السلام
كلمة (السلام) في اللغة مصدر من الفعل (سَلِمَ يَسْلَمُ) وهي...
هو في معنى المندوب، إلا أنه دونه في المنزلة . ويطلق على المندوب، والمستحب بلا فرق . وهو كل عبادة ليست فرضاً، ولا واجباً، يمكن فعلها أحياناً، وتركها أحياناً
التَّنفُّل "تفعُّلٌ" من النَّفْلُ أي: الزِّيادَةُ، أي: ما كان زِيادَةً على الأَصل، سُمِّيت بِذلك؛ لأنَّها زائِدَةٌ على الفَرائِضِ، أو لأنَّها زِيادَةٌ في الأَجْرِ لَهُم، يُقال: تَنَفَّلْتُ، أيْ: فَعَلْتُ فِعْلًا زِيادَةً على الواجِبِ. ومِن معانِيه: عَطِيَّةُ التَّطَوُّعِ والتَّبَرُّعُ.
يَرِد مُصْطلَح (نَفْل) في الفِقْهِ في عِدَّةِ أبوابٍ فِقهِيَّةٍ، منها: كِتاب الصِّيامِ، باب: الصِّيام المُسْتَحَبّ، وفي كتاب الزَّكاة، باب: الصَّدقات، وفي كتاب الحجِّ، وغير ذلك مِن الأبواب.
نفل
كل عبادة ليست فرضاً، ولا واجباً، يمكن فعلها أحياناً، وتركها أحياناً. وهو في معنى المندوب، إلا أنه دونه في المنزلة.
* العين : (8/325)
* تهذيب اللغة : (15/256)
* مختار الصحاح : (ص 317)
* لسان العرب : (11/670)
* المصباح المنير في غريب الشرح الكبير : (2/619)
* القاموس الفقهي : (ص 358)
* معجم لغة الفقهاء : (ص 148)
* الموسوعة الفقهية الكويتية : (41/100)
* حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : (1/312)
* مغني الـمحتاج فـي شرح الـمنهاج : (1/219)
* أسنى المطالب في شرح روض الطالب : (1/200) -
التَّعْرِيفُ:
1 - مِنْ مَعَانِي النَّفْل - بِسُكُونِ الْفَاءِ وَقَدْ تُحَرَّكُ - فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ، وَالنَّفْل وَالنَّافِلَةُ: مَا يَفْعَلُهُ الإِْنْسَانُ مِمَّا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ (1) .
قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنَ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ (2) } .
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَقَدْ عَرَّفَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ الْحَنَفِيُّ بِأَنَّهُ: الْعِبَادَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَرْضٍ وَلاَ وَاجِبٍ، فَهِيَ الْعِبَادَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى مَا هُوَ لاَزِمٌ، فَتَعُمُّ السُّنَنَ الْمُؤَكَّدَةَ وَالْمُسْتَحَبَّةَ وَالتَّطَوُّعَاتِ غَيْرَ الْمُؤَقَّتَةِ (3) .
وَقَال الدُّسُوقِيُّ: النَّفْل مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ، أَيْ يَتْرُكُهُ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ وَيَفْعَلُهُ فِي بَعْضِ الأَْحْيَانِ (4) . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: النَّفْل هُوَ مَا عَدَا الْفَرَائِضَ - أَيْ مِنَ الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا كَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ - وَهُوَ: مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْحَسَنِ وَالْمُرَغَّبِ فِيهِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالتَّطَوُّعِ، فَهِيَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِتَرَادُفِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ (5) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
السُّنَّةُ:
2 - السُّنَّةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقَةُ وَالسِّيرَةُ، يُقَال: سُنَّةُ فُلاَنٍ كَذَا؛ أَيْ طَرِيقَتُهُ وَسِيرَتُهُ، حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ سَيِّئَةً (6) .
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ عَرَّفَهَا إِبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّهَا الطَّرِيقَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ إِلْزَامٍ عَلَى سَبِيل الْمُوَاظَبَةِ (7) .
وَقَال الدُّسُوقِيُّ: السُّنَّةُ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَظْهَرَهُ حَالَةَ كَوْنِهِ فِي جَمَاعَةٍ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَدُل دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ (8) . وَأَمَّا الصِّلَةُ بَيْنَ النَّفْل وَالسُّنَّةِ فَقَدْ قَال الشُّرُنْبُلاَلِيُّ: النَّفْل أَعَمُّ، إِذْ كُل سُنَّةٍ نَافِلَةٌ وَلاَ عَكْسَ (9) .
فَضْل النَّفْل:
3 - تَدُل السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِدَامَةَ النَّوَافِل بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ تُفْضِي إِلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ وَصَيْرُورَتِهِ مِنْ جُمْلَةِ أَوْلِيَائِهِ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (10) ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأَُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأَُعِيذَنَّهُ (11) .
فَقَدْ قَسَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْلِيَاءَهُ الْمُقَرَّبِينَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْ تَقَرَّبِ إِلَيْهِ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَيَشْمَل ذَلِكَ فِعْل الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ، لأَِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ.
وَالثَّانِي: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ بِالنَّوَافِل (12) .
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ النَّوَافِل: كَثْرَةُ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ وَسَمَاعِهِ بِتَفَكُّرٍ وَتَدَبُّرٍ وَتَفَهُّمٍ، قَال خَبَّابُ بْنُ الأَْرَتِّ ﵁ لِرَجُلٍ: تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَسْتَ تَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ كَلاَمِهِ (13) . وَمِنْ ذَلِكَ: كَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ الَّذِي يَتَوَاطَأُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ (14) ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الأَْعْمَال أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَال: " أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (15) . وَتَدُل الأَْحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُكْمِل لِلْعَبْدِ مَا تَرَكَ مِنَ الْفَرَائِضِ بِفَضْل النَّوَافِل، فَقَدْ قَال أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِنَّ أَوَّل مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَال الرَّبُّ ﷿: انْظُرُوا هَل لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكْمِل بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ (16) .
قَال الْعِرَاقِيُّ: يُحْتَمَل أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا انْتَقَصَهُ مِنَ السُّنَنِ وَالْهَيْئَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهَا مِنَ الْخُشُوعِ وَالأَْذْكَارِ وَالأَْدْعِيَةِ، وَأَنَّهُ يَحْصُل لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فِيهَا وَإِنَّمَا فَعَلَهُ فِي التَّطَوُّعِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا انْتَقَصَ أَيْضًا مِنْ فُرُوضِهَا وَشُرُوطِهَا، وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَادَ مَا تَرَكَ مِنَ الْفَرَائِضِ رَأْسًا فَلَمْ يُصَلِّهِ فَيُعَوَّضُ عَنْهُ مِنَ التَّطَوُّعِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقْبَل مِنَ التَّطَوُّعَاتِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ.
وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ يُكْمِل لَهُ مَا نَقَصَ مِنْ فَرْضِ الصَّلاَةِ وَأَعْدَادِهَا بِفَضْل التَّطَوُّعِ، وَيُحْتَمَل مَا نَقَصَهُ مِنَ الْخُشُوعِ، وَالأَْوَّل عِنْدِي أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ ﷺ - فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ - ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَْعْمَال عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ (17) ، وَلَيْسَ فِي الزَّكَاةِ إِلاَّ فَرْضٌ أَوْ فَضْلٌ فَكَمَا يَكْمُل فَرْضُ الزَّكَاةِ بِفَضْلِهَا كَذَلِكَ الصَّلاَةُ، وَفَضْل اللَّهِ أَوْسَعُ وَوَعْدُهُ أَنْفَذُ وَعَزْمُهُ أَعَمُّ (18) .
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْل:
4 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْفَرْضَ أَفْضَل مِنَ النَّفْل (19) ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ (20) . وَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: قَال الأَْئِمَّةُ: خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِإِيجَابِ أَشْيَاءَ لِتَعْظِيمِ ثَوَابِهِ، فَإِنَّ ثَوَابَ الْفَرَائِضِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ الْمَنْدُوبَاتِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةٍ (21) . وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَفْضَل الأَْعْمَال أَدَاءُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ، وَالْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، وَصِدْقُ النِّيَّةِ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ ﷿، وَقَال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خُطْبَتِهِ: أَفْضَل الْعِبَادَةِ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ (22) .
5 - وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْل أَفْضَلِيَّةِ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْل أُمُورًا، وَذَكَرُوا صُوَرًا لِلنَّوَافِل الَّتِي فَضَّلَهَا الشَّرْعُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ (23) مِنْهَا:
أ - إِبْرَاءُ الْمُعْسِرِ فَإِنَّهُ أَفْضَل مِنْ إِنْظَارِهِ، وَإِنْظَارُهُ وَاجِبٌ، وَإِبْرَاؤُهُ مُسْتَحَبٌّ.
هَذِهِ الصُّورَةُ ذَكَرَهَا ابْنُ نُجَيمٍ وَابْنُ السُّبْكِيِّ وَالْقَرَافِيُّ (24) .
ب - ابْتِدَاءُ السَّلاَمِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَالرَّدُّ وَاجِبٌ وَالاِبْتِدَاءُ أَفْضَل (25) ، لِقَوْلِهِ ﷺ: وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ (26) . ج - الْوُضُوءُ قَبْل الْوَقْتِ مَنْدُوبٌ، وَهُوَ أَفْضَل مِنَ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَهُوَ الْفَرْضُ.
وَذَكَرَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (27) .
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الأَْذَانَ سُنَّةٌ، وَهُوَ عَلَى مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ أَفْضَل مِنَ الإِْمَامَةِ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ (28) .
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ الصُّوَرَ الآْتِيَةَ:
أ - صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلاَةً، أَيْ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مَثُوبَةً مِثْل مَثُوبَةِ صَلاَةِ الْمُنْفَرِدِ، وَهَذِهِ السَّبْعُ وَالْعِشْرُونَ مَثُوبَةً هِيَ مُضَافَةٌ لِوَصْفِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ خَاصَّةً، أَلاَ تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ حَصَلَتْ لَهُ، مَعَ أَنَّ الإِْعَادَةَ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَصَارَ وَصْفُ الْجَمَاعَةِ الْمَنْدُوبُ أَكْثَرَ ثَوَابًا مِنْ ثَوَابِ الصَّلاَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ فَضُل وَاجِبًا، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَصْلَحَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ.
ب - الصَّلاَةُ فِي مَسْجِدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ بِأَلْفِ مَثُوبَةٍ مَعَ أَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَقَدْ فَضُل الْمَنْدُوبُ الَّذِي هُوَ الصَّلاَةُ فِي مَسْجِدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْل الصَّلاَةِ.
ج - الصَّلاَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَقَدْ فَضُل الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْل الصَّلاَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلاَةٌ.
د - الصَّلاَةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلاَةٍ، مَعَ أَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَقَدْ فَضُل الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْل الصَّلاَةِ.
هـ - رُوِيَ أَنَّ صَلاَةً بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلاَةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ، مَعَ أَنَّ وَصْفَ السِّوَاكِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَقَدْ فَضُل الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْل الصَّلاَةِ.
و الْخُشُوعُ فِي الصَّلاَةِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لاَ يَأْثَمُ تَارِكُهُ. فَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَال: " بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَال: " مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ. قَال: فَلاَ تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا (29) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا (30) .
قَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّمَا أَمَرَ بِعَدَمِ الإِْفْرَاطِ فِي السَّعْيِ، لأَِنَّهُ إِذَا قَدِمَ عَلَى الصَّلاَةِ عَقِيبَ شِدَّةِ السَّعْيِ يَكُونُ عِنْدَهُ انْبِهَارٌ وَقَلَقٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الْخُشُوعِ اللاَّئِقِ بِالصَّلاَةِ، فَأَمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَاجْتِنَابِ مَا يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ الْخُشُوعِ وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَاتُ، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّ الْخُشُوعَ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ وَصْفِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ مَعَ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ، فَقَدْ فَضُل الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَهِيَ عَلَى خِلاَفِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهَا الَّتِي شَهِدَ لَهَا الْحَدِيثُ (31) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ (32) .
لُزُومُ النَّفْل بِالشُّرُوعِ:
6 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى لُزُومِ إِتْمَامِ حَجِّ النَّفْل وَالْعُمْرَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا (33) . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ، وَشَرَعَ فِي الصَّدَقَةِ بِهِ، فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ (34) .
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي لُزُومِ إِتْمَامِ النَّفْل مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مَنْ شَرَعَ فِي صَلاَةِ النَّفْل أَوْ فِي صَوْمِ النَّفْل يُؤَاخَذُ بِالْمُضِيِّ فِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَمْضِ يُؤَاخَذُ بِالْقَضَاءِ (35) ، لأَِنَّ الْمُؤَدَّى مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ صَارَ مُسَلَّمًا بِالأَْدَاءِ، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ كَانَ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ، فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْ إِبْطَالِهِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَهَذَا التَّحَرُّزُ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِالإِْتْمَامِ فِيمَا لاَ يَحْتَمِل الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي عِبَادَةً، فَيَجِبُ الإِْتْمَامُ لِهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ نَفْلاً، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ إِذَا أَفْسَدَهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي فِيمَا هُوَ حَقُّ الْغَيْرِ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْذُورِ، فَالْمَنْذُورُ فِي الأَْصْل مَشْرُوعٌ نَفْلاً، وَلِهَذَا لاَ يَكُونُ مُسْتَدَامًا كَالنَّوَافِل، إِلاَّ أَنَّهُ لِمُرَاعَاةِ التَّسْمِيَةِ بِالنَّذْرِ يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الْمَشْرُوعِ نَفْلاً، فَإِذَا وَجَبَ الاِبْتِدَاءُ لِمُرَاعَاةِ التَّسْمِيَةِ فَلأََنْ يَجِبَ الإِْتْمَامُ لِمُرَاعَاةِ مَا وُجِدَ مِنْهُ الاِبْتِدَاءُ ابْتِدَاءً كَانَ أَوْلَى، وَهُوَ نَظِيرُ الْحَجِّ فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ مِنْهُ نَفْلاً يَصِيرُ وَاجِبَ الأَْدَاءِ لِمُرَاعَاةِ التَّسْمِيَةِ حَقًّا لِلشَّرْعِ، فَكَذَلِكَ الإِْتْمَامُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَْدَاءِ يَجِبُ حَقًّا لِلشَّرْعِ (36) .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّلاَةِ مَا يَدُل عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَإِنَّ الأَْثْرَمَ قَال: قُلْتُ لأَِبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُل يُصْبِحُ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا فَيَكُونُ بِالْخِيَارِ، وَالرَّجُل يَدْخُل فِي الصَّلاَةِ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا؟ فَقَال: الصَّلاَةُ أَشَدُّ؛ أَمَّا الصَّلاَةُ فَلاَ يَقْطَعُهَا، قِيل لَهُ: فَإِنْ قَطَعَهَا قَضَاهَا؟ قَال: فَإِنْ قَضَاهَا فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلاَفٌ، وَمَال أَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيُّ إِلَى هَذَا الْقَوْل، وَقَال: الصَّلاَةُ ذَاتُ إِحْرَامٍ وَإِحْلاَلٍ فَلَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا (37) .
وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا افْتَتَحَ التَّنَفُّل بِالصَّلاَةِ حَالَةَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ وَالاِنْتِصَافِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَلَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ، وَالصَّلاَةُ إِنَّمَا هِيَ أَرْكَانٌ مِثْل الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَابْتِدَاءُ الاِفْتِتَاحِ لَيْسَ بِصَلاَةٍ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، فَجَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّوْمُ لأَِنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَابْتِدَاءُ الصَّوْمِ صَوْمٌ، لأَِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ هُوَ إِلاَّ الإِْمْسَاكَ، فَوُجِدَ الْفِعْل الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، فَجَازَ أَنْ لاَ يَثْبُتَ حُكْمُهُ وَلاَ يُؤْمَرَ بِإِتْمَامِهِ (38) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِنَفْلٍ - غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ - فَلَهُ قَطْعُهُ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَوْمِ النَّفْل: الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِينُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ (39) وَقَال: وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ. .
وَقَاسُوا الصَّلاَةَ عَلَى الصَّوْمِ وَقَالُوا: يُقَاسُ بِذَلِكَ بَقِيَّةُ النَّوَافِل غَيْرَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَاعْتِكَافٍ وَطَوَافٍ وَوُضُوءٍ وَقِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَهَا، وَالتَّسْبِيحَاتِ عَقِبَ الصَّلاَةِ، وَلِئَلاَّ يُغَيِّرَ الشُّرُوعُ حُكْمَ الْمَشْرُوعِ فِيهِ (40) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنَ النَّفْل غَيْرَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِلاَ عُذْرٍ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (41) } ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَ إِتْمَامَهُ (42) .
وَقَال السُّيُوطِيُّ: لَيْسَ لَنَا نَفْلٌ مُطْلَقٌ يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ إِلاَّ مَنْ شَرَعَ فِي نَفْل صَلاَةٍ أَوْ صَوْمٍ ثُمَّ أَفْسَدَهُ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ قَضَاؤُهُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ شَرَعَ فِي النَّفْل إِتْمَامُهُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ اسْتُحِبَّ قَضَاؤُهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ وَعَمَلاً بِالْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ الْمُخَالِفُونَ (43) .
تَنَفُّل مَنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ مَنْ جِنْسِهِ قَبْل أَدَائِهِ:
7 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّنَفُّل بِالصَّلاَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ الْفَوَائِتُ، وَأَمَّا التَّنَفُّل بِالصَّوْمِ قَبْل قَضَاءِ رَمَضَانَ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (44) .
وَقَالُوا: مَنْ نَوَى الْحَجَّ وَعَيَّنَهُ نَفْلاً فَيَقَعُ نَفْلاً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَّ لِلْفَرْضِ، وَكَذَا لَوْ نَوَى الْحَجَّ عَنِ الْغَيْرِ أَوِ النَّذْرِ كَانَ عَمَّا نَوَى وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ لِلْفَرْضِ، لأَِنَّ الْفَرْضَ لاَ يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ النَّفْل، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ الْمَنْقُول الصَّرِيحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَرُوِيَ عَنِ الثَّانِي وُقُوعُهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ كَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الصِّيَامِ (45) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ التَّنَفُّل لِمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ مِنَ الصَّلاَةِ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ مِمَّا عَلَيْهِ، لاِسْتِدْعَائِهِ التَّأْخِيرِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا الْحُكْمِ السُّنَنَ كَوَتْرٍ وَعِيدٍ وَالشَّفْعِ الْمُتَّصِل بِالْوَتْرِ وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ (46) .
وَقَالُوا: يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ كَالْمَنْذُورِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، وَذَلِكَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ وَعَدَمِ فَوْرِيَّتِهِ (47) .
وَصَرَّحُوا بِأَنَّ مِنْ نَوَى وَقْتَ إِحْرَامِهِ لِلْحَجِّ النَّفْل وَقَعَ نَفْلاً وَالْفَرْضُ بَاقٍ عَلَيْهِ (48) .
وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ نَقْلاً عَنِ الْجُرْجَانِيِّ: يُكْرَهُ لِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِصَوْمٍ (49) .
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: لَيْسَ لَهُ التَّطَوُّعُ بِالْحَجِّ قَبْل أَدَاءِ الْفَرْضِ، فَلَوْ فَعَل انْصَرَفَ إِلَى الْفَرْضِ (50) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: لاَ يَجُوزُ لِمَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَنْ يَصْرِفَ زَمَنًا لِغَيْرِ قَضَائِهَا كَالتَّطَوُّعِ، قَال الشَّرَوَانِيُّ: وَيَصِحُّ التَّطَوُّعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَعَ الإِْثْمِ خِلاَفًا لِلزَّرْكَشِيِّ (51) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ كَرَاهَةَ التَّنَفُّل قَبْل قَضَاءِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ الْفَائِتَةِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا الْحُكْمِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حَيْثُ قَالُوا بِاسْتِحْبَابِ قَضَائِهِمَا قَبْل الْفَرِيضَةِ (52) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ مِمَّنْ عَلَيْهِ صَوْمُ فَرْضٍ، فَنَقَل عَنْهُ حَنْبَلٌ أَنَّهُ قَال: لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ مِنَ الْفَرْضِ حَتَّى يَقْضِيَهُ، يَبْدَأُ بِالْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ صَامَهُ، يَعْنِي بَعْدَ الْفَرْضِ.
وَاسْتَدَل بِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُتَقَبَّل مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ (53) . ثُمَّ قَال: وَلأَِنَّهُ عِبَادَةٌ يَدْخُل فِي جُبْرَانِهَا الْمَال فَلَمْ يَصِحَّ التَّطَوُّعُ بِهَا قَبْل أَدَاءِ فَرْضِهَا كَالْحَجِّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّطَوُّعُ، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مُوَسَّعٍ فَجَازَ التَّطَوُّعُ فِي وَقْتِهَا قَبْل فِعْلِهَا، كَالصَّلاَةِ يُتَطَوَّعُ فِي أَوَّل وَقْتِهَا (54) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِنْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ أَوْ نَذْرٍ مَنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَعَلَيْهِ فَرْضُهُ فَوَقَعَ عَنْ فَرْضِهِ كَالْمُطْلَقِ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ وَعَلَيْهِ مَنْذُورَةٌ وَقَعَتْ عَنِ الْمَنْذُورَةِ لأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ فَهِيَ كَحَجَّةِ الإِْسْلاَمِ.
وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِيمَا ذُكِرَ؛ لأَِنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَأَشْبَهَتِ الآْخَرَ، وَالنَّائِبُ كَالْمَنُوبِ عَنْهُ فِي هَذَا، فَمَتَى أَحْرَمَ النَّائِبُ بِتَطَوُّعٍ أَوْ نَذْرٍ عَمَّنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ وَقَعَتْ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ النَّائِبَ يَجْرِي مَجْرَى الْمَنُوبِ عَنْهُ (55) .
نَفْل الصَّلاَةِ:
8 - الصَّلاَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَرْضٌ وَنَفْلٌ.
فَالْفَرْضُ خَمْسٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَسَبَقَ تَفْصِيل أَحْكَامِهَا فِي مُصْطَلَحِ (الصَّلَوَات الْخَمْس الْمَفْرُوضَة) .
وَأَمَّا النَّوَافِل فَتَنْقَسِمُ إِلَى مُعَيَّنَةٍ وَمُطْلَقَةٍ:
أ - النَّوَافِل الْمُعَيَّنَةُ:
9 - النَّوَافِل الْمُعَيَّنَةُ تَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ أَوْ بِوَقْتٍ.
فَأَمَّا النَّوَافِل الْمُعَيَّنَةُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ، فَهِيَ: الْكُسُوفَانِ، وَالاِسْتِسْقَاءُ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وَرَكْعَتَا الإِْحْرَامِ، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَصَلاَةُ الاِسْتِخَارَةِ، وَصَلاَةُ الْحَاجَةِ.
وَأَمَّا النَّوَافِل الْمُعَيَّنَةُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْوَقْتِ فَهِيَ: الْعِيدَانِ وَالتَّرَاوِيحُ، وَالْوَتْرُ، وَالضُّحَى، وَصَلاَةُ الأَْوَّابِينَ، وَصَلاَةُ التَّهَجُّدِ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ (56) .
وَمِنْ هَذَا الصِّنْفِ: إِحْيَاءُ الْعَشْرِ الأَْخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَإِحْيَاءُ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ، وَلَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ (57) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ الاِجْتِمَاعُ عَلَى إِحْيَاءِ لَيْلَةٍ مِنْ هَذِهِ اللَّيَالِي فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا.
وَقَال إِبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ: إِنَّ كُلًّا مِنْ صَلاَةِ الرَّغَائِبِ لَيْلَةَ أَوَّل جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَصَلاَةِ الْبَرَاءَةِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَصَلاَةِ الْقَدْرِ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ بِالْجَمَاعَةِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ (58) .
وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَذِهِ النَّوَافِل فِي الْمُصْطَلَحَاتِ الْخَاصَّةِ بِهَا وَفِي (إِحْيَاء اللَّيْل ف 6) .
وَأَمَّا حُكْمُ الْجَمَاعَةِ فِي النَّوَافِل فَيُنْظَرُ فِي (صَلاَة الْجَمَاعَةِ ف 8) .
ب - النَّوَافِل الْمُطْلَقَةُ:
10 - هِيَ النَّوَافِل الَّتِي لاَ تَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ وَلاَ وَقْتٍ وَلاَ حَصْرٍ لأَِعْدَادِهَا (59) .
عَدَدُ رَكَعَاتِ النَّوَافِل الْمُطْلَقَةِ:
11 - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الأَْفْضَل فِي صَلاَةِ النَّفْل فِي اللَّيْل وَالنَّهَارِ أَنْ يَكُونَ مَثْنَى (60) .
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا شَرَعَ فِي نَفْلٍ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَةٍ وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَصَاعِدًا، وَلَوْ صَلَّى عَدَدًا لاَ يَعْلَمُهُ ثُمَّ سَلَّمَ صَحَّ، وَلَوْ نَوَى رَكْعَةً أَوْ عَدَدًا قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا فَلَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا نَوَى عَدَدًا فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَلَهُ أَنْ يَنْقُصَ، فَمَنْ أَحْرَمَ بِرَكْعَةٍ فَلَهُ جَعْلُهَا عَشْرًا، أَوْ بِعَشْرٍ فَلَهُ جَعْلُهَا وَاحِدَةً بِشَرْطِ تَغْيِيرِ النِّيَّةِ قَبْل الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَلَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ قَبْل تَغَيُّرِ النِّيَّةِ عَمْدًا بَطُلَتْ صَلاَتُهُ (61) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ مَنْ تَطَوَّعَ بِأَرْبَعٍ نَهَارًا فَلاَ بَأْسَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: " كَانَ يُصَلِّي قَبْل الظُّهْرِ أَرْبَعًا إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ لاَ يَفْصِل بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ (62) وَكَوْنُ الأَْرْبَعِ بِتَشَهُّدَيْنِ أَوْلَى مِنْ سَرْدِهَا لأَِنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلاً، وَإِنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ نَهَارًا، أَوْ زَادَ عَلَى اثْنَتَيْنِ لَيْلاً، وَلَوْ جَاوَزَ ثَمَانِيًا نَهَارًا أَوْ لَيْلاً بِسَلاَمٍ وَاحِدٍ صَحَّ ذَلِكَ وَكُرِهَ.
وَقَالُوا: يَصِحُّ التَّنَفُّل بِرَكْعَةٍ وَنَحْوِهَا، كَثَلاَثٍ وَخَمْسٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: الصَّلاَةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ مَنْ شَاءَ اسْتَقَل وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ (63) ، وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ دَخَل الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَحِقَهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَكَعْتَ إِلاَّ رَكْعَةً وَاحِدَةً. قَال: هُوَ التَّطَوُّعُ فَمَنْ شَاءَ زَادَ وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ (64) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ فِي النَّوَافِل بِاللَّيْل وَالنَّهَارِ أَنْ تَكُونَ مَثْنَى مَثْنَى يُسَلِّمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ (65) فَقَدْ جَاءَ فِي مَوَاهِبِ الْجَلِيل نَقْلاً عَنِ التَّلْقِينِ وَالاِخْتِيَارِ فِي النَّفْل مَثْنَى مَثْنَى.
وَفِي كِتَابِ الصَّلاَةِ الأَْوَّل مِنَ الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ النَّافِلَةِ مَا نَصُّهُ: وَصَلاَةُ النَّافِلَةِ فِي اللَّيْل وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى قَال ابْنُ نَاجِي: هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ بِاتِّفَاقٍ، وَقَال ابْنُ فَرْحُونَ: السُّنَّةُ فِي صَلاَةِ النَّافِلَةِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ، وَأَجَازَ ابْنُ عَرَفَةَ التَّنَفُّل بِأَرْبَعٍ، وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ابْتِدَاءً (66) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الأَْفْضَل فِي نَوَافِل اللَّيْل وَالنَّهَارِ رِبَاعٌ (67) لِمَا وَرَدَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سُئِلَتْ: كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ رَسُول اللَّهِ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا (68) ، وَكَانَ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا لاَ يَفْصِل بَيْنَهُنَّ بِسَلاَمٍ (69)
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الأَْفْضَل فِي النَّهَارِ كَمَا قَال الإِْمَامُ أَرْبَعٌ وَأَرْبَعٌ، وَفِي اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى، قَال فِي الدِّرَايَةِ وَفِي الْعُيُونِ: وَبِقَوْلِهِمَا يُفْتَى اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ (70) وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: صَلاَةُ اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى (71) .
وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ: تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ فِي نَفْل النَّهَارِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ثَمَانٍ لَيْلاً بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ.
قَال حَسَنٌ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ: هَذَا اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ، وَفِي الْمِعْرَاجِ: وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ وَصْل الْعِبَادَةِ، وَكَذَا صَحَّحَ السَّرَخْسِيُّ عَدَمَ كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا (72) .
وَيُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الرُّبَاعِيَّاتِ الْمُؤَكَّدَةِ وَالرُّبَاعِيَّاتِ الْمَنْدُوبَةِ إِذْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا قَامَ لِلشَّفْعِ الثَّانِي مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ لاَ يَأْتِي فِي ابْتِدَاءِ الثَّالِثَةِ بِدُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ؛ لأَِنَّهَا لِتَأَكُّدِهَا أَشْبَهَتِ الْفَرَائِضَ، بِخِلاَفِ الرُّبَاعِيَّاتِ الْمَنْدُوبَةِ فَيَسْتَفْتِحُ وَيَتَعَوَّذُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي ابْتِدَاءِ كُل شَفْعٍ مِنْهَا.
وَقَالُوا: إِذَا صَلَّى نَافِلَةً أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ كَأَرْبَعٍ فَأَتَمَّهَا وَلَمْ يَجْلِسْ إِلاَّ فِي آخِرِهَا فَالْقِيَاسُ فَسَادُهَا، وَبِهِ قَال زُفَرُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَفِي الاِسْتِحْسَانِ: لاَ تَفْسُدُ لأَِنَّهَا صَارَتْ صَلاَةً وَاحِدَةً مِنْ ذَوَاتِ الأَْرْبَعِ، وَفِيهَا الْفَرْضُ الْجُلُوسُ آخِرُهَا، وَيُجْبَرُ تَرْكُ الْقُعُودِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ سَاهِيًا بِالسُّجُودِ، وَيَجِبُ الْعَوْدُ إِلَيْهِ بِتَذَكُّرِهِ بَعْدَ الْقِيَامِ مَا لَمْ يَسْجُدْ (73) . وَصَرَّحُوا بِأَنَّ التَّنَفُّل بِالرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ (74) .
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ طُول الْقِيَامِ وَبَيْنَ كَثْرَةِ الرَّكَعَاتِ فِي النَّافِلَةِ:
12 - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الصَّلاَةِ أَفْضَل مِنَ الْقَلِيل مَعَ الاِسْتِوَاءِ فِي الطُّول.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ طُول الْقِيَامِ وَبَيْنَ كَثْرَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ اسْتِوَاءِ الزَّمَانِ (75) .
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ - وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ تَطْوِيل الْقِيَامِ أَفْضَل مِنْ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: أَفْضَل الصَّلاَةِ طُول الْقُنُوتِ (76) أَيِ الْقِيَامِ، وَلأَِنَّ الْقِرَاءَةَ تَكْثُرُ بِطُول الْقِيَامِ، وَبِكَثْرَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يَكْثُرُ التَّسْبِيحُ، وَالْقِرَاءَةُ أَفْضَل مِنْهُ، وَلأَِنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ، فَكَانَ اجْتِمَاعُ أَجْزَائِهِ أَوْلَى وَأَفْضَل مِنِ اجْتِمَاعِ رُكْنٍ وَسُنَّةٍ (77) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ. وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، مَعَ اخْتِلاَفِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ إِلَى أَنَّ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - أَيْ كَثْرَةَ الرَّكَعَاتِ - أَفْضَل مِنْ طُول الْقِيَامِ (78) لِقَوْلِهِ ﷺ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ (79) وَقَوْلُهُ ﷺ: عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ (80) ، وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ رَكَعَ رَكْعَةً أَوْ سَجَدَ سَجْدَةً رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً وَحُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ (81) .
وَقَال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: أَمَّا فِي النَّهَارِ فَتَكْثِيرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَل، وَأَمَّا بِاللَّيْل فَتَطْوِيل الْقِيَامِ أَفْضَل إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُل جُزْءٌ بِاللَّيْل يَأْتِي عَلَيْهِ، فَتَكْثِيرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَل لأَِنَّهُ يَقْرَأُ جُزْءَهُ وَيَرْبَحُ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، قَال التِّرْمِذِيُّ: إِنَّمَا قَال إِسْحَاقُ هَذَا لأَِنَّهُمْ وَصَفُوا صَلاَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْل بِطُول الْقِيَامِ وَلَمْ يُوصَفْ مِنْ تَطْوِيلِهِ بِالنَّهَارِ مَا وُصِفَ بِاللَّيْل (82) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ وِرْدٌ مِنَ اللَّيْل بِقِرَاءَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَالأَْفْضَل أَنْ يُكْثِرَ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ، وَإِلاَّ فَطُول الْقِيَامِ أَفْضَل؛ لأَِنَّ الْقِيَامَ فِي الأَْوَّل لاَ يَخْتَلِفُ وَيُضَمُّ إِلَيْهِ زِيَادَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (83) .
الْفَصْل بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ:
13 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ الْفَصْل بَيْنَ النَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ (84) لِقَوْل مُعَاوِيَةَ ﵁: " إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنَا أَنْ لاَ تُوصَل صَلاَةٌ بِصَلاَةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ (85) .
قَال الْبَيْهَقِيُّ - فِيمَا نَقَل عَنْهُ النَّوَوِيُّ - أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالاِضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ - الْفَصْل بَيْنَ النَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ، فَيَحْصُل بِالاِضْطِجَاعِ وَالتَّحَدُّثِ أَوِ التَّحَوُّل مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَلاَ يَتَعَيَّنُ الاِضْطِجَاعُ (86) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمُقْتَدِي وَالْمُنْفَرِدِ وَصْل السُّنَّةِ بِالْمَكْتُوبَةِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، إِلاَّ أَنَّ الاِسْتِحْبَابَ فِي حَقِّ الإِْمَامِ أَشَدُّ حَتَّى لاَ يُؤَدِّيَ تَأْخِيرُهُ إِلَى الْكَرَاهَةِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلاَّ مِقْدَارَ مَا يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلاَل وَالإِْكْرَامِ (87) .
بِخِلاَفِ الْمُقْتَدِي وَالْمُنْفَرِدِ (88) .
وَقَالُوا: إِذَا تَمَّتْ صَلاَةُ الإِْمَامِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ انْحَرَفَ عَنْ يَسَارِهِ وَإِنْ شَاءَ انْحَرَفَ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ شَاءَ ذَهَبَ إِلَى حَوَائِجِهِ وَإِنْ شَاءَ اسْتَقْبَل النَّاسَ بِوَجْهِهِ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ الَّتِي أَتَمَّهَا تَطَوُّعٌ كَالْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، قَال فِي الْخُلاَصَةِ: وَفِي الصَّلاَةِ الَّتِي لاَ تَطَوُّعَ بَعْدَهَا كَالْفَجْرِ وَالْعَصْرِ يُكْرَهُ الْمُكْثُ قَاعِدًا فِي مَكَانِهِ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ.
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ تَطَوُّعٌ يَقُومُ إِلَى التَّطَوُّعِ بِلاَ فَصْلٍ إِلاَّ مِقْدَارَ مَا يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلاَل وَالإِْكْرَامِ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ السُّنَّةِ عَنْ حَال أَدَاءِ الْفَرِيضَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ الْقَدْرِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلاَّ مِقْدَارَ مَا يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلاَل وَالإِْكْرَامِ.
وَقَالُوا: إِذَا قَامَ الإِْمَامُ إِلَى التَّطَوُّعِ لاَ يَتَطَوَّعُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ، بَل يَتَقَدَّمُ أَوْ يَتَأَخَّرُ أَوْ يَنْحَرِفُ يَمِينًا أَوْ شَمَالاً، أَوْ يَذْهَبُ إِلَى بَيْتِهِ فَيَتَطَوَّعُ ثَمَّةَ.
وَأَضَافُوا: لَوْ تَكَلَّمَ الإِْمَامُ بَعْدَ الْفَرْضِ لاَ تَسْقُطُ السُّنَّةُ لَكِنَّ ثَوَابَهَا أَقَل.
وَقِيل فِي الْكَلاَمِ أَنَّهُ يُسْقِطُ السُّنَّةَ.
قَال الْحَلَبِيُّ: وَالأَْوَّل أَوْلَى.
وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمُقْتَدِيَ وَالْمُنْفَرِدَ إِنْ لَبِثَا فِي مَكَانِهِمَا الَّذِي صَلَّيَا فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ جَازَ، وَإِنْ قَامَا إِلَى التَّطَوُّعِ فِي مَكَانِهِمَا ذَلِكَ جَازَ أَيْضًا، وَالأَْحْسَنُ أَنْ يَتَطَوَّعَا فِي مَكَانٍ آخَرَ غَيْرَ مَكَانِ الْمَكْتُوبَةِ (89) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَفْصِل بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّفْل بِالذِّكْرِ الْوَارِدِ (90) . النَّافِلَةُ مِنَ الصَّدَقَاتِ:
14 - صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ (91) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (92) } وَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ وَحَثَّ عَلَيْهَا وَرَغَّبَ فِيهَا.
وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْل تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلاَّ الطَّيِّبُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْل الْجَبَل (93) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّصَدُّقِ قَبْل أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَقَبْل الإِْنْفَاقِ عَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ مِنَ الأَْقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ.
فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ صَدَقَتُهُ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى الإِْضَافَةِ أَوْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدَيْنٍ لاَ يَرْجُو لَهُ وَفَاءً؛ لِخَبَرِ كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول، وَلأَِنَّ كِفَايَتَهُمْ فَرْضٌ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْل.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ.
وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَدَقَة ف 23) .
وَقَال ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: الصَّدَقَةُ مِنْهَا مَا نَفْعُهُ مُتَعَدٍّ كَالإِْصْلاَحِ، وَإِعَانَةِ الرَّجُل عَلَى دَابَّتِهِ يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ مَتَاعَهُ عَلَيْهَا، وَالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَيَدْخُل فِيهَا السَّلاَمُ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِزَالَةُ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَدَفْنُ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِعَانَةُ ذِي الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفِ وَإِسْمَاعُ الأَْصَمِّ، وَالْبَصَرُ لِلْمَنْقُوصِ بَصَرُهُ، وَهِدَايَةُ الأَْعْمَى أَوْ غَيْرِهِ الطَّرِيقَ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: وَبَيَانُكَ عَنِ الأَْرْتَمِ صَدَقَةٌ (94) يَعْنِي مَنْ لاَ يُطِيقُ الْكَلاَمَ إِمَّا لآِفَةٍ فِي لِسَانِهِ أَوْ لِعُجْمَةٍ فِي لُغَتِهِ، فَيُبَيِّنُ عَنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ.
وَمِنْهُ مَا هُوَ قَاصِرُ النَّفْعِ كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيل، وَالْمَشْيِ إِلَى الصَّلاَةِ، وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ لاِنْتِظَارِ الصَّلاَةِ أَوْ لاِسْتِمَاعِ الذِّكْرِ، وَالتَّوَاضُعِ فِي اللِّبَاسِ وَالْمَشْيِ وَالْهَدْيِ، وَالتَّبَذُّل فِي الْمِهْنَةِ وَاكْتِسَابِ الْحَلاَل وَالتَّحَرِّي فِيهِ (95) .
صِيَامُ النَّافِلَةِ:
15 - صِيَامُ النَّافِلَةِ مِنْ أَفْضَل الأَْعْمَال (96) وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي الأَْيَّامِ الْفَاضِلَةِ، وَفَوَاضِل الأَْيَّامِ بَعْضُهَا يُوجَدُ فِي كُل سَنَةٍ وَبَعْضُهَا يُوجَدُ فِي كُل شَهْرٍ وَبَعْضُهَا فِي كُل أُسْبُوعٍ.
أَمَّا فِي السَّنَةِ بَعْدَ أَيَّامِ رَمَضَانَ فَيَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ وَالْعَشْرُ الأُْوَل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَالْعَشْرُ الأُْوَل مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَجَمِيعُ الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ مَظَانُّ الصَّوْمِ وَهِيَ أَوْقَاتٌ فَاضِلَةٌ.
وَأَمَّا مَا يَتَكَرَّرُ فِي الشَّهْرِ فَأَوَّل الشَّهْرِ وَأَوْسَطُهُ وَآخِرُهُ، وَوَسَطُهُ الأَْيَّامُ الْبِيضُ وَهِيَ الثَّالِثُ عَشَرَ وَالرَّابِعُ عَشَرَ وَالْخَامِسُ عَشَرَ.
وَأَمَّا فِي الأُْسْبُوعِ فَالاِثْنَيْنُ وَالْخَمِيسُ وَالْجُمُعَةُ، قَال الْغَزَالِيُّ: فَهَذِهِ هِيَ الأَْيَّامُ الْفَاضِلَةُ فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا الصِّيَامُ وَتَكْثُرُ الْخَيْرَاتُ لِتُضَاعَفَ أُجُورُهَا بِبَرَكَةِ هَذِهِ الأَْوْقَاتِ (97) .
وَإِذَا ظَهَرَتْ أَوْقَاتُ الْفَضِيلَةِ فَالْكَمَال فِي أَنْ يَفْهَمَ الإِْنْسَانُ مَعْنَى الصِّيَامِ وَأَنَّ مَقْصُودَهُ تَصْفِيَةُ الْقَلْبِ وَتَفْرِيغُ الْهَمِّ لِلَّهِ ﷿. وَالْفَقِيهُ بِدَقَائِقِ الْبَاطِنِ يَنْظُرُ إِلَى أَحْوَالِهِ، فَقَدْ يَقْتَضِي حَالُهُ دَوَامَ الصَّوْمِ وَقَدْ يَقْتَضِي دَوَامَ الْفِطْرِ وَقَدْ يَقْتَضِي مَزْجَ الإِْفْطَارِ بِالصَّوْمِ، وَإِذَا فَهِمَ الْمَعْنَى وَتَحَقَّقَ حَدَّهُ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الآْخِرَةِ بِمُرَاقَبَةِ الْقَلْبِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ صَلاَحُ قَلْبِهِ، وَذَلِكَ لاَ يُوجَدُ تَرْتِيبًا مُسْتَمِرًّا، وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُول: لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُول: لاَ يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَل صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلاَّ رَمَضَانَ (98) ، وَعَنْ أَنَسٍ: كَانَ لاَ تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْل مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ، وَلاَ نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ (99) ، وَكَانَ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَنْكَشِفُ لَهُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ مِنَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الأَْوْقَاتِ (100) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي أَنْوَاعِ صِيَامِ النَّافِلَةِ وَمَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهُ مِنَ الأَْيَّامِ وَسَائِرِ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَوْضُوعِ (ر: صَوْمُ التَّطَوُّعِ مِنْ ف 7 - 17) . حَجُّ النَّفْل:
16 - حَجُّ النَّفْل مِنْ أَفْضَل الأَْعْمَال (101) ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْعَمَل أَفْضَل؟ فَقَال: " إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيل: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ، قِيل: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: حَجٌّ مَبْرُورٌ (102) .
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَلاَ نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَال: " لاَ، لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ حَجٌّ مَبْرُورٌ " قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلاَ أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ (103) .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ حَجِّ النَّفْل وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ أَعْمَال الْبِرِّ فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: بِنَاءُ الرِّبَاطِ أَفْضَل مِنْ حَجِّ النَّفْل.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَحَجِّ النَّفْل: فَرَجَّحَ صَاحِبُ البَزَّازِيَّةِ أَفْضَلِيَّةَ حَجِّ النَّفْل لِمَشَقَّتِهِ فِي الْمَال وَالْبَدَنِ جَمِيعًا، قَال: وَبِهِ أَفْتَى أَبُو حَنِيفَةَ حِينَ حَجَّ وَعَرَفَ الْمَشَقَّةَ (104) .
وَفِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ: الْمُخْتَارُ أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَل لأَِنَّ الصَّدَقَةَ تَطَوُّعًا يَعُودُ نَفْعُهَا عَلَى غَيْرِهِ وَالْحَجُّ لاَ (105) .
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ أَرْبَعَ صُوَرٍ، حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعُ لأَِنَّ الْحَجَّ وَالْغَزْوَ إِمَّا فَرْضَانِ أَوْ مُتَطَوَّعٌ بِهِمَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ فَرْضًا وَالْغَزْوُ تَطَوُّعًا وَإِمَّا عَكْسُهُ، فَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ مُتَعَيِّنًا بِفَجْأَةِ الْعَدُوِّ أَوْ بِتَعْيِينِ الإِْمَامِ أَوْ بِكَثْرَةِ الْخَوْفِ، كَانَ أَفْضَل مِنَ الْحَجِّ سَوَاءٌ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا، وَحِينَئِذٍ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَلَوْ عَلَى الْقَوْل بِفَوْرِيَّةِ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ كَانَ الْحَجُّ وَلَوْ تَطَوُّعًا أَفْضَل مِنَ الْغَزْوِ، وَلَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَدَّمُ تَطَوُّعُ الْحَجِّ عَلَى تَطَوُّعِ الْغَزْوِ وَهُوَ الْجِهَادُ فِي الْجِهَاتِ الْغَيْرِ الْمُخِيفَةِ، وَعَلَى فَرْضِهِ الْكِفَائِيِّ كَالْجِهَادِ فِي الْجِهَاتِ الْمُخِيفَةِ.
وَيُقَدَّمُ فَرْضُ الْحَجِّ عَلَى تَطَوُّعٍ وَعَلَى فَرْضِ الْغَزْوِ الْكِفَائِيِّ عَلَى الْقَوْل بِالْفَوْرِ، وَكَذَا عَلَى الْقَوْل بِالتَّرَاخِي إِنْ خِيفَ الْفَوَاتُ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ يُقَدِّمْ فَرْضَ الْغَزْوِ الْكِفَائِيِّ عَلَى فَرْضِ الْحَجِّ (1) .
__________
(1) لسان العرب، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، والمغرب.
(2) سورة الإسراء / 79.
(3) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص 383.
(4) حاشية الدسوقي 1 / 312، والشرح الصغير 1 / 401 ط المعارف.
(5) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي 2 / 100 - 101، ومغني المحتاج 1 / 219، والمجموع 4 / 2، وحاشية القليوبي 1 / 209 - 210، وأسنى المطالب 1 / 200.
(6) المصباح المنير.
(7) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص 13.
(8) حاشية الدسوقي 1 / 312.
(9) مراقي الفلاح ص 211.
(10) دليل الفالحين 1 / 295 - 297.
(11) حديث: " إن الله قال: من عادى لي وليا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 340 - 341 ط السلفية) .
(12) جامع العلوم والحكم لابن رجب 2 / 335 - 336 ط مؤسسة الرسالة.
(13) أثر خباب: تقرب إلى الله ما استطعت. أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (1 / 261 - ط وزارة الأوقاف المغربية.
(14) جامع العلوم والحكم 2 / 342 - 343 ط مؤسسة الرسالة.
(15) حديث: " أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله. . . ". أخرجه ابن حبان في الصحيح (3 / 100 ط مؤسسة الرسالة) .
(16) حديث: " إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة. . . ". أخرجه أبو داود (1 / 540 - 541 ط حمص) والترمذي (2 / 270 ط الحلبي) واللفظ له، وقال: حسن غريب.
(17) حديث: " ثم الزكاة مثل ذلك ". أخرجه أبو داود (1 / 541 ط حمص) من حديث تميم الداري.
(18) تحفة الأحوذي شرح الترمذي 2 / 462 - 464.
(19) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 157 ط دار الكتب العلمية، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 145، والفروق للقرافي 2 / 122.
(20) حديث: " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي. . . ". تقدم تخريجه ف (4) .
(21) الأشباه للسيوطي ص 145.
(22) جامع العلوم والحكم 2 / 336.
(23) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 157، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 145، والفروق للقرافي 2 / 127 - 128.
(24) المراجع السابقة.
(25) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 157، والأشباه للسيوطي ص 145.
(26) حديث: " وخيرهما الذي يبدأ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 492 ط السلفية) ومسلم (4 / 1984 ط عيسى الحلبي) من حديث أبي أيوب الأنصاري.
(27) الأشباه لابن نجيم ص 156، والأشباه للسيوطي ص 147.
(28) الأشباه للسيوطي ص 146.
(29) حديث أبي قتادة ﵁: " بينما نحن نصلي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 116 ط السلفية) .
(30) حديث: " وما فاتكم فاقضوا ". أخرجه أحمد (2 / 270) من حديث أبي هريرة ﵁.
(31) الفروق للقرافي 2 / 128 - 130.
(32) حديث: " وما تقرب إلي عبدي. . . ". تقدم تخريجه ف (4) .
(33) .
(34) المغني 3 / 185، ومواهب الجليل 2 / 90.
(35) منحة الخالق بهامش البحر الرائق 2 / 61، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي 2 / 570 نشر دار الكتاب العربي، ومواهب الجليل 2 / 90.
(36) أصول السرخسي 1 / 115 - 116 ط دار الكتب العلمية - بيروت 1993م.
(37) المغني 3 / 153.
(38) الفروق للكرابيسي 1 / 44.
(39) حديث: " الصائم المتطوع. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 109 ط الحلبي)
(40) مغني المحتاج 1 / 448، والمغني لابن قدامة 3 / 153.
(41) سورة محمد / 33.
(42) مغني المحتاج 1 / 448.
(43) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 402، والمغني 3 / 151 - 153.
(44) حاشية ابن عابدين 2 / 117
(45) حاشية ابن عابدين 2 / 161.
(46) حاشية الدسوقي 1 / 263، والشرح الصغير 14 / 366.
(47) حاشية الدسوقي 1 / 518.
(48) الشرح الكبير للدردير 2 / 5.
(49) مغني المحتاج 1 / 445.
(50) المنثور في القواعد 3 / 278.
(51) تحفة المحتاج مع الحواشي 1 / 440.
(52) المغني 1 / 614.
(53) حديث أبي هريرة: " من صام تطوعا. . . ". أخرجه أحمد في المسند (2 / 352) .
(54) المغني 3 / 145 - 146.
(55) المغني 3 / 246.
(56) المغني 1 / 466، وروضة الطالبين 1 / 337.
(57) مراقي الفلاح ص 218 - 219.
(58) غنية المتملي شرح منية المصلي ص 432 - 433.
(59) روضة الطالبين 1 / 335.
(60) روضة الطالبين 1 / 336، والإنصاف 2 / 186.
(61) روضة الطالبين 1 / 335.
(62) حديث: " كان يصلي قبل الظهر. . . ". أخرجه ابن ماجة (1 / 365 - 366 ط عيسى الحلبي) .
(63) حديث: " الصلاة خير موضوع. . . ". أخرجه أحمد (5 / 265 ط الميمنية) من حديث أبي أمامة، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (1 / 159 ط القدسي) وقال: مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف.
(64) مطالب أولي النهى 1 / 573 - 574، وانظر الإنصاف 1 / 186 - 187. وأثر عمر: هو التطوع: فمن شاء. . . أخرجه البيهقي في الكبرى (3 / 24 ط دائرة المعارف) .
(65) القوانين الفقهية ص 87 ط دار الكتاب العربي.
(66) مواهب الجليل 2 / 126.
(67) مراقي الفلاح ص 214 - 215، وانظر تبيين الحقائق 1 / 172.
(68) حديث عائشة: " ما كان رسول الله ﷺ يزيد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 251 ط السلفية) ومسلم (1 / 509 ط عيسى الحلبي) .
(69) حديث: " كان ﷺ يصلي الضحى. . . ". أخرجه أبو يعلى في المسند (7 / 330 - ط دار المأمون) من حديث عائشة.
(70) مراقي الفلاح ص 214 - 215، وانظر تبيين الحقائق للزيلعي 1 / 172.
(71) حديث: " صلاة الليل مثنى مثنى ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 478 ط السلفية) ومسلم (1 / 519 ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر ﵄.
(72) مراقي الفلاح ص 214.
(73) مراقي الفلاح ص 214.
(74) البحر الرائق 2 / 61.
(75) الذخيرة للقرافي 2 / 407.
(76) حديث: " أفضل الصلاة طول القنوت ". أخرجه مسلم (1 / 520 ط عيسى الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.
(77) البدائع 1 / 295، وتبيين الحقائق 1 / 173، وحاشية الدسوقي 1 / 319، والذخيرة للقرافي 2 / 408، والمجموع 4 / 45 و 3 / 267 وما بعدها، ومطالب أولي النهى 1 / 574.
(78) مطالب أولي النهى 1 / 574، وحاشية الدسوقي 1 / 319، والذخيرة 2 / 408، والمجموع 3 / 268 - 269.
(79) حديث: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". أخرجه مسلم (1 / 350 ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.
(80) حديث: " عليك بكثرة السجود لله ". أخرجه مسلم (1 / 353 ط عيسى الحلبي) من حديث ثوبان ﵁.
(81) حديث: " من ركع ركعة أو سجد سجدة رفع بها درجة. . . ". أخرجه أحمد (5 / 147 ط الميمنية) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (2 / 248 ط المقدسي) وقال: أخرجه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(82) المجموع 3 / 269 - 270.
(83) البحر الرائق 2 / 59، والبدائع 1 / 295.
(84) مطالب أولي النهى 1 / 550، والمجموع 4 / 29.
(85) حديث: " أمرنا أن لا توصل صلاة. . . " أخرجه مسلم (2 / 601 ط عيسى الحلبي) .
(86) المجموع 4 / 29.
(87) حديث: " كان رسول الله ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار. . . ". أخرجه مسلم (1 / 414 ط عيسى الحلبي) .
(88) غنية المتملي شرح منية المصلي ص 344.
(89) غنية المتملي شرح منية المصلي ص 340 - 344، وانظر مراقي الفلاح ص 170 وما بعدها، والفتاوى الهندية 1 / 77، وحاشية ابن عابدين 1 / 356.
(90) الدسوقي 1 / 312، والفواكه الدواني 1 / 228، 230، والخرشي 2 / 3.
(91) المغني لابن قدامة 3 / 82
(92) سورة البقرة / 245.
(93) حديث: " من تصدق بعدل تمرة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 415 ط السلفية) .
(94) حديث: " بيانك عن الأرتم. . . ". أخرجه أحمد (5 / 154 ط الميمنية) .
(95) جامع العلوم والحكم 2 / 86، 91 ط مؤسسة الرسالة.
(96) الذخيرة للقرافي 2 / 528.
(97) إحياء علوم الدين 1 / 237 ط دار المعرفة.
(98) حديث عائشة: " كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر. . . " أخرجه مسلم (2 / 810 ط عيسى الحلبي) .
(99) حديث: " كان لا تشاء تراه في الليل مصليًا. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 215 ط السلفية) .
(100) إحياء علوم الدين 1 / 238.
(101) هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك 1 / 8 ط دار البشائر، وانظر فتح الباري 3 / 446 ط دار الريان للتراث.
(102) حديث: " أي العمل أفضل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 77 ط السلفية) ومسلم (1 / 88 ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري.
(103) حديث عائشة: " قلت: يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 72 ط السلفية) .
(104) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 2 / 253 - 254.
(105) حاشية الطحطاوي على الدر 1 / 559.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 100/ 41
انْظُرْ: أنفال
__________
الموسوعة الفقهية الكويتية: 117/ 41
رمضانُ شهرُ الانتصاراتِ الإسلاميةِ العظيمةِ، والفتوحاتِ الخالدةِ في قديمِ التاريخِ وحديثِهِ.
ومنْ أعظمِ تلكَ الفتوحاتِ: فتحُ مكةَ، وكان في العشرينَ من شهرِ رمضانَ في العامِ الثامنِ منَ الهجرةِ المُشَرّفةِ.
فِي هذهِ الغزوةِ دخلَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلمَ مكةَ في جيشٍ قِوامُه عشرةُ آلافِ مقاتلٍ، على إثْرِ نقضِ قريشٍ للعهدِ الذي أُبرمَ بينها وبينَهُ في صُلحِ الحُدَيْبِيَةِ، وبعدَ دخولِهِ مكةَ أخذَ صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ يطوفُ بالكعبةِ المُشرفةِ، ويَطعنُ الأصنامَ التي كانتْ حولَها بقَوسٍ في يدِهِ، وهوَ يُرددُ: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» (81)الإسراء، وأمرَ بتلكَ الأصنامِ فكُسِرَتْ، ولما رأى الرسولُ صناديدَ قريشٍ وقدْ طأطأوا رؤوسَهمْ ذُلاً وانكساراً سألهُم " ما تظنونَ أني فاعلٌ بكُم؟" قالوا: "خيراً، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ"، فأعلنَ جوهرَ الرسالةِ المحمديةِ، رسالةِ الرأفةِ والرحمةِ، والعفوِ عندَ المَقدُرَةِ، بقولِه:" اليومَ أقولُ لكمْ ما قالَ أخِي يوسفُ من قبلُ: "لا تثريبَ عليكمْ اليومَ يغفرُ اللهُ لكمْ، وهو أرحمُ الراحمينْ، اذهبوا فأنتمُ الطُلَقَاءُ".