البحث

عبارات مقترحة:

العليم

كلمة (عليم) في اللغة صيغة مبالغة من الفعل (عَلِمَ يَعلَمُ) والعلم...

الصمد

كلمة (الصمد) في اللغة صفة من الفعل (صَمَدَ يصمُدُ) والمصدر منها:...

الأول

(الأوَّل) كلمةٌ تدل على الترتيب، وهو اسمٌ من أسماء الله الحسنى،...

فضل الصدقة عموماً وذم التسول

العربية

المؤلف عبد الله بن علي الطريف
القسم خطب الجمعة
النوع نصي
اللغة العربية
المفردات التربية والسلوك - نوازل الأحوال الشخصية وقضايا المرأة
عناصر الخطبة
  1. فضل الصدقة وإنْ قلَّتْ .
  2. أفضل الصدقات .
  3. حرمة التسول .
  4. حقارة التسول ووجوب مكافحته .
  5. ما يجوز من المسألة .
  6. ميزات توزيع الصدقات عبر جمعيات الإغاثة .

اقتباس

وقد حصر النبي -صلى الله عليه وسلم- من تحل لهم المسألة في ثلاثة أصناف، كما في حديث قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً -الحمالة هي المال الذي يستدينه الإنسان ويدفعه في إصلاح ذات البين كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك-، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ...

أما بعد: فاتقوا الله يا عباد الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.

أيها الإخوة: لقد حث الله ورسوله على الصدقة في كل آن، وجعل الإنفاق ابتغاء مرضاة الله من أعظم الأعمال، وقد ضرب الله -تعالى- لنا مثلاً عظيماً رائعاً فقال: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة:265].

والمعنى أن الله -تعالى- ضرب مثلاً للمنفق ابتغاء مرضاة الله، بأن نفقته مضاعفة وعمله لا يبور أبداً؛ بل يتقبله الله ويكثره وينميه، ويضاعفه -سبحانه- إلى سبعمائة ضعف، قال -عز من قائل-: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:261].

قال سعيد بن جبير: (فِي سَبِيلِ)، يعني: في طاعة الله.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ" رواه البخاري ومسلم.

أيها الإخوة: تصدقوا من وُجْدِكُم، ولا يقولن أحدكم إن القليل لا يفيد ولا يقبل، بل إن القليل إلى القليل يصبح كثيراً بتوفيق الله -تعالى-، ومع صدق النية يبارك الله فيه؛ أما قبوله فهو إلى الواحد الأحد، الجواد الكريم، الذي يجزي على القليل وينميه.

بل ربما سبق القليلُ الكثيرَ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ". قَالُوا: يَا رَسولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ؟ قَالَ: "رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَانِ فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَأَخَذَ مِنْ عُرْضِ مَالِهِ مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا" رواه النسائي وهو حديث حسن.

وبين رسول الله أفضل الصدقة حين جاءه رَجُلٌ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ وفي رواية عند مسلم: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ الرسولُ -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَا -وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّهُ. أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ -وفي رواية: وأنت صَحِيحٌ شَحِيحٌ- تَأْملُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ" رواه البخاري ومسلم.

قالَ شَيْخُنا محمد العثيمين -رحمه الله-: في الحَدِيثِ دَلِيْلٌ على أنَّ الإنْسَانَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُبَادِرَ بِالصَدَقَةِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَه الْمَوْتُ، وأَنْهُ إِذَا تَصَدَّقَ في حَالِ حُضُورِ الأَجَلِ كَان ذلك أَقل فَضْلاً مِما لو تَصدَّقَ وهو صَحِيْحٌ شَحِيحٌ.

أيها الإخوة: وكما أن الله ورسوله حثّا على الصدقة مهما قلّت، ورتبا عليها الأجر العظيم، فإنهما كذلك نهيا عن التسول وسؤال الناس ، لما فيه من إراقة لماء الوجه، ولما فيها من ذلٍ وهوان في الدنيا والآخرة، وهو عمل حقير ترفضه الأذواق السليمة.

والأصل في التسول التحريم، وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عنه، منها: عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ" أي: قطعة لحم. متفق عليه .

وعَنْه -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى"، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ. متفق عليه.

وعَنْ عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن سَألَ الناس، وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة ومسألتُه في وجهه خُموش أو خدوش -ما يظهر على الجلد واللحم من أثر ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح، ولعل المراد بها آثار مستنكرة في وجهه حقيقة أو أمارات ليُعرف ويُشهر بذلك بين أهل الموقف-"، قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: خمسون دِرْهما، أو قيمتها من الذهب" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وإسناده صحيح.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا -أي: ليكثر ماله وليس للحاجة- فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ" رواه مسلم.

قال أبو حامد الغزالي -رحمه الله-: "إنما قلنا إن الأصل في السؤال التحريم لثلاثة أسباب: الأول: شكوى الله على الخلق، الثاني: السائل يذل نفسه لغير الله وليس للمؤمن أن يذل نفسه إلا له، الثالث: السؤال لا ينفك عن إحراج المسؤول وإيذائه، فهو إما أن يعطيه حياء أو رياء وبذلك يحرم على المعطي والآخذ، وإن منعه تأذى المعطي في نفسه حيث يتصور أنه من البخلاء، وأنه في إعطائه نقص ماله، وفي منعه نقص جاهه، وكلاهما مؤذيان، والسائل هو السبب في هذا الإيذاء، والإيذاء حرام بالضرورة". اهـ.

 
أيها الإخوة: كفى من حقارة التسول أنه دليل على ضعف النفس ودناءتها، وأنه يورث سفولاً وانحطاطاً في المجتمع، وينزع البركة من المال، وهو طريق إلى استباحة أموال الناس بغير حق، حتى أصبح من مظاهر تأخر الأمم والشعوب.

كل هذا -أيها الإخوة- يؤدي إلى تعاظم دور أئمة المساجد ومدى تحملهم لمسؤولياتهم؛ لأن واجبهم حماية بيوت الله من أن تستغل في وجوه الكسب المحرم وإيذاء المصلين وإشغالهم عن الذكر والدعاء.

وقد حصر النبي -صلى الله عليه وسلم- من تحل لهم المسألة في ثلاثة أصناف، كما في حديث قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً -الحمالة هي المال الذي يستدينه الإنسان ويدفعه في إصلاح ذات البين كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك-، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: "أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا".

قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ"، أي: إلى أن يجد الحمالة ويؤدي ذلك الدين ثم يمسك نفسه عن السؤال.

قال: "وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ"، الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها من حرق أو غرق ونحوه وكل مصيبة عظيمة، واجتاحت أي أهلكت، قال: "فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ"، أَوْ قَالَ: "سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ". قال العيني -رحمه الله-:" يجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير طلب بينة منه على ثبوت فقره؛ لظهور حاله".

ثم قال: "وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ -أي: فقر وضرورة بعد غنى- حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ"، والحجا العقل، وإنما قال -صلى الله عليه وسلم- من قومه لأنهم هم أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يخفى في العادة فلا يعلمه إلا من كان خبيرا بصاحبه، "فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ"، أي: إلى أن يجد ما تقوم به حاجته من معيشة، أَوْ قَالَ: "سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ؛ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ، يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتاً" السحت: الحرام. رواه مسلم.

أسأل الله -تعالى- أن يطهر قلوبنا من الذل والخضوع إلا له، وأن يرزقنا القناعة، ويعيذنا من ذل المسألة، إنه جواد كريم.

بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية:

أما بعد: فاتقوا الله يا عباد الله حق التقوى.

أيها الإخوة: مع كثرة الناس، وقلة الوازع الإيماني عند بعضهم، وعدم المعرفة التامة بالمحتاجين للصدقة والمستحقين للزكاة، أصبح وجود مؤسسات متخصصة تتولى جانب البحث والتحري عن المحتاجين أمرا لا بد منه.

وقد تنبهت الدولة -وفقها الله- إلى إعطاء الفرصة لأهل الخير لإنشاء جمعيات تتولى جمع الصدقات والزكوات وصرفها على المحتاجين بعد البحث والتحري عنهم بأدوات من البحث لا تتيسر لغيرها، ومن حاول أن يحتال ونجح في حيلته فليبشر بشر وفقر في النفس في الدنيا لا تسده أموال الدنيا، وبالعذاب الأليم يوم القيامة.

لذلك أحث جميع المسلمين لدعم هذه الجمعيات لما في دعمها من تقوية للعاملين فيها، وكذلك للاطمئنان التام من أنها تضع المساعدة في يد مستحقها بعد بحث وتحرٍّ.

وفي دفع الصدقات للجمعيات فكٌ لحرج الأغنياء من أذية المتسولين الذين لا يستحقون الزكاة في كثير من أحوالهم.

ثم إن الجمعيات تقوم بتنظيم الإنفاق على الفقراء بأوقات معينة طوال العام، ثم إن البذل للجمعيات فرصة لصدقة السر والقضاء على ظاهرة التسول، وتعطى المنفق الفرصة أن يوزع صدقته أو زكاته على أنواع الفقراء والمعوزين.

ثم إن سؤال الفقير للجمعية إذا كان محتاجاً لا متكثراً ولا مخادعاً بإخفاء ما أعطاه الله من الخير فيه حفظ لماء وجهه من إراقته لكل من يلقاه، وفيه حفظ لسره.

وأخيراً؛ يُعطى المنفق الفرصة لأن ينفق في الأشهر والأيام الفاضلة، والجمعية وكيل الفقير، تقدمها له على مدار العام.

أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعاً لكل خير ...