زَمَانُهُ يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَإِنْ طَال زَمَانُهُ فَفِيهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: يُعْفَى عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْتَهِكِ الْحُرْمَةَ، وَالآْخَرُ: لاَ يُعْفَى عَنْهُ لأَِنَّهُ نَادِرٌ (108) . وَأَصْل ذَلِكَ فِي بَابِ الْحَيْضِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الصَّلاَةَ حَتَّى لاَ تَجِبَ وَلاَ يَجِبَ قَضَاؤُهَا؛ لِتَكَرُّرِهَا كُل شَهْرٍ، بِخِلاَفِ قَضَاءِ مَا تُفْطِرُهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَيَجِبُ لأَِنَّهُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً (109) . وَأَيْضًا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْهِرَّةِ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ (110) فَقَدْ عَلَّل طَهَارَتَهَا بِكَثْرَةِ طَوَافِهَا أَيْ لِعُسْرِ الاِحْتِرَازِ عَنْهَا لِكَثْرَةِ مُلاَبَسَتِهَا لِثِيَابِ النَّاسِ وَآنِيَتِهِمْ، مَعَ كَوْنِهَا تَأْكُل الْفَأْرَ وَالْمَيْتَةَ. وَمَا رُوِيَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيل ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ؟ قَال: يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ (111) وَقَال: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ فَإِنْ وَجَدَ فِيهِمَا أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلِيُصَل فِيهِمَا (112) . وَالتَّخْفِيفُ بِالْعُسْرِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى يَدْخُل فِي كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِيعَةِ. وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مَا جَمَعَهُ السُّيُوطِيّ وَغَيْرُهُ فِي الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ مِنَ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ فِي الْمُعَامَلاَتِ: بَيْعُ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ وَنَحْوِهِمَا فِي الْقِشْرِ، وَبَيْعُ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ السَّلَمُ، مَعَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَالاِكْتِفَاءُ بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ، وَأُنْمُوذَجِ الْمُتَمَاثِل (113) .

السَّبَبُ الثَّامِنُ: النَّقْصُ:
39 - إِنَّ الإِْنْسَانَ إِنْ كَانَتْ قُدُرَاتُهُ نَاقِصَةً يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَمَّل مِثْل مَا يَحْمِلُهُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْل الْكَمَال، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ التَّخْفِيفَ.
فَمِنْ ذَلِكَ عَدَمُ تَكْلِيفِ الصَّبِيِّ.
وَمِنْهُ عَدَمُ تَكْلِيفِ الأَْرِقَّاءِ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الأَْحْرَارِ، كَالْجُمُعَةِ، وَتَنْصِيفِ الْحُدُودِ وَالْعَدَدِ (114) .
وَمِنْهُ التَّخْفِيفَاتُ الْوَارِدَةُ فِي شَأْنِ النِّسَاءِ. فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ خَفَّفَتْ عَنْهُنَّ بَعْضَ الأَْحْكَامِ، فَرَفَعَتْ عَنْهُنَّ كَثِيرًا مِمَّا أُلْزِمَ بِهِ الرِّجَال مِنْ أَحْكَامٍ. وَمِنْ ذَلِكَ الْجَمَاعَةُ، وَالْجُمُعَةُ، وَأَبَاحَتْ بَعْضَ مَا حُرِّمَ عَلَى الرَّجُل كَلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ. السَّبَبُ التَّاسِعُ: الْوَسْوَسَةُ:
40 - الْمُوَسْوِسُ هُوَ مَنْ يَشُكُّ فِي الْعِبَادَةِ وَيَكْثُرُ مِنْهُ الشَّكُّ فِيهَا حَتَّى يَشُكَّ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَل الشَّيْءَ وَهُوَ قَدْ فَعَلَهُ. وَالشَّكُّ فِي الأَْصْل مُوجِبٌ لِلْعَوْدِ لِمَا شَكَّ فِي تَرْكِهِ، كَمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ وَشَكَّ هَل رَكَعَ أَمْ لاَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الرُّكُوعَ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ، وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ (115) . وَمَنْ شَكَّ أَنَّهُ صَلَّى ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا جَعَلَهَا ثَلاَثًا وَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. لَكِنْ إِنْ كَانَ مُوَسْوِسًا فَلاَ يَلْتَفِتُ لِلْوَسْوَاسِ لأَِنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَرَجِ، وَالْحَرَجُ مَنْفِيٌّ فِي الشَّرِيعَةِ، بَل يَمْضِي عَلَى مَا غَلَبَ فِي نَفْسِهِ. تَخْفِيفًا عَنْهُ وَقَطْعًا لِلْوَسْوَاسِ (116) . قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَالاِحْتِيَاطُ حَسَنٌ مَا لَمْ يُفِضْ بِصَاحِبِهِ إِلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، فَإِذَا أَفْضَى إِلَى ذَلِكَ فَالاِحْتِيَاطُ تَرْكُ هَذَا الاِحْتِيَاطِ (117) .

السَّبَبُ الْعَاشِرُ: التَّرْغِيبُ فِي الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ وَحَدَاثَةُ الدُّخُول فِيهِ:
41 - وَهَذَا سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّيْسِيرِ يُعْلَمُ بِتَتَبُّعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَمِمَّا شُرِعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الدَّاخِل فِي الإِْسْلاَمِ يُعْذَرُ بِالْجَهْل بِالتَّحْرِيمِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً تَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُدُودِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّبَبِ الْخَامِسِ.
وَمِنْهُ سُقُوطُ الْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى السَّابِقَةِ عَلَى الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يُطَالَبُ بِقَضَائِهَا: حَتَّى عَلَى قَوْل مَنْ يَرَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الإِْسْلاَمِ؛ وَلِئَلاَّ تَكُونَ مَشَقَّةُ الْقَضَاءِ حَائِلاً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الإِْسْلاَمِ (118) .
وَمِنْهُ إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِلْكَافِرِ الَّذِي يُرْجَى إِسْلاَمُهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الإِْسْلاَمِ لِتَمِيل إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَإِعْطَاءُ مَنْ أَسْلَمَ حَدِيثًا إِذَا كَانَ فِي إِعْطَائِهِ قُوَّةٌ لِلإِْسْلاَمِ، أَوْ تَرْغِيبٌ لِنُظَرَائِهِ لِيُسْلِمُوا (119) .
وَمِنْهُ تَوْرِيثُ الْكَافِرِ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ إِنْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْل قِسْمَةِ التَّرِكَةِ، عَلَى قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ انْفَرَدُوا بِهِ؛ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ (120) .

الْمَشَاقُّ الْمُوجِبَةُ لِلتَّيْسِيرِ:
42 - الْمَشَاقُّ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَشَاقَّ لاَ يَنْفَكُّ عَنْهَا التَّكْلِيفُ غَالِبًا كَمَشَقَّةِ الْبَرْدِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَمَشَقَّةِ الصَّوْمِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَطُول النَّهَارِ، وَمَشَقَّةِ السَّفَرِ الَّتِي لاَ انْفِكَاكَ لِلْحَجِّ وَالْجِهَادِ عَنْهَا غَالِبًا، وَمَشَقَّةِ أَلَمِ الْحُدُودِ كَرَجْمِ الزُّنَاةِ، وَقَتْل الْجُنَاةِ، وَقِتَال الْبُغَاةِ، فَلاَ أَثَرَ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَشَقَّاتِ فِي إِسْقَاطِ حَقِّ اللَّهِ الْوَاجِبِ، فِي كُل الأَْوْقَاتِ، أَيْ: لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ لِمَصَالِحَ يَعْلَمُهَا، فَيَكُونُ إِسْقَاطُهَا دَائِمًا لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَشَقَّاتِ الْمُلاَزِمَةِ إِلْغَاءً لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ.
وَالْقِسْمِ الثَّانِي: مَشَاقَّ يَنْفَكُّ عَنْهَا التَّكْلِيفُ غَالِبًا، فَمَا لاَ يُطَاقُ مِنْهَا اقْتَضَى التَّخْفِيفَ بِالإِْسْقَاطِ أَوْ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلاَّ فَإِنْ كَانَتْ عَظِيمَةً فَادِحَةً كَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ، أَوِ الأَْعْضَاءِ، فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلتَّخْفِيفِ؛ لأَِنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ، وَالأَْطْرَافِ لإِِقَامَةِ مَصَالِحِ الدِّينِ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلْفَوَاتِ فِي عِبَادَةٍ أَوْ عِبَادَاتٍ يَفُوتُ بِهَا أَمْثَالُهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْمَشَقَّةُ خَفِيفَةً كَأَدْنَى وَجَعٍ فِي أُصْبُعٍ، أَوْ سُوءِ مِزَاجٍ خَفِيفٍ، فَهَذَا لاَ أَثَرَ لَهُ، وَلاَ يَتَرَخَّصُ بِهِ؛ لأَِنَّ تَحْصِيل مَصَالِحِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ مِثْل هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي لاَ أَثَرَ لَهَا، وَالْمَشَقَّةُ الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الدَّرَجَتَيْنِ مَا دَنَا مِنْهَا مِنَ الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ، أَوْ مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يُوجِبْهُ، كَحُمَّى خَفِيفَةٍ، وَمَا تَرَدَّدَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مِمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ غَالِبًا. وَلاَ ضَبْطَ لِهَذِهِ الْمَرَاتِبِ إِلاَّ بِالتَّقْرِيبِ (121) .
قَال عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ وَتَخْتَلِفُ الْمَشَاقُّ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَادَاتِ فِي اهْتِمَامِ الشَّرْعِ. فَمَا اشْتَدَّ اهْتِمَامُهُ بِهِ شَرَطَ فِي تَخْفِيفِهِ الْمَشَاقَّ الشَّدِيدَةَ أَوِ الْعَامَّةَ، وَمَا لَمْ يَهْتَمَّ بِهِ خَفَّفَهُ بِالْمَشَاقِّ الْخَفِيفَةِ، وَقَدْ تُخَفَّفُ مَشَاقُّهُ مَعَ شَرَفِهِ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ لِتَكَرُّرِ مَشَاقِّهِ كَيْ لاَ يُؤَدِّيَ إِلَى الْمَشَاقِّ الْعَامَّةِ الْكَثِيرَةِ الْوُقُوعِ (122) .
وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْمَشْهُورَةُ (الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ) وَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ، يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُجْتَهِدُ وَالْمُفْتِي كَثِيرًا.
وَقَدْ قَال السُّيُوطِيّ: يَرْجِعُ إِلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ غَالِبُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ (123) .
وَمِثْلُهَا قَاعِدَةُ (إِنَّ الأَْمْرَ إِذَا ضَاقَ اتَّسَعَ) وَالْمُرَادُ بِالاِتِّسَاعِ التَّرَخُّصُ عَنِ اتِّبَاعِ الأَْقْيِسَةِ وَطَرْدِ الْقَوَاعِدِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الضِّيقِ وَهُوَ الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ (124) .
غَيْرَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ مُقَيَّدَتَانِ بِقَاعِدَةٍ أُخْرَى هِيَ أَنَّ (الْمَيْسُورَ لاَ يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ) وَدَلِيلُهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ. (125) قَال الْجُوَيْنِيُّ: " هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مِنَ الأُْصُول الشَّائِعَةِ الَّتِي لاَ تَكَادُ تُنْسَى مَا أُقِيمَتْ أُصُول الشَّرِيعَةِ ". وَوَجْهُهَا أَنَّ الْعُسْرَ هُوَ سَبَبُ التَّخْفِيفِ، فَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ مَيْسُورًا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْفِيفِ فِيهِ مَوْضِعٌ.
وَمِنْ فُرُوعِهَا: إِذَا كَانَ مَقْطُوعَ بَعْضِ الأَْطْرَافِ غَسَل الْبَاقِيَ جَزْمًا. وَالْقَادِرُ عَلَى سَتْرِ بَعْضِ عَوْرَتِهِ دُونَ بَعْضٍ سَتَرَ الْقَدْرَ الْمُمْكِنَ. وَالْقَادِرُ عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ دُونَ بَعْضٍ يَأْتِي بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ. وَمَنْ وَجَدَ مَاءً لاَ يَكْفِي لِكُل طَهَارَتِهِ اسْتَعْمَلَهُ. وَمَنْ وَجَدَ بَعْضَ صَاعٍ فِي الْفِطْرَةِ أَخْرَجَهُ.
وَهِيَ قَاعِدَةٌ غَالِبِيَّةٌ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهَا فُرُوعٌ مِنْهَا: وَاجِدُ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ لاَ يُعْتِقُهَا، بَل يَنْتَقِل إِلَى الْبَدَل. وَمِنْهَا: الْقَادِرُ عَلَى صَوْمِ بَعْضِ يَوْمٍ دُونَ كُلِّهِ لاَ يَلْزَمُهُ إِمْسَاكُهُ، وَإِذَا وَجَدَ الشَّفِيعُ بَعْضَ الثَّمَنِ لاَ يَأْخُذُ قِسْطَهُ مِنَ الشِّقْصِ (126) .

تَعَارُضُ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ وَالنَّصِّ:
43 - ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي أَشْبَاهِهِ.
وَنَقَل عَنِ السَّرَخْسِيِّ قَوْلَهُ: " إِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْبَلْوَى فِي مَوْضِعٍ لاَ نَصَّ فِيهِ بِخِلاَفِهِ، فَأَمَّا مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَلاَ يُعْتَدُّ بِهِ ". ثُمَّ قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَلِذَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِحُرْمَةِ رَعْيِ حَشِيشِ الْحَرَمِ وَقَطْعِهِ إِلاَّ الإِْذْخِرَ.
وَمِنْ فُرُوعِهَا أَيْضًا قَوْل ابْنِ نُجَيْمٍ: قَال أَبُو حَنِيفَةَ: بِتَغْلِيظِ نَجَاسَةِ الأَْرْوَاثِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّوْثَةِ: < إِنَّهَا رِكْسٌ > (127) أَيْ نَجَسٌ، وَلاَ اعْتِبَارَ عِنْدَهُ بِالْبَلْوَى فِي مَوْضِعِ النَّصِّ (128) .
وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا؛ وَلِذَا خَالَفَ فِي الْفَرْعِ الأَْوَّل أَبُو يُوسُفَ، فَأَجَازَ رَعْيَ حَشِيشِ الْحَرَمِ؛ لِلْحَرَجِ فِي الاِمْتِنَاعِ مِنْهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ رَعْيُهُ؛ لأَِنَّ الْهَدْيَ كَانَتْ تَدْخُل الْحَرَمَ فَتَكْثُرُ فِيهِ، فَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ كَانَتْ تُسَدُّ أَفْوَاهُهَا؛ وَلأَِنَّ بِهِمْ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ، أَشْبَهَ قَطْعَ الإِْذْخِرِ (129) .
أَنْوَاعُ التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ:
44 - أَوْرَدَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْفِيفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الشَّرِيعَةِ سِتَّةَ أَنْوَاعٍ (130) : ثُمَّ زَادَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ: فَالسِّتَّةُ هِيَ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: تَخْفِيفُ الإِْسْقَاطِ، فَيَسْقُطُ الْفِعْل عَنِ الْمُكَلَّفِ، كَإِسْقَاطِ الْجُمُعَةِ عَنْ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ، وَالْحَجِّ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ، وَالْجِهَادِ عَنِ الأَْعْمَى وَالأَْعْرَجِ وَمَقْطُوعِ الْيَدِ، وَكَإِسْقَاطِ الصَّلاَةِ عَنِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ. النَّوْعُ الثَّانِي: تَخْفِيفُ تَنْقِيصٍ، كَقَصْرِ الصَّلاَةِ لِلْمُسَافِرِ وَالاِكْتِفَاءِ بِرَكْعَتَيْنِ لِدَفْعِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ، وَتَنْقِيصِ مَا عَجَزَ عَنْهُ الْمَرِيضُ مِنْ أَفْعَال الصَّلَوَاتِ عَنِ الْحَدِّ الأَْدْنَى الْمُجْزِئِ لِغَيْرِ الْمَرِيضِ، كَتَنْقِيصِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى الْحَدِّ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: تَخْفِيفُ إِبْدَالٍ، كَإِجَازَةِ الشَّارِعِ لِلْمَرِيضِ إِبْدَال الْغُسْل وَالْوُضُوءِ بِالتَّيَمُّمِ، وَإِبْدَال الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ بِالْقُعُودِ، أَوِ الاِضْطِجَاعِ، وَإِبْدَال الصِّيَامِ لِلشَّيْخِ الْفَانِي بِالإِْطْعَامِ، وَإِبْدَال بَعْضِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ بِالْكَفَّارَاتِ عِنْدَ قِيَامِ الأَْعْذَارِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: تَخْفِيفُ تَقْدِيمٍ، كَإِجَازَةِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلاَةِ لِلْمُسَافِرِ وَالْحَاجِّ، وَإِجَازَةِ تَعْجِيل تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَنِ الْحَوْل لِدَاعٍ، وَتَقْدِيمِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ قَبْل يَوْمِ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ، وَأَجَازَ الْبَعْضُ تَقْدِيمَهَا لأَِكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: تَخْفِيفُ تَأْخِيرٍ، كَإِجَازَةِ الْجَمْعِ تَأْخِيرًا لِوُجُودِ عُذْرٍ يَجْعَل أَدَاءَهُ فِي وَقْتِهِ شَاقًّا عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَتَأْخِيرِ صِيَامِ رَمَضَانَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، فَقَدْ خُفِّفَ عَنْهُمَا بِالْفِطْرِ، مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلصَّوْمِ، الْمُحَرِّمِ لِلْفِطْرِ، وَتَأْخِيرِ الصَّلاَةِ فِي حَقِّ النَّائِمِ وَالنَّاسِي.
النَّوْعُ السَّادِسُ: تَخْفِيفُ تَرْخِيصٍ، وَهُوَ مَا اُسْتُبِيحَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أَوْ عِنْدَ الْحَاجَةِ، كَإِبَاحَةِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِمَنْ أُكْرِهَبِإِجْرَاءِ قَوْل الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ، وَأَكْل الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ لِخَوْفِ الْهَلاَكِ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ لإِِزَالَةِ الْغُصَّةِ. وَإِجَازَةِ الصَّلاَةِ لِلْمُسْتَجْمِرِ مَعَ بَقِيَّةِ النَّجْوِ (131) .
قَال السُّيُوطِيّ: وَأَضَافَ الْعَلاَئِيُّ سَابِعًا، وَهُوَ تَخْفِيفُ التَّغْيِيرِ، كَتَغْيِيرِ نَظْمِ الصَّلاَةِ فِي الْخَوْفِ (132) .

45 - وَلَمَّا كَانَ التَّخْفِيفُ وَارِدًا فِي الْعِبَادَاتِ بِأَنْوَاعِهَا، وَالْمُعَامَلاَتِ، وَالْحُدُودِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الْفِقْهِ، فَمِنَ الصَّعْبِ جَمْعُ هَذِهِ الأُْمُورِ الْمُخَفَّفَةِ كُلِّهَا مِنْ أَبْوَابِهَا الْمُخْتَلِفَةِ. فَنُورِدُ أَمْثِلَةً مِنْهَا.
التَّخْفِيفُ فِي النَّجَاسَاتِ:
46 - أَوْجَبَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ عَلَى الْمُسْلِمِ الطَّهَارَةَ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي الثَّوْبِ، وَالْبَدَنِ، وَالْبُقْعَةِ، عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلاَةِ، وَأَنْ يَكُونَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ طَاهِرًا. وَهَذَا هُوَ الأَْصْل، وَلَكِنْ بَعْضُ صُوَرِ النَّجَاسَاتِ اُسْتُثْنِيَتْ مِنْ هَذَا الأَْصْل لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهَا، وَصُعُوبَةِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا، وَالتَّخْفِيفُ وَارِدٌ عَلَى مَا يُصِيبُ الإِْنْسَانَ مِنْهَا، بِحَيْثُ لَوْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ غَسْلَهَا، لَوَقَعَ النَّاسُ فِي حَرَجٍ وَضِيقٍ (133) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ (نَجَاسَةٌ وَطَهَارَةٌ) . التَّخْفِيفُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ:
47 - سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنِ النَّظَرِ بِمَا لاَ يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَاجِبٌ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِهِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ: فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ بِشَرْطِيَّتِهِ.
وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ سَتْرَهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ، وَقِيل: إِنَّهَا شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ السَّهْوِ.
وَقَال التَّمِيمِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ بَدَتْ عَوْرَتُهُ وَقْتًا، وَاسْتَتَرَتْ وَقْتًا، فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ (134) .
وَالْعُرْيَانُ الَّذِي لاَ يَجِدُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، خُفِّفَ عَنْهُ، فَإِذَا وَجَدَ جِلْدًا طَاهِرًا، أَوْ وَرَقًا يُمْكِنُهُ خَصْفُهُ عَلَيْهِ، أَوْ حَشِيشًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْبِطَهُ فَيَسْتَتِرَ بِهِ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَصَحَّتِ الصَّلاَةُ بِمَا ذُكِرَ، فَإِذَا وَجَدَ ثَوْبًا نَجَسًا جَازَ لَهُ الصَّلاَةُ فِيهِ، وَلاَ يُصَلِّي عُرْيَانًا، عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ (135) .
فَإِذَا لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ، سَتَرَ السَّوْأَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُمَا أَفْحَشُ، وَسَتْرُهُمَا آكَدُ. فَإِنْ كَانَ لاَ يَكْفِي إِلاَّ أَحَدَهُمَا سَتَرَ أَيَّهمَا شَاءَ - عَلَى خِلاَفٍ فِي أَيِّهِمَا أَوْلَى بِالسَّتْرِ. وَالْعُرْيُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، غَيْرُ مَانِعٍ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ، وَالاِنْفِرَادُ حَال الْعُرْيِ أَفْضَل مِنَ الْجَمَاعَةِ.
وَإِنْ انْكَشَفَ مِنَ الْمَرْأَةِ أَقَل مِنْ رُبُعِ شَعْرِهَا أَوْ رُبُعِ فَخِذِهَا، أَوْ رُبُعِ بَطْنِهَا، لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهَا، تَخْفِيفًا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ (136) .
وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عَوْرَةٌ) .

التَّيْسِيرُ فِي الْمُعَامَلاَتِ:
48 - لِلْمُعَامَلاَتِ نَصِيبٌ مِنَ التَّخْفِيفِ كَمَا لِلْعِبَادَاتِ وَالْحُدُودِ.
فَقَدْ خَفَّفَتِ الشَّرِيعَةُ وَيَسَّرَتِ الْمُعَامَلاَتِ، فَشَرَعَتْ: خِيَارَ الْمَجْلِسِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ.
وَشَرَعَتْ خِيَارَ الشَّرْطِ لِلْمُشْتَرِي دَفْعًا لِلنَّدَمِ.
وَشَرَعَتِ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ دَفْعًا لِمَا يَلْحَقُ الْمُشْتَرِيَ مِنَ الضَّرَرِ، إِذَا بَانَ بِالشَّيْءِ الْمُشْتَرَى عَيْبٌ، وَلَمْ يَرْضَ عَنْهُ الْمُشْتَرِي.
وَكَذَا خَفَّفَتِ الشَّرِيعَةُ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، فَلَمْ تُلْزِمْ بِهَا أَحَدَ طَرَفَي الْعَقْدِ؛ إِذْ أَنَّ لُزُومَهَا شَاقٌّ، فَتَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ تَعَاطِيهَا (137) . التَّيْسِيرُ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ:
49 - يُنْدَبُ تَلْقِينُ مَنْ أَقَرَّ بِمُوجِبِ الْحَدِّ الرُّجُوعَ عَنْهُ، إِمَّا بِالتَّعْرِيضِ، وَإِمَّا بِأَوْضَحَ مِنْهُ؛ لِيُدْرَأَ عَنْهُ الْحَدُّ (138) ، وَذَلِكَ مِثْل مَا فَعَل النَّبِيُّ ﷺ مَعَ مَاعِزٍ حَيْثُ قَال لَهُ: لَعَلَّك قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ (139) .
وَقَدْ جَعَل اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى التَّوْبَةَ وَالتَّكْفِيرَ عَنِ الذُّنُوبِ رَفْعًا لِلضِّيقِ وَالْحَرَجِ، وَمَاحِيًا لِلشُّعُورِ بِالذَّنْبِ وَالْخَطِيئَةِ.
وَمِنْ دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبْهَةِ أَنَّ مَنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ غَيْرُ زَوْجَتِهِ فَوَطِئَهَا ظَنًّا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَلاَ يَكُونُ آثِمًا؛ لِثُبُوتِ عُذْرِهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَهُوَ هُنَا مَهْرُ الْمِثْل.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُودٌ) .

تَخْفِيفُ الدِّيَةِ:
50 - الْجَانِي الْمُخْطِئُ خَفَّفَ عَنْهُ الشَّارِعُ بِإِيجَابِ الدِّيَةِ بَدَل الْقِصَاصِ، ثُمَّ جَعَلَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَاقِلَةُ الْجَانِي ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى: ذُكُورُ عَصَبَتِهِ نَسَبًا، كَالآْبَاءِ، وَالأَْبْنَاءِ، وَالإِْخْوَةِ لِغَيْرِ أُمٍّ وَبَنُوهُمْ، وَالأَْعْمَامُ، وَالْمُعْتِقُ.
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنْ يَعْقِل عَنِ الْمَرْأَةِ عَصَبَتُهَا مَنْ كَانُوا، وَلاَ يَرِثُونَ مِنْهَا إِلاَّ مَا فَضَل عَنْ وِرْثِهَا (140) .
وَكَمَا خُفِّفَ عَنِ الْجَانِي بِتَحْمِيل الدِّيَةِ الْعَاقِلَةَ، خُفِّفَ عَنِ الْعَاقِلَةِ، فَجَعَل الشَّارِعُ دِيَةَ شَبَهِ الْعَمْدِ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلاَثِ سِنِينَ - تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ - فِي آخِرِ كُل سَنَةٍ ثُلُثُهَا، إِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةً كَامِلَةً، كَدِيَةِ النَّفْسِ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي قَوْل عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ وَلاَ مُخَالِفَ لَهُمَا.
وَخُفِّفَ أَيْضًا عَنِ الْعَاقِلَةِ: فَمَنْ مَاتَ مِنْهَا قَبْل الْحَوْل أَوِ افْتَقَرَ أَوْ جُنَّ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ (141) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (دِيَةٌ) .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: تَيْسِيرُ الْمُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ:

أَوَّلاً: تَيْسِيرُ الْمُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْعِبَادَاتِ:
51 - أَرْشَد النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَنْ يَأْخُذَ الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ فِي النَّوَافِل وَمَا فِيهِ تَخْيِيرٌ مِنَ الْفَرَائِضِ، كَالصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، بِالْمَيْسُورِ، فَقَال: عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَْعْمَال فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَل حَتَّى تَمَلُّوا (142) وَقَال: إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِل فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلاَ تُبَغِّضُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لاَ أَرْضًا قَطَعَ وَلاَ ظَهْرًا أَبْقَى (143) وَقَال: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لاَ يُدْخِل أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ (144) . وَنَهَى عَنِ الْوِصَال فِي الصَّوْمِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ. وَقَال: لاَ تُشَدِّدُوا فَيُشَدِّدِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ {رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} (145) . وَلَيْسَ مَعْنَى الْيُسْرِ فِي هَذَا الْبَابِ تَرْكُ الْعَمَل وَالتَّكَاسُل عَنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ عِبَادَهُ الْمُتَّقِينَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْل مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَْسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (146) وَلَكِنِ الْمَعْنَى أَنْ لاَ يَحْمِل نَفْسَهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهَا، بَل يَتَعَبَّدُ مَا شَاءَ مَا دَامَ نَشِيطًا لِذَلِكَ، فَإِنْ نَشَأَتْ مَشَقَّةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعْتَادِ أَرَاحَ نَفْسَهُ، فَفِي الْحَدِيثِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل الْمَسْجِدَ، وَحَبْلٌ مَرْبُوطٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، فَقَال: مَا هَذَا؟ قَالُوا: حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، تُصَلِّي فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ. فَقَال ﷺ: حُلُّوهُ؛ لِيُصَل أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا كَسِل أَوْ فَتَرَ قَعَدَ (147) .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّل عَلَيْهِ. فَسَأَل عَنْهُ فَقَالُوا: صَائِمٌ. فَقَال: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ (148) فُسِّرَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ بَلَغَ مِنْهُ الْجَهْدُ إِلَى مِثْل هَذِهِ الْحَال وَلَمْ يُفْطِرْ. وَأَرْشَدَ ﷺ إِلَى أَنَّ تَحْصِيل أَجْرِ النَّوَافِل بِفِعْل الْقَلِيل مِنْهَا مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ مِنْهَا وَالدَّوَامِ عَلَيْهِ أَفْضَل مِنَ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ حِينًا وَالتَّرَاخِي حِينًا آخَرَ، فَقَال: أَحَبُّ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَل (149) .

ثَانِيًا: تَيْسِيرُ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ فِي شُؤُونِ الدُّنْيَا:
52 - لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي شُؤُونِ حَيَاتِهِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَظُنَّ أَنَّ التَّضْيِيقَ عَلَيْهَا مِنَ الزُّهْدِ، أَوْ أَنَّهُ يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ، بَل إِذَا أَخَذَ الْمَال مِنْ حِلِّهِ وَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَلاَل، فِي مَأْكَلٍ أَوْ مَشْرَبٍ أَوْ مَسْكَنٍ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا كَانَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، كَمَا يُؤْجَرُ إِنْ زَادَ عَلَيْهِ بِقَصْدِ التَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ السَّرَفِ وَالتَّرَفِ.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: {قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُل هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (150) ، وَفِي الْحَدِيثِ: ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَل شَيْءٌ فَلأَِهْلِك، فَإِنْ فَضَل عَنْ أَهْلِك شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِك، فَإِنْ فَضَل عَنْ ذِي قَرَابَتِك شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا (151) .
وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَال، وَقَدْ قَال سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ لأَِبِي الدَّرْدَاءِ ﵄: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ وَلأَِهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَخْبَرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: صَدَقَ سَلْمَانُ (152) وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنْ فِقْهِ الرَّجُل رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ. (153)
مَشَقَّةُ الْوَرَعِ وَاجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ:
53 - مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشُقُّ عَلَى نَفْسِهِ تَوَرُّعًا وَاتِّقَاءً لِلشُّبُهَاتِ وَالْتِزَامًا لِجَانِبِ التَّقْوَى، قَال الشَّاطِبِيُّ: (وَلاَ كَلاَمَ فِي أَنَّ الْوَرَعَ شَدِيدٌ فِي نَفْسِهِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ إِشْكَال فِي أَنَّ الْتِزَامَ جَانِبِ التَّقْوَى شَدِيدٌ (4)) وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الْحَلاَل بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ (154) وَقَوْلُهُ: دَعْ مَا يَرِيبُك إِلَى مَا لاَ يَرِيبُك (155) فَالْوَرَعُ بِتَرْكِ الشُّبُهَاتِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، لَكِنْ مَا دَامَ خَارِجَ دَائِرَةِ الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ، فَإِنْ كَانَ فِي التَّوَرُّعِ حَرَجٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَمَشَقَّةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ سَقَطَ، كَمَا يَسْقُطُ الْحَرَامُ لِلضَّرُورَةِ.
غَيْرَ أَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي بَيَانُهُ أَنَّ مَا يَكُونُ فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِغَالِبِ النَّاسِ قَدْ يَكُونُ مُعْتَادًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَمِنْ هُنَا تَمَيَّزَ أَهْل شِدَّةِ الْوَرَعِ مِنْ هَذِهِ الأُْمَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ مَا كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ (156) .

ثَالِثًا: تَيْسِيرُ الْمُكَلَّفِ عَلَى غَيْرِهِ:
54 - الْمُؤْمِنُ مُطَالَبٌ شَرْعًا بِالتَّيْسِيرِ عَلَى إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلاَقَةٌ وَمُعَامَلَةٌ، حَيْثُ يُمْكِنُهُ التَّيْسِيرُ، وَلاَ يُخَالِفُ حُكْمًا شَرْعِيًّا. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيل وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (157) وَمِنَ الإِْحْسَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ التَّيْسِيرُ فِيمَا يُمْكِنُ التَّيْسِيرُ فِيهِ. وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ (158) .
وَقَدْ نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الرِّفْقِ فِي تَنَاوُل الأُْمُورِ وَمُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَال: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأَهْل بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَل عَلَيْهِمِ الرِّفْقَ (159) وَقَال: إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ (160) وَقَال: مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ (161) .
وَيَظْهَرُ هَذَا الأَْصْل فِي أَبْوَابٍ مِنَ الْفِقْهِ مِنْهَا مَا يَلِي:

تَخْفِيفُ الإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ:
55 - أَوْرَدَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ التَّخْفِيفَ فِي بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ؛ مُرَاعَاةً لأَِحْوَال النَّاسِ، وَتَيْسِيرًا لَهُمْ، فَقَدْ أَمَرَ ﷺ الأَْئِمَّةَ بِالتَّخْفِيفِ فِي الصَّلاَةِ وَعَدَمِ تَطْوِيل قِرَاءَتِهَا، وَهُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ أَحْوَال الْمَأْمُومِينَ؛ لأَِنَّ فِيهِمِ الضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، وَالْعَاجِزَ (162) .
فَلاَ يُطَوِّل الإِْمَامُ الصَّلاَةَ لِئَلاَّ يَشُقَّ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ، فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ (163) . وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَال: وَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي لأََتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْل فُلاَنٍ، مِمَّا يُطِيل بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدُّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَال: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ. (164)
وَسَبَبُهُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، كَانَ يُصَلِّي بِأَهْل قُبَاءٍ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةً طَوِيلَةً، فَدَخَل مَعَهُ غُلاَمٌ مِنَ الأَْنْصَارِ فِي الصَّلاَةِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ اسْتَفْتَحَهَا، انْفَلَتَ مِنْ صَلاَتِهِ، فَغَضِبَ أُبَيٌّ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَشْكُو الْغُلاَمَ، وَأَتَى الْغُلاَمُ يَشْكُو أُبَيًّا فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَال: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ (165) وَنَحْوُهُ حَدِيثُ مُعَاذٍ الْمَعْرُوفُ.
وَالْمُرَادُ بِالتَّخْفِيفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى الْكَمَال، فَيَأْتِي بِالْوَاجِبَاتِ، وَالسُّنَنِ، وَلاَ يَقْتَصِرُ عَلَى الأَْقَل وَلاَ يَسْتَوْفِي الأَْكْمَل. وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُونَ مَحْصُورِينَ وَرَضُوا بِتَطْوِيلِهِ الصَّلاَةَ جَازَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل تَطْوِيل النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ مَا أُثِرَ عَنْهُ (166) . وَيُشْرَعُ لَهُ أَيْضًا التَّخْفِيفُ لِنَازِلَةٍ تَسْتَدْعِي ذَلِكَ؛ لِمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنِّي لأََقُومُ فِي الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّل فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمِّهِ (167) .
وَالتَّخْفِيفُ لِلأَْئِمَّةِ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ (168) . وَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِمَامَةٌ) .
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يُرَاعِيَ عَدَمَ التَّطْوِيل فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ إِنَّ طُول صَلاَةِ الرَّجُل وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلاَةَ وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ (169) .

تَيْسِيرُ الإِْمَامِ، وَالْوُلاَةِ، وَالْعُمَّال، عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ:
56 - يَنْبَغِي لِمَنْ وَلِيَ أَمْرَ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ بِحَيْثُ يَنْفُذُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ وَيَلْزَمُهُمْ طَاعَتُهُ أَنْ لاَ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا يُكَلِّفُهُمْ مَشَقَّةً تَغْلِبُهُمْ، وَذَلِكَ لِيُمْكِنَهُمْ طَاعَتُهُ وَمُوَاصَلَةُ الاِمْتِثَال لَهُ؛ وَلِئَلاَّ يَخْرُجُوا عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْمَعْصِيَةِ فَيُضْطَرُّ هُوَ إِلَى اسْتِخْدَامِ الْعُقُوبَةِ. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ (170) .
وَإِذَا كَانَ فِي مَنْ تَحْتَ يَدِهِ الضَّعِيفُ وَالصَّغِيرُ وَالْمَرْأَةُ خَصَّهُمْ بِمَزِيدٍ مِنَ الرِّفْقِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَحَدَا الْحَادِي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا أَنْجَشَةُ وَيْحَكَ بِالْقَوَارِيرِ (171) يَعْنِي النِّسَاءَ.
وَعَلَى أَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَرْفُقَ بِمَنْ مَعَهُ فِي الْمَسِيرِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الأَْمِيرِ فِي الْمَسِيرِ سَبْعَةُ حُقُوقٍ: أَوَّلُهَا: الرِّفْقُ بِهِمْ فِي الْمَسِيرِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَضْعَفُهُمْ، وَتُحْفَظُ بِهِ قُوَّةُ أَقْوَاهُمْ، وَلاَ يُجِدُّ السَّيْرَ فَيُهْلِكَ الضَّعِيفَ، وَيَسْتَفْرِغُ جَلَدَ الْقَوِيِّ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْمُضْعَفُ أَمِيرُ الرَّكْبِ (172) يُرِيدُ أَنَّ مَنْ ضَعُفَتْ دَابَّتُهُ كَانَ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَسِيرُوا بِسَيْرِهِ.
وَذَكَرَ مِثْل ذَلِكَ فِي أَمِيرِ الْحَجِّ (173) .

تَيْسِيرُ الْمُعَلِّمِينَ، وَالدُّعَاةِ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ:
57 - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَتَوَلَّى التَّعْلِيمَ أَوِ الدَّعْوَةَ أَنْ يَرْفُقَ بِمَنْ مَعَهُ، وَيَأْخُذَهُمْ بِاللِّينِ لاَ بِالْعُنْفِ.
وَلاَ يَأْتِيَ بِمَا يُنَفِّرُهُمْ عَنِ الْحَقِّ، بَل يَنْتَقِل بِهِمْ مِمَّا يَعْرِفُونَ إِلَى مَا لاَ يَعْرِفُونَ، بِلُطْفٍ وَيُسْرٍ، وَلاَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ. قَال النَّوَوِيُّ: " يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَاذِلاً وُسْعَهُ فِي تَفْهِيمِهِمْ، وَتَقْرِيبِ الْفَائِدَةِ إِلَى أَذْهَانِهِمْ، حَرِيصًا عَلَى هِدَايَتِهِمْ، وَيُفْهِمُ كُل وَاحِدٍ بِحَسَبِ فَهْمِهِ وَحِفْظِهِ، فَلاَ يُعْطِيهِ مَا لاَ يَحْتَمِلُهُ، وَلاَ يَقْصُرُ بِهِ عَمَّا يَحْتَمِلُهُ بِلاَ مَشَقَّةٍ، وَيُخَاطِبُ كُل وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ دَرَجَتِهِ، وَبِحَسَبِ فَهْمِهِ وَهِمَّتِهِ ".
وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِقَوْل مُوسَى لِلْخَضِرِ:
{هَل أَتَّبِعُك عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} (174) ثُمَّ قَال: {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} (175) وَقَدْ أَرْسَل النَّبِيُّ ﷺ أَبَا مُوسَى الأَْشْعَرِيَّ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ فِيمَا أَوْصَاهُمَا بِهِ أَنْ قَال: بَشِّرَا وَيَسِّرَا وَعَلِّمَا وَلاَ تُنَفِّرَا (176) وَقَال أَنَسٌ: قَال النَّبِيُّ ﷺ: يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا (177) .

التَّيْسِيرُ فِي الْفُتْيَا:
58 - عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُرَاعِيَ أَحْوَال السَّائِلِينَ، فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّحَرُّجُ وَالتَّشَدُّدُ، وَأَنْ يُحَمِّل نَفْسَهُ مَا يُرْهِقُهَا، يُفْتِي بِمَا فِيهِ التَّرْجِيَةُ، وَالتَّرْغِيبُ، وَالتَّرْخِيصُ، وَيُخْبِرُ بِمَا فِيهِ سِعَةٌ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْقَلِيل مِنَ الْعَمَل إِنْ كَانَ خَالِصًا صَوَابًا. وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّهَاوُنُ، وَالتَّسَاهُل، وَالاِنْحِلاَل مِنَ الدِّينِ يُفْتِي بِمَا فِيهِ التَّرْهِيبُ، وَالتَّخْوِيفُ، وَالزَّجْرُ، فِعْل الطَّبِيبِ بِمَنِ انْحَرَفَتْ بِهِ الْعِلَّةُ عَنْ حَال الاِسْتِوَاءِ (178) . وَكُل ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَدِّل الْمُفْتِي حُكْمًا شَرْعِيًّا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَل تَكُونُ فُتْيَاهُ طِبْقًا لِمُقْتَضَى الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَأُصُول الْفُتْيَا، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي عِلْمِ أُصُول الْفِقْهِ. وَقَال النَّوَوِيُّ: " إِنْ رَأَى الْمُفْتِي الْمَصْلَحَةَ أَنْ يُفْتِي الْعَامِّيُّ بِمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ، وَهُوَ مِمَّا لاَ يَعْتَقِدُ ظَاهِرَهُ، وَلَهُ فِيهِ تَأْوِيلٌ، جَازَ ذَلِكَ، زَجْرًا لِلْعَامَّةِ؛ وَلِمَنْ قَل دِينُهُ وَمُرُوءَتُهُ (179) .
- فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْفُتْيَا بِمُقْتَضَى الدَّلِيل، بَل أَفْتَاهُ بِمَا فِيهِ الرُّخْصَةُ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، فَيَكُونُ التَّرْخِيصُ تَشَهِّيًا وَجَرْيًا مَعَ الْهَوَى، وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَلَيْسَ اخْتِلاَفُ الْعُلَمَاءِ دَلِيلاً عَلَى جَوَازِ الأَْمْرِ عَلَى الْوُجُوهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا.
قَال الشَّاطِبِيُّ: الْفَقِيهُ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَعْضَ الأَْقْوَال بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالأَْغْرَاضِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَلاَ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ أَحَدًا. وَالْمُقَلِّدُ فِي اخْتِلاَفِ الأَْقْوَال عَلَيْهِ مِثْل مَا عَلَى الْمُفْتِي (180) .
- هَذَا وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى لَيْسَ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا فِيهِ حَرَجٌ وَشِدَّةٌ عَلَى الْمُسْتَفْتِي مَا دَامَ يَجِدُ لَهُ مَخْرَجًا شَرْعِيًّا صَحِيحًا. قَال الْجَصَّاصُ فِي أَحْكَامِهِ عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَل عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} (181) قَال: لَمَّا كَانَ الْحَرَجُ الضِّيقُ، وَنَفَى اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ إِرَادَةَ الْحَرَجِ بِنَا، سَاغَ الاِسْتِدْلاَل بِظَاهِرِهِ فِي نَفْيِ الضِّيقِ وَإِثْبَاتِ التَّوْسِعَةِ فِي كُل مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ السَّمْعِيَّاتِ، فَيَكُونُ الْقَائِل بِمَا يُوجِبُ الْحَرَجَ وَالضِّيقَ مَحْجُوجًا بِظَاهِرِ الآْيَةِ، وَقَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: " إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ الرُّخْصَةِ عَنْ ثِقَةٍ فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُل أَحَدٍ (182) ".
- أَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْمُسْتَفْتِينَ جَارِيًا عَلَى التَّوَسُّطِ، فَإِنَّ فُتْيَاهُ تَكُونُ عَلَى التَّوَسُّطِ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلاَ تَسْهِيلٍ. وَالتَّوَسُّطُ هُوَ الأَْصْل فِي الشَّرِيعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

التَّيْسِيرُ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ:
الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ:
59 - أَرْشَد اللَّهُ تَعَالَى إِلَى تَسْهِيل أَمْرِ التَّزْوِيجِ وَلَوْ كَانَ الْخَاطِبُ فَقِيرًا، إِنْ كَانَ صَالِحًا، فَقَال تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الأَْيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمِ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (183) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا (184) وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً (185) وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: " لاَ تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى فِي الآْخِرَةِ كَانَ أَوْلاَكُمْ بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَتَقْلِيل الصَّدَاقِ سُنَّةٌ.
وَكَذَا أَرْشَد اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْعِشْرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَدَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ لِلآْخَرِ، مَعَ تَرْكِ الشُّحِّ بِحَقِّهِ هُوَ؛ لِتَتَيَسَّرَ الْحَيَاةُ بَيْنَهُمَا، قَال تَعَالَى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَْنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (186) .
هَذَا فِي حَال قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَكَذَا بَعْدَ انْفِصَامِهَا؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنْسَوْا الْفَضْل بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (187) .

التَّيْسِيرُ فِي مُطَالَبَةِ الْمَدِينِ:
60 - أَذِنَتِ الشَّرِيعَةُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ فِي الْمُطَالَبَةِ بِحَقِّهِ الَّذِي عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَجَعَلَتْ لَهُ التَّشَدُّدَ فِي الْمُطَالَبَةِ إِنْ كَانَ الْمَدِينُ مُمَاطِلاً، بِأَنْ كَانَ وَاجِدًا مُمْتَنِعًا مِنَ الأَْدَاءِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (188) .
أَمَّا إِنْ كَانَ مَنْ عِنْدَهُ الْحَقُّ فِي ضِيقٍ مِنَ الأَْدَاءِ فِي الْحَال، بِأَنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا، أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى تَنَاوُل الطَّعَامِ، أَوِالشَّرَابِ، أَوْ نَحْوِهِمَا، وَيُؤَخِّرُهُ ذَلِكَ عَنْ أَدَاءِ الْمَال. فَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ الدَّائِنَ إِلَى التَّيْسِيرِ عَلَيْهِ، أَمَّا إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ لاَ يَجِدُ مَا يُؤَدِّي، فَإِنَّ الإِْنْظَارَ وَاجِبٌ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (189) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: تَلَقَّتِ الْمَلاَئِكَةُ رَوْحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَال: لاَ. قَالُوا: تَذَكَّرْ قَال: كُنْت أُدَايِنُ النَّاسَ فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ (190) . قَال: قَال اللَّهُ ﷿: تَجَوَّزُوا عَنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى (191) حَتَّى لَوْ كَانَ الدَّيْنُ إِنَّمَا نَشَأَ عَنْ ظُلْمٍ وَعُدْوَانٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} إِلَى قَوْلِهِ: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (192) .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} أَمْرٌ بِأَنْ تَكُونَ الْمُطَالَبَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَ. وَيُرَاجَعُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِعْسَارٌ) .

مُيَاسَرَةُ الشَّرِيكِ وَالصَّاحِبِ:
61 - أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالإِْحْسَانِ إِلَى الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، وَهُوَ كُل مَنْ جَمَعَك بِهِ السَّفَرُ، أَوِ الْعَمَل، أَوْ نَحْوُهُمَا. وَمِنَ الإِْحْسَانِ إِلَيْهِ عَدَمُ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ، وَمُعَاوَنَتُهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ. قَال رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْمُرُوءَةُ فِي السَّفَرِ بَذْل الزَّادِ، وَقِلَّةُ الْخِلاَفِ، وَكَثْرَةُ الْمِزَاحِ فِي غَيْرِ مَسَاخِطِ اللَّهِ (193) .
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَأْنِ الْجِهَادِ فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ، وَأَطَاعَ الإِْمَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ، وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ، فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنُبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّهُ (194) . وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ: مِنَ الْمُيَاسَرَةِ بِمَعْنَى الْمُسَاهَلَةِ، أَيْ سَاهَل الرَّفِيقَ وَعَامَلَهُ بِالْيُسْرِ. التَّيْسِيرُ عَلَى الأُْجَرَاءِ:
62 - يَنْبَغِي التَّخْفِيفُ عَنِ الْعُمَّال فِي أَوْقَاتِ الأَْكْل، وَالشُّرْبِ، وَالصَّلاَةِ، وَقَضَاءِ الْحَاجَاتِ؛ لأَِنَّهَا مُسْتَثْنًى شَرْعًا عَنْ وَقْتِ الْعَمَل؛ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَكَذَا مَنِ اسْتُؤْجِرَ سَنَةً، أَوْ شَهْرًا، أَوْ جُمُعَةً، خَرَجَتْ هَذِهِ الأَْوْقَاتُ عَنِ الاِسْتِحْقَاقِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ مُنِعَ لأََدَّى إِلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ، فَلِذَا خَفَّفَ عَنِ الأُْجَرَاءِ. وَلاَ يَجُوزُ لِرَبِّ الْعَمَل تَكْلِيفُ الأَْجِيرِ عَمَلاً لاَ يُطِيقُهُ، وَهُوَ مَا يَحْصُل لَهُ بِهِ ضَرَرٌ لاَ يُحْتَمَل عَادَةً (195) . وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّقِيقِ: لاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ (196) .
__________
(1) سورة القمر / 54.
(2) حديث: " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تفرقوا " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 163 - ط السلفية) . ومسلم (3 / 1359 - ط عيسى الحلبي) .
(3) لسان العرب.
(4) سورة البقرة / 280.
(5) سورة الليل / 7.
(6) حديث: " تيسروا للقتال " أخرجه مسلم (1 / 125 - ط. عيسى الحلبي) .
(7) سورة القارعة / 8.
(8) لسان العرب.
(9) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2 / 60 عند قوله تعالى (يريد الله أن يخفف عنكم) ، بيروت، المكتب الإسلامي 1384 هـ.
(10) حديث: " وأرخص في السلم " قال الزيلعي حديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان أخرجه أصحاب السنن. قال رسول الله ﷺ، " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. . . " وأما الرخصة في السلم، فأخرج الأئمة الستة في كتبهم. . . عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ والناس يستلفون في الثمر السنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم ". نصب الراية (4 / 45 - 46ط المجلس الأعلى) .
(11) المصباح المنير، مسلم الثبوت 1 / 116 - 118، والمستصفى بهامشه 1 / 68، القاهرة، مطبعة بولاق.
(12) لسان العرب مادة: " وسع ".
(13) الموفقات للشاطبي بتعليق الشيخ عبد الله دراز 2 / 159، القاهرة، المكتبة التجارية، 1955 م.
(14) الموافقات 2 / 159.
(15) الموافقات 2 / 163 و4 / 259، 260.
(16) لسان العرب مادة: " شدد " و " ثقل ".
(17) سورة الحج / 78.
(18) سورة البقرة / 185.
(19) سورة النساء / 28.
(20) حديث: " بعثت بالحنيفية السمحة ". أخرجه أحمد (5 / 266 - ط المكتب الإسلامي) . والطبراني في الكبير (5 / 77 - ط الوطن العربي) من حديث أبي أمامة وأحمد (6 / 116 ط المكتب الإسلامي) من حديث عائشة قال السخاوي في المقاصد (ح214) ط دار الكتاب العربي بعد أن عزاه لأحمد: " سنده حسن ".
(21) حديث: " إن هذا الدين يسر، ولن يشدد الدين أحد إلا غلبه ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 93 ط السلفية) .
(22) حديث: " إن خير دينكم أيسره ". أخرجه أحمد (4 / 338 ط المكتب الإسلامي) . قال الهيثمي (رواه أحمد ورجاله رجال صحيح خلا رجاء وقد وثقه ابن حبان. مجمع الزوائد 3 / 308 ط دار الكتاب العربي) .
(23) حديث: " إن الله شرع هذا الدين فجعله سمحًا وسهلاً واسعًا. . . . " لم نعثر عليه في المصادر الحديثية التي بين أيدينا.
(24) سورة الجمعة / 2.
(25) سورة العنكبوت / 48.
(26) سورة مريم / 97.
(27) سورة القمر / 54.
(28) حديث: " يا جبريل إني أرسلت إلى أمة أمية. . . " أخرجه أحمد (5 / 405 - المكتب الإسلامي) قال الهيثمي: (فيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه كلام لا يضر. (مجمع الزوائد 7 / 150 - ط دار الكتاب العربي) .
(29) سورة طه / 113.
(30) تفسير الرازي 29 / 42 - عند الآية 17 من سورة القمر.
(31) الموافقات وتعليق الشيخ دراز 2 / 69، 86.
(32) سورة الشورى / 11.
(33) الموافقات 2 / 88، 89.
(34) سورة البقرة / 187.
(35) حديث: " إنا أمة لا نكتب ولا نحسب: الشهر هكذا وهكذا " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 136 - ط السلفية) . ومسلم (2 / 761 - عيسى الحلبي)
(36) حديث: " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 119 - ط السلفية) . مسلم (2 / 759 - ط عيسى الحلبي) .
(37) الموافقات 2 / 91.
(38) سورة البقرة / 286.
(39) ) سورة الأعراف / 42.
(40) سورة البقرة / 233.
(41) سورة الأنعام / 152.
(42) سورة البقرة / 220.
(43) سورة البقرة / 220.
(44) سورة البقرة / 220.
(45) تفسير القرطبي: سورة البقرة / 220.
(46) سورة التوبة / 128.
(47) حديث: " لو قلت نعم لو جبت، ولما استطعتم ذروني ما تركتم " أخرجه ابن ماجه (2 / 963 - ط عيسى الحلبي) قال البوصيري (هذا إسناد صحيح رجاله ثقات) . الزوائد (3 / 180 - ط الدار العربية) .
(48) حديث: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " أخرجه البخاري (2 / 374 - ط السلفية) . ومسلم (1 / 220 - ط عيسى الحلبي) واللفظ له.
(49) حديث: " كان يجب السير على الناس " لم نعثر عليه في المصادر التي بين أيدينا إلا أنه يدل على ذلك حديث " ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا ". أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 524 - ط السلفية) .
(50) حديث: " إني دخلت الكعبة. . . . " أخرجه أحمد (6 / 137 ط المكتب الإسلامي) وأبو داود (2 / 526 - ط عزت عبيد دعاس) . والترمذي (3 / 223 - ط مصطفى الحلبي) . وقال: (حديث حسن صحيح) .
(51) حديث: " ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية قط ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 92 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1497 - ط عيسى الحلبي) .
(52) مسلم الثبوت 1 / 123.
(53) الموافقات 2 / 107 وما بعدها، وتفسير القرطبي 3 / 428.
(54) قواعد الأحكام 2 / 7.
(55) سورة الأعراف / 157.
(56) سورة البقرة / 286.
(57) حديث: قال الله تعالى: " قد فعلت. . . . " أخرجه مسلم 1 / 116. ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس.
(58) سورة النساء / 160.
(59) الموافقات 2 / 120.
(60) حديث: " خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا "، أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 213 - ط السلفية) ، ومسلم (2 / 811 ط عيسى الحلبي) ، واللفظ له.
(61) حديث: " القصد القصد تبلغوا " أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 284 - ط السلفية) .
(62) حديث: " إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى ". قال الهيثمي: رواه البزار وفيه يحيى بن المتوكل أبو عقيل وهو كذاب مجمع الزوائد 1 / 62 - ط مكتبة المقدس) . وضعفه العجلوني في كشف الخفاء (2 / 284 - ط مؤسسة الرسالة) وقال: " وهذا كالحديث الآخر الذي أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة " إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ".
(63) الموافقات 2 / 121 - 153.
(64) الموافقات 2 / 123.
(65) سورة التوبة / 41.
(66) سورة البقرة / 216.
(67) حديث: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا ". أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 192 ط. السلفية، ومسلم (3 / 140ط. عيسى الحلبي) . من حديث عبادة بن الصامت.
(68) الأشباه والنظائر للسيوطي ص105 - 107 ط مصطفى الحلبي.
(69) سورة الفتح / 29.
(70) سورة التوبة / 73.
(71) قواعد الأحكام 1 / 206 - 208 والمغني لابن قدامة 8 / 182 الطبعة الثالثة.
(72) سورة النحل / 115.
(73) الموافقات للشاطبي 2 / 163.
(74) الموافقات 4 / 259، 260.
(75) سورة البقرة / 45.
(76) حديث: " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة "، أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 326 ط. السلفية) ، ومسلم (2 / 675 - 676 ط عيسى الحلبي) . واللفظ له وهو من حديث أبي هريرة.
(77) قواعد الأحكام 1 / 26 وما بعدها و1 / 206 - 211.
(78) سورة النساء / 101.
(79) سورة البقرة / 184.
(80) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5 / 216.
(81)
(82) سورة النساء / 43 وانظر: الجامع لأحكام القرآن 5 / 214، والمغني لابن قدامة 1 / 233، وبدائع الصنائع 1 / 187، والمجموع شرح المهذب 2 / 288.
(83) حديث: " صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا. . . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 5870 ط. السلفية) من حديث عمران بن حصين.
(84) سورة البقرة / 185.
(85) سورة البقرة / 184.
(86) سورة البقرة / 196 وانظر: المغني مع الشرح الكبير 1 / 239، ومغني المحتاج 1 / 87.
(87) حديث: " ما يصب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن. . . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 102 - ط السلفية) والنصب: التعب، والوصب: دوام الوجه ولزومه، والغم: ما يضيق على القلب انظر: النهاية لابن الأثير 5 / 62، 190.
(88) الأشباه والنظائر للسيوطي ص77.
(89) سورة النساء / 101.
(90) فتح القدير 2 / 403، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي للدردير 1 / 358، ومغني المحتاج 1 / 263، والكافي لابن قدامة 1 / 196، وحديث: " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة فصلى ركعتين حتى رجع. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 561 - ط السلفية.
(91) سورة البقرة / 184.
(92) حديث: " كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 186 - ط السلفية) . ومسلم (2 / 787 - ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري وهو من حديث أنس.
(93) شرح الأشباه والنظائر للحموي 1 / 106.
(94) الفروق للقرافي 2 / 33 - 34، الفرق 58.
(95) المبسوط للسرخسي 24 / 39 وما بعدها، والأم 2 / 210، والمهذب 2 / 78، والمغني 8 / 261، وكشف الأسرار 4 / 383، والأشباه والنظائر ص228.
(96) فتاوى ابن تيمية 19 / 217.
(97) مسلم الثبوت 1 / 170.
(98) سورة البقرة / 286.
(99) الأشباه والنظائر للسيوطي ص206.
(100) الأشباه والنظائر ص206 وحديث: " تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. . . . " أخرجه ابن ماجه (1 / 659 - ط عيسى الحلبي) والحاكم (2 / 198 - ط دار الكتاب العربي) وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) . ووافقه الذهبي.
(101) الموافقات للشاطبي 1 / 103، وتيسير التحرير 2 / 426.
(102) سورة الإسراء / 15.
(103) الأشباه والنظائر للسيوطي ص200، 201.
(104) الأشباه والنظائر للسيوطي ص201.
(105) سورة الأحزاب / 5.
(106) أحكام القرآن للجصاص 3 / 354.
(107) الأشباه والنظائر للسيوطي ص541.
(108) قواعد الأحكام 2 / 3.
(109) الأشباه والنظائر للسيوطي ص78.
(110) حديث: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم " أخرجه أبو داود (1 / 160 ط عزت عبيد دعاس) والنسائي (1 / 55 ط مكتب المطبوعات الإسلامية) والترمذي (1 / 153 ط مصطفى الحلبي) وقال: حديث حسن صحيح. ووافقه أحمد شاكر
(111) حديث: " إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ قال: " يطهره ما بعد ". أخرجه أبو داود (1 / 296 - ط عزت عبيد الدعاس) . والترمذي (1 / 266 - ط مصطفى الحلبي) . وصححه الترمذي وأحمد شاكر) .
(112) حديث: " إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، فإن وجد. . . . " أخرجه أبو داود (1 / 426 - ط عزت عبيد دعاس) والبيهقي (2 / 431 - ط دار المعرفة) والحاكم (1 / 260 - ط دار الكتاب العربي) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي) من حديث أبي سعيد الخدري.
(113) الأشباه والنظائر للسيوطي ص78 - 80، وشرح الأشباه لابن نجيم، وابن عابدين 1 / 206، 210، 215، وإغاثة اللهفان 1 / 150، والشرح الصغير على خليل 1 / 72 - 75
(114) الأشباه والنظائر للسيوطي ص82.
(115) الأشباه والنظائر للسيوطي ص55.
(116) المغني 1 / 501، 2 / 502.
(117) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم 1 / 183.
(118) الفروق للقرافي 3 / 184، 185.
(119) المغني 6 / 428.
(120) المغني 6 / 300.
(121) قواعد الأحكام لابن عبد السلام 2 / 8، وأشباه السيوطي ص80، وأشباه ابن نجيم بحاشية الحموي 1 / 116.
(122) قواعد الأحكام 2 / 8 - 14.
(123) الأشباه والنظائر للسيوطي ص80.
(124) الحموي على الأشباه 1 / 117.
(125) حديث: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 251 - ط السلفية) . ومسلم (4 / 1830 - ط عيسى الحلبي) .
(126) الأشباه والنظائر للسيوطي ص159، 160.
(127) حديث: " هذا ركس. . . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 256 - ط السلفية) .
(128) الأشباه بحاشية الحموي 1 / 117.
(129) المغني 3 / 351.
(130) قواعد الأحكام 2 / 6.
(131) انظر قواعد الأحكام لابن عبد السلام 2 / 6، والأشباه والنظائر للسيوطي ص82، وفتح الغفار لابن نجيم 2 / 70.
(132) الأشباه والنظائر للسيوطي ص82، وشرح أشباه ابن نجيم 1 / 117.
(133) القليوبي على شرح المنهاج 1 / 68، القاهرة، عيسى الحلبي.
(134) فتح القدير 1 / 260، وبداية المجتهد 1 / 99، والمجموع 3 / 175 والمغني 1 / 577 - 580، ونيل الأوطار 2 / 73.
(135) المغني 1 / 593، 594.
(136) المجموع 3 / 187، والمغني لابن قدامة 1 / 595، 596، 601، 602، وحاشية الدسوقي 1 / 221.
(137) المغني 3 / 563، 586 - 592.
(138) جامع الأصول لابن الأثير 3 / 597، 598.
(139) حديث: " لعلك قبلت. . . . " أخرجه البخاري (12 / 135 ط السلفية) وأبو داود (4 / 579 - 580 ط عزت عبيد الدعاس) .
(140) بداية المجتهد 2 / 377، والمغني 7 / 267، 776، وكشاف القناع 6 / 59 - 63 وحديث " قضى أن يعقل. . . . . " أخرجه أبو داود (4 / 691 - 694 ط عزت عبيد الدعاس) والنسائي (8 / 43 ط مكتب المطبوعات الإسلامية) وابن ماجه (2 / 844 ط عيسى الحلبي) وأحمد (12 / 43 ط دار المعارف) وقال أحمد شاكر إسناده صحيح) .
(141) المغني 7 / 267 - 271، وكشاف القناع 6 / 64.
(142) حديث: " عليكم ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل حتى تملوا ". أخرجه البخاري (3 / 36 ط. السلفية) .
(143) حديث: " إن هذا الدين. . . . ". سبق تخريجه، هامش 60.
(144) حديث: " سددوا وقاربوا وابشروا، فإنه لا يدخل أحدًا الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 294 ط - السلفية) ، ومسلم (4 / 2170، 2171 ط. عيسى الحلبي) .
(145) سورة الحديد / 27 وحديث: " نهى عن الوصال في الصوم لما فيه من المشقة، وقال: " لا تشددوا فيشدد الله. . . . . . ". أخرجه أبو داود (5 / 209 ط عزت عبيد الدعاس) . وفي سنده سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العجار قال الحافظ في التقريب (مقبول) تقريب التهذيب ص238 ط. دار الرشيد) .
(146) سورة الذاريات / 17 - 19.
(147) حديث: " حلوه، ليصل أحدكم نشاطه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 36 ط السلفية) .
(148) حديث: " ليس من البر الصوم في السفر ". أخرجه البخاري (4 / 183 ط السلفية) ، ومسلم (2 / 786 ط عيسى الحلبي) .
(149) الموافقات 2 / 136، 137 وحديث " أحب الأعمال. . . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 315 ط. السلفية) ، ومسلم (1 / 541 ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة.
(150) سورة الأعراف / 32.
(151) حديث: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا ". أخرجه مسلم (2 / 292 - 293 ط عيسى الحلبي) .
(152) حديث: صدق سلمان ". أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 534 ط السلفية) .
(153) حديث: " من فقه الرجل رفقه في معيشته ". أخرجه أحمد (5 / 194 ط المكتب الإسلامي) وابن عدي في الكامل (3 / 1197 ط دار الفكر وضعفه. وقال الهيثمي: وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، (مجمع الزوائد 4 / 74 ط دار الكتاب العربي) ، وضعفه المناوي في فيض القدير (6 / 16 ط المكتبة التجارية) .
(154) حديث: " إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 126 ط. السلفية) ، ومسلم (3 / 1219 - 1220 ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم.
(155) ) حديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يربيك ". أخرجه أحمد (1 / 200 ط. المكتب الإسلامي) ، والترمذي (4 / 2518 ط مصطفى الحلبي) . وقال: حديث حسن صحيح.
(156) جامع العلوم والحكم ص68، 69، 104.
(157) سورة النساء / 26.
(158) حديث: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه. . . . . . " أخرجه مسلم (4 / 2074 ط. عيسى الحلبي) .
(159) حديث: " إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق. . . . . " أخرجه أحمد (6 / 71ط. المكتب الإسلامي) قال الهيثمي: " ورجال أحمد رجال الصحيح " (مجمع الزوائد 8 / 19 ط دار الكتاب العربي) وصححه أيضًا المناوي (فيض القدير 1 / 263 ط المكتبة التجارية) .
(160) حديث: " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ". أخرجه مسلم (4 / 2003 - 2003ط عيسى الحلبي) .
(161) حديث: " من يحرم الرفق يحرم الخير كله " أخرجه مسلم (4 / 2003 عيسى الحلبي) .
(162) تحفة الأحوذي 2 / 37.
(163) حديث: " إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم. . . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 199 ط. السلفية) .
(164) حديث: " إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 197، 198ط. السلفية) ، ومسلم (1 / 340 ط. عيسى الحلبي) من حديث أبي مسعود الأنصاري.
(165) حديث: " إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 197 - 198ط. السلفية) ، ومسلم (1 / 340 ط. عيسى الحلبي) من حديث أبي مسعود الأنصاري.
(166) حديث: " تطويل النبي ﷺ - في بعض ما أثر عنه. . . . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 246 ط. السلفية) .
(167) حديث: " إني لأقوم في الصلاة. . . . . " أخرجه البخاري (2 / 201 ط. السلفية) ، ومسلم (1 / 343 ط. عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري هو عنده من حديث أبي قتادة، وعند مسلم من حديث أنس.
(168) نيل الأوطار 3 / 137.
(169) المغني لابن قدامة 2 / 308 وحديث: " إن طول صلاة الرجل. . . . " أخرجه مسلم (2 / 594 ط. عيسى الحلبي) .
(170) حديث: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به ". أخرجه مسلم (3 / 1458 ط. عيسى الحلبي) .
(171) حديث: " يا أنجشة ويحك بالقوارير. . . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 593 ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1811 - 1812 ط عيسى الحلبي) .
(172)
(173) الأحكام السلطانية ص35، 108.
(174) سورة الكهف / 66.
(175) سورة الكهف / 73.
(176) حديث: " بشرا ويسرا ولا تنفرا. . . . . " أخرجه البيهقي (8 / 294 ط دار المعرفة) وأصله في الصحيحين.
(177) حديث: " يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا " أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 524 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1359 ط عيسى الحلبي) .
(178) الموافقات للشاطبي 2 / 166 - 168.
(179) المجموع للنووي 1 / 50 نشر منير الدمشقي.
(180) الموافقات 4 / 140، 141، والفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر 4 / 304، والأحكام للقرافي ص271، وفتاوى ابن تيمية 20 / 220، 221، وشرح الإقناع للبهوتي 6 / 307.
(181) سورة المائدة / 6.
(182) أحكام القرآن 2 / 291، وصفة الفتوى لابن حمدان.
(183) سورة النور / 32.
(184) حديث: " إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها. . . . " أخرجه أحمد (6 / 77 ط المكتب الإسلامي) ، والحاكم (2 / 181 ط دار الكتاب العربي) . قال: " حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي ".
(185) حديث: " إن من أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة ". أخرجه البيهقي (7 / 235 ط دار المعرفة) ، والحاكم (2 / 178 دار الكتاب العربي) وقال: " صحيح على شرط مسلم "، وافقه الذهبي.
(186) سورة النساء / 128.
(187) سورة البقرة / 237.
(188) حديث: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ". أخرجه أحمد (4 / 222 ط. المكتب الإسلامي) وأبو داود (4 / 45 - 46 ط عزت عبيد الدعاس) وعلقه البخاري (فتح الباري 5 / 62 ط السلفية) وحسن إسناده ابن حجر.
(189) سورة البقرة / 280.
(190) حديث: " تلقت الملائكة روح رجل. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1194) من حديث حذيفة ﵁
(191) حديث: " رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى " أخرجه البخاري (فتح الباري (4 / 304 ط السلفية) .
(192) سورة البقرة / 178.
(193) تفسير القرطبي 5 / 189.
(194) حديث: " فأما من ابتغى وجه الله - وأطاع الإمام وأنفق الكريمة. . . . " أخرجه أبو داود (3 / 30 ط عزت عبيد الدعاس) والنسائي (6 / 49 ط الكتاب العربي) ، والحاكم (2 / 85 ط دار الكتاب العربي) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
(195) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1 / 145، 185.
(196) حديث: " لا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتوهم فأعينوهم ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 84 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1282 - 1283 ط عيسى الحلبي) .

الموسوعة الفقهية الكويتية: 211/ 14